أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
55

الثاني- في حكم أجزاء الميتة ممّا لا نفس له سائلة- لا إشكال في جواز بيعها، و قد ادّعى فيه الشهرة، بل عدم ظهور الخلاف فيه بيننا، و إن كان قد يظهر من شاذّ من العامّة عدم جوازه. هذا إذا كان له منفعة محلّلة مقصودة مثل كثير من الأسماك التي يرغب فيها لدهنها، أو للأدوية المأخوذة عنها، أو التسميد أو إطعام الطيور بها كما تداول كثير من ذلك في عصرنا، أو صنع غذاء مخصوص من مسحوق عظمها.

و الدليل عليه القاعدة التي مرّت عليك مرارا، و العمومات الدالّة على صحّة البيع، المنصرفة إلى ما هو معمول لدى العقلاء، و أهل العرف، و قصور أدلّة المنع عنها للتصريح في كثير منها بالشاة أو السخلة أو الجلود أو الفراء أو غير ذلك ممّا هو ظاهر في الميتة النجسة و ليس فيها ما يدلّ على العموم، و لو كان، فهو منصرف إلى ما ذكر كما هو ظاهر.

الثالث- الأجزاء التي لا تحلّها الحياة لا إشكال في جواز بيعها لطهارتها و لعدم صدق الميتة عليها، كالشعر و الوبر و شبههما، و إن كان لنا كلام في بعض ما يعدها المشهور ممّا لا حياة فيه، كالعظام، لأنّ فيها حياة بلا ريب، و كذا السنّ و بعض القرن و بعض الظلف فانّ جميع ذلك ممّا يتألّم الحيوان بقطعها، و في العظام يكون هذا الألم شديدا بحيث يؤدّي كسر طفيف فيها لألم كثير، و يطلب تمام الكلام من محلّه.

الرّابع: المني

حرمة بيع المني و فساده ممّا لا خلاف فيه إجمالا بين العلماء، حتّى أنّ المحكي عن مشهور المخالفين ذلك، إنّما الكلام في تفاصيله.

فنقول: له ثلاث حالات: إذا وقع خارج الرحم، و إذا وقع فيه، و إذا كان في أصلاب الفحول.

أمّا بحسب القواعد فلا إشكال في فساد الأوّل، لعدم الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة، و المنافع النادرة لا أثر لها.

و ما قد يقال من عدم لزوم المالية في البيع من عجائب الكلام، لعدم صدق البيع عليه لا عرفا و لا شرعا.

56

أمّا الثاني- أي ما وقع فيه- فهو أيضا كذلك، و العمدة فيه أنّه كالتالف و لا يعدّ كالبذر، لأنّ الولد تابع للأمّ في الحيوانات عرفا، و لا يؤخذ بنظر الاعتبار مالك الفحل الذي كان منه المني، و لذا لا يعامل مع الحيوانات التي تتولّد من الإناث معاملة مجهول المالك إذا لم يعرف صاحب المني، و لا يعدّ ملكا له إذا عرف صاحبه، و هذا ممّا استقرّت عليه سيرة العقلاء من أهل العرف و الشرع.

و لعلّ الفرق بينه و بين البذر أنّ البذر أمر محسوس قابل لأن يعرف صاحبه، و أمّا النطفة التي صارت مبدء للتولّد غالبا فحالها غير معلوم في الحيوانات، و انتفاع النطفة من الامّ أكثر من انتفاع البذر من الأرض من جهة التغذية و غيرها ممّا أوجب هذا التفاوت في نظر العرف.

و أمّا ما ذكر من الأدلّة على بطلان بيعه، كالنجاسة، و الجهل بالمقدار، و عدم القدرة على التسليم، فلا اعتبار بها.

أمّا النجاسة فقد عرفت عدم موضوعيتها، و أمّا المعلومية و القدرة على التسليم ففي كلّ شي‌ء بحسبه.

بقى الكلام في الثالث و هو ما في أصلاب الفحول، و هو المسمّى بالعسيب من مادّة «العسب» فانّه يطلق على «الضراب» و على مائه كما في اللغة، ففي صحّة بيعه خلاف بينهم.

قال الشيخ في الخلاف: إجارة الفحل للضراب مكروه، و ليس بمحظور و عقد الإجارة عليه غير فاسدة، و قال مالك: يجوز و لم يكره، و قال أبو حنيفة و الشافعي: إنّ الإجارة فاسدة، و الاجرة محظورة، دليلنا أنّ الأصل الإباحة فمن ادّعى الحظر، و المنع فعليه الدلالة، فأمّا كراهية ما قلناه فعليه إجماع الفرقة و أخبارهم (1).

و قال أيضا: بيض ما لا يؤكل لحمه لا يجوز أكله و لا بيعه، و كذلك مني ما لا يؤكل لحمه.

و للشافعي فيه وجهان، دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم، فإنّها تتضمّن ذكر البيض، فأمّا المني فإنّه نجس عندنا و ما كان نجسا لا يجوز بيعه و لا أكله بلا خلاف (2).

و لكن قال في التذكرة: «يحرم بيع عسيب الفحل و هو نطفته لأنّه غير متقوّم و لا معلوم و لا‌

____________

(1). الخلاف، ج 2، ص 73، المسألة 269، من البيوع.

(2). المصدر السابق، المسلة 270.

57

مقدور عليه، و لا نعلم فيه خلافا» انتهى (1).

هذا و لكن ظاهر كلام الشيخ الفرق بين إجارة الفحل للضراب و بين بيع المني، و الثاني لا يجوز لنجاسته، و الأوّل جائز لعدم النهي عنه، و لعلّ الأوّل إكراء للمقدّمات و الاجتماع، و أمّا المني فهو تبع.

هذا و لكن لا إشكال فيه من ناحية القواعد، سواء الإجارة للضراب أو بيع المني الموجود في أصلاب الفحول، بعد كونه ممّا له منفعة محلّلة مقصودة. و عدم منع النجاسة عن صحّة البيع، و كون المعلومية و القدرة و تسليم كلّ شي‌ء بحسبه، و هي هاهنا حاصلة.

هذا من ناحية القواعد، امّا من ناحية النصوص الخاصّة فهنا روايات تدلّ على الجواز منها:

1- ما رواه حنّان بن سدير قال: دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معنا فرقد الحجّام إلى أن قال: فقال له: جعلني اللّه فداك أنّ لي تيسا أكريه فما تقول في كسبه؟ قال: «كل كسبه، فإنّه لك حلال، و الناس يكرهونه»، قال حنّان قلت: لأي شي‌ء يكرهونه و هو حلال؟ قال:

«لتعيير الناس بعضهم بعضا» (2).

و المراد بالتيس الذكر من المعز (ذو الشعر من الغنم).

2- ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال قلت له أجر التيوس، قال: «إن كانت العرب لتعاير به و لا بأس» (3).

و هاتان الروايتان مع قوّة الثانية من حيث السند و عمل الأصحاب بهما دليلان على الجواز.

و لكن يعارضها روايات اخر، ظاهرها الحرمة، مثل:

1- ما رواه محمّد بن علي بن الحسين (الصدوق (رحمه اللّه) قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن عسيب الفحل، و هو أجر الضراب (4).

____________

(1). التذكرة، ج 1، ص 468.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 77، الباب 12، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

(4). المصدر السابق، ح 3.

58

2- و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه (عليه السلام) في حديث: «إنّ رسول اللّه نهى عن خصال تسعة: عن مهر البغي و عن عسيب الدابّة يعني كسب الفحل ...» (1).

(و فيها النهي عن لبس بعض أنواع الثياب التي لا إشكال في كراهتها و إن كان أكثر ما فيها المحرّمات).

و الحديثان ضعيفان من جهة السند، و في منابع كتب حديث العامّة نقل هذا النهي (النهي عن عسيب الفحل) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

3- و ما رواه في الجعفريات عن علي (عليه السلام) قال: «من السحت: ثمن الميتة، و ثمن اللقاح، و مهر البغي، و كسب الحجّام ... و عسب الفحل ...» (2).

و لو فرض صحّة سند الحديث لم يمكن العمل به، لأنّ فيها أشياء كثيرة لا يمكن القول بحرمتها، منها ثمن اللقاح بناء على كونه لقاح النخيل حتّى لا يلزم التكرار، و الهدية يلتمس أكثر منها، و جلود السباع، و جلود الميتة قبل أن يدبغ، و أجر صاحب السجن، و أجر الحاسب بين القوم ...

و الجمع بين الروايات يقتضي الحمل على الكراهة، لما فيها من القرائن، مضافا إلى ضعف الطائفة الثانية بلا إشكال.

ثمّ إنّ الحرمة و الكراهة هل هي في ثمن المني، أو أجر الضراب، أو كليهما؟ كلّ محتمل و لكن ترك الاستفصال في روايات الباب دليل على جواز كون المني جزءا على الأقل، و قد ذكرنا في مباحث الإجارة أنّ تمليك مثل هذه الامور التبعية أو الضمنية في أبواب الإجارات كثيرة لا تنافي حقيقة الإجارة، كإجارة البستان، المشتملة على تمليك ثمرتها، و إجارة الحيوان مع الانتفاع بلبنها، و المرضعة للإرضاع إلى غير ذلك.

بقي هنا شي‌ء، و هو إنّه كما يجوز اجرة الضراب أو بيع ما في أصلاب الفحول من الحيوان، هل يجوز ذلك في الإنسان أيضا؟

لا إشكال في أنّه متوقف على وجود موارد المباح و الحلال هنا.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 65، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 13.

(2). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 69، الباب 5، ح 1.

59

و تفصيل الكلام فيه إنّه لا ينبغي الشكّ في عدم جواز تلقيح المرأة بنطفة أجنبي لما يستفاد من مذاق الشارع من المنع من تداخل المياه، بل الحكمة في حرمة الزنا هي هذه، و إن لم تكن علّة يدور الحكم مداره وجودا و عدما.

و إن شئت قلت: هل تكون المقدّمات- أي الزنا- من أشدّ المحرّمات، و لكن ذا المقدّمة (انتقال الماء) و هو الأصل جائز؟ و أي فقيه يتفوّه بهذا الحكم؟

و يدلّ على ذلك أو يؤيّده- مضافا إلى ما ذكر- ما ورد فيما عنونه صاحب الوسائل بعنوان باب تحريم الإنزال في فرج المرأة المحرّمة و وجوب العزل في الزنا منها:

1- ما رواه علي بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجلا أقرّ نطفته «نطفة عقاب» في رحم يحرم عليه» (1).

2- ما رواه علي بن الحسين قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لن يعمل ابن آدم عملا أعظم عند اللّه عزّ و جلّ من رجل قتل نبيّا أو إماما، أو هدم الكعبة التي جعلها اللّه قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراما» (2).

و هاتان الروايتان تدلّان على المطلوب بإطلاقهما من حيث استقرار الماء في الرحم بأي سبب كان، و حينئذ إذا لقّح امرأته بنطفة غيره عالما عامدا لم يجر أحكام الولد على من يتولّد منها (الأحكام التي تتوقّف على النكاح المحلّل) كما هو ظاهر.

نعم يجوز تلقيح الزوجة من ماء زوجها إذا لم يستلزم محرّما بأن كان بمعالجة الزوج نفسه، أو بطريق آخر لا يستلزم ذلك، و بذل المال حينئذ في مقابلة ممّا لا يخالف شيئا من القواعد و لا دليل على فساده و بطلانه.

نعم لا شكّ في استفادة الكراهة الثابتة في ضراب الفحل بالنسبة إليه بطريق أولى.

فيجوز للطبيب المعالج أخذ الاجرة على فعله إذا لم يرتكب محرّما، أو اقتضت الضرورة ذلك، أو فعل محرّما مقارنا له و نفس العمل كان حلالا، بل و يجوز للزوج أيضا ذلك على أن يكون الماء تبعا أو جزءا، و قد يقال أنّ الروايات التالية تنافي ما ذكر:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 14، ص 239، الباب 4، من أبواب النكاح المحرّم، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

60

1- ما رواه محمّد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر و أبا عبد اللّه (عليهما السلام) يقولان بينما الحسن بن علي في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ أقبل قوم فقالوا يا أبا محمّد! أردنا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال و ما حاجتكم؟ قالوا: أردنا أن نسأل عن مسألة قال: و ما هي تخبرونا بها؟ قالوا: امرأة جامعها زوجها فلمّا قام منها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها، فوقعت النطفة فيها، فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن (عليه السلام): «معضلة و أبو الحسن لها، و أقول فان أصبت فمن اللّه، و من أمير المؤمنين، و إن أخطأت فمن نفسي، فأرجو أن لا اخطئ إن شاء اللّه: يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أوّل وهلة لأنّ الولد لا يخرج منها حتّى تشقّ فتذهب عذرتها، ثمّ ترجم المرأة لأنّها محصنة، و ينتظر بالجارية حتّى تضع ما في بطنها و يردّ الولد إلى أبيه صاحب النطفة ثمّ تجلد الجارية الحدّ»، قال:

فانصرف القوم من عند الحسن (عليه السلام). فلقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: ما قلتم لأبي محمّد؟ و ما قال لكم؟ فأخبروه فقال: لو أنّني المسؤول ما كان عندي فيها أكثر ممّا قال ابني! (1).

و بهذا المضمون الروايات 2 و 3 و 4 و 5 من نفس الباب.

و وجه تنافي هذه الرّوايات مع ما ذكرنا من أنّ إلحاق الولد دليل على جواز نقل النطفة، و فيه إشكال واضح فانّ إلحاق الولد بصاحب النطفة ناشئ عن عدم فعله أمرا محرّما و كان الولد بالنسبة إليه كولد الشبهة.

نعم لو كان صاحب النطفة هو الذي نقل النطفة أو بإذن منه لم يلحق، لأنّه كالعاهر، مضافا إلى أنّ بعض فقرات الرواية غير معمول بها عند الأكثر، و هو الرجم بالمساحقة، و لكن التفكيك بين الفقرات معمول بينهم.

الخامس: بيع الكلب

الكلب على قسمين: الهراش و غير الهراش، و الثاني على أقسام، و المراد بالهراش هنا هو الكلب الذي لا ينتفع به منفعة محلّلة مقصودة، و إن كان الهراش لغة بمعنى سيئ الخلق أو‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، ص 426، الباب 3، من أبواب حدّ السحق و القيادة، ح 1- 5.

61

العقور، و لكن النصوص و الفتاوى الآتية شاهدة على ما ذكرنا.

أمّا الأوّل فبيعه حرام بالإجماع المدّعى في كلمات كثير من الأصحاب، و عن الشافعية و المالكية و الحنبلية حرّمته أيضا، أمّا عن الحنفية و بعض المالكية الجواز، أو الجواز مع الكراهة.

و الدليل عليه مضافا إلى ما ذكر روايات كثيرة: ما بين مطلق محمول على خصوص الهراش بقرينة ما يأتي، و مقيّد دالّ على المطلوب فلا تصل النوبة إلى البحث عن إسنادها و الكلام فيها صحّة و فسادا. أضف إلى ذلك أنّها لا منفعة لها محلّلة، فلا يجوز بيعها بمقتضى القاعدة التي عرفتها غير مرّة.

إنّما الكلام في غير الهراش، و هو على قسمين.

«صيود» و «غير صيود». أمّا الأوّل فلا كلام بين الأصحاب في جواز بيعها، و ادّعى غير واحد منهم الإجماع عليه، و لم ينقل خلاف فيه إلّا عن ابن أبي عقيل، و إليه ذهب أكثر الجمهور كما عرفت.

و يدلّ على الجواز روايات كثيرة واردة في الباب 14 من أبواب ما يكتسب به و هي:

ما رواه أبو عبد اللّه العامري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد فقال: «سحت و أمّا الصيود فلا بأس» (1).

و ما رواه محمّد بن مسلم و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، ثمّ قال: و لا بأس بثمن الهرّ» (2).

و ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد. قال: «لا بأس بثمنه و الآخر لا يحلّ ثمنه» (3).

و ما رواه أبو بصير أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت» (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 83، الباب 14، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). المصدر السابق، ح 6.

62

و ما رواه الوليد العماري قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد فقال:

«سحت و أمّا الصيود فلا بأس» (1).

و ما رواه الشيخ في (المبسوط) يجوز بيع كلب الصيد، و روي أنّ كلب الماشية و الحائط مثل ذلك (2).

و ما يظهر من عبارات بعضهم من قصر الجواز على السلوقي، كالشيخ في النهاية فهو غير مخالف لما ذكرنا، لعدم ورود التصريح بالسلوقي في شي‌ء من رواياتنا، فالمراد به مطلق الصيود، لأنّ «السلوق» كانت قرية في اليمن أكثر كلابها معلّمة، فنسب الصيود إليها، كما صرّح به غير واحد من الأكابر (3).

و الانصراف إليه كما ترى بعد كثرة الكلاب المعلّمة في غيرها، مضافا إلى أنّ القاعدة التي عرفتها غير مرّة عامّة لما ينتفع به، و بالجملة أمر هذا القسم أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بحث.

إنّما البحث و الكلام في أقسام اخر ممّا ينتفع بها من كلب الماشية و البستان و الزرع و حراسة البيوت، قد نشأت في عصرنا كلاب معلّمة اخرى لشتّى الامور التي تكثر الحاجة إليها، منها كلاب البوليس، و كلاب كشف الأجساد تحت الإنقاض أو اكتشاف المخدّرات، و كلاب حراسة الأولاد، أو المستخدمة لاشتراء بعض الأشياء، أو غير ذلك، و لكن مورد الكلام بين الأصحاب هو خصوص الكلاب الثلاثة و إن كان الحكم عامّا باعتقادنا.

و المشهور من الشيخ و من تأخّر عنه الجواز، و لكن كلام الشيخ نفسه متهافت، ففي بعض كتبه كالنهاية (4) منع من جواز بيعها، و في الخلاف جوّز في باب الإجارة و منع في باب البيع (5)، و في المبسوط بعد ذكر جواز بيع الكلب المعلّم للصيد قال: «و روي أنّ كلب الماشية و الحائط كذلك» (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 83، الباب 14، من أبواب ما يكتسب به، ح 7.

(2). المصدر السابق، ص 84، ح 9.

(3). لسان العرب، ج 10، مادّة سلق.

(4). النهاية، ص 364، (باب المكاسب المحظورة ...).

(5). الخلاف، ج 2، ص 216، كتاب الإجارة، المسألة 43؛ كتاب البيع، ص 80، المسألة 302.

(6). المبسوط، ج 2، ص 166، كتاب البيع البيوع.

63

و لكن عن غير واحد من قدماء الأصحاب عدم جواز بيعها، و إليه ذهب بعض من تأخّر، أو بعض المعاصرين، إنّما الكلام في الدليل على ذلك لعدم كون الأقوال هنا و لو بلغت مبلغ الإجماع بكاف، كيف و لم تبلغ أكثر من الشهرة؟!

ادلّة المجوّزين:

و العمدة في أدلّة المجوّزين امور:

الأوّل: و هو الأصل في هذا الباب إنّ القاعدة تقضي صحّة بيع هذه الكلاب كلّها، لوجود المنافع المحلّلة فيها، لأنّهم متّفقون في جواز الانتفاع بها، و حينئذ لا يبقى مانع من جهة القواعد في صحّتها.

و لكن الكلام في أنّه هل قام على خلاف هذا الأصل دليل، أم لا؟ غاية ما يمكن أن يقال إنّ مفهوم غير واحد ممّا ورد في جواز البيع في الكلب الصيود أنّ غيره ممنوع مطلقا، هراشا كان أم غير هراش.

منها ما رواه في الصحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت» (1)، فإنّه عامّ بمنطوقه لما ذكر أجمع. و بهذا المضمون الأحاديث 1، 5، 6، 7 من الباب 14 و قد مضى ذكرها (إلّا أنّ الحديث رقم 5 بناء على أنّ المراد بالآخر جميع أنواع الكلب غير الصيود، و الحديث رقم 6 و ان كان بمضمون الحديث رقم 5 إلّا أنّها رواية اخرى نقلت عن رسول اللّه، بل هي أصرح، لأنّ فيها: ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت).

هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على الحرمة، إلّا أن يحمل غير الصيود على الهراش، و هو تقييد بلا دليل، فان كان دليل المجوّزين هذا فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

الثّاني: ما ورد في أبواب الدّيات- و لعلّه العمدة في الباب- من ثبوت الدّية في الصيود و الماشية و كلب الزرع و كلب الأهل و غير ذلك.

و من الجدير بالذكر إنّه جعل فيها الصيود و غيره في عرض واحد، و ورد الحكم فيها بلسان واحد، ممّا يدلّ على كونها مشتركة في الأحكام.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 82، الباب 14، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

64

و هذه الروايات و إن اختلفت مضامينها و لكنّها معمول بها عند الأصحاب، و قد أفتوا بها في أبواب الدّيات، و ذكروا في حلّ اختلافها ما يطلع عليه من راجعها، (أوردها صاحب الوسائل (قدّس سرّه) في الباب 19 من أبواب ديات النفس) و إليك شطر منها:

1- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية الكلب السلوقي أربعون درهما، جعل ذلك له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و دية كلب الغنم كبش، و دية كلب الزرع جريب من برّ، و دية كلب الأهل قفيز من تراب لأهل» (1).

2- ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن قتل كلب الصيد قال: «يقوّمه و كذلك البازي و كذلك كلب الغنم و كذلك كلب الحائط» (2).

و هذا دليل على أنّ لكلّ منها مالية، و إذا كان كذلك فيجوز بيعها، و لكن المشهور كما حكى عنهم لم يعملوا بهذه الرواية، أي الرواية الثانية، بل أفتوا بمضمون الرواية الاولى، ففي كلب الصيود أربعون درهما، و في كلب الغنم كبش أو عشرون درهما (كما في الرواية الآتية) بعنوان الدّية.

3- ما رواه ابن فضّال عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية كلب الصيد أربعون درهما، و دية كلب الماشية عشرون درهما، و دية الكلب الذي ليس للصيد و لا للماشية زنبيل من تراب على القاتل أن يعطي و على صاحبه أن يقبل» (3).

و ليس المقام مقام البحث عن خصوصياتها، و لكن الدّية هنا ليست إلّا خسارة قيمتها عيّنها الشارع تعبّدا في مقدار معيّن، و العجب ممّن قال بأنّ ثبوت الدّية لها في الشريعة لا يدلّ على ملكيتها، فضلا عن جواز المعاوضة عليها، كما في دية الحرّ، بل لعلّه كاشف عن عدم ملكيتها، و إلّا لكان الثابت نقص القيمة، أو تخيير المالك بينه و بين الدّية كما في العبد و الأمة (4).

و فيه أوّلا: إنّ احترام الكلاب ليس إلّا لماليتها و لا يقاس بالحرّ و غيره.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 19، ص 167، الباب 19، من أبواب ديات النفس، ح 2.

(2). المصدر السابق، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 4.

(4). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 98.

65

و ثانيا: إنّها دلّت على الدّية في الصيود و غيرها على نحو واحد و في سياق واحد، مع أنّ الصيود له مالية بلا إشكال.

و ثالثا: يمكن الجمع بين ما ورد فيها من التقييم و غيرها ممّا ورد في الدّية بالحمل على التخيير، لو صحّت اسنادها، كما في العبد و الأمة.

و الإنصاف أنّ ظهورها في مالية هذه الكلاب ممّا لا ينكر، و الظاهر أنّ المشهور أيضا فهموا الحكم من هذه و أفتوا بها، و إلّا فظهور إطلاق حرمة البيع لا يمكن إنكاره.

الثالث: مرسلة الشيخ في المبسوط ممّا استدلّ بها غير واحد منهم حيث قال: و الكلاب على ضربين أحدهما لا يجوز بيعه بحال و الآخر يجوز ذلك فيه، فما يجوز بيعه ما كان معلّما للصيد، و روي أنّ كلب الماشية و الحائط كذلك (1).

لكن أورد على دلالته بأنّ هذه العبارة لم تكن في كلام المعصوم قطعا، و يمكن أن يجاب عنه بأنّه من قبيل النقل بالمعنى، و هو غير قادح لا سيّما من مثل الشيخ (قدّس سرّه).

نعم انجباره بعمل الأصحاب لا يخلو عن شبهة، لاحتمال استناد المشهور في الجواز إلى ما عرفت من أخبار الدّيات، نعم هو مؤيّد للمدّعى على كلّ حال.

الرّابع: لا شكّ في جواز إجارة هذه الأنواع من الكلاب، و إذا أضفت إليه الملازمة بين جواز الإجارة و صحّة البيع كان دليلا على المطلوب، و الإنصاف أنّه لا يتجاوز عن التأييد أيضا.

لا لأنّ الملازمة منقوضة بصحّة إجارة الحرّة و أمّ الولد- مع عدم جواز بيعهما، فإنّه قياس مع الفارق، لأنّ الكلام في إجارة الأعيان، لا الأشخاص، و لأنّ أمّ الولد فيها مانع خاصّ مذكور في بابه، بل لأنّ الدليل على الملازمة غير ثابت و ان كان مظنونا.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الأحسن في بدء النظر بملاحظة الروايات الخاصّة الواردة في البيع عدم الجواز في غير كلب الصيد، و لكن نقل الجواز عن الأصحاب حتّى حكاه في المفتاح من 24 كتابا، مع دعوى الإجماع من بعضهم (2) و ما دلّ على وجوب الدّية فيها، و غير‌

____________

(1). المبسوط، ج 2، ص 166، و أوردها صاحب الوسائل، في ج 12، ص 84، الباب 14، من أبواب ما يكتسب به، ح 9.

(2). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 28، كتاب المتاجر.

66

ذلك، و عدم كون هذه الامور تعبّدية في الغالب، و كون المنافع في غير الصيود أكثر، لأنّ الحاجة إلى كلب الماشية و الحارث و مثلهما أكثر جدّا، كلّ ذلك يصلح دليلا على الجواز، و لا أقل من أنّه يوجب الوثوق بصدور رواية المبسوط، و كفى بذلك دليلا، هذا، و لكن مع ذلك الأولى عدم ترك الاحتياط.

بقى هنا امور:

1- إلحاق الكلاب المعلّمة في عصرنا بكلب الصيود غير بعيد، بل لعلّ الأمر فيها أسهل، لعدم وجودها في تلك الأعصار فلا تشمله روايات المنع، فيرجع إلى العمومات «فتدبّر».

2- هل المراد بالصيود ما يصيد بشخصه فعلا بأن يكون معلّما، أو بشخصه بالقوّة، كالجرو، أو بنوعه كنوع خاص من الكلاب القابلة للتعليم و إن لم يكن بشخصه قابلا؟

الظاهر انتفاء الأخير لعدم شمول ظاهر الإطلاقات له، إنّما الكلام في الأوّلين، و ظاهر تعبيرات الروايات مختلفة، بعضها ظاهرة في الفعلية كقوله «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت» (1) بناء على حمله على الفعلية، و لكن في بعضها الحكم بعنوان الصيود (2) أو كلب الصيد (3).

و هذا عام ظاهرا، و لكن لا يخلو عن إشكال، و لعلّه ظاهر في الملكة القريبة من الفعل، فلو لم يكن معلّما بالفعل يشكل بيعه.

3- يجوز هبة هذه الكلاب و لو معوّضة، و لو قلنا بحرمة بيعها، و كذا إجارتها أو إعطاء شي‌ء لرفع اليد عنها، حتّى يحوزها، نعم بالنسبة إلى الصلح الذي فائدته فائدة البيع أو يكون بيعا في محلّ البيع مشكل، و الدليل على ما عرفت ظاهر.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 83، الباب 14، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). المصدر السابق، ح 5.

67

السادس و السابع: الخمر و الخنزير

لا يجوز بيعهما بالإجماع حتّى لدى أهل السنّة، و قد وردت روايات كثيرة في حرمة بيعهما و إليك بعض منها:

أمّا في مورد الخمر فمنها:

1- ما رواه عمّار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) فقال: «... و السحت أنواع كثيرة منها اجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر ...» (1).

2- ما رواه سماعة عنه (عليه السلام) قال: «السحت أنواع كثيرة ... و ثمن الخمر» (2).

3- ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة ... و ثمن الخمر» (3).

4- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «ثمن الخمر ... من السحت» (4).

5- و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال (عليه السلام): «... و ثمن الخمر سحت» (5).

6- ما رواه أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي من السحت ... و ثمن الخمر» (6).

7- ما رواه عمّار بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «... و السحت أنواع كثيرة ... و ثمن الخمر و النبيذ المسكر» (7).

8- ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمرا، ثمّ باعه. قال: لا يصلح ثمنه ... و قال: «إنّ الذي حرّم شربها حرّم ثمنها» (8).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 61، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 62، ح 6. و مثله في ص 62، الباب 5، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). المصدر السابق، ح 7.

(5). المصدر السابق، ح 8.

(6). المصدر السابق، ح 9.

(7). المصدر السابق، ص 64، ح 12.

(8). المصدر السابق، ص 164، الباب 55، ح 1.

68

9- ما رواه زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) قال: «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الخمر و عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و آكل ثمنها و شاربها و حاملها و المحمولة إليه» (1).

10- ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لعن رسول اللّه في الخمر عشرة غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمولة و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها» (2).

11- ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (في حديث المناهي) إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى أن يشتري الخمر و أن يسقى الخمر و قال: «لعن اللّه الخمر و غارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها و حاملها و المحمولة إليه» (3).

12- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن ثمن الخمر قال: «أهدي إلى رسول اللّه راوية خمر بعد ما حرّمت الخمر فأمر بها أن تباع فلمّا أن مرّ بها الذي يبيعها ناداه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من خلفه: يا صاحب الراوية إنّ الذي حرّم شربها فقد حرّم ثمنها، فأمر بها فصبّت في الصعيد، فقال: ثمن الخمر ... من السحت» (4). و ما رواه جرّاح المدائني قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من أكل السحت ثمن الخمر ...» (5).

و أمّا «الخنزير» فتدلّ عليها أيضا روايات كثيرة:

1- ما رواه بعض أصحابنا عن الرضا (عليه السلام) قال سألته عن نصراني أسلم و عنده خمر و خنازير و عليه دين، هل يبيع خمره و خنازيره و يقضي دينه؟ قال: «لا» (6).

2- و في مضمرة يونس في مجوسي باع خمرا أو خنازير إلى أجل مسمّى ثمّ أسلم قبل أن يحلّ المال، قال: «له دراهمه»، و قال: أسلم رجل و له خمر أو خنازير ثمّ مات و هي في ملكه و عليه دين قال: «يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خمره و خنازيره و يقضي دينه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 164، الباب 55، ح 3.

(2). المصدر السابق، ص 165، ح 4.

(3). المصدر السابق، ص 165، ح 5.

(4). المصدر السابق، ح 6.

(5). المصدر السابق، ص 166، ح 7.

(6). المصدر السابق، ص 167، الباب 57، ح 1.

69

و ليس له أن يبيعه و هو حي و لا يمسكه» (1).

3- ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمرا أو خنزيرا إلى أجل، فأسلما قبل أن يقبضا الثمن هل يحلّ له ثمنه بعد الإسلام؟ قال: «إنّما له الثمن فلا بأس أن يأخذه» (2).

و لكن يعارضها روايات كثيرة دالّة على جواز أخذ ثمن الخمر و الخنزير و أنّه يحلّ لآخذه و إن كان حراما لبائعه مثل:

1- ما رواه منصور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): لي على رجل ذمّي دراهم فيبيع الخمر و الخنزير و أنا حاضر، فيحلّ لي أخذها؟ فقال: «إنّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك» (3).

2- و ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمرا و خنازير و هو ينظر، فقضاه. فقال: «لا بأس به، أمّا للمقتضي فحلال و أمّا للبائع فحرام» (4).

3- ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمرا و خنزيرا ثمّ يقضي منها. قال: «لا بأس أو قال: خذها» (5).

4- و ما رواه محمّد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون لنا عليه الدين فيبيع الخمر و الخنازير فيقضينا فقال: «فلا بأس به، ليس عليك من ذلك شي‌ء» (6).

5- ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمرا و خنازير يأخذ ثمنه قال: «لا بأس» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 167، الباب 57، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 172، الباب 61، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 171، الباب 60، ح 1.

(4). المصدر السابق، ح 2.

(5). المصدر السابق، ح 3.

(6). المصدر السابق، ح 4.

(7). المصدر السابق، ص 172، ح 5.

70

و قد ذكر في وجه الجمع بينها وجوه:

1- الحمل على ذمّيين- كما في الوسائل (1).

2- الحمل على المنفعة المحلّلة كالخنزير لتربية الدواب، فقد يقال إنّه لو أنس الخيل به زاد سمنها و طاب حالها! و الخمر للتخليل!

3- و ربّما يتوهّم حمل المانعة على التكليفي و المجوّزة على الوضعي.

و الأخير لا شكّ في بطلانه لذكر الخمر فيها، و قد صرّح في روايات كثيرة بفساد بيع الخمر و حرمة ثمنها.

و الثاني أيضا بعيد، لإطلاق روايات الباب كما يأتي أيضا شرحه.

و أمّا الأوّل فهو غير بعيد، و لكن لا يساعده (2/ 60) للتصريح فيها بأنّه حرام للبائع، و ينافي تكليف الكفّار بالفروع أيضا.

اللهمّ إلّا أن يقال لهذه القاعدة بعض الاستثناءات «فتدبّر».

و يمكن طرحها أيضا، و بالجملة لا يمكن رفع اليد عمّا اشتهر رواية و فتوى، بل بلغ حدّ الإجماع من حرمتها وضعا و فساد بيعها بمثل هذه الامور.

بقي هنا امور:

الأمر الأوّل: بيع الخمر أو الخنزير؟

هل يجوز بيع الخمر أو الخنزير بقصد منافعهما المحلّلة كالتخليل في الخمر و تربية الدواب في الخنزير كما قد يقال؟

أمّا الثاني فالظاهر أنّه من المنافع النادرة، و أمّا الأوّل فهو و إن كان غير نادر، لأنّ الخلّ- كما يقول أهله- لا يكون إلّا من طريق الخمر، فالعنب دائما يتخمّر أوّلا ثمّ يتخلّل، و لكن ظاهر روايات التحريم عدم جواز بيعها، و كذا الخنزير مطلقا و إن كان ظاهر كثير من روايات باب 31 من الأشربة المحرّمة (2) بل و صريحها جواز التخليل، و لذا أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 171، الباب 60، في ذيل ح رقم 2.

(2). المصدر السابق، ج 17، ص 296، طبع بيروت.

71

باهراق ما اهدي إليه من راويتين من الخمر من رجل من ثقيف، و هي صحيحة محمّد بن مسلم و غيرها (1).

و القول بأنّ ذلك كان من احتمال شرب المشتري أو غير ذلك، مخالف لظاهره، فالظاهر عدم جواز بيعهما على حال.

نعم قد يتوهّم الجواز ممّا ورد في رواية جميل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمرا. فقال: «خذها ثمّ أفسدها». قال عليّ: «و اجعلها خلّا» (2).

و لكنّه توهّم فاسد، فإنّ غايته- مضافا إلى ضعف سنده، لأنّ فيه علي بن حديد- جواز الأخذ بقصد التخليل وفاء عن الدين، اللهمّ إلّا أن يقال: إذا جاز أخذه وفاء جاز شراؤه أيضا بهذا القصد، و هو باطل، لعدم الدلالة فيه على هذا المعنى بوجه.

و أمّا التوجيهان اللذان ذكرهما شيخنا الأعظم العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في مكاسبه من أخذها مجانا و تخليلها لصاحبها، ثمّ أخذها وفاء عن الدين، أو أخذ الخمر مجانا ثمّ تخليلها لنفسه (3) فهما مخالفان لظاهر الرواية، اللهمّ إلّا أن يقال يجوز ذلك في مقام الجمع بينه و بين غيره من الأدلّة المانعة عن البيع و الشراء.

الأمر الثاني: في بيع الكحول (الكل)

هل يجوز بيع الكحول الذي يستفاد منه في الطبّ و كثير من الصناعات، أم لا؟ و هل هو نجس بناء على نجاسة الخمر كما هو المشهور؟

أمّا الثاني فهو فرع كونه مسكرا مائعا بالأصالة، و كون كلّ مسكر مائع كذلك نجسا.

أمّا الكبرى فهو المشهور، و أمّا الصغرى ففيه أنّه ليس من المسكر ظاهرا، بل هو من السموم القاتلة، نعم إذا رقّقت بإضافة الماء إليها قد يمكن شربها، و لكن هذا المقدار لا‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 164، الباب 55، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ج 17، ص 297، طبع بيروت، الباب 31، من أبواب الأشربة المحرّمة ح 6.

(3). المكاسب المحرّمة، ص 6، المسألة السابعة.

72

يخرجها عن عنوان السمّ فعلا و لا يدخلها تحت عنوان المسكر في هذا الحال.

و أمّا الأوّل فهو جائز بلا إشكال بعد عدم صدق عنوان الخمر و المسكر عليه، و قد نهى عن بيع الخمر بل و المسكر. نعم لو قلنا بأنّه مسكر أمكن دخوله فيما رواه عمّار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول فقال: «... و السحت أنواع كثيرة منها اجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر ...» (1).

حيث عطف المسكر على النبيذ، و لكن المحكي عن بعض النسخ كون المسكر وصفا للنبيذ، و هو الظاهر، لأنّ النبيذ على قسمين: مسكر و غير مسكر و هو:

ما رواه عمّار بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «... و السحت أنواع كثيرة ... و ثمن الخمر و النبيذ المسكر ...» (2).

نعم إذا كان وصفا أمكن الأخذ به فإنّه في مقام التعليل كرواية (12/ 5) فتأمّل.

و على كلّ حال فالأمر في بيعها سهل كطهارتها على الأقوى.

الأمر الثّالث: حكم المواد المخدرة

المواد المخدّرة الاخرى إذا كانت جامدة كما هو الغالب، فهل يلحق بيعها ببيع الخمر و إن لم تكن نجسة، بل و لا تستعمل كشراب، بل يتدخن بها أو تستعمل على سبيل التزريق و الغرز، أم لا؟

و هنا امور:

أوّلها: لا شكّ في حرمة استعمالها، فإنّ فيها سكرا، و السكر له مراتب و أشكال قد يكون موجبا لاختلال الحواس جدّا و عدم القدرة على حفظ التعادل مع نشاط كاذب، و قد يكون أخفّ منه و لا يوجب بعض هذه الامور، و لكن الظاهر أنّ في جميع المخدرات نوع من السكر، و لا أقل من جواز الأخذ بالملاك، فيحرم استعمالها، نعم قد يشكّ في بعض مصاديقها‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 61، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 64، ح 12.

73

من ناحية صدق السكر، أو يعلم بعدمه كالمواد الأفيونية، فلو قلنا بحرمتها فمن ناحية كونها موجبة للفساد و أنواع الضرر و ليس ببعيد، و قد ورد في روايات الباب التاسع عشر من الأشربة المحرّمة أنّ كلّ مسكر حرام مثل:

1- ما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يحرّم الخمر لاسمها و لكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (1).

2- و ما رواه علي بن يقطين عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يحرّم الخمر لاسمها، و لكن حرّمها لعاقبتها فما فعل فعل الخمر فهو خمر» (2).

3- و ما رواه محمّد بن عبد اللّه عن بعض أصحابنا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) لم حرّم اللّه الخمر فقال: «حرّمها لفعلها و فسادها» (3).

4- و ما رواه أبو الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النبيذ أخمر هو؟ فقال: «ما زاد على الترك جودة فهو خمر» (4).

و دلالتها بلفظها أو ملاكها ظاهر.

ثانيها: لا ينبغي الشكّ في عدم دخولها تحت عنوان الخمر، فإنّ المتبادر منها ما يكون مائعا بالأصالة متّخذا من العنب، و على فرض التعميم يشمل ما يتّخذ من غيره من الشراب أيضا، و أمّا هذه المواد الجامدة غير المشروبة فيبعد دخولها فيها جدّا، و لكن هذا لا يمنع عن حرمتها لما مرّ.

ثالثها: على ما ذكرنا من حرمة استعمالها لا شكّ في حرمة بيعها، لأنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه، اللهمّ إلّا أن تكون لها منافع اخر معتدّة بها في الأدوية و شبهها، فحينئذ يجوز بيعها بعنوانها، إلّا أن تكون مظنّة للعون على الفساد من ناحية المشتري و غيره، فلا يجوز من هذه الجهة، و إلّا فهي بعنوانها الأوّلي جائز البيع كما هو كذلك في بعض المواد الأفيونية التي تتّخذ منها الأدوية.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 273، الباب 19، من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 1، طبع بيروت.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ص 274، ح 4.

74

الأمر الرابع: الانتفاع بجلد الخنزير و سائر اجزائه

هل يجوز الانتفاع بجلد الخنزير أو شعره أو سائر أجزائه؟ و على فرض الجواز هل يجوز بيعه لذلك؟

ظاهر غير واحد من القدماء و المتأخّرين جواز الانتفاع، و يمكن الاستدلال عليه بما ورد في أبواب المياه ممّا يدلّ على ذلك، مثل:

1- ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقي به الماء من البئر، هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس» (1).

و السؤال و إن كان عن الوضوء، و لكن فيه إمضاء الانتفاع ضمنا، و لا يهمّنا أنّ الوضوء بالماء انتفاع بالحبل، أم لا. كما أتعب بعض الأعلام نفسه في ذلك و لم يأت بما يروي الغليل (2) بل مدار الاستدلال إمضاء الانتفاع عن الحبل المتّخذ منه، و لكن حيث تدلّ هذه الرواية على طهارة الماء القليل و لو لاقى النجس يشكل الاعتماد عليه، و إن كان هناك توجيهات لعدم نجاسة الماء أو عدم ملاقاته، و لكنّه بعيد جدّا (3).

2- ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا و يستقي به من البئر التي يشرب منها أو يتوضّأ منها؟ فقال: «لا بأس» (4).

و هذه الرواية كسابقتها مضمونا و لا يبعد أن تكونا رواية واحدة.

3- ما رواه زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلوا و يستقي به الماء، قال: «لا بأس به».

4- و مثله ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) مرسلا (5) و ظاهره الاستناد إلى الإمام (عليه السلام).

و يستفاد من مجموع هذه الروايات على إختلاف مضامينها جواز الانتفاع بجلد الخنزير و شعره.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 1، ص 125، الباب 14، من أبواب الماء المطلق، ح 2.

(2). المكاسب المحرّمة، للإمام الخميني، ج 1، ص 77.

(3). و هذه التوجيهات نقلها الوسائل في ذيل ح السابق (2/ 14).

(4). وسائل الشيعة، ج 1، ص 126، الباب 14، من أبواب الماء المطلق، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 129، ح 16.

75

إن قلت: جلد الخنزير من الميتة. قلنا: الانتفاع به مستثنى بهذا، أو إنّ الميتة ما مات حتف أنفه لا ما لم يذكّ كما حرّرناه في محلّه.

أضف إلى ذلك ما ورد في الباب 58 من أبواب ما يكتسب به مثل:

1- ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير قال: «إذا فرغ فليغسل يده» (1).

و السؤال فيه و إن كان ظاهرا عن طهارته و نجاسته، و لكن يعلم المقصود من فحواه.

2- و ما رواه بردّ الإسكاف قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شعر الخنزير يعمل به؟ قال:

«خذ منه فاغسله بالماء حتّى يذهب ثلث الماء و يبقى ثلثاه، ثمّ اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة فإن جمد فلا تعمل به و إن لم يجمد فليس له دسم فاعمل به، و اغسل يدك إذ مسسته عند كلّ صلاة»، قلت: و وضوء؟ قال: «لا اغسل يدك كما تمسّ الكلب» (2).

3- و ما رواه بردّ الإسكاف أيضا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّي رجل خرّاز و لا يستقيم عملنا إلّا بشعر الخنزير نخرز به، قال: «خذ منه و بره فاجعلها في فخارة، ثمّ أوقد تحتها حتّى يذهب دسمها ثمّ اعمل به» (3).

4- و ما رواه برد الإسكاف أيضا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) جعلت فداك إنّا نعمل بشعر الخنزير فربّما نسي الرجل فصلّى و في يده منه شي‌ء. فقال: «لا ينبغي أن يصلّي و في يده منه شي‌ء، فقال: خذوه فاغسلوه فما كان له دسم فلا تعملوا به، و ما لم يكن له دسم فاعملوا به و اغسلوا أيديكم منه» (4).

و لعلّ هذه الروايات الثلاثة واحدة و ان نقلت بعبارات مختلفة.

ثمّ إنّه إذا حلّ شي‌ء من جهة منافعه حلّ ثمنه.

و من المعلوم أنّ أدلّة حرمة بيع الخنزير لا تشمل هذه الأجزاء لا سيّما مع كون المقصود منه اللحم و كون هذه الامور تبعا.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 167، الباب 58، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 168، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ح 4.

76

الأمر الخامس: في حكم العصير العنبي إذا غلى

قد ذكرنا في أبواب الطهارة و النجاسة أنّ غليان العصير كأنّه لفظ مشترك مستعمل في معنيين مختلفين جدّا:

1- الغليان بنفسه، و هو النشيش الذي يكون مقدّمة للتخمير و الإسكار.

2- الغليان الحاصل بالنار الذي ليس كذلك، و ما أبعد بين النوعين من الغليان من حيث الواقع و الأثر.

و بالتعبير العصري أنّ الأوّل من قبيل التغييرات الكيمياوية، و الثاني من قبيل التغييرات الفيزيائية، ففي الأوّل تتبدّل ماهية العصير بشي‌ء آخر، و في الثاني لا يتغيّر إلّا ظاهره، بل قد لا يتغيّر ظاهره أيضا، فقد قال أهل الفنّ إنّ المواد الحلوة تنجذب بالمواد المخمّرية، و هي خليات حيّة، فتوجب التحليل فيها، فتنقلب إلى المواد الكحولية، و غاز الكربن، و هذا الغاز هو الذي يوجب النشيش، و هو المسمّى بغليان الخمر، و في هذا الحال يتغيّر طعمه، و كما ورد في كلماتهم في الباب «يشتدّ» و كذا تتغيّر رائحته، و هذا يوجب حرمته و نجاسته، لأنّه مسكر مائع.

و في روايات الباب 3 من الأشربة المحرّمة تجد شاهد صدق لنجاسة الخمر و كما هو المشهور و المعروف، و إليك شطر من هذه الروايات:

1- ما رواه محمّد بن عاصم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بشرب العصير ستّة أيّام». قال ابن أبي عمير معناه ما لم يغل (1).

2- ما رواه حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن شرب العصير قال:

«تشرب ما لم يغل فإذا غلا فلا تشربه» قلت: أي شي‌ء الغليان؟ قال: «القلب» (2).

3- و ما رواه ذريح قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا نشّ العصير أو غلا حرم» (3).

و قد ثبت عندهم أنّ المواد الحلوة لا تنقلب بالكحول إلّا إذا كان فيه كمية وافرة من‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 17، ص 229، الباب 3، من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 2، (و في هامشه: يعني بنفسه لا بالنار بقرينة ذكر ستّة أيّام).

(2). المصدر السابق، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 4.

77

«الماء» و لذا لا ينقلب العصير خمرا بعد الثلثين.

و أمّا الثاني، أي الغليان بالنار فانّه لا يوجب أي تغيير كيمياوي، و قد ذكرنا في محلّه من كتاب الطهارة إنّه لا يوجب إلّا الحرمة لا النجاسة.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حكم بيعه، سواء قلنا بحرمته أو بنجاسته أيضا، و قلّما تعرّض له الأكابر كما اعترف به بعض المحقّقين فالمسألة غير محرّرة في كلمات القدماء، و ذكر العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) إنّه لم يخالف فيه صريحا إلّا في مفتاح الكرامة (1) (2).

و حاصل ما استدلّ به لحرمة بيعها بعد الغليان امور:

أوّلها: نجاستها و قد عرفت غير مرّة أنّ مجرّد النجاسة (على القول به هنا) لا يوجب فساد البيع إذا كانت له منافع محلّلة اخرى كما في المقام و هو ذهاب ثلثيه ثمّ شربه.

ثانيها: حرمتها و عدم ماليتها شرعا، فلا يجوز بذل المال بازائها، و فيه إنّها مال معيوب كما صرّح به شيخنا الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) (3) و يظهر من غيره.

و لذا لا يضمن من غلاه إلّا ارش العيب، بل قد لا يكون هذا عيبا بل حسنا إذا ذهب مقدار من مائه و قربت الطهارة فلا ارش، و إن فعل حراما للتصرّف في مال غيره بغير إذنه، و قياسه على الخمر المغصوبة القابلة للتخليل قياس مع الفارق، و إن ذكره في جامع المقاصد (4).

و على كلّ حال فهذا دليل على الصحّة، لأنّ المالية و المنفعة المعتدّة بها ثابتة فيها فيصحّ بيعه.

ثالثها: روايات عديدة منها:

1- ما رواه أبو كهمس قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العصير، لي كرم و أنا أعصره كلّ سنة، و أجعله في الدنان و أبيعه قبل أن يغلي، قال (عليه السلام): «لا بأس به، و إن غلا فلا يحلّ بيعه» ثمّ قال: «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمرا» (5).

____________

(1). المكاسب، ص 8، المسألة 3.

(2). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 18.

(3). المكاسب، ص 8، المسألة 3.

(4). جامع المقاصد، نقلا عن المكاسب، ص 8، المسألة 3.

(5). وسائل الشيعة، ج 12، ص 169، الباب 59، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

78

و لعلّ ظاهر غليانه بنفسه بقرينة إسناد الفعل إلى العصير نفسه، و بقرينة ذيله الدالّ على أنّ الكلام في التخمير، و لكن سند الرواية ضعيف بأبي كهمس، و مضمونها أيضا منكر، لأنّ بيع العنب ممّن يعمله خمرا لو فرض جوازه يبعد صدوره من الإمام (عليه السلام) جدّا.

2- و ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا. قال (عليه السلام): «إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس» (1).

فانّ قوله «و هو حلال» دليل على عدم جواز بيعه إذا كان حراما.

و فيه: إنّ الظاهر أنّ المراد منه الحرمة للخمرية، و لا نظر له إلى حالة الغليان بالنار جدّا، هذا مضافا إلى ضعف سندها بعلي بن أبي حمزة.

و ما رواه في سؤاله من قوله «ليطبخه» كأنّه إشارة إلى ما يطبخ من العصير للشراب، و يسمّى بالفارسية (مى پخته و باده) و إلّا الطبخ للشيرج ممّا لا إشكال به، و لا يحتاج إلى السؤال، أضف إلى ذلك إنّه حكى عن بعض نسخ التهذيب و الكافي «فهو حلال» بدل «و هو حلال» فيكون كالصريح في كون الجواب عمّا لا يكون خمرا أو يكون خمرا.

3- و ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن «الطلا»، فقال: «إن طبخ حتّى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال، و ما كان دون ذلك فليس فيه خير» (2).

4- و ما رواه محمّد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتّى يغلي من ساعته أ يشربه صاحبه؟ فقال (عليه السلام): «إذا تغيّر عن حاله و غلا فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (3).

و طريق الاستدلال بهما واحد، و هو نفي الخير فيهما عن العصير المغلي.

و فيه- مضافا إلى ضعف الأوّل بعلي بن أبي حمزة، و الثاني بالإرسال- إنّ نفي الخير ظاهر في عدم إمكان الانتفاع به قبل ذهاب الثلثين بالشرب، و أوضح شاهد على ذلك‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 169، الباب 59، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). وسائل الشيعة، ج 17، ص 226، الباب 2، من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 6.

(3). المصدر السابق، ح 7.

79

السؤال عن الحليّة في الأوّل (أ هو حلال) و عن الشرب في الثاني (أ يشربه صاحبه) فلا خير فيه من حيث الشرب، فشي‌ء من هذه لا يكون دليلا على حرمة البيع، فالظاهر جواز بيعه، نعم بيعه ممّن يستحلّ شربه قبل ذهاب الثلثين لا يخلو من إشكال، و لكنّه أمر آخر لا دخل له بما نحن بصدده.

الامر السادس: حكم بيع المتنجّسات

المشهور أنّ المتنجّسات إذا لم تقبل التطهير لا يجوز بيعها و إن قبلت التطهير جاز، هذا و لكن هنا تفصيل، حاصله: إنّ المتنجّس على أنحاء:

1- ما لا يقبل التطهير مع توقف منافعه المعتدّ بها عليه، كالمائعات المضافة المشروبة.

2- ما لا يقبل ذلك، و لكن بعض منافعها المعتدّ بها غير متوقّفة على الطهارة، كالدهن المتنجّس الذي يمكن الانتفاع به للتطهير و الاستصباح و الصابون و غيرها.

3- ما يقبل التطهير سواء كانت منافعه متوقفة على الطهارة كالفواكه و شبهها و ما لا يتوقّف كالفرش و المراكب و غيرها.

أمّا الأوّل: فيدلّ على عدم صحّة بيعها الأصل السابق، و أنّه لا مالية له شرعا يقابل بالمال، أضف إلى ذلك الروايات الواردة في الزيت و السمن و العسل التي مات فيه جرذ، أو شبه ذلك، و إليك شطر منها، و هي روايات أوردها في الوسائل في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به و أبواب النجاسات:

1- ما رواه معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت: جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل؟ فقال: «أمّا السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به» (1).

2- و ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فإن كان جامدا فالقها و ما يليها، و إن كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك» (2).

3- و ما رواه أبو بصير قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 66، الباب 6، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

80

فتموت فيه. فقال: «إن كان جامدا فتطرحها و ما حولها، و يؤكل ما بقى، و إن كان ذائبا فاسرج به و اعلمهم إذا بعته» (1).

4- و ما رواه معاوية بن وهب و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: «بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به» (2).

5- و ما رواه إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله سعيد الأعرج السمّان و أنا حاضر، عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال:

«أمّا الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له، فيبتاع للسراج، و أمّا الأكل فلا، و أمّا السمن فإن كان ذائبا فهو كذلك، و إن كان جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها ثمّ لا بأس به، و العسل كذلك إن كان جامدا» (3).

و دلالة هذه الأحاديث المتظافرة على المقصود من وجهين:

من أنّه أمر بطرح الجرذ و ما حوله من السمن و العسل.

و من أنّه أمر ببيع الزيت للاستصباح، فلو لم تكن له هذه المنفعة الغالبة لم يجز بيعه.

6- و ما رواه زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: «يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله». قلت: فانّه قطر فيه الدم. قال: «الدم تأكله النار إن شاء اللّه ...» (4).

و ما ورد في العجين النجس من أنّه يدفن و لا يباع، أو يباع ممّن يستحلّ الميتة ظاهر في عدم جواز بيعه من مسلم مثل:

7- ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يدفن و لا يباع» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 66، الباب 6، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(2). المصدر السابق، ح 4.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). وسائل الشيعة، ج 2، ص 1056، الباب 38، من أبواب النجاسات، ح 8.

(5). وسائل الشيعة، ج 12، ص 68، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

81

8- و ما رواه الحفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممّن يستحلّ الميتة» (1).

إلى غير ذلك من الروايات.

أمّا الثّاني: فجوازه ممّا لا ينبغي الكلام فيه، و يدلّ عليه مضافا إلى أنّه مقتضى القاعدة الروايات الكثيرة السابقة (الباب 5 من أبواب ما يكتسب به) و كذا الروايات الواردة (في الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة) فإنّها تدلّ على جواز الانتفاع بها لبعض المنافع كالاستصباح أو التدهين.

و الغاء الخصوصية منها أمر ممكن جدّا، بالإضافة إلى أنّ ما تحلّ منافعه يحلّ ثمنه، و بهذا يتمّ المطلوب.

و يدلّ عليه أيضا الروايات الخاصّة (3 و 4 و 5 في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به التي مرّ ذكرها آنفا) و كلّها أو جلّها ضعاف من حيث السند، و لكنّها متظافرة مع عمل الأصحاب بها حتّى ادّعى الشيخ في الخلاف الإجماع في مسألة الدهن (2).

و الظاهر الغاء الخصوصية من موردها، و بالجملة أصل المسألة ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في الخصوصيات الآتية إن شاء اللّه.

أمّا الثالث فهو أظهر و أوضح، و تبيّن لك دلائله في باب العصير العنبي إذا غلا.

بقي هنا امور:

الأوّل: هل يجب قصد المنفعة المحلّلة عند البيع أو الشراء، أم لا؟

و قد عنونه القوم في خصوص بيع الأدهان، و الاولى تعميم البحث لعموم أكثر أدلّته.

و الكلام فيه تارة بحسب القواعد، و اخرى بحسب بعض ما مرّ من الروايات الخاصّة.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 68، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(2). الخلاف، ج 2، ص 83، المسألة 312.

82

أمّا الأوّل فقد يقال بالجواز مطلقا من دون أي شرط (اختاره العلّامة الخوئي (قدّس سرّه) (1).

و اخرى باعتبار القصد أو الشرط، و القائلون به على مذاهب و العمدة ما يلي:

1- كفاية قصد المتبايعين للاستصباح كما في الخلاف (2).

2- كفاية قصد المنفعة المحلّلة إلّا إذا كانت شائعة، كما اختاره العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) (3).

3- لزوم اشتراط ذلك على المشتري كما عن السرائر (4).

4- و قد يقال إنّ المنفعة المحلّلة إذا كانت غير نادرة كالاستصباح في الأدهان توجب ماليتها من غير حاجة إلى قصدها، نعم إذا كانت نادرة لا يجوز بيعها إلّا بقصدها، لأنّ الشارع جعل لها المالية باعتبارها بعد أن لم تكن، فإذا لم نقصد تلك المنفعة لم تندرج تحت عنوان المال، فأكل المال بإزائها أكل له بالباطل (5).

أقول: و قد عرفت أنّ الأولى أن نتكلّم عنه لا بعنوان خصوص الدهن، بل بعنوان جميع الأعيان المتنجّسة، و الحقّ بحسب القواعد هنا تفصيل آخر و هو أن يقال: إنّ الأعيان المتنجّسة على أقسام:

1- قسم لها منافع محلّلة لا تقصر عن منافعها المحرّمة كبعض الأدهان التي يكون أكلها و الاستصباح بها سواء، فهذا يجوز بيعه بلا اشتراط و لا قصد خاصّ لعدم دليل على وجوب القصد فيه.

2- ما لا يكون له منفعة محلّلة معتدّ لها، كالمرق المتنجّس الذي لا يمكن إطعام الحيوانات منه كثيرا، و قلنا بعدم جواز إطعامه للصبي، و هذا لا يجوز بيعه، و لا يتصوّر إعطاء المالية له من قبل الشارع بعد أن لم تكن له منفعة محلّلة معتدّ بها.

إن قلت: كما يجوز إسقاط مالية بعض الأشياء من لدن الشارع الحكيم جاز له إعطائها لبعضها الآخر.

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 111.

(2). الخلاف، ج 2، ص 83، المسألة 312.

(3). المكاسب، للشيخ الأنصاري، ص 9.

(4). المكاسب، للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 9.

(5). انظر مصباح الفقاهة، ج 1، ص 111.

83

قلت: هذا غير صحيح، لأنّ تحريم المنافع المعتدّ بها يجعلها كالعدم فلا تكون له منفعة، و لكن جواز بعض المنافع النادرة لا يجعلها غالبة، لأنّ الحليّة شي‌ء، و الغلبة شي‌ء آخر، فالفرق بين المسألتين غير خفي على من تدبّر و دقّق النظر، فلا تحصل المالية بمجرّد تحليل المنافع النادرة.

3- قد يكون لشي‌ء مراتب من المالية، فالدهن المأخوذ من الزبد باعتبار حليّة أكله له مالية عالية، و باعتبار حليّة الاسراج به أو صنع الصابون له مالية ذاتية، فبالأوّل يبذل بازائه مال كثير، و بالنسبة إلى الثاني لا يبذل له إلّا القليل، فلو فسد بحيث لا يصلح إلّا للإسراج به، فلو بيع بعنوان إنّه دهن مأكول كان أكل المال بازائه أكلا بالباطل، فليس القصد و الاشتراط بنفسه شيئا، بل المعيار على أخذ العوض في مقابله بعنوان أنّه مأكول أو غير مأكول، و حينئذ لا يخلو بيعه عن الإشكال إذا جعل الثمن بعنوان أنّه مأكول، فتأمّل.

أمّا من الجهة الثانية فقد ورد في روايتين ما قد يستفاد منه الاشتراط، أو لزوم القصد و هما:

ما رواه معاوية بن وهب و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: «بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به» (1).

و ما رواه عبد الخالق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله سعيد الأعرج السمّان و أنا حاضر عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال: «أمّا الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له فيبتاع للسراج، و أمّا الأكل فلا، و أمّا السمن فإن كان ذائبا فهو كذلك و إن كان جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها ثمّ لا بأس به و العسل كذلك إن كان جامدا» (2).

و الرواية الثانية ضعيفة لمحمّد بن خالد الطيالسي، و لكن سند الأوّل لا بأس به.

هذا و قد يجاب عنهما بأنّ الإسراج فيهما من قبيل الغاية، لا من قبيل الشرط، فإنّه أمر بالتبيين للمشتري و جعل ذلك نتيجة له، فاللازم هو التبيين، و أمّا الإسراج فهو عمل يتفرّع عليه إذا علمه المسلم.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 66، الباب 6، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ص 67، ح 5.

84

و يمكن أن يكون ناظرا إلى ما ذكرنا، و هو أن يعامل معه معاملة دهن السراج و تكون ماليته بهذا العنوان، فلا يكون دليلا على وجوب الإشراط.

الثاني: هل يجب إعلام المشتري بذلك؟

و على فرض الوجوب هل هو واجب نفسي أو شرطي؟

الظاهر أنّ المشهور بين المتأخّرين هو الوجوب، و قال في الحدائق بأنّ الظاهر من قواعد الأصحاب هو صحّة البيع، و إن أثم بالمخالفة لأمر الشارع، و يتخيّر المشتري بعد العلم، ثمّ نقل عن المسالك الإشكال في الجواز.

و العجب أنّه مال في آخر كلامه إلى عدم الوجوب مع تصريحه بدلالة غير واحد من الأخبار عليه، لظهور بعض الأخبار الواردة في أبواب الطهارة بكراهة الأخبار (في مثل عارية الثوب و شبهه) و أعجب منه تأييده بما ذهب إليه من أنّ الطهارة و النجاسة ليستا أمرين واقعيين، بل تابعان لعلم الشخص و عدمه (1) مع وضوح الروايات في المقام، مضافا إلى أنّ الحقّ كونهما أمرين عرفيين قبل أن يكونا شرعيين، و إن كان الشارع تصرّف فيهما من بعض الجهات، أ ليست القذارة أمرا مشهودا في الخارج يدركه كلّ أحد، و لا يتّبع علمنا و جهلنا و إن تصرّف في بعض مصاديقها الشارع المقدّس، و ليت شعري لما ذا بعدت أذهانهم عمّا تلقّاه العرف الساذج من متون الآيات و الروايات في هذه الامور؟ و تمام الكلام في محلّه.

و كيف كان، الكلام قد يكون من ناحية القواعد، و اخرى من ناحية النصوص الخاصّة، و لنقدّم الكلام في الثاني لاختصاره و اختصاصه بالدهن و إن كان إلغاء الخصوصية منه ممكنا، ثمّ نتكلّم فيه بعد تمام المسألة بعنوان مستقل.

فنقول: هناك روايات عديدة دالّة على وجوب الإعلام (منها الرواية 4/ 6 و 5/ 6 اللتان مرّت عليك حديثا) و منها:

ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه. فقال: «إن كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي، و إن كان ذائبا فاسرج به و اعلمهم إذا بعته» (2).

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 90- 92، (الفائدة الرابعة).

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 66، الباب 6، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

85

ففي الرواية الاولى قال الإمام (عليه السلام): «أعلمهم إذا بعته» و في الثانية «بيّنه لمن اشتراه» و في الثالثة «فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له» و دلالتها على أصل الوجوب ظاهرة.

قد يقال: إنّ الظاهر هنا هو الوجوب النفسي لا الشرطي، مع أنّ الأوامر و النواهي في هذه الأبواب إرشاد إلى الصحّة و الفساد غالبا، و منه يظهر ضعف كلام من قال أنّ الأمر ظاهر في الوجوب النفسي إلّا بقرينة، فإنّ ذلك و ان كان محقّا في أبواب الأوامر من الاصول، إلّا إنّه انقلب هذا الظهور في أبواب المعاملات، و كذلك في أبواب الاجزاء و الشرائط للعبادات انقلب الظهور إلى الوجوب الشرطي كما ذكر في محلّه.

و هناك دليل آخر لهم، و هو أنّ قوله «لمن اشتراه» بصيغة الماضي دليل على كون الإعلام بعد البيع، و لكن من الواضح أنّه ليس المراد لزوم كونه بعده بحيث لو كان قبله لم يجز، بل المراد من هذا التعبير هو المشتري، و لذا صرّح في رواية قرب الاسناد: «فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له فيبتاع للسراج» الظاهر في كون الإعلام قبله.

الإنصاف أنّه إن قلنا بوجوب قصد المتبايعين للمنفعة المباحة أو لزوم اشتراطه في البيع، لا يبقى كلام من هذه الجهة، لملازمته للإعلام، و كذا لو قلنا بأنّ المالية لا بدّ أن تكون بعنوان المنفعة المباحة قلّت أو كثرت (كما هو المختار) فانّه أيضا لا ينفكّ عن الإعلام.

و أمّا إذا قلنا بعدم اعتبار شي‌ء من ذلك فيمكن أن يقال ظاهر الأدلّة، الوجوب الشرطي، إلّا أن يقال ظهور الأمر في هذه المقامات في الوجوب الشرطي إنّما هو إذا كان بصدد بيان أركان البيع، لا ما إذا كان شيئا في جنبه كما في المقام، لا سيّما مع أنّه (عليه السلام) بيّن الغاية من الإعلام، فهو طريق إليها، فحينئذ الأقوى هو الوجوب النفسي فقط.

الثّالث: هل يشترط أن يكون الإسراج تحت السماء؟

المشهور بين الأصحاب اعتبار ذلك، (و لكن المحكي عن المشهور بين العامّة جوازه مطلقا في غير المسجد) و استدلّ بعضهم له ببعض الامور الواهية من لزوم تنجيس السقف مع وضوح بطلانه، و لو وجب كان تعبّدا.

و لكن ذكر الشيخ في الخلاف ما هذا لفظه:

86

لا يجوز بيع الزيت النجس، لمن يستصبح به تحت السماء، و قال أبو حنيفة يجوز بيعه مطلقا، و قال مالك و الشافعي: لا يجوز بيعه بحال ... و روى أبو علي بن أبي هريرة في الإفصاح أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أذن في الاستصباح بالزيت النجس ... (1).

و العمدة فيه مرسلة الشيخ في المبسوط حيث قال: روى أصحابنا أنّه يستصبح به تحت السماء دون السقف (2) مع تأييدها بعمل المشهور حتّى ادّعى الإجماع عليه.

و لعلّ هذا المقدار كاف في غير المقام، و لكن هنا مشكل، لخلو روايات الباب مع كثرتها و ورودها مورد العمل، و من البعيد وجوبه مع إهمال ذكرها في جميع هذه الروايات البالغة حدّ الاستفاضة.

هذا و يظهر من عبارة الشيخ في المبسوط أمران:

«الأول» عدم ظهور هذه الرواية في الحرمة و «الثاني» عدم وضوحها في المولوية حيث قال بعد ما عرفت: «و هذا يدلّ على أنّ دخانه نجس، غير أنّ عندي أنّ هذا مكروه ... و قال آخرون الأقوى أنّه ليس بنجس».

و مع هذا كيف يمكن الفتوى برواية لا سند و لا متن لها في مقابل تلك الروايات الكثيرة المطلقة؟!

قاعدة حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع:

ذكر شيخنا الأعظم العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) بمناسبة مسألة وجوب إعلام المشتري بنجاسة الدهن هذه القاعدة على وجه عام، و حيث أنّها من أهمّ ما يبتلى به، فلا بأس ببسط الكلام فيه.

و الأولى قبل كلّ شي‌ء ذكر الأقسام في المسألة، فنقول:

ذكر الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في المقام ما حاصله: إنّ هنا امورا أربعة:

____________

(1). الخلاف، ج 2، ص 83، المسألة 312.

(2). نقلا عن المكاسب للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ص 10.

87

أحدها: أن يكون فعل الشخص علّة تامّة لوقوع الحرام في الخارج، كما إذا أكره غيره على المحرّم، و لا شكّ في حرمته.

ثانيها: أن يكون فعله سببا، كمن قدّم إلى غير طعاما محرّما فأكله بنفسه، و الأقوى فيه أيضا التحريم، لأنّ استناد الفعل إلى السبب هنا أقوى (من المباشر لجهله).

ثالثها: أن يكون شرطا لصدور الحرام، ثمّ قسّمه إلى قسمين: ما يكون من قبيل إيجاد الداعي إلى المعصية، لحصول الرغبة فيها أو العناد الموجب لها، ثمّ قال: و الظاهر حرمة القسمين.

رابعها: ما يكون من قبيل عدم المانع، و هو تارة يكون مع الحرمة الفعلية في حقّ الفاعل و يدخل في أدلّة النهي عن المنكر.

و اخرى مع عدمها، و استشكل في وجوب الردع هنا، إلّا إذا علم من الخارج بوجوب دفع هذا المنكر كيفما كان كإراقة الدم المحرّم ممّن هو جاهل به، و كذلك الأعراض و الأموال المهمّة، نعم بالنسبة إلى الجهل بالحكم يجب الإعلام من باب إرشاد الأهل (انتهى ملخّصا) (1).

و كأن فيه الخلط بين محلّ الكلام و ما هو خارج عنه، فإنّ ظاهر كلامه (قدّس سرّه) أنّ الأقسام الثلاثة الاولى أعمّ من صورة العلم و الجهل أو مختصّة بصورة العلم، و هو كما ترى.

و الأحسن أن يقال: تارة يفرض علم المباشر بالحكم و الموضوع و اخرى جهله، و الأوّل خارج عن قاعدة الغرور، و الثاني- أعني الجاهل- قد يكون في الحكم، و اخرى في الموضوع، و ثالثة في كليهما.

و من الواضح خروج غير الجهل بالموضوع من محلّ الكلام، لعدم الشكّ في وجوب إعلام الجاهل بالحكم لآية النفر و غيرها من الأدلّة الدالّة على وجوب إرشاد الجاهل.

إنّما المناسب لعنوان القاعدة، و لمبحث بيع الدهن المتنجّس و وجوب إعلام المشتري هو خصوص الجهل بالموضوع، كمن قدّم طعاما حراما لغيره، أو ثوبا نجسا له، أو عقد له امرأة محرّمة عليه و أمثال ذلك.

____________

(1). المكاسب للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 9- 10.

88

إذا عرفت محلّ البحث فاعلم أنّه يتصوّر على أنحاء:

1- أن يكون من قبيل الإجبار و الإلزام له بشي‌ء محرّم لا يعلمه، كإجباره على شرب مائع هو جاهل بخمريته.

2- أن يكون من قبيل التسبيب المصطلح في الفقه، كمن قدّم طعاما مغصوبا إلى ضيف له، و كذلك تقديم شي‌ء حرام يعلم أنّه سيصرفه في الأكل.

3- أن يكون من قبيل إعطاء شي‌ء له منافع مختلفة، و لكن منفعته الغالبة محرّمة، كإعطاء دهن نجس يكون معدّا للأكل غالبا، و كذلك ما تكون له منفعتان متساويتان.

4- أن يكون من قبيل إعطاء ما يكون منفعته النادرة محرّمة كدهن السراج الذي يستفاد منه في الطعام نادرا.

5- أن يكون من قبيل عدم إيجاد المانع مع كون الموضوع حراما لا يعلمه.

و الكلام فيها تارة من ناحية القواعد و الاصول العامّة، و اخرى من ناحية الأدلّة الخاصّة.

أمّا الأوّل: فقد يقال فيها بالحرمة نظرا إلى شمول أدلّة المحرّمات لها من حيث عنوان التسبيب (و لا أقل في بعض الصور).

و فيه إشكال ظاهر، فانّ قوله «لا تشرب الخمر» و أمثاله ظاهر في عدم شربه بالمباشرة، و لا دلالة له على حرمة سقي غيره و لو ثبت بدليل آخر.

و الثاني: بأدلّة وجوب إرشاد الجاهل، و لكن عرفت أنّها ناظرة إلى الأحكام فقط.

و الثالث: بما علم من الشرع من أنّ الأحكام تدور مدار المصالح و المفاسد الواقعيين، و أنّ أكل الحرام و شربه من القبيح الواقعي. و لذا يكون الاحتياط فيه مطلوبا مع الشكّ، و حينئذ يكون إعطاء النجس للجاهل إغراء بالقبيح، و هو قبيح (هذا ما ذكره شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه).

و أضاف إليه في «مصباح الفقاهة» بأنّ الأحكام الواقعية ليست مقيّدة بعلم المكلّفين، و إلّا لزم التصويب المحال أو الباطل (1).

و فيه أوّلا: إنّ التصويب إنّما هو فيما إذا كان العلم بالحكم دخيلا فيه، و لكن محلّ الكلام‌

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 118.

89

كما عرفت إنّما هو العلم بالموضوع، أعني العلم بعنوان النجاسة لا بحكمها.

و ثانيا: إنّ موضوعات الأحكام مختلفة، بعضها غير مقيّدة بالعلم، كحرمة ما لا يؤكل في لباس المصلّي، و بعضها مقيّدة بالعلم، كحرمة لبس النجس في الصلاة، فلذا يعاد في الأوّل في حال السهو دون الثاني بعد ظهور الحال.

و بالجملة احتمال دخل العلم بالموضوع في ملاك الحرمة واقعا في بعض الموارد ممكن جدّا.

و ثالثا: كونه من الإغراء بالقبيح أوّل الكلام.

و يمكن الاستدلال له بارتكاز المتشرّعة المأخوذ من الشارع قطعا، فإنّه يقتضي حرمة إعطاء الخمر للجاهل به، و كذا الميتة و لحم الخنزير، و لكن المسلم منه هو بعض المحرّمات المؤكّدة كالخمر، و أمّا بالنسبة إلى مثل إعارة الثوب النجس و شبهها غير معلوم.

فلا يبقى مجال إلّا للقول بالتفصيل بين ما علم من مذاق الشرع حرمته على كلّ حال و بكلّ صورة، و ما لم يعلم، و لعلّ هذا الارتكاز متّخذ من الأدلّة الآتية، فانتظر.

أمّا الثّاني: من ناحية الأدلّة الخاصّة، و قد استدلّ بروايات قد يفهم منها العموم منها:

1- ما ورد في أبواب الجماعة عن علي (عليه السلام): «إنّه ليس من إمام يصلّي بقوم فيكون في صلاته نقص إلّا كانت عليه و لا ينقص من صلاتهم» (1).

و مثله ما في تحف العقول (2) و بمضمونه في الوسائل (3) بل فيه: كان عليه مثل أوزارهم- إلى غير ذلك ممّا في معناه.

و فيه: مضافا إلى أن اسناد بعضها غير نقيّة، أنّها أجنبية، عمّا نحن فيه، بل هو دليل على‌

____________

(1). بحار الأنوار: ج 18، ص 63، (و لكن لم نعثر على هذا ح في البحار و لكن عثرنا عليه هو:

عن علي (عليه السلام) قال من صلّى بالناس هو جنب أعاد هو و الناس صلاتهم. (بحار الأنوار، ج 88، ص 67، ح 19).

و قريب منه ما رواه في الوسائل ما هذا لفظه:

عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أ يضمن الإمام صلاة الفريضة؟ فانّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن، فقال:

لا يضمن، أي شي‌ء يضمن؟ إلّا أن يصلّي بهم جنبا أو على غير طهر. (وسائل الشيعة، ج 5، ص 434، الباب 36، من أبواب صلاة الجماعة، ح 6، (و منه قريب منه ما في المستدرك، ج 1، ص 494، الباب 32، من أبواب صلاة الجماعة، ح 2).

(2). تحف العقول، ص 41.

(3). وسائل الشيعة، ج 5، ص 434، الباب 36، من أبواب الجماعة، ح 6.

90

تحمّل الإمام بعض الامور (و لا أقل من القراءة) عن المأمومين و لا شكّ في صحّة صلاتهم و عدم الوزر عليهم إذا جهلوا بالحال، و لكن الإمام ضامن لنقص صلاتهم، و كذا ما دلّ على ضمانه إذا صلّى بهم جنبا.

2- ما دلّ على حرمة الإفتاء بغير علم و هي كثيرة (1).

و فيه: أنّ خروجها ممّا نحن فيه أظهر من غيره، لأنّها في الإغراء بالجهل في الشبهات الحكمية، و أين هو ممّا نحن بصدده؟

3- ما دلّ على كراهة إطعام البهيمة الأطعمة و الأشربة المحرّمة مثل: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن البهيمة البقرة و غيرها تسقي أو تطعم ما لا يحلّ للمسلم أكله أو شربه أ يكره ذلك؟ قال: نعم يكره ذلك» (2).

و فيه إشكال ظاهر، لأنّ كراهة ذلك لا تدلّ على الحرمة في الإنسان، اللهمّ إلّا أن يكون المراد من الكراهة الحرمة، و هو غير ثابت.

4- ما دلّ على حرمة سقي الشراب للطفل و الكافر، مثل:

ما رواه أبو الربيع الشامي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر. فقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ اللّه عزّ و جلّ بعثني رحمة للعالمين، و لأمحق المعازف و المزامير و امور الجاهلية و الأوثان، و قال: أقسم ربّي لا يشرب عبد لي خمرا في الدنيا إلّا سقيته مثل ما يشرب منها من الحميم، معذّبا أو مغفورا له، و لا يسقيها عبد لي صبيا صغيرا أو مملوكا إلّا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذّبا أو مغفورا له» (3).

(و بهذا المضمون الأحاديث رقم 2 و 3 و 6 من الباب نفسه).

و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في عقاب الأعمال باسناده عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث قال: «و من شرب الخمر سقاه اللّه من السمّ الأساود و من سمّ العقارب ... و من سقاها يهوديا أو نصرانيا أو صابيا أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها» (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، الباب 4، من أبواب صفات القاضي، ص 9.

(2). وسائل الشيعة، ج 17، ص 247، الباب 10، من أبواب الأشربة المحرّمة، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 245، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 247، ح 7.

91

و فيه إنّه يمكن أن تكون للخمر خصوصية ليست في غيرها كما هو كذلك، و لذا صرّح في الكافر في غيرها بخلافه.

5- ما دلّ على جواز بيع المشتبهين بالميتة للكافر، و قد مرّ ذكره، و يستفاد منه بالمفهوم عدم جوازه لغيره، و دلالتها على المقصود لا بأس بها، و لكن هل يستفاد منها العموم؟!

6- ما دلّ على وجوب اهراق المرق المتنجّس مثل:

ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة، فقال: «يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل» (1).

7- ما دلّ على وجوب إعلام نجاسة الدهن مثل:

ما مرّ من رواية معاوية بن وهب و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: «بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به» (2).

و ما رواه إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله سعيد الأعرج السمّان عن الزيت ... تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال: «أمّا الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له فيبتاع للسراج، و أمّا الأكل فلا ...» (3).

8- ما دلّ على عدم جواز بيع العجين النجس إلّا ممّن يستحلّ الميتة مثل:

ما رواه حفص البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين من الماء النجس كيف يصنع به؟

قال: «يباع ممّن يستحلّ الميتة» (4).

و تحصّل من جميع ذلك أنّ الأعيان النجسة أو المتنجّسات أو المحرّمات لا يجوز إطعامها للغير، أو غير ذلك من أشباهه إشكال، نعم في المأكولات لا يبعد التحريم و إن كان الأحوط في الجميع هو ذلك.

نعم ذكر صاحب الحدائق في بعض كلماته في مسألة بيع الدهن النجس: أنّ هذه الأخبار‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 16، ص 376، الباب 44، من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 1.

(2). المصدر السابق، ج 12، ص 66، الباب 6، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). المصدر السابق، ص 68، الباب 7، ح 3.

92

المانعة معارضة بما دلّ على جواز إعارة الثوب الذي لا يصلّي فيه لمن يصلّي فيه (1) مثل:

ما رواه عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلّى فيه و هو لا يصلّي فيه، قال: «لا يعلمه»، قال: قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد» (2).

و ما دلّ على عدم وجوب الإعلام بالنجاسة في ثوب الغير مثل:

ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلّي. قال: «لا يؤذنه حتّى ينصرف» (3).

و لكن الإنصاف إنّ شيئا منهما لا يعارض ما مرّ، لما عرفت من أنّ الطهارة شرط علمي لا واقعي في الصلاة.

هذا و لو قلنا بالحرمة فهو فيما كان هو السبب في ذلك، أو سلّطه عليه من غير إعلام مع كون منفعته الغالبة الانتفاع به فيما لا يجوز، و لكن في مورد المنافع النادرة، أو فيما لا يكون سببا بل يقدر على المنع، فلا دليل على وجوب الإعلام، بعد عدم شمول أدلّة النهي عن المنكر لما ليس فعليّا، إلّا في موارد خاصّة يعلم من مذاق الشرع لزوم المنع منه و إن كان الفاعل جاهلا، كالدماء.

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 91.

(2). وسائل الشيعة، ج 2، ص 1069، الباب 47، من أبواب النجاسات، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 1.

93

الثّاني- بيع الأوثان و هياكل العبادة

و ليعلم أنّ التعبير بالأوثان و أشباهها أولي، لأنّ الهياكل جمع هيكل، بمعنى بيت للنصارى فيه صورة مريم، أو صورة مريم و عيسى، أو مطلق بيوت الأصنام، و الأصل فيه البناء المرتفع، و لكن يطلق على امور اخر منها موضع في صدر الكنيسة يقرّب فيه القربان أو بيتهم الذي فيه، و منها مطلق الصورة و الشخص و التمثال، و منها الحيوان الضخم أو الشجر الذي طال (هكذا ذكره أرباب اللغة) (1).

و على كلّ حال، لا ريب في حرمة بيع الأوثان، لإجماع علماء الإسلام عليه كما حكي، و عمدة ما يدلّ عليه أمران:

الأوّل: قاعدة التحريم، بما قد عرفت لها من الدليل، فإنّ المفروض أنّه ليس لهذه الأوثان و الأصنام منفعة غير محرّمة، فحرام بيعها لعدم المالية لها في الشرع.

الثاني: ما دلّ على حرمة بيع الخشب ليعمل صليبا مثل:

ما رواه ابن اذينة قال كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه برابط. فقال: «لا بأس به»، و عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلبا قال: «لا» (2).

و الرواية معتبرة من حيث السند و ظاهرة من حيث الدلالة.

و ما رواه عمر بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب و الصنم؟ قال: «لا» (3).

____________

(1). لسان العرب و غيره.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 127، الباب 41، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

94

(و هي أيضا معتبرة الاسناد بناء على كون الراوي «عمر بن حريث» «عمرو بن حريز» كما هو الظاهر).

و هاتان الروايتان و ان كانتا ناظرتين إلى مسألة اخرى، و لكنّه يستفاد المطلوب منهما بطريق أولى، بل النهي عن بيع الخشب أو التوت (الشجرة التي لها ثمرة بيضاء و حمراء لذيذة) إنّما هو لذلك.

و قد استدلّ بامور اخرى لا تدلّ على المطلوب، إمّا لضعف دلالتها، أو إسنادها، و هي ما يلي:

1- قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ (1).

2- و قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ ... (2).

و الظاهر أنّ المراد منهما الاجتناب عن عبادتها، فلا تدلّان على المقصود.

3- ما عن دعائم الإسلام ... إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن بيع الأحرار ... و الأصنام ... (3)

و لكن سندها ضعيف.

4- رواية تحف العقول، و يدلّ على المقصود ثلاث فقرات منها، لأنّ بيع الأصنام يدخل تحت عنوان «ما يجي‌ء منه الفساد» تارة، و «الصنائع المحرّمة التي منها الصلبان و الأصنام» ثانيا، و «عمل التصاوير و الأصنام» ثالثا- و لكن الاستدلال بها أيضا ضعيف لضعف سندها أيضا (4).

بقي هنا أمران:

الأمر الأوّل: قد يكون للشي‌ء منافع متعدّدة غالبة، منها كونها للعبادة، و لكن لا يكون غيرها من المنافع النادرة، أو تكون العبادة نادرا كالصور المجسّمة اليوم فهل يحرم بيعها؟

أمّا إن كان استخدامها للعبادة نادرا، فلا إشكال في الجواز من هذه الجهة، و لو أشكل فيها‌

____________

(1). سورة الحجّ، الآية 30.

(2). سورة المائدة، الآية 90.

(3). مستدرك الوسائل، المجلّد 13، الصفحة 71، الباب 5، من أبواب ما يكسب به، الحديث 5.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 54، الباب 2، من أبواب ما يكتسب به، ح 1، نقله عن تحف العقول.

95

من جهة حرمة اقتناء المجسّمة لو قلنا بها.

و أمّا الصورة المشتركة بين الصليب مثلا و بعض الأدوات، أو بين الصنم و ما يلعب به الصبيان، و كان كلّ منهما غالبا، فالظاهر أنّ الأمر فيه يدور مدار قصد عنوانه.

الأمر الثاني: هل يجوز بيع الأصنام و شبهها باعتبار مادّتها إذا كان له مادّة كذلك، مطلقا أو إذا شرط كسرها، و كان المشتري ممّن يوثق بديانته، كما حكى عن التذكرة و الكفاية و الحدائق و صاحب الرياض (1) أو إذا باعه ثمّ كسره قبل الإقباض، و الحقّ أنّه لبيعه صورا:

1- ما إذا باع بعنوان الصنم و لكن الداعي له مادّته.

2- ما إذا بيع بعنوان الخشب مطلقا.

3- ما إذا باعه كذلك مع كسره.

4- ما إذا باعه مع شرط كسره و كان المشتري ممّن يوثق بديانته.

و الظاهر أنّ الحكم تابع لعنوان المعاملة بحسب قصد المتعاملين و ظاهر فعلهم، فلو كان بعنوان بيع الخشب لم يكن به بأس، و إن كان بيع الصنم ففيه إشكال ظاهر.

و أمّا الاشتراط و غير ذلك، فليس دخيلا في البيع، بل الظاهر أنّه من جهة عدم الإعانة على الإثم، كمن يبيع الكحول الطبي و لكن يجعل فيه بعض السموم بحيث لا يقدر المشتري على شربه.

هذا و يمكن أن تكون المسألة بنحو عام، و هو ما يحرم بيعه بهيئة خاصّة كالأصنام و آلات القمار و آلات اللهو و هو على أقسام:

قسم ليس لمادّته أي منفعة، كآلات القمار المصنوعة من الورق، و الأصنام المعمولة من الخزف و بعض الأحجار الصغيرة، فلا تكون لموادّها قيمة.

و قسم تكون قيمتها بسبب موادّها بحيث لا يكون صورتها مزيدة لقيمتها كما إذا كانت من الذهب أحيانا.

و قسم تكون لهما القيمة.

ففي الأوّل لا يأتي التفصيل السابق، بل ماليتها إنّما هو لصورتها، فبيعها باطل.

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 201.

96

و أمّا الثاني، فهو تابع لقصد العنوان.

و أمّا الثالث، فإنّ قصد المالية بكلا العنوانين فهو باطل، و إن قصد المادّة فقط، و كان ظاهر عنوان البيع بيع المادّة فقط، فهو صحيح.

و قد يتوهّم أن يكون من قبيل بيع ما يملك و ما لا يملك، و لكنّه فاسد، لعدم كون الصورة بنفسها ممّا يملك بدون المادّة عرفا، كما هو ظاهر.

97

الثالث و الرابع- بيع آلات القمار و اللهو

أجمع الفقهاء (ظاهرا) على حرمة بيع آلات القمار و اللهو، و يدلّ عليه- مضافا إلى ما ذكر- ما عرفت من قاعدة التحريم أوّلا، و بعض النصوص الخاصّة ثانيا، و إليك شطر منها:

1- منها ما رواه ابن إدريس في آخر (السرائر) نقلا من كتاب جامع البزنطي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «بيع الشطرنج حرام، و أكل ثمنه سحت، و اتّخاذها كفر، و اللعب بها شرك ... و من جلس على اللعب بها فقد تبوّأ مقعده من النار، و كان عيشه ذلك حسرة عليه في القيامة، و إيّاك و مجالسة اللاهي و المغرور بلعبها فإنّها من المجالس التي باء أهلها بسخط من اللّه يتوقّعونه في كلّ ساعة فيعمّك معهم» (1).

و اشتمالها على نجاسة يدمن مسحها محمولة على المبالغة.

2- و منها ما رواه علي بن إبراهيم (في تفسيره) عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال: «أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب «إلى أن قال» و أمّا الميسر فالنرد و الشطرنج و كلّ قمار ميسر، و أمّا الأنصاب فالأوثان التي كانت تعبدها المشركون، و أمّا الأزلام فالأقداح التي كانت تتقسّم لها المشركون من العرب في الجاهلية، كلّ هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشي‌ء من هذا حرام من اللّه محرّم، و هو رجس من عمل الشيطان، و قرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان» (2).

3- ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 241، الباب 103، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ص 239، الباب 102، ح 12.

98

«نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن اللعب بالنرد و الشطرنج و الكوبة و العرطبة و هي الطنبور و العود و نهى عن بيع النرد» (1).

و ثالثا: أضف إلى ذلك الإنكار الشديد الوارد في الروايات على الناظر فيها و المقلب لها، فكيف باللاعب بها مثل:

1- ما رواه سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «المطلع في الشطرنج كالمطلع في النار» (2).

و ما رواه ابن رئاب قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك ما تقول في الشطرنج؟ فقال: «المقلّب لها كالمقلّب لحم الخنزير». قال: فقلت ما على من قلّب لحم الخنزير؟ قال: «يغسل يده» (3).

و غير ذلك ممّا يستفاد منها حرمة البيع و الشراء بالأولوية، و يؤيّده حديث تحف العقول (4). و بالجملة أصل المسألة ممّا لا ريب فيه، و كذا آلات اللهو، و يدلّ على حرمة بيعها أيضا قاعدة التحريم «أوّلا»، و بعض الروايات الخاصّة «ثانيا» و إن كانت ضعاف الاسناد، و لكنّها منجبرة بعمل الأصحاب، كرواية تحف العقول السابقة.

و ما رواه أبو الفتوح في تفسيره عن أبي امامة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «... إنّ آلات المزامير شرائها و بيعها و ثمنها و التجارة بها حرام» (5).

و ثانيا: الروايات الدالّة بنحو مؤكّد على حرمة اللعب بها بحيث يستفاد منها حرمة البيع لما عرفت (6).

يبقى هنا امور:

1- في معنى «القمار» و «اللهو» و سيأتي الكلام فيهما إن شاء اللّه.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 242، الباب 104، ح 6.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 241، الباب 103، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 54، الباب 2، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(5). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 219، الباب 79، من أبواب ما يكتسب به، ح 16.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 232، الباب 100، من أبواب ما يكتسب به.

99

2- إذا كانت هناك آلات مشتركة بين القمار و غيره، و كانت كلتا المنفعتين غالبتين و لا تختصّ بالقمار أو باللهو، كبعض الآلات التي يستفاد منها في اللهو و في الحروب (بناء على كون ما يضرب في الحروب من الطبول و غيرها من الآلات المشتركة كما هو ظاهر) أو ما يسمّى بالسنج الذي يستفاد منه فيهما بل و في غيرهما، فلا ينبغي الإشكال في جواز بيعها بذاك العنوان، بأن يكون عنوان المالية هو المنفعة المحلّلة لا مجرّد الداعي إليه.

و كذا لو شاع الانتفاع بالبيض و الجوز في القمار، فلا يمنع عن صحّة بيعهما، بل لا يعدّان من آلات القمار.

و مثلها العبد المغني أو الساحر أو المقامر و نحوه، فإن بيع بهذا العنوان فلا شكّ في بطلان بيعه، و لو بيع بعنوان أنّه عبد غير ملاحظ فيه عنوان الغناء و غيره في المالية و البيع، فلا شكّ في صحّته.

3- لو كان لموادها قيمة، فقد عرفت الكلام فيه، و أنّه على أقسام، و أنّه يجوز بيعها بعنوان المواد، و كان المشتري ممّن يوثق بديانته، و كذا إذا كسره قبل الإقباض.

و بالجملة لا شكّ في بقاء مالية المواد على الملك، و لا تخرج عنه بالصورة التي يرفع الشارع احترامها، و لم يدخلها في الملك، بل أوجب على المكلّفين إتلافها بلا ضمان كما ذكره في الجواهر (1).

فصحّة البيع لا تدور مدار القصد، بل و لا ملاحظة الغاية، إنّما تدور مدار العنوان بأنّه يعدّ البيع بيع الخشب، نعم لو علم بانتفاع المشتري منه في المحرّم فهو داخل في مسألة بيع العنب ممّن يعمله خمرا من بعض الجهات، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه، و كذلك لا يمكن تفكيك حكم المادّة و الصورة بجعله من قبيل بيع ما يملك و ما لا يملك كما أشرنا إليه آنفا، لعدم كون الصورة مستقلّة في المالية.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 27- 26.

100

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

101

الخامس- بيع أواني الذهب و الفضّة

هذه المسألة متوقّفة على ما عنونه القوم في أواخر أبواب الطهارة في الباب المعنون لأحكام الأواني.

فان قلنا بحرمة جميع منافعها الغالبة كالأكل و الشرب و التزيين و الاقتناء فلا شكّ في دخولها في قاعدة التحريم التي عرفتها مرارا، و إلّا لم يكن وجه لتحريمها.

و توضيح ذلك إنّه قد يكون الكلام في بيعها بما لها من الصورة، و اخرى في بيعها بمادّتها فقط.

أمّا الاولى: فإمّا أن يقال بحرمة الأكل و الشرب فيها فقط، أو مع إضافة التصرّفات كجعلها ظرفا للدهن الذي يدهن به و الغالية و العطور، أو مع إضافة التزيين بها أيضا، ففي هذه الصور الثلاث يجوز بيعها، لكون مسألة الاقتناء حلالا (إذا كان من المنافع الغالبة فيها كما هو كذلك كثيرا، فإنّ كثيرا من الناس يرون ذلك طريقا لحفظ أموالهم أو لجمعها أو يلتذّون من وجودها أو النظر إليها أو غير ذلك من القيم الواهية و غير العقلائية).

أمّا إذا قلنا بحرمة الأربع، فالبيع باطل قطعا و إن لم يرد به نصّ خاصّ، و لكن يعلم منها بالقاعدة السابقة.

و تفصيل هذه الصغرى في محلّها، و قد قلنا برعاية الاحتياط في جميع ذلك في محلّه.

أمّا الثاني: فيأتي فيه ما تقدّم في غيره من آلات القمار و اللهو و الأصنام من جواز بيعها بعنوان مرادها، أمّا مطلقا، أو مع كون المشتري ممّن يوثق بديانته، أو مع كسرها قبل الإقباض.

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

103

السادس- الدراهم المغشوشة

قد يقال بحرمة بيعها، و لكن ذلك يحتاج إلى تفصيل، و هو أنّ الدراهم المغشوشة على أنحاء:

1- قد يكون الغشّ ببعض الخليط، كأن يكون نصفه أو ثلثه فضّة مثلا.

2- قد يكون الغشّ بكونه من جنس غير جنسه مطلقا و إن كان بهيئة الفضّة.

3- قد يكون الغشّ بهيئتها و سكّتها و إن كانت مادّتها سليمة خالصة.

4- و قد يكون تمام ماليتها بسكّتها مع كونها مغشوشة كالفلوس التي لا قيمة لمادّتها تقريبا.

أمّا حكم المعاملة مع هذه الأقسام، فإن قلنا بحرمة الانتفاع بها مطلقا، نظرا إلى أنّها سبب للفساد، فلا بدّ من إفنائها، لأنّ رواجها يوجب الاختلال في أمر المعاملات، لا سيّما إذا كان كثيرا، و نظرا إلى غير واحد من الروايات الخاصّة الدالّة على حرمة المعاملة بها، و هي:

1- ما رواه المفضّل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فألقي بين يديه دراهم، فألقى إليّ درهما منها فقال: ايش هذا؟ فقلت: ستوق! قال: و ما الستوق؟ فقلت:

طبقتين فضّة و طبقة من نحاس، و طبقة من فضّة، فقال: «اكسرها فانّه لا يحلّ بيع هذا و لا إنفاقه» (1).

2- ما رواه جعفر بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): ما تقول جعلت فداك في الدراهم التي أعلم أنّها لا تجوز بين المسلمين إلّا بوضيعة تصير إلى من بعضهم بغير وضيعة بجهلي به، و إنّما آخذه على أنّه جيّد، أ يجوز لي أن آخذه و أخرجه من يدي على حدّ ما صار‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 473، الباب 10، من أبواب الصرف، ح 5.

104

إلى من قبلهم؟ فكتب: «لا يحلّ ذلك»، و كتبت إليه، جعلت فداك هل يجوز إن وصلت إليّ ردّه على صاحبه من غير معرفته به، أو إبداله منه و هو لا يدري أنّي أبدله منه، أو أردّه عليه؟

فكتب: «لا يجوز» (1).

3- و ما رواه فضل أبي العبّاس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الدراهم المحمول عليها.

فقال: «إذا أنفقت ما يجوز بين أهل البلد فلا بأس، و إن أنفقت ما لا يجوز بين أهل البلد فلا» (2).

4- ما رواه حريز بن عبد اللّه قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه قوم من أهل سجستان فسألوه عن الدراهم المحمول عليها. فقال: «لا بأس، إذا كان جواز المصر» (3).

إلى غير ذلك ممّا في هذا المعنى كلّها تدلّ على عدم جواز الانتفاع بالمغشوش.

5- ما رواه موسى بن بكر قال: كنّا عند أبي الحسن (عليه السلام) و إذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثمّ قطعه بنصفين، ثمّ قال لي: «القه في البالوعة حتّى لا يباع شي‌ء فيه غشّ» (4).

و الظاهر أنّه لم يكن لمادّته قيمة (و لكن السند ضعيف).

و يستفاد من مجموعها حرمة الانتفاع بها، و إطلاقها يقتضي الحرمة و لو بإعطائها للظالم لانتقالها منه إلى غيره، بل ظاهر الأخير عدم التزيين بها (فتأمّل).

و بالجملة فساد بيعها فيما إذا لم يكن التزيين بها أمرا غالبا معلوما لا ينبغي الشكّ فيه، و كون حرمة الانتفاع تكليفية لا ينافي المقصود بعد كون المالية تدور مدارها وجودا و عدما.

هذا كلّه إذا لم يصحّ بيعها مطلقا، أمّا إذا كان فيها خليط فيجوز بيعها بين الناس مع الإعلام، فانّ الدراهم مختلفة من حيث الخليط كما دلّ عليه غير واحد من الروايات الواردة‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 474، الباب 10، من أبواب الصرف، ح 8.

(2). المصدر السابق، ص 474، ح 9.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 474، الباب 10، من أبواب الصرف، ج 10.

(4). المصدر السابق، ص 209، الباب 86، من أبواب ما يكتسب به، ح 5، (و لكن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) سمّى الراوي ب‍ «موسى بن بكير الأبكر» (المكاسب، ص 15).