أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
155

بقى هنا أمران:

1- إنّ من الواضح إختلاف العرف و العادة بحسب الأزمنة في ذلك اختلافا فاحشا، و كلّ يتّبع حكمه، سواء في ذلك الألبسة المختصّة لو قلنا بحرمتها، و إن كان قد عرفت الإشكال في إطلاقه، و كذا ما هو من التزيينات، فربّ لباس أو زينة تكون للرجال في عرف أو في زمان، و الحال أنّها تكون للنساء في عرف أو زمان آخر.

2- ذكر الشيخ الأعظم تبعا لصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) أن الخنثى يجب عليه ترك التزيين المختصين، للعلم الإجمالي، و لكن زاد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) قوله: و يشكل بناء على كون مدرك الحكم حرمة التشبّه بأنّ الظاهر عن التشبّه صورة علم المتشبّه (1).

أقول: «أوّلا»: العلم الإجمالي في الخنثى المشكل وارد حتّى في بعض المحرّمات المخصوصة بالرجال كحرمة التزيّن بالذهب و لبس الحرير، لأنّه و ان لم يكن هناك حرام في هذا المورد في النساء، و لكن يدور الأمر بين تمام الواجبات و المحرّمات الخاصّة بالرجال من جانب، و الخاصّة بالنساء من جانب آخر، إلّا أنّ الزام الاحتياط عليه مشكل جدّا و بعيد من مذاقّ الشارع المقدّس، مع حصول العسر الشديد عليه في بعض الموارد قطعا، و لا يبعد الرجوع هنا إلى أدلّة القرعة لعمومها و شمولها له، و ليس هنا أخفّ إشكالا من الغنم الموطوءة في قطيع الغنم المفتى بها عند الأصحاب بعد ورود النصّ فيه. و ثانيا: الخنثى قد لا يكون ظاهرها بطبيعة الحال شبيها بالرجال و لا بالنساء، و حينئذ لا يبعد صدق التشبّه في حقّه بكلّ منهما لو دخلت في زيّهما، نعم لو كان ظاهرها شبيها بأحد الجنسين لا يصدق عليه إلّا التشبّه بالجنس الآخر الذي قد يكون في الواقع منه، و حينئذ يشكل صدق عنوان التشبّه في حقّه، فتأمّل جيّدا.

3- التشبيب

المذكور في كلمات غير واحد من المحقّقين حرمة التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 22.

156

المحترمة، و فسّره بعضهم بأنّه عبارة: عن ذكر محاسنها و إظهار شدّة حبّه لها بالشعر.

و الكلام فيه يتمّ بذكر امور:

1- لم نر هذا العنوان في شي‌ء من النصوص، و لا في معقد إجماع، و لذا استدلّ لحرمته بعناوين اخر قد تنطبق عليه كما سيأتي إن شاء اللّه، و لا يهمّنا البحث عن معناها بالدقّة و أنّه هل يعتبر فيه عنوان الشعر، أو ما يوجب التهييج و الإغراء بالحرام، أو كون المرأة محرّمة عليه أو غير ذلك؟

و الظاهر أنّه مأخوذ من مادّة الشباب، لأنّ ذلك من فعلهم «فتدبّر».

2- إنّ التشبيب أو ذكر محاسن المرأة على أقسام:

تارة: يكون بالنسبة إلى امرأة خيالية، و اخرى: مبهمة من جميع الجهات و ان لم تكن موهومة في الواقع، كما في بعض تغزّلات الشعراء، بل لا يوجد الغزل غالبا إلّا مشتملا عليه.

و ثالثة: يكون بمن تحلّ عليه.

و رابعة: بامرأة معروفة عند القائل و السامع، و هي محرم على القائل دون السامع.

و خامسة: بامرأة محرمة عليه و على السامع (من النساء المؤمنات العفيفات).

و سادسة: بالنسبة إلى غير المؤمنات، كأهل الكتاب من الذمّيين، أو من أهل الحرب.

و سابعة: يكون التشبيب بالغلام.

و من الواضح أنّها مختلفة جدّا في قبال الأدلّة التي استدلّوا بها لحرمته كما سيأتي.

3- لا دليل على حرمته بنفس عنوان التشبيب، و إنّما استدلّوا له بعناوين ثانوية اخرى تنطبق عليه أحيانا، و هي كثيرة:

الفضح، و الهتك، و الإيذاء، و الانتقاص، و إغراء الفسّاق بها، و كونه من اللهو و الباطل، و إشاعة الفحشاء، لتهييج القوى الشهوية التي يعلم من أدلّة الشرع حرمته، و لذا حرّمت الخلوة بالأجنبية و الخضوع بالقول و الضرب بالأرجل ليعلم ما يخفين من زينتهنّ.

و منافاته للعفاف المعتبر في العدالة، و كونه مقدّمة للحرام، و غير ذلك.

و هذه «العناوين العشرة» مضافا إلى أنّ النسبة بينها و بين التشبيب عموم من وجه غالبا، (لأنّ التشبيب قد لا توجب هتكا، أو إيذاء، أو إغراء، أو تهييجا للقوى الشهوية أو غير‌

157

ذلك) يستشكل في حرمة بعضها بحسب الكبرى، كحرمة اللهو على الإطلاق كما سيأتي في محلّه إن شاء اللّه، و أنّه لا دليل على هذه الكليّة.

و كذا على كون الامور المنافية للعفاف مطلقا حراما و إن لم تندرج تحت أحد العناوين المحرّمة.

فالأولى أن يقال: إنّ التشبيب بذاته و مع قطع النظر عن العناوين الطارية ليس محرّما، نعم قد يكون مصداقا لبعض العناوين المحرّمة، و ذلك بالنسبة إلى المرأة المؤمنة العفيفة، و الأحسن أن تؤخذ قيودها من هذه العناوين كأن يقال:

إنّ التشبيب إذا كان منشأ للفساد، أو إشاعة للفحشاء، أو إغراء بالحرام، أو هتكا لغرض محرّم، أو إيذاء لمسلم أو مسلمة، فانّ ذلك كلّه حرام، سواء كان بامرأة أو بغلام.

نعم، لبعض الأكابر هنا كلام في حرمة الإيذاء، و أنّه لا دليل على حرمة كلّ فعل يترتّب عليه أذى الغير قهرا إذا كان الفعل سائغا، و لم يقصد العامل إيذاء الغير من فعله، و إلّا لزم القول بحرمة كلّ فعل يترتّب عليه أذى الغير و إن كان الفعل في نفسه مباحا أو مستحبّا أو واجبا، كتأذّي بعض الناس من اشتغال بعض آخر بالتجارة و التعليم و التعلّم و العبادة و نحوها.

انتهى (1).

أقول: الإيذاء عنوان قصدي، و الظاهر من الأدلّة الخاصّة و العامّة حرمته بالنسبة إلى المؤمن، المعتضد بدليل العقل، و أمّا ما أفاده (دام علاه) ليس منه، لأنّ التاجر أو العابد أو المتعلّم لا يقصد إلّا تحصيل مال أو عبادة أو علم، و تأذّي الغير ليس من قصده.

نعم، إذا لم يحتج إلى تجارة، و إنّما فعله بقصد إيذاء جاره بحيث إذا لم يكن يترتّب عليه ذلك الأثر لم يفعله، لم يبعد القول بحرمته أيضا.

هذا و قد يكون القصد قهريا كما مرّ سابقا نظيره، و منه التشبيب بالمرأة المحرّمة الذي يوجب أذاها، فإنّ ذلك لا يترتّب عليه أي غرض صحيح عقلائي، و قصد الإيذاء مع هذا العلم قهري فتدبّر.

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 212.

158

بقي هنا أمران:

الأوّل: إنّ مجرّد المدح و ذكر الصفات الحسنة بل و إظهار الحبّ ليس من التشبيب المحرّم دائما، فالاشعار و النثور مشحونة بذلك بالنسبة إلى الرجال الأكابر و النساء المحترمات و أولياء اللّه، و كم ذكروا من محاسنهم الظاهرية و المعنوية و ما يرتبط بهم، إنّما المحرّم ما يرتبط بالقوى الشهوية الحيوانية لا غير، و هو أمر ظاهر.

و الثّاني: إنّه ينقدح ممّا ذكرنا حال الصور السبعة السابقة في التشبيب.

أمّا في المرأة الخيالية أو المبهمة من جميع الجهات على السامعين، فليس فيه هتك و فضيحة و إيذاء و شبه ذلك.

نعم، قد يكون فيه إشاعة فساد و إغراء بالقبيح و الحرام، فيحرم من هذه الناحية، فإن لم يكن فيه ذلك أيضا فليس بمحرم مثل كثير من أشعار الشعراء.

و إن كان بمن تحلّ له من دون أن يسمعه غيره، فلهما أن يقول ما شاء إذا لم يكن كذبا و شبهه.

و إن كانت المرأة معروفة عند القائل دون السامع، فلا تنطبق عليه العناوين السابقة غالبا، فيحلّ له.

و إن كانت معروفة عند السامعين أيضا، و كانت تلك المرأة مؤمنة عفيفة، فتنطبق عليه كثير من العناوين السابقة، و حينئذ يكون حراما.

و هكذا الكلام بالنسبة إلى أهل الذمّة الذين يكون عرضهم محفوظا.

و أمّا بالنسبة إلى أهل الحرب الذين لا حرمة لهم، فان لم يكن فيه عنوان محرم آخر من قبيل الإغراء بالحرام و شبهه، فلا إشكال فيه، و إلّا يحرم من هذه الجهة.

و أسوأ من جميع ذلك التشبيب بالغلام، فإنّ مصداق الحلال غير موجود فيه، بخلاف المرأة، فهناك عناوين محرّمة كثيرة في التشبيب بالغلام حتّى بالنسبة إلى فرد خيالي مبهم من جميع الجهات كما لا يخفى.

159

4- تصوير ذوات الأرواح

لا إشكال و لا كلام في حرمة التصوير في الجملة و به طفحت كلماتهم، و اتّفقت آراؤهم، بل هو ممّا لم يختلف فيه علماء الإسلام، من الخاصّة و العامّة، كما حكي عنهم، إنّما الكلام في خصوصيات المسألة و مواردها و عمدة الخلاف في أمرين:

الأوّل- هل هناك فرق بين ذوات الأرواح و غيرها.

الثاني- هل هناك فرق بين المجسّم و غيره.

و ما ذكره غير واحد من الأعلام من وجود أقوال أربعة في المسألة نشأ من هذين الخلافين.

فمنهم من قال: بحرمة الجميع، و منهم من خصّه بأمرين: «كونه مجسّما من ذوات الأرواح»، و منهم من فرّق بين ذوات الأرواح و غيرها، من دون فرق بين المجسّم و غيره، و منهم من فرّق بين المجسّم و غيره من دون فرق بين ذوات الأرواح و غيرها.

و كلّ ذلك ناشئ من إختلاف لسان روايات الباب، فلنرجع إليها و نحقّق فيها بما هو حقّ التحقيق، و هي على طوائف:

الطائفة الاولى: ما دلّ على حرمة التصوير مطلقا

1- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أتاني جبرئيل قال:

يا محمّد! إنّ ربّك يقرءوك السلام و ينهى عن تزويق البيوت»، قال أبو بصير فقلت: و ما تزويق البيوت؟ فقال: «تصاوير التماثيل» (1).

2- ما رواه ابن القداح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في هدم القبور و كسر الصور» (2).

3- ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلّا محوتها، و لا قبرا إلّا سوّيته، و لا كلبا إلّا قتلته» (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 560، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 562، ح 7.

(3). المصدر السابق، ح 8.

160

4- ما رواه جرّاح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تبنوا على القبور و لا تصوّروا سقوف البيوت فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كره ذلك» (1).

5- ما رواه أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «من جدّد قبرا أو مثّل مثالا فقد خرج من الإسلام» (2).

و في نسخ الرواية حول كلمة من «جدّد» هل هو «جدّد» من تجديد القبور الدوارس، أو «حدد» بمعنى التسنيم أو «جدث» بمعنى جعل قبرا لشخص قبرا لآخر ... إختلاف و لكلّ معناه.

6- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أتاني جبرئيل فقال:

«يا محمّد إنّ ربّك ينهى عن التماثيل» (3).

هذا، و لكن في بعضها التعبير ب‍ «السقوف» أو «المحو» المناسب لغير الجسم، و في بعضها التعبير ب‍ «الكسر» المناسب للجسم، كما ورد في غير واحد التعبير «بالكراهة» مثل:

7- ما رواه يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه كره الصور في البيوت (4).

8- و ما رواه حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه أنّ عليا كان يكره الصورة في البيوت (5).

9- و ما رواه محمّد بن أبي عمير عن المثنّى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّ عليا كره الصور في البيوت (6).

10- و رواية جرّاح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) التي مضى ذكرها (7).

و هل التعبير بالكراهة بمعنى الكراهة المصطلحة، أو بمعنى أعمّ كما هو كذلك لغة، فلا يكون قرينة على ظهورها في الحرمة.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 562، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 9.

(2). المصدر السابق، ح 10.

(3). المصدر السابق، ح 11.

(4). المصدر السابق، ص 563، ح 13.

(5). المصدر السابق، ح 14.

(6). المصدر السابق، ص 561، ح 3.

(7). المصدر السابق، ص 562، ح 9.

161

أضف إلى ذلك كلّه روايات اخرى، رواها في «المستدرك» في الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، و ما رواه البيهقي في «سننه» (1).

و هذه الروايات و إن كان أكثرها ضعاف الاسناد، إلّا أنّها متظافرة معتبرة من حيث المجموع.

الطائفة الثّانية: ما دلّ على الفرق بين ذوات الأرواح و غيرها

و هي دليل على حصر الحرام في الأوّل، إمّا بالصراحة أو الاشعار و التأييد مثل:

1- ما رواه أبو العبّاس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ (2) فقال: «و اللّه ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنّها الشجر و شبهه» (3).

2- و ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بتماثيل الشجر» (4).

3- و ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر. فقال: «لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان» (5).

4- و ما رواه حسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن التصاوير و قال: من صوّر صورة كلّفه اللّه تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ، و نهى أن يحرق شي‌ء من الحيوان بالنار، و نهى عن التختّم بخاتم صفر أو حديد، و نهى أن ينقش شي‌ء من الحيوان على الخاتم» (6).

5- و ما رواه محمّد بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: «ثلاثة يعذّبون يوم القيامة: من صوّر صورة من الحيوان يعذّب حتّى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها، و المكذّب في منامه يعذّب حتّى يعقد بين شعيرتين و ليس بعاقد بينهما، و المستمع إلى حديث‌

____________

(1). سنن البيهقي، ج 6، ص 12.

(2). سورة السبأ، الآية 13.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 219، الباب 94، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 220، ح 2.

(5). المصدر السابق، ح 3.

(6). المصدر السابق، ح 6.

162

قوم و هم له كارهون يصبّ في اذنه الأنك و هو الاسرب» (1).

و المراد من العقد بين شعيرتين أن يعقد أحدهما بالاخرى مثل عقد حبل بحبل آخر، و هذا غير ممكن في شعيرتين.

6- و ما رواه يعقوب بن يزيد مثله، إلّا أنّه قال: «و المستمع من قوم» (2).

7- و ما رواه ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من صوّر صورة عذّب و كلّف أن ينفخ فيها و ليس بفاعل، و من كذّب في حلمه عذّب و كلّف أن يعقد بين شعيرتين و ليس بفاعل، و من استمع إلى حديث قوم و هم له كارهون يصبّ في اذنيه الأنك يوم القيامة» قال سفيان: الأنك: الرصاص (3).

8- و ما رواه ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال «من مثّل تمثالا كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح» (4).

9- و ما رواه حسين بن منذر قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ثلاثة معذّبون يوم القيامة: رجل كذّب في رؤياه، يكلّف أن يعقد بين شعيرتين و ليس بعاقد بينهما، و رجل صوّر تماثيل يكلّف أن ينفخ فيها و ليس بنافخ» (5).

10- و ما رواه أبو العبّاس قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ وَ جِفٰانٍ كَالْجَوٰابِ و قال: «ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنّها تماثيل الشجر و شبهه» (6).

11- و ما رواه سعد بن طريف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ هم المصوّرون، يكلّفون يوم القيامة أن ينفخوا فيها الروح» (7).

12- و ما رواه زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يكون التماثيل في‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 221، الباب 94، من أبواب ما يكتسب به، ح 7.

(2). المصدر السابق، ح 8.

(3). المصدر السابق، ح 9.

(4). المصدر السابق، ج 3، ص 560، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 2.

(5). المصدر السابق، ص 561، ح 5.

(6). المصدر السابق، ح 6.

(7). المصدر السابق، ص 562، ح 12.

163

البيوت إذا غيّرت رءوسها منها و ترك ما سوى ذلك» (1).

و في المستدرك روايات اخرى في هذا المعنى يمكنك مراجعتها (2).

هذه جملة ما يمكن الاستدلال بها على التفصيل بين «ذي الروح» و «غيره» و ما في بعضها من ضعف السند أو الدلالة لا يمنع عن الاستدلال بالمجموع لتأيّد بعضها ببعض بلا شكّ.

الطائفة الثّالثة: القول بالتفصيل

ما يمكن الاستدلال بها للقول بالتفصيل بين «المجسّم» و «غيره» و هي روايات:

1- الرّوايات الدالّة على الأمر بالنفخ فيها المتظافرة عددا الظاهرة في حصر مورد الحرمة فيها، فانّ ظاهرها كون المورد جسما ذات أبعاد ثلاثة قابلا للنفخ فيها، و ليس نقصانه إلّا من حيث الروح، و هو غير بعيد في بدو النظر، فتأمّل.

لا أقول إنّه لا يمكن النفخ في الأجزاء اللطيفة الموجودة في النقوش أو في محلّها، أو لا يمكن الأمر تعجيزا بجعل العرض جوهرا، ثمّ جعل الجوهر حيّا، فانّ كلّ ذلك و ان كان ممكنا عقلا، لكن مخالف لظاهر هذه الأوامر عرفا، و الكلام في الظهور العرفي لا الإمكان العقلي.

و من هنا يظهر أنّ ما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) أو الرضا (عليه السلام)- في أمره الأسد المصوّر بافتراس الساحر- أجنبي عن المقام (3)، فإنّه يصحّ على فرض كون الإشكال عقليّا، لا لأجل الظهور العرفي، و لكن الإنصاف عدم كونه أزيد من الاشعار بالجسمية في التعبير بالنفخ.

2- ما يظهر من مقابلة التصوير للنقش في رواية حسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) في حديث المناهي قال:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 564، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 3.

(2). مستدرك الوسائل، ج 2، ص 457، الباب 75، من أبواب ما يكتسب به.

(3). دلائل الإمامة للطبري، ص 195.

164

نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن التصاوير و قال: من صوّر صورة كلّفه اللّه يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ ... و نهى أن ينقش شي‌ء من الحيوان على الخاتم (1).

و الرواية و إن كانت ضعيفة «بشعيب بن واقد» إلّا أنّها شاهدة على المقصود، و هو تقابل التصوير بالنقش في كلمات العرب.

3- ما ورد في قطع رءوس التماثيل في رواية علي بن جعفر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل أ يصلّي فيها؟ فقال: «لا تصلّ فيها و فيها شي‌ء يستقبلك إلّا أن لا تجد بدّا فتقطع رءوسها، و إلّا فلا تصلّ فيها» (2).

و ما ورد في كسر رءوسها و تلطيخ رءوس التصاوير مثل ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل يصلّي فيه؟ فقال:

«تكسر رءوس التماثيل و تلطّخ رءوس التصاوير و يصلّي فيه و لا بأس ...» (3). و ما ورد في قطع رأسها و إفسادها مثل ما رواه علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن البيت فيه صورة سمكة أو طير أو شبهها يعبث به أهل البيت هل تصلح الصلاة فيه؟ فقال: «لا حتّى يقطع رأسه منه و يفسد، و إن كان قد صلّى فليست عليه إعادة» (4).

هذه الروايات كلّها شاهدة على أنّ المراد بالتماثيل هي التماثيل المجسّمة، فالحكم بحرمة غيرها مشكل.

أقول: لكنّها كلّها واردة في حكم اقتنائها في البيوت، بل حكم الصلاة و هي فيها، فهي أجنبية عمّا نحن بصدده- اللهمّ إلّا أن يقال هي قرينة على إرادة الخصوص من سائر المطلقات أيضا، فتأمّل.

هذا و قد يؤيّد التخصيص بأنّ الظاهر أنّ الحكمة في ذلك محو آثار الشرك و عبادة الأصنام، فانّ التصوير كان من أشدّ أسباب الفساد، و كان قطع دابره منوطا بمنع التمثال بتّا، و من المعلوم أنّ الأصنام كانت صورة مجسّمة دائما أو غالبا.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 220، الباب 94، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). وسائل الشيعة، ج 3، ص 462، الباب 32، من أبواب مكان المصلّي، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 463، ح 10.

(4). المصدر السابق، ح 12.

165

و ما قد يتوهّم من أنّ الحكمة فيها من جهة التشبّه باللّه في الخلق بعيد جدّا، و أي تشبّه في تصوير صورة على قطعة حجر، إلّا في شي‌ء يسير جدّا و ليس الإنسان أو الحيوان بصورته؟! و أي شباهة في الخلق بين هذا و بين من جعل له العين و الاذن و اللسان و القلب و غيرها من الجوارح العجيبة؟!

و يؤيّد ما ذكرنا ما ورد في حكم الصلاة في بيت فيه تمثال (1) أو كراهة استقبال المصلّي التماثيل و الصور (2)، فإنّها ناظرة إلى ترك التشبّه بعابدي الأوثان.

و أمّا ما ورد في بعض الروايات من أنّ من صوّر التماثيل فقد ضادّ اللّه (3)، فهو لا ينافي ما ذكرنا، لأنّ المضادّة قد تكون من جهة إيجاد مقدّمات الشرك.

هذا و لكن اختصاص العبادة بالتماثيل المجسّمة غير ثابت، بل الظاهر أنّها كانت أعمّ من النقوش و الأجسام، و قد ورد في روايات مكان المصلّي روايات كثيرة تدلّ على المنع في مقابل و سادة أو فراش فيه نقوش الحيوان و شبهه.

ثمّ إنّ هذا كلّه على فرض قبول وجود عمومات تدلّ على الحرمة، و لكنّها بعد قابلة للكلام، فانّ النهي عن تزويق البيوت، الوارد في الحديث 1/ 3 من أبواب أحكام المساكن الآنف الذكر، و إن كان مطلقا، و لكنّه غير النهي عن نفس التصوير، و لعلّه لأجل كونها مكان المصلّي، و عدم مناسبتها له.

أمّا الروايات السابقة الدالّة على أنّ من مثّل مثالا فقد خرج عن الإسلام (4) و أمره بهدم القبور و محو الصور (5) و أمره بكسر الصور (6)، فانّها مع الإشكال في اسنادها، تختصّ بما إذا كانت معرضا للعبادة، و كان كسرها أو محوها بداعي محو آثار الأصنام، مع ما في تعبير‌

____________

(1). راجع وسائل الشيعة، ج 3، ص 465، الباب 33، من أبواب مكان المصلّي.

(2). راجع وسائل الشيعة، ج 3، ص 461، الباب 32، من أبواب مكان المصلّي.

(3). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 210، الباب 75، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(4). وسائل الشيعة، ج 3، ص 562، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 10.

(5). وسائل الشيعة، ج 3، ص 562، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 8.

(6). وسائل الشيعة، ج 3، ص 562، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 7.

166

الكسر من الدلالة على التجسّم، و الشاهد على ذلك أنّه جعلها في حدّ الكفر، و أردفها بمسألة بناء القبور التي نعلم أنّها كانت نوع عبادة منهم.

فقد ورد في الرواية لعن اليهود حيث اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد (1).

و يشهد له أيضا أنّ غير واحد من هذه الرّوايات وردت في الاقتناء، مع أنّه ليس في جوازه عند المشهور كلام كما سيأتي إن شاء اللّه.

فيبقى ما رواه علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أتاني جبرئيل فقال: «يا محمّد إنّ ربّك ينهى عن التماثيل» (2).

و هي مطلقة، و لكنّها ضعيفة السند أيضا، مع أنّ الكلام بعد في معنى التمثال، فقد أطلق في روايات كثيرة على مجرّد المجسّمة، و في روايات متعدّدة على الصور، فإطلاقه على كلا الأمرين ممكن، فإرادة العموم منه غير ثابت، و القدر المتيقّن المجسّمة.

و منه يظهر أنّ النهي عن نقش شي‌ء من الحيوان على الخاتم في رواية حسين بن زيد (6/ 94) التي مرّت عليك أيضا لا تدلّ على الحرمة، لإمكان كون النهي عن خصوص النقش على الخاتم، للصلاة، أو مطلقا لبعض الملاكات الخاصّة به، مضافا إلى أنّه ورد في ضمن مناهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و نعلم أنّ حديث المناهي مشتمل على المكروهات و المحرّمات، فتأمّل، أضف إلى ضعف سنده بشعيب بن واقد.

و قد جعل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) صحيحة محمّد بن مسلم (3) أظهر من الكلّ، حيث ذكر الشمس و القمر في عداد التماثيل، و هو قرينة على إرادة مجرّد النقش (4) (لعدم غير النقش فيهما في الغالب).

و لكن يرد عليه بأنّ مفهوم نفي البأس فيها وجود البأس في نقش الحيوان، و ليس هذا دليلا على الحرمة، لإطلاق البأس على الكراهة أيضا، كما هو ظاهر، مضافا إلى أنّ كثيرا من النقوش على الجصّ و الحجر لا يخلو عن نوع تجسّم، فتدبّر.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 455، الباب 26، من أبواب مكان المصلّي، ح 3 و 5.

(2). وسائل الشيعة، ج 3، ص 562، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 11.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 220، الباب 94، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(4). المكاسب المحرّمة، ص 23، المسألة الرابعة.

167

و ما قد يقال أنّ الحكمة في التحريم هي حرمة التشبّه بالخالق، و التشبّه يحصل بالنقش أيضا، فقد عرفت الجواب عنه، لعدم كونه هو الحكمة. بل الظاهر أنّها محو آثار الشرك و عبادة الأصنام لقرائن شتّى واردة في نفس روايات الباب.

مضافا إلى أنّ التشبّه بالخالق في صفاته (غير ما يختصّ به مثل الكبرياء و العظمة) غير ممنوع، بل ورد الأمر بالتخلّق بأخلاق اللّه في بعض الروايات، فتدبّر.

و الحاصل أنّه لم يقم دليل قاطع على الحرمة في النقوش.

و هناك روايات اخرى رواها في المستدرك، و هي ضعاف الاسناد، أو مراسيل، بعضها يدلّ على النفخ و الاحياء يوم القيامة مثل:

1- ما رواه عن عوالي اللئالي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «إنّ أهل هذه الصور يعذّبون يوم القيامة يقال: أحيوا ما خلقتم» (1).

2- و ما رواه ابن عبّاس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال في حديث: «و من صور صورة عذّب حتّى ينفخ فيه الروح و ليس بنافخ» (2).

و أحسنها ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في الخصال بسند فيه ضعف، و هي:

3- ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إيّاكم و عمل الصور فإنّكم تسألون عنها يوم القيامة» (3).

و لكن مع ذلك، السؤال عن شي‌ء يوم القيامة لا يدلّ على كونه حراما، فقد يسأل عن المكروهات، هذا مع إمكان أخذ القدر المتيقّن من الإطلاق، و هو المجسّم.

و بالجملة، لا دليل إلّا على حرمة عمل المجسّمة من ذوات الأرواح، نعم لا ينبغي ترك الاحتياط في النقوش منها أيضا.

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 211، الباب 75، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2). المصدر السابق، ح 6.

(3). المصدر السابق، ح 1.

168

بقى هنا امور:

1- هل يعتبر في الحرمة قصد الحكاية؟

صرّح شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) باعتباره، و إنّه لو دعت الحاجة إلى عمل شي‌ء يكون شبيها بشي‌ء من خلق اللّه و لو كان حيوانا من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعا.

و لكن يرد عليه ما عرفت مرارا من أنّ القصد في أمثال المقام قهري، و الحرام هو تصوير الحيوان، و هذا صادق على من صوّره و إن كان يقصد صنع بعض الأسباب التي يحتاج إليها، و لا دليل على اعتبار قصد الحكاية فيه، فهو يصوّر صورة حيوان لبعض حوائجه.

2- هل للقصد هنا اثر؟

إذا كانت صورة مشتركة بين الحيوان و غيره بحيث يصدق عليها كلّ واحد منهما، فقد ذكر السيّد اليزدي (قدّس سرّه) في حواشيه على المكاسب أنّ المدار فيها على القصد، لأنّ تمييز المشتركات بالقصد، و كأنّه أخذه من كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

و فيه: أنّه إن عدّ مع ذلك شبحا مبهما لا يعلم الناظر إليه أنّه حيوان أو غيره، فلا ينبغي الريب في جوازه، لعدم صدقه عليه، و إن كان يصدق عليه كلاهما، فالظاهر حرمته بأي قصد كان، و صدق العنوانين و ان كان موجبا لشمول دليلي الحرمة و الجواز، إلّا أنّ الثاني من قبيل ما لا اقتضاء فيه، و الأوّل من قبيل ما فيه اقتضاء، فلا يتزاحمان.

3- هل أنّ الصورة الناقصة محرّمة أيضا؟

الذي صرّح به غير واحد من الأكابر اعتبار كونها صورة إنسان أو حيوان عرفا، و لا يقدح فيها نقص بعض الأجزاء إذا صدقت عليها الصورة عرفا، لا ما إذا صوّر نصف حيوان أو بعض أعضائه، هذا و لكن يمكن أن يقال: إنّ إطلاقات حرمة التصوير و التمثال توجب القول بحرمة الجميع لدخولها في قوله «من مثّل مثالا»، اللهمّ إلّا أن يقال بتقييد هذه المطلقات بقوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم: «لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان» (1) فإنّ الحيوان‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 563، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 17.

169

غير صادق على رأسه أو نصف بدنه.

و الحقّ جواز الناقص بحسب مقتضى الأصل، و ما دلّ على قطع رءوسها مؤيّد للمقصود، و كذلك ما دلّ على كسرها، فانّ الكسر شامل لقطعه نصفين أيضا فتأمّل، هذا و لكن تصوير شي‌ء من الحيوان على أقسام:

الف) أن يكون الموجود شيئا منه، و الباقي مقدرة الوجود، كتصوير إنسان جالس، أو من ينظر من وراء الجدار، أو الراكب أو المغتسل في الماء، و الظاهر صدقه عليه فيحرم.

ب) أن يصوّر شيئا و يريد تصوير الباقي، فمن حين يأخذ في التصوير هو مرتكب الحرام إلى أن يفرغ، و توهّم كون الحرام أمرا بسيطا يحصل بآخر جزء منه، و الباقي مقدّمة له من عجائب الكلام، بل التصوير هو المجموع من حيث المجموع بلا إشكال.

نعم لو لم يلحقه الباقي كان من قبيل التجرّي، و ليس من هذه الجهة فرق بين فعل الواجب و الحرام، فمن يشرّع في الصلاة فهو مشغول بالواجب من أوّل أمره، و كذلك في المحرّمات.

ج) إذا أراد النصف مثلا، ثمّ بدا له الإتمام، فالظاهر أنّ الأوّل غير حرام، و الباقي متّصف بالحرمة، لانبساط الحكم على المجموع.

د) إذا اشترك جماعة في تصوير، فهم مشتركون في فعل الحرام، و هو الصورة، غاية الأمر أنّ الحرمة تتوقّف على إكمال الصورة بحيث يصدق عليه حيوان عرفا، و إلّا كان تجرّيا، و إذا حصلت الصورة حصل الحرام بفعل الجميع، و توهّم انصراف الأدلّة إلى كون فعل كلّ واحد صورة مستقلّة كما ترى، بل الظاهر منها أنّها مبغوضة للشارع كيفما حصلت من المكلّفين.

و ما قد يقال إنّه لا يعدّ عمل كلّ واحد منهم مصداق الصورة- لما مرّ من عدم صدق هذا العنوان على البعض- صحيح إذا جمدنا على الألفاظ، و لكن في هذه الموارد يستفاد من الأدلّة مبغوضية وجود العمل في الخارج، سواء كان بفعل واحد، أو متعدّد، و كذا ما أشبهه من القتل و الجرح و الإفساد و الغيبة و الظلم و إشاعة الفحشاء و أمثال ذلك إذا حصلت بفعل جماعة.

هذا مضافا إلى إطلاق بعض رواياته كما في النهي عن تزويق البيوت، أو النقش على‌

170

الخاتم، أو النهي عن التماثيل أو غيرها، أو عذاب المصوّرين لصدق عنوان المصوّرين على الجميع، فتدبّر.

أضف إلى ذلك ما ورد في نفي كون عمل الشياطين تصوير ذوات الأرواح في قصّة سليمان (عليه السلام) مع أنّ الظاهر اشتراكهم في العمل، و بالجملة لا ينبغي الشكّ في فهم العموم من الأدلّة في المقام و أمثاله، كما هو كذلك في الواجبات و المستحبّات أيضا، كبناء المساجد و إنقاذ نفس المؤمن و غيرهما باشتراك جماعة.

ه‍- هل اللازم أن يكون لذات الصورة وجود عيني خارجي؟ فلو صنع تمثالا لحيوان أو إنسان لا يوجد له شبيه و لا نظير، ذا رءوس واضحة متعدّدة، و قوائم مختلفة، و غير ذلك، فالظاهر كما اختاره السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه) في حواشيه على المتاجر الحرمة، لإطلاق الأدلّة، و القول بانصرافها إلى الموجود في الخارج لا وجه له، لا سيّما بعد كون هذه الامور في التماثيل كثيرة جدّا، مضافا إلى الحكمة التي عرفتها، بل الأصنام كثيرا ما تصوّر على صورة غير معهودة في الخارج، لجلب النفوس البسيطة الجاهلة إليها، و من هنا يعلم الحال في حكم تصوير الملائكة و الجنّ و الشياطين، و إن وقع الكلام فيه بين الأعلام، و ذكر في الجواهر إلحاق الملك و الجنّ بذلك (1) و حكى عن بعض الأساطين في شرحه على القواعد، و قيل بالجواز، و ربّما يستظهر من كلام المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) حيث قيّد الحرمة بكون الحيوان ذي ظلّ، بحيث إذا وقع عليه ضوء حصل له ظلّ، و الملك و الجنّ لا ظلّ لهما (انتهى).

و الظاهر أنّ التقييد بالظلّ مستفاد من انصراف إطلاق الحيوان في الروايات إلى الحيوان المادية المعروفة.

و ليس منشأ الحكم في المسألة كيفية الجمع بين مفهوم صحيحة محمّد بن مسلم «لا بأس ما لم يكن شي‌ء من الحيوان» (2) و خبر تحف العقول «ما لم يكن مثل الروحاني» (3) كما توهّمه بعض الأعاظم، لضعف الثاني سندا، مضافا إلى أنّ الظاهر أنّ المراد منهما واحد،

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 43.

(2). وسائل الشيعة، ج 3، ص 563، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 17.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 56، الباب 2، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

171

و كذلك ليس منشأه كون الجنّ و الملك جسما أو مجرّدا محضا، و انحصار المجرّد عن المادّة باللّه تعالى أو عدم انحصاره.

كذلك ليس المنشأ كون الحيوان في الروايات بمعناه المعروف، أو بمعنى صاحب الحياة حتّى يشمل الجنّ و الملك، لأنّ الظاهر منها هو الأوّل.

بل العمدة في هذا الحكم أنّ المتعارف في تصوير الجنّ و الملك تصويرهما بصورة الإنسان أو الحيوان أو شي‌ء مركّب منهما، و قد عرفت أنّه لا يعتبر كون نوع الحيوان أو الإنسان المصوّر موجودا في الخارج، و هذا هو الدليل على المقصود، و لذا لو صوّر الملك و الجنّ على غير هذه الصور فلا دليل على الحرمة، كما إذا صوّرهما بصورة سحاب، أو ريح عاصف، أو موجود خيالي لا يشبه شيئا من الحيوان الموجود أو المتوهّم، فتدبّر جيّدا.

و- قد وقع الكلام بينهم في جواز التصوير أو فعل المجسّمات بالآلات الحديثة للتصوير كالكامرات و شبهها، فقد صرّح المحقّق اليزدي (قدّس سرّه) في عبارة قصيرة له في المقام بأنّها غير جائزة (1).

و لكن الأكثر على الجواز بالنسبة إلى التصاوير المأخوذة بها، و هل هم قائلون بذلك في المجسّمات أيضا أم لا؟ كجعل الجصّ و شبهه في القوالب لخلق المجسّمات؟ لا يبعد ذلك، و ما ذكر لخروجها عن أدلّة الحرمة امران:

أوّلها- إنّ التصوير الحديث ليس إيجادا للصورة المحرّمة، و إنّما هو أخذ للظلّ، و إبقاء له بواسطة المواد الكيماوية، فإنّ الإنسان إذا وقف أمام آلة التصوير كان حائلا بينها و بين النور، فينعكس ظلّه عبر عدسة الآلة على الأفلام و يثبت عليه بواسطة المواد الكيمياوية، فيكون صورة لذي ظلّ، و أين هذا من التصوير المحرّم (هكذا ذكره في مصباح الفقاهة)، ثمّ قاسه بوضع شي‌ء من الأدوية على الجدران أو الأجسام الصيقلية لتثبت فيها الأظلال و الصور المرتسمة، بل قاسه على ما اشتهر من انطباع صور الأشياء في شجرة الجوز في بعض الأحيان، و لا يحتمل أن يتفوّه أحد بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الوقت (2).

____________

(1). حاشية المكاسب السيّد اليزدي، ص 17، ج 1.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 233، (بتصرّف يسير في العبارة).

172

ثانيها- ما ذكره بعض الأعلام من أنّ الظاهر من الأدلّة هو تصوير الصورة كما كانت في عصر صدور الروايات بالمباشرة، فلا يشمل إيجادها تسبيبا بالآلات الحديثة، أو بجعل الجصّ و غيره في القوالب إلّا بضرب من المجاز و التأويل!.

و القول بالغاء الخصوصية، أو شمول بعض الإطلاقات له كقوله «من مثّل مثالا» الظاهر في إيجاده بأي نحو كان، لا خصوص تصويره- ممنوع، لأنّ الأوّل لا دليل عليه، و الثاني ظاهر في تمثيلها بقدرته (1).

لكن يمكن الجواب عن الأوّل بأنّ هذه تدقيقات عقليّة في مسألة عرفية، بل الظاهر من كلّ عنوان إيجاد الفعل، سواء كان مستقلا أو بواسطة الآلة، و من المعلوم تغيير الآلات دائما بمرور الأزمنة و مضي الأعصار، فالأمر بالإسراج تارة يمتثل بجعل الدهن في القارورة، و جعل فتيلة عليه، و إشعالها بوسيلة الزناد، و قد يكون بالضغط على زرّ الكهرباء، و كذلك نسج الثياب قد يكون باليد و اخرى بالمكائن، و نحوهما كنس الدار فقد يكون باليد، و قد يكون بالمكنسة الكهربائية، إلى غير ذلك من الأمثلة، و لا فرق في صدق هذه العناوين على جميع ذلك.

و التصوير أيضا من هذا القبيل، فقد يكون بالأقلام، و اخرى بالأفلام و انعكاس الظلّ بواسطة المواد الكيميائية، فهذه كلّها أسباب و النتيجة واحدة، فكما أنّ النسّاج و الكنّاس صادق على الجميع، فكذا المصوّر، و لذا يطلق على الجميع لفظ الصورة و المصوّر في عصرنا.

و أمّا النقض بوضع شي‌ء من المواد الكيمياوية على الجدران بحيث تنطبع عليها صور المارّة، فهو أيضا قابل للقبول، و نلتزم به إذا كان الواضع بصدد أخذ الصور من أوّل الأمر.

و أمّا المقابلة لشجرة الجوز لو لم يكن اسطورة من الأساطير، فالآخذ للصورة هو شجرة الجوز، و الإنسان معدّ له، فالقياس مع الفارق.

و يجاب عن الثاني بأنّ اعتبار المباشرة باليد في المعنى الحقيقي و عدم صدقه مع التسبّب ممنوع أشدّ المنع، كما يعلم بملاحظة غيرها من الأفعال كالخياطة و الغسل و الكنس‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ج 1، ص 177.

173

و الطبخ و دقّ الدقيق و بناء البيوت إلى غير ذلك من أصناف الأعمال التي تصدق بالمباشرة أو بالمكائن و هي كثيرة غاية الكثرة.

هذا كلّه مضافا إلى ما عرفت من الحكمة العامّة لهذا الحكم، فإنّها جارية في الجميع على نحو واحد، أضف إلى ذلك أنّ السؤال أو الجواب في غير واحد من روايات الباب وقع عن نفس التماثيل الذي يكون مرجعه إلى إيجادها، و هو أعمّ، اللهمّ إلّا أن يدّعي أنّ المقدّر خصوص تصويرها مباشرة، و هو كما ترى.

و على كلّ حال، فالظاهر أنّ التصوير و أمثال هذا التعبير عامّ يشمل الجميع، و لا أثر لطرق الإيجاد و انحائه فيه.

فبحسب ظاهر الأدلّة لا محيص عمّا ذكره المحقّق اليزدي (قدّس سرّه) من الحرمة، إلّا أن يتوصّل بأحد أمرين:

أوّلهما: عدم الدليل على الحرمة في التصوير غير المجسّم كما مرّ تفصيله و دليله، فيبقى إيجاد المجسّمات بالمكائن على حرمته.

ثانيهما: دعوى انصراف الإطلاقات عن مثل التصوير بالكاميرات، و إن كان الصدق العرفي ثابتا، فانّ الانصراف يكون بعد قبول الصدق عرفا، و لا سيّما بملاحظة الحكمة التي عرفتها من محو آثار الأصنام، و كذا الحكمة التي ذكرها بعض من نفى التشبّه بالخالق تعالى، فيبقى الإشكال في إيجاد المجسّمات بمثل القوالب، و لا يبعد حرمتها، و هذا الفرق لا يخلو عن إشكال، و العمدة هو الوجه الأوّل.

ز- هل يجوز اقتناء هذه الصور المجسّمة و غيرها و كذلك بيعها و استعمالها، أو لا يجوز؟

قال في الجواهر: أمّا بيعها و اقتنائها و استعمالها و الانتفاع بها و النظر إليها و نحو ذلك فالأصل و العمومات و الإطلاقات تقتضي جوازه ... مع إنّا لم نجد من أفتى بذلك (الحرمة) عدا ما يحكى عن المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) من حرمة الإبقاء و يمكن دعوى الإجماع على خلافه! (1).

قال المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) فيما حكى من شرح إرشاده: «إنّ المستفاد من الأخبار‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 44.

174

الصحيحة و أقوال الأصحاب عدم حرمة إبقاء الصور» (انتهى) (1).

و هذا مخالف لما حكاه في الجواهر منه (2) و لعلّه حكاه من مبحث آخر منه، فالأوّل في مبحث لباس المصلّي، و الثاني في كتاب البيع، و استظهر الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من بعض كلمات القدماء كالمفيد (رحمه اللّه) في «المقنعة» حرمة بيع التماثيل و ابتياعها.

و على كلّ حال، فالعمدة هنا الروايات الواردة في المسألة، فقد استدلّ منها و من غيرها للحرمة بامور:

الأوّل- الظاهر من حرمة عمل شي‌ء مبغوضية وجود المعمول ابتداء و استدامة، و إن شئت قلت: حرمة إيجاد الشي‌ء إنّما هو باعتبار حرمة منافعها و اقتنائها، و ما أورد عليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من إنكار هذا الظهور، بل استظهر منه حرمة مجرّد الإيجاد، قابل للمنع، فإنّ الحكمة فيه إن كان محو آثار الأصنام فهو موجود، و إن كانت التشبّه بالخالق- و إن عرفت الإشكال فيه- فهو أيضا ثابت، و إن شئت قلت: الإيجاد طريق إلى وجود الشي‌ء، و لا موضوعية له، فكما أنّه يفهم من تحريم صنع الخمر أو الصليب و الصنم و آلات القمار حرمة حفظها، بل يعلم وجوب محوها و إفنائها، فكذا فيما نحن فيه، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ العلّة هناك معلومة، و هنا غير معلومة، و مجرّد الحكمة لا تكفي في إثبات الحكم.

الثاني- الإيجاد و الوجود شي‌ء واحد، و إنّما يختلف بالاعتبار، و يرد عليه أنّ الوجود بمعناه المصدري متّحد مع الإيجاد، و لكن الكلام هنا بمعنى اسم المصدر و محصول العمل، لا المعنى المصدري حتّى يقال باتّحاده مع الإيجاد.

الثالث- ما دلّ على النهي أو نفي البأس عن نفس التماثيل مثل:

ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر، فقال: «لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان» (3).

و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أتاني جبرئيل فقال:

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 44.

(2). المصدر السابق، ج 22، ص 44، (كتاب التجارة).

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 220، الباب 94، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

175

«يا محمّد إنّ ربّك ينهى عن التماثيل» (1).

بناء على انصراف النهي إلى الانتفاع بمنافعها أو اقتنائها، لا عن تصويرها فقط.

الرابع: ما دلّ على أمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بمحو هذه الصور أو كسرها، مثل ما رواه ابن قدّاح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) و ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد مرّ ذكرهما.

فانّ ظاهره حرمة إبقائها، و سيأتي الكلام فيه.

الخامس: ما دلّ على نفي كون تماثيل الحيوان ممّا أراده سليمان من الجنّ، مثل ما رواه أبو العبّاس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ فقال: «و اللّه ما هي تماثيل الرجال و النساء و لكنّها الشجر و شبهه» (3).

و رواية اخرى له عن الباقر (عليه السلام) (4)، فإنّها ظاهرة في كون إبقائها حراما و لا تناسب مكانة سليمان نبي اللّه (عليه السلام).

السادس: ما دلّ على جواز اقتنائها بشرط تغيير رءوسها، مثل:

1- ما رواه زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رءوسها منها».

2- و عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رءوسها منها و ترك ما سوى ذلك» (5).

3- و ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ربّما قمت اصلّي و بين يدي و سادة فيها تماثيل طائر، فجعلت عليه ثوبا و قال: «و قد اهديت إليّ طنفسة من الشام عليها تماثيل طائر، فأمرت به فغيّر رأسه فجعل كهيئة الشجر» (6).

4- و ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل يصلّى فيه؟ فقال: «تكسر رءوس التماثيل و تلطّخ رءوس التصاوير‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 562، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 11.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 220، الباب 94، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(4). وسائل الشيعة، ج 3، ص 562، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 6.

(5). المصدر السابق، ص 564، الباب 4، ح 3.

(6). المصدر السابق، ص 565، ح 7.

176

و يصلّى فيه و لا بأس». قال: و سألت عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير، يصلّى فيه؟ قال: «لا بأس» (1) إلى غير ذلك ممّا في معناه.

السابع: ما دلّ على عدم صلاحية اللعب بها، مثل ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) أنّه سأل أباه (عليه السلام) عن التماثيل، فقال: «لا يصلح أن يلعب بها» (2).

و ما رواه عن مثنّى رفعه قال: التماثيل لا يصلح أن يلعب بها (3).

الثامن: ما دلّ على عدم دخول الملائكة بيتا فيه صورة إنسان و شبهه مثل:

1- ما رواه محمّد بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ جبرئيل أتاني فقال: إنّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا تمثال جسد و لا إناء يبال فيه» (4).

2- و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) قال: «إنّا لا ندخل بيتا فيه صورة و لا كلب، يعني صورة إنسان و لا بيتا فيه تماثيل» (5).

3- و ما رواه عمرو بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال جبرئيل (عليه السلام): «يا رسول اللّه إنّا لا ندخل بيتا فيه صورة إنسان، و لا بيتا يبال فيه، و لا بيتا فيه كلب» (6).

4- و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (عليه السلام): «لا يصلّي في الدار فيها كلب إلّا أن يكون كلب الصيد، و أغلقت دونه بابا فلا بأس، فانّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب و لا بيتا فيه تماثيل و لا بيتا فيه بول مجموع في آنية» (7).

5- و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) قال:

«إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب، و لا بيتا فيه صورة إنسان، و لا بيتا فيه تمثال» (8).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 463، الباب 32، من أبواب مكان المصلّي، ح 10.

(2). المصدر السابق، ص 563، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 15.

(3). المصدر السابق، ح 16.

(4). المصدر السابق، ص 464، الباب 33، من أبواب مكان المصلّي، ح 1.

(5). المصدر السابق، ص 465، ح 2.

(6). المصدر السابق، ح 3.

(7). المصدر السابق، ح 4.

(8). المصدر السابق، ح 5.

177

6- ما رواه عبد اللّه بن يحيى الكندي عن أبيه عن علي (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (في حديث): إنّ جبرئيل قال: «إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب، و لا جنب، و لا تمثال يوطأ» (1).

التاسع: ما دلّ على أنّ عليا (عليه السلام) كان يكره الصورة في البيوت، مثل ما رواه حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه: أنّ عليا كان يكره الصورة في البيوت (2).

بضميمة ما دلّ على أنّه (عليه السلام) لم يكن يكره الحلال، كما جاء في الحديث (3).

العاشر: ما ورد في رواية تحف العقول الذي هو كضابطة عقلية للمحرّمات في باب الصنائع حيث قال (عليه السلام):

و ذلك إنّما حرّم اللّه الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجي‌ء منها الفساد محضا ... (4).

فقسّم الصنائع على ثلاثة أقسام: و حكم بحرمة ما يجي‌ء منه الفساد محضا، و هو القسم الثالث منها.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في بيان حرمة الاقتناء، و الأحسن من الكلّ هو الأوّل، و بيانه بتوضيح آخر: إنّ الظاهر من دليل حرمة إيجاد مصنوع، حرمة وجوده، لا أن يكون للإيجاد موضوعية، كما هو كذلك في غيره من أشباهه، مثل إيجاد آلات القمار و اللهو و هياكل العبادة و غير ذلك، بل لم نجد موردا يكون إيجاد الشي‌ء حراما و وجوده حلالا، بل هذا ممّا يستغر به العرف في محاوراتهم، لا أقول بينهما ملازمة عقلية، بل أقول ملازمة ظاهرة عرفية، و يؤيّده رواية تحف العقول التي تشتمل على دليل عرفي عقلائي يؤيّد ما ذكرنا، و بالجملة التفكيك بين الأمرين في أذهان أهل العرف مشكل جدّا، و الملازمة بينهما قويّة عندهم، فلا معدّل عنه إلّا بدليل قوي، و ستعرف أنّ إثبات الدليل على التفكيك بينهما لا يخلو عن الإشكال، أمّا غيره فيمكن الجواب عنه غالبا.

أمّا وحدة الوجود و الإيجاد فقد عرفت الجواب عنه، و إنّ الكلام إنّما هو في الوجود بمعنى اسم المصدر لا بمعناه المصدري، و الشبهة نشأت من هنا.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 465، الباب 33، من أبواب مكان المصلّي، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 563، الباب 3، من أبواب أحكام المساكن، ح 14.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 447، الباب 15، من أبواب الربا، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 57، الباب 2، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

178

أمّا صحيحة محمّد بن مسلم و شبهها فقد اجيب عنها بأنّ النهي إنّما هو ممّا كان مركوزا في الأذهان من عمل التصوير لا عن حكم الاقتناء.

هذا و لكن يمكن المنع عن هذه الدعوى، بل الوارد في كثير من روايات الباب السؤال و الجواب عن نفس التماثيل، فهو أيضا يمكن أن يكون دليل المنع.

أمّا عن الرابع فبحمله على الكراهة بقرينة الأمر بقتل الكلاب، و في بعض رواياته الأمر بتسوية القبور، و هو أيضا غير واجب.

و يمكن أيضا أن يقال إنّ ذلك فيما كان مظنّة للعبادة كما يظهر من ذكر القبور في بعضها.

أمّا عن الخامس فبأنّ الظاهر رجوع الإنكار إلى إذن سليمان (عليه السلام) أو تقريره لعملهم.

أمّا عن السادس فبأنّه لا دلالة فيها على الوجوب كما لا يخفى.

أمّا عن السابع فبأنّها أيضا ظاهرة في الكراهة، لما ورد فيها من التعبير بعدم الصلاحية.

أمّا الثامن فهو أيضا كذلك، بقرائن فيها كعطف وجود آنية البول أو الجنب عليه.

أمّا التاسع فبأنّ المراد منه المباح متساوي الطرفين، لأنّه كان يكره المكروه قطعا.

و أمّا العاشر فلضعف السند، و قد أورد على دلالته أيضا تارة بأنّ حرمة إيجاد شي‌ء غير ملازم لحرمة آثاره، كحرمة الزنا مع عدم حرمة حفظ المتولّد منه.

و اخرى بأنّه كثيرا ما تترتّب على المنافع المحلّلة من التعليم و التعلّم و حفظ صور بعض الأعاظم.

و كلا الإيرادين ممنوعان، أمّا الثاني بأنّ ظاهر حديث تحف العقول حرمة الانتفاع بأمثال ذلك، و ما ذكر اجتهاد في مقابل النصّ، و أعجب منه الأوّل فانّه قياس مع الفارق جدّا، لاحترام النفوس و عدم احترام النقوش، فمحصّل ما ذكرنا أنّ كثيرا من هذه الأدلّة و ان كان قابل الدفع، لكن يبقى بعضها غير قابلة له، كالدليل الأوّل، و يؤيّده الأخير، و ظاهر صحيحة محمّد بن مسلم أيضا السؤال عن نفس التماثيل، إلّا أن يقال ثبوت البأس أعمّ من الحرمة، و كذا يؤيّده الحكمة لهذا الحكم، سواء كان المنع عن عبادة الأصنام كما هو الظاهر أو غيره.

هذا من ناحية، و من ناحية اخرى هناك روايات كثيرة دالّة على الجواز، أو الكراهة، تعارض ما سبق من أدلّة الحرمة، و هي طوائف كثيرة:

179

الاولى: منها ما دلّ على جواز إبقاء التماثيل إذا غطّيت عند الصلاة إذا كانت بحذاء المصلّى، لا ما إذا كانت عن يمينه أو يساره أو خلفه مثل:

1- محمّد بن مسلم قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام): اصلّي و التماثيل قدّامي و أنا أنظر إليها؟

قال: «لا، اطرح عليها ثوبا و لا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، و إن كانت في القبلة فالق عليها ثوبا و صلّ» (1).

2- و ما رواه الحلبي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ربّما قمت فاصلّي و بين يدي الوسادة و فيها تماثيل الطير فجعلت عليها ثوبا (2).

3- و ما رواه محمّد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن التماثيل في البيت فقال: «لا بأس إذا كانت عن يمينك و عن شمالك و عن خلفك أو تحت رجلك، و إن كانت في القبلة فالق عليها ثوبا» (3).

4- ما رواه ليث المرادي إنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوسائد تكون في البيت فيها التماثيل عن يمين أو شمال؟ فقال: «لا بأس به ما لم يكن تجاه القبلة، و إن كان شي‌ء منها بين يديك ممّا يلي القبلة فغطّه و صلّ»، قال: و سئل عن التماثيل تكون في البساط لها عينان و أنت تصلّي، فقال: «إن كان لها عين واحدة فلا بأس، و إن كان لها عينان و أنت تصلّي فلا» (4).

5- ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بالتماثيل أن تكون عن يمينك و عن شمالك و خلفك و تحت رجلك (رجليك) و إن كانت في القبلة فالق عليها ثوبا إذا صلّيت» (5).

و بعض هذه الروايات و إن كانت ظاهرة في النقوش، و لكن بعضها مطلقة يشتمل الصور، و هي دليل على جواز اقتنائها، بل بيعها و شرائها و سائر التصرّفات فيها بالملازمة العرفية.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 461، الباب 32، من أبواب مكان المصلّي، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ص 462، ح 4.

(4). المصدر السابق، ص 463، ح 8.

(5). المصدر السابق، ح 11.

180

الثّانية: ما دلّ على جواز ما توطأ منها و تهان به، و لا تعظّم، مثل ما رواه محمّد بن مسلم (7/ 32) و رواية اخرى له (11/ 32) و قد مرّ ذكرهما، أضف إليهما ما يلي:

1- و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن الوسادة و البساط يكون فيه التماثيل، فقال: «لا بأس به يكون في البيت، قلت التماثيل، فقال كلّ شي‌ء يوطأ فلا بأس به» (1).

2- و ما رواه يحيى الكندي عن أبيه، و كان صاحب مطهرة أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال جبرئيل: «إنّا لا ندخل بيتا فيه تمثالا لا يوطأ» (2).

3- و ما رواه عبد اللّه بن المغيرة قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: قال قائل لأبي جعفر (عليه السلام):

يجلس الرجل على بساط فيه تماثيل؟ فقال: «الأعاجم تعظّمه، و انّا لنمتهنه!» (3).

الثّالثة: ما دلّ على جواز ما إذا كان بعين واحدة ممّا يصدق التمثال، فإنّ مجرّد قلع عين منها لا يضرّ بصدقه مثل:

1- ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في التمثال يكون في البساط فتقع عينك عليه و أنت تصلّي، قال: «إن كان بعين واحد فلا بأس، و إن كان له عينان فلا» (4).

2- و ما رواه ليث المرادي و قد مرّ ذكره (8/ 32).

3- و مرسلة الصدوق (رحمه اللّه) قال: قال الصادق (عليه السلام): «لا بأس بالصلاة و أنت تنظر إلى التصاوير إذا كانت بعين واحدة» (5).

4- و ما رواه ابن أبي عمير رفعه قال: «لا بأس بالصلاة و التصاوير تنظر إليه إذا كانت بعين واحدة» (6).

و لعلّها من مصاديق ما يكون موهونا فيما إذا قلعت إحدى عينيه عمدا، و إلّا فلا نفهم‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 564، الباب 4، من أبواب المساكن، ح 2.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المصدر السابق، ح 1.

(4). وسائل الشيعة، ج 3، ص 462، الباب 32، من أبواب مكان المصلّي، ح 6.

(5). المصدر السابق، ص 463، ح 9.

(6). المصدر السابق، ص 464، ح 13.

181

سرّه، و يشهد له ما سيأتي في الطائفة الرابعة.

الرّابعة: ما دلّ على المنع عن الصلاة إلّا إذا قطع رءوسها، أو مواراتها، و ظاهرها جواز الاقتناء لو لا أمر الصلاة، مثل ما رواه:

1- علي بن جعفر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل أ يصلّى فيها؟ فقال: «لا تصلّ فيها و فيها شي‌ء يستقبلك إلّا أن لا تجد بدّا فتقطع رءوسها، و إلّا فلا تصلّ فيها» (1).

2- ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل يصلّى فيه؟ فقال: «تكسر رءوس التماثيل و تلطّخ رءوس التصاوير و لا بأس». قال: و سألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير يصلّى فيه؟ قال: «لا بأس» (2).

3- ما رواه علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال سألته عن البيت فيه صورة سمكة أو طير أو شبهها يعبث به أهل البيت هل تصلح الصلاة فيه؟ فقال: «لا حتّى يقطع رأسه منه و يفسده، و إن كان قد صلّى فليست عليه إعادة» (3).

4- علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) و سألته عن رجل كان في بيته تماثيل أو في ستر و لم يعلم بها و هو يصلّي في ذلك البيت ثمّ علم، ما عليه؟ فقال: «ليس عليه فيما لا يعلم شي‌ء، فإذا علم فلينزع الستر و ليكسر رءوس التماثيل» (4).

5- علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: و سألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير يصلّي فيه؟ قال: «لا بأس» (5).

6- ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) عن الثواب يكون في علمه مثال طير أو غير ذلك أ يصلّي فيه؟ قال: «لا»، و عن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 462، الباب 32، من أبواب مكان المصلّي، ح 5.

(2). المصدر السابق، ص 463، ح 10.

(3). المصدر السابق، ح 12.

(4). المصدر السابق، ص 321، الباب 45، من أبواب لباس المصلّي، ح 20.

(5). المصدر السابق، ح 23.

182

ذلك قال: «لا تجوز الصلاة فيه» (1).

7- ما رواه حمّاد بن عثمان قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الدراهم السود فيها التماثيل أ يصلّي الرجل و هي معه؟ فقال: «لا بأس بذلك إذا كانت مواراة» (2).

بل يدلّ الأخير على جواز الصلاة بلا تغيير مع الكراهة، فهذه دليل على جواز اقتنائها مع قطع النظر عن الصلاة.

الخامسة: ما دلّ على جوازها بدون قيد، أو إذا كانت للنساء، مثل:

1- محمّد بن مسلم عن أبي جعفر قال: قال له رجل رحمك اللّه ما هذه التماثيل التي أراها في بيوتكم؟ فقال: «هذا للنساء أو بيوت النساء» (3).

2- و ما رواه علي بن جعفر عن أخيه و قد مرّ ذكره آنفا (4).

فانّه لم ينه عن العبث و اللعب بها.

إلى غير ذلك ممّا أورده في الوسائل و هي كثيرة.

و قد تلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الأحاديث الواردة في المسألة إثباتا و نفيا و جوازا و منعا كثيرة جدّا، أوردها المحدّث الحرّ العاملي في سبعة أبواب (الباب 45 من أبواب لباس المصلّي، و الباب 46 منها، و الباب 32 من أبواب مكان المصلّي، و الباب 33 منها، و الباب 3 من أبواب المساكن، و الباب 4 منه، و الباب 94 من أبواب ما يكتسب به) و يستفاد من ضمّ بعضها إلى بعض و تفسير بعضها ببعض امور:

«أوّلها»: إنّ الاقتناء و سائر الانتفاعات جائزة في النقوش و الصور قطعا و في المجسّمة بحسب إطلاق غير واحد منها.

ثانيها: إنّ وجودها في البيت مكروه، إمّا مطلقا كما هو ظاهر غير واحد منها، ممّا يدلّ على عدم دخول الملائكة في هذه البيوت، أو لخصوص الصلاة، و لا منافاة بينهما، فيكون الأوّل مكروها، و الثاني أشدّ كراهة، و الوجه فيه ليس إلّا التشبّه بعبدة الأصنام، لمناسبة‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 3، ص 320، الباب 45، من أبواب لباس المصلّي، ح 15.

(2). المصدر السابق، ص 319، ح 8.

(3). المصدر السابق، ص 564، الباب 4، من أبواب أحكام المساكن، ح 6.

(4). المصدر السابق، ص 464، الباب 32، من أبواب مكان المصلّي، ح 12.

183

الحكم و الموضوع، و أمّا التشبّه بالخالق بمجرّد التصوير فلا معنى له، مضافا إلى أنّه غير قبيح كما عرفت.

ثالثها: تزول الكراهة بإهانتها، و من طرق الإهانة كونها تحت الأقدام و كذلك تزول بكسر رءوسها أو قلع عين واحدة منها لا أقل، أو تغطّيها للصلاة، أو كونها خلف المصلّي أو على يمينه أو يساره.

رابعها: لازمها جواز بيع الوسائد و الفرش و أشباهها المشتملة على هذه الصور و شرائها و غير ذلك من وجوه الانتقال كما هو ظاهر.

خامسها: الجمع بينها و بين ما دلّ على تحريم إيجادها مطلقا، أو المجسّمة منها يقتضي التفكيك بين الإيجاد و وجودها بقاء، أو التصرّف في أدلّة التحريم بأجمعها و حملها على كراهة شديدة، أو حملها على موارد يكون مقدّمة أو مظنّة لعبادتها، أو إغراء بعبادة الأصنام، و حيث انّ التفكيك بين الإيجاد و الوجود مشكل جدّا، و لا يرى له في الشرع مثل و لا نظير، فالجمع الثاني- أي الحمل على الكراهة الشديدة أولى، فلا يبقى للحرمة مجال إلّا في موارد خاصّة جزئية (و اللّه العالم بحقائق الامور).

فتحصّل إنّه لا دليل على حرمة إيجاد الصور المجسّمة أيضا إلّا في موارد خاصّة.

بقي هنا شي‌ء: و هو أنّه يظهر ممّا ذكرنا حال «الصور المتحرّكة في الأفلام» و شبهها، فلو قلنا بحرمة التصوير مطلقا، فهي أيضا محرّمة إيجادا، إمّا الاقتناء و الانتفاع بها بما هو معمول في الأفلام، فلا دليل على حرمته ما لم يكن فيه جهة اخرى من جهات الحرمة، مثل كونها منشأ للفساد، أو إذاعة لسرّ المؤمن أو غير ذلك.

و ما فيها من صور النساء غير المحارم فان كانت مغرية و باعثة على الفساد (كما هو الغالب فيها) فهي محرّمة من هذا الباب، و إن لم تكن كذلك فلا دليل على حرمتها، لأنّها لا تندرج تحت أدلّة النظر إلى الأجنبية، لأنّها صورتها لا نفسها، حتّى أنّه لا يمكن قياسها على الصورة المنطبعة في المرآة، لأنّ المرآة لا صورة فيها، بل هي انعكاس النور من الشخص‌

184

على المرآة، فالنظر في الواقع إلى نفس الشخص الخارجي، بخلاف الأفلام.

و إن أبيت عن هذه الدقّة، و قلت أنّها غير عرفيّة، فلا أقل من إمكان الغاء الخصوصية من النظر إلى الشخص بالنسبة إلى المرآة دون الصور الموجودة في الأفلام و شبهها، نعم لو كانت صورة امرأة مؤمنة غير متبرّجة قد يقال بحرمة النظر إليها من باب الهتك و إفشاء السرّ، و ليس ببعيد «فتدبّر».

5- التطفيف

لا شكّ في حرمة التطفيف، و هو كما ذكره أهل اللغة: «إذا كان أو وزن و لم يوف»، و أوضح البيان فيه قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (1) و ذكر الاستيفاء في حقّهم ليس من حقيقة التطفيف، بل الظاهر أنّه ذكر مقدّمة لبيان قبح عملهم كما لا يخفى، و عدم ذكر الوزن في الأوّل دون الثاني من باب الاكتفاء به في الثاني، و لا سيّما أنّه كان الكيل أكثر عندهم من الوزن في تلك الأزمنة، لسهولته و عدم مؤنة له بخلاف الوزن، و إن كان الكيل أكثر عندهم من الوزن في تلك الأزمنة، لسهولته و عدم مؤنة له بخلاف الوزن، و إن كان الكيل و الوزن كلاهما في عصرنا موجودين لما في الأشياء من التفاوت، فربّ شي‌ء ينتفع بمقداره ثقلا، فيوزن كالذهب و الفضّة، و اخرى حجما كاللبن و النفط.

و على كلّ حال، فقد استدلّ لحرمته بالأدلّة الأربعة:

1- فمن الكتاب قوله تعالى في حقّ المطفّفين: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ ... و قد مرّت الإشارة إليه، و قوله تعالى في قصّة شعيب وَ لٰا تَنْقُصُوا الْمِكْيٰالَ وَ الْمِيزٰانَ (2).

و قوله تعالى وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ (3).

فانّ البخس هو النقص على سبيل الظلم، كما ذكره أهل اللغة، و لا مانع من ذكره بكلا‌

____________

(1). سورة المطفّفين، الآية 2 و 3.

(2). سورة هود، الآية 84.

(3). سورة هود، الآية 85.

185

لفظيه في قصّة شعيب كما هو واضح.

2- و من السنّة روايات كثيرة نشير إلى بعضها، منها:

أ) ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «الإيمان هو أداء الأمانة ... و اجتناب الكبائر و هي ... و البخس في المكيال و الميزان ...» (1).

و لا يضرّ ضعف أسانيد الصدوق (رحمه اللّه) إليه بعد كثرة هذه الأخبار و تعدّدها.

ب) و ما رواه أبان عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «خمس إن أدركتموهنّ فتعوّذوا باللّه منهنّ ... و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلّا أخذوا بالسنين و شدّة المئونة ...» (2).

ج) و ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «وجدنا في كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ... و إذا طفّف الميزان و المكيال أخذهم اللّه بالسنين و النقص ...» (3).

إلى غير ذلك ممّا هو ظاهر في هذا المعنى.

3- و يدلّ عليه الإجماع لاتّفاق علماء الإسلام عليه من دون خلاف.

4- و العقل، فإنّه مصداق واضح للظلم، و قبح الظلم من المستقلّات العقلية.

و هذا كلّه واضح، إنّما الكلام في بعض ما يتفرّع عليه و هو العمدة هنا، منها: حكم المعاملة التي فيها «تطفيف» و «بخس»، و حاصل الكلام فيه أنّ هذا البيع لا يخلو إمّا أن يكون كليّا، أو شخصيا ..

فإن كان بيعا كليّا، فلا إشكال في الصحّة، لأنّه إنّما وقع البيع على طنّ من الحنطة مثلا، و إنّما وقع البخس عند الوفاء، من دون فرق بين الكلّي على نحو الإطلاق، أو الكلّي في المعيّن، كصاع من حنطة.

و أمّا البيع الشخصي، فهو على قسمين:

البيع بالصيغة، و البيع المعاطاتي ...

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 260، الباب 46، من أبواب جهاد النفس، ح 33.

(2). المصدر السابق، ص 512، الباب 41، من أبواب الأمر بالمعروف، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 513، ح 2.

186

أمّا الأوّل فهو أيضا على قسمين: فقد يقول: بعتك هذه الحنطة بشرط كونها عشرين منّا مثلا، و اخرى يقول: «بعتك هذا العشرين» فالأوّل من قبيل الاشتراط، و الثاني من قبيل الوصف.

و الظاهر أنّ شيئا منها لا يوجب فساد البيع، لا تخلّف الشرط، و لا الوصف إذا لم يكن مقوّما، نعم إذا نقص بمقدار كثير كأن يكون ربع ما وصف، فلا يبعد البطلان، و إلّا كان صحيحا بمقدار من الثمن، فيجب عليه ردّ الزائد.

و لا تندرج هذه المسألة في المسألة المعروفة، أعني تعارض «الوصف» و «الإشارة» فيما إذا قال «بعتك هذا الفرس العربي» فتبيّن أنّه «غير عربي» و إنّ المقدّم هل هو الأوّل أو الثاني؟ أو يختلف بإختلاف المقامات كما سيأتي إن شاء اللّه في محلّه.

لأنّ المفروض هنا وقوع البيع على المقدار، و تخلّف المقدار يوجب نقصا في الثمن بلا إشكال.

أمّا الثاني كأن يقول أعطني منّا من الحنطة، فأعطاه أنقص من ذلك، و أخذ الثمن وافيا، و الظاهر أنّه أيضا صحيح بمقدار من الثمن، و ذمّة البائع مشغولة بالباقي، إلّا إذا ردّ المقدار الباقي من الحنطة إليه، نعم يحتمل الفساد إذا نقص بكثير بحيث يعدّ من قبيل عدم وجود المقوّم للمعاملة (و اللّه العالم).

هذا كلّه إذا لم يكن ربويا، و إلّا فسدت المعاملة من أصلها في غير الكلّي لما في العوضين من التفاوت.

6- التنجيم

من المسائل التي احتدمت فيها الآراء مسألة النجوم جوازا و حرمة.

قال في القواعد: «و التنجيم حرام، و كذا تعلّم النجوم مع اعتقاد تأثيرها بالاستقلال، أوّلها مدخل فيه» (و ذكر قبلها تحريم الكهانة و بعدها تحريم الشعبدة، و ليكن هذا على ذكر منك).

و ذكر الفقيه المتتبّع الأجل صاحب مفتاح الكرامة (قدّس سرّه) في شرح هذا القول كلاما طويلا هذا ملخصه:

187

«اختلف العلماء عن قديم الدهر في هذه المسألة اختلافا شديدا، و هي عامّة البلوى، فوجب تحريرها و تنقيحها، ثمّ نقل عن السيّد ابن طاوس أنّ التنجيم من العلوم المباحة، و أنّ للنجوم علامات و دلالات على الحادثات، لكن يجوز للقادر الحكيم أن يغيّرها بالبرّ و الصدقة و الدعاء و غير ذلك من الأسباب، و جوّز تعليم علم النجوم و تعلّمه و النظر فيه و العمل به إذا لم يعتقد أنّها مؤثّرة، و حمل أخبار النهي و الذمّ على ما إذا اعتقد ذلك، و أنكر على علم الهدى تحريم ذلك».

ثمّ ذكر (ابن طاوس (رحمه اللّه) لتأييد هذا العلم أسماء جماعة من الشيعة كانوا عارفين به، ثمّ ذكر في المفتاح أنّ الذي يعرف من كتب الرجال، و من كلام السيّد المذكور، و كتاب أبي معشر الخراساني و غيرهم، أنّ جماعة من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) و العلماء كانوا عارفين بالنجوم عاملين به، منهم «عبد الرحمن بن سيّابة»، و «أحمد بن محمّد بن الخالد البرقي» حيث عدّ النجاشي من كتبه «كتاب النجوم» و «محمّد بن أبي عمير» و «أبو خالد السجستاني» و «محمّد بن مسعود العياشي» و «علي بن الحسين المسعودي» صاحب «مروج الذهب» الذي هو من أصحابنا، و جماعة آخرون، و حكايته عن «المحقّق الطوسي (رحمه اللّه)» مشهورة.

ثمّ حكى الجواز عن صاحب الكفاية، و كذا المحقّق الأردبيلي، و صاحب الوافي (قدّس اللّه أسرارهم جميعا) إلى أن قال:

أمّا من أنكر أحكامهم فهم جمهور المسلمين و المحقّقون من المتكلّمين، و ممّن ظاهره التحريم الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في كتاب «المقالات» فإنّه أنكر حياتها و تمييزها، و صرّح علم الهدى (قدّس سرّه) بالتحريم، و قال الشهيد (قدّس سرّه) في «الدروس» و يحرم اعتقاد تأثير النجوم مستقلّة، أو بالشركة، و الإخبار عن الكائنات بسببها، أمّا لو أخبر بجريان العادة بأنّ اللّه تعالى يفعل كذا عند كذا لم يحرم، و أمّا علم النجوم فقد حرّمه بعض الأصحاب، و لعلّه لما فيه من التعرّض للمحذور من اعتقاد التأثير، أو لأنّ أحكامه تخمينية (انتهى ملخّصا) (1).

فقد تحصّل من جميع ذلك وجود الخلاف الوسيع بينهم، ظاهرا، و إن كان يظهر من بعض‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 74.

188

كلماتهم أنّ النزاع لفظي في بعض مراحله، فتأمّل.

و اللازم التكلّم فيه على مقتضى القواعد أوّلا، ثمّ البحث عن الروايات الخاصّة الواردة في المسألة ثانيا، و أنّه هل فيها ما يخصّص أو يقيّد القواعد العامّة، أم تجري على وفقها؟

فنقول و منه سبحانه نستمدّ التوفيق و العناية.

لا شكّ في جواز علم الهيئة و ما يتعلّق بمعرفة النجوم و الأرض و السماوات و حالاتها و ما فيها من العجائب، بل هو مأمور به في كثير من آيات الذكر الحكيم صريحا، أو التزاما.

و كذا لا ريب في جواز علم النجوم و ما فيها من المقارنات و الفواصل و الأوضاع، كدخول القمر تحت الشعاع و خروجه و سيره في البروج، و كذا سير الشمس و أوضاع السيارات السبع و غيرها و ما فيها من الافتراقات، و الاتّصالات، و الخسوف و الكسوف و غيرها، و لا أظن من يحكم بحرمة تعلّم هذه الامور.

إنّما الكلام فيما يسمّى عندهم ب‍ «أحكام النجوم» و هو الحكم بوقوع حوادث كونية في المستقبل كالأمطار و الخصب و الجدب و حوادث اجتماعية كالحرب و الصلح، و شيوع الأمراض أو العافية، و غلاء الأسعار أو رخصها بسبب الأوضاع النجومية.

ثمّ اعلم أنّ الحكم بها يتصوّر على وجوه:

1- أن يكون باعتقاد تأثير الكواكب مستقلا أو جزءا مؤثرا في عالم الكون و حياة البشر، و هذا مبني على اعتقادهم بقدمها و ألوهيتها.

2- باعتقاد أنّها حيّة مدبّرة للعالم و لو بإذن اللّه لا مستقلا.

3- أنّها مؤثّرة بالكيفية، كالحرارة الحاصلة من الشمس المورقة للأشجار.

4- أنّها مؤثّرة بأوضاعها الخاصّة لاقترانها و بعدها.

5- أنّها دلالات و أمارات، أو يقال إنّ عادة اللّه جرت على خلق كذا عند وضع كذا.

و يمكن تلخيصها في ثلاث بأن نقول:

الأوّل- القول بتأثيرها مستقلا، و لا شكّ أنّه كفر و شرك، و نفي لتأثير اللّه في جميع الكون،

189

و أنّه ربّ العالمين، و خالق الخلق أجمعين، و مقدّر الأرزاق و منشئ السحاب و غير ذلك، و كذا القول بكونها جزء مؤثّر.

الثّاني- القول بأنّها مؤثّرة بإذن اللّه، أمّا لأنّها حيّة شاعرة مأمورة بأمره، كالملائكة المدبّرات أمرا، و أمّا بتأثيرها الطبيعي كما في جميع الأسباب الطبيعية، و تأثير الشمس في حياة النبات و الحيوان، و هذا لا يوجب نفي الخالق و لا تدبيره و لا تأثيره في الكون و الحياة.

نعم هو باطل من جهتين: «أحدهما» عدم الدليل عليه، و كونها قولا بلا دليل، و اقتفاء لما ليس لنا به علم، و «الثاني»: كونها مخالفا لظاهر الأدلّة السمعية حيث لا يثبت للنجوم و الأفلاك شيئا من هذه الآثار، لا سيّما الحياة و الشعور و تدبير الخلق، بل ينسب الخلق و الرزق و الأمانة و الإحياء إلى اللّه تعالى، و إن كانت هذه النسبة لا تنافي وجود الأسباب الطبيعية، لكن لا بمعنى أنّها شاعرة عالمة مدبّرة.

بل يتكلّم عن الأجرام السماوية و النجوم و الشمس و القمر كثيرا و يراها من آيات اللّه، من غير تعرّض لما زعموه من ارتباط جميع ما في العالم السفلي بالعالم العلوي، و لو كان كذلك لوردت الإشارة إليه في شي‌ء من هذه الآيات الكثيرة، و سائر الأدلّة السمعية.

الثّالث- كونها أمارات و دلالات أو مقارنات للحوادث، و هذا ليس كفرا و لا شركا قطعا، لعدم قبول تأثير لها في هذا العالم السفلي، نعم يشترك مع سابقه في كونه تخرّصا على الغيب، و اقتفاء لما ليس به علم، نعم لو قاله ظنّا أو احتمالا إذا كانت مباديه (بادئ الاحتمال) حاصلة، لم يكن به بأس.

هذا، و ليعلم أنّ ما ذكرناه في الوجه الثاني من عدم كونه كفرا إنّما هو إذا لم يكن الاعتقاد بتأثيرها بحيث ينفي بطلان التأثير بالبرّ و الدعاء و غير ذلك مما يلزمه إخراجه سبحانه عن سلطانه، بل يعود إلى الوجه الأوّل في الواقع الذي قد عرفت حاله.

و كذلك إنّما يصحّ ذلك إذا لم يرجع إلى القول بالجبر بأن يكون تأثيرات الكواكب فينا موجبا لاضطرارنا إلى العمل على وفقها (كما يظهر من بعضهم على ما ذكره السيّد الرضي (قدّس سرّه) فيما يأتي من كلامه إن شاء اللّه).

و كذلك إذا لم ينته إلى دعوى العلم بالغيب الذي يختصّ به سبحانه، فهو عالم الغيب فلا‌

190

يظهر على غيبه أحدا إلّا من ارتضى من رسول، فلو لم يكن فيه شي‌ء من هذه الامور الثلاثة و لا ما تقدّمه من المفسدتين لم يكن حراما.

هذا هو مقتضى القواعد، و لكن من العجب حكم بعضهم بكفر المنجّم و لو لم يكن فيه شي‌ء من هذه الاعتقادات.

فقد ذكر شيخنا البهائي (رحمه اللّه) على ما حكاه عنه في البحار: «و قد يظهر منها أنّ الاعتقاد بمجرّد التأثير حرام و كفر و إنّما يجوز مجرّد القول بكونها دلالات و علامات» انتهى (1).

و لعلّ مراده كونها مؤثّرة لا بإذن اللّه، و لا يخلو عن بعد، و نقل في البحار كلاما عن المحقّق الشيخ على ما قد يظهر منه ذلك أيضا (2).

و كذا العلّامة (قدّس سرّه) في كتاب «المنتهى» حيث قال «و بالجملة كلّ من يعتقد ربط الحركات النفسانية و الطبيعية بالحركات الفلكية الكوكبية فهو كافر ... (3).

و لنعم ما قال السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في المقام حيث قال في كلام طويل له ما حاصله:

«اعلم أنّ المنجّمين يذهبون إلى أنّ الكواكب تفعل في الأرض و من عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، و ما فيهم أحد يذهب إلى أنّ اللّه تعالى أجرى العادة بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير في ذلك، و من ادّعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهب إليه قدماؤهم في ذلك، و متجمّل بهذا المذهب عند أهل الإسلام، و متقرّب إليهم بإظهاره، و ليس هذا بقول لأحد ممّن تقدّم منهم ...» (4).

و مغزاه أنّ قدمائهم كانوا على مذاهب فاسدة، و مسلموهم ربّما لا يكونون كذلك.

إذا عرفت ذلك، فلنعد إلى الروايات الخاصّة و ما يستفاد منها، فنقول و منه سبحانه التوفيق:

____________

(1). بحار الأنوار، ج 55، ص 291.

(2). المصدر السابق.

(3). المصدر السابق، ص 290.

(4). المصدر السابق، ج 55، ص 282.

191

هناك طائفتان من الروايات:

الطائفة الاولى تدلّ على لعن المنجّم و كذب أخباره، و كونه كالكاهن و الساحر، و عدم جواز تصديقه فيما يخبر به و ما أشبه ذلك، و هي كثيرة منها:

1- ما رواه القاسم بن عبد الرحمن أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن خصال، منها مهر البغي، و منها النظر في النجوم (1).

2- و ما رواه ظريف بن ناصح عن أبي الحصين قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن الساعة، فقال: «عند إيمان بالنجوم و تكذيب بالقدر» (2).

3- و ما رواه نصر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «المنجّم ملعون و الكاهن ملعون و الساحر ملعون ...» (3).

4- و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) قال: و قال (عليه السلام): «المنجّم كالكاهن، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار!» (4).

5- و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) عن أبي جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه نهى عن عدّة خصال منها النظر في النجوم (5).

6- و ما رواه هشام بن حكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ زنديقا قال له: ما تقول في علم النجوم؟ قال: «هو علم قلّت منافعه و كثرت مضارّه، لا يدفع به المقدور و لا يتّقي به المحذور، إنّ خبر المنجّم بالبلاء لم ينجه التحرّز من القضاء، و إن خبر هو بخير لم يستطع تعجيله، و إن حدث بسوء لم يمكنه صرفه، و المنجّم يضادّ اللّه في علمه بزعمه أنّه يردّ قضاء اللّه عن خلقه» (6).

7- و ما أرسله المحقّق (رحمه اللّه) (في المعتبر) ... قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من صدق كاهنا أو‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 103، الباب 24، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2). المصدر السابق، ح 6.

(3). المصدر السابق، ح 7 و 8.

(4). المصدر السابق، ص 104.

(5). المصدر السابق، ح 9.

(6). المصدر السابق، ح 10.

192

منجّما فهو كافر بما انزل على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (1).

8- و ما رواه ابن طاوس (رحمه اللّه) من كتاب الشيخ الفاضل محمّد بن علي محمّد في دعاء الاستخارة الذي كان يدعو به الصادق (عليه السلام) «إلى أن قال» «اللهمّ إنّك خلقت أقواما يلجئون إلى مطالع النجوم لأوقات حركاتهم و سكونهم و خلقتني أبرأ إليك من اللجإ إليهم ...» (2).

9- و ما رواه عبد الملك بن أعين قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي قد ابتليت بهذا العلم، فاريد الحاجة فإذا نظرت إلى الطالع و رأيت الطالع الشرّ جلست و لم أذهب فيها، و إذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي: «تقضى؟» قلت: نعم، قال: «احرق كتبك» (3).

10- و ما رواه محمّد بن الحسين الرضي الموسوي (في نهج البلاغة) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لبعض أصحابه لمّا عزم على المسير إلى الخوارج، فقال له يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم!، قال (عليه السلام): «أ تزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها انصرف عنه السوء؟ و تخوّف الساعة التي من سار فيها حاق به الضرّ؟ فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن ... أيّها الناس إيّاكم و تعلّم النجوم إلّا ما يهتدى به في برّ أو بحر، فإنّها تدعو إلى الكهانة، و الكاهن كالساحر، و الساحر كالكافر، و الكافر في النار ...» (4).

11- و ما رواه المفضّل بن عمر، عن الصادق (عليه السلام) في حديث في قول اللّه تعالى: وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ إلى أن قال: «و أمّا الكلمات فمنها ما ذكرناه، و منها المعرفة بقدم باريه و توحيده و تنزيهه عن التشبيه، حتّى نظر إلى الكواكب و القمر و الشمس، و استدلّ بافول كلّ واحد منها على حدثه، و بحدثه على محدثه، ثمّ أعلمه عزّ و جلّ أنّ الحكم بالنجوم خطاء» (5).

12- و ما رواه أبو خالد الكابلي قال: سمعت زين العابدين (عليه السلام) يقول: الذنوب التي تغيّر‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 103، الباب 24، من أبواب ما يكتسب به، ح 11.

(2). المصدر السابق، ح 12.

(3). وسائل الشيعة، ج 8، ص 268، الباب 14، من أبواب آداب السفر إلى الحجّ، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 271، ح 8.

(5). المصدر السابق، ص 270، ح 5.

193

النعم البغي على الناس «إلى أن قال:» و الذنوب التي تظلم الهواء السحر و الكهانة و الإيمان بالنجوم و تكذيب بالقدر ...» (1).

الطائفة الثّانية: ما يدلّ على الجواز و أنّه لا يضرّ بالدين، أو أنّ أصل الحساب حقّ، أو أنّه لا يعلمه إلّا الخواص، و هي روايات منها:

1- ما رواه عبد الرحمن بن سيّابة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الناس يقولون: إنّ النجوم لا يحلّ النظر فيها و هي تعجبني، فإن كانت تضرّ بديني فلا حاجة لي في شي‌ء يضرّ بديني، و إن كانت لا تضرّ بديني فو اللّه إنّي لأشتهيها، و أشتهي النظر فيها.

فقال: «ليس كما يقولون لا تضرّ بدينك،- ثمّ قال- إنّكم تنظرون في شي‌ء منها، كثيره لا يدرك و قليله لا ينتفع به» (2).

2- ما رواه هشام الخفّاف قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كيف بصرك بالنجوم؟» قال قلت: ما خلّفت بالعراق أبصر بالنجوم منّي!، قال: «كيف دوران الفلك عندكم؟» «إلى أن قال» «ما بال العسكرين يلتقيان في هذا حاسب و في هذا حاسب، فيحسب هذا لصاحبه بالظفر، و يحسب هذا لصاحبه بالظفر، ثمّ يلتقيان فيهزم أحدهما الآخر، فأين كانت النجوم؟!» قال: قلت: لا و اللّه لا أعلم ذلك قال: فقال: «صدقت إنّ أصل الحساب حق، و لكن لا يعلم ذلك إلّا من علم مواليد الخلق كلّهم» (3).

3- ما رواه المعلّى بن خنيس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النجوم أحقّ هي؟ فقال:

«نعم، إنّ اللّه بعث المشتري إلى الأرض في صورة رجل فأخذ رجلا من العجم، فعلمه «إلى أن قال» ثمّ أخذ رجلا من الهند فعلمه»، الحديث (4).

4- و ما رواه جميل بن صالح عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن النجوم قال:

«ما يعلمها إلّا أهل بيت من العرب و أهل بيت من الهند» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 270، الباب 14، من أبواب آداب السفر إلى الحجّ، ح 6.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 101، الباب 24، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 102، ح 2.

(4). المصدر السابق، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 103، ح 4.

194

5- و ما رواه محمّد بن بسّام قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «قوم يقولون النجوم أصحّ من الرؤيا و ذلك هو، كانت صحيحة حين لم ترد الشمس على يوشع بن نون، و على أمير المؤمنين (عليه السلام) فلمّا ردّ اللّه عزّ و جلّ الشمس عليهما ضلّ فيها علماء النجوم فمنهم مصيب و مخطئ» (1).

و يظهر من غير واحد منها حكمهم (عليهم السلام) ببعض أحكام النجوم، مثل كراهة التزويج و القمر في العقرب و غيرها مثل:

1- ما رواه إبراهيم بن محمّد بن حمران عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من تزوّج امرأة و القمر في العقرب لم ير الحسنى» (2).

2- قال: و روى إنّه يكره التزويج في محاقّ الشهر (3).

3- و ما رواه علي بن محمّد العسكري عن آبائه (عليهم السلام) في حديث قال: «من تزوّج و القمر في العقرب لم ير الحسنى». و قال: «من تزوّج في محاق الشهر فليسلم لسقط الولد» (4).

4- و ما رواه محمّد بن حمران عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من سافر أو تزوّج و القمر في العقرب لم ير الحسنى» (5).

و القول بأنّ ذلك مثل كراهة الصلاة في أماكن مخصوصة عجيب، فانّ الظاهر منها دلالة هذا الوضع الفلكي على عدم الظفر بالمطلوب، لا سيّما مع كون هذا أمر مركوزا في أذهانهم من ربط الفلكيات بالحوادث السفلية، فهذا إمضاء له في الجملة (6).

و الجمع بينها لا يخفى على الخبير بعد الإشارات الكثيرة الواردة فيها، فانّ الذمّ و اللعن فيها إنّما هو على الاعتقاد بتأثيرها الاستقلالي، أو ما يكون التفويض و الإخبار بالغيوب و الاستغناء عن اللّه، و الغفلة عن المحو و الإثبات، و عدم تأثير الدعاء و التوسل، و كونها قولا‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 271، الباب 14، من أبواب آداب السفر، ح 9.

(2). وسائل الشيعة، ج 14، ص 80، الباب 54، من أبواب مقدّمات النكاح، الأحاديث 1 و 2 و 3.

(3). المصدر السابق.

(4). المصدر السابق.

(5). وسائل الشيعة، ج 8، ص 266، الباب 11، من أبواب آداب السفر، ح 1.

(6). و قد عقد العلّامة المجلسي (قدّس سرّه) بابا في ج 55 من البحار (السماء و العالم) أورد فيها أكثر من ثمانين رواية تنقسم كما ذكرنا طريق الجمع واحد.

195

بغير علم، و ما دلّ على الجواز إنّما هو فيما خلا عن جميع ذلك كما لا يخفى على من تدبّرها، و هناك قرائن اخرى على هذا الجمع:

الأوّل- قوله «عند إيمان بالنجوم» و «تكذيب بالقدر» كما جاء في الأحاديث التالية:

1- ما رواه أبو الحصين قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن الساعة فقال: «عند إيمان بالنجوم و تكذيب بالقدر» (1).

يعني هذا مذموم منهي عنه.

2- ما رواه أبو خالد الكابلي عن زين العابدين (عليه السلام) و قد سبق ذكره (2).

الثّاني- عطف المنجّم على الكاهن في رواية (7/ 24) أو تشبيهه بالكاهن (8/ 24) أو أنّ من صدق كاهنا أو منجّما فهو كافر (11/ 24 من ج 12) التي مرّت عليك قريبا.

أو أنّ التنجيم يدعو إلى الكهانة (8/ 14 من المجلّد 8 من الوسائل).

و الكهانة هي الإخبار عن الغيب و الحوادث المستقبلة بزعم أنّ له تابعا من الجنّ.

و كذا عطفه على العرّاف الذي هو أيضا كالكاهن إلّا أنّ إخباره بالمغيبات إنّما هو بادّعائه معرفة أسباب الامور.

الثّالث- قوله فمن صدقك بهذا فقد كذّب القرآن و استغنى عن الاستعانة باللّه في نيل المحبوب ... و أن يوليك الحمد دون ربّه (8/ 14 من أبواب آداب السفر ج 8 من الوسائل ص 271).

الرابع- و قوله تقضي؟ في رواية عبد الملك بن أعين (1/ 14 ج 8 من أبواب آداب السفر من الوسائل) الظاهر في أنّه إن لم يغضّ بتّا بل كان على سبيل الاحتمال أو شبه ذلك لم يضرّه.

الخامس- تعلّم جماعة من علماء الشيعة من المحدّثين و غيرهم علم النجوم، و تبحّرهم فيها أيضا، و هم كثير قد عرفت أسماء بعضهم في كلام ابن طاوس.

و الحاصل: إنّه لو لم يكن فيه الاعتقادات الفاسدة و الآثار المحرّمة التي عرفت الإشارة‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 103، الباب 24، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). وسائل الشيعة، ج 8، ص 270، الباب 14، من أبواب آداب السفر إلى الحجّ، ح 6.

196

إليها، و لم يخبر بها عن جزم، و لم يكن مقدّمة لحرام آخر، لما منع منه مانع، و يجوز تعليمه و تعلّمه و النظر فيه، و اللّه العالم بحقائق الامور.

بقى هنا شي‌ء: إنّ هناك علوما اخر تسمّى ب‍ «العلوم الغريبة» يستند إليها في كشف المغيبات و الأسرار، و كذا «التنويم المغناطيسي» و ما أشبه ذلك، و الظاهر أنّها مشتركة مع التنجيم في كثير من مفاسده و ملاكاته، فهي أيضا محرّمة إذا كان الإخبار فيها بعنوان الجزم أو الاستقلال، أو على وجه ينكر قضاء اللّه و مشيّته، و عدم تأثير الدعاء، و كشف أسرار الناس، و الاطلاع على أسرارهم، و دعوى علم الغيب، فهي مشتركة مع الكهانة و النجوم و عمل العرّاف، و يستفاد من حرمتها بلا إشكال للتعليلات الواردة في الأدلّة الكثيرة أو ما يشبه التعليل.

نعم إذا خلت عن جميع ذلك لم يبعد جوازها.

و من الجدير بالذكر أنّ أمثال هذه الامور، أعني الحكم بالنجوم و الكهانة و العلوم الغريبة، قليل في عصرنا لا يرغب إليها إلّا ضعاف النفوس، المائلون إلى الخرافات، و لعلّه لظهور كذب كثير من المدّعين لذلك، و بطلان أقوالهم.

و لا ينافي ذلك كونها علوم حقّة موجودة عند أهلها، فتدبّر جيّدا.

7- حفظ كتب الضلال و نشرها

صرّح غير واحد من الأصحاب بحرمة حفظ كتب الضلال، بل عن التذكرة و المنتهى- كما في الجواهر- نفي الخلاف عنه (1) نعم استثنى بعضهم مورد النقض أو الحجّة على أهلها، أو التقيّة، أو شبه ذلك.

و لكن لم يرد فيه نصّ بالخصوص، و إن أقام الأصحاب فيه وجوها اخرى وافية بالمقصود كما سيأتي إن شاء اللّه.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 56.

197

و من هنا قال صاحب الحدائق: «و عندي في الحكم من أصله توقّف، لعدم النصّ، و التحريم و الوجوب و نحوهما أحكام شرعية، يتوقف القول بها على الدليل الشرعي، و مجرّد هذه التعليلات الشائعة في كلامهم لا تصلح عندي لتأسيس الأحكام الشرعية» (1).

و ذكر في مورد آخر في تفريعات المسألة: «لو كان الحكم المذكور منصوصا عليه و العلّة من النصّ ظاهرة، لأمكن استنباط الأحكام من النصّ بما يناسب تلك العلّة و يناسب سياق النصّ، و أمكن التفريع على ذلك بما يقتضيه الحال من ذلك النصّ، و حيث أنّ الأمر ليس كذلك فهذه التفريعات و التخريجات كلّها إنّما هي من قبيل الرمي في الظلام» (2).

و كأنّ صاحب الجواهر (قدّس سرّه) ناظر إلى كلامه الأخير حيث يقول: «إنّه ربّما أساء الأدب مع الأصحاب الذين هم حفّاظ السنّة و الكتّاب نسأل اللّه العفو عنّا و عنه» (3) و كأنّ صاحب الحدائق (رحمه اللّه) غفل عن أنّه قد لا يكون الحكم منصوصا بالخصوص، و لكن تشمله الأدلّة العامّة الواردة في الكتاب و السنّة من العناوين الأوّلية و الثانوية، فكيف يمكن الإغماض عنها و عدم الفتوى بها، مع أنّ هذا الموضوع من أشدّ ما يبتلى به في كلّ زمان و لا سيّما في زماننا، و كيف كان فقد استدلّ له بامور:

أمّا من كتاب اللّه فبقوله تعالى: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ (4).

و قوله تعالى: وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (5).

و قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ (6).

و تفسير قول «الزور» بالكذب، أو الغناء من قبيل التفسير بالمصداق الظاهر، و لا يمنع عن عموم الحكم كما لا يخفى على الخبير بكلماتهم (عليهم السلام).

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 141.

(2). المصدر السابق، ص 142.

(3). جواهر الكلام، ج 22، ص 57.

(4). سورة لقمان، الآية 6.

(5). سورة الحجّ، الآية 30.

(6). سورة البقرة، الآية 79.

198

و استدلّ من السنّة بما ورد في فقرات مختلفة من حديث «تحف العقول» من العناوين التالية:

«باب ما يوهن به الحقّ»- «ما يكون منه و فيه الفساد»- «ما يقوى به الكفر و الشرك في وجوه المعاصي» أو غير ذلك.

و ما مرّ من حديث عبد الملك بن أعين في مبحث النجوم و سؤال الإمام له: «تقضي» فلمّا أجاب بالإيجاب، قال له الإمام: «أحرق كتبك»! (1).

و استدلّ له أيضا بدليل العقل من باب وجوب قلع مادّة الفساد، و لو تمّ دعوى الإجماع كما أسنده في الحدائق إليهم تمّت الأدلّة الأربعة فيه.

هذا و الإنصاف أن يقال: إنّ حفظ كتب الضلال على أنحاء:

تارة يكون بقصد إضلال الناس.

و اخرى يعلم أو يظنّ بكونه منشأ لذلك، و ان لم يقصده.

و ثالثة ليس مظنّة، و لكن يحتمل.

و رابعة لا يترتّب عليه شي‌ء من ذلك.

فالأوّل داخل في الآيات الكثيرة الدالّة على حرمة الإضلال و الإفساد و إشاعة الفحشاء و غير ذلك من أشباهه، و هو ضروري الحرمة.

و الثاني أيضا داخل فيه و في الإعانة على الإثم، و قد عرفت أنّ القصد في هذه الموارد قهري.

و الثالث لا يبعد حرمته أيضا، لوجوب قلع مادّة الفساد ما دام احتماله العقلائي باق، بحكم العقل و غيره.

و أمّا الرابع فلا دليل على حرمته، نعم لا يجوز بيعه حينئذ، لعدم المالية له إلّا في مواضع نادرة، فالأدلّة السابقة إنّما تشمل بعض فروض المسألة لا جميعها، فاللازم الحكم بالتفصيل.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 268، الباب 14، من أبواب آداب السفر، ح 1.

199

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ هنا فروعا:

1- كتب الضلال لا تنحصر بما ذكر، و إن شئت قلت لا يختصّ الحكم بعد ما عرفت من الأدلّة العامّة الواسعة بخصوص «الحفظ» بل يشمل التأليف و الطبع و التصحيح و النشر و غير ذلك من التعليم و التعلّم و الكتابة، و لا بخصوص «الكتاب»، بل يعمّ التصاوير و الأفلام و الإذاعات و غيرها.

و لا بخصوص «الضلال» بل يعمّ «الفساد و الفحشاء» و ما يوجب وهن المؤمنين و شبهها، إلّا أن يقال: إنّ عنوان «الضلال» أعمّ من الضلال في العقيدة أو غيرها، فالحكم أعمّ من جهات ثلاثة (من الحفظ، و الكتب، و الضلال) و كم له من المصاديق له في عصرنا ممّا لم يتعرّض له القوم (رضوان اللّه عليهم)، و لو لم يشملها بعض الأدلّة، ففي غيرها غنى و كفاية.

2- الحفظ أعمّ من ظهر القلب، و في الخارج إذا كان له أثره، و دليله عموم الأدلّة.

3- إذا كانت كتب باطنها صلاح و هداية، و لكن ظاهرها يوجب الضلال و الغواية كما في بعض كتب الأشعار، أو بعض كتب العرفاء و الحكماء التي يذكرون لها تفاسير و توجيهات مع أنّ لها ظواهر منكرة في بعض الأحيان، و لا يبعد شمول العموم لها، لأنّ الإضلال عن سبيل اللّه فيها محقّق، و لا يصغى إلى عدم الإرادة بعد حصول العلم بالتأثير، و قد عرفت أنّ القصد هنا قهري و غير ذلك من الأدلّة.

4- كتب العهدين أعني التوراة و الأناجيل المحرّفة الموجودة اليوم، قد يقال أنّها غير داخلة في كتب الضلال بالنسبة إليها بعد نسخها بالبداهة عند المسلمين، و لكنّه عجيب، لأنّها لو لم توجب إضلال العلماء الراسخين في العلم و أشباههم، فقد توجب إضلال غيرهم من ضعفاء النفوس و الإيمان و العلم، و ليس هذا أمرا نادرا، فقد رأيناهم ينشرون دائما هذه الكتب بين أبناء المسلمين و الشباب، و قد تؤثّر في نفوسهم، و لا شكّ أنّها من هذه الجهة كتب ضلال.

5- كتب المخالفين في المذهب على قسمين: قسم علمي لا يكون إلّا بأيدي العلماء، فهي لا توجب شيئا من التوالي الفاسدة السابقة، و إن اشتمل كثير منها على ما ليس بحقّ، أو ما يكون ضلالا، كالقول بالجبر و التجسيم و تفضيل الخلفاء و نفي العصمة عن بعض‌

200

المعصومين، و نفي الخلافة بلا فصل عن علي (عليه السلام) و تفضيل غيره عليه و شبه ذلك، و هذا أمر سائغ بالنسبة إلينا، و لا تزال مكتباتنا مشحونة بكتبهم، بل قد نطبعها و ننشرها بيننا لما فيها من فوائد علمية مع بطلان كثير من مسائلها.

و اخرى تكون من الكتب التي تنشر بين العوام، و يكون فيه الفساد لضعاف النفوس، فهذا داخل فيما مرّ.

6- قد يكون جزء من الكتاب أو شريط الكاسيت أو الفلم ضلالا و موجبا للفساد، و حينئذ يكون هو المشمول للأدلّة السابقة دون غيره، و لو وقع في مقابله جزء من الثمن في البيع لكان هذا المقدار باطلا بالنسبة إليه دون غيره كما هو ظاهر.

7- استثنى غير واحد منهم من حرمة الحفظ أو البيع ما إذا كان للعلم بعقائد أهل الضلال لهدايتهم إلى سواء السبيل، أو دفع مكائدهم عن الآخرين، أو فعل التقيّة في مقابلهم، أو غير ذلك من الفوائد ممّا ليس يخفى، و حينئذ يكون جائزا لأهله لا لغيرهم، و يتقيّد بمقدار الضرورة، حافظا لها عن غير أهلها، و لذا قيّده الأكثرون- كما في مفتاح الكرامة- بما إذا كان من أهل النقض (1).

8- أمّا حكم التكسّب بها حفظا و كتابة و بيعا فقد قال في مفتاح الكرامة:

«إذا حرما «الحفظ و الكتابة» حرم التكسّب بهما كما تعطيه القاعدة، و أكثر العبارات لمكان ذكر ذلك في المقام، مع تصريح جماعة كثيرين بحرمته، بل اقتصر في المراسم على ذكر تحريم الأجر على كتب الكفر» (2).

و ما ذكره جيّد لما عرفت من قاعدة التحريم، و أنّ اللّه إذا حرّم منافع شي‌ء حرّم ثمنه و لم تكن له مالية شرعا.

إنّما الكلام في أنّ حرمته تكليفية أو وضعية؟ قد يتوهّم أنّ مقتضى ما عرفت من الأدلّة أنّها تكليفية، كبيع السلاح لأعداء الدين، و بيع العنب ممّن يجعله خمرا، و فيه ما عرفت من أنّه ليس له منافع محلّلة على المفروض، و ليس مثل العنب أو السلاح، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 62.

(2). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 62.

201

منافع حفظها كثيرة لأهله كما عرفت، فلها مالية، إنّما الحرام بيعها من أشخاص معينين كالسلاح و العنب و هذا جيّد، و لكن يأتي الكلام السابق في بيع السلاح لأعداء الدين من أنّ مقتضى البيع إقباضه، مع أنّ إقباضه حرام هنا، فهو من قبيل ما لا يقدر على إقباضه، فانّ الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، فيكون بيعه باطلا بالمآل.

9- هل يجب محوها مضافا إلى ما ذكر؟ ظاهر غير واحد من الأدلّة السابقة و كذا أدلّة النهي عن المنكر (و لو بملاكها) وجوبه، و ليس ببعيد، إلّا أن يكون لجلدها أو نفس الأشرطة (إذا محي عنها الأصوات اللهوية) و غيرها مالية، فلا بدّ من حفظها و يحرم إفنائها.

10- و لنختم الكلام ببعض ما وقع بين صاحب الحدائق (قدّس سرّه) و جمع من أصحابنا الاصوليين (رضوان اللّه عليهم) حيث حكم في بعض كلماته بأنّ الكتب التي ألّفتها العامّة في الاصول مسائل استحسانية لم ترد في الشرع فهي كتب ضلال، ثمّ ذكر أنّ الاصوليين من أصحابنا تبعوهم في ذلك و ان حذفوا منها ما لا يوافق مذهبنا.

و اعترض عليه غير واحد منهم العلّامة (قدّس سرّه) صاحب مفتاح الكرامة، بأنّ هذا المقدار من كتاب الحدائق بنفسه كتاب ضلال لا بدّ من محوه! (1).

و قد عرفت كلام الجواهر (قدّس سرّه) في حقّه من قبل.

و الإنصاف إنّ علم الاصول، «قواعد» و «اصول» و «أمارات» متّخذة غالبها من الكتاب و السنّة، و قد ذكر كثيرا منها صاحب الحدائق لا بعنوان علم الاصول، بل بعنوان المقدّمات في أوّل مجلّد من كتابه، فهي قواعد اصولية و إن لم يسمّها بذلك، فهذه الهجمات نشأت في الواقع من سوء التعبير في المسائل، و أشبه شي‌ء بالنزاع اللفظي، و الأمر سهل، و اللّه واسع المغفرة نسأل اللّه تعالى عفوه و رحمته لهم و لنا.

8- الرشا في الحكم و غيره

أجمع علماء الإسلام- كما في جامع المقاصد- على تحريم الرشا في الحكم، و هو على‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 63.

202

إجماله كذلك، لم يختلف فيه أحد، إنّما الكلام في تفاصيله، من ناحية الحكم و الموضوع، و ذلك لأنّ ما يأخذه القاضي على أنحاء:

1- ما يأخذه على الحكم بالباطل.

2- ما يأخذه على الحكم على وفق مراد أحد المترافعين، حقّا أو باطلا.

3- ما يأخذه على الحكم بما هو الحقّ في الواقعة.

4- ارتزاقه من بيت المال.

5- هداياه قبل الحكم أو بعده.

6- ما يأخذه من طريق المعاملات المحاباتية مع الناس عموما، أو المتخاصمين خصوصا.

هذا، و قد تكون الرشوة في غير الأحكام، فما ذا حكمه؟ إنّما الكلام في أنّ موضوع الرشوة أي أمر من هذه الامور؟ و ما ذا يدخل في مفهومه؟ و ما ذا يكون ملحقا به، بملاكه؟

فلنذكر «أوّلا» ما ورد في هذا الباب من الأدلّة الدالّة على تحريمها، ثمّ نتبعها بما يستفاد منها من موضوع التحريم، فنقول و منه جلّ ثنائه التوفيق و الهداية:

يدلّ على تحريم «الرشوة» بهذا العنوان روايات كثيرة في بعضها أنّها على حدّ الكفر باللّه العظيم منها:

1- ما رواه عمّار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول؟ فقال: «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت، ... فأمّا الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم جلّ اسمه و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (1).

2- و ما رواه سماعة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «السحت أنواع كثيرة ... و أمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم» (2).

3- و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال (عليه السلام): «أجر الزانية سحت ... فأمّا الرشا‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 61، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 62، ح 2.

203

في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم» (1).

4- و ما رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أيّما وال احتجب من حوائج الناس احتجب اللّه عنه يوم القيامة ... و ان أخذ الرشوة فهو مشرك» (2).

5- ما رواه عمّار بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت و السحت أنواع كثيرة ... فأمّا الرشاء يا عمّار في الأحكام فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (3).

6- و ما رواه الفضل بن الحسن الطبرسي قال و روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ السحت أنواع كثيرة، فأمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه!» (4).

و منها: ما يدلّ على كونه «سحتا» مثل:

7- ما رواه يزيد بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن السحت فقال: «الرشا في الحكم» (5).

8- و ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة ... و الرشوة في الحكم ...» (6).

9- و ما رواه أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي من السحت ثمن الميتة ... و الرشوة في الحكم ...» (7).

10- ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الرشا في الحكم هو الكفر باللّه» (8).

11- ما رواه يزيد بن فرقد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البخس فقال: «هو الرشا في الحكم» (9).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 63، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

(2). المصدر السابق، ص 63، ح 10.

(3). المصدر السابق، ص 64، ح 12.

(4). المصدر السابق، ص 65، ح 16.

(5). المصدر السابق، ص 62، ح 4.

(6). المصدر السابق، ص 62، ح 5.

(7). المصدر السابق، ص 63، ح 9.

(8). وسائل الشيعة، ج 18، ص 162، الباب 8، من أبواب آداب القاضي، ح 3.

(9). المصدر السابق، ح 4.

204

12- ما رواه العياشي في تفسيره عن جرّاح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أكل السحت الرشوة في الحكم» (1).

و منها: ما يدلّ على حرمة قبول الهديّة للوالي أو القاضي مثل:

13- ما رواه الأصباغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أيّما وال احتجب من حوائج الناس احتجب اللّه عند يوم القيامة و عن حوائجه و ان أخذ هدية كان غلولا ...» (2).

14- و ما رواه جابر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «هديّة الامراء غلول» (3).

و منها: ما يدلّ على حرمة الرزق مثل:

15- ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق فقال: «ذلك السحت» (4).

و هناك روايات اخرى رواها في المستدرك في الباب الخامس من أبواب ما يكتسب به (المجلّد 2 الصفحة 426):

16- منها ما رواه في الجعفريات عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «من السحت ثمن الميتة ... و أجر القاضي» (5).

17- منها ما رواه عبد اللّه بن طلحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «من أكل السحت سبعة ... الرشوة في الحكم» (6).

18- و منها ما رواه العياشي عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام) قال: «السحت أنواع كثيرة منها ... فأمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه» (7).

و هناك أيضا روايات اخر رواها المستدرك في الباب 8 من أبواب آداب القاضي منها:

19- ما رواه في دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنّه قال: «من أكل السحت‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، ص 163، الباب 8، من أبواب آداب القاضي، ح 7.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 63، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 10.

(3). وسائل الشيعة، ج 18، ص 163، الباب 8، من أبواب آداب القاضي، ح 6.

(4). المصدر السابق، ص 161، ح 1.

(5). مستدرك الوسائل، ج 2، ص 426، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(6). المصدر السابق، ص 427، ح 6.

(7). المصدر السابق، ح 4.