أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
105

في الباب 10 من أبواب الصرف، و هو المسمّى بالدرهم المحمول (و هو ما يعبّر عنه بالفارسية ب‍ «باردار» أي له خليط من غير الفضّة).

فحينئذ لا بدّ من الإعلام، و لو كان له ظاهر و لم يعلمه فهو من التدليس، و يكون للمشتري خيار التدليس أو خيار العيب لو عدّ معيوبا.

و إذا وقعت المعاملة على القسم الأوّل جهلا فهناك صور:

1- فإمّا أن يكون البيع كليّا، فاللازم الإبدال.

2- و إن كان شخصيّا و عدّ الدرهم من المعيوب، فخيار العيب فيه ثابت.

3- و إن كان شيئا مباينا، فهو باطل، كمن باع فرسا فظهر بغلا، و باع كتاب لغة فظهر كتاب تفسير.

تتمّة في حرمة بيع مطلق آلات الفساد:

تقدّم في باب آلات القمار و اللهو و الأصنام أنّه يحرم بيع غيرها من آلات الفساد أيضا على أنواعها، و هي كثيرة:

«منها» الأواني التي تختصّ بطبخ الخمر و صنعها و الأقداح التي لا يستفاد منها في غيره.

و «منها» أشرطة الكاسيت و الأفلام المفسدة التي لا يمكن الانتفاع بصورتها و مادّتها في غير الحرام، لو كان لمادّتها منافع محلّلة و باعها بقصدها و لم يكن المشتري مظنّة للانتفاع بها منفعة فاسدة محرّمة، جاز.

و «منها» الأدوية التي لا ينتفع بها في غير التخمير، و كذا ما لا فائدة له إلّا في صنع المواد المخدّرة.

و «منها» الأجهزة التي ينتفع منها في التجسس على أحوال الناس و لا فائدة لها غالبا غير ذلك، فلو كانت لها فائدة غالبة اخرى جاز بيعها.

و «منها» الصور المغرية و المفسدة التي تثير الشباب و غيرهم و تدفعهم إلى هتك الأعراض، و ارتكاب المحرّمات و القبائح، و كذا الصحف و المجلات الفاسدة لمحتواها أو صورها، و إن لم تدخل في عنوان كتب الضلال التي يأتي البحث عنها.

106

و «منها» الأسلحة الكيمياوية و ما أشبهها ممّا لا يجوز الانتفاع منها بحال، و جميعها مشتركة فيما يلي:

1- لو لم تكن لها منافع محلّلة غالبة لم تكن مالية، بل يجوز إبطالها و إفنائها إذا لم تكن لمادّتها قيمة، بل يجب ذلك من باب النهي عن المنكر و قلع مادّة الفساد.

2- إذا كان لمادّتها قيمة يجوز محو صورتها، لعدم المالية لصورتها، رضى صاحبها أو لم يرض، بل يجب ذلك لما عرفت.

3- يجوز بيعها بعنوان المادّة المحلّلة لمن ليس مظنّة للفساد و الإفساد.

107

السّابع- بيع الشي‌ء لغاية محرّمة

(كبيع العنب ليعمل خمرا) قد لا يكون الشي‌ء كآلات اللهو و الفساد ممّا غلب عليها الفساد، بل تكون له «غايات محلّلة و محرّمة»، و لكن يبيعه لغاية محرّمة، و هو على أقسام:

1- تارة يكون عنوان المعاملة أو شرطها ذلك، كمن يبيع العنب ليعمل خمرا، أو الخشب ليصنع صنما، أو يوجر البيت و الدكّان لأمر محرّم.

لا يقال: أي داع لمسلم أو لغيره على خصوص ذلك، بل لا يريد هو إلّا أخذ العوض كيفما كان؟

قلت: الداعي قد يحصل على ذلك، كأن يحرز البائع الغاية من عملية الشراء كيلا يكون منازعة في المستقبل من هذه الجهة، أو تكون الإجارة الكذائية أقلّ مضرّة للدار أو الدكّان، أو تكون اجرته بهذا العنوان أكثر، و كذا قيمة العنب، أو لا يكون مؤمنا ورعا، بل يريد الإفساد بين الناس لأغراض فاسدة شي‌ء.

2- و اخرى يبيعه أو يؤاجره مع كون داعيه ذلك من غير أن يكون شرطا أو عنوانا في المعاملة، بأن يكون البيع أو الإجارة مطلقة.

3- و ثالثة لا يكون من قصده ذلك أبدا، و لكن يعلم أنّ داعي المشتري في الحال ذلك، أو يتجدّد الداعي له بعده، و إن لم يكن الآن كذلك.

4- أن يعلم أنّه يصرفه في الحرام و إن لم يكن داعيه ذلك من البيع، كمن يبيع العنب ممّن يعمله خمرا، و هو لا يريد إلّا بيع عنبه من غير قصد الحرام.

108

5- هذا كلّه إذا كان المحرّم تمام الغرض، و لكن قد يكون جزأه مثل بيع المغنية بأكثر من ثمن غيرها لقصد الانتفاع بغنائها.

6- ما يكون نفس العمل المستأجر عليه حراما، كمعاونة الظلمة، و صنع الخمر، و الزنا ...

فهذه ستّة أقسام و لكلّ قسم حكمه الخاصّ:

أمّا القسم الأوّل: فلا كلام بينهم في حرمته، و ادّعى في الجواهر (1) و غيره الإجماع عليه، و نقل في الحدائق عن المنتهى إنّه موضع وفاق (2).

و استدلّ له شيخنا الأعظم العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) تارة بكونه إعانة على الإثم، و اخرى بأنّه أكل للمال بالباطل (3)، و ثالثة بما رواه صابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيها الخمر ... قال: «حرام أجره» (4).

و لكن سند هذه الرواية لا يخلو عن ضعف ب‍ «صابر» إلّا أن يقال إنّها منجبرة بعمل الأصحاب.

هذا و قد يستشكل على الدليل الأوّل تارة بأنّ حرمة الإعانة على إطلاقها غير ثابتة، و اخرى بأنّ الحرمة تكليفية، فلا توجب فسادا في المعاملات.

أمّا الأوّل فسيأتي في محلّه، و أمّا الثاني فيمكن أن يجاب بأنّه داخل في قاعدة التحريم، و أنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه. إلّا أن يقال لا يأخذ الثمن على المعاونة، بل على العنب، و لكن يمكن أن يقال بعدم اعتناء العرف بهذا التفكيك، بل يصدق أخذ الثمن على ما هو مصداق العون.

و على الثاني بأنّ المال لا يقع في مقابل هذا الشرط، بل في مقابل الأصل.

و فيه: إنّ قيمته قد تكون حينئذ أكثر، مضافا إلى صدق هذا العنوان عرفا لعدم الاعتناء بهذه التدقيقات عندهم.

و على الثّالث بمعارضته لما رواه: ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 30.

(2). الحدائق، ج 18، ص 202.

(3). المكاسب المحرّمة، ص 16، المسألة الاولى.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 125، الباب 39، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

109

الرجل يؤاجر سفينته و دابّته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير قال: «لا بأس» (1).

و هذه الرواية بالإضافة إلى صحّة سندها أقوى من رواية جابر.

و لكن الإنصاف أنّها ليست نصّا فيما نحن فيه، هذا أوّلا، و ثانيا: حرمة الإجارة مقطوعة عندهم. و ثالثا: بأنّ إعراض الأصحاب عنها كاف في سقوطها.

و هذا الحكم ممّا لا ينبغي التأمّل فيه، و يؤيّده ما يستفاد من مذاق الشارع و المسائل الآتية أيضا.

أمّا القسم الثّاني: فالظاهر أنّه يجري فيه جميع ما تقدّم عدا كونه أكلا للمال بالباطل، لأنّ القصد و الداعي للباطل بعد عدم كون البيع مشروطا أو معنونا بهذا العنوان، بل كان البيع بعنوان بيع العنب مثلا من دون أي عنوان آخر لا يجعل البيع و أكل ثمنه باطلا.

أمّا الإعانة فيه حاصلة، و رواية جابر السابقة شاملة لها.

أمّا الصورة الثّالثة و الرابعة: ففيها خلاف بينهم (ذكروهما تحت عنوان بيع العنب ممّن يعمله خمرا) و لكن قد عرفت أنّه لا فرق بينها و بين سائر ما يكون له منافع محلّلة و محرّمة يبيعها المالك أو يؤجرها ممّن يصرفه في الحرام.

و تفصيل الكلام فيه: إنّه حكي عن العلّامة (رحمه اللّه) في المختلف، و الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في المسالك حرمته، و عن ابن إدريس (رحمه اللّه) جواز ذلك (2) و مال المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) أيضا إلى حرمته (كما حكاه في الحدائق) (3).

و فصّل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في المكاسب بين قصد البائع للحرام و عدمه، و لكن صورة القصد داخلة في الصورة السابقة، فهو في الواقع قائل بالجواز (4).

و الكلام في هذه المسألة المهمّة التي تعمّ بها البلوى تارة من حيث القواعد، و اخرى من حيث الأخبار الخاصّة.

أمّا الأوّل فقد يستدلّ على الحرمة بأدلّة تحريم الإعانة على الإثم، و أدلّة النهي عن المنكر.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 126، الباب 39، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 171.

(3). الحدائق، ج 18، ص 202.

(4). المكاسب المحرّمة، ص 16، المسألة الثالثة.

110

و أمّا الاولى فيحتاج إلى تحقيق مفاد الإعانة و معناها «أوّلا»، ثمّ نتكلّم في حكمها «ثانيا».

الإعانة و أركانها:

قبل الخوض في هذا البحث لا بدّ من ذكر مقدّمة و هي:

المشهور تقسيم العناوين إلى قسمين: 1- «عناوين قصدية» لا تحصل إلّا بالقصد، كالتعظيم و الإهانة، 2- «عناوين غير قصدية» كالضرب و الزنا و قتل النفس و أمثال ذلك.

و لكن لا بدّ أن يعلم أنّ القصد في العناوين القصدية قد يكون قهريا لا يمكن عدمه، فمن سبّ غيره في مجمع من الناس فقد أهانه، و لا ينفكّ عن هذا قصدها، كما أنّ القصد في العناوين الغير قصدية دائما قهري، فمن يضرب غيره بالسياط لا يمكنه عدم قصده، و سيأتي أنّ حكم الإعانة- لو قلنا بأنّها من العناوين القصدية- أيضا في كثير من مصاديقها كذلك، فمن أعطى سوطا لظالم عند إرادته ضرب المظلوم فقد أعانه، و لا ينفك ذلك عن هذا القصد حتّى لو أراد فصله عنه.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأقوال هنا كثيرة:

1- ما عن الأكثر من أنّ الإعانة هي إيجاد مقدّمة من مقدّمات فعل الغير، مع العلم بكونها مقدّمته، و لو لم يقصد حصول الفعل من غيره.

2- ما عن المحقّق الثاني (رحمه اللّه) أنّ الإعانة هي ذلك مع قصد الفعل من الغير كمن يعطي العنب ليعمل خمرا (1).

3- ما عن بعض آخر من اعتبار وجود الفعل المعان عليه خارجا، مضافا إلى ما ذكر.

4- المدار على وقوع الفعل المعان عليه في الخارج و عدمه كما اختاره بعض أكابر العصر (2).

____________

(1). جامع المقاصد، ج 4، ص 18، من ج المطبوع حديثا.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 176.

111

5- لا يعتبر شي‌ء خاصّ فيها، بل المدار في كلّ مقام على الصدق العرفي و المقامات مختلفة.

6- قد يفرّق بين المقدّمات القريبة و البعيدة، فتصدق في الاولى دون الثانية.

7- و قد يفرّق بين المقدّمة التي فائدتها منحصرة عرفا في المعان عليه، كإعطاء العصا إلى الضارب عند إرادة الضرب، و بين ما ليس كذلك، كبيع العنب ممّن يعمله خمرا (كما ذكره الشيخ في بعض كلماته) (1).

8- و يمكن الفرق بين ما فيه القصد فهو حرام قطعا، و ما ليس فيه فهو يدور مدار الصدق عرفا. فهذه احتمالات ثمانية في تفسير معنى «الإعانة».

أمّا القول بأنّه يدور مدار الصدق عرفا، فهو في الواقع فرار عن تعيين الضابطة، لأنّ للعرف في هذه الامور ضوابط لا بدّ من استخراجها و لا تكون بغير ضابطة و الحقّ في المقام يظهر بعد ذكر امور:

الأوّل- إنّ الإعانة من العناوين القصدية، و لكن قد يحصل القصد قهرا كما عرفت آنفا، فمن أعطى العصا إلى الظالم عند إرادة الظلم يعدّ معينا لظلمه، و قصده قهري، و الظاهر أنّ بيع العنب ممّن يعلم أنّه يصنعه خمرا أيضا كذلك، فلا ينفك عن قصد الإعانة، و القصد فيه قهري.

الثّاني- لا بدّ في صدق عنوان الإعانة أن يكون مقدّمة قريبة، فمن أعطى عنبا لغيره يعلم أنّه يزرع حبّاته ثمّ يأخذ عنبها فيبيعها ممّن يعمله خمرا، يشكل صدق الإعانة عليه لا سيّما إذا كثرت الوسائط.

الثّالث- إذا لم يتحقّق المعان عليه لم يكن هنا إلّا تجرّيا، لعدم تحقّق إثم حتّى يكون فعله إعانة عليه، كما هو ظاهر.

الرّابع- إذا لم يكن بصدد إيجاد مقدّمة لفعل غيره، لكن حصل من فعله ما ينتفع به في مقصده، كالتاجر الذي يتّجر، و لكن الظالم العشّار يأخذ منه العشور و يصرفه في المظالم، فهو لا يفعل شيئا إلّا لنفسه، و لكن الظالم ينتفع بفعله بعد ذلك، و هذا بخلاف ما إذا باعه العنب و جعله تحت يده.

____________

(1). المكاسب للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 17.

112

و المعتبر في صدق الإعانة هذه الامور الأربعة: القصد، و جعل مقدّمة تحت اختيار غيره، و كونها قريبة، و وقوع المعان عليه.

و الدليل على اعتبار الأوّل ليس من ناحية كون الإعانة أمرا قصديا، بل من جهة ظهور نسبة كلّ فعل اختياري إلى فاعله أنّه صدر بقصده، و أمّا اعتبار المقدّمية فهو واضح لا ريب فيه، و أمّا كونها قريبة فلصحّة سلب هذا العنوان عن المقدّمات البعيدة، و إلّا لزم العلم الإجمالي بحرمة بعض أفعالنا دائما، لكونها بالواسطة إعانة لبعض المظالم فتأمّل.

و كذلك فيما لو لم يقع المعان عليه، فيكون عدم صدق عنوان الإعانة من الواضحات.

و ما في كلام بعض الأكابر من عدم اعتبار القصد، لاستعماله كثيرا فيما ليس فيه قصد مثل قوله تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلٰاةِ (1) و أنّ المراد بالصبر هو الصوم (2)، و قوله: «من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه» (3)، و قوله «من تبسّم في وجه مبدع فقد أعان على هدم الإسلام» (4) و قول القائل «سرت في الماء و أعانني على السير»، و أشباه ذلك من الروايات و العبارات العرفية، ممنوع.

و الإنصاف أنّ شيئا من ذلك لا يدلّ على مقصوده ...

أمّا الاستعانة بالصبر و الصلاة فهي أمر مطلوب، أي استمدّوا منهما على حلّ مشاكلكم، لا أنّ كلّ صلاة بنفسها تكون عونا من دون قصد إلى هذا العنوان، و لذلك ورد في الحديث في ذيل هذه الآية أنّ عليا (عليه السلام) إذا ورد عليه أمر مهمّ توضّأ و صلّى ركعتين (5)، أي كان من نيّته هناك الاستمداد منها لحلّ مشاكله.

أمّا صدق الإعانة في أكل الطين فإنّما هو بعد العلم بهذا الحديث و محتواه كما إذا قال:

هذا صديقي فمن أكرمه فقد أكرمني- أي بعد علمكم بذلك- و مثله الوعيد بالعذاب لفعل‌

____________

(1). سورة البقرة، الآية 45 (عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ، وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ... قال: «الصبر الصيام ...» (تفسير البرهان، ج 1، ص 94، ح 3).

(2). تفسير البرهان، الجلد 1، ص 94، ح 3.

(3). الكافي، ج 6، ص 266.

(4). مستدرك الوسائل، ج 12، ص 32، الباب 37، من أبواب الأمر بالمعروف، ح 12، (من الطبع ح).

(5). متن ح: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) إذا أهاله شي‌ء فزيح، قام إلى الصلاة ثمّ تلا هذه الآية وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلٰاةِ» (تفسير البرهان، ج 1، ص 94، ح 2).

113

بعض المحرّمات في مقام بيان حكمه.

و أمّا التبسّم في وجوه المبدعين مع العلم بكونه كذلك و كون التبسّم تقوية لهم، فهو لا ينفكّ عن قصد الإعانة على هدم الإسلام، فالقصد فيه أيضا قهري.

أمّا إسناد الإعانة إلى الماء و الريح، فهو مجاز، لعدم قصده لهما، و لكن الكلام فيما إذا أسند إلى عاقل ... و كذا أشباهه، و استعماله في غير ما ذكرنا أحيانا لا ينافي كونه مجازا.

و العجب من بعض الأفاضل حيث صرّح بصدق عنوان الإعانة في التاجر الذي يؤخذ منه العشور مع أنّ عدم عدّه من المعين للظلمة بمكان من الوضوح، فتلخّص من جميع ذلك حدود هذا العنوان و ضابطته و الحمد للّه.

حرمة الإعانة على الإثم:

هذا كلّه بحسب «الصغرى»، أمّا «الكبرى» فالمعروف بل المدّعى عليه الإجماع حرمة الإعانة على الإثم، و العمدة فيها بعد دعوى الإجماع قوله تعالى: تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ (1) و الأخبار الكثيرة الواردة في هذا المعنى بما سيأتي الإشارة إليها.

و لكن خالف فيه بعض أعاظم المعاصرين و قال بجوازه إلّا في موردين: مورد صدق التسبيب، و مورد الإعانة للظلمة فقط، لورود روايات خاصّة فيهما (2) و لا وجه لما ذكره بعد صدقه عرفا في هذين الموردين و غيرهما.

و حاصل كلامه: إنّ التعاون هو صدور فعل عن جمع بحيث يكون صادرا من جميعهم كبناء المسجد و غيره، و من المعلوم عدم صدقه على صدور الفعل من بعض، و المقدّمات من الآخر.

و فيه: إنّه لا يعتبر في صدق التعاون مباشرة بلا واسطة، فإذا اجتمع جمع لبناء مسجد،

____________

(1). سورة المائدة، الآية 2.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 180.

114

فرسم الخريطة واحد، و هيّأ المواد الإنشائية آخر، و تبرّع بالنقود ثالث، و قام ببنائه البنّاء و هو شخص واحد، فلا شكّ في صدق تعاونهم على بناء المسجد، بل كثير من موارد التعاون كذلك.

هذا مضافا إلى إمكان الغاء الخصوصية من هذه الناحية، فلا وجه للإشكال في الحكم صغرى و كبرى.

و يمكن الاستدلال لحرمة الإعانة على الحرام- مضافا إلى ما ذكر- بما دلّ على وجوب النهي عن المنكر كما ذكره العلّامة الأنصاري تبعا للمحقّق الأردبيلي (قدّس سرّهما)، فقال الأوّل منهما بأن دفع المنكر كرفعه واجب، و لا يتمّ إلّا بترك البيع إليه فيجب، ثمّ استشهد بما رواه علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتاب بني اميّة فقال لي: استأذن لي على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذنت له «عليه» فأذن له، فلمّا أن دخل سلّم و جلس، ثمّ قال: جعلت فداك إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا و أغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«لو لا أنّ بني اميّة وجدوا لهم من يكتب و يجبي لهم الفي‌ء، و يقاتل عنهم، و يشهد جماعتهم لما سلبونا حقّنا، و لو تركهم الناس و ما في أيديهم ما وجدوا شيئا إلّا ما وقع في أيديهم قال ...» (1).

و أورد عليه من وجهين:

1- إنّ دفع المنكر لا دليل على وجوبه، إنّما الواجب الرفع، و لا يمكن قياس أحدهما على الآخر، و القدر المتيقّن منه الثابت بالعقل و النقل هو وجوب الدفع في الامور المهمّة كالأعراض و النفوس.

2- الرواية ضعيفة (بإبراهيم بن إسحاق) و مخصوصة بإعانة الظلمة لا تشمل غيرها.

هذا و الإنصاف أنّه لا فرق بين «الدفع» و «الرفع» لإلغاء الخصوصية قطعا بعد كون الملاك واضحا شرعا و عرفا، فانّ ما ورد من قوله «بهما تقام الفرائض، تأمن المذاهب، و تحلّ المكاسب»، و غيرها لا يختلف فيه الدفع و الرفع.

على أنّ النهي كثيرا ما يكون من قبيل الدفع، كما إذا جلس جمع لشرب الخمر و لم‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 144، الباب 47، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

115

يشربوا بعد، فنهاهم عن ذلك بعض أهل الإيمان، أو افتتح بعض دكانا لبيع الخمر و لم يبع بعد، فنهاه المؤمنون، و بالجملة الجمود في هذه الامور بعيد عن مذاق أهل العرف الذين يرجع إليهم في تشخيص الموضوعات، بل قد يقال: إنّ النهي عن المنكر دائما من قبيل الدفع لأنّه يتحقّق عادة بالنسبة إلى الأعمال الآتية، و أمّا الماضي فقد مضى و انصرم، و لا معنى للنهي عنه فتأمّل.

أضف إلى ذلك أنّ الرواية مشتملة على استدلال عقلي يجري في غير موردها أيضا.

بقي هنا شي‌ء:

و هو أنّه قد يقال: إنّ وجوب ذلك يختصّ بما إذا علم بتركه الحرام لو ترك بيع العنب له مثلا. أمّا إذا علم ببيع غيره له فلا، لعدم حصول الغرض، فلا يقاس ذلك بما إذا ترك ظلم شخص، فظلمه آخر، لأنّ الظلم من كلّ أحد حرام، و لكن الردع لا يحصل إلّا بفعل المجموع من حيث المجموع، كحمل المصدوم إلى المستشفى مثلا بفعل الجميع و لا يفيد فعل واحد منهم.

هذا و لكن يمكن دفعه بأن جعل كلّ عنب خمرا حرام برأسه، كما أنّ شرب كلّ فرد من أفرادها حرام كذلك، نعم لو كان الردع عن مصداق واحد لا يحصل إلّا بفعل جماعة- كان الأمر كما ذكره، فتدبّر فإنّه دقيق، فالحرمة بحسب القواعد مسلّمة.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى روايات الباب أعني خصوص بيع العنب، فنقول و من اللّه التوفيق: أنّها على طائفتين:

الطائفة الاولى:

ما دلّ على جواز بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمرا، و هي روايات منها:

1- ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا. قال: «إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس» (1).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 169، الباب 59، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

116

2- و ما رواه محمّد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بيع عصير العنب ممّن يجعله حراما، فقال: «لا بأس به، تبيعه حلالا ليجعله (عليه السلام) حراما، فأبعده اللّه و أسحقه» (1).

3- و ما رواه عمر بن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل له كرم، أ يبيع العنب و التمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمرا أو سكرا؟ فقال: «إنّما باعه حلالا في الأبان الذي يحلّ شربه أو أكله، فلا بأس ببيعه» (2).

4- و ما رواه أبو كهمس، قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العصير، فقال: لي كرم و أنا أعصره كلّ سنة و أجعله في الدنان و أبيعه قبل أن يغلي؟ قال: «لا بأس به و إن غلا فلا يحلّ بيعه، ثمّ قال: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمرا» (3).

5- و ما رواه أبو المعزا قال: سأل يعقوب الأحمر أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر فقال: إنّه كان لي أخ و هلك و ترك في حجري يتيما، و لي أخ يلي ضيعة لنا و هو يبيع العصير ممّن يصنعه خمرا و يؤاجر الأرض و بالطعام «إلى أن قال»: فقال: «أمّا بيع العصير ممّن يصنعه خمرا فلا بأس خذ نصيب اليتيم منه» (4).

6- و ما رواه رفاعة بن موسى قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر عن بيع العصير ممّن يخمّره. قال: «حلال، ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شرابا خبيثا» (5).

7- و ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن بيع العصير ممّن يصنعه خمرا.

فقال: «بعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلا أحبّ إليّ، و لا أرى بالأوّل بأسا» (6).

8- و ما رواه يزيد بن خليفة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل و أنا حاضر قال: إنّ لي الكرم قال: «تبيعه عنبا»، قال: فانّه يشتريه من يجعله خمرا قال: «فبعه إذا عصيرا». قال:

فإنّه يشتريه منّي عصيرا فيجعله خمرا في قربتي قال: «بعته حلالا فيجعله حراما فأبعده اللّه»، و ثمّ سكت هنيئة ثمّ قال: «لا تذرن ثمنه عليه حتّى يصير خمرا فتكون تأخذ ثمن الخمر» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 169، الباب 59، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المصدر السابق، ح 6.

(4). المصدر السابق، ص 170، ح 7.

(5). المصدر السابق، ح 8.

(6). المصدر السابق، ح 9.

(7). المصدر السابق، ح 10.

117

9- و ما رواه ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته و دابته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير، قال: «لا بأس» (1).

10- و ما رواه محمّد بن أبي نصر قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل أن يقبض الثمن. فقال: «لو باع ثمرته ممّن يعلم أنّه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس، فأمّا إذا كان عصيرا فلا يباع إلّا بالنقد» (2).

و الرواية الأخيرة و ان كان فيها تفصيل إلّا أنّه يستفاد منها المقصود، فانّها ناظرة إلى أنّه يمكن أن يجعله خمرا فيعطي ثمنك منها فخذ ثمن العصير نقدا (كما يظهر ذلك من بعض الروايات السابقة).

هذا و دلالتها واضحة، و بعض أسنادها صحيحة مع تظافرها.

و لكنّ فيها مع قطع النظر عمّا يعارضها بعض الإشكالات:

1- ورد في رواية أبي كهمس قوله «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم إنّه يصنعه خمرا» (3).

و في رواية رفاعة «ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شرابا خبيثا»؟!

و كلاهما يدلّان على استمرار ذلك منه (عليه السلام) و هذا بعيد جدّا من أمر أئمّة الدين ولاة المسلمين و القدوة في جميع الأمر للخلق أجمعين و إن كان جائزا لسائر الناس، و الأوّل و ان كان ضعيفا بأبي كهمس، و لكن الثانية صحيحة.

2- قد ورد في أمر الخمر من التشديد ما لا يخفى، حيث لعن عشر طوائف فيها غارسها و حارسها و ... فكيف جعل أمر البيع فيها بهذه السهولة و لو لم يكن البيع بهدف التخمير، و لكن العلم حاصل بأنّه يجعل العنب أو العصير خمرا حتّى قد عرفت في بعضها أنّه يجعله خمرا في نفس القربة التي يأخذ العصير فيها (10/ 59).

3- إذا كان المشتري ممّن يكون عمله محرّما دائما أو غالبا فكيف يحلّ أخذ الثمن منه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 126، الباب 39، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 59، ح 1.

(3). «هو ذا» أمّا كلمة واحدة بمعنى أنّ ما ذكر هو الذي نحن نعمله أو مركّب من كلمتين.

118

الذي يعلم أو يغلب على الظنّ أنّه حرام (و الاعتماد على اليد هنا مشكل كما أشرنا في محلّه)؟ و كيف يأخذ الإمام (عليه السلام) هذا الثمن المعلوم حرمته أو المشكوك جدّا؟

الطائفة الثّانية:

ما يدلّ على حرمة المقدّمات هنا (و منه بيع العنب ممّن يعمله خمرا) و هي روايات:

1- ما رواه صابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال:

«حرام أجره» (1).

2- و ما رواه ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب، فباعه ممّن يتّخذه برابط، فقال: «لا بأس به»، و عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلبانا قال:

«لا» (2).

3- ما رواه عمر بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب و الصنم؟ قال: «لا» (3).

4- و ما دلّ على حرمة بيع السلاح لأهل الحرب (4).

5- و ما دلّ على ذمّ الخمر و كلّ من تلبّس بشي‌ء من أعمالها (5).

بحيث يشمل ما نحن فيه بطريق أولى.

و أمّا طريق الجمع بين الطائفتين فقد ذكر في الحدائق له وجوها:

1- الجمع بينهما بحمل أخبار المنع على الكراهة، و أسنده إلى الأصحاب، ثمّ نفاه بأنّ ظواهر الأخبار لا تساعده (6).

و هو كذلك، لاستمرار فعل الأئمّة (عليهم السلام) بظاهره هذه الأخبار عليه، و من البعيد استمرار عملهم على الكراهة، و اختاره العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) و قال: الأولى حمل أخبار المانعة على‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 125، الباب 39، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 127، الباب 41، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

(4). المصدر السابق، ص 69، الباب 8، من أبواب ما يكتسب (أحاديث الباب).

(5). المصدر السابق، ص 164، الباب 55.

(6). الحدائق، ج 18، ص 206.

119

الكراهة، لشهادة غير واحد من الأخبار بذلك كما أفتى به جماعة انتهى (1) و قد عرفت ما فيه.

2- ما حكاه في الحدائق أيضا عن المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) من حمل الأخبار المجوّزة على ما إذا علم بأنّه ممّن يصنع الخمر، لا أنّه يصنع خصوص هذا العنب خمرا، بل قال لا نعلم فتوى المجوّز بذلك (2)! و اختاره السيّد في حاشيته على المكاسب (3).

و فيه: إنّه لا يساعده ظواهرها، لأنّ بيع العنب ممّن يجعله خمرا ظاهر في أنّه يجعل نفس هذا العنب، بل في بعضها أنّه يجعل نفس العصير في القربة خمرا.

3- ما اختاره هو من حمل المانعة على ما وقع فيه الاشتراط في العقد على البيع لتلك الغاية المحرّمة، و حلّية ما سوى ذلك (بدون كراهة).

و لكن هذا المعنى أيضا عجيب، أوّلا: لبعد الاشتراط لعدم الداعي إليه (فإنّ الداعي على الاشتراط في الإجارة موجود، و لكن في البيع قلّما يتّفق، و إن كان ممكنا و لكنّه بعيد).

ثانيا: كيف يجوز أن يتفوّه بجواز ذلك حتّى بلا كراهة مع شدّة أمر الخمر و أشباهها؟

و هناك جمع رابع اختاره بعض أكابر أهل العصر، و هو التفكيك بين الموارد بحرمة بيع الخشب للصنم، و جواز بيع العنب، و لا منافاة بينهما.

و فيه: إنّه هل يمكن التفكيك بين الإجارة و البيع؟ مضافا إلى ما عرفت من أنّ الحكم ظاهرا من باب واحد كما فهمه الأصحاب غالبا أو جميعا.

و من ذلك كلّه يظهر أنّه يصل الأمر إلى التعارض، و حينئذ الموافق لعمومات كتاب اللّه و الاصول الثابتة من الشريفة هو المنع.

و القول بأنّ الأخبار المجوّزة موافقة لعمومات حلّية البيع كما ترى، بعد ما عرفت من أنّ هناك عمومات مقدّمة عليها، و هو عموم حرمة الإعانة على الإثم و شبهه.

هذا و يمكن أن يقال: مع قطع النظر عن التعارض لا بدّ من إرجاع علم الأخبار المجوّزة إلى أهلها لو لم يمكن حملها على الضرورة و شبهها، لما فيه من المخالفة للأصول المعتضدة‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 17.

(2). الحدائق، ج 18، ص 205.

(3). حاشية المكاسب، للسيّد اليزدي، ص 6.

120

بالعقل، و كيف يتصوّر إقدام الإمام (عليه السلام) على مثل هذا الأمر مستمرّا من غير حزازة مع أنّه لو أقدم بعض ضعفاء الإيمان في عصرنا ذلك أنكروا عليه، هذا مضافا إلى أنّه من البعيد جدّا أنّ المدينة كانت في تلك الأزمنة مركزا للخمّارين حتّى لم يجدوا من يشتري عنبهم و تمرهم غير الخمّارين؟!

بقى هنا أمران:

الأمر الأوّل: هو أنّ بعض الأكابر ذكر هنا امورا ضعيفة استدلّ بها على ما ذهب إليه من عدم حرمة الإعانة على الإثم، نذكر منها أمرين:

1- لو حرّمت الإعانة مطلقا، لزم عدم جواز سقي الكافر أصلا لنجاسة الماء بملاقاة بدنهم (فشربه حرام بالنسبة له بعد كونه نجسا لأنّهم مأمورون بالفروع).

و فيه مضافا إلى عدم نجاسة الكفّار على الأقوى، أنّها أمر حاصل على كلّ حال، و الأمر بسقيهم أهمّ من ترك شربهم حتّى يموتوا (غير المعاندين و أهل الحرب منهم).

2- قيام السيرة في التجارات و المعاملات و إقامة الأندية و المجالس، مع أنّه يرتكب فيها محرّمات بالعلم الإجمالي، فقد يتقوّى بها على معصية اللّه فتكون إعانة عليها (1).

و فيه أنّ ذلك مقدّمات بعيدة، أو ليست من قبيل إعطاء المقدّمة بيد الغير أصلا، و إنّما ينتفع بها هو بسوء اختياره، و الفرق واضح.

الأمر الثّاني: ذكر العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) إنّ فعل ما هو بشرط الحرام الصادر عن الغير على وجوه، ثمّ ذكر خمسة وجوه:

1- ما يقع بقصد التوصّل إلى الحرام.

2- ما يقع لا بقصد حصول المقدّمة و لا ذي المقدّمة كفعل التاجر.

3- ما قصد فيه المقدّمة دون ذي المقدّمة (لا من قبل البائع و لا المشتري).

4- ما قصد فيه المقدّمة من قبل البائع، و المشتري قصد ذا المقدّمة أيضا و كان ترك بيعه له علّة تامّة لتركه.

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 183.

121

5- ما لا يكون علّة تامّة لتركه.

و حكم بالحرمة في الأوّل و الرابع، و بالحلّية في البواقي.

و يردّ عليه: «أوّلا»: إنّ المعيار صدق الإعانة و عدمها، و هو حاصل بالوجدان في جميع الصور إذا انتهى إلى الحرام و تحقّق التخمير مثلا، إلّا الصورة الثانية لعدم صدور مثله للحرام منه، و عدم إقدامه على ذلك.

و ثانيا: إنّ القصد في كثير من الموارد قهري حاصل كما عرفت مرارا.

و ثالثا: إنّ ترك هذا الفعل علّة تامّة لترك الحرام دائما بالنسبة إلى هذا المصداق بعينه و ان كان نادرا على مصداق آخر، مضافا إلى أنّ الفرق بين العلّة التامّة و غيرها لا يكون إلّا في أدلّة النهي عن المنكر، أمّا إذا كان الدليل هو الإعانة على الإثم، فلا فرق فيه من هذه الجهة (فتأمّل فانّه دقيق).

الصورة الخامسة: ما إذا كان الحرام جزءا أو صفة كبيع الأمة المغنية، أو العبد الماهر في القمار، أو ما كان آلة مشتركة كآلة ينتفع منها في الحلال و الحرام معا و يقصدهما جميعا، كظرف يشرب فيه الماء و الخمر، و جهاز تسجيل يستفاد منه في التجسّس و غيره، ففيه صور:

1- ما يكون عنوان البيع و ملاك المالية فيه هو الحرام، كالجارية المغنية بهذا العنوان.

2- ما يكون عنوانه نفس بيع الجارية، و لكن التغنّي داع مثلا.

3- ما لا يلاحظ فيه المنفعة أصلا (و لكن قد يكون إعانة و قد لا يكون).

4- ما يكون عنوان المبيع الجارية المغنية، و لكن بما أنّه صفة كمال تذكر الجنّة مثلا (و هذا المنفعة تارة تكون غالبة و اخرى نادرة).

ففي الواقع هنا ستّ صور ...

و الكلام تارة بحسب القواعد، و اخرى بحسب الأدلّة الخاصّة.

أمّا بحسب القواعد:

فنقول: أمّا الصورة الاولى، فهي من قبيل أكل المال بالباطل قطعا، و ذلك لأنّه ليس له‌

122

منافع محلّلة، و التفكيك بين الصفة و الموصوف غير صحيح عرفا و شرعا، و ليس من قبيل بيع ما يملك و ما لا يملك، كما هو ظاهر، لكن قد يقال هنا بالصحّة فيه أيضا لأمرين:

1- إنّ هذا الوصف لا يقابل بالمال، و إن كان بذل المال بملاحظة وجوده.

2- لو سلّم أنّ الأوصاف تقابل بجزء من الثمن، و لكن ليس مجرّد الوصف محرّما، إنّما المحرّم الفعل الخارجي- كما ورد في الحديث أنّ قدرة الإنسان على المحرّمات ربّما تجعله أعلى من الملائكة إذا تركها، و فيه مواقع للنظر.

أمّا أوّلا: فلأنّ الكلام في أنّ المالية بلحاظ المنفعة المحرّمة منتفية عند الشارع، فلا يجوز بذل المال بهذا اللحاظ.

أ رأيت إن كانت منافعه كلّها محرّمة، فهل كان له مالية؟

و ثانيا: كون العمل الخارجي حراما دون مجرّد الوصف مسلّم، و لكن الكلام في أنّ الشارع لا يرى لهذا الوصف تأثيرا في المالية، مع أنّ المتبايعين جعلاه ملاكا لها.

و ثالثا: العجب من قوله أخيرا بأنّ وجود القدرة على المحرّمات ربّما يوجب كون الإنسان أعلى قيمة و مقاما على الملائكة، فانّه شبيه بالمغالطة، فانّه يكون أعلى بملاحظة تركها، و هذا بملاحظة فعلها.

فهنا ينتفع منه في طريق الحرام، و هناك يعارض و يقابل بالصبر و الاستقامة.

و أمّا الصور الاخرى، فلا دليل على حرمتها إلّا إذا كانت المنفعة المحلّلة نادرة أو كانت إعانة للمشتري على الحرام، هذا بحسب القواعد.

أمّا بحسب الأدلّة الخاصّة فيدلّ على حرمة بيعها روايات كثيرة منها.

1- ما رواه إسحاق بن يعقوب في التوقيعات التي وردت عليه من محمّد بن عثمان العمري بخطّ صاحب الزمان (عليه السلام): «أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبّتك من أمر المنكرين لي «إلى أن قال»: و أمّا ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلّا لما تاب و طهر، و ثمن المغنية حرام» (1).

و هذه الرواية ضعيفة لمحمّد بن عصام.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 86، الباب 16، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

123

2- و ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام): جعلت فداك إنّ رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهنّ أربعة عشر الف دينار و قد جعل لك ثلثها.

فقال: «لا حاجة لي فيها إنّ ثمن الكلب و المغنية سحت» (1).

3- و ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنيات أن تبيعهنّ و يحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن (عليه السلام) قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة الف درهم، و حملت الثمن إليه، فقلت له: إنّ مولى لك يقال له إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنيات و حمل الثمن إليك و قد بعتهنّ، و هذا الثمن ثلاثمائة الف درهم. فقال: «لا حاجة لي فيه إنّ هذا سحت و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهم سحت» (2).

و يحتمل أن تكون هذه الرواية و سابقتها واحدة بالإضافة إلى إرسالهما.

4- و ما رواه الحسن بن علي الوشاء قال: سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن شراء المغنية قال: «قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلّا ثمن كلب و ثمن الكلب سحت و السحت في النار» (3).

و هذه الرواية أيضا ضعيفة بسهل بن زياد (بناء على ضعفه).

5- و ما رواه سعيد بن محمّد الطاهري عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات فقال: «شرائهن و بيعهنّ حرام و تعليمهنّ كفر استماعهنّ نفاق» (4).

و الرواية ضعيفة بالطاهري.

6- ما رواه أبو امامة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «لا تبتاعوا المغنيات و لا تشترهنّ ...

و ثمنهنّ حرام» (5).

و لو فرض ضعف إسناد جميعها ففي تظافرها و عمل المشهور بها كفاية.

نعم قد يعارض بمرسلة الصدوق (رحمه اللّه) تارة و هي:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 87، الباب 16، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 88، ح 6.

(4). المصدر السابق، ح 7.

(5). السنن الكبرى للبيهقي، ج 6، ص 14، باب ما جاء في بيع المغنيات.

124

ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليه السلام) عن شراء جارية لها صوت؟ فقال: «ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنّة، يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليس بغناء، فأمّا الغناء فمحظور» (1).

و اخرى برواية الدينوري، و هي:

ما رواه عبد اللّه بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في النصرانية أشتريها و أبيعها من النصراني؟ فقال: «اشتر و بع؟» قلت: فأنكح. فسكت عن ذلك قليلا ثمّ نظر إليّ و قال شبه الاخفاء: «هي لك حلال»، قال: قلت جعلت فداك فأشتري المغنية أو الجارية تحسن أن تغني اريد بها الرزق لا سوى ذلك قال: «اشتر و بع» (2).

و لكنّه واضح الضعف، أمّا الاولى فضعيفة سندا و دلالة، لأنّ السؤال فيها عن شراء جارية لها صوت و هي غير المغنية، و أمّا الثانية فضعيفة أيضا للدينوري، مضافا إلى تقديم الطائفة الاولى بعمل المشهور و موافقتها للقواعد.

بقى الكلام في حكم سائر الصور من بيع ماله منافع محلّلة و محرّمة و الحكم الوضعي في الجميع، فلنعد إلى الصور الستّة السابقة و نرى حالها فنقول (و منه سبحانه نستمدّ التوفيق و الهداية):

أمّا الصورة الاولى: و هي ما إذا كان عنوان المعاملة محرّما كإجارة البيت لبيع الخمر أو صنعته أو اشتراط ذلك فيه و بذل المال بإزائه، فالظاهر أنّها محرّمة، و مضافا إلى الحرمة التكليفية تكون باطلة لكونها أكلا للمال بالباطل، و دعوى عدم وقوع الثمن بازاء الشرط- في صورة الاشتراط- قد عرفت الجواب عنها، لأنّه مؤثّر في ازدياد قيمة العين، مع أنّ المفروض سقوط هذه الفائدة شرعا و عدم الاعتناء بها.

و أمّا الصورة الثانية و الثالثة و الرابعة (أعني ما إذا كان الداعي هو الحرام، أو علم ذلك من المشتري، أو يعلم بأنّه يصرفه في الحرام) فكلّها حرام أيضا من باب الإعانة، و لكن لا دليل على بطلان المعاملة حينئذ، لأنّ الإعانة على الإثم حرام تكليفا لا تؤثّر في فساد المعاملة،

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 86، الباب 16، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). المصدر السابق، ح 1.

125

و لا يوجب كون أكل المال فيها أكلا بالباطل.

نعم، بعض فقرات رواية تحف العقول مثل قوله «أمّا وجوه الحرام من البيع ...» إلى قوله «أو باب يوهن به الحقّ» (1) يمكن أن تكون دليلا للبطلان.

هذا و لكن مضافا إلى ضعف سندها قد يكون فيها ما يدلّ على خلاف ذلك، مثل قوله (عليه السلام): «و إن كانت تلك الصناعة و تلك الآلة تصرف في الحرام».

و أمّا الخامسة و هي التي وقع العمل المحرّم في متن العقد و عنوانا في البيع فهي أيضا باطلة بلا ريب و لا إشكال، لعين ما عرفت من أنّها أكل المال بالباطل و لقاعدة التحريم.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 56، الباب 2، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

الثّامن- بيع ما فيه تقوية للكفر و الضلال و الفساد

عنونه الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) ببيع السلاح لأعداء الدين، و قد ذكروا فيه أقوالا، و لكن الإنصاف إمكان تعميم البحث لكلّ ما يكون له شأنية قريبة و مظنّة لفساد عظيم أو لمطلق الفساد بين الناس أو بين المسلمين.

فلنذكر ما ذكروه تحت عنوان بيع السلاح لأعداء الدين، ثمّ نتكلّم إن شاء اللّه في إمكان تعميم البحث، فنقول و منه تعالى التوفيق و الهداية:

المشهور حرمة بيع السلاح لأعداء الدين، بل لم ينقل فيه خلاف، و هل هو مطلق شامل لحال الحرب، و الهدنة، و الصلح، كما عن حواشي الشهيد (1) أو في خصوص حال الحرب، كما اختاره العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) (2)؟

و هل يختصّ ذلك بما إذا قصد البائع المعونة كما عن بعض أو يعمّ؟

و هل يختصّ بالسلاح، أو يشمل غير أيضا؟ هناك أقوال كثيرة لا يهمّنا نقل جميعها.

و العمدة من بينها ما عرفت، ثمّ إنّ هذه المسألة قد يتكلّم فيها بحسب روايات الباب، و اخرى بحسب مقتضى القاعدة.

و حاصل الكلام فيها من ناحية الروايات:

انّ هناك طوائف من الروايات.

الطائفة الاولى ما دلّ على النهي مطلقا مثل:

1- ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن حمل‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 19.

(2). المصدر السابق.

128

المسلمين إلى المشركين التجارة. قال: «إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس» (1).

و هذه الرواية صحيحة سندا.

2- و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) عن حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي كفر باللّه العظيم من هذه الامّة عشرة .. إلى أن قال: و بائع السلاح من أهل الحرب» (2).

و الحديث مشتمل على عدّة مجاهيل، و قوله «بائع السلاح من أهل الحرب» أعمّ من كونهم في حال الحرب كما لا يخفى.

«الطائفة الثانية» ما دلّ على التفصيل بين حال الحرب و غيره مثل:

3- ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له حكم السراج: ما تقول فيمن يحمل إلى الشام السروج و أداتها؟ فقال: «لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أنّكم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السروج و السلاح» (3).

و هي ضعيفة بالحضرمي ظاهرا.

4- و ما رواه أبو سارة عن هند السراج قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أصلحك اللّه إنّي كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم (فيهم)، فلمّا عرّفني اللّه هذا الأمر ضقت بذلك، و قلت لا أحمل إلى أعداء اللّه، فقال لي: «احمل إليهم و بعهم، فإنّ اللّه يدفع بهم عدوّنا و عدوّكم يعني الروم، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل إلى عدوّنا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك» (4).

و هذه الرواية أيضا ضعيفة بأبي سارة.

5- و ما رواه السرّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّي أبيع السلاح. قال: فقال: «لا تبعه في فتنة» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 70، الباب 8، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 71، ح 7.

(3). المصدر السابق، ص 69، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 69، ح 2.

(5). المصدر السابق، ص 70، ح 4.

129

و فيه سند الرواية أيضا إشكال (1).

و هناك رواية واحدة مطلقة دالّة على الجواز مطلقا و هي:

6- ما رواه أبو القاسم الصيقل قال: كتبت إليه، إنّي رجل صيقل أشتري السيوف و أبيعها من السلطان أ جائز لي بيعها؟ «فكتب لا بأس به» (2). و هذا الحديث ضعيف ب‍ «الصيقل».

و أمّا ما رواه محمّد بن قيس (الحديث 3/ 8) فهو خارج عن محلّ الكلام لأنّه ورد في طائفتين من أهل الباطل، و لعلّه لا يشمل ما نحن بصدده.

ثمّ أنّه هل يجوز الجمع بينها بحمل المطلقات على المقيّدات كما هو ظاهر كلام العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)، أم لا؟ (3) و لعلّه ظاهر الشهيد أيضا.

و ما قد يقال من أنّ المطلّقات ناظرة إلى الكفّار، و الروايات المفصّلة مخصوصة بالمسلمين، فلو كانوا يقفون في مواجهة الأئمّة و الشيعة فلا يجوز البيع لهم، و إلّا يجوز، مضافا إلى أنّ تمكين المشركين أو الكفّار من السلاح غير جائز، لاستقلال العقل بقبح تقويتهم، مضافا إلى أنّه نقض للغرض من قوله تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... (4).

ففيه: إنّ قوله (عليه السلام): «أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه» في رواية الحضرمي (1/ 8) و قوله: لا تبعه في فتنة (4/ 8)، كلّها دليل على عدم الفرق بين الكفّار و غيرهم، هذا أوّلا.

و أمّا ثانيا، فلأنّه قد لا يكون من ناحية بعض الكفّار خطر على المسلمين أصلا، بل قد يكون بعضهم خطرا على الأعداء فقط، فدعوى استقلال العقل على إطلاقه بعيد جدّا، و أمّا ثالثا، فلأنّ «الإعداد لهم» لا يدلّ على عدم جواز البيع لهم في الصورة التي أشرنا إليها، بل قد يكون بيعها لهم نحو «اعداد المسلمين» في مقابل الكفّار.

فما لم يكن فيه خطر قريب أو كالقريب لا دليل على الحرمة، و الجمع الذي عرفت صحيح.

و الحاصل، إنّ الأمر يدور مدار تقويتهم ضدّ الحقّ و عدمه.

____________

(1). لما نقل في الكافي و التهذيب عن السراد عن رجل.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المكاسب المحرّمة، للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 19.

(4). سورة الأنفال، الآية 60.

130

بقى هنا أمران:

1- هل يختصّ الحكم بالسلاح، أو يعمّ كلّ ما يتقوّى به الأعداء؟ الذي اختاره الشيخ في النهاية، و ظاهر السرائر، و العلّامة في أكثر كتبه، و الشهيدان و المحقّق الثاني، و شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) هو الاختصاص بالأوّل (1).

خلافا لبعض حواشي الشهيد (قدّس سرّه) على القواعد فيما حكي عنه.

استدلّ للعموم بأنّ معنى السلاح أعمّ لغة، هذا أوّلا، و قوله «يستعينون به علينا» في رواية هند السراج (2/ 8) ثانيا، و فحوى رواية الحكم السراج الدالّة على النهي عن بيع السرج (1/ 8) ثالثا، و رواية تحف العقول (باب ما يوهن به الحقّ) (1/ 2) رابعا، و كونه نقضا لغرضه تعالى في قوله تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ خامسا، و كونه تقوية لهم، و هو حرام سادسا .. و في جميعها نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّ كون السلاح عاما و إن كان يشهد به بعض كلمات أهل اللغة حيث فسّروه بآلات الحرب مطلقا و لكن الظاهر من كلام بعض آخر مثل الراغب في «المفردات» و غيره حيث فسّر السلاح بكلّ ما يقاتل به، و قد وقع في كتاب اللّه في مقابل «الحذر» و هو المجن» و «الترس» و غيرهما من أشباههما ممّا يكون للحفظ لا للحرب و الضرب قال تعالى: فقد وقع وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ (2) السلاح فيه مقابل الحذر.

و أمّا الثاني: فلأنّه لا يزيد عن الاشعار مع ضعف سنده.

أمّا الثالث: فلأنّ السروج وقعت في مقابل الأسلحة، و هو دليل على عدم شمولها لها، نعم الرواية دليل على المنع لو صحّت أسنادها، و لكنّها ليست كذلك.

و أمّا الرابع: فلضعف سنده.

و أمّا الخامس: فلأنّه أخصّ من المدّعى.

و أمّا السادس: فلخروجه عن الاستدلال بالأدلّة الخاصّة، و سيأتي الكلام فيها.

2- هل يمكن التعدّي عن أعداء اللّه إلى غيرهم من أهل المعصية كقطّاع الطريق؟ ظاهر‌

____________

(1). على ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في مكاسبه، ص 19.

(2). سورة النساء، الآية 102.

131

النصوص خروجها منه، فلا يجوز الاستدلال لها عليه، نعم قد يستند إلى بعض فقرات رواية تحف العقول من «وهن الحقّ» أو «شي‌ء فيه وجه من وجوه الفساد» و قد عرفت حال الرواية مرارا.

هذا كلّه إذا اريد البحث في نطاق الأحاديث الخاصّة.

تقوية أعداء الدين بنحو عامّ:

و أمّا من ناحية القواعد فيمكن أن يقال: كلّما كان مثل بيع السلاح لأعداء الدين، أو المعاملات الخطيرة معهم التي توجب قدرتهم، و تزيد في شوكتهم، بل و جعل الصنائع المهمّة تحت اختيارهم، أو تعليمهم علوما توجب غلبتهم على المسلمين أو غير ذلك، فهذه كلّها حرام إذا كانت علّة قريبة، أو بعيدة لمزيد شوكتهم، و خيف منهم على المسلمين، و الدليل عليه هو صدق الإعانة على الإثم في كثير من مواردها، و القصد هنا قهري كما عرفت، على أنّ عدم العلم هنا غير كاف بعد كون الظنّ و الخوف في هذه المقامات طريقا عقلائيا، بل لو لم يصدق عليه عنوان الإعانة، و النهي عن المنكر، و لكن كان مخالفا لمسألة وجوب حفظ حوزة الإسلام، و كيان المسلمين الذي نحن مأمورون بحفظه بالضرورة من سلطتهم على المسلمين فهو مخالف لحقيقة الحفظ و الرعاية.

بل قد يعدّ ذلك خيانة للمسلمين، و لذا كان إفشاء بعض أسرارهم إلى أعدائهم في غزوة الأحزاب، سببا لغضب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و المسلمين على عامله، حتّى تاب توبته المعروفة، و كيف يكون تزويدهم بالسلاح و غيره أقلّ من هذا؟ بل قد يكون داخلا تحت عنوان الفساد في الأرض، و إشاعة الفحشاء إذا كان من الامور التي تؤدّي إلى تقوية الفسّاق بالقوّة و جذب نفوس البسطاء و الغافلين إليهم.

نعم هنا صور اخرى لا دليل على حرمتها:

1- إذا كان الأمر بالعكس، أي كان بيعهم السلاح أو امورا اخر سببا لسيطرتهم على بعض شعب الشرك و النفاق، التي يخاف منها على الإسلام و المسلمين، كما في جمع من‌

132

المؤلّفة قلوبهم و إن كانوا غير مسلمين (بناء على تفسير المؤلّفة قلوبهم بذلك) و يظهر من ذلك من قوله (عليه السلام) في رواية هند السراج: «إنّ اللّه عزّ و جلّ يدفع به عدوّنا و عدوّكم يعني الروم».

2- أن لا يكون لبيع السلاح و غيره أثرا في قوّتهم، لكونه من الامور البسيطة التي لا تتفاوت بها القدرة و القوّة من حيث الكميّة أو الكيفية، و هذا لا دليل على حرمته أيضا كما لا يخفى.

3- أن يكون موجبا لقوّتهم من جهة، و ضعفهم من جهة اخرى، و يكون الضعف أقوى و أرجح كما إذا لزم ضعفهم من الناحية الاقتصادية أكثر ممّا يوجب قوّتهم من الناحية العسكرية، بحيث يكون بالمآل موجبا لهزيمتهم، و هذا أيضا جائز، بل قد يكون واجبا، و لكن يحتاج تمييزه إلى لطف قريحة.

4- أن يكون موجبا لجلبهم و جذبهم إلى الإسلام، كما إذا كانت المعاملة معهم، و إعطاؤهم بعض الأشياء مجّانا سببا لذلك، و هو أيضا جائز.

5- أن يكون السلاح و غيره ممّا خرج عن عنوان السلاح العسكري المعمول، و صار من الأشياء العتيقة، كالترس و السيف في عصرنا، و هذا أيضا جائز لانصراف الأدلّة عنه.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ روايات الباب لا تتجاوز هذه القاعدة الكليّة، بل تذكر بعض مصاديقها، فحينئذ يكون البحث أوسع و أشمل.

بقى هنا امور:

أوّلها: ذكر في «تحرير الوسيلة» تعميم الحكم للفرق المعادية للفرقة المحقّة من المسلمين، بل و قطّاع الطريق، و التعدّي أيضا من بيع السلاح إلى بيع غيره لهم كالزاد و الراحلة المحمولة، ممّا يكون سببا لتقويتهم. انتهى (1).

و هو جيّد، بل لا بدّ من تعميم الحكم من البيع إلى الإجارة و الهبة، بل النكاح معهم، بل‌

____________

(1). تحرير الوسيلة، للإمام الخميني، ج 1، ص 496، المسألة 11، من المسائل المكاسب المحرّمة.

133

تعليمهم الصنائع و غيرها، لاشتراك الجميع فيما عرفت من المعيار للمسألة، لعموم الأدلّة، و اقتصار الأصحاب تبعا لروايات الباب على بعض المصاديق لا يمنعنا عن القول بعموم البحث بعد عموم الدليل.

ثانيها: ذكر في «التحرير» أيضا أنّ الأمر في تشخيص ذلك (أي مصالح الإسلام و المسلمين في حال الهدنة) موكول إلى والي المسلمين و ليس لغيره الاستبداد بذلك.

انتهى (1).

و ما أفاده إن كان بالنسبة إلى الامور المهمّة التي ترتبط بأمر الولاية و الحكومة فهو حسن، و أمّا إن كان مطلقا فهو ممنوع، لمنافاته لظاهر أخبار الباب، حيث جعل تمييز ذلك بيد المسلمين إجمالا، و مخالف لأدلّة الولاية، فإنّها لا تشتمل إلّا الامور العامّة لا الجزئية الخاصّة كما لا يخفى.

ثالثها: هل الحرمة هنا تكليفية فقط، أو يتعقّبها الفساد أيضا؟ الظاهر هو الأوّل، لأنّ الحرمة هنا من باب العناوين الثانوية، و إلّا فليس في المعاملة فساد بالذات، و ليس السلاح و شبهه كالخمر و الخنزير و آلات القمار، و ليس في روايات الباب ما يدلّ على فساد البيع، و كونه على حدّ الشرك أو الكفر- كما ورد فيها- لا يدلّ على أزيد ممّا ذكرنا، و بعبارة اخرى:

النهي مطلق تعلّق بعنوان خارج لا عنوان البيع.

نعم، هنا تفصيل لبعض الأعلام ذكره في غير المقام، و حاصله: إنّ البيع لو كان بعنوان المعاطاة كان الأمر كما ذكر، و أمّا إن كان بيعا بالصيغة، فحينئذ يقع التعارض بين أدلّة حرمة الإعانة و شبهها، و أدلّة لزوم الوفاء بالعقد (و لا يبعد ترجيح الأوّل، و حينئذ يحكم بالفسخ).

أقول: يرد عليه أوّلا: إنّه في فرض المعاطاة أيضا يجب أخذه منه، و رده لو أمكن، لأنّ بقائه تحت يده كابتدائه محرم بلا تفاوت بين أنواع البيع. و ثانيا: إذا كان البيع بالصيغة فلا محالة ينتقل إليه المال، و يجوز منعه من البضاعة لا بعنوان عدم الوفاء، بل بعنوان دفع المنكر و شبهه، و هذا العنوان حاكم على أدلّة وجوب الوفاء بالعقد، كما يجوز أخذ ملكه إذا كان سلاحا معدّا لحرب المسلمين و أشباهه، و بالجملة لا يتفاوت الحال في صحّة العقد و فساده‌

____________

(1). تحرير الوسيلة، للإمام الخميني، ج 1، ص 496، المسألة 11، من المسائل المكاسب المحرّمة.

134

بين الصورتين، فالعقد في كليهما صحيح و ثمنه ليس سحتا، و إن كان عمله حراما، و المسألة تحتاج إلى مزيد بحث و تأمّل فتأمّل.

135

التاسع- بيع ما لا منفعة فيه

و من المكاسب المحرّمة «بيع ما لا منفعة فيه مقصودة محلّلة»، و المراد من الحرمة هنا الفساد قطعا، بل هذا الشرط بشرائط صحّة البيع أشبه من المكاسب المحرّمة كما ذكره بعض الأعلام.

و قد ادّعى الإجماع على فساد «بيع ما لا نفع فيه منفعة محلّلة مقصودة» و عن جمع من فقهاء العامّة كذلك، و مثّلوا لها بالحشرات و العقارب و كثير من حيوان الوحش (1).

و لكن جوّز بعض العامّة جواز بيعها إذا كان ينتفع بها، فإن كان مراده منفعة عامّة فلا كلام، و إن كان منفعة نادرة كان من الأقوال المخالفة، و قد ذهب بعض أعلام العصر أيضا إلى جواز ذلك.

و العمدة ملاحظة الدليل هنا، فنقول (و منه جلّ و علا التوفيق و الهداية): غاية ما يمكن الاستدلال له امور:

1- الإجماع، و قد اعتمد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض كلماته.

و من المعلوم أنّ الإجماع لا يمكن الاعتماد عليه في أمثال المقام ممّا احتفّ بامور يمكن اعتماد المجمعين عليها.

2- عدم كونها مالا، فلا يجوز المعاوضة عليها- توضيحه: إنّ حقيقة المالية هي كون الشي‌ء بحيث يبذل بازائه أشياء اخر يعتدّ بها.

و الأصل في ذلك أنّ الأشياء الموجودة في عالم الطبيعة، قد لا ينتفع منها الإنسان بمنفعة أبدا، أو تكون منافعها قليلة نادرة لا يتوجّه إليها عامّة الناس، و قد يتوجّه إليها، و على الثاني‌

____________

(1). و المناقشة في بعض الأمثلة ليس من دأب أهل العلم بعد كون المراد معلوما.

136

تارة يوجد منها كميّة كبيرة كالماء على الشاطئ، و اخرى ليست كذلك، و في الصورة الثانية ينتزع منها عنوان المالية، لأنّ سائر الناس يبذلون بازائها مالا لينتفعوا بها، و من هنا نشأت المالية في المجتمع الإنساني، و من بعدها الملكية، و من الواضح أنّ النفع النادر لا يكون معيارا للحكم عندهم في هذه المقامات.

و الشاهد عليه أنّه إذا أتلفه إنسان لا يرونه ضامنا لشي‌ء من المال و ان كان محلّ رغبته بشخصه، و يحتاج إليه لبعض مقاصده و يبذل بعض أمواله ليتسلّط عليه و يكون تحت يده.

و كذلك لا يعدّ عندهم غنيّا بذلك، و لا يحسب في الإرث، نعم لو كان له حقّ الاختصاص بحسب ملاكات عقلائية جرى عليه حكمه. و من العجب إنكار هذه الامور من ناحية بعضهم مع أنّها من الواضحات، فالماء على الشاطئ و الحصاة في الوادي ليست مالا و إن تعلّق بعض الناس بشي‌ء منها بالخصوص. ثمّ إنّ المعاوضات- لا عنوان البيع فقط- تدور مدار المالية، و بدونها لا تعدّ القوانين العقلائية لها معنى، فلا تدور مالية الماء على طريقة العقلاء مدار رغبات الأشخاص و الآحاد، بل المدار في الجميع هو علاقة النوع، فقد تكون رغبة شخص في شي‌ء خاص أكثر من غيره بمراتب، بينما لا يكون عند سائر الناس كذلك، و أحكام الضمانات و سهام الإرث و غيرها كلّها تدور على هذا المدار لا ذاك.

و حينئذ لا يبقى مجال بأن يقال: إنّ عدم شمول عنوان البيع له لا يمنع اندراجه تحت عنوان مطلق المعاوضة عن تراض، كما أنّ المراجعة إلى أهل اللغة في إثبات عدم لزوم عنوان المال في البيع لا طائل تحته.

أمّا أوّلا: فلأنّ فهم معنى البيع أظهر من أن يحتاج إلى مراجعة اللغويين، فهو لفظ لا يزال يدور على ألسنتنا، أو ألسنة أهل اللغة و كتبهم التي بأيدينا ليلا و نهارا، و لا شكّ أنّه لا معنى للبيع إذا لم يكن هناك مال.

و أمّا ثانيا: فلأنّ عنوان المعاوضة أيضا كذلك لا معنى له بدون عنوان المال، و لا يرى العقلاء قيمة لمعاوضة شخصية تدور مدار رغبات نادرة خاصّة، و لذا لا يرون له ضمان، و لا اندراج في الإرث من حيث القيمة كما عرفت آنفا.

و قد جعل بعض الأعلام في مكاسبه المدار على «العرض» و «الطلب» حتّى لو نشأ عن‌

137

عوامل سياسية، و لكنّه غفل عن أنّه تابع للطلب النوعي لا الشخصي، كما في المنافع النادرة.

نعم لا يعدّ بذل المال في مقابل هذه الامور من قبيل السفاهة إذا كان هناك غرض شخصي قائم به، كما إذا كانت هناك قطعة ثوب خلق بقيت من أجداده، فالبيع و أشباهه يدور مدار المالية بحسب العرف و العقلاء الذي أمضاه الشرع، و أمّا السفاهة و شبهها فتدور مدار الأغراض الشخصية.

و الفرق بينهما أنّ الأوّل من الاعتبارات العقلائية التي تدور مدار النوع عندهم، و الثاني أمر تكويني أو شبه تكويني يدور مدار رغبات الأشخاص، فمن احتاج إلى حشرة خاصّة مثلا لنجاة مريضه من الموت فبذل بإزائها آلافا لا يعدّ سفيها، و لكن ليس لبيعه هذا قيمة عند العقلاء إذا لم تكن تلك المنفعة غالبة، كما أنّه لا يعدّ مالا، و لو أتلفه متلف لا يضمنه، و إن أثم بفعله ذلك، و أضرّ بأخيه، و منعه من حقّ اختصاصه به، فما يظهر من بعض الأعلام في مكاسبه من دوران الأمر مدار خروج المعاملة عن السفه كما ترى.

3- أنّه من قبيل أكل المال بالباطل، و أي باطل عند أهل العرف أوضح من هذا.

و لكن قد يورد عليه بأنّ الآية الشريفة ناظرة إلى أسباب الملك، لا شرائط العوضين.

و بعبارة اخرى: أنّها ناظرة إلى ما كان من قبيل رضى المتعاملين في مقابل القهر و الغصب و الرشوة و الغشّ و غيرها من طرق السيطرة على مال الغير بالباطل، و يؤيّده قوله تعالى: وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوٰالِ النّٰاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1) لمكان «الباء» في قوله «بالباطل».

و فيه: إنّ كون هذه الامور من الباطل ممّا لا ريب فيه، و لكن لا دليل هنا على الحصر فيها، و آية سورة البقرة لا تنفي ما سواها، و كون الباء للسببية أيضا غير مانع من العموم، فمن أكل مال الغير في مقابل الخمر و آلات القمار فقد أكل بسبب باطل، و كذلك في مقابل الحشرات و الأشياء التي لا مالية لها عند العقلاء، فتأمّل.

و بالجملة المسألة عقلائية قبل أن تكون شرعية، و إنّما أمضاها الشرع، و حيث أنّها باطلة عند العقلاء من أهل العرف، فهي باطلة شرعا و منهي عنها.

____________

(1). سورة البقرة: الآية 188.

138

بقى هنا امور:

الأوّل: إنّه قد يكون شي‌ء ممّا لا نفع فيه في زمان أو مكان، بينما يكون فيه نفع في محلّ أو زمان آخر، و لعلّه من هذا الباب جواز بيع «الهرّة» الذي ورد في بعض الروايات مثل:

ما رواه محمّد بن مسلم و عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت». ثمّ قال: «و لا بأس بثمن الهرّ» (1).

و ما ورد في النهي عن بيع القرد و شرائه مثل:

ما رواه مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن القرد أن يشتري و أن يباع» (2).

و كذا ما دلّ على جواز بيع الفهود و سباع الطير مثل:

ما رواه عيص بن قاسم: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفهود و سباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال: «نعم» (3).

فلو صاد الهرّة في زمان لا ينتفع بها، و كان القرد بالعكس انعكس الحكم، كما هو ظاهر، و من هذا القبيل بيع كثير من أنواع الحيّات التي تؤخذ منها السموم في مراكز صنع الأدوية و أنواع الترياق، و كذا كثير من الحشرات أو العقاقير و النباتات و الأعشاب، و كذا بعض المعادن التي تستخرج منها اليوم موادا مفيدة جدّا لم تكن في السابق كالأورانيوم و شبهه.

و بالجملة، الأمر يدور مدار المنفعة النوعية، و لو بعنوان الدواء و شبهه، و هذا يختلف بإختلاف الأعصار و الأمكنة، و منه يظهر الجواب عن كلام بعض الأعاظم في مسألة القرد و الهرّة (4).

الثّاني: إذا شكّ في بعض مصاديقه لاختلاف الأحوال فيه، فهل الأصل فيها الصحّة أو الفساد؟

ذكر شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) جواز الرجوع في مقام الشكّ إلى أدلّة التجارة و نحوها‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 83، الباب 14، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(2). المصدر السابق، ص 123، الباب 37، ح 4.

(3). المصدر السابق، ص 123، ح 1.

(4). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 195.

139

إذا كان له نفع ما و شكّ في أنّها من الغالبة أو النادرة (1).

و ذهب بعض الأعلام إلى جواز بيعها و لو مع العلم بعدم صدق المال عليه لجواز الرجوع إلى أدلّة البيع (2).

و الإنصاف عدم صحّة شي‌ء من ذلك، بل الأقوى الفساد فيه للشكّ في شمول أدلّة المعوّضات له بعد الشكّ في كونه مالا أم لا، فالاستدلال بالعمومات هنا كالاستدلال بالعام في الشبهات المصداقية.

الثّالث: إذا كان عدم مالية شي‌ء لقلّته كحبّة من حنطة، لا لخسّته، و هكذا الحال في سائر الأجزاء اليسيرة، و حينئذ لا شكّ في دخوله في «الملك» بل الملك مؤلّف من هذه الأشياء الصغيرة غالبا، و حينئذ لو غصبه غاصب و أتلفه فإن كان قيميا، فلا كلام لعدم القيمة له، و أمّا لو كان مثليا فهل يجب فيه المثل؟

قد يقال: نعم، و إلّا لزم عدم الغرامة إذا أتلف صبرة تدريجا، اللهمّ إلّا أن يقال: يلزم فيه ما يلزم في القيمي، فتأمّل.

و قد يقال بالنفي، كما عن التذكرة، و هو الحقّ، لأنّ المفروض عدم كونه مالا، و الغرامة إنّما هي في الأموال، نعم هو فاسق بفعله، و إمّا إذا أتلف صبرة تدريجا عدّ المجموع مالا، و كان فعلا واحدا، كما هو ظاهر، فهو ضامن للكل بما هو كلّ، لا بما هو مركّب من أجزاء مالية، فانّ المدار في هذه الامور على العرفيات.

و قيل بالضمان مطلقا و لو كان قيميا كما يظهر من بعض الأكابر (3) استنادا على السيرة القطعية، فعلى هذا لو لم يكن مثليّا و المفروض إنّه ليس له قيمة يبقى مشغول الذمّة إلى يوم القيامة كالمفلس.

و لكنّه عجيب، لأنّ اعتبار الضمان هنا لغو إذا لم يمكن الخروج منه، و الفرق بين المفلس و بين المقام ظاهر، فإنّه ممكن الأداء ذاتا إن كان المفلس لا يقدر عليه في زمان خاصّ،

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 20.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 195.

(3). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 196.

140

و مورد الكلام غير ممكن الأداء ذاتا.

الرّابع- لا ينبغي الشكّ في ثبوت حقّ الاختصاص في الأشياء التي لها منافع نادرة لأدلّة الحيازة، و يمكن المصالحة على رفع اليد عنها بشي‌ء قليل أو كثير، و لا يعدّ من أكل المال بالباطل إذا كان عقلائيا.

الخامس- ذكر بعض الأعلام في بعض كلماته تقسيم ما لا نفع فيه إلى ثلاثة أقسام:

«قسم» لا منفعة فيه عاجلا و لا آجلا، و يكون في نفس المعاملة غرض عقلائي نوعي أو شخصي، و «قسم» لا منفعة فيه مطلقا، لكن كان للمشتري فيه غرض عقلائي نوعي أو شخصي في شرائه، كما لو هجمت الهوام المؤذية على بستان فتعلّق غرض المالك بشراء جثثها بثمن غال مقدّمة لدفعها.

و «قسم» له منفعة لا يعتدّ بها العقلاء.

ثمّ صرّح بصحّة القسم الثاني و بعض فروض القسم الثالث، و هو ما كان له دواع عقلائية شخصية و ان لم تكن نوعية.

و أنت خبير بعد ما عرفت بعدم صحّة القسم الثاني أيضا، لأنّ البيع و سائر المعوّضات فرع المالية العقلائية، و المفروض أنّه لا مالية فيها، و قوله أنّ المالية فرع «العرض و الطلب» و هو هنا موجود، ممنوع، لأنّ الطلب غير موجود في نفس الهوام، و إنّما هو ذريعة لإعدامها، و لو كان مالا كان إفنائها حراما، فليس هو في الواقع بيعا، بل اجرة للعمل، سمّيت بيعا تسامحا كما هو ظاهر، هذا مضافا إلى أنّ مدار المالية هو الطلب النوعي لا الشخصي، و كذلك الفرض الثالث التي لا تعدّ المنفعة غالبة في عرف العقلاء، لما عرفت أنّ الدواعي الشخصية لا تكون ميزانا للمالية عندهم.

السّادس: قد يستدلّ لما ذكرنا من عدم الاعتناء بالمنافع النادرة بما روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في اليهود، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا ثمنها و إنّ اللّه إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم ثمنه» (1).

رواة تارة في عوالي اللئالي، و اخرى في دعائم الإسلام، و مثلهما رواية تحف العقول،

____________

(1). المستدرك، ج 13، ص 73، الباب 6، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

141

لأنّه ذكر في تفسير وجوه الحرام، من التجارات أمثلة كثيرة لها منافع نادرة قطعا فلم يعتدّ بها، مثل لحوم السباع أو الطير أو جلودها أو الخمر أو الأشياء النجسة، و كذلك ما ورد في وجوه الحرام من الصناعات كصنع الأشربة المحرّمة و البرابط و المزامير و غيرها، فإنّه جميع ذلك قد يكون لها منافع نادرة كالتداوي بدهن السباع و لو بدلكها و التدهين بها، أو إطعام لحومها جوارح الطير و الكلاب المملوكة و الحيوانات الموجودة في «بستان الوحوش» و غيرها، و لكن مع ذلك عدّ هذا كالعدم، و جعل هذه الامور ممّا يجي‌ء منها الفساد محضا.

و الإنصاف إنّها دلائل ظاهرة على المقصود لو صحّت اسنادها أو قلنا بتظافرها أو جبرها بعمل الأصحاب، و لا يعتنى باحتمال حرمة جميع منافع الشحوم على اليهود، بل الظاهر حرمة أكلها أو المنافع الغالبة لها، لهذا قال بعده «إنّ اللّه إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم ثمنه».

السّابع- لا إشكال في أنّ الحرمة هنا مستلزمة للفساد لما عرفت فيها من الأدلّة السابقة الآنفة.

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

العاشر- الأعمال المحرّمة التي قد يكتسب بها

و قد ذكر الأصحاب تحت هذا العنوان امورا محرّمة كثيرة لم يذكروها في موضع آخر من الفقه، بعضها يكتسب به، و بعضها ليس كذلك، فقد ذكر منها في الحدائق أقلّ من العشرين (1) و أنهاها في الجواهر بما يقرب من العشرين (2) و العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) بما يقرب من ثلاثين (3) و رتّبها على حروف التهجّي. و بعض المتأخّرين أضافوا إليها بعض الامور الاخر، و هي في حدّ نفسها مباحث قيّمة و فيها فوائد جمّة، و إن كان بعضها خارجا عن المعاملات، فإنّ «الكذب» و «التشبيب بالمرأة الأجنبية» و «تزيين الرجل و المرأة بما يحرم عليهما» ليست امورا يكتسب بها، لا كلّا و لا جزءا لشي‌ء يكتسب به، نعم قد تكون مقدّمة و ذريعة لبعض المكاسب، أو من المقارنات لها، و هذا لا دخل له بما نحن بصدده، لكن كثير منها من الامور التي قد يكتسب بها، مثل مئونة الظلمة، و تدليس الماشطة، و القمار، و الغناء، و عمل المجسّمة، و التنجيم، و الشعبدة، و القيادة، و قد يكون جزءا لعمل كالغشّ، و مدح من لا يستحقّ المدح و شبهها، فلا بأس بالاقتداء بهم (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) و سرد هذه المباحث أجمع، لأنّها من أشدّ ما يبتلى به، بل لا بدّ من تعميم بعضها و بسطه و إلحاق ما فيه الحاجة اليوم إليها.

و ليعلم أنّ هذه الأبحاث كلّها أبحاث صغروية لبحث المعاملات، خلافا لغالب المباحث الآتية في البيع، فإنّها كبروية كما لا يخفى.

فنقول، و منه سبحانه نستمدّ التوفيق و الهداية:

____________

(1). الحدائق، المجلّد 18، الصفحة 98.

(2). الجواهر، ج 22، ص 41- 115.

(3). المكاسب المحرّمة، ابتداء من الصفحة 21.

144

1- تدليس الماشطة

و قد تعرّض له الأصحاب في كثير من كتبهم، بل ادّعى على حرمته الإجماع في غير واحد منها كالرياض (1) و غيره (2) هنا، و سيأتي أنّ الأدلّة العامّة في المسألة لا تختصّ بها، بل يشمل كلّ مورد كان البناء على التدليس فيه، حتّى في مثل الألبسة و المراكب و الدور و السجّاد و غيرها، بأن يعمل في الحيوان أو اللباس أو الدار الذي يراد شراؤه شي‌ء يوجب الغشّ على المشتري.

ثمّ اعلم أنّ الكلام فيه تارة من ناحية القواعد العامّة، و اخرى من ناحية الأدلّة الخاصّة، و الكلام في الأوّل تارة في الصغرى، و اخرى في الكبرى.

أمّا الكبرى، فالظاهر أنّ كلّ غشّ يوجب تفويت حقّ من مسلم (كما إذا كان في مقام النكاح أو البيع أو الإجارة) فهو حرام، لما سيأتي من أدلّة حرمته عقلا و شرعا، و أنّ المسلم لا يغشّ، بل ادّعى تواتر الروايات من طرقنا و طرق أهل السنّة على ذلك، نعم إذا لم يوجب تفويت حقّ كإظهار الإنسان لباسه، أو داره، أو مركبه أحسن ممّا هي في الواقع من دون إرادة بيع أو إجارة أو نحوهما، فلا مانع منه أصلا.

و أمّا الصغرى فقد يقال إنّه ليس في عمل الماشطة غشّ، بل الغشّ يتحصّل ممّن يعرض المغشوشة للنكاح و البيع، و حالها كحال من يصنع السبحة و يرائي بها في العبادة و الأذكار.

و فيه: إنّ إطلاقات الغشّ يشملها إذا كان فعلها بهذا القصد، و أين هي من صانع السبحة المشتركة بين الحلال و الحرام، نعم لو لم يكن عملها بقصد إعداد المقدّمات في مقام يراد الغشّ لم يكن به بأس.

أضف إلى ذلك أنّه قد يكون من الإعانة على الإثم الذي قد عرفت حرمته، كما عرفت أنّ القصد في هذه المقامات قهري.

و على هذا فعمل الماشطة بما هو كذلك ليس بحرام إذا لم يكن في مقام الغشّ، و إلّا فهو حرام للغشّ و للإعانة على الإثم، فهي شريكة للمعرض لها للتزويج و البيع، و لذا استدلّ في‌

____________

(1). الرياض، ج 1، ص 504، من كتاب التجارة.

(2). الجواهر، ج 22، ص 113، من كتاب التجارة.

145

الجواهر على حرمتها بالإجماع و أدلّة الغشّ (1) و لا يصغى إلى إنّه ليس الفعل فعلها، لما عرفت، و أمّا بحسب الأدلّة الخاصّة فهناك طوائف من الروايات:

الاولى: ما يدلّ على جواز نفس عملها مثل:

1- ما رواه سعد الإسكاف قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن القرامل التي تصنعها النساء في رءوسهن يصلنه بشعورهنّ. فقال: «لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها». قال: فقلت بلغنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعن الواصلة و الموصولة فقال (عليه السلام): «ليس هناك، إنّما لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الواصلة التي تزني في شبابها، فلمّا كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة و الموصولة» (2).

2- ما رواه علي بن جعفر إنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن المرأة التي تحفّ الشعر من وجهها. قال: «لا بأس» (3).

الثّانية: ما دلّ على الجواز و النهي عن بعض الامور، مثل استعمال الخرقة في تجلّي الوجه، أو وصل الشعور، أو المشارطة مثل:

3- ما رواه ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخلت ماشطة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ فقالت: يا رسول اللّه أنا أعمله إلّا أن تنهاني عنه، فأنتهي عنه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «افعلي، فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرق، فانّه يذهب بماء الوجه، و لا تصلي الشعر بالشعر» (4).

4- و ما رواه القاسم بن محمّد عن علي (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك، و قد دخلها ضيق، قال: «لا بأس و لكن لا تصل الشعر بالشعر» (5).

5- و ما رواه يحيى بن مهران عن عبد اللّه بن الحسن قال: سألته عن القرامل؟ قال: و ما‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 113.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 94، الباب 19، من أبواب ما يكتسب به ح 3.

(3). المصدر السابق، ص 95، ح 8.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 94، الباب 19، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(5). المصدر السابق، ح 4.

146

القرامل؟ قلت: صوف تجعلها النساء في رءوسهنّ، قال: «إذا كان صوفا فلا بأس، و إن كان شعر فلا خير فيه من الواصلة و الموصولة» (1).

6- و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال (عليه السلام): «لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط، و قبلت ما تعطى، و لا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و أمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة» (2).

7- و ما رواه محمّد بن مسلم في حديث أمّ حبيب الخافضة قال: و كانت لأمّ حبيب اخت يقال لها أمّ عطيّة، و كانت مقنية، يعني ماشطة، فلمّا انصرفت أمّ حبيب إلى اختها فأخبرتها بما قال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأقبلت أمّ عطيّة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأخبرته بما قالت لها اختها، فقال لها: «ادني منّي يا أمّ عطيّة! إذا أنت قنيت الجارية لا تغسلي وجهها بالخرقة فانّ الخرقة تشرب ماء الوجه» (3).

الثّالثة: ما دلّ على حرمة خصوص بعض التزيينات من دون دلالة على جواز غيرها و عدمه مثل:

8- ما رواه علي بن غراب عن جعفر بن محمّد عن آبائه قال: «لعن رسول اللّه 6 النامصة و المنتمصة و الواشرة و المؤتشرة و الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة» (4) قال الصدوق (رحمه اللّه) (محمّد بن علي بن الحسين) قال علي بن الغراب: النامصة: التي تنتف الشعر، و المنتمصة التي يفعل ذلك بها و الواشرة: التي تشرّ أسنان المرأة و تفلجها و تحدّدها و المؤتشرة: التي يفعل ذلك بها، و الواصلة: التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و المستوصلة: التي يفعل ذلك بها. و الواشمة: التي تشم وشما في يد المرأة و في شي‌ء من بدنها و هو أن تغرز بدنها أو ظهر كفّها أو شيئا من بدنها بابرة حتّى تؤثّر فيه ثمّ تحشو بالكحل أو بالنورة فتخضر. و المستوشمة: التي يفعل ذلك بها (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 94، الباب 19، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2). المصدر السابق، ص 95، ح 6.

(3). المصدر السابق، ص 93، ح 1.

(4). نفس المصدر، الصفحة 95، الحديث 7.

(5). وسائل الشيعة، ج 12، ص 95، ذيل ح 7/ 19، من أبواب ما يكتسب به.

147

هذا بناء على قبول تفصيل «علي بن غراب» مع كون اللعن دليلا على الحرمة كما هو الظاهر، و إن كان معناه اللغوي و بعض موارد استعماله أعمّ كما لا يخفى مثل: لعن اللّه من أكل زاده وحده (1).

هذا و طريق الجمع بينها بحمل المطلق على المقيّد، فينتج جواز عمل الماشطة من دون أن تجلّي الوجه بالخرقة، أو توصل الشعر بالشعر، أو تستعمل الوشم، أو وشر أسنان المرأة (أي نشرها بالمنشار و فلجها) و نمص شعرها، أي نتفها.

و لكن من هذه الامور ما لا شكّ في جوازها ظاهرا إذا كان لزوجها أو لأهلها، لأنّها زينة كالوشم و وشر الإنسان إلّا إذا كان بعنوان التدليس.

و منها، ما هو مكروه على الظاهر، كتجلّي الوجه بالخرقة لذهاب ماء الوجه، بل يمكن أن يكون إرشادا إلى ما ذكر، أعني ذهاب صفاء الوجه، من دون كراهة، و كذا المشارطة بناء على ما ذكره غير واحد من أنّ ما يعطي للمشارطة و شبهها لا ينقص غالبا عن اجرة المثل، و قلّما يتداول المشارطة معهم أو يرى ذلك منافيا للمروّة، و لكن بعد العمل قد لا يقبلون إلّا بأضعاف المبلغ لشدّة حرصهم و سوء قضائهم، فلهذا أمرن بعدم المشارطة لكونها دليلا على الخسّة، أو موجبة للأخذ حياء، ثمّ قبول ما يعطى تحرّزا عن سوء المطالبة.

و منها: ما هو محلّ للكلام، و هو وصل الشعر بالشعر كما سيأتي إن شاء اللّه.

و على كلّ حال لا دليل فيها على الحرمة لو خلت عن ذلك كلّه.

و ينبغي هنا ذكر امور:

الأمر الأوّل: هل يجوز للمرأة وصل شعرها بشعر غيرها لا في مقام الخطبة و شبهها ممّا يكون تدليسا أحيانا، بل للتزيين السائغ للزوج و أهلها؟

ظاهر غير واحد من الروايات النهي عن ذلك، إذا كان بشعر غيرها، و هذه الرّوايات على أصناف، بعضها تدلّ على الجواز مطلقا مثل:

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 78، باب كراهة الوحدة في السفر، ح 3، بنقل عوالي اللئالي، ج 4، ص 9.

148

1- ما رواه عمّار الساباطي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الناس يروون عن رسول اللّه لعن الواصلة و الموصولة، قال: فقال: «نعم». قلت: التي تمتشط و تجعل في الشعر القرامل، قال: فقال لي: «ليس بهذا بأس». قلت: فما الواصلة و الموصولة؟ قال: «الفاجرة و القوّادة» (1).

2- و ما رواه أبو بصير قال: سألته عن قصّة النواصي تريد المرأة الزينة لزوجها و عن الحفّ و القرامل و الصوف و ما أشبه ذلك، قال: «لا بأس بذلك كلّه» (2).

3- و ما مرّ من رواية سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن القرامل التي تضعها النساء في رءوسهنّ يصلنه بشعورهنّ. فقال: «لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها»، قال: فقلت: بلغنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعن الواصلة و الموصولة. فقال: «ليس هناك، إنّما لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الواصلة و الموصولة التي تزني في شبابها، فلمّا كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة و الموصولة» (3).

و هي و إن كانت مطلقة، و لكن ظاهرها جواز وصل الشعر بشعر غيره، و إلّا فمن البعيد كون سؤال الراوي عن مثل الصوف و شعر المعز، فتأمّل.

و بعضها تدلّ على النهي الظاهر في الحرمة مثل:

4- ما مرّ من رواية ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخلت ماشطة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ فقالت: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنا أعمله إلّا أن تنهاني عنه فأنتهي عنه. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «افعلي فإذا أمشطت فلا تجلي الوجه بالخرق فإنّه يذهب بماء الوجه و لا تصلي الشعور بالشعر» (4).

5- و ما رواه علي قال سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك و قد دخلها ضيق قال: «لا بأس و لكن لا تصل الشعر بالشعر» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 14، ص 136، الباب 101، من أبواب مقدّمات النكاح، ح 4.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 135، ح 2.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 94، الباب 19، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(5). المصدر السابق، ح 4.

149

6- و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال (عليه السلام): «لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط، و قبلت ما تعطى، و لا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و أمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة» (1).

7- و ما رواه علي بن غراب عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام): «لعن رسول اللّه 6 النامصة و المنتمصة و الواشرة و المؤتشرة و الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة» (2).

بناء على تفسيره بشخصه (كما مرّ آنفا).

و جمع منها يدلّ على الكراهة مثل:

8- ما رواه عبد اللّه بن الحسن قال: سألته عن القرامل قال: و ما القرامل قلت: صوف تجعله النساء في رءوسهنّ قال: «إذا كان صوفا فلا بأس و إن كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة و الموصولة» (3).

و دلالتها على الكراهة بقرينة قوله: لا خير فيه.

9- و ما رواه ثابت بن سعيد قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن النساء تجعل في رءوسهنّ القرامل قال: «يصلح الصوف و ما كان من شعر امرأة لنفسها و كره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها فإن وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضرّها» (4).

10- و ما رواه سليمان بن خالد قال قلت له: المرأة تجعل في رأسها القرامل، قال:

«يصلح له الصوف و ما كان من شعر المرأة نفسها و كره أن يوصل شعر المرأة من شعر بشعر غيرها، فان وصلت شعرها بصوف أو شعر نفسها فلا بأس به» (5).

بل ما ورد فيه العطف على النهي عن الغسل بالخرقة بقرينة اتّحاد السياق أيضا ظاهر فيما ذكرنا.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 95، الباب 19، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). وسائل الشيعة، ج 14، ص 135، الباب 101، من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(5). المصدر السابق، ص 136، ح 3.

150

و الحاصل أنّ الأحاديث في كلّ طائفة متظافرة و ان كان كلّها أو جلّها ضعافا بحسب السند، و هذا المقدار يكفي في الاعتماد على اسنادها، و طريق الجمع ظاهر، و هو الحمل على الكراهة، فلا مجال للحكم بالحرمة إلّا أن يحمل النهي على خصوص موارد التدليس، هذا و ما قد يتوهّم أنّ لمس شعر الأجنبية و النظر إليه غير جائز ممنوع، لأنّ المعلوم حرمة النظر إليه أو لمسه إذا كان جزءا من بدنها، أمّا إذا انفصل فقد تبدّل الموضوع بموضوع آخر كما هو واضح، و لا مجال للاستصحاب أيضا، لذلك، و ان فرضنا حجيّته في الشبهات الحكمية.

الثّاني: قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): إنّ التدليس بما ذكرنا إنّما يحصل بمجرّد رغبة الخاطب أو المشتري و إن علما أنّ هذا البياض و الصفاء ليس واقعيا، بل حدث بواسطة هذه الامور، فلا يقال أنّها ليست بتدليس لعدم خفاء أثرها. ثمّ رتّب على ما أفاده عدّ لبس المرأة الثياب الملوّنة الموجبة لظهور بياض البدن منه. انتهى (1).

و أنت خبير أوّلا: بأنّ لفظ «التدليس» و إن لم يرد في روايات الباب إلّا أنّه بمعنى كتمان العيب، و هو غير موجود هنا، و لكن قد عرفت أنّ العمدة هي عنوان «الغشّ»، و فسّره أهل اللغة بإظهار خلاف ما أضمره، و «الخدعة» و ما هو غير خالص أو مخالف للنصح.

و الظاهر اعتبار جهل المغشوش به، في مقابل التبيين، مثل ما في رواية الحلبي قال: لا يصلح له أن يغشّ المسلمين حتّى يبيّنه (2). و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في رواية سعد الإسكاف: «ما أراك إلّا و قد جمعت خيانة و غشّا للمسلمين» (3). كما سيأتي إن شاء اللّه في أحكام الغشّ، فلو علم المشتري بحقيقة الحال لم يشمله.

و ثانيا: إنّه مخالف للسيرة المستمرّة، لأنّا لا نجد أحدا ممّن يخطب من النساء لا تلبس في تلك الحالة ثيابا حسنة جميلة، بل تلبس ما يرغب فيها، بل تتزيّن كثيرا بأنواع الزينة ممّا يعلمها الخاطب و المشتري، و لو قلنا بكون ذلك كلّه تدليسا لم يستقرّ حجر على حجر (و بيع‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 22.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 420، الباب 9، من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 209، الباب 68، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

151

الأشياء في ظروف جميلة مع عرضها جيّدا معمول بين جميع العقلاء من غير نكر، فليس هذا كلّه تدليسا و غشّا ما لم يكن من باب كتمان الواقع).

الثّالث: قد عرفت أنّ البحث هنا لا يختصّ بخصوص عمل المشاطة، بل يعمّ كلّ تدليس يوجب تضييع حقّ، سواء في البيع أو الإجارة أو النكاح و غيرها لعموم الأدلّة.

الرّابع: هل يجوز الوشم لما قد يكون فيه من اضرار و إيذاء للكبير فضلا عن الصغير؟

و الإنصاف أنّ الضرر اليسير الذي يتحمّل عادة، كالمشاق الموجودة في كثير من المشاغل، لا دليل على حرمته، نعم إذا كان ضررا كثيرا، أو انتهى إلى نقص عضو أو شبه ذلك، فانّ ذلك لا يجوز بحكم العقل و النقل، و منه يعلم حكم و شم الصغار، فانّه جائز إذا كان فيه زينة تعدّ من مصالحهم، و كان الضرر يسيرا، نظير ثقب اذان الصغيرة و شبهه.

2- التزيين

تزيين الرجل بما يحرم عليه و تشبّه كلّ من الرجل و المرأة بالآخر، أمّا تزيينه بمثل الحرير و الذهب ممّا يحرم على الرجال، فقد تمّ بحثه في أبحاث لباس المصلّي، و هل المدار على «اللبس» أو «التزيين» أو المدار على «صدق الأمرين»؟ فيه كلام يأتي في محلّه، و تظهر الثمرة فيما إذا لبسه مخفيا أو تزيّن به من دون لبس، كما إذا ألقاه على عاتقه إذا قلنا بأنّه لا يصدق عليه اللبس.

و أمّا «تشبّه الرجال بالنساء و بالعكس» فبيان حكمه يحتاج إلى ذكر أخبار الباب، ثمّ بيان موضوعه، و أنّ المراد منها التشبيه في أي شي‌ء؟ و هل المراد منه في اللباس أو الزينة أو مطلقا، أو المراد منه اللواط و المساحقة؟

فنقول و منه تبارك و تعالى نسأل التوفيق و الهداية.

هناك عدّة روايات تدلّ على حرمة التشبيه على الإطلاق:

1- مثل ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث: «لعن اللّه المحلّل و المحلّل له ... و المتشبّهين من الرجال بالنساء و المتشبّهات من النساء بالرجال ...» (1).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 211، الباب 87، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

152

و لكن في سنده عمرو بن شمر.

2- و ما رواه زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) إنّه رأى رجلا به تأنيث في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقال له: اخرج من مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يا لعنة رسول اللّه! ثمّ قال (عليه السلام):

سمعت رسول اللّه يقول: «لعن اللّه المتشبّهين من الرجال بالنساء و المتشبّهات من النساء بالرجال» (1).

و في سنده الحسين بن علوان، و فيه إشكال معروف.

3- و ما رواه زيد بن علي عن علي (عليه السلام) قال: كنت مع رسول اللّه جالسا في المسجد حتّى أتاه رجل به تأنيث، فسلّم عليه فردّ (عليه السلام)، ثمّ أكبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى الأرض يسترجع، ثمّ قال: «مثل هؤلاء في أمّتي؟ إنّه لم يكن مثل هؤلاء في أمّة إلّا عذّبت قبل الساعة!» (2).

و في سنده ما في الحديث السابق.

4- ما رواه سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام) في الرجل يجرّ ثيابه؟

قال: «إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء» (3).

5- ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه عن آبائه (عليهم السلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء و ينهى المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها (4).

6- ما رواه يعقوب بن جعفر قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) أو أبا إبراهيم (عليه السلام) ... قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لعن اللّه المتشبّهات بالرجال من النساء و لعن اللّه المتشبّهين من الرجال بالنساء» (5).

7- و ما رواه أبو خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المتشبّهين من الرجال بالنساء، و المتشبّهات من النساء بالرجال، و هم المخنّثون و اللاتي ينكحن بعضهنّ بعضا» (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 211، الباب 87، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 212، ح 4.

(3). وسائل الشيعة، ج 3، ص 354، الباب 13، من أبواب أحكام الملابس، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 355، ح 2.

(5). وسائل الشيعة، ج 14، ص 262، الباب 24، من أبواب النكاح المحرّم و ما يناسبه، ح 5.

(6). المصدر السابق، ح 6.

153

و هناك روايات اخر لا تخلوا أسنادها عن الإشكال رواها المستدرك مثل:

8- ما رواه في الجعفريات عطاء عن أبي هريرة قال: لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مخنّثين الرجال المتشبّهين بالنساء و المترجّلات من النساء المتشبّهين بالرجال (1).

9- و ما رواه الطبرسي في مجمع البيان عن أبي امامة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «أربع لعنهم اللّه من فوق عرشه و أمّنت عليه ملائكته: الذي يحصر نفسه فلا يتزوج و لا يتسرّى لئلّا يولد له، و الرجل يتشبّه بالنساء و قد خلقه اللّه ذكرا، و المرأة تتشبّه بالرجال و قد خلقها اللّه انثى» (2).

10- و ما رواه الحضرمي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لعن اللّه و أمّنت الملائكة على رجل تأنّث و امرأة تذكّرت» (3).

11- و ما رواه محمّد بن حمران عن الصادق (عليه السلام) ... قيل يا بن رسول اللّه متى يخرج قائمكم؟ قال: «إذا تشبّه الرجال بالنساء، و النساء بالرجال، و اكتفى الرجال بالرجال، و النساء بالنساء!» (4).

12- و ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عبّاس: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعن المخنّثين من الرجال، و المترجّلات من النساء و قال أخرجوهم من بيوتكم، و أخرجوا فلانا و فلانا يعني المخنّثين (5).

و في معناه روايات اخر في نفس ذاك الباب عن البخاري و مسلم و غيرهما.

هذه عمدة روايات الباب، و ليعلم أنّ المخنّث كما يستفاد من غير واحد من كتب اللغة (مثل المقاييس و منتهى الأرب و غيرهما) هو من كان فيه لين و تكسّر مثل النساء، و يظهر من موارد استعماله أنّه قد يكون بمعنى «الملوط» أيضا.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ «التشبيه» الوارد فيها يتصوّر على أنحاء:

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 202، الباب 70، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ج 14، ص 354، الباب 20، من أبواب النكاح المحرّم، ح 7.

(5). السنن الكبرى للبيهقي، ج 8، ص 224، كتاب الحدود، باب ما جاء في نفي للمخنثين.

154

1- التشبّه في الصفات مثل اللين في الكلام و الحركات، كما يدلّ عليه عنوان «المخنّث» الوارد في الروايتين السابقين برقم 8 و 12.

2- التشبّه في التزيين، و لعلّ ما دلّ على ورود جلّ به تأنيث في مسجده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من هذا القبيل حيث نقلناه تحت رقم 2 و 3، و يحتملان المعنى الأوّل.

و قد روى البيهقي في سننه في آخر الباب المذكور عن أبي هريرة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد أتى بمخنّث قد خضّب يديه و رجليه بالحناء، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما بال هذا؟ فقيل يا رسول اللّه:

يتشبّه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع. قالوا يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ألا تقتله؟ قال: «إنّي نهيت عن قتل المصلّين» (1).

و يحتمل بعض المعاني الآتية أيضا.

3- التشبّه بمعنى «المساحقة» و «اللواط»، و يدلّ عليه كثير من الروايات السابقة، مثل الرواية الثالثة و الحادية عشرة، و ما دلّ على نفيهم و إخراجهم و ما سألوا عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن يقتلهم.

4- التشبّه في اللباس، و لعلّ «الترجّل» و «التأنيث» إشارة إليه (فتأمّل).

5- التشبّه في كلّ شي‌ء حتّى في الحرف و الأعمال، و من الواضح عدم حرمة الأخير.

و الذي يحصل من مجموع أحاديث الباب أن تشبه الرجال بالنساء و بالعكس من ناحية السحق و اللواط حرام بلا كلام، و كذا تشبّه كلّ واحد بالآخر فيما يكون من معدّات هذا المعنى، و في طريقه من صفات المخنّثين، كتزيين كلّ منهما بزينة الآخر- كما تداول اليوم في بين بعض المجتمعات الكافرة، بل و ضعاف الإيمان المقلّدين لهم في هذه الأعمال القبيحة و المفاسد الخلقية في مجتمع المسلمين- و لا يبعد أيضا حرمته للإشارات الواردة في روايات الباب و كونه مقدّمة للحرام.

أمّا مجرّد لبس أحدهما لباس الآخر من دون ذلك كما هو المعمول في المسرحيات مثلا، أو لبعض الضرورات و المقاصد الاخر، فلا دليل على حرمته، و كذا التشبيه في سائر الامور كخدمة البيت أو بعض الحرف.

____________

(1). سنن البيهقي، ج 8، ص 224.