أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
205

الرشوة في الحكم»، قيل: يا بن رسول اللّه و إن حكم بالحقّ؟ قال: «و ان حكم بالحقّ»، قال:

«فأمّا الحكم بالباطل فهو كفر» (1).

20- و عنه عن علي (عليه السلام) أنّه قال في حديث: «و لا بدّ من قاض و رزق للقاضي» و كره أن يكون رزق القاضي على الناس الذين يقضي لهم، و لكن من بيت المال! (2).

21- و عنه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيما عهد إليه من أمر القضاة بعد ذكر صفاتهم كما تقدّم قال: «ثمّ أكثر تعاهد أمره و قضاياه و أبسط عليه من البذل ما يستغني به عن الطمع و تقلّ به حاجته إلى الناس و اجعل له منك منزلة لا يطمع فيما غيره حتّى يأمن من اغتيال الرجال إيّاه عندك، و لا يحابي أحدا للرجاء، و لا يصانعه لاستجلاب حسن الثناء، أحسن توقيره في مجلسك و قربه منك» (3).

22- و منها ما رواه في الجعفريات باسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: «من السحت ثمن الميتة- إلى أن قال- و الرشوة في الحكم و أجر القاضي، إلّا قاض يجري عليه من بيت المال» (4).

23- و منها ما رواه في عوالي اللئالي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «لعن اللّه الراشي و المرتشي و من بينهما يمشي» (5).

و بالجملة الأحاديث الدالّة على حرمة الرشوة بهذا العنوان أو بما يؤدّي معناها كثيرة جدّا، بل ربّما تبلغ حدّ التواتر كما أشار إليه في الجواهر (6)، و لكن قبل بيان مقتضاها لا بدّ من ملاحظة مقتضى القاعدة في هذا الباب، ثمّ ننظر هل يستفاد من روايات الباب معنا أوسع منه، أو لا؟

فنقول (و من اللّه التوفيق و الهداية): أنّه لو كان «الجعل» في مقابل حكم الباطل أو الحكم على وفق مراد المعطي كيفما كان، حقّا أو باطلا، فلا شكّ أنّه حرام، لأنّ اللّه إذا حرّم شيئا‌

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 17، ص 353، الباب 8، من أبواب آداب القاضي، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ص 354، ح 4.

(5). المصدر السابق، ص 355، ح 8.

(6). جواهر الكلام، ج 22، ص 145.

206

حرّم ثمنه، أمّا إذا أخذ على الحقّ فلا دليل على الحرمة، نعم إذا كان القضاء واجبا عينيا، فقد يقال بحرمة أخذ الاجرة عليه، لما سيأتي من حرمة أخذ الاجرة على الواجبات، و لكن فيه كلام سيأتي إن شاء اللّه، و كذلك بالنسبة إلى الواجب الكفائي.

ما هي الرّشوة؟

و اللازم هنا تحقيق معنى الرشوة و محتواها، قال في «القاموس»: إنّ الرشا الجعل، (و لا شكّ أنّه تعريف شرح اسمي) و قال في «مصباح المنير»: أنّه ما يعطيه الشخص للحاكم و غيره ليحكم أو يحمله على ما يريد، و عن «مجمع البحرين» قلّما تستعمل الرشوة إلّا فيما يتوصّل إلى إبطال حقّ أو تمشية باطل، و في «لسان العرب» الرشوة مأخوذة من رشا الفرخ إذا مدّ رأسه إلى امّه لتزقّه، و الرشاء رسن الدلو، ثمّ قال: قال ابن الأثير «الرّشوة» و «الرّشوة» الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، و أصله من الرشاء الذي يتوصّل به الماء فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، و المرتشي الآخذ. و ذكر في ضمن كلامه الحديث النبوي المعروف:

لعن اللّه الراشي و المرتشي و الرائش (أي الماشي بينهما).

و تلخّص ممّا ذكرنا أنّ الرشوة في الأصل بمعنى الجعل، و مدّ الفرخ رأسه ليغتذي من امّه، أو إرضاع الناقة لفصيلها، ثمّ استعمل في الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، أو ما يعطي لمن يعينه على الباطل، من غير تقييده بخصوص الأحكام و القضاء، و ليكن هذا على ذكر منك.

و أمّا غلبته في الإعانة على الباطل بحيث ينصرف إليه عند إطلاقه- كما ذكره في «مفتاح الكرامة» حيث قال: الرشا (بالضمّ و الكسر) جمع رشوة، و مثله الجعل كما في القاموس، و في «النهاية» الراشي الذي يعينه على الباطل و المرتشي الآخذ، و الرائش الذي يسعى بينهما (1)- فظاهر جدّا، لا لما عرفت من مجمع البحرين فقط، بل لدلالة روايات الباب عليه أيضا، فإنّ إطلاق قوله: أمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم المروي في كثير منها (1 و 2 و 8 و 12 و 16 الباب 5 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل) شاهد عليه، فانّها بقرينة‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 91.

207

بعض ما عرفت آنفا ناظر إلى قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ (1).

فلو لم يفهم هذا من إطلاق الرشوة لم يحسن ذكره مكرّرا بدون قيد هذا «أوّلا».

و «ثانيا»: جعلها في عداد ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب و غير ذلك يدلّ على أنّه في مقابل عمل محرّم، فلو أخذه في مقابل الحكم بالحقّ لم يكن كذلك.

و «ثالثا»: جعلها في مقابل اجور القضاة في غير واحد من روايات الباب التي سبق ذكرها، فلو كان جعل القاضي مطلقا رشوة لم يكن لذلك وجه.

«رابعا»: قد عرفت أنّها مأخوذة من أحد المعاني الثلاثة التي تشترك في معنى الوصول إلى مقصد خاصّ عن طريق عمل، و هذا لا يناسب إعطاء مطلق الأجر إلى القاضي، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ المقصود الوصول إلى نفس القضاء، و لكن لا يخلو عن بعد.

و على هذا لا شكّ أنّ مقتضى القاعدة القول بالحرمة في خصوص ما يؤخذ على الحكم بالباطل، أو الحكم على وفق مراده باطلا كان أو حقّا، فلا تشمل القسم الثالث من الأقسام السابقة و لا ما بعده.

و من هنا يظهر النظر في كلام الجواهر حيث قال: إنّ الرشوة خاصّة في الأموال و في بذلها على جهة الرشوة، أو أنّها تعمّها و تعمّ الأعمال، بل و الأقوال كمدح القاضي و الثناء عليه، و المبادرة إلى حوائجه و إظهار تبجيله و تعظيمه، و نحو ذلك و تعمّ البذل و عقد المحاباة و العارية و الوقف و نحو ذلك، و بالجملة كلّ ما قصد به التوصّل إلى حكم الحاكم؟ قد يقوى في النظر الثاني، و أن شكّ في بعض الأفراد في الدخول في الاسم، أو جزم بعدمه فلا يبعد الدخول في الحكم (انتهى) (2).

أقول: أمّا الدخول في الاسم فهو بعيد جدّا بالنسبة إلى «الأقوال» بعد التعبير بالأخذ في كثير من روايات الرشوة، و ما يتبادر في الذهن منها في عرف المتشرّعة، بل العرف العامّ من كونها مالا لا قولا.

____________

(1). سورة المائدة، الآية 44.

(2). جواهر الكلام، ج 22، ص 146- 147.

208

و كذلك بالنسبة إلى العارية و الوقف و شبهه، نعم دخولها في الملاك غير بعيد بالنسبة إلى المعاملات المحاباتية، لا بالنسبة إلى الأقوال و السعي في الحوائج.

كما يظهر النظر في كلام بعض أعاظم السادة في حواشيه على المكاسب من أنّ المتحصّل من كلمات الفقهاء (رضوان اللّه تعالى عليهم)، و من أهل العرف و اللغة ... أنّ الرشوة ما يعطيه أحد الشخصين للآخر لإحقاق حقّ أو تمشية باطل، أو للتملّق، أو الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، أو في عمل لا يقابل بالاجرة و الجعل عند العرف و العقلاء ... بل يفعلون ذلك العمل للتعاون و التعاضد فيما بينهم، كإحقاق الحقّ و إبطال الباطل، و ترك الظلم و الإيذاء أو دفعها و تسليم الأوقاف ... إلى غيره، كأن يرشو الرجل على أن يتحوّله عن منزله فيسكنه غيره، أو يتحوّله عن مكان في المساجد فيجلس فيه غيره، إلى غير ذلك من الموارد التي لم يتعارف أخذ الاجرة عليها، انتهى (1).

و الظاهر أنّ الذي حمله على هذا التعميم العجيب في ناحية موضوع الرشوة هو الأخذ بظاهر بعض كلمات اللغويين من أنّها الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، مع انّك عرفت أنّ هناك قرائن كثيرة تحدّدها.

حكم الهديّة للقاضي:

هذا كلّه في عنوان الرشوة، و لكن قد عرفت ما في بعض الروايات السابقة من الحكم بتحريم الهدية أيضا (10/ 5 المجلّد 12 الصفحة 63 و 6/ 8 المجلّد 18 الصفحة 163 و 11/ 5 المجلّد 12 الصفحة 64 من الوسائل).

و الأولى- أي رواية أصبغ بن نباتة- ضعيفة السند بأبي الجارود، و الثانية رواية جابر عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الظاهر أنّها أيضا غير نقيّة السند، و الثالث رواية الصدوق (رحمه اللّه) في عيون الأخبار، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

و هناك روايات اخر رواها البيهقي ج 10 ص 138 في باب عقده لذلك في كتاب آداب القاضي، و روى فيه روايتين عن أبي حميد الأنصاري و أبي حميد الساعدي (و لعلّهما‌

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 262- 263.

209

شخص واحد و ان كان مضمون الروايتين مختلفا ظاهرا).

فهذه الروايات و ان كانت غير نقيّة الإسناد غالبا، و لكن الإنصاف أنّها متظافرة بعضها مع بعض، مروية في كتب الفريقين المعروفة بينهم، و دلالة أكثرها قويّة.

هذا و ذكر في «مفتاح الكرامة» القولين من دون تسمية قائلهما: القول بحرمة أخذ الهدايا، و جوازه، ثمّ فصّل بين ما له مظنّة لها بالحكومة فتحرم، لأنّها تعود إلى الرشوة، و إن كان الغرض التودّد و التوصّل إلى حاجة اخرى فهي هديّة (1).

أقول الهديّة على أقسام:

1- منها ما يقصد به إبطال حقّ أو الوصول إلى مراده في الحكم أيّما كان، فهي رشوة و إن سمّيت بعنوان الهدية.

2- ما يكون في مقابل عمل القاضي، فهي بحكم الاجرة، و سيأتي حكمه إن شاء اللّه.

3- ما يكون لجلب قلبه في الحاضر، أو الآتي، و بعبارة اخرى: يكون لمقام قضائه، فلو لم يكن في هذا المقام لم يعطه.

4- ما يكون شكرا في مقابل عمله، و يكون بعد القضاء.

5- ما يكون لصلة بينه و بينه من دون أي ربط له بمقامه.

و الظاهر شمول الروايات للصور الثلاثة الاولى دون الأخيرتين، لا سيّما الأخيرة منهما، و لا ينبغي تركه فيما قبله، فالحكم بالحرمة في الصورة الاولى و الثانية و الثالثة قريب، و لو شكّ في ذلك كان الحكم البراءة، و إن كان الاحتياط لا ينبغي تركه لما يظهر من الشارع المقدّس من بنائه على الاحتياط في هذا المقام كما لا يخفى على من راجع الأدلّة.

اجور القضاة:

أمّا اجورهم فالمحكي عن المشهور المنع عن أخذ الحاكم الجعل من المتحاكمين مطلقا، بل عن جامع المقاصد دعوى النصّ و الإجماع عليه.

و الظاهر أنّه لا فرق بين الجعل و الاجرة عرفا في المقام، و ان كان بينهما فرق في مصطلحات الفقهاء.

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 91.

210

و لكن عن القاضي و المقنعة الجواز مطلقا، و عن المختلف التفصيل بين حاجة القاضي و عدم تعيّن القضاء عليه، و بين غناه أو عدم الغناء عنه.

و الذي يدلّ على القول الأوّل أي الحرمة امور:

1- مصحّحة عمّار بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت، و السحت أنواع كثيرة ... و منها اجور القضاة ...» (1).

و دلالتها ظاهرة إن أخذ بإطلاقها و لم يحمل على قضاة الجور.

2- ما رواه يوسف بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «لعن رسول اللّه 6 من نظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له ... و رجلا احتاج الناس إليه لتفقّهه، فسألهم الرشوة» (2).

و ظاهرها و إن كان تحريم الرشوة، إلّا أنّ قوله: احتاج الناس إليه «لتفقّهه»، ربّما يدلّ على حرمة الاجور أيضا، و لكن لا يخلو عن إشكال (و الرواية مجهولة بيوسف).

3- معتبرة عبد اللّه بن سنان قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: «ذلك السحت» (3).

و لكن التعبير بالرزق مخالف للمقصود لما سيأتي من جواز ارتزاقه من بيت المال، و ليس حمله على الأجر بأولى من حمل السلطان على الجائر.

و قد يعارض بما رواه حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «من استأكل بعلمه افتقر»، قلت: إنّ في شيعتك قوما يتحمّلون علومكم و يبثّونها في شيعتكم، فلا يعدمون منهم البرّ و الصلة و الإكرام؟ فقال: «ليس اولئك بمستأكلين، إنّما ذاك الذي يفتي بغير علم و لا هدى من اللّه ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا» (4).

و موضع الاستفادة منها هو قوله: «ليبطل به الحقوق» الذي يستفاد منه جواز أخذ الاجرة إذا لم يبطل الحقوق، و الإنصاف أنّه لا ربط له بمسألة القضاء، و إنّ الطائفة المانعة كافية في إثبات المقصود، بعد وضوح دلالة الاولى منها و اعتبار سندها، و عمل المشهور بها، و تؤيّدها‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 64، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 12.

(2). وسائل الشيعة، ج 18، ص 163، الباب 8، من أبواب آداب القاضي، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 161، ح 1.

(4). وسائل الشيعة، ج 18، ص 102، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، ح 12.

211

الروايتان الاخريان، و أمّا المعارض فلا دلالة كما عرفت.

و قد يستدلّ له- مضافا إلى ما ذكر- بامور اخرى:

1- كون القضاء واجبا عينيا أو كفائيا- و الظاهر أنّه من الواجبات المبنيّة على المجانية، فيحرم أخذ الاجرة عليها، و لكنّه أخصّ من المدّعى، لأنّه قد يقوم له من به الكفاية، فلا يجب على الآخرين مطلقا.

2- إنّه مقام رفيع قد احتاط فيه الشارع المقدّس من جهات عديدة، و سنّ فيها سننا يستفاد من مجموعها عدم جواز هذه الامور فيها، و هذا غير بعيد لمن لا حظ ما ورد في أبواب القضاء من الروايات.

3- إنّ أخذ الأجر ربّما يؤدّي إلى وقوع القاضي في خطر الجور، و المساواة بين الخصمين في الأجر، و إن كان قد يدفع ذلك، و لكنّه أيضا غير كاف، لأنّ المساواة أيضا قد تدعو إليه، لأنّه يريد حفظ منافع كليهما، و الحال أنّ أحدهما يكون محقّا، و الآخر مبطلا غالبا.

و هذا إن لم يكن دليلا، فلا أقل من أنّه مؤيّد للمطلوب.

4- و يمكن الاستدلال له بما مرّ من حرمة أخذ الهدايا، فانّها تدلّ على حرمة الاجرة بطريق أولى.

و من هنا يظهر حال القولين الآخرين، فانّ كون عمل القاضي محترما و حلالا، و إنّ اللّه إذا أحلّ شيئا أحلّ ثمنه، و إن كان معلوما، لكن لا يقاوم الأدلّة السابقة، للزوم الخروج عن هذا الأصل بعد ورود الأدلّة على خلافه كما في المقام.

كما أنّ التفصيل إنّما هو ناظر إلى بعض الأدلّة فقط، فلا يركن إليه، هذا مضافا إلى أنّ حاجة القاضي و عدمها غير دخيلة في المقصود كما لا يخفى.

ارتزاق القاضي من بيت المال:

و المشهور جوازه، و هو الأقوى، و يدلّ عليه امور:

212

1- إنّ أدلّة الحرمة التي مرّت عليك غير شاملة لها، فيبقى على أصالة الجواز، بضميمة ما دلّ على مصارف بيت مال المسلمين، و أنّه لمصالح الإسلام و المسلمين، و من أهمّها أمر القضاء و رفع حاجة القاضي.

2- ما دلّ من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة فيما كتبه لمالك الأشتر النخعي، و إرسال سنده لا يقدح بعد علو مضامينه، بل فيه دلالة على لزوم تحصيل كلّما يحتاج إليه القاضي من حيث المعنى و المادّة، لكيلا يشرف نفسه على الجور (1).

3- السيرة المستمرّة منذ زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الوصي (عليه السلام)، فإنّ القضاة كانوا يستمدّون من بيت المال ظاهرا و لم ينكر عليهم أحد.

و ما دلّ على عدم جواز أخذ الرزق من السلطان (1/ 8)، فقد عرفت أنّه ناظر إلى قضاة الجور لا قضاة العدل.

بقي هنا امور:

الأوّل- لا يعتبر الحاجة و الفقر فيما يأخذه القاضي من بيت المال، و إن كان التعبير بالارتزاق قد يشعر به، لما عرفت من أنّ المعيار فيه رعاية مصالح المسلمين، فقد تقتضي المصلحة إعطائه و ان كان غنيّا ليهتمّ بأمر القضاء، و بالجملة ما يؤخذ من بيت المال قد يكون مشروطا بالفقر كالزكاة بالنسبة إلى سهم الفقراء و المساكين، و قد لا يكون كذلك كالخراج و الزكاة بالنسبة إلى سهم العاملين أو المؤلّفة قلوبهم أو في سبيل اللّه، و كذا سهم اللّه و رسوله و الأئمّة (عليهم السلام) في الخمس دون سهام الفقراء و أشباههم، و حينئذ تتبّع المصالح في كلّ مقام، فلا يكون الفقر شرطا عاما.

و ما ورد في تقسيم بيت المال على حدّ سواء إنّما هو في بعض ما يكون مشتركا بين عموم المسلمين (كما ذكر في محلّه).

الثّاني- هل تجوز الرشوة في غير الأحكام، كأخذها لإصلاح أمره عند السلطان أو نجاة‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، ص 163، الباب 8، من أبواب آداب القاضي، ح 9، و نهج البلاغة، الكتاب 53.

213

مظلوم عن سجن الظالم، أو أخذ حقوقه عمّن عليه الحقّ، أو إصلاح ذات البين، أو شفاعة عند من يحتاج إليه في بعض الامور أو غير ذلك من أشباهه؟

قد يقال: إنّ إطلاقات الرشوة تشمل جميع موارد الأحكام و غيرها، لأنّها هي الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، فكلّ مصانعة يتوصّل بها إلى حاجة داخلة فيها.

و فيه: إنّها منصرفة إلى باب الأحكام للتصريح به في كثير منها، فيحمل عليه غيره، نعم رواية العيون (11/ 5) قد تدلّ على حرمتها، للحكم فيها بكون الهدية بعد قضاء الحاجة سحتا أيضا.

و لكن قد عرفت الجواب عنه، و أنّه لا بدّ من حملها على الكراهة.

و ذكر صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بعد عنوان المسألة «إنّ المحرّم الرشا في خصوص الحكم أو يعمّه و غيره؟ و على الأوّل فهو خصوص الحكم الشرعي أو يعمّه و العرفي من حكّام العرف، بل و غيرهم من الآمرين بالمعروف؟ ... لم أجد تحريرا لشي‌ء من ذلك في كلمات أحد من الأصحاب» ثمّ قال في بعض كلامه: «أمّا النصوص فهي و إن كان كثير منها في الرشاء في الحكم، لكن فيها ما هو مطلق لا يحكم عليه الأوّل لعدم التنافي بينهما، اللهمّ إلّا إن تفهم القيدية فيتنافي حينئذ مفهومه مع المطلق، لكنّه كما ترى» انتهى (1).

و فيه أوّلا- إنّ تكرار هذا القيد في النصوص الكثيرة ظاهر في المفهوم، لأنّه في مقام الاحتراز.

و ثانيا: إنّ معناها اللغوي و إن كان مطلقا، إلّا أنّه مختص في العرف بما يستعمله قضاة الجور و الظلمة و أتباعهم و من يحذو حذوهم، كما ذكره (قدّس سرّه) في بعض كلماته.

و ثالثا- إنّ عمومها و إن سلّم، إلّا انّك قد عرفت أنّه يختصّ بما إذا كان لإبطال حقّ أو إحقاق باطل، و هذا محرّم على القواعد أيضا.

فلا يستفاد من مجموعها ما يزيد على مقتضى القواعد.

فلنرجع إلى ما تقتضيه القواعد هنا، فنقول (و منه سبحانه نستمدّ التوفيق و الهداية): إن أخذ الرشوة في غير الأحكام يكون على أنحاء:

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 147 و 148.

214

1- تارة يكون في مقابل أمر حرام، سواء كان لتضييع حقّ، أو أخذ ما ليس له بحقّ، أو نجاة ظالم، أو اضطهاد مظلوم، فلا شكّ أنّه حرام و إن لم يكن في دائرة القضاء.

2- و اخرى يكون في مقابل أمر واجب عليه بمقتضى الشرع الذي يجب عليه فعله مجانا، كالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هو أيضا حرام كما هو واضح.

3- و ثالثة يكون في مقابل ما وجب عليه بمقتضى كونه أجيرا على عمل، كموظفي الإدارات و عمّال الحكومة الذين يأخذون من الحكومة في مقابل ما عليهم من الأعمال اجورا، فلو أخذوا رشوة كان حراما، بل قد لا يؤدّون ما عليهم من الواجب طمعا في أخذ الرشوة- و لا شكّ أنّه أيضا حرام، لأنّه أكل مال بالباطل.

4- و قد يكون الجعل لإصلاح أمر لا يكون واجبا عليهم عرفا و شرعا، و لا بمقتضى الإجارة للحكومة و غيرها و لكن يأخذ على إصلاح الأمر حقّا كان أو باطلا شيئا، و لا شكّ في حرمته أيضا، لأنّه بهذه الصورة أكل للمال بالباطل، و أنّه تعالى إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه، و كذا إذا أخذ منه لإحقاق حقّه قبل أوانه، ممّا لا يستحقّه بحسب النوبة.

5- إذا كانت الصورة بحالها، و لكن كان الجعل مأخوذا بقصد إصلاح أمره بطريق حلال لا يجب عليه شرعا، فحينئذ لا مانع منه شرعا، لأنّه أخذ جعل أو اجرة أو هدية على أمر محلّل في الشرع، كما إذا لم يكن صاحب الأمر عارفا بطريق ذلك، و أخذ منه الجعل لإراءة الطريق و شبهها.

و الظاهر أنّ ما ورد في حديث محمّد بن مسلم الذي يدلّ على جواز أخذ الرشوة لينتقل من منزله (2/ 85 من أبواب ما يكتسب به) ناظر إلى أمثال ذلك، كما أنّ ما ورد عن الصيرفي عن أبي الحسن (عليه السلام) من جواز إعطاء الرشوة لعدم ظلم وكيل السلطان (1/ 37 من أحكام العقود) ناظر إلى ما سبق، فراجع و تدبّر.

6- قد يأخذ شيئا لشراء المتاع الذي و وكّل على شرائه عن شخص معيّن، فان كان ذلك منه لأخذ شي‌ء أقلّ منه أو على خلاف القيمة السوقية فلا شكّ في حرمة أخذ الجعل، بل و بطلان المعاملة، لأنّه لم يكن وكيلا فيها بهذه الكيفية، و إن كان وكيلا للشراء لا من شخص خاصّ، فأخذ الجعل على ترجيح هذا الشخص على ذاك، فالظاهر أنّه أيضا كذلك، لأنّه من‌

215

قبيل أكل المال بالباطل، نعم لو قبل منه هدية من غير معاوضة على العمل كان جائزا، إذا لم يتخلّف في شي‌ء من شئون وكالته، فتدبّر.

الثّالث- المعاملة المحاباتية (و هي المشتملة على المساهلة في البيع بحسب اللغة و في الاصطلاح البيع بما دون القيمة) على أقسام:

1- قد يكون الغرض منها الرشوة، لأنّه لا يمكنه أخذ الرشوة ظاهرا، فيتوصّل إلى المعاملة لذلك، أو يكون هذا داعيا له إلى المعاملة، كما إذا كان يشتري القاضي منه من قبل أيضا، و لكن تكون المحاباة بداعي الرشوة في المستقبل البعيد أو القريب، و كان الحكم له شرط ضمني فيه، فلا شكّ في حرمتها أيضا و فساد المعاملة لذلك، فهي من قبيل أكل المال بالباطل، و حيث أنّه لا يمكن التفكيك بين أصل المعاملة و المحاباة تبطل الصورة الثانية أيضا.

2- قد يكون ذلك بدون شرط، بل لجلب قلب القاضي، كالهدايا التي تهدى له لمقامه، فإذا انعزل انقطع! و هو أيضا حرام، لما عرفت في الهدية، فتشملها أدلّتها بالملاك كما هو ظاهر.

3- قد يكون لتكريم القاضي و التشكّر منه في حكمه الحقّ بعد العمل من دون نيّة خلاف بالنسبة إلى المستقبل، و لا دليل على حرمته و ان كان الأولى تركه.

4- قد يكون لصلة بينه و بين القاضي مع قطع النظر عن مقام قضائه، كما إذا كان من أقربائه، فهو أيضا جائز بلا إشكال.

و بالجملة تنقسم المعاملات المحاباتية انقسام الجعل و لها أحكامه.

و الظاهر كما ذكره شيخنا الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ المعاملة المحاباتية المحرّمة فاسدة في وجه قوي (1) خلافا لبعض أعاظم المحشّين (2).

لأنّ الوفاء بهذا العقد غير ممكن شرعا، و تسليم العين غير جائز، فحينئذ يكون كعين لا يقدر على تسليمها!

____________

(1). المكاسب، المسألة الثامنة، ص 31.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 273.

216

الرّابع: في الحكم الوضعي لما يعطى بعنوان الرشوة.

قال في الجواهر: لا خلاف و لا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك، كما هو مقتضى قوله «أنّها سحت» و غيره من النصوص الدالّة على ذلك، و إن حكمها حكم غيرها ممّا كان من هذا القبيل، نعم قد يشكل الرجوع بها مع تلفها و علم الدافع بالحرمة، باعتبار تسليطه، انتهى محلّ الحاجة (1).

و للمسألة هنا صور:

1- إذا كان عين الرشوة موجودة يجوز أخذها بلا إشكال، لبقائها على ملك مالكها.

2- إذا كانت تالفة فإن كان بعنوان المعاوضة أو شبهها في مقابل الحكم فالآخذ ضامن، و إن علما بالفساد، فإنّ العلم بالفساد لا يوجب التسليط المجاني، بل التسليط بالعوض إعراضا عن حكم الشرع و اعتناء بحكم العقلاء- إذا جوزوا- أو بناء منه على صحّة هذا العقد الفاسد من قبل نفسه، و بالجملة لم يقصد المجانية مطلقا، و هذا نظير غيره من العقود الفاسدة مع العلم بفسادها، فإنّه ضامن لما أخذه إذا كانت ممّا يضمن بصحيحها كما ذكرناه في محلّه، و كذا إذا كان من قبيل الشرط الضمني، ففيه أيضا ضامن.

3- إذا أعطاها هديّة و هبة لجلب قلبه، و أتلفها، فالظاهر أنّه غير ضامن، لأنّه ممّا لا يضمن بصحيحة، فلا يضمن بفاسده، و الدواعي لا اعتبار بها في المعاملات كما هو ظاهر.

4- لو حاباه في معاملة، فالظاهر فساد المعاملة أيضا، و حيث أنّها ممّا يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فهو ضامن لما أخذه من المتاع، و البائع ضامن لما أخذه من الثمن، و القول بأنّه من قبيل الشرط الفاسد و هو لا يوجب الفساد في العقد، ممنوع، لما عرفت من شمول أدلّة الرشوة و الهبة لنفس المعاملة و لو بملاكها، فهي محرّمة و أكل للمال بالباطل، و لا يجب الوفاء بها، فهي فاسدة.

الخامس- إذا اختلف المعطي و الآخذ، فقد ذكر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من صور الاختلاف شقوقا ثلاثة و عمدتها:

1- إذا اختلفا فقال المعطي: كانت هدية ملحقة بالرشوة في الحرمة و الفساد، و قال الآخذ: بل كانت هبة صحيحة.

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 149.

217

فقد يقال بترجيح الأوّل، نظرا إلى أنّ الأصل هو الضمان، و أنّ الدافع أعرف بنيّته.

و لكن الحقّ ترجيح الثاني، لأنّ الطرفين متفقان على كونها هبة، و إنّما الخلاف في الصحّة و الفساد، و الأصل هو الصحّة.

2- إذا ادّعى الدافع أنّها إجارة فاسدة، و ادّعى الآخذ أنّها كانت هبة صحيحة، فحيث لا عقد هنا متّفق بينهما، يرجع إلى أصالة الضمان في الأموال، فيرجّح قول الدافع.

3- إذا ادّعى المعطي إنّها كانت إجارة فاسدة، و ادّعى الآخذ كونها هبة فاسدة حتّى لا يكون ضامنا لما مرّ من أنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

و القول هنا أيضا قول المدّعي للضمان، لأنّه الأصل في الأموال.

و الحاصل في جميع هذه الصور و أشباهها أنّ مقتضى الأصل في باب الأموال إذا أتلفها غير مالكها هو الضمان، و عليه جرت بناء العقلاء، إلّا أن يثبت أنّه كان برضى صاحبها أو بحقّ له عليه، و ما ورد من أنّه «لا يحلّ مال امرئ إلّا عن طيب نفسه».

و لا حاجة إلى التمسّك بقوله «على اليد ما أخذت» حتّى يقال أنّه لم يثبت صحّة سنده، كما أنّه لا حاجة إلى استصحاب عدم طيب نفس المالك و رضاه، حتّى يقال أنّه عدم أزلي أو محمولي، بل الذي يدّعي الحقّ على مال الغير أو جواز تصرّفه برضاه يحتاج إلى الإثبات، لما عرفت من أنّ البناء المسلّم بين العقلاء الذي أمضاه الشارع هو الضمان في هذا الباب.

نعم إذا اتّفقا على وقوع عقد، و لكن اختلفا في صحّته و فساده، فأصالة الصحّة حاكمة، كما إذا تنازعا في صحّة الهبة و فسادها قبل التلف إذا كان الموهوب له ذا رحم أو معوّضة (بناء على المعروف من لزومها) أمّا إذا كان بعد التلف فهو غير ضامن على كلّ حال، لما عرفت من أنّ صحيحها ممّا لا يضمن به فلا يضمن بفاسده.

9- سبّ المؤمن

السباب ليس أمرا يمكن الاكتساب به عادة، و إنّما ذكره العلماء هنا استطرادا للباب و توسعة للبحث بما لم يذكر في غير المقام.

218

و الكلام فيه تارة من ناحية الحكم، و اخرى من ناحية الموضوع، و ثالثة في المستثنيات.

أمّا المقام الأوّل، فلا شكّ في حرمة سبّ المؤمن، و استدلّ له بالأدلّة الأربعة:

أمّا من كتاب اللّه لقوله تعالى: وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (1) و أي زور أعظم من هذا؟ فإنّه من أوضح مصاديقه.

و من السنّة روايات كثيرة منها:

1- ما رواه عبد الرحمن بن حجّاج عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في رجلين يتسابّان قال:

«البادي منهما أظلم، و وزره و وزر صاحبه عليه، ما لم يعتذر إلى المظلوم» (2).

2- و ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ رجلا من تميم أتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال:

أوصني، فكان فيما أوصاه أن قال: «لا تسبّوا الناس فتكسبوا العداوة لهم» (3).

3- ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «سباب المؤمن فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية، و حرمة ماله كحرمة دمه» (4).

4- ما رواه النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه «سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة» (5).

و من دليل العقل أنّه من مصاديق الظلم بغير إشكال.

و الإجماع على الحكم واضح ظاهر.

و المقام الثّاني- معنى السبّ معلوم إجمالا، قال الراغب في المفردات: إنّه الشتم الوجيع، و «السبابة» سمّيت بها للإشارة بها عند السبّ كتسميتها ب‍ «المسبحة» لتحريكها بالتسبيح (6).

و يظهر أنّه أشدّ من الشتم، و منه يظهر أيضا أنّ ما ذكره في لسان العرب- من أنّ السبّ هو التعبير بالبخل- من قبيل بيان المصداق.

____________

(1). سورة الحجّ، الآية 30.

(2). وسائل الشيعة، ج 8، ص 610، الباب 158، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

(4). المصدر السابق، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 611، ح 4.

(6). المفردات، مادّة «سبّ».

219

و الظاهر أنّ كلّ قول يقصد به التحقير و الإهانة و تنقيص الغير هو سبّ، و قد ورد في روايات أبواب التعزيرات أنّ السبّ بغير قذف، عليه تعزير (1)، و ذكر كثير من مصاديقه في روايات اخرى من هذا الباب، مثل قول الرجل لغيره: أنت خبيث أو خنزير (2) و ابن المجنون (3) و يا فاسق (4) يا شارب الخمر يا آكل الخنزير (5).

و يدخل فيه كلّما يوجب منقصة في النفس و الأخلاق و الدين و العرض و الأهل، بل المال و البدن، إذا كان فيه إهانة و تحقير، كأن يقول «وجهك وجه الخنزير» و «مالك مال السرقة و القمار» و لو نوقش في دخول بعض ذلك في مفهوم اللفظ، فلا شكّ أنّه داخل في الحكم، بل قد عرفت أنّ ثلاثة من الأدلّة الأربعة هنا لا تدور مدار عنوان السبّ، بل الزور أو الظلم أو غير ذلك ممّا هو أهمّ قطعا.

و هل يلزم مخاطبة الشخص المسبوب بذلك؟ الظاهر عدمه، لعدم اعتباره لا في مفهوم اللفظ، و لا في ملاك الحكم، بل كان كثير من المجرمين في الصدر الأوّل يسبّون المؤمنين على ظهر الغيب، بل و بعد موت المعنيّ بالسبّ، فلا يعتبر فيه التخاطب أصلا.

و هل يعتبر أن يكون السبّ بقصد الإنشاء؟ كما عن المحقّق الإيرواني (قدّس سرّه)، و لذا ذكر أنّ النسبة بينه و بين الغيبة هي التباين، لأنّها إخبار، و هذا إنشاء، أو يعمّ الخبر و الإنشاء؟

الظاهر هو الثاني، لعدم ذكر هذا القيد فيما عرفت من كتب اللغة، بل و لا متفاهم العرف، و ان كان أكثر أفراده بالإنشاء أو بالنداء، و الأمر سهل بعد عموم الملاك.

المقام الثالث: في موارد الاستثناء من هذا الحكم، و قد استثنى منه امور:

1- المتظاهر بالفسق، لأنّه لا حرمة له.

2- أهل البدع، و يدلّ عليه ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي، فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم ...» الحديث (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، ص 452، الباب 19، من أبواب حدّ القذف، ح 1، رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ص 453، ح 4.

(5). المصدر السابق، ص 454، ح 10.

(6). وسائل الشيعة، ج 11، ص 508، الباب 39، من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ح 1.

220

3- ما لا يتأثّر به المسبوب عرفا، بأن لا يكون نقصا في حقّه، كقوله الوالد لولده بعض ما هو المعمول بينهما، أو قد يكون له فخرا كقول بعض أساتيذه فيه بعض الأشياء.

4- ما إذا كان بعنوان التأديب، كتأديب الوالد لولده لفحوى جواز ضربه.

5- ما كان للنهي عن المنكر، إذا توقّف عليه بالخصوص، فهو جائز بأدلّته.

و ليعلم أنّ هذه الامور ليست على نحو واحد، بل بعضها من قبيل الخروج عن الموضوع كالثالث، و بعضها من باب الخروج عن الحكم كالباقي، هذا و لكن بعضها لا يخلو عن تأمّل.

أولا: الإنصاف أنّ مجرّد عدم الحرمة للفاسق المتظاهر غير كاف في جواز سبّه ما لم يدخل تحت عنوان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لا يجوز قياسه على عدم حرمة غيبته كما لا يخفى.

و ثانيا: إنّ سبّ أهل البدع أيضا داخل في هذا العنوان، فإنّهم من أظهر الفسّاق، أو من باب النهي عن المنكر.

و ثالثا: إنّ سبّ من لا يتأثّر عنه خارج عن عنوانه، لأنّه لا يكون نقصا و إيذاء و تحقيرا له، فلا يبعد جوازه، إذا لم يكن داخلا تحت عنوان قول الزور، أمّا إذا كان من جهة عدم مبالاته بما قال و ما قيل فيه، فيشكل خروجه عن إطلاق الأخبار.

و رابعا: جوازه بأدلّة التأديب أو النهي عن المنكر إنّما يصحّ إذا لم يمكن ذلك بطريق آخر غير مشتمل عليه.

بل و كذا يجوز إذا كان هناك اغراض أهمّ من قبيل التقيّة و شبهها، مثل بعض ما ورد في حقّ زرارة و نظائره من أكابر الأصحاب صونا لدمائهم.

بقى هنا شي‌ء:

و هو إنّه قد يقال بعدم حرمة السبّ في مقابل السبّ، لو لم يتعدّ، و إنّ إثمهما على البادي منهما، و يحكى عن المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) في آيات أحكامه من جواز القصاص حتّى ضرب‌

221

المضروب و شتم المشتوم بمثل فعلها (1).

و كذا ما عن العلّامة المجلسي (قدّس سرّه) من التصريح بأنّ الصادر عن المظلوم يترتّب عليه الإثم إلّا أنّ الشرع أسقط عنه المؤاخذة و جعلها على البادي! (2).

و يظهر من الأوّل منهما عدم الإثم فيه، لاستدلاله بآيات جواز الاعتداء بالمثل، و من الثاني منهما كونه حراما، و لكن الشارع جعل إثمه على البادي.

و اختاره في مصباح الفقاهة أيضا (3).

و غاية ما يمكن الاستدلال له امور:

1- آيات الاعتداء بالمثل (4).

و لكن الإنصاف انصرافه عن ذلك، و إلّا لزم جواز «القذف» في «مقابل القذف» لعدم الفرق بينهما، و القول بخروجه بدليل خاصّ كما ترى، و كذا الغيبة في مقابل الغيبة، و التهمة في مقابل التهمة، و هو عجيب.

2- ما مرّ في مصحّحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في رجلين يتسابّان قال: «البادي منهما أظلم، و وزره و وزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم» (5).

و هنا روايتان، في إحداهما «وزره و وزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم» و في الاخرى بتفاوت في صدر سند الحديث و متنه «ما لم يتعدّ المظلوم» و ظاهره أنّه لا وزر عليه لو لم يتعدّ عن الحدّ، فيتوافق مع آيات الاعتداء بالمثل.

و فيه: أنّ الظاهر أنّهما ليستا روايتين، بل الاختلاف ناشئ من إختلاف النسخ بعد وحدة الراوي و المروي عنه (عليه السلام) و المضمون، و كون الاختلاف في صدر السند فقط، فالاستدلال بها‌

____________

(1). آيات الأحكام نقلا عن مصباح الفقاهة، ج 1، ص 280.

(2). بحار الأنوار، ج 72، ص 295، (باب السفيه و السفلة ح 2).

(3). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 280.

(4). سورة البقرة، الآية 193- 194.

(5). وسائل الشيعة، ج 8، ص 610، الباب 158، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

222

أيضا مشكل مع عدم ثبوت المتن الثاني و لا سيّما أنّ السند في الأوّل أقوى، و من حيث الدلالة أيضا مشكل، لاحتمال كونه من قبيل من سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شي‌ء، لا سيّما بقرينة قوله «أظلم».

3- ما ورد من طرق العامّة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«المتسابّان ما قالا فعلى البادي، ما لم يتعدّ المظلوم» (1).

و الإشكال فيه من حيث السند ظاهر، و يرد على دلالته ما سبق.

و يؤيّد المختار أمران:

1- ما ورد في حكم التعزير في المتسابّين: عن أبي مخلّد السرّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل دعا آخر: ابن المجنون، فقال له الآخر: أنت ابن المجنون! فأمر الأوّل أن يجلد صاحبه عشرين جلدة و قال: أعلم أنّه مستعقب مثلها عشرين، فلمّا جلده أعطى المجلود السوط فجلده عشرين نكالا ينكل بهما (2).

فإنّه كالصريح في الإثم من الجانبين إلّا أن يستشكل عليه بعدم صحّة سنده.

و كذلك ما ورد في حكم المتقاذفين من درء الحدّ عن كليهما و ثبوت التعزير فيهما مثل ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين افترى كلّ واحد منهما على صاحبه؟ فقال: «يدرأ عنهما الحدّ و يعزّران» (3).

و الرواية صحيحة السند و قد أفتى بها الأصحاب من غير نكير.

و قد ذكر صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في كتاب الحدود بعد ذكر هذا الحكم: «و منه و من غيره يعلم عدم سقوط التعزير عنهما لو تغايرا بما يقتضيه» (4).

2- المقابلة بالمثل قد يكون إيذاء فقط، فيجوز بأدلّة القصاص و غيره، و اخرى يكون بما هو محرّم في نفسه، و في مثل ذلك لا يجوز، لأنّه من قول الزور و قبيح في نفسه، كالغيبة في مقابل الغيبة، و التهمة في مقابل التهمة.

____________

(1). سنن البيهقي، ج 10، ص 235، كتاب الشهادات.

(2). وسائل الشيعة، ج 18، ص 452، الباب 19، من أبواب حدّ القذف، ح 3.

(3). المصدر السابق، ص 451، الباب 18، ح 1.

(4). جواهر الكلام، ج 41، ص 431.

223

و العمدة أنّ جواز المقابلة في خصوص حقّ الناس لا ما كان فيه جهة حقّ اللّه أيضا، كالغيبة و التهمة و السبّ و إحراق دار الغير في مقابل إحراق داره لما فيه من القبح، فتدبّر جيّدا.

10- السحر

المقام الأوّل: في حرمة السحر

حرمة السحر على سبيل الإجمال مسلّمة معلومة كما اتّفقت عليه كلمات علماء الإسلام، بل قد يقال أنّها من ضروريات الدين، و ليس ببعيد، و يدلّ على حرمتها آيات من كتاب اللّه عزّ و جلّ:

قوله تعالى في سورة يونس: أَ سِحْرٌ هٰذٰا وَ لٰا يُفْلِحُ السّٰاحِرُونَ (1).

و قوله تعالى: وَ أَلْقِ مٰا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مٰا صَنَعُوا إِنَّمٰا صَنَعُوا كَيْدُ سٰاحِرٍ وَ لٰا يُفْلِحُ السّٰاحِرُ حَيْثُ أَتىٰ (2).

و ما ورد في قصّة هاروت و ماروت و أهل بابل من قوله تعالى:

وَ مٰا كَفَرَ سُلَيْمٰانُ وَ لٰكِنَّ الشَّيٰاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّٰاسَ السِّحْرَ (3) فإنّ ظاهره كون السحر نوعا من الكفر.

أمّا من السنّة فيدلّ عليه روايات كثيرة أوردها صاحب الوسائل في الباب 25 و 26 من أبواب ما يكتسب به، و الباب 1 و 3 من أبواب بقيّة الحدود و التعزيرات، منها ما يلي:

1- ما رواه السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ساحر المسلمين يقتل و ساحر الكفّار لا يقتل»، قيل: يا رسول اللّه لم لا يقتل ساحر الكفّار؟ قال:

«لأنّ الشرك أعظم من السحر، لأنّ السحر و الشرك مقرونان» (4).

____________

(1). سورة يونس، الآية 77.

(2). سورة طه، الآية 69.

(3). سورة البقرة، الآية 102.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 106، الباب 25، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

224

2- ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن شيخ من أصحابنا الكوفيين قال: دخل عيسى بن شقفي على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و كان ساحرا يأتيه الناس، و يأخذ على ذلك الأجر، فقال له:

جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر، و كنت آخذ عليه الأجر، و كان معاشي، و قد حججت منه، و منّ اللّه عليّ بلقائك و قد تبت إلى اللّه عزّ و جلّ، فهل لي شي‌ء من ذلك مخرج؟

فقال له (عليه السلام): «حل و لا تعقد» (1).

فدلّ على حرمة السحر فيما يعقد.

3- ما رواه محمّد بن سيّار عن أبويهما عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه (عليهم السلام) في حديث قال:

في قوله عزّ و جلّ: وَ مٰا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبٰابِلَ هٰارُوتَ وَ مٰارُوتَ قال: «كان بعد نوح (عليه السلام) قد كثرت السحرة المموّهون، فبعث اللّه عزّ و جلّ ملكين إلى نبي ذلك الزمان يذكر ما يسحر به السحرة، و ذكر ما يبطل به سحرهم و يردّ به كيدهم، فتلقّاه النبي عن الملكين، و أدّاه إلى عباد اللّه بأمر اللّه عزّ و جلّ، و أمرهم أن يقفوا به على السحرة و أن يبطلوه، و نهاهم أن يسحروا به الناس، و هذا كما يدلّ على السمّ ما هو؟ و على ما يدفع به غائلة السمّ، إلى أن قال: و ما يعلّمان من أحد ذلك السحر و إبطاله حتّى يقولا للمتعلّم إنّما نحن فتنة، و امتحان للعباد، ليطيعوا اللّه فيما يتعلّمون من هذا، و يبطل به كيد السحرة و لا يسحروهم، فلا تكفر باستعمال هذا السحر و طلب الإضرار به و دعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنّك به تحيي و تميت و تفعل ما لا يقدر عليه إلّا اللّه عزّ و جلّ، فإنّ ذلك كفر «إلى أن قال» و يتعلّمون ما يضرّهم و لا ينفعهم لأنّهم إذا تعلّموا ذلك السحر ليسحروا به و يضرّوا به فقد تعلّموا ما يضرّهم في دينهم و لا ينفعهم فيه» (2).

4- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) مرسلا: إنّ توبة الساحر أن يحلّ و لا يعقد (3) (و كأنّه إشارة إلى ما مرّ تحت الرقم 2).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 105، الباب 25، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 106، ح 4.

(3). المصدر السابق، ح 3.

225

5- ما رواه علي بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: «و أمّا هاروت و ماروت فكانا ملكين علّما الناس السحر ليحترزوا به سحر السحرة و يبطلوا به كيدهم و ما علّما أحدا من ذلك شيئا حتّى قالا إنّما نحن فتنة فلا تكفر، فكفر قوم باستعمالهم لما امروا بالاحتراز منه و جعلوا يفرّقون بما تعلّموه بين المرء و زوجه، قال اللّه تعالى و ما هم بضارّين به من أحد إلّا بإذن اللّه يعني بعلمه» (1).

6- ما رواه أبو البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ عليا (عليه السلام) قال: «من تعلّم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا فقد كفر، و كان آخر عهده بربّه وحده أن يقتل إلّا أن يتوب» (2).

7- ما رواه عبد الرحمن بن الحسن التميمي مسندا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) في حديث: «نحن أهل بيت عصمنا اللّه من أن نكون فتّانين أو كذّابين أو ساحرين أو زنائين، فمن كان فيه شي‌ء من هذه الخصال، فليس منّا و لا نحن منه» (3).

8- ما رواه أبو موسى الأشعري قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ثلاثة لا يدخلون الجنّة:

مدمن خمر و مدمن سحر و قاطع رحم» (4).

9- ما رواه الهيثم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ عندنا بالجزيرة رجلا ربّما أخبر من يأتيه يسأله عن الشي‌ء يسرق أو شبه ذلك فنسأله، فقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب» (5).

10- ما رواه زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه» (6).

11- ما رواه زيد بن علي عن أبيه عن آبائه قال: سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن الساحر فقال:

«إذا جاء رجلان عدلان فشهدا بذلك فقد حلّ دمه» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 107، الباب 25، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). المصدر السابق، ص 108، ح 8.

(4). المصدر السابق، ص 107، ح 6.

(5). المصدر السابق، الباب 26، ص 109، ح 3.

(6). وسائل الشيعة، ج 18، ص 576، الباب 1، من أبواب بقيّة الحدود، ح 3.

(7). المصدر السابق، الباب 3، ص 577، من أبواب بقيّة الحدود، ح 1.

226

12- و ما رواه إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أنّ عليا (عليه السلام) كان يقول: «من تعلّم شيئا من السحر كان آخر عهده بربّه، و حدّه القتل إلّا أن يتوب» (1).

المقام الثّاني: في معنى السحر

و قد عرّف بتعاريف مختلفة في اللغة و لسان الفقهاء لا يخلو جلّها أو كلّها عن إشكال و إبهام:

1- ما عن القاموس: أنّه ما لطف مأخذه و دقّ.

2- و في لسان العرب: السحر الآخذة، و كلّ ما لطف مأخذه و دقّ.

3- و في مجمع البحرين: يسمّى سحرا لأنّه صرف جهته.

4- و عن الأزهري: أصل السحر صرف الشي‌ء عن حقيّته إلى غيرها.

5- و فسّر بعضهم: بإظهار الباطل بصورة الحقّ.

6- و بعضهم بالخدعة و التمويه.

7- و بعضهم: كلام يتكلّم به أو يكتبه أو رقيّة، أو يعمل شيئا يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة.

8- إنّه: صرف الشي‌ء عن وجهه على سبيل الخدعة و التمويه (و كأنّه من تركيب بعضها إلى بعض) ذكره في مصباح الفقاهة (2).

و الظاهر أنّ شيئا من هذه التفسيرات لا تكون تفسيرا جامعا مانعا، فانّ مجرّد لطف المأخذ و الدقّة، أو الأخذ بالعيون أو صرف الشي‌ء عن وجهه، أو إظهار الباطل بصورة الحقّ ليس سحرا، كما في الغشّ في الكلام و الأعيان الخارجية.

و كذا مجرّد الخدعة و التمويه أو صرف الشي‌ء عن وجهه على سبيل الخدعة الموجودة في أنواع الغشّ و المكر، لا يختصّ بالسحر، بل يشمله و غيره.

و الاولى ملاحظة حال مصاديقها الواضحة و استقرائها و استخراج جامع بينها، فنقول (و منه جلّ شأنه التوفيق و الهداية):

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، الباب 3، ص 577، من أبواب بقيّة الحدود، ح 2.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 285.

227

استعملت هذه الكلمة في كتاب اللّه العزيز كثيرا، و كذا في السنّة، فمنه ما ورد في قصّة سحرة فرعون، فقد أخذوا عصيّا و حبالا و وضعوا فيها أشياء (و يقال زيبق) فإذا يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى، فأخذوا أعين الناس و استرهبوهم و جاؤوا بسحر عظيم، فسحرهم كان أمرا مركّبا من «الأخذ بالعيون» و «الاسترهاب» و «الانتفاع ببعض خواص الأشياء الخفيّة» و في جانب آخر نرى السحر الذي أخذه أهل بابل من الملكين، فكانوا يأخذون ما يضرّهم و يفرّقون بين المرء و أهله ببعض الأسباب الخفيّة.

و في جانب ثالث نرى الكفّار من جميع الامم يتّهمون أنبيائهم بالسحر، لمّا رأوا الآيات الإلهية كما قال تعالى: فَلَمّٰا جٰاءَتْهُمْ آيٰاتُنٰا مُبْصِرَةً قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ مُبِينٌ (1).

وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2).

حتّى انّهم كانوا يسندون تأثير القرآن في النفوس تأثيرا عميقا إلى السحر.

و هذه النسبة و ان كانت كذبا و زورا، و لكن كان منشأها مشاهدة الخوارق للعادات مع أسباب خفية حسبوها خدعة و تمويها.

فيستفاد من جميع ذلك و غيرها من أشباهها و ما ذكره علماء اللغة و الفقهاء أنّه يعتبر في مفهوم السحر الامور التالية:

أوّلا: أن يكون أمرا خارقا للعادة في الظاهر، فإنّ مجرّد التأثير و الخدعة غير كاف لو كانت النتيجة أمرا عاديا.

ثانيا: أن يكون ناشئا عن أسباب خفيّة و لو بالتوسّل بأسباب كيمياوية من خواص الأدوية، أو الفيزيائية كذلك.

ثالثا: أن يكون فيه نوع خداع و تموية.

رابعا: أن يكون فيه الإضرار غالبا و ان لم يكن كذلك دائما، فمثل صرف القلب، و التفريق بين المرء و زوجه، أمر خارق للعادة بأسباب خفيّة، و فيه نوع خديعة و يكون فيه إضرار، و يكون صاحبه من المفسدين.

____________

(1). سورة النمل، الآية 13.

(2). سورة القمر، الآية 2.

228

و أمّا معجزة «اليد البيضاء» التي كانوا ينسبونها إلى السحر، فقد كانت أمرا خارقا للعادة بأسباب خفيّة يتوهّمون أنّ فيها نوع خدعة و ان لم يكن فيه ضرر إلّا بما يترتّب على تلك الخدعة المتوهّمة من يُرِيدٰانِ أَنْ يُخْرِجٰاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ... وَ يَذْهَبٰا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلىٰ و إلّا لم يكن نفس العمل ممّا فيه الضرر.

و من هنا يظهر الفرق بين السحر و المعجزات، فإنّ السحر فيه الخدعة، و المعجزة عين الحقيقة، و يعرفان من آثارهما.

و الفرق بينهما يظهر من امور:

1- الساحر رجل خداع يعرف من سائر أعماله، و صاحب المعجزة لا ينفكّ عن الحقيقة، يعرف ذلك من حسن أعماله.

2- السحر يكون من ناحية القوّة البشرية المحدودة، و لذا يكون سحر الساحر دائما محدودا من حيث النوع و الكيفية و الكمية في سحره، و لكن المعجزات لا حدّ لها، بل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قادر على أي شي‌ء بقدرة اللّه تعالى و بإذنه.

3- المعجزات مقرونة بالتحدّي و دعوى النبوّة أو الإمامة، و سائر الخوارق للعادات ليست كذلك، فإنّها لو ظهرت في صورة الحقّ و ادّعى صاحبها ذلك و تقوّل على اللّه بعض الأقاويل أخذ اللّه منه باليمين و قطع منه الوتين كما يدلّ عليه حكم العقل.

إذا عرفت ذلك، و عرفت الاصول المعتبرة في معنى السحر، و الفرق بينه و بين المعجزات، فلنعد إلى أقسام السحر:

المقام الثّالث: في أقسام السحر

إنّ أجمع كلام في ذلك ما أفاده العلّامة المجلسي (قدّس سرّه)- و إن كان محلا للبحث من جهات تأتي- فقد ذكر أنّ السحر على أقسام:

الأوّل: سحر الكلدانيين الذين كانوا يزعمون أنّ الكواكب هي المدبّرة لهذا العالم، و الساحر عندهم من يعرف القوى العالية و يعلم ما يليق في العالم السفلي، و يعرف معدّاتها و موانعها، فيكون متمكّنا بها من استحداث بعض خوارق العادة.

229

الثّاني: سحر صاحب الأوهام و النفوس القويّة:

و الظاهر أنّ المراد به الذين يؤثرون في نفوس الناس بقوّة التلقين و النظر و مغناطيس البصر و غيره.

الثّالث: الاستعانة بالقوى الأرضية، يعني الجنّ و الشياطين.

الرّابع: الأخذ بالعيون، و الظاهر أنّ مراده به ما يحدث من حركات سريعة مع ما يحصل من إغفال الناظر و صرف نظره عن بعض الحركات و الأشياء حتّى يتخيّل أنّه قد وقع بعض خوارق العادات، و قد شاهدناه غير مرّة عند امتحانهم لأغراض معلومة.

الخامس: التوسّل بتركيب الآلات على نسب هندسية، و الظاهر شموله لجميع المخترعات العجيبة التي تعدّ من خوارق العادة و ان كانت هذه الامور بعد سعة نطاق الصنائع خرجت في عصرنا هذا عن الخوارق، و صارت كأمور عادية و إن خفى علينا منشأها أحيانا، فقد رأينا بعض الأبواب ينفتح بمجرّد القرب منه و يوصد بمجرّد البعد عنه، أو تتوقّف المروحة الكهربائية بمجرّد قرب أيدي الأطفال و غيرهم إليها، ثمّ تعمل لدى إبعادها عنها، و ذلك للعيون الإلكتريكية المزوّدة بها.

نعم، قد كانت مثل هذه الامور من أقسام السحر في قديم الأيّام، و ليست كذلك الآن.

السّادس: الاستعانة بخواص الأدوية كجعل بعض الأدوية المخدّرة في الطعام أو غير ذلك لكي توجد توهّمات للناظرين.

السّابع: شدّ القلوب، و هو أن يدّعي الساحر أنّه يقدر على كذا و كذا حتّى تميل إليه العوام.

و الظاهر أنّ ما ذكره بمجرّده ليس سحرا إلّا أن يكون ميل العوام إليه سببا لأخذهم بالعيون و حينئذ يدخل فيما سبق.

الثّامن: النميمة، و لكن من الواضح أنّها ليست سحرا بمعناه الحقيقي، نعم قد يكون لها أثره، لأنّه ربّما يفرّق بها بين المرء و زوجه، و بين الأصدقاء و الأحبّاء هذا.

أقول: الأولى في تقسيمه أن يقال:

يمكن تقسيم السحر إلى الأقسام التالية بعد خروج غير واحد ممّا ذكره المحقّق‌

230

المجلسي (قدّس سرّه) عن تعريفه بماله من المعنى الحقيقي:

1- ما يكون بالاستعانة بالأرواح و الجنّ و الشياطين، و قد يسمّى بالتسخيرات.

2- ما يكون من طريق بعض الأدعية و النفوذ الروحي أو قوّة الوهم الحاصلة بالرياضات و غيرها و مغناطيس البصر، مثل «الهيپنوتيزم» إذا أظهر عملا خارقا للعادة.

3- ما يكون بواسطة الاستفادة من خواص الأدوية غير المعروفة، و الخواص الكيمياوية الغريبة.

4- ما يكون من طريق التوسّل بخواص الأشياء الفيزيكية التي لم يعرفها العامّة من الناس، و لا تعدّ من قبيل الصنائع و المخترعات المعروفة.

5- ما يكون طريق الأخذ بالعين و الخطفة و السرعة، و قد يسمّى بالشعبدة (و في الفارسية: تردستى) و في جميع ذلك أو غالبها يتوسّل الساحر بأنواع التلقينات المؤثّرة في نفوس العامّة المشتملة على الأكاذيب و غيرها، كي يجعلهم مستعدّين لما يريد، و قد رأينا كثيرا منها عند التحقيق عنها، مطابقة لما ذكرنا آنفا، ما عدا القسم الأوّل، لأنّا لم نجد في مدّعيه ما يشهد بكونهم مرتبطين بالأرواح أو الشياطين، بل كانت تخيّلات لأنفسهم يزعمونها حقائق، و لكن لا ننكر إمكانها أو وقوعها.

و جميع هذه الصور الخمسة مشتملة على ما ظاهره خرق العادة مع التوسّل بأسباب خفيّة على العامّة. و فيها خدعة و تموية، و قد تشتمل على الإضرار، و ربّما لا يكون إلّا لهوا و تفريحا، فتعريف السحر صادق على الجميع، و إن أبيت إلّا عن عدم صدقه على بعضها دون بعض، فالظاهر أنّ حكمه شامل لها من دون شكّ.

و قد يشتمل بعض أنواع السحر على نوعين من الخمسة، أو ثلاثة أنواع، أو أكثر، كما في قصّة سحرة «فرعون» فانّهم توسّلوا بخواص الأدوية و غيرها مع التلقين في النفوس كما يظهر من آيات الذكر الحكيم.

نعم مجرّد الإخبار عن المغيبات أو الامور المستقبلة من طريق التوسّل بالأرواح و غيرها لا يعدّ سحرا، بل هو كهانة، و لا بدّ في السحر أن يكون فيه ما يشبه خرق العادة و لو‌

231

في ذهن السامع و قوّة خياله، و قد اشير إلى أكثر هذه الأقسام في رواية الإحتجاج التي رواها المجلسي (قدّس سرّه) في البحار (1).

و إلحاق النميمة بها من حيث الأثر و الحكم كما عرفت، لا أنّها منه موضوعا.

و أمّا حكم هذه الأقسام:

فتارة تترتّب عليها عناوين محرّمة اخرى سوى عنوان السحر.

منها: أن يكون فيه إضرار إلى الغير كما قال تبارك و تعالى: وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لٰا يَنْفَعُهُمْ (2) و لا شكّ في حرمته من هذه الجهة.

و منها: ما يكون فيه هتك للمحرّمات كما يحكى كثيرا عن فعل سحرة الكفّار، بل و بعض من لا يبالي بالدين من المسلمين، و هو حرام بل يوجب الكفر غالبا.

و منها: ما يكون في مقابل دعوة الأنبياء (عليهم السلام) و أئمّة الدين (عليهم السلام) مع القصد إلى إطفاء نور الحقّ، و حرمته أوضح من الكلّ (مثل سحر سحره فرعون).

و منها: ما يترتّب عليه بعض العناوين المحرّمة الاخرى سوى ذلك مثل الإخبار بالمغيبات و كشف الستور و إغواء الناس عن طريق الحقّ و غير ذلك.

و حرمة جميع هذه الأقسام ممّا لا ريب فيها، إنّما الكلام فيما إذا خلى السحر عن جميع ذلك مع صدق هذا العنوان عليه، كما إذا أتى ببعض خوارق العادة و لو بحسب الظاهر، و التوصّل إلى أسباب خفيّة له، و كان فيه نوع خديعة و تمويه و لو بقصد إعجاب الحاضرين و اللهو و شبه ذلك، فالظاهر أيضا حرمته لإطلاق أدلّة حرمته، و التقييد يحتاج إلى دليل.

و إن شئت قلت: ظاهر أدلّة حرمة السحر حرمته بعنوانه، و لو لم يترتّب عليه عنوان ثانوي محرّم، و الظاهر أنّه لا فرق فيما ذكر بين تسخير الجنّ و الشياطين و التوصّل إلى خواص الأدوية و تركيب الآلات على النسب الهندسية إذا كانت غريبة لا تصل إليها العقول العادية.

____________

(1). بحار الأنوار، ج 60، ص 21.

(2). سورة البقرة، الآية 102.

232

و من هنا يظهر حال ما ذكره بعض الأعلام تبعا لما يظهر من بعض أكابر المتقدّمين من أنّ إيجاد الصنائع المعجبة كما هو المعروف في العصر الحاضر كالطائرات و السيارات و سائر الآلات العجيبة ليس من مقولة السحر، و لم يثبت كون سحر سحرة فرعون من هذا القبيل (1).

و الجواب عنه إنّ الظاهر أنّه لا يقول أحد بكونها سحرا بقول مطلق، إنّما الكلام إذا لم تكن من سنخ ما نعرفه من الصنائع، بل كان خارقا للعادة و لو في هذا الزمان، كما إذا أشار إنسان إلى سراج كهربائي فأطفأه بإشارة اليد، ثمّ أشعله كذلك، و لو كان في الواقع نوع صنعة لا نعرفها.

أو توصّل بدواع لا نعرفها و أتى ببعض العجائب، فهذا أيضا داخل في مفهوم السحر، و الظاهر أنّ سحر سحرة فرعون كانوا من هذا القبيل كما حكي في التواريخ و التفاسير، أعني كان من باب التوسّل ببعض الأدوية كالزيبق و شبهه، و ربّ شي‌ء يكون سحرا في زمان و يخرج عن هذا العنوان في زمان آخر بعد كشف علله على نحو عام، فلا يصدق عليه عنوان «استناده إلى أسباب خفيّة» كما عرفت. و الحاصل أنّ المدار على كون أسبابه خفيّة في ذاك الزمان و كان بقصد التمويه.

و كذلك الأخذ بالعيون و الشعبدة و نحوهما، لصدق السحر عليها، قال تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جٰاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (2) (و سيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه).

و كذلك ما يسمّى ب‍ «انشداد القلب» (على شي‌ء من الأشياء) إذا كان منشأ لاستحداث خوارق عادات و لو في حسّ الناظر.

و ما في كلام بعض الأعلام من أنّه لا وجه لجعله من أقسام السحر- و إنّما هو قسم من الكذب إذا لم يكن له واقع، على أنّ انشداد القلب لو كان سحرا لكانت الاستمالة بمطلقها سحرا محرّما، سواء كانت بالامور الواقعية أم بغيرها (3)- ممنوع.

لأنّ كونه كذبا لا يمنع عن كونه سحرا، بعد اشتماله على ما ذكر في تعريفه، المستفاد من‌

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 291.

(2). سورة الأعراف، الآية 116.

(3). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 291.

233

اللغة و العرف و موارد استعماله، و الالتزام بكون مطلقة سحرا لا مانع منه إذا كان من هذا القبيل، أي كان مشتملا على أركان السحر المعتبرة في تعريفه.

و أمّا التنويم المغناطيسي بمجرّده فليس من السحر ظاهرا، بل هو أمر متداول له أسباب معروفة، بل قد يستفاد منه في الطبّ اليوم بدلا عن المواد الموجبة لفقد الحسّ و الشعور للعمليات الجراحية، أو لكشف ما في ضمير الإنسان من أسباب الأمراض النفسية التي قد لا يبرزه من مكنون ضميره في الحالات المتعارفة لغلبة الشعور الظاهر على الشعور الباطن، فإذا بطل الشعور الظاهر بقي الشعور الباطن مطلقا، فربّما يطلع الطبيب النفساني على السبب الأصلي للمرض و العقدة الموجبة له، فيعالجه من طريق حلّ عقدته، فهذا كلّه أمر جائز لا حرمة فيها لعدم وجود أركان معنى السحر فيها. نعم «المديوم» أعني الذي يكون محلا للنوم و وسيلة للاتّصال بالأرواح أو إحضارها و كشف مسائل مجهولة من الغائبات أو مسائل مختلفة بسببها، فهذا إن لم يكن داخلا في موضوع السحر فلا أقل من دخوله في حكمه بالغاء الخصوصية، بل لا يبعد دخوله في موضوع الكهانة أحيانا.

قال في مصباح اللغة: «الكاهن» من يخبر عن الماضي و المستقبل أو هو خصوص من يخبر عن المستقبل، كما يستفاد من محكي «نهاية ابن الأثير» و قد يخصّ المخبر عن الماضي باسم «العرّاف»، و من المعلوم أنّه لو خصّ «الكاهن» بمن يخبر عن المستقبل موضوعا فانّه يلحق به الماضي حكما، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه في محلّه.

بقى هنا امور:

الاوّل: هل الساحر كافر؟

الظاهر من غير واحد من روايات السحر أنّ الساحر كافر، و يؤيّده إجراء حدّ القتل عليه كما هو المعروف، بل لم ينقل فيه خلاف، فقد ذكر في باب الحدود أنّ حدّه القتل، و لكن من البعيد جدّا إجراء هذا الحدّ في جميع أنواع السحر، بل ينصرف بقرينة الحكم و الموضوع إلى ما يوجب الكفر، مثل ما نقله في الجواهر عن بعض من تأخّر و لم يسمّه من اختصاص‌

234

الحكم بمستحلّه، و ان لم يرتض هو به و قال إنّ إطلاق النصّ و الفتوى يقتضي خلافه (1) و لكن ذكر في كتاب التجارة ما يظهر منه ذهاب جماعة إليه و توقّفه فيه (2).

و لكنّه لو تأمّل «(قدّس اللّه سرّه)» في موارد شمول السحر وسعة دائرته فلعلّه كان يغيّر رأيه فيما ذكره في كتاب الحدود لا سيّما أنّ الحدود تدرأ بالشبهات، و قد ذكرنا في محلّه لزوم إثباته بدلائل قطعية، أو ما هو نازل منزلتها من الظواهر البيّنة، لا بمجرّد مثل هذه الإطلاقات، أو يحمل على أنّ المراد به الساحر المدّعي للنبوّة أو الإمامة، أو من يهتك حرمات اللّه أو غير ذلك ممّا أشبهه.

الثاني: هل الساحر قادر على تغيير خلق اللّه؟

هل للسحر واقعية أم لا؟ قد يتوهّم أنّه ليست له واقعية أبدا، بل هو إظهار الباطل في صورة الحقّ، نعم قد يترتّب على هذا الأمر الخيالي أثر واقعي كمن سحره الساحر فأراه أشياء هائلة فصار مجنونا، و قد يؤيّد ذلك بخبر الاحتجاج (3).

و قد ذكر العلّامة المجلسي (قدّس سرّه) كلاما بليغا وافيا في المقام، و نقل فيه أقوالا مختلفة، فقال بعضهم لا حقيقة له، بل هو محض توهّم، بينما حكى عن جمع آخرين أنّ له حقيقة من أرادها فليراجعها (4).

و لكن الذي يظهر بملاحظة موارد استعمالاته لا سيّما في القرآن الحكيم أنّ له حقيقة في الجملة لا بالكليّة، بيان ذلك:

إنّ الساحر قد يؤثّر في عقل الإنسان أو قلبه و إرادته و ميوله بحيث يفرّق به بين المرء و زوجه (كما ورد في الكتاب العزيز)، و هذا من أظهر مصاديق السحر، و له واقعية بلا ريب، و هذا من قبيل ما حكى عن الشيخ (قدّس سرّه) في الخلاف حيث قال:

«السحر له حقيقة و يصحّ منه أن يعقد و يؤثّر (و يوقى) و يسحر، فيقتل و يمرض و يكوع‌

____________

(1). جواهر الكلام، كتاب الحدود، المجلّد 41، الصفحة 443.

(2). المصدر السابق، ج 22، ص 86.

(3). بحار الأنوار، ج 60، ص 21.

(4). المصدر السابق، ج 60، ص 28- 42.

235

الأيدي (1) و يفرّق بين الرجل و زوجته، و يتّفق له أن يسحر بالعراق رجلا بخراسان، فيقتل عند أكثر أهل العلم و أبي حنيفة و أصحابه و مالك و الشافعي» (2).

و ما ذكره و ان كان من بعض الجهات محلّ تأمّل و كلام، مثل ما في قوله يسحر رجل بالعراق من يكون بخراسان، و لكنّه على إجماله كلام جيّد من حيث تأثير السحر واقعا في الجملة.

و توضيحه ببيان آخر: إنّ هناك تفصيلا في ثبوت الواقعية للسحر و عدمه، و هو أنّ بعض مراتبه ثابتة قطعا، و ليس فيه أي تخيّل كما في سحر سحرة بابل كالتفريق بين المرء و زوجه، و ما أشبه ذلك، نعم قد يكون بامور خيالية، كما قد يكون بامور واقعية لا يلتفت إليها صاحبه، و لا يدري أنّه مسحور، و تشبيه الإمام (عليه السلام) الساحر بالطبيب من بعض الجهات و أنّه احتال لكلّ صحّة آفة و لكلّ عافية عاهة (كما في رواية الإحتجاج) ناظر إليه.

و الظاهر أنّ سحر الساحر في مجلس الرضا (عليه السلام) أيضا كان من هذا القبيل (3) و أجابه (عليه السلام) بما قضى عليه.

و اخرى يكون بامور واقعية و خيالية توأمين، كما في سحر سحرة فرعون، فقد كانت حركة الحبال و العصي بالاستعانة بخواص الأدوية و الزيبق أو شبهه واقعية، و لكن كونها حيّات تسعى كان أمرا خياليا، كما قال سبحانه و تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ (4).

و ثالثة: يكون خياليا محضا كما في انشداد القلب و إيجاد عوالم خيالية في المسحور من هذا الطريق، و كذا في الشعبدة بناء على كونها من أقسام السحر.

و الظاهر أنّ الاختلاف بين من تقدّم و من تأخّر في هذا الباب نشأ من أنّ كلا منهم نظر إلى بعض هذه الأقسام و جعله المدار، و الأمر ظاهر بعد ما عرفت.

و أمّا قدرة الساحر على جعل إنسان بسحره في صورة الكلب و الحمار أو غير ذلك مثل‌

____________

(1). كوع كسمع: عظم كوعه- و هو طرف الزند الذي يلي الإبهام- أي يجعل فيه عوجا.

(2). بحار الأنوار، ج 60، ص 28، (الخلاف، ج 3، ص 161، المسألة 14، من كتاب كفّارة القتل).

(3). بحار الأنوار، ج 60، ص 28، (الخلاف، ج 3، ص 161، المسألة 14، من كتاب كفّارة القتل).

(4). سورة طه، الآية 66.

236

جعل القرطاس نقودا و رقيّة، و الخزف لؤلؤا، فذلك كلّه باطل لا دليل عليه كما في رواية الإحتجاج و قد مرّ ذكرها آنفا (1).

و لنعم ما استدلّ به (عليه السلام) على ذلك من أنّه لو قدر الساحر على ذلك لنفي البياض من رأسه، و الفقر عن ساحته (و لم يحتج في معاشه إلى التوسّل بأمثال هذه الامور، بل جعل الخزف لؤلؤا و عاش منه أمدا بعيدا) مع ما نرى من خلافه.

الثالث: هل التسخيرات من السحر؟

قد عرفت أنّ التسخيرات من أنواع السحر إذا كانت فيها الخصوصيات الثلاثة السابقة المعتبرة في حقيقة السحر، حتّى في تسخير الحيوانات المؤذية، فما ذكره المحقّق الإيرواني (قدّس سرّه) من أنّ «الأمر في تسخير الحيوانات أوضح، فهل يمكن الالتزام بجواز تسخير الحيوانات بالقهر و الغلبة و الضرب، و مع ذلك لا يجوز تسخيرها بما يوجب دخولها تحت الخدمة طوعا» (2) ليس في محلّه.

و الذي أوقعه (قدّس سرّه) و غيره في الشبهة أنّهم لم يتحفّظوا على اصول ما يعتبر في مفهوم السحر «و أنّه نوع خرق عادة و لو في الظاهر، و له أسباب خفيّة، و فيه خديعة» و لو احتفظوا بها لم يقيسوا تسخير الحيوانات من طريق الضرب به، فلو سحرها من طرق غريبة و بأسباب خفيّة و أظهر للناس أنّه حاكم عليها، و كان فيه نوع خديعة كان سحرا بلا ريب، نعم لو كان مجرّدا عن الخديعة كان كرامة أو علما خاصّا «فتدبّر جيّدا».

الرابع: يجوز دفع السحر بالسحر

هل يجوز دفع السحر بالسحر، و كذا تعلّمه لذلك، أو لدفع مدّعي الإعجاز و إن كان يدفع اللّه كيده إذا كان منشأ لإغواء الناس، و قد يكون دفع كيده من هذا الطريق بإلهام منه تعالى؟

و على كلّ حال، يدلّ على جوازه- لدفع الضرر و التوقّي، أو لرفعه و حلّه، أو لردّ دعوى المتنبى- ما ورد في قصّة هاروت و ماروت في القرآن من قوله تعالى وَ مٰا يُعَلِّمٰانِ مِنْ أَحَدٍ

____________

(1). بحار الأنوار، ج 60، ص 21.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 297.

237

حَتّٰى يَقُولٰا إِنَّمٰا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلٰا تَكْفُرْ (1) و المراد من الكفر هو استعماله في الإضرار لا لدفع الضرر، كما هو ظاهر الآية، و قوله تعالى أيضا وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لٰا يَنْفَعُهُمْ (2) فإنّه يدلّ على جواز تعلّم ما ينفع و لا يضرّ، و لا شكّ أنّ التعلّم هنا مقدّمة للعمل فإنّه لا منفعة في مجرّد العلم في أمثال المقام.

و يدلّ عليه أيضا روايات كثيرة أوردناها بلفظها في أوائل البحث (3).

نعم، يحتمل أن تكون الآية أو غير واحد من الروايات من أحكام الشرائع السابقة، و لكن من الواضح أنّ ذكرها بلسان القبول في القرآن و السنّة دليل على جريانها في هذه الشريعة أيضا.

و ضعف اسناد هذه الروايات غير قادح بعد تظافرها و ظهور العمل بها، نعم الظاهر اختصاصها بحال الضرورة، و ما أشار إليه الجواهر- من عدم ورود هذا القيد في شي‌ء من أخبار الباب (4) غير مانع بعد الانصراف، و مناسبة الحكم و الموضوع في هذا الباب، و انحصار الطريق فيها، لكن القول بخروجها موضوعا عن عنوان السحر بعد عدم قصد الإضرار مشكل لما عرفت من عدم اعتبار عنوان الإضرار فيه.

الخامس: حكم تعليم السحر و تعلّمه

و من هنا يعلم حال تعليم السحر و تعلّمه، و موارد جوازه و منعه، لأنّه إنّما يكون مقدّمة لفعله، و نقل جوازه في الجواهر عن استاذه، و عن تفسير الرازي إنّه اتّفق المحقّقون على جوازه، فلو تعلّمه بعنوان الوقاية و دفع الضرر فلا شكّ في جوازه، بل لا يبعد الجواز إذا تعلّمه من دون ذلك و من دون قصد استعماله، بل للوقوف على مجرّد علمه، من دون أن يرتكب في هذا المسير شيئا من المنهيات.

نعم، إذا تعلّمه بقصد الحرام كان من مقدّمات الحرام، و حرّم من هذه الناحية، نعم في‌

____________

(1). سورة البقرة، الآية 102.

(2). المصدر السابق.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 105- 106، الباب 25، من أبواب ما يكتسب به، الأحاديث 1 و 3 و 4 و 5.

(4). جواهر الكلام، ج 22، ص 78.

238

الرواية السابعة من الباب 25 ما يدلّ على المنع من مجرّد تعلّمه، و لكن الظاهر أنّه ناظر إلى صورة تعلّمه بقصد استعماله، فتدبّر.

السادس: الطّلّسمات لفتح الحصون و شبهها

ما يحكى عن بعض العلماء الكبار من التوسّل ببعض الأدعية و الطّلّسمات لفتح الحصون و غلبة الجيوش، أو العوذة الواردة في بعض الروايات لدفع الأمراض و غيرها، فليست من السحر قطعا، بل و كذا ما يحكى عنهم من جعل حمّام حارا بشمعة- لو ثبت ذلك- بل ما هو موجود من بعض البنايات المتحرّكة كما في «اصفهان» أو غيرها، فليس شي‌ء من ذلك من السحر، لأنّه لم يقصد بها خديعة و ان كانت خوارق عادات بأسباب خفيّة، و هو ظاهر.

السابع: فرق آخر بين السحر و المعجزة

تبيّن ممّا ذكرنا فرق آخر بين السحر و المعجزة مضافا إلى ما مرّ و هو أنّ السحر دائما فيه نوع خديعة أو إضرار، و ليست المعجزة كذلك، مضافا إلى أنّ السحر محدود بأشياء تعلّمها الساحر، و المعجزة غير محدودة بشي‌ء.

11- الشعبذة

الشعبدة و الشعبذة- بفتح الشين- واحد من حيث الوزن و المعنى، و ذكر أرباب اللغة في معناها ما حاصله: «أنّها خفّة في اليد، و أعمال كالسحر، ترى الشي‌ء بالعين بغير ما هو عليه».

بل يظهر من بعضهم (كمنتهى الارب) أنّها من أقسام السحر، و لكن المصرّح في مصباح اللغة و لسان العرب أنّها كالسحر يرى الإنسان ما ليس له حقيقة.

قال العلّامة (قدّس سرّه) في «المنتهى»: و الشعبدة حرام و هي الحركات السريعة جدّا بحيث يخفى على الحسّ الفرق بين الشي‌ء أو شبهه، لسرعة انتقاله من الشي‌ء إلى شبهه.

و نقل في شرحه في المفتاح عن القاموس: «أنّها خفّة في اليد و أخذ كالسحر يرى الشي‌ء بغير ما عليه في رأى العين».

239

و عن مجمع البحرين: «أنّها حركة خفيفة» ثمّ نقل النصّ على حرمتها عن النهاية و السرائر و الشرائع و النافع و التحرير و التذكرة و جمع آخر ممّن تأخّر، و حكى عن المنتهى أنّه لا خلاف فيه، ثمّ زاد هو نفسه: فلا وجه للتأمّل فيه بعد الإجماع المنقول بل المعلوم، إذ لم نجد مخالفا مع قربها من السحر، و قد ألحقها به الشهيد (قدّس سرّه) في الدروس» انتهى (1).

و ذكر مولانا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) أنّها حرام بلا خلاف، ثمّ استدلّ على حرمتها بامور:

1- الإجماع.

2- دخولها في الباطل و اللهو.

3- دخولها في رواية الإحتجاج المنجبر ضعفها بعمل الأصحاب.

4- دخولها في بعض تعاريف السحر.

أقول: العمدة في ذلك دخولها في السحر موضوعا أو حكما.

و توضيح ذلك: إنّ الإجماع المدّعى و عدم ظهور الخلاف و ان كان مؤيّدا قويا، و لكن لا يكون بمجرّده دليلا في المسألة، لما عرفت غير مرّة من عدم كشفه عن رأى المعصوم بعد وجود مدارك اخرى في المسألة يحتمل استناد المجمعين إليها.

و أمّا مجرّد كونه لهوا أو باطلا فهو أيضا غير كاف لعدم حرمة اللهو بقول مطلق، و أمّا خبر الاحتجاج و هو قوله: «و نوع آخر منه (أي من السحر) خطفة و سرعة و مخاريق و خفّة»، فالظاهر أنّه ليس من باب التعبّد بل تفسير للسحر بما له من المعنى العرفي.

فالعمدة هو دخولها في معنى السحر، لأنّ كثيرا من التعاريف المذكورة للسحر يشملها، بل الظاهر أنّ العناوين الثلاثة- أعني «خرق العادة» «بالأسباب الخفيّة» «مع الخديعة»- منطبقة عليها في الغالب، فقد يظهر المشعبذ بسبب سرعة عمله أنّه يبدّل القرطاس «نقودا و رقيّة» أو بالعكس، أو يجعل البيضة في لحظة واحدة فرخا، أو يلقى درهما إلى السماء لا يعود إليه، ثمّ يخرجه من فمّ بعض الحاضرين! و ليس ذلك إلّا لسرعة الحركات بيده، و إخفاء السكّة أو النقود الورقية في كمّه مثلا و قيامه ببعض الحركات السريعة، ثمّ إظهار أنّه أخرجها من فم بعض الحاضرين، فليس مجرّد لهو كما توهّم، بل أمر ظاهره خرق العادة، فلا يبعد‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 80.

240

صدق السحر عليه، و رواية الإحتجاج المعمول بها عند الأصحاب مؤيّدة له.

و إن أبيت إلّا عن عدم دخولها في موضوعه، فلا شكّ في دخولها فيه حكما، بل ظاهر قضيّة سحرة فرعون انّهم كانوا مشعبذين في الجملة كما قال اللّه تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جٰاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ.

نعم لو صرّح المشعبد بأنّه لا يفعل ذلك إلّا بخفّة اليد و سرعة الحركات، و لم يرد به خديعة أمكن جوازها و إخراجها عن عنوان السحر.

و العجب بعد ذلك كلّه ممّا يظهر من بعض المعاصرين من نفي حرمتها مطلقا، لعدم وجدان دليل عليها أوّلا، و أنّ الذي يترتّب على الشعبذة أمر واقعي فهو مباين للسحر (1).

و كأنّه دام علاه لم ير ما يفعله المشعوذون، و لا استيقن أنّه ليس لها واقعية، بل الواقعية في مقدّماتها، فالأمر ظاهر بعد ما عرفت.

12- الغشّ و هاهنا مقامان:

المقام الأوّل: في حرمة الغشّ

لا إشكال و لا كلام في حرمة الغشّ إجمالا، و يدلّ عليه مضافا إلى الإجماع، و حكم العقل بأنّه ظلم و اعتداء- روايات كثيرة، و هي على طوائف:

الطائفة الاولى: ما يدلّ على نفي كون الغاشّ من المسلمين، و هي دالّة على الحرمة بأبلغ بيان، من قبيل:

1- ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ليس منّا من غشّنا» (2).

2- و بهذا الإسناد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لرجل يبيع التمر:

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 297.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 208، الباب 86، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

241

«يا فلان، أما علمت أنّه ليس من المسلمين من غشّهم» (1).

3- عن الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (في حديث المناهي) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «و من غشّ مسلما في شراء أو بيع فليس منّا، و يحشر يوم القيامة مع اليهود لأنّهم أغشّ الخلق للمسلمين»، قال: و قال (عليه السلام): «ليس منّا من غشّ مسلما» و قال:

«و من بات و في قلبه غشّ لأخيه المسلم بات في سخط اللّه و أصبح كذلك حتّى يتوب» (2).

4- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) بسنده عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال في حديث: «و من غشّ مسلما في بيع أو في شراء فليس منّا و يحشر مع اليهود يوم القيامة لأنّه من غشّ الناس فليس بمسلم ... و من بات و في قلبه غشّ لأخيه المسلم بات في سخط اللّه و أصبح كذلك و هو في سخط اللّه حتّى يتوب أو يرجع، و إن مات كذلك مات على غير دين الإسلام»، ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ألا و من غشّنا فليس منّا- قالها ثلاث مرّات- و من غشّ أخاه المسلم نزع اللّه بركة رزقه و أفسد عليه معيشته و وكّله إلى نفسه ...» (3).

5- و عنه أيضا قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ليس منّا من غشّ مسلما أو ضرّه أو ما كره» (4).

الطائفة الثّانية: ما دلّ على حرمة الغشّ و النهي عنه بعنوان عامّ، و هي كما يلي:

6- ما رواه هشام بن الحكم قال: كنت أبيع السابري (5) في الظلال، فمرّ بي أبو الحسن الأوّل موسى (عليه السلام) «راكبا» فقال لي: «يا هشام إنّ البيع في الظلال غشّ، و الغشّ لا يحلّ» (6).

7- ما رواه موسى بن بكر قال: كنّا عند أبي الحسن (عليه السلام) و إذا دنانير مصبوبة بين يديه فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثمّ قطعه بنصفين ثمّ قال لي: «القه في البالوعة! حتّى لا يباع شي‌ء فيه غشّ» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 208، الباب 86، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 210، ح 10.

(3). المصدر السابق، ح 11.

(4). المصدر السابق، ص 211، ح 12.

(5). نوع من الثياب يصنع في بلاد عجم و لعلّه في الأصل معرّب عن شاپوري.

(6). المصدر السابق، ص 208، ح 3.

(7). المصدر السابق، ص 209، ح 5.

242

8- ما رواه الحسين بن زيد الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بناته و كانت تبيع منهنّ العطر، فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هي عندهنّ فقال: «إذا أتيتنا طابت بيوتنا»، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول اللّه. قال: «إذا بعت فأحسني و لا تغشي فإنّه أتقى و أبقى للمال» (1).

9- ما رواه عبيس بن هشام عن رجل من أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخل عليه رجل يبيع الدقيق فقال: «إيّاك و الغش فإنّه من غشّ، غشّ في ماله، فإن لم يكن له مال غشّ في أهله!» (2).

هذا و لكن دلالة الأخيرة على الحرمة لا تخلو عن خفاء.

10- ما رواه سعد الاسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مرّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في سوق المدينة بطعام فقال لصاحبه: «ما أرى طعامك إلّا طيّبا» و سأله عن سعره فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه أن يدسّ يده في الطعام، ففعل فأخرج طعاما رديّا فقال لصاحبه: «ما أراك إلّا و قد جمعت خيانة و غشّا للمسلمين» (3).

11- ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد سعرهما بشي‌ء و أحدهما أجود من الآخر، فيخلطهما جميعا ثمّ يبيعهما بسعر واحد، فقال: «لا يصلح له أن يغشّ المسلمين حتّى يبيّنه» (4).

12- ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشتري طعاما فيكون أحسن له و أنفق له أن يبله من غير أن يلتمس زيادته؟ فقال: «إن كان بيعا لا يصلحه إلّا ذلك و لا ينفقه غيره من غير أن يلتمس فيه زيادة فلا بأس، و إن كان إنّما يغشّ به المسلمين فلا يصلح» (5).

الطائفة الثّالثة: ما دلّ على الحرمة في بعض مصاديق الغشّ، و لا دلالة له على العموم إلّا بتنقيح المناط مثل:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 209، الباب 86، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). المصدر السابق، ح 8.

(4). المصدر السابق، ص 420، الباب 9، من أبواب أحكام العيوب، ح 2.

(5). المصدر السابق، ص 421، ح 3.

243

13- ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان معي جرابان من مسك:

أحدهما رطب، و الآخر يابس، فبدأت بالرطب فبعته، ثمّ أخذت اليابس أبيعه، فإذا أنا لا أعطي باليابس الثمن الذي يسوي و لا يزيدوني على ثمن الرطب، فسألته عن ذلك أ يصلح لي أن أنديه قال: «لا، إلّا أن تعلمه» قال: فنديته ثمّ أعلمته، فقال: «لا بأس به إذا أعلمتهم» (1).

14- ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: نهى النّبي «رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» أن يشاب اللبن بالماء للبيع (2).

إلى غير ذلك ممّا ورد في كتب العامّة و الخاصّة، و هذه الروايات و إن كان بعضها صحيح الاسناد و بعضها ضعيفا، و لكن مع تظافرها و ضمّ بعضها ببعض فيها غنى و كفاية، بل و فوق حدّ الكفاية، بل ادّعى فيها التواتر و ليس ببعيد.

و ليعلم أنّ كثيرا منها و إن اختصّ بالغشّ في التجارة و البيع، و لكن الظاهر كون بعضها أعمّ من الغشّ فيها و في النصح، و في سائر شئون الحياة مثل:

15- ما رواه الحسين بن خالد عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من كان مسلما فلا يمكر و لا يخدع فإنّي سمعت جبرئيل يقول: إنّ المكر و الخديعة في النار. ثمّ قال: ليس منّا من غشّ مسلما و ليس منّا من خان مسلما ...» (3).

و غيرها من الأحاديث.

المقام الثّاني: في معنى الغشّ

يظهر من كلمات أهل اللغة أنّه يستعمل في معان كثيرة متقاربة المعنى منها: «ضدّ النصح» و «عدم الخلوص» و «الخيانة» و «الخدعة» و أصله من الغشش، و هو المشرب‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، الباب 9، من أبواب أحكام العيوب ح 4.

(2). المصدر السابق، ص 208، الباب 86، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(3). وسائل الشيعة، ج 8، ص 570، الباب 137، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

244

الكدر، ثمّ استعمل في غيره، و يعبّر عنه بالفارسية ب‍ (فريب، خيانت، تقلّب، ناخالصى) إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الغشّ على أقسام:

1- منها ما إذا شوب جنس بغير جنس، كشوب اللبن بالماء و الحنطة بالتراب.

2- شوب الجيّد بالردي‌ء كما في الحنطة و الارز و الدهن و الفواكه و التمر.

3- جعل الجيّد أعلاه و الردي‌ء أسفله بحيث لا يرى، كما هو المعمول في أكثر صناديق الفواكه في أيّامنا (مع الأسف).

4- جعل شي‌ء في مكان يكتسب ثقلا كالحرير في مكان مرطوب بارد، فهذا غشّ بحسب الكميّة على عكس ما سبق فانّه من ناحية الكيفية.

5- إخفاء العيب الموجود في الحيوان أو المتاع الذي لا يكون ظاهرا للناظر.

6- جعل المتاع في الضوء الشديد أو الظلمة إذا كان يرى فيهما بخلاف ما هو عليه، كبيع السابرين في الظلال، و بيع بعض الفواكه تحت الضوء الغالب.

7- إذا باع شيئا بعنوان أنّه ذهب، فبان مموّها فالغشّ واقع في جنس المتاع.

8- و قد يكون منه المدح الشديد من المتاع بحيث يبدو في نظره بخلاف ما هو عليه من الأوصاف، إلى غير ذلك من الأقسام المتصوّرة أحيانا.

و من ناحية اخرى يمكن تقسيمه بما لا يعلم إلّا من قبله كشوب اللبن بالماء في بعض مراحله، و ما يعلم بعد الدقّة و التأمّل، و أمّا ما هو ظاهر عند أوّل النظر فالظاهر أنّه ليس من الغشّ، و أمّا غيره حرام، و يدلّ عليه مضافا إلى إطلاقات الحرمة التصريح به في رواية سعد الإسكاف (1).

و من ناحية ثالثة يمكن تقسيمه بما يكون الغاشّ عالما و المغشوش له جاهلا مطلقا، أو جاهلا بمرتبة منه، و إن كان عالما بمرتبة اخرى، و الظاهر اعتبار علم الغاشّ و جهل المغشوش له على كلّ حال، فلو كان الأمر بالعكس أو كلاهما عالمين أو جاهلين لم يكن من الغشّ أبدا.

و الظاهر حرمة جميع ما مرّ من أقسامه ممّا يسمّى غشّا عرفا، كما أنّ الظاهر كون حرمته‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 209، الباب 86، من أبواب ما يكتسب به، ح 8، (و قد تقدّم أن نقلناها بعينها).

245

بذاته لا بالعناوين العارضية كما توهّمه بعض أهل التحقيق. فقال: «مجرّد شوب اللبن بالماء مثلا ليس حراما، و كذا عرضه للبيع و كذا الإنشاء فالحرام أخذ الثمن في مقابله» (1).

و فيه: إنّ ظاهر الأدلّة حرمة الغشّ تكليفا الحاصل من هذه المقدّمات، و عدم حرمة كلّ واحد لا ينافي حرمة المجموع من حيث المجموع، و هذا نظير الحكاية المعروفة فيمن كان بصدد تحديد اللعب بالآلات من طريق التفرقة بين مقدّماته!

ثمّ إنّ ما هو المتعارف من تزيين الأمتعة بجعلها في غلاف، أو زجاجة، أو محلّ خاص، و غير ذلك من وسائل التزيين، لا يعدّ غشّا ما لم يكن سببا لإظهار الخلاف، و مصداقا للخدعة و الخيانة و إن أوجب توفّر الدواعي إليها، فانّه لا شكّ في أنّ الماء الذي هو أبسط الأشياء إذا كان في آنية البلّور و في صحائف جيّدة مع تشريفات اخرى، تطلّعت النفوس إليه، مع أنّه ليس غشّا و كذلك غيره من أشباهه.

بقى هنا امور:

الأوّل: هل يعتبر قصد التلبيس في مفهومه؟ فلو لم يكن الغشّ بسبب فعله، كما إذا سقط إناء الماء في اللبن من دون اختياره، و لم يكن من قصده التلبيس فباعه من دون إعلامه، فهل هو غشّ؟

الذي يظهر من شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) جواز بيعه، بل حكى عن العلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة إنّه منع كون البيع مطلقا مع عدم الإعلام بالعيب غشّا بل استظهر ذلك من رواية الحلبي (2) و (3).

و لكنّه عجيب، و لازمه جواز بيع المغشوش الذي اشترى من غيره بعد علمه بذلك، لأنّ الغشّ كان من غيره لا منه، و يبعد الالتزام به، و ما ذكره من عدم القصد قد عرفت جوابه مرارا‌

____________

(1). و هو المحقّق الإيرواني (قدّس سرّه) حكاه في مصباح الفقاهة (ج 1، ص 299) عنه.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 421، الباب 9، من أبواب أحكام العيوب، ح 3.

(3). المكاسب المحرّمة، ص 35.

246

في مباحث بيع العنب ممّن يعمله خمرا، من أنّ القصد في أمثال المقام قهري، و كيف لا يقصد الغشّ مع كون اللبن ممزوجا بالماء، و هو يعلم و غيره لا يعلم به.

و إن شئت قلت: ظاهر عرض كلّ متاع إلى المشتري كونه سليما، و هذا الظاهر قائم مقام البيان من بعض الجهات، فلو لم يبيّن كان غاشّا، و منه يظهر الإشكال فيما حكاه عن العلّامة أيضا (رحمه اللّه)، فتأمّل.

الثّاني: هل يختصّ الحكم بالبيع كما هو ظاهر كثير من روايات الباب، أو يجري في غيره أيضا؟.

الظاهر جريانه في جميع المعاوضات، لإطلاق الأدلّة و عموم الملاك، و أمّا في مثل الهبة و العارية و الهدية و أشباهها فلا، فلو مزج اللبن بالماء ثمّ وهبه أو استضاف قوما بشي‌ء ممزوج بغيره ممّا هو حلال لم يكن حراما بلا إشكال، كذا لو خلط الجيّد من الحنطة بالردئ، ثمّ أنفقه على الفقراء و شبه ذلك.

و العلّة فيها- مضافا إلى انصراف الأدلّة إلى المعاوضات- إنّه ليس في موردها ظهور للفعل مثلا في كون الموهوب سليما من كلّ عيب، فليس خيانة و خديعة.

الثّالث: في حكم المعاملة المغشوشة قد يقال ببطلان هذه المعاملة لأمور:

1- ما ذكره جامع المقاصد من أنّ القصد تعلّق بما هو خالص عن الغشّ، فما قصده لم يقع و ما وقع لم يقصد، و فيه: أنّه جار في بيع المعيب، و موارد تخلّف الوصف و الشرط، و لازمه فساد الجميع، مع أنّه ليس كذلك، و سيأتي حلّ المسألة إن شاء اللّه.

2- أنّه ورد النهي عن هذا البيع في قوله «حتّى لا يباع شي‌ء فيه غشّ» (1) الذي ظاهره الفساد.

و لذا قطعه هو (عليه السلام) بنصفين و ألقاه في البالوعة.

و فيه: مضافا إلى ضعف سنده، إنّه كان في الدراهم المغشوشة، و هي من قبيل ما ليس له منفعة محلّلة كآلات القمار، فهو خارج عمّا نحن فيه، و قد عرفت الكلام فيه سابقا.

3- إنّ النهي عن الغشّ دليل على فساد المعاملة، لاتّحادهما (اتّحاد الغشّ و المعاملة).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 209، الباب 86، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

247

و فيه: إنّ النهي في المعاملات لا يدلّ على الفساد إلّا إذا تعلّق بذاتها، لا بعنوان خارج عنها اتّحد معها، كما في المعاملة وقت النداء، أو ما يكون إعانة على الإثم، لعدم اعتبار القربة فيها، و لا وجه للفساد غيرها.

و قد يقال أنّ المسألة مبنية على ما ذكروه في مبحث تقدّم «الإشارة» على «الوصف» و عدمه، في مثل ما لو قال: بعتك هذا الفرس العربي، فبان غير عربي، و فيما نحن فيه إذا قال:

بعتك هذا اللبن أي غير المغشوش، فبان مغشوشا.

و فيه: أنّ تلك المسألة ناظرة إلى مقام الإثبات، و نحن الآن بصدد مقام الثبوت، و مفروض الكلام ما إذا تعلّق القصد بغير المغشوش و لكن مع ذلك لا يكون محكوما بالفساد.

و تحقيق الحال أن يقال- بعد كون محلّ النزاع البيع الشخصي، و أمّا الكلّي فلا شكّ في صحّته و لزوم تبديل المصداق، أنّ في المسألة وجوها ثلاثة:

1- أن يكون الغشّ بغير الجنس كأن يبيع غير الحرير بعنوان الحرير.

2- أن يكون الغشّ بالمعيوب.

3- أن يكون الغشّ بخلاف الوصف الظاهر منه، كالثياب التي تباع في الظلال فترى أحسن ممّا تكون.

4- أن يكون فيه وزنا كاذبا كالحرير الذي جعل في مكان بارد مرطوب فاكتسب وزنا.

5- أن يكون باخفاء الوزن و إظهاره بعنوان أنّه كذا مع كونه أقلّ، و كذا العدد، و أحكام هذه الأقسام مختلفة.

أمّا الأوّل: فلا إشكال في بطلانه، لاختلاف أركان المعاملة و عدم القصد إلى ما وقع.

أمّا الثّاني: فلا ينبغي الكلام في صحّته و كونه موجبا لخيار العيب و سائر أحكامه، لشمول أدلّتها له، و ليعلم أنّ هذا قد يكون بسبب مزجه بغير جنسه كاللبن المخلوط بالماء اليسير بحيث لم يخرجه عن اسمه، بل يصدق عليه عنوان اللبن المعيوب، و اخرى يكون مخلطه بالردي‌ء منه أو شبه ذلك.

أمّا الثالث: فكما إذا جعل الجيّد فوق الردي‌ء من غير أن يكون معيوبا، و كان قوله أو فعله ظاهرا في أنّ الجميع مثل ما يرى، فهذا من قبيل تخلّف الشرط أو التدليس، فلا يبطل البيع‌

248

معه، و لكن له خيار تخلّفه، و لا فرق في ذلك بين كون رضاه مشروطا به و عدمه، لأنّ المعاملات لا تدور مدار الدواعي الشخصية، و لذا لا يتفاوت الحال بذلك في وصف الصحّة، و كذا بيع ما يملك و ما لا يملك، فإنّهما صحيحان مع الخيار (خيار العيب و خيار تبعّض الصفقة) و ان كان رضا المشتري منوطا بهما جميعا، فالمدار في هذه الأبواب على الدواعي النوعية لا الشخصية.

أمّا الرابع: فيمكن إرجاعه إلى تخلّف الوصف أو التدليس، لأنّ المتاع و إن كان صحيحا بحسب الوزن و ليس معيوبا، و لكن فيه وصف يجعله أقلّ ممّا هو عليه، فإذا زالت برودته زال ثقله.

و يمكن أن يقال إنّه من باب التطفيف حكما، و إن لم يكن داخلا فيه موضوعا، فتصحّ المعاملة ببعض الثمن، و له خيار تبعّض الصفقة، لا سيّما إذا صبر حتّى نقص الوزن، و ليس ببعيد.

و منه يظهر الحال في الخامس أيضا، فانّه تطفيف مع الغشّ، أو شبه التطفيف معه، كما إذا باع العين الحاضرة بعنوان أنّها جزءان لكتاب الكفاية فبان جزءا واحدا، و في جميع ذلك يصحّ البيع مع خيار تبعّض الصفقة، إلّا أن يكون من قبيل أحد مصراعي الباب، أو أحد زوجي الخفّ، ففي ذلك يشكل صحّة البيع مطلقا بعد عدم الفائدة في أحد الزوجين غالبا، و ما قد يتراءى من بعضهم الصحّة حتّى في أمثال ذلك بعيد جدّا، و تمام الكلام في محلّه في «بيع ما يملك و ما لا يملك».

هذا كلّه بحسب مقام الثبوت، أمّا بحسب مقام الإثبات فقد يتردّد بين كون المسألة من قبيل تخلّف الوصف، أو الجنس، أو لا هذا و لا ذلك كما إذا قال: بعتك هذا اللبن، و قلنا بأنّ لفظ اللبن ظاهر في الصحيح الخالص، بناء على أنّه من باب تعارض التوصيف و الإشارة، فإن قلنا الترجيح للإشارة، فالبيع صحيح، و ان قلنا الترجيح للوصف فقد ينقدح الإشكال فيه بسبب كون المبيع غير موجود و الموجود غير مبيع.

فالحاصل أنّ الغشّ حرام بحسب الحكم التكليفي، و المعاملة المشتملة عليه حرام، و أمّا من حيث الحكم الوضعي، ففيه تفصيل كما عرفت.

249

13- الغناء

حرمة الغناء على إجماله معروف مشهور بين علماءنا، و قد ادّعى غير واحد من فقهائنا عدم الخلاف فيه، بل ادّعى في الجواهر الإجماع عليه بقسميه (1).

إلّا أنّه خالف فيه بعض متأخّري المتأخّرين، فقال بعدم حرمته إلّا إذا اشتمل على حرام من خارج، قال في الحدائق: «لا فرق في ظاهر كلام الأصحاب بل صريح جملة منهم في كون ذلك في قرآن أو دعاء أو شعر أو غيرها»، إلى أن انتهت النوبة إلى المحدّث الكاشاني، فنسج في هذا المقام على منوال الغزالي و نحوه من علماء العامّة، فخصّ الحرام منه بما اشتمل على محرّم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو كالعيدان، و دخول الرجال (على النساء) و الكلام بالباطل، و إلّا فهو في نفسه محرّم (2) و عن المحقّق السبزواري (قدّس سرّه) في الكفاية موافقته في ذلك (3).

و الكلام فيه في مقامات:

المقام الأوّل: في الأدلّة الدالّة على حرمة الغناء

و استدلّ له تارة بالإجماع، و اخرى بآيات مثل قوله تعالى: وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (4) وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (5).

و قوله تعالى: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (6).

و لكن شي‌ء من ذلك مع قطع النظر من روايات الباب لا يدلّ على حرمته، و العمدة هنا الروايات الكثيرة بل المتواترة، فالأولى صرف عنان الكلام إليها، فنقول (و من اللّه سبحانه نستمدّ التوفيق): هي على طوائف:

الطائفة الاولى: ما دلّ على أنّه داخل في عنوان الزور الوارد في كلامه تعالى المنهي منه و هي روايات:

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 44.

(2). الحدائق، ج 18، ص 101 و 102.

(3). كفاية الأحكام للسبزواري، ص 85، كتاب التجارة.

(4). سورة الحجّ، الآية 30.

(5). سورة الفرقان، الآية 72.

(6). سورة لقمان، الآية 6.

250

1- ما رواه زيد الشحّام قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: «قول الزور الغناء» (1).

2- ما رواه أبو السبّاح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عزّ و جلّ: لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال:

«الغناء» (2).

3- و ما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال: «الغناء» (3).

4- ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: قال:

وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ «قول الزور الغناء» (4).

5- ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: «الغناء» (5).

6- ما رواه عبد الأعلى قال: سألت جعفر بن محمّد (عليهما السلام): عن قول اللّه عزّ و جلّ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: «الرجس من الأوثان الشطرنج و قول الزور الغناء» قلت: قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: «منه الغناء» (6).

7- ما رواه حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن «قول الزور» قال: «منه قول الرجل للذي يغنّي: أحسنت» (7).

8- ما رواه محمّد بن عمرو بن حزم في حديث قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:

«الغناء، اجتنبوا الغناء، اجتنبوا قول الزور، فما زال يقول: اجتنبوا الغناء اجتنبوا فضاق بي المجلس و علمت أنّه يعنيني» (8).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 225، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 226، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). المصدر السابق، ص 227، ح 8.

(5). المصدر السابق، ح 9.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 229، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 20.

(7). المصدر السابق، ح 21.

(8). المصدر السابق، ص 230، ح 24.

251

9- ما رواه هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: «الرجس من الأوثان الشطرنج و قول الزور الغناء» (1).

الطائفة الثّانية: ما دلّ على أنّه داخل تحت عنوان «لهو الحديث» الوارد في قوله تعالى:

وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (2) و هي روايات:

10- ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول: «الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار»، و تلا هذه الآية: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ (3).

11- ما رواه مهران بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: «الغناء ممّا قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (4).

12- ما رواه الوشّاء قال سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الغناء فقال: «هو قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (5).

13- ما رواه الحسن بن هارون قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الغناء مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله و هو ممّا قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (6).

14- ما رواه الفضل بن الحسن الطبرسي (في مجمع البيان) قال: روي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه و أبي الحسن الرضا (عليهم السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ إنّهم قالوا:

«منه الغناء» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 230، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 26.

(2). سورة لقمان، الآية 6.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 226، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(4). المصدر السابق، ح 7.

(5). المصدر السابق، ص 227، ح 11.

(6). المصدر السابق، ص 228، ح 16.

(7). المصدر السابق، ص 230، ح 25.

252

و قد يتوهّم أنّ هاتين الطائفتين دليلان على أنّ الغناء من مقولة المعنى، لا الألحان و الأصوات، و الظاهر أنّه ليس كذلك، بل لا مانع من أن يكون من مقولة الألحان كما سيأتي إن شاء اللّه.

الطائفة الثّالثة: ما دلّ على النهي عنه و تحاشى أئمّة الدين (عليهم السلام) منه، و هي روايات:

15- ما رواه زيد الشحّام قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك» (1).

16- ما رواه إبراهيم بن محمّد المدني عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الغناء و أنا حاضر، فقال: «لا تدخلوا بيوتا اللّه معرض عن أهلها» (2).

17- ما رواه يونس قال: سألت الخراساني (عليه السلام) عن الغناء و قلت إنّ العبّاسي ذكر عنك إنّك ترخص في الغناء فقال: «كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء» فقلت:

إنّ رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام) فسأله عن الغناء فقال: «يا فلان إذا ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل فأين يكون الغناء؟» قال مع الباطل، فقال: «قد حكمت» (3).

18- ما رواه عبد الأعلى قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الغناء و قلت: إنّهم يزعمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) رخّص في أن يقال: جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيّكم، فقال: «كذبوا، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ (4) لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ* بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ (5) ثمّ قال: ويل لفلان ممّا يصف، رجل لم يحضر المجلس» (6).

19- ما رواه في المقنع عن الصادق (عليه السلام) قال: «شرّ الأصوات الغناء» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 225، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 227، ح 12.

(3). المصدر السابق، ح 13.

(4). سورة الدخان، الآية 38.

(5). سورة الأنبياء، الآية 17 و 18.

(6). المصدر السابق، ص 228، ح 15.

(7). المصدر السابق، ص 229، ح 22.

253

20- ما رواه الحسن بن هارون قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الغناء يورث النفاق و يعقب الفقر» (1).

21- ما رواه جابر بن عبد اللّه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «كان إبليس أوّل من تغنّى و أوّل من ناح، لمّا أكل آدم من الشجرة تغنّى فلمّا هبطت حوّاء إلى الأرض ناح لذكره ما في الجنّة» (2).

22- ما رواه الحسن بن محمّد الديلمي في «الإرشاد» قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «يظهر في أمّتي الخسف و القذف». قالوا: متى ذلك؟ قال: «إذا ظهرت المعازف و القينات و ...» (3).

23- و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «إذا عملت أمّتي خمس عشرة حصلة حلّ بهم البلاء ...

و اتخذوا القينات و المعازف ...» (4).

24- ما رواه عاصم بن حميد قال: قال لي أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّى كنت؟ فظننت أنّه قد عرف الموضع، فقلت جعلت فداك إنّي كنت مررت بفلان فدخلت إلى داره و نظرت إلى جواريه.

فقال: «ذاك مجلس لا ينظر اللّه عزّ و جلّ إلى أهله، أمنت اللّه على أهلك و مالك؟» (5).

كأنّه كانت جواريه مغنيات، و هذا يناسب التعبير بالمجلس في الحديث.

25- ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال: «ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنّة»، يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، فامّا الغناء فمحظور (6).

26- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين قال: «و الكبائر محرّمة و هي الشرك باللّه ... و الملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه عزّ و جلّ مكروهة كالغناء و ضرب الأوتار ...» (7) و لا يضرّ التعبير بالكراهة بعد التصريح بالكبائر المحرّمة.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 229، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 23.

(2). المصدر السابق، ص 231، ح 28.

(3). المصدر السابق، ح 30.

(4). المصدر السابق، ح 31.

(5). المصدر السابق، ص 236، الباب 101، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 86، الباب 16، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(7). وسائل الشيعة، ج 11، ص 262، الباب 46، من أبواب جهاد النفس، ح 36.

254

الطائفة الرّابعة: ما يدلّ على أنّ أجر المغنية سحت بحيث يستفاد منه عدم منفعة محلّلة لها من حيث الغناء، و هي روايات:

27- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في «إكمال الدين» عن إسحاق بن يعقوب في التوقيعات التي وردت عليه من محمّد بن عثمان العمري بخطّ صاحب الزمان (عليه السلام) «... و ثمن المغنية حرام» (1).

28- ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام): جعلت فداك إنّ رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار و قد جعل لك ثلثها.

فقال: «لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب و المغنية سحت» (2).

29- ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنيات أن تبيعهنّ و يحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن (عليه السلام) ... فقال (عليه السلام): «لا حاجة لي فيه إنّ هذا سحت، و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت» (3).

30- ما رواه الحسن بن علي الوشاء قال: سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن شراء المغنية قال: «قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها إلّا ثمن الكلب و ثمن الكلب سحت و السحت في النّار» (4).

31- ما رواه سعيد بن محمّد الطاطري عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات فقال: «شرائهنّ و بيعهنّ حرام و تعليمهنّ كفر و استماعهنّ نفاق» (5).

الطائفة الخامسة: ما دلّ على حرمة استماعه ممّا يعلم منه حرمة أصله، و هي أيضا روايات:

32- ما رواه الحسن قال: كنت اطيل القعود في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران قال:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 86، الباب 16، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(2). المصدر السابق، ص 87، ح 4.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). المصدر السابق، ص 88، ح 6.

(5). المصدر السابق، ح 7 (أيضا في فروع الكافي، ج 5، ص 120، ح 5).