أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
455

قال: «ما منع ابن أبي السمال أن يبعث إليك بعطائك؟ أما علم أنّ لك في بيت المال نصيبا؟» (1).

و لكن لا يمكن الاستدلال بها على المطلوب أيضا في غير جوائز السلطان ممّا هو مخلوط بالحرام، و يختصّ بما يكون للآخذ حقّ فيه.

الطائفة الثّالثة: ما يدلّ على الجواز و ان لم يكن من السلطان بل كان من غير بيت المال، فحينئذ يكون دليلا على المطلوب، مثل رواية الطبرسي، و لكن قد عرفت ضعف سنده بالإرسال، لأنّ الطبرسي أحمد بن علي بن أبي طالب من أعلام القرن السادس و محمّد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري كان في عصر الغيبة الصغرى، فلا يجوز روايته عنه بلا واسطة.

الطائفة الرّابعة: ما قد يستفاد منه عدم الجواز مثل:

12- ما رواه الفضل بن الربيع عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث أنّ الرشيد بعث إليه بخلع و حملان و مال فقال: «لا حاجة لي بالخلع و الحملان و المال إذا كان فيه حقوق الامّة»، فقلت: ناشدتك باللّه أن لا تردّه فيغتاظ، قال: «اعمل به ما أحببت» (2).

13- و ما رواه عبد اللّه بن الفضل عن أبيه في حديث انّ الرشيد أمر باحضار موسى بن جعفر (عليه السلام) يوما فأكرمه و أتى بها بحقّة الغالية ففتحها بيده فغلفه بيده، ثمّ أمر أن يحمل بين يديه خلع و بدرتان دنانير فقال موسى بن جعفر (عليه السلام): «و اللّه لو لا أنّي أرى من ازوّجه بها من غراب بني أبي طالب لئلّا ينقطع نسله ما قبلتها أبدا» (3). فهو دليل على عدم القبول إلّا في موارد الضرورة.

و ما يدلّ على الجواز في خصوص مقدار الحقّ الذي أخذوه منه:

14- ما رواه داود بن رزين قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): انّي اخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها أو الدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثمّ يقع لهم عندي المال، فلي أن آخذه؟ قال: «خذ مثل ذلك و لا تزد عليه» (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 157، الباب 51، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 158، ح 10.

(3). المصدر السابق، ص 159، ح 11.

(4). المصدر السابق، ص 157، ح 7.

456

و لكن رواية الفضل بن الربيع (10/ 51) التي مرّت عليك ظاهرها غير هذه الصورة، بل ما علم بوجود حقوق الامّة فيه.

و رواية عبد اللّه بن الفضل أيضا (11/ 51) لا تدلّ على الحرمة بل غايتها الكراهة، لأنّ عدم قبول الإمام (عليه السلام) له أعمّ من الحرمة، كما هو ظاهر، لا سيّما مع ملاحظة شئونه (عليه السلام) مضافا إلى ضعف السند فيهما بالفضل بن الربيع صاحب الرشيد.

و أمّا رواية داود بن رزين (7/ 51) فلعلّها ناظرة إلى ما لم يكن الرجل مستحقّا لأخذ ما في بيت المال و لم يكن هو من مصارفه.

فلا يستفاد من روايات هذه الطائفة الحرمة و ان كان يلوح منها في بدو النظر، فتلخّص ممّا ذكر أنّه لا يستفاد من شي‌ء منها ما ينافي القاعدة، و قد عرفت دلالتها على الحرمة إذا كان المال مخلوطا بالحرام.

نعم، إذا كان له حقّ في المال (كما في الجوائز) و كان الاختلاط سببا للشركة، أمكن أخذ حقّه بحكم الإمام (عليه السلام)، أو إذا لم يكن سببا للشركة، و لكن كان من مظانّ الصلح، أمكن أيضا لذلك.

إن قلت: لما ذا لا تعتمد على قاعدة اليد في المقام؟ و لو كان مجرّد الخلط بالحرام مانعا لوجب اجتناب أموال أكثر الناس للعلم الإجمالي بكثرة الربا و الرشا و الغصب و التطفيف و البخس في المكيال و الميزان و السرقة و الغشّ و ترك الحقوق الواجبة و غير ذلك مع عدم مبالاتهم بها.

هذا بالنسبة إلى كثير ممّن ينتمي إلى الإسلام، و لو كان بالنسبة إلى الكفّار كان الأمر أوضح بعد كون أموالهم مخلوطة بمحرّمات كثيرة.

قلت: لا نقول إنّ مجرّد العلم بوجود الحرام يوجب سقوط اليد عن الدلالة على الملك، إنّما ذلك إذا كان فيه أمران: «أحدهما» غلبة الحرام على المال كأموال السرّاق و أشباههم، ممّن يكون شغلهم المعاملات الربوية أو القمار أو بيع الخمور.

و «الثاني»: عدم مبالاته بذلك حتّى في اعطائه هذا الرجل، فلو كان له بعض أموال محلّلة قليلة، و قال بأنّ هذا من صلب المال الحلال، و كان غير متّهم في هذا القول، أمكن‌

457

الاعتماد على يده بعموم قاعدة اليد و عدم الدليل على الاستثناء هنا.

بقي هنا شي‌ء، و هو أنّه حكم غير واحد منهم بالكراهة مع الجواز في هذه الصورة، و يمكن الاستدلال به بالأدلّة العامّة الدالّة على التورّع عن الشبهات و هي كثيرة، ذكرها الأصحاب في مسألة البراءة و الاحتياط، و هي كما تشمل الشبهات الحكمية تشمل الشبهات الموضوعية مثل: أخوك دينك ... (1) و مثل: الامور ثلاثة ... (2) و الأدلّة الخاصّة الواردة في المسألة مثل ما عرفت آنفا في الطائفة الرابعة من إباء الإمام (عليه السلام) من قبول جوائز الخلفاء و عمّالهم حذرا من حقوق الناس فيها، أو عدم قبوله إلّا لحاجة شديدة لآل أبي طالب و أنّه لو لاها لما أخذها.

مضافا إلى الاعتبار العقلي بكون القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها، فالأخذ منهم ربّما يوجب جلب محبّتهم.

إن قلت: هذا الاحتمال- أي احتمال وجود الحرام- موجود في غالب الأموال. قلنا: كلّا، فهناك فرق بين الاحتمالات القويّة و الضعيفة.

هذا و الاستدلال بجميع هذه الروايات قابل للتأمّل، أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ أخذ الجائزة باعتبار استحقاق الآخذ من بيت المال من قبيل أخذ الحقّ، كما يظهر من رواية الحضرمي (6/ 51) المتقدّمة، أمّا على نحو الإشاعة أو المجهول المردّد الذي لا طريق له إلّا المصالحة.

و أمّا الثاني: فيمكن الجواب عمّا يرتبط بعمل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بأنّه لا عموم فيه من ناحية الحكم، و لعلّه لموضع الإمام (عليه السلام) و كونه دون شأنه، أو كونه موجبا لاشتباه الأمر على ضعفاء الشيعة و أمثال ذلك، فلا يمكن إلغاء الخصوصية منها، و الاستناد إلى قاعدة الاشتراك كما ترى، لأنّها تختصّ بما إذا كانت الأوصاف و الشرائط الدخيلة في الحكم مساوية لا كما في الحاضر و المسافر و غيرهما.

و أمّا نهي بعض الصحابة عن ذلك، فلما عرفت من احتمال عدم حقّ له في بيت المال‌

____________

(1). بحار الأنوار، ج 2، ص 258.

(2). المصدر السابق.

458

زائدا على ما كان يأخذه منهم بسبب اختلاطه معهم.

و الاعتبار العقلي مضافا إلى كونه ظنّيا هنا غير عام بالنسبة إلى جميع الموارد كما هو ظاهر، ثمّ انّهم ذكروا في الخروج عن الكراهة امورا:

منها: العناوين الثانوية، مثل التقيّة، و الحاجة الشديدة لنفسه أو لغيره من الشيعة، و هو و ان كان صحيحا في نفسه، إلّا أنّ باب العناوين الثانوية مفتوح في كلّ شي‌ء، حتّى المحرّمات مثل أكل الميتة، فهي أمر مفروغ عنه.

و منها: إخراج الخمس منه، و فيه أنّه ليس من المال المخلوط بالحرام حتّى يخرج منه الخمس و يطهر، بل من المال المشتبه، و قد يكون حراما كلّه، فاللازم ممّن يريد الاحتياط المعاملة معه معاملة «مجهول المالك».

و منها: إخبار صاحبه بكونه مباحا حلالا من صلب ماله، و لا بأس به لو كان غير متّهم في إخباره، و قد يكون الإنسان متّهما في أعماله و لا يكون متّهما في أقواله، أو خصوص هذا القول، و هذا التفكيك ليس بعزيز، فيدخل تحت عنوان أدلّة إخبار ذي اليد، و هو ظاهر.

الصورة الثّالثة: العلم بوجود الحرام في أمواله تفصيلا

ما إذا علم تفصيلا بأنّ ما أعطاه محرّم بعينه مغصوب، أو شبهه من المحرّمات، و حكمه ظاهر من ناحية أصل الحرمة و لا كلام فيه، إنّما الكلام في فروع كثيرة ترتبط به، منها:

1- عدم جواز أخذه لو علم به قبل ذلك، لأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه، و كذا يحرم إمساكه لو علم به بعده، بل يجب ردّه إلى مالكه، و هل يجوز أخذه من السلطان الجائر بنيّة الردّ إلى مالكه؟

قد يقال: نعم، لأنّه إحسان يعلم عادة برضى صاحبه به، و لو شكّ في ذلك كما إذا احتمل أنّ صاحبه يريد أخذه بنفسه منه، ليكون دليلا على ظلمه و حجّة له عليه، أو غير ذلك من أشباهه لم يجز قطعا.

2- «الضمان على التقدير الأوّل» أعني فيما لا يجوز أخذه، و عدم الضمان فيما يجوز،

459

كما إذا أخذه بنيّة الردّ و علم برضا مالكه بذلك، و لو كان جاهلا ثمّ علم به، و كان من نيّته الردّ في أوّل وقت ممكن، لم يكن ضامنا أيضا، و الدليل عليه أنّه كاليد الأمينة، و إنّ أخذه أوّلا لمصلحة نفسه، و لكنّه في الاستدامة انقلب حاله كان ضامنا حتّى في حال الجهل، لأنّ الجهالة لا ترفع الضمان كما ذكروه في بابه، فهذا داخل في قاعدة عدم ضمان الأمين، سواء كان على هذه النيّة من أوّل أمره، أو بعد ما علم، حتّى إذا كان عالما، ثمّ تاب و قصد الردّ في أوّل وقت ممكن، و إن كان لا يخلو عن إشكال في هذه الصورة، و قد يتمسّك باستصحاب الضمان في كلتا الصورتين (صورتي الجهل و العلم بلا نيّة الردّ).

و فيه: مضافا إلى تبدّل الموضوع بصيرورة اليد يد أمانة، إنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية غير حجّة عندنا.

3- و منها إنّه قد عرفت وجوب الردّ في أوّل فرصة ممكنة، و يجب عليه الإعلام إلى أن يحصل اليأس منه، و هل المدار فيه على دوران السنّة كاللقطة؟ الظاهر عدمه، لأنّ روايات اللقطة الواردة في الباب 2 من أبواب اللقطة (1) لا تشمله بظاهرها إلّا بالغاء الخصوصية، و هو مشكل، فالأحوط لو لا الأقوى هو الإعلام إلى حدّ اليأس حتّى لو حصل قبل ذلك (فانّ السنّة تدور مدار عنوان اللقطة و الضالّة و عنوان «إن وجدت شيئا»، و كلّ ذلك أجنبي عن المقام) و تعريف السنّة و ان كان إجماعيا في اللقطة على ما حكاه في الجواهر و الغنية (2) و يدلّ عليه روايات كثيرة، لكنّها أجنبية عن المقام.

نعم، في رواية حفص بن غياث ما يدلّ على جريان حكم السنّة فيما أودعه بعض اللصوص و الرواية كما يلي: عن حفص بن غياث قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللصّ مسلم هل يردّ عليه؟ فقال: «لا يردّه، فان أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، و إلّا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولا، فان أصاب صاحبها ردّها عليه، و إلّا تصدّق بها، فان جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر و الغرم، فان اختار الأجر فله الأجر، و ان اختار الغرم غرم له و كان الأجر له» (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 349.

(2). جواهر الكلام، ج 38، ص 290.

(3). وسائل الشيعة، ج 17، ص 368، الباب 18، من أبواب اللقطة، ح 1.

460

و من هنا أفتى بعضهم بجريان الحكم فيما نحن بصدده، مثل ما يحكى عن ابن إدريس في السرائر.

و لكن التعدّي من الوديعة إلى مطلق مجهول المالك مشكل، نعم لا يبعد الحاق كلّ ما يؤخذ من الظالم (بنيّة ردّه إلى مالكه) به بالأولوية، و لو لا ضعف سند الرواية بحفص بن غياث، و بعض آخر، أمكن الغاء الخصوصية منه على احتمال، و لكن ضعفها يمنعها، و جبرها بعمل الأصحاب غير واضح، و لذا أسند العمل بها في الجواهر إلى المحقّق (رحمه اللّه) و جماعة (1) و لم يعتمد في المسالك على الرواية، بل قال: «إنّ مضمونه موافق للأصول الشرعية فانّه بعد التعريف يصير مالا مجهول المالك، و قد تقدّم أنّه يجوز الصدقة به عن مالكه، و لا يقدح زيادة التعريف هنا، لأنّه زيادة في الاستظهار و التفحّص عن المالك» (2).

فانّ مضمون هذا الكلام عمله به من باب الاحتياط و لا مانع منه.

و على كلّ حال اجراء حكم اللقطة على كلّ إشكال مجهول المالك مشكل.

و ليعلم أنّ كثيرا من هذه الفروع يجري في غير الجوائز، بل في كلّ مال مجهول مالكه.

4- منها إنّه لو ادّعاه أحد، فهل يردّه إليه، أو يحتاج إلى ذكر الأوصاف أو العلم؟

الظاهر هو الأخير، و ان مال شيخنا الأعظم إلى الأوّل، و ذلك لأصالة اشتغال الذمّة، و كون الدعوى بلا معارض و ان كان كافيا في الحكم بالملك في بعض الموارد، و لكن لا يشمل المقام قطعا ممّا اشتغلت الذمّة بالردّ، كما أنّ ذكر الأوصاف إنّما هو للعلم أو الاطمئنان بمالك العين.

5- منها حكمه بعد اليأس (بل حكم مطلق مجهول المالك) فقد ذكر فيه احتمالات أو أقوال:

فهل يتصدّق به عن المالكه مع الضمان؟

أو هو للإمام (عليه السلام)؟

أو لمن وصل بيده؟

____________

(1). جواهر الكلام، ج 38، ص 334.

(2). المسالك، ج 2، ص 304- كتاب اللقطة-.

461

أو يجب حفظه لمالكه دائما؟

أو اعطائه للحاكم ليحفظه كذلك؟

أمّا الأخيران فلا شكّ في أنّ حفظه مع اليأس عن وجدان مالكه لا وجه له، سواء كان بنفسه أو بردّه إلى حاكم الشرع، بل هو مظنّة للتلف بعد لزوم الإيصاء به لما بعد موته.

نعم، هناك بعض ما دلّ على ذلك مثل:

ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن اللقطة .. إلى أن قال:

و سألته عن الرجل يصيب درهما أو ثوبا أو دابة كيف يصنع بها؟ قال: «يعرّفها سنة فان لم يعرف حفظها في عرض ماله حتّى يجي‌ء طالبها فيعطيها إيّاه و ان مات أوصى بها، و هو لها ضامن» (1).

و لكن الظاهر أنّها مخصوصة بما إذا احتمل وجدان صاحبه.

أمّا صيرورته ملكا لمن وصل بيده، فيمكن الاستناد له بصحيحة علي بن مهزيار قال:

كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) و قرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة قال: «... فالغنائم و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها و الجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر ... و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب ...» (2).

و لذا يحكى عن غير واحد من المتأخّرين جواز العمل به كالمحقّق الهمداني (رحمه اللّه) و غيره، و يستدلّ له أيضا بما ورد في باب من وجد لؤلؤة في بطن سمكة و هي:

ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث انّ رجلا عابدا من بني إسرائيل كان محارفا فأخذ غزلا فاشترى به سمكة فوجد في بطنها لؤلؤة، فباعها بعشرين ألف درهم، فجاء سائل فدقّ الباب فقال له الرجل ادخل فقال له خذ أحد الكيسين، فأخذ أحدهما و انطلق فلم يكن بأسرع من أن دقّ السائل الباب فقال له الرجل: ادخل فدخل فوضع الكيس في مكانه ثمّ قال: «كل هنيئا مريئا أنا ملك من ملائكة ربّك إنّما أراد ربّك أن يبلوك فوجدك شاكرا»، ثمّ ذهب (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 370، الباب 20، من أبواب اللقطة، ح 2.

(2). وسائل الشيعة، ج 6، ص 349، الباب 8، من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5.

(3). وسائل الشيعة، ج 17، ص 359، الباب 10، من أبواب اللقطة، ح 1، (و في معناه الأحاديث 2 و 3 و 4 من الباب نفسه).

462

و هي و إن كانت ضعيفة الإسناد من جهات شتّى، و لكنّها متكاثرة معنى، و لكن لا دلالة لها على المطلوب، فانّه من قبيل حيازة المباحات الأوّلية التي لم يحزها حائز، و احتمال كونها لأناس كما ترى.

و كذا ما دلّ على جواز تملّك من وجد صرّة في بطن حيوان بعد ما ذبحه و أنّه يعرّفه البائع، فان لم يعرفها فهي له، مثل ما رواه عبد اللّه بن جعفر قال: كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، لمن يكون ذلك؟ فوقع (عليه السلام): «عرّفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشي‌ء لك رزقك اللّه إيّاه» (1).

و روايته صحيحة الإسناد، و قد حكى الإجماع على العمل به غير واحد منهم، و لكن يمكن القول بأنّه من مصاديق اللقطة، و أحد أفراد التخيير فيها هو التملّك، و أمّا عدم تقييده بتعريف السنّة، فلعلّه لليأس الحاصل في الحيوان الذي يشتري للأضاحي، و إلّا لا وجه للتملّك مع عدم اليأس.

و أمّا كونه للإمام (عليه السلام)، فيدلّ عليه ما رواه داود بن أبي يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالا و انّي قد خفت فيه على نفسي، و لو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه، قال فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و اللّه أن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟» قال: إي و اللّه، قال: «فأنا و اللّه، ما له صاحب غيري»، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال:

فحلف، فقال: «فاذهب فاقسمه في إخوانك و لك الأمن ممّا خفت منه»، قال: فقسمته بين إخواني (2).

و لكنّه ضعيف السند «أوّلا»، و معارض بالروايات الكثيرة المبيّنة لحكم اللقطة «ثانيا» لأنّه وقع التصريح فيه بخلاف ذلك، و من الواضح ترجيحها عليه (فراجع الباب 2 من أبواب اللقطة).

و أمّا القول الأوّل، و هو المشهور، أعني التصدّق به عن صاحبه، فيمكن الاستدلال له بالقواعد و الروايات الخاصّة:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 358، الباب 9، من أبواب اللقطة، ح 1، (و في معناه ح 2، من الباب نفسه).

(2). المصدر السابق، ص 357، الباب 7، ح 1.

463

أمّا الأوّل فلأصالة الاشتغال، و القدر المتيقّن من براءة الذمّة هو التصدّق به، اللهمّ إلّا أن يقال: إذا دار الأمر بينه و بين أدائه إلى بيت المال و الإمام (عليه السلام) فليس معلوما كون التصدّق هو المتيقّن، فتأمّل.

أو يقال: إنّ الأصل إيصاله إلى يد مالكه، فإذا لم يمكن ذلك فإيصال ثوابه هو المقدار الممكن منه، و هذا التوجيه حسن، إلّا أنّه لا يتجاوز عن أن يكون استحسانا و مؤيّدا.

أو يقال: يعلم عادة برضا مالكه بهذه الصدقة مع الضمان كما هو المفروض.

و إن شئت قلت: بعد دوران الأمر بين الامور السابقة، فالصدقة إن لم تكن مقطوعة، فلا أقل أنّها راجحة على غيرها فيتعيّن عند الدوران.

و أمّا الثاني، فلأخبار كثيرة وردت في خصوص المسألة أو ما يقاربها، و إليك شطر منها:

1- مرسلة السرائر، قال في السرائر: و قد روى أصحابنا أنّه يتصدّق به عنه و يكون ضامنا إذا لم يرض به صاحبه (1).

مع ما هو المعروف منه من عدم الاعتماد على أخبار الآحاد.

هذا و لكن الإنصاف أنّه يمكن أن يكون إشارة إلى أخبار اللقطة، و هي كثيرة معتبرة مع الغاء الخصوصية منها، و معه لا يمكن الاعتماد على كونه دليلا مستقلا و رواية خاصّة.

2- رواية حفص بن غياث (في وديعة اللصّ) التي مرّت عليك قريبا (2) مع الغاء الخصوصية عن موردها، أعني ما أودعه اللصوص، نعم سند الحديث ضعيف، و لكنّه غير قادح بعد ضمّ أخبار المسألة بعضها إلى بعض.

3- ما رواه يونس بن عبد الرحمن قال: سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) و أنا حاضر .. إلى أن قال فقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله، و رحلنا إلى منازلنا، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأي شي‌ء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتّى تحملوه إلى الكوفة» قال لسنا نعرفه، و لا نعرف بلده، و لا نعرف كيف نصنع؟ قال: «إذا كان كذا فبعه‌

____________

(1). السرائر، كتاب اللقطة نقلا عن ج السادس عشر من سلسلة الينابيع الفقهية ص 209.

(2). وسائل الشيعة، ج 17، ص 368، الباب 18، من أبواب اللقطة، ح 1.

464

و تصدّق بثمنه»، قال له: على من، جعلت فداك؟ قال: «على أهل الولاية» (1).

لكنّها في معلوم المالك الذي يتعذّر إيصال ماله إليه، اللهمّ إلّا أن تلغى الخصوصية، أو يقال بالأولوية، و ليس ببعيد.

4- ما رواه إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة، فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه و لم يذكرها حتّى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: «يسأل عنها أهل المنزل، لعلّهم يعرفونها»، قلت: فان لم يعرفوها قال:

«يتصدّق بها» (2).

و لكن الإنصاف أنّه أشبه شي‌ء باللقطة أو هو منها نفسها، و الغاء الخصوصية عن اللقطة إلى غيرها لا يخلو من إشكال:

5- ما رواه علي بن أبي حمزة في حديث مشهور قال: كان لي صديق من كتاب بني اميّة فقال لي، استأذن لي على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذنت له، فأذن له فلمّا أن دخل سلّم و جلس، ثمّ قال جعلت فداك: انّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، و أغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لو لا انّ بني اميّة وجدوا لهم من يكتب و يجبى لهم الفي‌ء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم، لما سلبونا حقّنا، و لو تركهم الناس و ما في أيديهم ما وجدوا شيئا إلّا ما وقع في أيديهم» قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: «إن قلت لك تفعل؟» قال: افعل، قال له: «فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدّقت به و أنا أضمن لك على اللّه عزّ و جلّ الجنّة»، فأطرق الفتى طويلا ثمّ قال له: لقد فعلت جعلت فداك ... (3).

الحديث طويل جليل فيه آثار الإمامة و دلائل الولاية نقلنا منه المقدار المرتبط بالمقام، و دلالتها ظاهرة على المدّعى.

6- ما رواه علي بن ميمون الصائغ قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّا يكنس من التراب،

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 357، الباب 7، من أبواب اللقطة، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 355، الباب 5، ح 3.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 144، الباب 47، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

465

فابيعه فما أصنع به؟ قال: «تصدّق به فامّا لك و أمّا لأهله»، قال: قلت: فإنّ فيه ذهبا و فضّة و حديدا فبأي شي‌ء أبيعه؟ قال: «بعه بطعام»، قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟

قال: «نعم» (1).

7- ما رواه هشام بن سالم قال: سأل حفص الأعور أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده جالس قال:

إنّه كان لأبي اجير كان يقوم في رحاه، و له عندنا دراهم و ليس له وارث، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«تدفع إلى المساكين»، ثمّ قال رأيك فيها، ثمّ أعاد عليه المسألة فقال له مثل ذلك. فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «تطلب وارثا فان وجدت وارثا و إلّا فهو كسبيل مالك»، ثمّ قال: ما عسى أن يصنع بها، ثمّ قال: «توصى بها فان جاء طالبها و إلّا فهي كسبيل مالك» (2).

لكن يستفاد منه أيضا جواز تملّكه كاللقطة.

8- ما رواه أبو علي بن راشد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت: جعلت فداك اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم فلمّا ظفرت المال خبرت أنّ الأرض وقف. فقال: «لا يجوز شراء الوقوف و لا تدخل الغلّة في ملكك ادفعها إلى من أوقفت عليه»، قلت: لا أعرف لها ربّا، قال: «تصدّق بغلّتها» (3).

9- ما رواه نصر بن حبيب صاحب الخان قال: كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام) لقد وقعت عندي مائتا درهم و أربعة دراهم و أنا صاحب فندق و مات صاحبها، و لم أعرف له ورثة فرأيك في اعلامي حالها و ما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعا؟ فكتب: «اعمل فيها و أخرجها صدقة قليلا قليلا حتّى يخرج» (4).

و أمّا ما دلّ على جواز الصدقة في اللقطة و لو بعنوان بعض افراد التخيير فمثل:

10- ما رواه الحسين بن كثير عن أبيه قال: سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن اللقطة فقال‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 484، الباب 16، من أبواب الصرف ح 1، (و مثله ح 2) و لعلّهما واحد.

(2). وسائل الشيعة، ج 13، ص 110، الباب 22، من أبواب الدين و القرض، ح 3، (و رواها في ج 17 ص 582، بتفاوت).

(3). وسائل الشيعة، ج 13، ص 303، الباب 6، من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات، ح 1.

(4). وسائل الشيعة، ج 17، ص 583، الباب 6، من أبواب ميراث الخنثى، ح 3.

466

«يعرفها فان جاء صاحبها دفعها إليه و إلّا حبسها حولا، فان لم يجي‌ء صاحبها أو من يطلبها تصدّق بها، فان جاء صاحبها بعد ما تصدّق بها إن شاء اغترمها الذي كانت عنده و كان الأجر له، و ان كره ذلك احتسبها و الأجر له» (1).

11- و ما رواه أبان بن تغلب قال: أصبت يوما ثلاثين دينارا، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك، فقال: أين أصبته؟ قال كنت منصرفا إلى منزلي فأصبتها، قال فقال: «صر إلى المكان الذي أصبت فيه فعرفه، فان جاء طالبه بعد ثلاثة أيّام فأعطه إيّاه و إلّا تصدّق به» (2).

و لكنّه يدلّ على كفاية ثلاثة أيّام في التعريف، و لعلّه ناظر إلى صورة اليأس بعدها.

12- و ما رواه علي بن جعفر عن أخيه قال: و سألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرفها سنة ثمّ يتصدّق بها فيأتي صاحبها ما حال الذي تصدّق بها؟ و لمن الأجر؟ هل عليه أن يردّ على صاحبها؟ أو قيمتها؟ قال: «هو ضامن لها و الأجر له إلّا أن يرضى صاحبها فيدعها و الأجر له» (3).

و لعلّها تشمل ما نحن فيه بالأولوية.

و يستفاد من جميع ذلك جواز صدقة مجهول المالك أو تعينها، فهذا هو الأقوى، و لكن بقي هنا امور:

أحدها: مصرف هذه الصدقة، هل هو خصوص الفقراء، أو هو أعمّ كما عن صاحب الجواهر (4)؟ و لعلّه بعنوان أنّه هبة يقصد القربة لأهل الدين يشترك فيه الغني و الفقير.

ذكر شيخنا الأعظم حصرها بالفقراء استنادا إلى تبادره من عنوان الصدقة (5) و هو كذلك، و قد يستند فيه إلى قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ ... (6).

و فيه أنّه ناظر إلى خصوص الزكاة و الصدقة الواجبة بالأصل.

و لو شكّ فالقدر المتيقّن بمقتضى القاعدة هو خصوص الفقير لو لا إطلاق الصدقة، و قد عرفت عدم الإطلاق فيها.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 349، الباب 2، من أبواب اللقطة، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 350، ح 7.

(3). المصدر السابق، ص 352، ح 14.

(4). جواهر الكلام، ج 22، ص 178.

(5). المكاسب المحرّمة، ص 71.

(6). سورة التوبة، الآية 60.

467

و يمكن الاستدلال له أيضا بأنّه لو جاز التصدّق على كلّ أحد لجاز أخذه لنفسه، فعدم الإذن به دليل على ما ذكرنا، و كذا بعض ما سبق حيث ذكر التصدّق على فقراء قرابته.

ثانيها: هل يجوز إعطائها إلى بني هاشم؟ ذكره شيخنا الأعظم من غير اختيار لأحد الطرفين (1).

و تحقيق الكلام في المقام أن يقال:

إنّ الصدقات على أقسام أربعة:

1- الزكاة.

2- الصدقات المفروضة غيرها كالكفّارات الواجبة بالأصل.

3- الصدقات المفروضة بالعرض، كالنذر و ردّ مجهول المالك بعنوان الصدقة.

4- الصدقات المندوبة.

أمّا الأوّل فإجماع الفريقين قائم على حرمتها على بني هاشم، و أمّا الأخيرة فإجماعنا على جوازها لهم، و قد وقع الخلاف في القسم الثاني و الثالث، فعن جماعة من أكابر القدماء و المتأخّرين كالشيخ و السيّد و المحقّق و العلّامة رحمهما اللّه إلحاق جميع الصدقات الواجبة بالزكاة، بل قد يستظهر من غير واحد منهم الإجماع عليه، و لم يعلم أنّ مرادهم الواجبة بالأصل أو بالعرض أيضا، بينما يحكى عن جماعة من المتأخّرين كالمحقّق الثاني (رحمه اللّه) في جامع المقاصد و الشهيد الثاني في المسالك و غيره بل العلّامة (رحمه اللّه) أيضا في قواعده و غيرهم الجواز، و الاقتصار على حرمة الزكاة فقط (2).

و يمكن القول بالتفصيل بين القسمين.

و الذي يدلّ على المنع هو إطلاقات حرمة الصدقة على بني هاشم، و هي روايات كثيرة (أوردها في الوسائل ج 6 ص 185 في الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، و فيها روايات معتبرة فراجع الأحاديث 2 و 3 و 4 من هذا الباب هذا مضافا إلى الحديث 3/ 31).

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 71.

(2). لاحظ جواهر الكلام، ج 15، ص 411- 412.

468

و لا دليل على تقييدها إلّا ما يلي:

1- إطلاق الصدقة كثيرا على الزكاة كما في آية تشريعها و غيرها. و فيه أنّ ذلك غير مانع عن العموم.

2- ما ورد من أنّ اللّه بدّلهم عن تحريم الصدقة بالخمس و ظاهره الزكاة مثل حديث 1/ 30 و 1/ 29 ج 6 من أبواب المستحقّين للزكاة.

و لكنّه لا يتجاوز عن حدّ التأييد.

3- و هو العمدة، ما صرّح فيها بأنّ المراد منه خصوص الزكاة المفروضة، فيكون مقيّدا لما سبق (مثل 4/ 32 من أبواب المستحقّين للزكاة و 5/ 32 و هكذا 3/ 31 بناء على كون المراد منه الزكاة خاصّة و لكنّه محلّ إشكال).

فلا يبقى إلّا الروايتان الأوليّان، و لكن يمنعنا من الأخذ بهما إشكالهم في سندهما.

و الذي يسهل الأمر أنّ إطلاق الصدقة على الكفّارة مشكل، فلا تمنع عنهم.

و لو سلّمنا فالقدر المسلّم من إطلاقات الحرمة تحريم الصدقات الواجبة بالأصل، و أمّا بالعرض فالحاقها بالصدقات المندوبة التي ورد فيها الجواز أولى، و قد دلّت عليه روايات عديدة (رواها في الوسائل في الباب 31 الأحاديث 1 و 3 و في الباب 32 الحديث 8 و استدلّ في بعض الروايات بجريان السيرة على الانتفاع من مياه طرق مكّة لأهل المدينة و غيرهم مع أنّ عامتها صدقة أي موقوفات أو غيرها، و أنّه لو كان يحرم عليهم لما استطاعوا أن يحجّوا).

و لا أقل من الشكّ في إلحاق هذا القسم، فالأصل الجواز (بمقتضى إطلاقات أدلّة هذه الواجبات).

و من هذا القسم صدقة مجهول المالك، فانّها مندوبة في الأصل.

فتحصّل من جميع ذلك أنّ الأقوى جواز هذه الصدقات للهاشميين، و لا دليل على حرمتها عليهم، و كذا الموقوفات العامّة و الخاصّة في الآبار و المدارس و المساجد، و الخانات، بناء على كون الوقف نوع صدقة و اللّه العالم.

ثالثها: هل يعتبر فيها إذن الحاكم الشرعي؟ قد يقال باعتباره، إمّا من جهة أنّه القدر‌

469

المتيقّن في براءة الذمّة، أو من جهة الاستناد إلى رواية داود بن أبي يزيد كما مرّ (1/ 7 من اللقطة) هذا إذا كان عينا، و أمّا لو كان دينا كان الأمر أوضح، لأنّ الحاكم ولي الغائب.

و لكن يمكن دفع جميع ذلك بأنّ شيئا منها لا يقاوم ظاهر ما عرفت من إطلاق روايات الباب، فانّها إمّا تدلّ على إذن عامّ، أو عدم الحاجة هنا إلى الإذن كما هو ظاهرها حتّى في الدين كما لا يخفى، لا سيّما بملاحظة ما رواه هشام بن سالم (1/ 6 من اللقطة) فراجع.

رابعها: حكم تعذّر الإيصال عند الجهل بالمالك، لا يبعد أن يكون مثل ما سبق، لأنّ الملاك واحد ظاهرا، فلا يمكن حفظه و لا تملّكه، و لا وجه لكونه مال الإمام (عليه السلام)، فلا يبقى إلّا الصدقة، مضافا إلى ظهور بعض روايات الصدقة فيه، مثل ما رواه يونس عن الرضا (عليه السلام) و قد مرّ (1).

خامسها: لو ظهر المالك بعد ما تصدّق به، فهل هو ضامن له، أو لا، أو فيه تفصيل؟ فيه أقوال عمدتها وجوه ثلاثة:

1- الضمان مطلقا.

2- عدم الضمان كذلك.

3- الفرق بين ما إذا أخذه عدوانا، ثمّ أراد العمل بوظيفته الشرعية، و ما إذا أخذه بحكم الشرع من أوّل الأمر.

اختار شيخنا الأعظم أوّلا التفصيل، ثمّ قال بالضمان مطلقا (2).

و عمدة الدليل على الضمان «قاعدة الإتلاف»، و لا يرد عليه ما أفاده بعض الأكابر من عدم وجود دليل عام عليه، لما ذكرنا في محلّه من القواعد الفقهية من وجود دليل كاف عليه (3).

و لكن في مقابل ذلك، و هو حكم الشرع بوجوب الصدقة أو جوازها، فانّ لازمه العرفي عدم الضمان لأنّ الإمام ولي الغائب المجهول، فإذا كان التصرّف بإجازته و أمره لم يكن وجه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 357، الباب 7، من ابواب اللقطة، ح 2.

(2). المكاسب المحرّمة، ص 71.

(3). القواعد الفقهية، ج 2، ص 193.

470

للضمان، نعم، لو صرّح من أوّل أمره بأنّه إنّما يجوز له التصدّق إذا تعهّد ضمانه أمكن ذلك.

ان قلت: ورد التصريح بذلك في رواية حفص بن غياث فيمن أودعه بعض اللصوص، و قد مرّ (1/ 18 من اللقطة ج 7 ص 368) و كذا في مرسلة السرائر.

قلنا: قد عرفت ضعفها سندا و اختصاصها دلالة بمورد خاصّ ألحقها الإمام (عليه السلام) باللقطة، فلا يشمل غيره.

هذا مضافا إلى أنّه في مفروض السؤال كانت يده في أوّل أمره من قبيل اليد العادية، لعدم جواز قبول ودائع اللصوص، اللهمّ إلّا أن يقال أنّه أخذه للردّ إلى صاحبها، و لكنّه بعيد جدّا.

و أمّا مرسلة السرائر فقد عرفت احتمال انطباقها على روايات اللقطة.

إن قلت: قد ورد في اللقطة الضمان لو ظهر المالك، و لم يقبل الصدقة، لا سيّما في صحيحة علي بن جعفر (14/ 2) فيلحق المقام بها.

قلنا: فرق كثير بين المقامين، لأنّ اللقطة لها أحكام خاصّة، منها جواز تملّكها و لا تجري في المقام، مضافا إلى أنّ اللاقط أخذه باختياره، و لكن مجهول المالك في مفروض المسألة قد لا يكون كذلك، كمن وجده في متاعه بعد ذهاب صاحبه، و بالجملة من البعيد جدّا أمر الشارع بضمان مال المجهول مالكه بعد أمره بإتلافه من طريق الصدقة لمصلحة صاحبه، مع عدم إقدامه على أخذه عمدا كما إذا اختلط بماله من غير اختياره.

و كذلك إذا كان باختياره و بإذن الشرع و ان كان ذلك أدون منه.

و إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ ظاهر ما عرفت من الأدلّة عدم الفرق بين أن تكون اليد عادية في ابتدائها، أو أمانة بعد ما تحوّلت العادية إلى الأمينة، و كان مأمورا بحكم الشرع بالصدقة.

و التمسّك بالاستصحاب مضافا إلى تبدّل الموضوع لا وجه له في مقابل ظهور أدلّة الصدقة التي هي أدلّة اجتهادية.

فتلخّص أنّ عمدة دليل عدم الضمان أمران:

1- قصور أدلّة الضمان بالإتلاف لمحلّ الكلام فيما كان بحكم الشرع و لمصلحة صاحب المال.

2- ظهور أدلّة الصدقة في عدم الضمان.

471

هذا و قد يقال بأنّ التصدّق لو كان موجبا للضمان لزم التسلسل، للزوم التصدّق ببدله أيضا و هكذا، و هذا تخصيص عقلي لأدلّة الضمان (1).

و لكن يمكن الجواب عنه بأنّ الضمان مراعى بظهور المالك و عدم قبوله الصدقة لا مطلقا، كما هو ظاهر الأدلّة، و إلّا كان وجوب الصدقة لغوا من أوّل أمره.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا تصل النوبة إلى حكم موت المالك، أو المتصدّق بعد عدم الضمان لو ظهر المالك و لم يرض بها، و ان كان الأظهر إرث هذا الحق لورثة المالك و لزوم أخذها من تركة المتصدّق لو مات.

فتحصّل ممّا ذكرنا امور:

1- يجب التصدّق بمجهول المالك من قبل صاحبه.

2- يجب التعريف إلى أن ييأس من وجدان مالكه.

3- لو كان يائسا من أوّل أمره يجب التصدّق به.

4- لا يعتبر فيه إذن الحاكم و لو كان أحوط.

5- تعذّر الوصول إلى المالك بحكم الجهل به.

6- لا يضمن بعد ظهور المالك و عدم رضاه بالصدقة، و ان كان الضمان أحوط.

7- للقطة أحكام خاصّة لا تجري في مجهول المالك.

8- لو لم يردّه حتّى تلف أو أتلفه يجب إخراج مثله أو قيمته من تركته كسائر الديون، و لا فرق في شي‌ء من ذلك بين الظلمة و غيرهم.

9- يجوز إعطاؤه إلى الحاكم الشرعي.

10- تجوز هذه الصدقة للهاشمي و غيره، و كذا الكفّارات.

الصورة الرّابعة: إذا كانت الجائزة مخلوطة بالحرام

و قد ذكر فيه وجوه خمسة:

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 525.

472

ما إذا كان الخلط بنحو يوجب الإشاعة كالخلط بجنسه، كالحنطة بالحنطة أو اللبن باللبن.

و هو بنفسه ينقسم إلى أربع صور، فانّ «المقدار» و «المالك» أمّا يكونان معلومين، فالحكم واضح، و أمّا أن يكونا مجهولين، فحكمه الخمس كما ذكر في بابه.

و إمّا أن يكون المالك معلوما و المقدار مجهولا، فيصالح مع مالكه.

و إمّا أن يكون المقدار معلوما و المالك مجهولا، ففيه حكم المجهول مالكه من الصدقة.

أمّا الصورة الخامسة و هي الخلط بغير جنسه بحيث لا يوجب الإشاعة كاختلاط بعض غنمه بغنم آخر، فيحكم بالقرعة، أو يباع فيشترك في الثمن.

هذا ما أفاده شيخنا الأعظم في مكاسبه (1).

و لكن فيما أفاده وجوه من النظر، منها:

1- إنّ الحكم بالخمس إنّما هو إذا لم يعلم إجمالا زيادته أو نقصانه من الخمس، أمّا إذا علم إجمالا زيادته من الخمس، فالأحوط كما ذكرنا في محلّه صرف مقدار الخمس فيما ينطبق على المصرفين (مصرف الخمس و مصرف الصدقة) و يتصدّق بالزائد بإذن الحاكم احتياطا، و أمّا لو علم بكونه أقلّ منه فالظاهر جواز التصدّق بالأقل، و لعلّه إلى ذلك أشار بقوله «على تفصيل مذكور في باب الخمس» (2).

2- لزوم المصالحة مع المالك فيما كان معلوما و مقداره مجهولا لا دليل عليه، بل اللازم إعطاء القدر المتيقّن، لأنّ المال انتقل إليه من غيره و كان مسبوقا بيده التي هي من أمارات ملكه، إلّا ما ثبت أنّه ملك غيره.

نعم إذا اشتبه بما ليس في يد واحد منهما كان للمصالحة وجه.

3- إنّ الحكم بالمصالحة في المقام و أمثاله ليس حكما الزاميا، بل هذا إذا رضيا به، و إلّا فالحكم الإلزامي في أمثال المقام، إمّا القرعة أو التنصيف، و الأظهر هو الثاني، لأنّه مقتضى سيرة العقلاء، مضافا إلى وروده في بعض الروايات.

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 71.

(2). المصدر السابق.

473

4- في الصورة الخامسة، أعني ما لا يوجب الشركة، فالأظهر كما ذكرنا في أبواب الخمس جريان حكم الخمس فيه إذا جهل المقدار و المالك و اختلطا معا، كما إذا جهل مقدار ماله من هذا القطيع، و ما لغيره؟

و لو علم العدد و لم يعلم المالك، يخرج بالقرعة، و يتصدّق من قبل صاحبه.

كما إنّه إذا كان العكس يتوصّل إلى القرعة، و يعطي إلى مالكه (و لو كان أحدها أزيد قيمة، فلا يبعد التنصيف في الزائد كما ذكرنا في الخمس).

و لو كان معلومين كان الأمر واضحا.

فإذا، لا فرق بين الصورة الخامسة و بين ما سبقها من صور الإشاعة، فيجري فيه ما تقدّم.

بقي هنا شي‌ء:

إنّ مقتضى القواعد عدم الفرق في الأموال المحرّمة التي لا بدّ فيها من الصدقة إذا لم يعرف مالكها، و أدائها إلى صاحبها إذا عرفه، بين العين الموجودة و بين ما أتلفه و بقي في ذمّته، و كذا لا فرق بين الظلمة و غيرهم، و ان كانت هذه الديون تستغرق أموالهم المحلّلة لو كانت لهم أموال كذلك. و ذلك لأنّ أدلّة الإتلاف و الضمان و أحكام الديون تشملهم من دون أي فرق، و لازمه عدم تعلّق الخمس بأموالهم في بعض الصور، و كذا الاستطاعة للحجّ و عدم إرث ورثتهم ما لم يؤدّوا ديونهم منه.

هذا و لكن حكى في الجواهر عن شرح استاذه (كاشف الغطاء) «انّ ما كان في يده من المظالم و تلف لا يلحقه حكم الديون في التقديم على الوصايا و المواريث لعدم انصراف الدّين إليه، و ان كان منه، و بقاء عموم الوصيّة و المواريث على حالها، و السيرة المأخوذة يدا بيد من بدء الإسلام إلى يومنا هذا، فعلى هذا لو أوصى بها بعد التلف أخرجت من الثلث» (1).

و لم يحك مثل هذا الكلام عن غيره، و على كلّ حال فهو ضعيف جدّا كما ذكره جمع من الأكابر و المحقّقين.

و أمّا ما استدلّ به على مراده من الانصراف و السيرة، فيرد على الأوّل أنّه ممنوع جدّا،

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 179.

474

لعموم قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ (1) و كذا سائر العمومات و الإطلاقات، و لا نرى أيّ فرق بينه و بين سائر الديون، و لو جاز استثناء الظلمة من هذا الحكم جاز استثناؤهم من سائر الأحكام أيضا.

و أمّا السيرة، فهي و ان كانت كذلك في الجملة، إلّا أنّ من المقطوع كونها سيرة الذين لا يبالون في دينهم، و أمّا المبالون و المتّقون فسيرتهم اجتناب هذه الأموال المحرّمة التي تعلّق بها حقّ الغير.

و العمدة أنّ ورثتهم في الغالب من أشباههم، و هذا هو السرّ في جريان سيرتهم عليه.

و بالجملة لو لم تصدر هذه الفتوى من هذا الفقيه الكبير لم يكن مجال للبحث فيها.

____________

(1). سورة النساء، الآية 12.

475

المسألة الثالثة: في حكم ما يأخذه السلطان من الخراج و الزكاة و المقاسمة

المعروف بين الأصحاب بل حكى الإجماع عليه من جماعة أنّ ما يأخذه السلطان الجائر باسم المقاسمة و الخراج و الزكاة يكون مبرئا للذمّة، بل عن مصابيح العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) أنّ على جواز التصرّف فيه إجماع علمائنا، و كفى به و بما ذكره في المسالك شهادة على ذلك، حيث قال: قد أذن أئمّتنا (عليهم السلام) في تناوله و أطبق عليه علماؤنا، و لا نعلم فيه مخالفا (1) و لازمه براءة الذمّة.

و قد حكي عن الشيخ إبراهيم الجبلي المعاصر للمحقّق الكركي تحريمه، حتّى أنّ المحقّق الكركي (رحمه اللّه) كتب رسالة «قاطعة اللجاج» في ردّه، و المخالف شاذّ (2).

نعم، مقتضى القواعد في بدء الأمر حرمة ذلك، لأنّهم ليسوا أهلا لذلك، فلا يجوز لهم أخذها، و لا يجوز لنا اعطاؤهم إيّاها، و لو أخذوها قهرا كانت مغصوبة كسائر أموالهم.

هذا و لكن يمكن أن يستدلّ للخروج عن هذه القاعدة بامور:

1- جريان السيرة القطعية عليه من العلماء و العوام في جميع الأعصار و الأمصار في الدولة الاموية و العبّاسية و غيرهم، فقد كانت الأراضي الخراجية في أيدي المؤمنين و غيرهم، و لم يعهد منهم أداء خراجين: خراج إليهم، و خراج إلى أئمّة الحقّ (عليهم السلام) و هذا دليل على امضائهم (عليهم السلام) لها، فهو كالفضولي الذي أجاز مالكه أو المتولّي له كما ذكره شيخنا الأعظم (3).

____________

(1). المسالك، ج 1، ص 168.

(2). انظر جواهر الكلام، ج 22، ص 181.

(3). المكاسب المحرّمة، ص 75.

476

فحينئذ يبقى على الجائر إلّا التبعات التكليفية، لا الوضعية، فما ذهب إليه بعض الأعاظم من عدم ثبوت حكم الضمان عن الغاصب، و إنّ إجازة الأئمّة إنّما هي لتسهيل الأمر على الشيعة (1)- عجيب، لعدم انفكاكهما كما هو ظاهر.

2- لزوم العسر و الحرج الشديد، بل الضرر أيضا لو اريد الاجتناب عن هذه الأموال و لو اريد إعطاء الزكاة و الخراج مرّتين، مع كون سوق المسلمين مملوءا من هذه الأموال بحيث لم يكن لأحد اجتنابها.

و بالجملة جواز التصرّف في هذه الأموال ثابت قطعا، و لازمه براءة ذمّة صاحبها، و إلّا كان باقيا على ملكه و كان غصبا لا يجوز التصرّف فيها.

3- الأخبار الكثيرة الواردة في أبواب مختلفة:

منها: ما ورد في باب أخذ جوائز السلطان، و قد رواها الوسائل في الباب 51 من أبواب ما يكتسب به من قبيل:

الأوّل- ما مرّ سابقا عن أبي بكر الحضرمي قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده إسماعيل ابنه، فقال: «ما يمنع ابن أبي السمال «السمّاك- الشمال» أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس و يعطيهم ما يعطي الناس؟» ثمّ قال لي: لم تركت عطاءك؟

قال: مخافة على ديني. قال: «ما منع ابن أبي السمال أن يبعث إليك بعطائك؟ أما علم انّ لك في بيت المال نصيبا؟» (2).

فانّه يعلم عادة أنّ الجوائز الكثيرة كانت من الخراج أو شبهه، و لا أقل من إطلاقها، بل العمدة في طريق تحليلها كونها من الخراج، و إلّا احتمال كونها غصبا مانع و كونها من الزكاة أيضا كذلك، لعدم جواز أخذه لكلّ أحد منه فهذا كلّه يدلّ على حلّ الخراج و لازمه أيضا كونها مبرئا للذمّة.

الثاني- و منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قال لي أبو الحسن موسى (عليه السلام): «ما لك لا تدخل مع علي في شراء الطعام إنّي أظنّك ضيّقا». قال قلت: نعم فإن شئت وسّعت عليّ. قال: «اشتره» (3).

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 534.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 157، الباب 51، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 161، الباب 52، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

477

الثالث- و منها ما رواه معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): اشتري من العامل الشي‌ء، و أنا أعلم أنّه يظلم؟ فقال: «اشتر منه» (1).

و لكن يحمل على أنّه لم يعلم كون خصوص هذا ظلما.

الرابع- و منها ما رواه أبو عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل ما يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم انّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، قال فقال: «ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك، لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا، فنقول بعناها فيبيعناها فما تقول في شرائها منه؟ فقال: «إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس»، قيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير يجيئا القاسم، فيقسم لنا حظّنا و يأخذ حظّه فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: «إن كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل» (2).

هذا الحديث يدلّ على حكم الزكوات و غيرها كما لا يخفى فتأمّل.

بل ظاهرها كون الجواز أمرا واضحا في أصل المسألة، و إنّما سأله (عليه السلام) عن امور اخر، مثل احتمال اشتماله على الحرام أو عدم كيلها بعد ذلك.

الخامس- و منها ما رواه محمّد بن أبي حمزة عن رجل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

أشتري الطعام فيجيئني من يتظلّم و يقول: ظلمني، فقال: «اشتره» (3).

السادس- ما رواه يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يستأجر الأرض بشي‌ء معلوم يؤدّي خراجها و يأكل فضلها و منها قوته قال: «لا بأس» (4).

و هذا يدلّ على جواز الخراج على النحو المتعارف في ذلك الزمان.

السابع- و ما رواه أبو الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبّلها فأي وجوه القبالة أحل؟ قال: «يتقبّل الأرض من أربابها بشي‌ء معلوم إلى سنين‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 161، الباب 52، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 161، الباب 52، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(4). المصدر السابق، ج 13، ص 213، الباب 18، من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة ح 2.

478

مسمّاة فيعمر و يؤدّي الخراج، فان كان فيها علوج فلا يدخل العلوج (1) في قبالته فانّ ذلك لا يحلّ» (2).

و كيفية دلالتها كسابقتها، فانّها و ان لم تكن بصدد بيان هذا الحكم، إلّا أنّ تعبيرها بالنسبة إلى الخراج دليل على مفروغية المسألة بالنسبة إلى البراءة لو أدّاه إلى السلطان.

الثامن- و ما رواه أبو بردة بن رجاء قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون: كلها و أدّ خراجها قال: «لا بأس به إذا شاءوا أن يأخذوها أخذوها» (3).

التاسع- و ما رواه جميل بن صالح قال: أرادوا بيع تمر عين أبي بن زياد فأردت أن أشتريه فقلت حتّى أستأذن أبا عبد اللّه (عليه السلام) فأمرت مصادفا فسأله فقال له: قل له: «فليشتره فإنّه إن لم يشتره اشتراه غيره» (4).

و لكن روي في الحدائق ما رواه المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) المخالف في هذه المسألة رواية عن الكافي تدلّ على أنّ عين أبي زياد كانت ملكا لأبي عبد اللّه (عليه السلام) (و لكن التعبير فيه ب‍ «عين زياد» و لعلّ هذا المقدار من التفاوت لا يضرّ، و فيه تأمّل، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ احتمال اتّحادهما يمنع عن الاستدلال و هو جيّد) (5).

العاشر- و ما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتقبّل بجزية رءوس الرجال، و بخراج النخل و الآجام و الطير، و هو لا يدري لعلّه لا يكون من هذا شي‌ء أبدا، أو يكون، أ يشتريه و في أي زمان يشتريه و يتقبّل منه؟ قال: «إذا علمت أنّ من ذلك شيئا واحدا أنّه قد أدرك فاشتره و تقبّل به» (6).

فأطلق فيه الخراج و هو دليل على المطلوب.

الحادي عشر- و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) أنّه سأل عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف و الثلث، قال: «نعم لا بأس به، قد قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

____________

(1). المراد من العلوج بضمّتين الذي هو جمع «عليج» الرجل الضخم القوي و المراد هنا رعايا الأرض الأقوياء.

(2). وسائل الشيعة، ج 13، ص 214، الباب 18، من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 212، الباب 17، ح 3.

(4). المصدر السابق، ج 12، ص 162، الباب 53، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(5). الحدائق، ج 18، ص 248.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 264، الباب 12، من أبواب عقد البيع و شروطه، ح 4.

479

خيبر أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر، و الخبر هو النصف» (1).

و منها الروايات الدالّة على جواز قبالة الأرض من السلطان من دون ذكر أمر الخراج التي ظاهرها أدائه إلى السلطان لا إلى غيره مثل:

الثاني عشر- الفيض بن المختار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في أرض أتقبّلها من السلطان ثمّ اواجرها أكرتي على أنّ ما أخرج اللّه منها من شي‌ء كان لي من ذلك النصف أو الثلث بعد حقّ السلطان؟ قال: «لا بأس به كذلك أعامل اكرتي» (2).

الثالث عشر- و ما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل استأجر من السلطان من أرض الخراج بدراهم مسمّاة، أو بطعام مسمّى، ثمّ آجرها و شرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل من ذلك أو أكثر و له في الأرض بعد ذلك فضل، أ يصلح له ذلك؟ قال: «نعم إذا حفر لهم نهرا أو عمل لهم شيئا يعينهم بذلك فله ذلك».

قال: و سألته عن الرجل استأجر أرضا من أرض الخراج بدراهم مسمّاة، أو بطعام معلوم، فيؤاجرها قطعة قطعة أو جريبا جريبا، بشي‌ء معلوم، فيكون له فضل فيما استأجر من السلطان، و لا ينفق شيئا، أو يؤاجر تلك الأرض قطعا على أن يعطيهم البذر و النفقة فيكون له في ذلك فضل على إجارته و له تربة الأرض أو ليست له؟ فقال له: «إذا استأجرت أرضا فأنفقت فيها شيئا أو رممت فيها فلا بأس بما ذكرت» (3).

إلى غير ذلك من الروايات.

و تلخّص ممّا ذكرنا أنّ المعاملة مع الجائر في أمر الخراج جائزة، و الدفع إليه مبرئ للذمّة، و هكذا يجوز البيع و الشراء و غيرهما في الأموال الحاصلة من الخراج بلا واسطة، أو بالواسطة.

هذا كلّه في أصل المسألة، و لكن هناك مسائل اخرى حول هذه المسألة ستأتي الإشارة إليها إن شاء اللّه.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 13، ص 200، الباب 8، من أحكام المزارعة و المساقاة، ح 8.

(2). المصدر السابق، ص 208، الباب 15، ح 3.

(3). وسائل الشيعة، ج 13، ص 261، الباب 21، من أبواب أحكام الإجارة، ح 3 و 4.

480

بقي هنا امور:

الأمر الأوّل: هل هذا الحكم أعني المعاملة مع السلطان الجائر معاملة العادل و إعطائه الخراج و الزكوات و غيرها إليه و إبراء الذمّة بذلك مشروط بحال «التقيّة» و «الضرورة»، أو أنّه مطلق، فيجب دفعه إليه و ان قدر على منعه منه بغير محذور؟

و بعبارة اخرى: إنّ الشارع أمضى سلطنة الجائر على هذه الامور بحيث لا يجوز منعه منها. و يحرم خيانته و ما أشبه ذلك، لبعض المصالح المتعلّقة بالإسلام و المسلمين، و لو من جهة حفظ النظام قبل قيام الحكومة الحقّة الإلهية، أو أنّه لم يمضها كذلك، بل يكون الدفع إليه من جهة ضرورة الدافع لا ضرورة المجتمع الإسلامي؟

نسب القول الأوّل فيما يظهر عن الحدائق إلى جماعة من الأصحاب (1).

و قد يظهر من بعض عباراتهم ذلك في بدو النظر، مثل ما عن المحقّق الكركي (رحمه اللّه) في رسالته: «ما زلنا نسمع من كثير ممّن عاصرناهم و لا سيّما الشيخ الأعظم الشيخ علي بن هلال (رحمه اللّه) أنّه لا يجوز لمن عليه الخراج سرقته و لا جحوده و لا منعه و لا شي‌ء منه لأنّ ذلك حقّ واجب عليه» (2).

بل قد يستظهر إجماع الأصحاب على ذلك، و لكن لا يبعد أن يكون مرادهم ما أفاده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه من أنّه ناظر إلى المنع و الإنكار المطلق، لا منعه من الجائر و إعطائه إلى الحاكم الشرعي أو نائبه إذا لم يكن فيه محذور، و لذا اختار هو جواز المنع في هذه الصورة (3) و كذلك صاحب الحدائق في ذيل كلامه في المسألة (4).

و على كلّ حال يمكن أن يستدلّ على هذا القول بأمرين:

«أحدهما» مقتضى القاعدة، لأنّ الأصل عدم جواز إعطائه إلى غير أهله، و القدر المتيقّن من الأدلّة المجوّزة هو ما إذا كان مجبر على ذلك، أمّا إذا كان مختارا فيه، فيشكل استفادته من الأدلّة، فهي منصرفة من هذه الصورة لا أقل.

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 242.

(2). المكاسب المحرّمة، ص 74.

(3). المصدر السابق.

(4). الحدائق، ج 18، ص 259.

481

«ثانيهما» بعض الأدلّة الخاصّة مثل ما يلي:

1- ما رواه عيص بن قاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الزكاة قال: «ما أخذوا منكم بنو اميّة فاحتسبوا به، و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فانّ المال لا يبقى على هذا أن يزكّيه مرّتين» (1).

و لكنّه في خصوص باب الزكاة، اللهمّ إلّا أن تلغى الخصوصية بقرينة التعليل.

2- ما رواه علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال:

«إن كنت لا بدّ فاعلا فاتّق أموال الشيعة»، قال: فأخبرني على أنّه كان يجيبها من الشيعة علانية و يردّها عليهم في السرّ (2).

و لكن لا يعلم أنّ المراد منه الأموال المغصوبة أو الخراج و أمثاله.

3- ما رواه زرارة قال اشترى ضريس بن عبد الملك و أخوه من هبيرة ارزا بثلاثمائة الف، قال: فقلت له ويلك: أو ويحك انظر إلى خمس هذا المال فابعث به إليه و احتبس الباقي فأبى عليّ، قال: فأدّ المال و قدّم هؤلاء، فذهب أمر بني اميّة، قال: فقلت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال مبادرا للجواب: «هو له» فقلت له: إنّه قد أدّاها فعضّ على اصبعه (3).

و لكن لم يثبت كونه من الخراج، فلعلّه من باب أخذ مال الغاصب و ردّ الخمس إليهم، و يؤيّده ذيله «هو له» و توجيه الخمس بكونه مشتملا على الحرام كما فعله شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) (4) و ان كان ممكنا إلّا أنّ قوله «هو له» لا يمكن توجيهه على هذا المبنى.

4- ما رواه سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ أصحاب أبي أتوه فسألوه عمّا يأخذ السلطان فرّق لهم، و أنّه ليعلم أنّ الزكاة لا تحلّ إلّا لأهلها، فأمرهم أن يحتسبوا به، فجال فكري و اللّه لهم، فقلت «له» يا أبه! انّهم إن سمعوا إذا لم يزكّ أحد فقال:

«يا بني حقّ أحبّ اللّه أن يظهره» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 6، ص 174، الباب 20، من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 3.

(2). المصدر السابق، ج 12، ص 140، الباب 46، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

(3). المصدر السابق، ص 161، الباب 52، ح 2.

(4). المكاسب المحرّمة، ص 74.

(5). وسائل الشيعة، ج 6، ص 174، الباب 20، من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 4.

482

فانّ ظاهره صورة الإجبار، نعم هو أيضا مختصّ بالزكاة و الغاء الخصوصية ممكن فتأمّل.

5- ما رواه أبو اسامة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك إنّ هؤلاء المصدّقين يأتوننا و يأخذون منّا الصدقة فنعطيهم إيّاها أ تجزي عنّا؟ قال: «لا إنّما هؤلاء قوم غصبوكم أو قال ظلموكم أموالكم و إنّما الصدقة لأهلها» (1).

و ظاهرها عدم الجواز مطلقا، و وجه الجمع بينها و بين غيرها هو التفصيل بين صورتي الاختيار و الإكراه.

6- ما رواه البختري عن جعفر عن أبيه أنّ عليا (عليه السلام) كان يقول: «اعتد في زكاتك بما أخذ العشّار منك و احفظها عنه ما استطعت» (2).

و هو صريح في حكم الزكاة لا غير إلّا على ما عرفت من الغاء الخصوصية.

و يمكن هنا القول بالتفصيل بينما إذا توقّف حفظ نظام المسلمين و لو ببعض مراتبه على وجود بيت مال يصرف في هذا الأمر إجمالا، و ما إذا كان لهذا الظالم بدل مثله أو أحسن منه، و لا يحتاج إلى هذا. و يشير إليه بعض الإشارة الحديث 2/ 20 من أبواب المستحقّين للزكاة فراجع (3).

ثمّ أنّه هل يجب استئذان الحاكم الشرعي عند إمكانه؟ ظاهر إطلاق الأخبار عدمه و ان كان هو الأحوط.

الأمر الثّاني: الأراضي التي يأخذ السلطان الجائر الخراج عنها على أقسام:

تارة تكون من الأراضي الخراجية واقعا، و اخرى من الأنفال، و ثالثة من الأراضي المغصوبة المعلوم مالكها، و رابعة من المجهول مالكها.

فهل جميع ذلك داخل في محلّ الكلام فيجوز إجراء المعاملات على الجميع، أم لا؟

ظاهر بعض الأدلّة كظاهر كلمات بعض الأعلام الإطلاق، و لكن الإنصاف انصراف الجميع إلى الأراضي الخراجية الواقعية، لما عرفت من أنّه من قبيل التصرّفات الفضولي التي‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 6، ص 174، الباب 20، من أبواب المستحقّين للزكاة، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 175، ح 8.

(3). وسائل الشيعة، ج 6، ص 173.

483

أجازها من بيده الأمر، فانّ مصالح المسلمين قد تقضي امضاء تصرّفات الجائر فيما ليس له أهل.

و بالجملة ماهية الحكم هنا ماهية الإجازة، و التنفيذ في حكومة الجور في مصالح المسلمين، و لا أقل من الشكّ، فهذا هو القدر المتيقّن، و غيره لا دليل عليه.

و يدلّ على ذلك مضافا إلى ما عرفت:

1- ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن شراء الخيانة و السرقة. قال: «إذا عرفت ذلك فلا تشتر إلّا من العمّال» (1).

و هي دليل على عدم جواز المعاملة مع المغصوب معاملة الحلال.

نعم، في بعض أحاديث هذا الباب ما يدلّ على خلافه، مثل ما رواه محمّد بن أبي حمزة عن رجل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أشتري الطعام فيجي‌ء من يتظلّم و يقول ظلمني. فقال:

«اشتره» (2).

و يمكن الجمع بينهما بحمل الثانية على صورة عدم العلم الإجمالي بأنّ ما يأخذه نفس الحرام.

نعم قد مرّ في موثّقة إسماعيل بن الفضل الهاشمي ما يدلّ على أخذهم الخراج من الأنفال أو المباحات الأصلية، و إليك نصّها. ما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتقبّل بجزية رءوس الرجال و بخراج النخل و الآجام و الطير و هو لا يدري لعلّه لا يكون من هذا شي‌ء أبدا أو يكون، أ يشتريه؟ و في أي زمان يشتريه و يتقبّل منه؟ قال: «إذا علمت انّ من ذلك شيئا واحدا أنّه قد أدرك فاشتره و تقبّل به منه» (3) و (4).

و يمكن إلحاقها بالأراضي الخراجية، لأنّها أيضا منوطة بإذن الإمام (عليه السلام) دون المغصوبة، و لكن الأمر في المباحات (مثل الطير في الهواء) ليس كذلك فلا بدّ من توجيهه أو ردّ علمه إلى أهله.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 162، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 161، ح 3.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 264، الباب 12، من أبواب عقد البيع، ح 4.

(4). و في بعض طرق ح اضيفت المصايد و السمك (ج 12، ص 264).

484

و لم تحرّر هذه المسألة في كلماتهم حقّ التحرير، و الأقوى ما عرفت و اللّه العالم.

الأمر الثّالث: هل الحكم مختصّ بالسلطان بمعناه المعروف الذي يطلب الرئاسة على الناس بعنوان الخلافة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أو لا بعنوان الخلافة، أو يشمل كلّ متسلّط على منطقة و لو على قرية أو بلد أو صقع كما كان كذلك في الخارجين على الخلفاء في السابق و كذلك الآن.

و الحاصل إنّ المدّعي للرئاسة على أقسام ثلاثة: مدّعي الخلافة، و مدّعي السلطنة و المتسلّط على الأرض، و هل الحكم مختصّ بالمخالف المعتقد لإباحة أخذ الخراج له، أو يشمل الكافر، أو المؤمن غير المعتقد لذلك؟

و المسألة غير منقّحة في كلماتهم أيضا، و لكن لا شكّ أنّ مقتضى القاعدة الاقتصار على القدر المتيقّن، لأنّ الأصل هنا عدم جواز الخراج و شبهه لغير أهله، خرجنا منه في القدر المعلوم، فيبقى الباقي، و لكن لا يبعد شمول الأدلّة العامّة و الخاصّة السابقة لجميع ما ذكر.

أمّا الدليل العام و هو العسر و الحرج، فانّه حاصل كما لا يخفى، و ما أفاده العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الحرج حاصل على كلّ حال، لاشتمال أموالهم على المحرّمات غير الخراج (1) فيمكن الجواب عنه بأنّ جميع أموال الجائر ليست محلا للابتلاء حتّى يكون وجود الحرام فيها مانعا.

و أمّا الأدلّة الخاصّة، فبعضها مطلق يشمل الجميع مثل:

1- ما رواه أبو بصير و محمّد بن مسلم جميعا عن أبي جعفر (عليه السلام) إنّهما قالا له: هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال: «كلّ أرض دفعها إليك السلطان فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه و ليس على جميع ما أخرجه اللّه منها العشر إنّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك» (2).

2- و ما رواه عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تقبّل الثمار إذا تبيّن لك بعض حملها سنة، و إن شئت أكثر، و ان لم تبيّن لك ثمرها فلا تستأجر» (3).

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 72.

(2). وسائل الشيعة، ج 6، ص 129، الباب 7، من أبواب زكاة الغلات، ح 1.

(3). وسائل الشيعة، ج 13، ص 215، الباب 19، من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة، ح 3.

485

3- و ما رواه إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قرية لأناس من أهل الذمّة لا أدري أصلها لهم أم لا، غير أنّها في أيديهم و عليها خراج، فاعتدى عليهم السلطان، فطلبوا إليّ فأعطوني أرضهم و قريتهم على أن أكفيهم السلطان بما قلّ أو كثر، ففضل لي بعد ذلك فضل بعد ما قبض السلطان ما قبض، قال: «لا بأس بذلك، لك ما كان من فضل» (1).

4- و ما رواه أبو الربيع قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): في الرجل يأتي أهل قرية و قد اعتدى عليهم السلطان، فضعفوا عن القيام بخراجها و القرية في أيديهم و لا يدري هي لهم أم لغيرهم فيها شي‌ء فيدفعونها إليه على أن يؤدّي خراجها فيأخذها منهم، و يؤدّي خراجها و يفضل بعد ذلك شي‌ء كثير، فقال: «لا بأس بذلك إذا كان الشرط عليهم بذلك» (2).

5- و ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم و ربّما زاد و ربّما نقص فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها و يعطيه مائتي درهم في السنة، قال: «لا بأس» (3).

إلى غير ذلك من الروايات.

و عموميتها بالنسبة إلى المقام الأوّل لو كان محلا للإشكال، فلا أقل أنّها لم تكن محلا للإشكال بالنسبة إلى المقام الثاني، لا سيّما مع ما يحكى عن «هارون» و «المأمون» لاعتقادهما بأنّ الإمامين الهمامين الكاظم و الرضا (عليهما السلام) أحقّ بهذا الأمر منهما و كونهما ظالمين و غاصبين، و لكن الملك عقيم!

هذا مضافا إلى ما عرفت سابقا من أنّ الظاهر كون المقام من باب الفضولي مع لحوق إجازة من بيده الأمر، و حينئذ لا يبقى فرق بين هذه المقامات، و غاية ما يمكن أن يقال إنّ الأحوط كسب إجازة الحاكم الشرعي بالنسبة إلى هذه المقامات أيضا.

نعم، كلمات بعض الأصحاب ظاهرة في خصوص المخالف المعتقد لاستحقاق الأخذ.

مثل ما عن العلّامة (رحمه اللّه) في المنتهى من قوله «ما يأخذه الجائر لشبهة المقاسمة أو‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 13، ص 212، الباب 17، من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة، ح 2.

(2). المصدر السابق، ح 4.

(3). المصدر السابق، ص 211، ح 1.

486

الزكاة» (1) أو تفسير بعضهم الجائر بالمخالف كما في إيضاح النافع أو غير ذلك، و لكن هذه التعبيرات لا تكون إجماعا، بل و لا شهرة، و لا يمكن الركون إليها بعد وضوح الأدلّة في المقام و شمولها أو شمول بعضها، هذا مضافا إلى الإشكال في صغرى البحث، فانّ الكافر أو السلطان الجائر من الشيعة قد يعتقد بأنّ هذه الأمور من حقوق بيت المال، لا بدّ من أخذها، سواء كان الآخذ الإمام الحقّ أو السلطان الجائر، كما تراهم يأخذون الحقوق من الأوقاف و يرون ذلك أمرا سائغا لهم، بل يجعلون المشاريع العظيمة لأمر الوقف و يختارون المتولّي لأوقافهم العظيمة و يعملون كلّ ما يعمله الحاكم الشرعي، فإذا كان أمر الوقف كذلك، فأي مانع في غير الوقف؟

الأمر الرّابع: هل للخراج قدر معيّن لا يجوز أن يتجاوز عنه، بحيث لو تجاوز كان حراما للآخذ و لم تجر عليه الأحكام السابقة، أو المدار على التراضي بين السلطان و مستعملي الأرض، أو يفصل بين ما إذا كان ابتداء، أو كان بالتراضي و ما كان استدامة، أو كان بما لا يضرّ بحال المستقبل فيه أو غيره؟ وجوه:

الظاهر أنّه لم يرد في كلمات الأصحاب ما يدلّ على تعيين مقداره، و قد يستدلّ على الوجه الأوّل بما ورد في مرسلة حمّاد عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال: «... و الأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها و يجيها و يقوم عليها، على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحقّ الخراج، النصف أو الثلث أو الثلثين على قدر ما يكون لهم صلاحا و لا يضرّهم ...» (2).

و العمدة فيه أنّ هذه الأراضي ملك لعامّة المسلمين، و للوالي التصرّف فيه بما فيه مصلحتهم، فلو تجاوز عن مصالحهم فليس تصرّفه ماضيا، و غاية ما يستفاد من الأدلّة السابقة أنّهم (عليهم السلام) أمضوا تصرّفات ولاة الجور فيها لبعض المصالح لا مطلقا، بل بالمقدار الذي يتصرّف فيه أئمّة العدل، و ان هي إلّا كإمضاء تصرّف غير متولّي الوقف في العين الموقوفة.

____________

(1). المنتهى (للعلّامة)، كتاب التجارة، ص 1027.

(2). وسائل الشيعة، ج 11، ص 84، الباب 41، من أبواب جهاد العدو، ح 2.

487

فبناء على ذلك لو قبل الأرض باجرة أقلّ ممّا هو مصلحة المسلمين أشكل أمره، كما إذا قطعه من دون أي اجرة كما كان متداولا بالنسبة إلى حواشيهم في تلك الأيّام لم تحلّ له، إلّا أن يكون الآخذ من أفراد مصارف بيت المال و مستحقّيه، فيأخذها من هذه الجهة كما لا يخفى، و لعلّه إلى ذلك يشير ذيل مرسلة حمّاد كما لا يخفى.

فما أفاده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من «التفصيل بين الابتداء و الاستدامة بأنّ الأوّل يكفي فيه ما تراضى فيه الطرفان قليلا أو كثيرا، و الثاني ما لا يكون مجحفا» (1) لا يخلو عن نظر، لأنّ الوالي العدل (فكيف بالجور) ليس مختارا في هذه الأراضي حتّى يتصرّف فيها كيف يشاء فهي كالموقوفات العامّة يكون التصرّف فيها منوطا بشرط المصلحة و مراعاة الموقوف عليهم، و ليست هي من أملاكه الشخصية يتصرّف فيها كيف يشاء.

الأمر الخامس: إنّ التصرّف في الأراضي الخراجية قد يكون بعنوان المقاسمة أو أداء الخراج، فلا يشترط فيه استحقاق خاصّ، لأنّه كالمستأجر للموقوفة، و اخرى يأخذها إقطاعا (مجانا) أو بقيمة زهيدة، أو ما دون اجرة المثل، أو يأخذ نفس الخراج هبة، فهل يكون مستحقّا في جميع هذه الصور؟

الذي يظهر من بعض كلمات المحقّق الكركي (رحمه اللّه) استظهار الجواز مطلقا من إطلاقات كلمات الأصحاب و روايات الباب، أعني روايات حلّية جوائز السلطان (2).

هذا و لكن الإنصاف أنّه مشكل جدّا، أمّا بحسب القواعد فهي ظاهرة، لأنّه أخذه غير مستحقّه، و القدر المتيقّن من الجواز إمضاء أمر الجائر بما يصحّ للعادل، و ليس له إعطائه غير أهله أو أزيد من استحقاقه كما في أمر عقيل و ما أراده من بيت المال من أخيه أمير المؤمنين (عليه أفضل صلوات المصلّين) و يشهد له ما رواه الحضرمي، و استند فيها للجواز بأنّ له حقّ في بيت المال.

و إطلاق الأخبار أيضا محمول على ما إذا كان الآخذ مستحقّا كما هو الغالب بالنسبة إلى الشيعة المحرومين من حقوقهم.

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص، 76.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، الباب 51، من أبواب ما يكتسب به، ص 156.

488

الأمر السّادس: ظهر ممّا ذكرنا أنّ الإقطاع بالنسبة إلى الأراضي الخراجية غير جائز، و هو تخصيص شخص خاصّ شيئا من الأراضي الخراجية، أمّا بأن يملّكه إيّاها، أو يهبه خراجها و يجعله رزقا له، كما كان متداولا في أعصار أئمّة الجور و خلفاء الباطل يعملون ذلك لمن انتسب إليهم، أو أحبّوه، أو كان شريكا لجرائهم، و حافظا لسلطانهم بوجه من الوجوه، و هو المسمّى ب‍ «تيول» (و هي لغة تركية).

و الوجه في ذلك ما عرفت من أنّ الأراضي الخراجية ملك لجميع المسلمين الموجودين و من سيوجد فيما بعد، موقوفة عينها، و تصرّف غلّتها في مصالحهم، حتّى أنّ والي العدل لا يتصرّف فيها إلّا بهذا النحو كما كان دأبهم (عليهم السلام) في أموال بيت المال مطلقا كما هو المشهور المعروف من فعل أمير المؤمنين (عليه أفضل صلوات المصلّين).

و أمّا ولاة الجور فغاية ما ثبت في حقّهم إمضاء تصرّفهم فيها (بالنسبة إلى من وصل إليه) بما يجوز بحسب حكم الشرع في حقّ الوالي العادل.

و إليك بعض ما ورد في حكم الأراضي الخراجية و نحو ملكيتها مثل:

1- ما رواه أبو بردة بن رجاء قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: و من يبيع ذلك؟ هي أرض المسلمين. قال: قلت: يبيعها الذي هي في يده. قال:

و يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟ ثمّ قال: «لا بأس اشتري حقّه منها، و يحول حقّ المسلمين عليه، و لعلّه يكون أقوى عليها و أملى بخراجهم منه» (1).

2- و ما رواه محمّد بن مسلم و عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن ذلك فقال: «لا بأس بشرائها فانّها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم تؤدّي عنها كما يؤدّي عنها» (2).

3- و ما رواه حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجل مسلم اشترى أرضا من أراضي الخراج، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «له ما لنا و عليه ما علينا، مسلما كان أو كافرا، له ما لأهل اللّه و عليه ما عليهم» (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 118، الباب 71، من أبواب جهاد العدو، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 119، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 6.

489

نعم، لو كان هو من مستحقّي بيت المال، أمكن ذلك في حقّه بمقدار ما يستحقّه، كما يدلّ عليه مضافا إلى مقتضى القاعدة ما رواه إبراهيم بن أبي زياد قال:

4- سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الشراء من أرض الجزية قال: فقال: «اشترها فانّ لك من الحقّ ما هو أكثر من ذلك» (1).

الأمر السّابع: مالكية الحكومة و حدود تصرفاتها.

قبل أن نتكلّم في الأمر التاسع و العاشر من بيان مصرف الخراج و موضوع الأراضي الخراجية و مصداقها و مالها من الشرائط، لا بأس بأن نتكلّم في حال مالكية الحكومة و أموالها من دون الحقّ و الجور في أعصارنا مع قطع النظر عن الأراضي الخراجية التي لا توجد لها اليوم مصاديق ظاهرة واضحة، أو لا يوجد منها إلّا قليل، فانّ ذلك أهمّ من غيره.

و الكلام هنا في مقامات:

1- مالكية الحكومة، أعني جهتها و عنوانها لا أشخاصها.

2- أموالها المشروعة و غير المشروعة و منابعها المالية.

3- كيفية نفوذ تصرفاتها في هذه الأموال.

المقام الأوّل: مالكية الحكومة

أمّا الاولى، فقد يستشكل في ذلك، نظرا إلى أنّ الملكية و ان كانت من الامور الاعتبارية بنفسها، إلّا أنّ المالك لا بدّ أن يكون شخصا حقيقيا عاقلا شاعرا فكما لا تتصوّر الملكية بالنسبة إلى الحيوانات و الأشجار و الأحجار فبطريق أولى لا يصحّ الملك للعناوين الاعتبارية، و لم يعهد ذلك في الصور الاول، و إنّما كانت الأموال الموجودة في بيت المال ملكا لجميع المسلمين، أو لفقرائهم، أو لإمام المسلمين.

هذا و لكن يرد عليه: أمّا أوّلا: فلأنّ قيام الأمر الاعتباري بأمر اعتباري آخر لا مانع منه بعد ما كان الاعتبار و الإنشاء خفيف المؤونة، و المدار في الامور الاعتبارية على كونها مشتملة على المصالح العقلائية و المنافع الاجتماعية، و ملكية الجهة و العنوان أمر عقلائي‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 119، الباب 71، من أبواب جهاد العدو، ح 4.

490

بلا إشكال، بل لعلّ أكثر الأموال الموجودة اليوم على وجه الأرض أملاك للعناوين، مثل السفن العظيمة و الطائرات و جميع الأسلحة المتطورة و الثروات الضخمة في البنوك و العمارات و الأراضي و غيرها، و لو كان هذا أمرا غير عقلائي لما التزم به جميع العقلاء من جميع أقطار العالم، و لو حكمنا بسلب الملكية عن الحكومات لم يستقرّ حجر على حجر و لو يوما واحدا.

و ان شئت قلت: الأحكام تؤخذ من الشرع و موضوعاتها من العرف، و ملكية الجهة أمر عرفي واضح ظاهر لكلّ أحد.

و هل الحكومة تتصرّف فيها بعنوان النيابة، و المال مال الشعب، أو هي ملك لها، و رجالها مأمورون بالتصرّف فيها لمصالح الأهمّ؟

فعلى الأوّل المالك الحقيقي هو الشعب، و الحكومة وكيل له، و على الثاني المالك هي الحكومة، و المصرف هو الشعب، كلّ من المعنيين جائز، و على كلّ تقدير تكون ملكا للجهة.

و بعبارة اخرى، قد يكون عنوان النيابة هنا من قبيل الواسطة في ثبوت الملكية، و اخرى من قبيل الواسطة في العروض.

الظاهر أنّه لا فرق بينهما في الأثر و العمل، لأنّ تصرفاتها بعنوان الحكومة على كلّ حال لا تصحّ إلّا في مصالح الحكومة التي هي مصالح الشعب بعينها، كما أنّ تصرفاتها بعنوان النيابة كذلك.

و على كلّ تقدير المالك هو الجهة لا افراد الحكومة، و لا افراد الشعب بأعيانهم، بل بعنوانهم.

و لكن الأظهر بحسب متفاهم العرف و العقلاء هو كون الحكومة مالكا لها، تتصرّف فيها لمصالحهم.

و ممّا يشهد لما ذكرنا من جواز ملك الجهة امور:

1- الموقوفات العامّة على بعض العناوين، كوقف المدارس على طلاب علوم الدين أو على صنف خاص منهم، فانّ المالك هنا أيضا ليس أشخاصهم بأعيانهم، بل بما انّهم مصاديق لهذا العنوان، و أي فرق بينه و بين مالكية عنوان الحكومة، و كلاهما ملك الجهة، و لا‌

491

فرق بين التمليك الموجود في الوقف و الملك الطلق، و هكذا الأمر في المساجد و الخانات و المرابط لو قلنا أنّها ملك لعامّة المسلمين، بخلاف ما إذا قلنا أنّها فك ملك.

نعم الجهة في الموقوفات تحكي عن أمر خارجي كطلبة العلم، و في الحكومة عن أمر اعتباري، و هذا المقدار لا يوجب تفاوتا في المقام بعد كونهما كلاهما ملكا للجهة.

2- هنا أشياء تتوقّف على المساجد بحيث تعدّ تمليكا للمسجد، و المسجد مالكا لها، بل قد لا يكون ملك المسجد وقفا و يكون من قبيل الملك الطلق كالفرش و الأمتعة التي تشترى للمسجد من غلّة موقوفاته، فانّه مال المسجد و ليس وقفا (فتأمّل جيّدا في الفرق بينهما).

فإذا كان المسجد و شبهه يمكن أن يكون مالكا لبعض الأشياء مع أنّها ليست بذوات العقول، فكيف لا يمكن ملك «الجهة» مع أنّها عنوان لمن يعقل، و يملك؟!

و الغرض من ذلك كلّه أنّ أمر الملك سهل بين العرف، و العقلاء يعتبرونه في كلّ مورد تترتّب عليه الآثار المعقولة المفيدة، و القول بأنّ أملاك المساجد و شبهها أملاك لعامّة المسلمين، لا المسجد، مخالف لما ارتكب عليه أهل العرف.

3- هناك بعض الروايات الدالّة على جواز بيع ثوب الكعبة و شرائه و النهي عن اتّخاذه كفنا مثل:

الأوّل: ما رواه مروان بن عبد الملك قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى من كسوة الكعبة شيئا فقضى ببعض حاجته و بقى بعضه في يده هل يصلح بيعه؟ قال: «يبيع ما أراد و يهب ما لم يرده، و يستنفع به و يطلب بركته» قلت: أ يكفّن به الميّت؟ قال: «لا» (1).

الثّاني: ما رواه الحسين بن عمارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اشترى من كسوة البيت شيئا هل يكفّن به الميّت؟ قال: «لا» (2).

الثّالث: ما رواه عبد الملك بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل اشترى من كسوة البيت شيئا هل يكفّن فيه الميّت؟ قال: «لا» (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 2، ص 752، الباب 22، من أبواب التكفين، الأحاديث 1 و 2 و 3.

(2). المصدر السابق.

(3). المصدر السابق.

492

و كيف يباع ثوب الكعبة لو لم يكن هناك ملك، فانّه لا بيع إلّا في ملك.

و الظاهر أنّ المالك هنا هو نفس الكعبة، لا المسلمون، بل الكعبة أيضا ليست هي البنيان بعينه، بل العنوان الجامع حتّى إذا جدّد البناء ببعض العلل كان أيضا مالكا.

الرّابع: أضف إلى ذلك كلّه ارتكاز العقلاء من أمر الملك، فانّه ليس أمرا مخترعا للشرع، بل مأخوذا من بناء العقلاء، و نراهم يعتبرون قسمين من المالك: «الشخص الحقيقي» و «الشخص الحقوقي» فيعتبرون مؤسسة أو مشروعا من المشاريع عنوانا صالحا لأن يكون مالكا من دون أن يملك الأشخاص الموجودون شيئا و إنّما هم بالنسبة إليه كالمتولّي للموقوفة.

إن قلت: هذا أمر مستحدث لم يمضه الشارع.

قلنا: إذا أمضى الشارع العقود كلّها بعنوان قضية حقيقية أمضى ما تبتني عليه هذه العقود بالملازمة، فكما تشمل أدلّة صلاة القصر الأسفار الفضائية و شبهها مع أنّها مصاديق مستحدثة لم تكن من قبل، فكذلك هذه الأفراد من الملكية، بل الإنصاف أنّها ليست مستحدثة لوجود مصاديق لها من قبل كما مرّت الإشارة إليها.

الخامس: ملكية الإمام (عليه آلاف الثناء و التحيّة) بالنسبة إلى سهمه المبارك، بل و بالنسبة إلى الأنفال أيضا، ليس من قبيل ملك الشخص، بل من قبيل ملك الجهة، أعني أنّه مالك لهذه الأموال بعنوان «الإمامة».

و الشاهد على ذلك مضافا إلى أنّ هذه الأموال العظيمة الشاملة لخمس جميع الغنائم بمعناها الوسيع في جميع أقطار العالم، و بجميع الأنفال مع عدم حاجته (عليه السلام) إليها في حياته الشخصية، بل بما أنّه إمام المسلمين و حافظ لكيانهم و منافعهم و جامع لشملهم و سبب لشوكتهم و قدرتهم على الأعداء، ما ورد في أبواب الأنفال عن أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام) (الإمام الهادي) انّا نؤتى بالشي‌ء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام) (الجواد) عندنا فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام) بسبب الإمامة فهو لي و ما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه و سنّة نبيّه» (1).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 6، ص 374، الباب 2، من أبواب الأنفال، ح 6.

493

و أبو علي بن راشد و اسمه الحسن و ان لم يصرّح بعضهم في الرجال بوثاقته بل بمدحه، و لكن كونه من وكلائهم من أقوى الأدلّة على وثاقته كما ذكره المامقاني في رجاله، فتدبّر.

مضافا إلى أنّه قد صرّح الشيخ في رجاله بوثاقته (ذكره في معجم رجال الحديث) (1).

و لكن طريق «الفقيه» إلى الحسن بن راشد لا يخلو من ضعف، كما في جامع الرواة (2).

و أمّا دلالته على ما نحن بصدده فظاهرة، حيث فرّق بين أمواله الشخصية التي تورث على ما فرضه اللّه، و أمواله (عليه السلام) بعنوان الإمامة.

السّادس: بل الظاهر أنّ ملكية الأراضي الخراجية من قبيل ملك «الجهة» فراجع ما ورد في الباب 71 من أبواب جهاد العدو و إليك بعض منها:

ما رواه أبو بردة بن رجا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) كيف ترى في شراء أرض الخراج؟

قال: «و من يبيع ذلك هي أرض المسلمين؟» قال قلت: يبيعها الذي هي في يده، قال:

«يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟» ثمّ قال: «لا بأس اشتري حقّه منها و يحول حقّ المسلمين عليه و لعلّه يكون أقوى عليها و أملى بخراجهم منه» (3).

و هذه الرواية تشهد لما ذكر، فانّه لو كانت الأرض بأشخاصهم كانت موروثة على كتاب اللّه و سنّة نبيّه، و ليس كذلك قطعا، بل كلّ إنسان إذا كان مصداقا لعنوان المسلم كان مالكا لها و إذا زال هذا العنوان أو مات المعنون به زال ملكه، و هذا هو المراد بملك الجهة، أو أحد معانيه، فتدبّر جيّدا.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ صاحب الملك على أقسام:

تارة يكون إنسانا و يكون المالك شخصا حقيقيا.

و اخرى: يكون عينا خارجيا مثل الكعبة و المسجد و غيرهما.

و ثالثة عنوانا منطبقا على أشخاص حقيقيين، فالمالك هو الإنسان، لكن لا بشخصه بل بعنوان الخاص أو العام.

____________

(1). معجم رجال الحديث، ج 4، ص 320.

(2). جامع الرواة، ج 1، ص 197.

(3). وسائل الشيعة، ج 11، ص 118، الباب 71، من أبواب جهاد العدو، ح 1.

494

و رابعة يكون مجرّد أمر اعتباري و عنوان ذهني، مثل ما تداول في أيّامنا من المالكين الحقوقيين لا الحقيقيين، كالمشارع و المؤسسات المعمولة للنشر و التبليغ، و الاقراض، و غيرها، فالمالك هنا ليس إلّا الأمر الاعتباري.

و الظاهر أنّ الثلاثة الاولى ممّا لا ينبغي الإشكال فيها و ان كان هناك إشكال ففي الأخير، و لكنّه أيضا صحيح قطعا، و له نظائر كثيرة في الشرع و العرف.

و أمّا الحكومة فالظاهر أنّها من قبيل القسم الثالث، و يحتمل كونها من القسم الرابع، و ان كان الثالث أظهر.

كما أنّه يمكن كون أموالها أموالا للشعب و رجال الحكومة نائبون عنهم، أو انّهم أولياء منصوبون من قبل اللّه و امناؤه على عباده كما في اعتقادنا في حكومة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة الهادين (عليهم السلام).

و على كلّ حال لا ينبغي الإشكال في أصل مالكية الحكومة، و إنكارها في عصرنا أشبه شي‌ء بإنكار بعض الامور البديهية و ان ذكر في تصويرها أنحاء مختلفة.

هذا و قد يقال: إنّ مالكية الجهة و ان كانت أمرا مفروغا عنها و كذلك مالكية الحكومة، و لكن ذلك إنّما يصحّ إذا كانت الحكومة صالحة مؤمنة مشروعة كحكومة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أوصيائه المرضيين (عليهم السلام) أمّا إذا كانت ظالمة غاشمة فقد أسقط الشارع اعتبارها و أبطل مشروعيتها، و مع ذلك كيف تملك شيئا بعد بطلان اعتبارها؟

و لكن نقول: الحكومة و ان كانت أمرا اعتباريا، و لكنّها ناشئة عن مبادئ تكوينية خارجية عينية، و هي السلطة على المجتمع و تكلّمها باسم الشعب و المجتمع، و هذا المعنى حاصل في الحكومة الصالحة و الظالمة و ليس أمرا يمكن إنكاره، فالحكومة بهذا الاعتبار أمر واقعي، و عنوانها و ان كان أمرا اعتباريا و لكن مبادئه تكوينية خارجية.

و هذا من قبيل عنوان الطلاب أو الحجّاج إذا وقف عليهم شي‌ء و جعل ملكا محبوسا.

نعم، الشارع المقدّس حرّم الحكومة الجائرة و لم ير لها رخصة في التسلّط على الناس، و أمّا لو تسلّطت عليهم حكومة ظالمة و كسبت أموالا من طريق التجارات و الصناعات و سائر الطرق المشروعة، فلا دليل على عدم ملكيتها.

495

و إن شئت قلت: القدر المسلم هو تحريم الحكم على الناس بغير إذن من الشارع و عدم إمضاء تصرّفات هذه الحكومة من هذه الجهة، أمّا كونها شخصا حقوقيا تملّك أشياء إذا حصلت عليها من طرق مشروعة، فلم يدلّ عليه دليل بعد قضاء العرف و العقلاء بمصداقه الخارجي و اعتباره الناشي عن مبادئ تكوينية.

المقام الثّاني: منابع أموال الحكومة

اعلم أنّ ما تكتسبه الحكومة على أنحاء ثلاثة:

1- ما تكتسبه بالمكاسب المحلّلة فتملكه، سواء كانت حكومة جائرة أو عادلة، و هو كثير مثل ما تكتسبه بالتجارة في داخل البلاد و خارجها، و إحداث المصانع، و بناء الطرق و أخذ حقّ العبور منها، و الزراعات في الأراضي المباحة، و إخراج المياه، و إحداث السدود، و استخدام الطائرات، و السكك الحديدية، و الخدمات المختلفة، كالمدارس و الجامعات و المستشفيات و البرق و البريد و الهاتف و المياه و غير ذلك.

بل ما تأخذه بعنوان العشور (الضرائب) عن الاسناد في مقابل تنظيمها و تسجيلها تسجيلا تامّا من دون إجبارهم على أخذ هذه السجلات بل و ما تستخرجه من المعادن أيضا، فهذا كلّه حلال.

2- ما تأخذه ظلما و غصبا من حقوق الناس، و هي أيضا كثيرة لا سيّما في الدول التي بنيت على أساس الظلم و الجور، و هذا حرام مطلقا.

3- ما تأخذه من حقوق بيت المال الذي يحلّ شرعا للوالي العادل و لا يحلّ لغيره كالزكوات و الخراج و أشباهها، و هذه تحلّ لأهلها فقط إلّا إذا كان الجائر مأذونا بإذن خاص لبعض المصالح من ناحية الإمام العادل، أو بعنوان إذن عامّ، كما عرفته في الخراج و غيره في المباحث السابقة مع شرائطه، فحينئذ تكون أموال الحكومة الجائرة مختلطة من الحلال و الحرام.

و الإنصاف إنّ المحلّل منها في أعصارنا كثيرة جدّا بحيث قد يغلب على الحرام أو‌

496

يساويه، و من هنا يمكن الركون إلى حجيّة أيديهم بناء على جواز الاعتماد على يد من غلب على أموالهم الحلال كما عرفته سابقا.

المقام الثّالث: في نفوذ تصرّفات الحكومات:

و هو أيضا لا يخلو عن وجوه ثلاثة:

1- الحكومة العادلة: المأذونة من قبل اللّه تعالى، و لا إشكال في نفوذ تصرّفاتها، لأنّه تعالى مالك الملوك يؤتي الملك من يشاء و ينزعه ممّن يشاء، و ذلك واضح، و هي حكومة أنبيائه و أوليائه و الأئمّة الهداة، و الفقيه العادل المأذون من قبلهم.

2- الحكومة غير الإلهية التي تكون مبعوثة من قبل الناس و مندوبة عنهم، فلو قلنا بأنّ هذه الأموال أموال شعوبهم، و الحكومة نائب عنهم أمكن القول بجواز تصرّفاتها و نفوذها في جميع الأموال المحلّلة التي تكون لها من قبلهم.

إن قلت: كيف تكون نائبا عن جميعهم؟ لأنّه أمر غير واقع مطلقا، بل تكون دائما نائبا عن كثير منهم، و هم الذين يوافقونها و ينتخبونها و اجتماع الناس كلّهم على شخص أو أشخاص معينين غير حاصل عادة، و اجتماع الأكثر غير كاف.

قلنا: الناس في هذه البيئات مجمعون على أصل، و هو كون المندوب عن الأكثر نافذ الكلمة فيهم جميعا، و اجتماعهم على هذا الأمر كاف فيما ذكر، و إلّا بقيت هذه الأموال الكثيرة بلا مالك و لم يجز لأحد التصرّف فيها.

هذا كلّه في البيئات غير المسلمة الذين ألزموا أنفسهم بهذا النحو من الحكومة.

3- الحكومة الجائرة في المجتمعات المسلمة و غير المسلمة، و لا سيّما من لا يكون مندوبا عن الناس أيضا، فنفوذ تصرّفاته حتّى في الأموال المحلّلة مشكل، لأنّا لو قلنا أنّ الأموال ملك للناس، فالوالي عليهم هي الحكومة العادلة التي تقوم بأمرهم بحكم اللّه تعالى، و ان قلنا بأنّ الأموال لعنوان الحكومة و جهتها، فمجرّد التغلّب و السيطرة عليها و غصبها لا يثبت هذا العنوان لهم، فتصرّفاتهم فيها محرّمة على كلّ حال، و لا أقل من الاحتياط بأن‌

497

يكون التصرّف فيها بإذن الفقيه الجامع للشرائط، اللهمّ إلّا أن يحصل له مال من طريق التجارة و الصناعات و الخدمات و غيرها كما مرّ سابقا.

فقد تحصل من جميع ما ذكر في مالكية الحكومة و تصرّفاتها الامور التالية:

1- الحقّ صحّة ملك العنوان و الجهة، سواء انطبق على أشخاص أو لم ينطبق عليهم، كالمشاريع و المؤسسات المستحدثة التي تكون أمرا اعتباريا و تعدّ «شخصا حقوقيا» في عصرنا.

2- للحكومة منابع كثيرة محلّلة من الأموال المكتسبة حتّى الحكومات الجائرة، و لها أيضا منابع محرّمة كثيرة، فتكون أموالها كالمخلوط بالحرام، و لكن إذا لم يكن الجميع محلا للابتلاء يمكن الركون إلى قاعدة اليد و دلالتها على الملك.

3- الظاهر أنّ هذه الأموال أموال للشعب، و الحكومة تعدّ نائبا عنهم أو وليّا عليهم، فتصرّفاتهم بهذا العنوان تكون لهم.

4- تصرّفات الحكومة في المجتمعات غير المسلمة نافذة إذا كانت الحكومة منتخبة من الشعب على وفق ضوابطهم المرضية لهم.

5- في البلاد الإسلامية لا تصحّ تصرّفات الحكومة الجائرة في ما يتعلّق ببيت مال المسلمين إلّا بإذن الإمام (عليه السلام) أو النائب منابه.

6- إذا حصل للحكومة أموال من طريق الحلال من التجارات و غيرها كانت مالكا لها تتصرّف فيها وفقا لما هو المعمول بين العقلاء.

مصرف الخراج:

يظهر من بعض كلمات المحقّق الماهر صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في كتاب الجهاد أنّ مقتضى السيرة بين العوام و العلماء عدم وجوب صرف ما يتّفق حصوله من حاصل الأراضي الخراجية في يد أحد من الشيعة من الجائر أو غيره في المصالح العامّة، بل له التصرّف فيه بمصالحه الخاصّة، و لكنّه احتياط بلزوم الاستيذان في ذلك من نائب الغيبة إن لم يكن أقوى، ثمّ قال: الظاهر جواز الإذن له مجانا مع حاجة المستأذن (1).

____________

(1). جواهر الكلام، ج 21، ص 163.

498

هذا و لكنّه رجع عنه في كتاب المكاسب، و احتاط بصرفها في المصالح العامّة، بل يظهر من صدر كلامه فتواه بذلك، حيث قال: «أمّا مصرف الخراج لو وقع في يد الحاكم فالمتّجه قصره على المصالح العامّة للمسلمين» (1).

بل و قد يظهر ذلك من بعض كلمات الشيخ في المبسوط، و ذكر المحقّق الكركي (رحمه اللّه) في رسالته المعمولة في المسألة ما يظهر منه اسناد ذلك إلى الأصحاب حيث قال: «ذكر أصحابنا في مصرف الخراج أنّ الإمام يجعل منه أرزاق القضاة و الولاة و الحكّام و سائر وجوه الولايات» (انتهى ما حكي عنه) (2).

و العمدة في المسألة ما يستفاد من كيفية تملّك الأراضي الخراجية و من سيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و من بعده من الأئمّة (عليهم السلام) عند بسط أيديهم في ذلك.

أمّا الأوّل فقد وقع التصريح في روايات الباب تارة بأنّها ملك لجميع المسلمين لمن هو موجود اليوم، و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و من لم يخلق بعد كما في الرواية التالية:

ما رواه محمّد الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن لا يخلق بعد» فقلت:

الشراء من الدهاقين قال: «لا يصلح إلّا أن تشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين، فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها». قلت: فان أخذها منه، قال: «يرد عليه رأس ماله و له ما أكل من غلّتها بما عمل» (3).

و مضمونها ممّا لا خلاف فيه بيننا كما قيل.

و في بعضها التعبير بأنّها في‌ء للمسلمين، مثل ما رواه أبو الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تشتر من أرض السواد «أراضي أهل السواد» شيئا إلّا من كانت له ذمّة فإنّما هو في‌ء للمسلمين» (4).

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 200.

(2). اللجاج الكركي- نقلا عن الجواهر، ج 22، ص 201.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 274، الباب 21، من أبواب عقد البيع، ح 4.

(4). المصدر السابق، ح 5.

499

و في رواية اخرى «أنّها أرض للمسلمين» كما في (1/ 71) (1) أوردناها آنفا).

و الظاهر أنّها ملك لعامتهم تصرف منافعها في المصالح العامّة، لا أنّها تقسم بينهم كملك شخصي، لعدم إمكانه أوّلا، و لعدم الدليل عليه و لا أقل من الشكّ في ذلك، و ما يرى في نحو الملكية من الخلاف من قول بعضهم بملك رقبة الأرض، و بعضهم بملك ما يرتفع منها من غلّتها، فالظاهر أنّه نزاع لفظي، و انّ مرادنا في الملكية هو الملكية كسائر الأملاك، بل التعبير بخراج المسلمين في بعضها أقوى شاهد على ما ذكر.

هذا مع أنّ الخراج بهذا العنوان ليس من مخترعات الشرع، بل كان معمولا بين العقلاء من سابق الأيّام، و ليس بمعنى خصوص ما يؤخذ من هذه الأراضي الخاصّة، بل كما يظهر من أهل اللغة هو كلّ ما تؤدّيه الرعية إلى الولاة (كما في لسان العرب) و ترادفه كلمة «الضرائب» فهي كلّ ما تأخذه الحكومة من شعبها للصرف في امورها و تنظيم برامجها و إدارة شئونها و تأمين حقوق أعوانها.

و من الواضح أنّ الخراج بهذا المعنى لا يصرف إلّا في المصالح العامّة و ليس ملكا للأشخاص.

و أمّا الثاني، أعني السيرة، فالظاهر استقرارها على صرفها في المصالح العامّة منذ عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فما بعد.

نعم، إذا زاد عن المصالح العامّة كأرزاق الغزاة و القضاة و عمّال الحكومة و بناء الطرق و القناطر، و إصلاح البلاد، و إرشاد العباد، و غيرها أمكن تقسيمه بين الناس.

و كذلك إذا كان حفظ المساكين و دفع فقرهم من الشؤون العامّة بحيث إذا لم يصلح أمرهم نشأ فساد في المجتمع كان من المصالح العامّة و جاز صرف الخراج فيه.

هذا و لكن يظهر من سيرة علي (عليه السلام) أنّه كان يقسّم بيت المال بين الناس على السوية، و كان يقول «لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف و إنّما المال مال اللّه» (2) و قصّة أخيه (عليه السلام) عقيل معروفة.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 118، من أبواب جهاد العدو، ح 1.

(2). نهج البلاغة، الخطبة 126.

500

و لكن الإنصاف أنّه يمكن حملها على ما إذا زاد الخراج أو غيره من وجوه بيت المال عن المصارف العامّة، فحينئذ يجوز تقسيمه بين المسلمين و يكون المال لهم بالسوية.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الخراج لا يصرف إلّا في المصالح العامّة، إلّا أن يكون صرفها في الأشخاص من تلك المصالح، أو زاد عن المصارف اللازمة، فتدبّر جيّدا.

حكم الأراضي الخراجية:

و المعروف اعتبار شروط ثلاثة فيها:

1- كونها مفتوحة عنوة أي فتحت بخيل و ركاب، في مقابل ما صالحوا عليها و لم يوجف عليها بخيل و ركاب حيث تختصّ بإمام المسلمين.

2- كون الفتح بإذن الإمام.

3- كونها محياة حال الفتح.

و الكلام فيها حكما و موضوعا يأتي في مقامات:

المقام الأوّل: في اعتبار كون الفتح عنوة:

(أي قهرا)، و الأصل في العنوة كما يظهر من لسان العرب، هو الخضوع، ثمّ استعمل في القهر و الغلبة (لعلّه من جهة خضوع العدو عند ذلك).

الظاهر أنّه لا خلاف فيه بحسب الكبرى (أي كون الأراضي المفتوحة عنوة من الأراضي الخراجية)، بل قد حكي الإجماع عليه عن الخلاف و التذكرة و المنتهى و الرياض و رسالة قاطعة اللجاج للكركي (قدّس اللّه أسرارهم) و ان حكي عن بعض العامّة اختصاص الغانمين بها.

و يدلّ عليه مضافا إلى ذلك الروايات التالية:

1- ما رواه صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر جميعا قالا: ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج، و ما سار أهل بيته، فقال: «من أسلم طوعا تركت أرضه في يده‌

501

و أخذ منه العشر ممّا سقى بالسماء و الأنهار، و نصف العشر ممّا كان بالرشا فيما عمّروه منها، و ما لم يعمّروه منها أخذه الإمام فقبله ممّن يعمّره، و كان للمسلمين و على المتقبّلين في حصصهم العشر أو نصف العشر، و ليس في أقلّ من خمسة أوسق شي‌ء من الزكاة، و ما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بخيبر قبل سوادها و بياضها يفي أرضها و نخلها، و الناس يقولون لا تصلح قبالة الأرض و النخل و قد قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خيبر قال: و على المتقبّلين سوى قبالة الأرض العشر و نصف العشر في حصصهم، ثمّ قال: إنّ أهل الطائف أسلموا و جعلوا عليهم العشر و نصف العشر و انّ مكّة دخلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عنوة و كانوا اسراء في يده فأعتقهم و قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (1).

2- ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال ذكرت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) الخراج و ما ساربه أهل بيته، فقال: «العشر و نصف العشر على من أسلم طوعا تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر و نصف العشر فيما عمّر منها، و ما لم يعمّر منها أخذه الوالي فقبله ممّن يعمّره و كان للمسلمين، و ليس فيما كان أقلّ من خمسة أو ساق شي‌ء، و ما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بخيبر قبل أرضها و نخلها، و الناس يقولون لا تصلح قبالة الأرض و النخل إذا كان البياض أكثر من السواد، و قد قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خيبر و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر» (2).

و يدلّ عليه أيضا ما حكي من سيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في خيبر الذي هو معروف.

و أمّا من ناحية الصغرى، أي طريق ثبوته، فالمدار فيه ما هو المدار في غيره من ثبوته بالعلم و الشياع المفيد له، و بقول شاهدين عدلين، بل و عدل واحد كما هو الحقّ عندنا في الموضوعات.

إنّما الكلام هنا في أمرين: في قبول الظنّ القوي فيها نظرا إلى أنّ أمر الأراضي من هذه الجهة كأمر الوقف و النسب و السيادة و غيرها لا تثبت بالعلم غالبا، فحيث أنّ باب العلم‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 119، الباب 72، من أبواب جهاد العدو، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 120، ح 2.

502

منسدّ فيها يرجع إلى الظنّ القوي، و الإنصاف أنّ الظنّ المتاخم للعلم و ما يوجب سكون النفس معتبر في جميع المقامات، بل هو علم عرفا و ان كان غيره لا دليل على اعتباره إلّا في مقامات خاصّة.

هذا و لكن لا تبعد حجيّة مثل الظنّ ببناء العقلاء كما في نظائره من النسب و الموقوفات و غيرها و إلّا لانسدّ بابها.

و أمّا الأمر الآخر، و هو الاعتماد على استقرار اليد عليها بعنوان أنّها أرض خراجية، أو دعوى ذي اليد كونها كذلك، و استقرار السيرة على أخذ الخراج منه، فان أوجب ذلك العلم أو الظنّ القوي النازل منزلته فهو، و إلّا يشكل إثبات الحكم بمجرّد السيرة، أو حمل فعل السلطان على الصحّة، لأنّ فعله مبني على الفساد من أصله، نعم لا يبعد الاعتماد على أيدي المؤمنين من أصحاب اليد على الأرض و حمل تصرّفهم على الصحّة، و لا يجب التفحّص عنها.

بل الإنصاف إمكان حمل يد السلطان أيضا على الصحّة، لا لاعتبارها لما قد عرفت أنّه مبني على الفساد، بل لأنّ الروايات الكثيرة الواردة في أرض الخراج تدلّ على جواز معاملة أرض الخراج مع ما يؤخذ من السلطان بهذا العنوان، و يجوز تقبّله إمّا بلا واسطة منه، أو من الدهاقين الذين أخذوا منه، و إطلاق هذه الروايات أقوى دليل على معاملتها معاملة الصحّة، و إلّا من أين يحصل العلم في هذه الموارد بكونها أرض خراج لو لا اعتبار اليد هنا.

فتلخّص ممّا ذكر أنّ العمدة في طريق ثبوت كون أرض من الأراضي الخراجية امور:

1- اشتهارها بذلك في البلد و ان كانت الشهرة موجبة للظنّ.

2- قول صاحب اليد سواء كان من الدهاقين أو الجائر المسلّط.

3- أقوال المؤرخّين المعروفين الموجبة للظنّ القوي.

و إن أبيت إلّا عن لزوم تحصيل العلم و اليقين، أو شاهدي عدل، لزم تعطيل أحكام الأراضي الخراجية مطلقا بعد مرور الزمان.

فما عن بعض الفقهاء من أنّه ليس في جميع الأراضي الإسلامية حتّى قطعة واحدة من‌

503

الأراضي يمكن إثبات كونها خراجية بالموازين الثابتة في الفقه (1)، كلام مختلّ، و لازمه تعطيل هذا الحكم مطلقا، و كذا أحكام نسب الهاشميين، بل مطلق النسب، بل الموقوفات أيضا، لا سيّما الموقوفات القديمة، و لعلّ أمثال هذه الوساوس كانت سببا لتعطيل أحكام هذه الأراضي في عصرنا و خلطها بغيرها، و ما أشدّ الفساد الحاصل منه شرعا من جهة اختلاط الحلال و الحرام.

بقي هنا أمران

أحدهما: إنّه لو شككنا في ذلك، و كانت هناك أرض تحتمل كونها خراجية و لكن لم يثبت ذلك بالموازين الشرعية المذكورة آنفا، فلا تخلو عن حالات:

أن لا تكون في يد أحد، فالأصل كونها من الأنفال بحكم أصالة عدم اليد عليها.

أو يعلم بجريان اليد عليها، فان عرف صاحب اليد، فالظاهر أنّها ملكه بحكم اليد، و ان لم يعرف، و دار الأمر بين كونها خراجية، أو ملكا، أو غير ذلك فهي محكومة بعدم كونها خراجية لأصالة العدم، و قد يتوهّم كونها بحكم مجهول المالك، لأنّه لا يعلم أنّ مالكه شخص خاصّ، أو جميع المسلمين، و أصالة العدم من الجانبين متعارضة.

هذا و يشكل التصدّق بها، و هو حكم مجهول المالك، فالأحوط لو لا الأقوى حفظها و صرف غلّتها فيما ينطبق على المصرفين.

هذا و لكن الإنصاف جواز التمسّك بعدم الفتح عنوة، فتجري عليها أحكام مجهول المالك الشخصي.

ثانيهما: قد صرّح في كلمات الأصحاب أنّ أراضي السواد من الأراضي المفتوحة عنوة، و هي ملك المسلمين، و قد يقال: إنّ فتح العراق بالعنوة مسلّم بحسب التاريخ، حتّى أنّه لم يكن فيه خلاف بين الفقهاء الأوّلين و كان يؤخذ منها الخراج منذ بداية أمرها (2).

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 550.

(2). تحفة الامراء صابي، ص 365، و «زمين در فقه اسلامى» ص 121.

504

و عن العلّامة (رحمه اللّه) في «المنتهى» أنّها فتحت في زمن عمر، فأرسل إليها ثلاثة نفر: عمّار بن ياسر على صلاتهم أميرا، و ابن مسعود قاضيا و واليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف على مساحة الأرض (و أخذ الخراج) ... و مسح عثمان بن حنيف أرض الخراج، و قيل كان قدرها 32 الف و الف جريب، و قيل 36 الف الف، ثمّ ضرب على كلّ جريب نخل عشرة دراهم، و على الكرم ثمانية دراهم، و على جريب الشجر و الرطبة ستّة دراهم، و على الحنطة أربعة دراهم، و على الشعير درهمين، ثمّ كتب بذلك إلى عمر فأمضاه (1).

و روي أنّ غلّتها كانت في عهد عمر 160 الف الف درهم، و لمّا أفضى إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أمضى ذلك، لأنّه لم يمكنه المخالفة و الحكم بما عنده!

فلمّا كان في زمن الحجّاج (و كثر ظلمه و فساده) تنزّلت المعمورة إلى 18 الف الف درهم، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز (و ظهرت عدالته) رجع إلى 30 الف الف في أوّل سنة، و في الثانية 60 الف الف، و قال لو عشت سنة اخرى لرددتها إلى ما كان في أيّام عمر، فمات في تلك السنة (2).

و يدلّ على كون أرض السواد (أراضي العراق و ما والاها) من أرض الخراج ما يلي:

1- ما رواه أبو الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تشتر من أرض السواد «أراضي أهل السواد» شيئا إلّا من كانت له ذمّة فانّما هو في‌ء للمسلمين» (3).

2- ما رواه محمّد الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن لم يخلق بعد» (4).

و لكن يظهر من بعض فقهائنا على قول شاذّ عدم العمل بهاتين الروايتين نظرا إلى ما سيأتي من عدم إذن الإمام (عليه السلام) في هذه الحروب، و معه يكون من الأنفال، فلا تجري عليها أحكام الأراضي الخراجية، فتحملان على التقيّة (فتدبّر جيّدا).

____________

(1). الجواهر، ج 21، ص 159.

(2). المصدر السابق، ص 159 و 160.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 274، الباب 21، من أبواب عقد البيع، ح 5.

(4). وسائل الشيعة، ج 17، ص 346، الباب 18، من أبواب إحياء الموات، ح 1.