أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
255

فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: «يا حسن إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا السمع و ما وعى، و البصر و ما رأى، و الفؤاد و ما عقد عليه!» (1).

33- ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يتعمّد الغناء يجلس إليه؟ قال: «لا» (2).

34- ما رواه عنبة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «استماع اللهو الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع» (3).

35- ما رواه مسعدة بن زياد قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له رجل: بأبي أنت و امّي إنّي أدخل كنيفا ولي جيران و عندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود، فربّما أطلت الجلوس استماعا منّي لهنّ، فقال (عليه السلام): «لا تفعل»، فقال الرجل: و اللّه ما أتيتهنّ، إنّما هو سماع أسمعه باذني، فقال (عليه السلام): «باللّه أنت أما سمعت اللّه يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا فقال بلى و اللّه، كأنّي لم أسمع بهذا الآية من كتاب اللّه من عربي و لا عجمي، لا جرم أنّي لا أعود إن شاء اللّه، و إنّي استغفر اللّه فقال له: «قم و اغتسل و صلّ ما بدا لك فانّك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك، احمد اللّه و سله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا كلّ قبيح، و القبيح دعه لأهله فانّ لكلّ أهلا» (4).

الطائفة السّادسة: ما دلّ على حرمة الغناء في القرآن و هي أيضا روايات:

36- ما رواه في عيون الأخبار ... عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: «أخاف عليكم استخفافا بالدين، و بيع الحكم، و قطيعة الرحم و ان تتّخذوا القرآن مزامير تقدّمون أحدكم و ليس بأفضلكم في الدين» (5).

37- ما رواه عبد اللّه بن عبّاس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث قال: «إنّ من أشراط‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 231، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 29.

(2). المصدر السابق، ص 232، ح 32.

(3). المصدر السابق، ص 235، الباب 101، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(4). وسائل الشيعة، ج 2، ص 57، الباب 18، من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(5). وسائل الشيعة، ج 12، ص 228، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 18.

256

الساعة إضاعة الصلوات ... فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير اللّه و يتّخذونه مزامير ... و يتغنّون بالقرآن ...» (1).

38- ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر فإنّه سيجي‌ء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم ...» (2).

أضف إلى ذلك ما دلّ على وضوح حرمته بين الناس و تحاشي الأئمّة (عليهم السلام) عنه بحيث يعرفه كلّ أحد مثل:

39- ما رواه معمّر بن خلّاد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: خرجت و أنا اريد داود بن عيسى بن علي، و كان ينزل بئر ميمون و على ثوبان غليظان، فلقيت امرأة عجوزا و معها جاريتان فقلت: يا عجوز! أتباع هاتان الجاريتان؟ فقالت نعم، و لكن لا يشتريهما مثلك! قلت: و لم؟ قالت: لأن إحداهما مغنية و الاخرى زامرة ... (3).

و ما دلّ على نزول البلاء على بيوت الغناء مثل:

40- ما رواه زيد الشحّام قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك» (4).

فهذه أربعون حديثا فيها صحاح و غيرها، و دلالتها على المطلوب قويّة، لا سيّما بعد ضمّ بعضها ببعض، كما أنّ أسنادها متواترة، و عليه عمل الأصحاب به.

دليل المخالف:

ثمّ إنّه لا شكّ في أنّ الغناء كان مشتملا غالبا في تلك الأعصار و في كلّ عصر على محرّمات كثيرة مضافا إلى هذا العنوان أهمّها: كون الغناء بأصوات الجواري اللاتي يحرم استماع صوتهنّ قطعا بهذه الكيفية، فإذا لم يرض الشارع «خضوعهنّ في القول» فكيف يرضى بمثل ذلك؟!

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 230، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 27.

(2). وسائل الشيعة، ج 4، ص 858، الباب 24، من أبواب قراءة القرآن، ح 1.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 226، ح 4.

(4). المصدر السابق، ج 12، ص 225، ح 1.

257

و كذا الضرب بآلات اللهو، و اشتمالها على وصف ما يحرم، أو يوجب الفساد في القلوب.

و دخول الرجال على النساء إلى غير ذلك من المحرّمات.

و لا أقل أنّ هذه الأربعة ممّا كانت من المقارنات الغالبة، بل و قد تزيد عليها امور اخرى أحيانا كشرب الخمور، و مزاولة الغلمان، و غيرهما، و لا يزال المترفون و الجبّارون و أهل المعاصي يتعاطونها بهذه الكيفية، فهل أنّ الحرمة ناظرة إلى هذا الفرد الشائع الغالب المقارن للمحرّمات، أو نفس عنوان الغناء مجرّدا عنها؟

ظاهر ما عرفت من الإطلاقات حرمة الغناء بعنوانه، و لو خلّي عن جميع ما ذكر إلّا أن يدلّ دليل على خلافه.

و غاية ما استدلّ به أو يمكن الاستدلال له امور:

الأوّل: ما ذكره في الوافي (و قد أشرنا إليه آنفا) من أنّ الذي يظهر من مجموع روايات الغناء أنّها ناظرة إلى ما كان متعارفا في زمن بني اميّة و بني العبّاس من دخول الرجال على النساء، و تكلّمهنّ بالأباطيل، و لعبهنّ بالملاهي، و أمّا غير ذلك فلا محذور فيه، فلا بأس بسماع الغناء بما يتضمّن ذكر الجنّة و النار و التشويق إلى دار القرار و الترغيب إلى اللّه و إلى طاعته (انتهى ملخّصا) (1).

هذا و قد عرفت أنّ هذا الانصراف لا وجه له بعد أخذ هذا العنوان في متن الأحاديث الكثيرة الظاهرة في حرمته بنفسه.

الثاني: الروايات الكثيرة الدالّة على مدح الصوت الحسن و الأمر به في قراءة القرآن و أنّه من أجمل الجمال، و أنّه صفة الأنبياء المرسلين و هي كثيرة منها:

1- ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لكلّ شي‌ء حلية و حلية القرآن الصوت الحسن» (2).

2- ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) أحسن الناس صوتا‌

____________

(1). الوافي، ج 3، ص 35، (باب ما جاء في الغناء من أبواب وجوه المكاسب).

(2). وسائل الشيعة، ج 4، ص 859، الباب 24، من أبواب قراءة القرآن، ح 3.

258

بالقرآن، و كان السقاؤون يمرّون فيقفون ببابه يستمعون قراءته» (1).

3- ما رواه أبو بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشيطان فقال: إنّما ترائي بهذا أهلك، و الناس، فقال: «يا أبا محمّد اقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك ... و رجّع بالقرآن صوتك فإنّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ الصوت الحسن يرجّع فيه ترجيعا» (2).

4- و ما رواه الحسن بن عبد اللّه التميمي عن أبيه عن الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» (3).

و هناك روايات اخر رواها الكليني في الكافي (4).

هذا و الإنصاف أنّه لا دلالة لشي‌ء من هذه الروايات على ما نحن بصدده من مسألة الغناء، فانّ مجرّد الترجيع كما سيأتي ليس غناء، بل الغناء نوع صوت لهوي كما سيأتي تعريفه، و الصوت الحسن أعمّ منه، و ما أمر به في القرآن ليس هو القسم اللهوي منه قطعا، نعم لو قلنا بكون مجرّد الترجيع (و هو ترديد الصوت في الحلق) داخلا في الغناء، كان بعض هذه دليلا على المطلوب، و لعلّ إلى ما ذكرنا يشير بعضها الدالّة على النهي عن «ترجيع القرآن ترجيع الغناء»، فالترجيع له نوعان، أحدهما غناء، و الآخر ليس كذلك.

الثّالث: ما رواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح قال: «لا بأس ما لم يعص به» (5).

فلو كان المراد من «عدم العصيان به» عدم وجود محرّم آخر معه كان دليلا، و أمّا لو كان عدم العصيان بنفس الغناء- أعني الصوت- كان دليلا على الخلاف، و لكن ظاهره أنّ مجرّد الغناء ليس معصية، و لكن سند الحديث محلّ إشكال.

و روى هذا الحديث علي بن جعفر في كتابه، إلّا أنّه قال «ما لم يزمر به» و سنده أوضح‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 4، ص 859، الباب 24، من أبواب قراءة القرآن، ح 4.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المصدر السابق، ح 6.

(4). اصول الكافي، ج 2، ص 614، (باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن).

(5). وسائل الشيعة، ج 12، ص 85، الباب 15، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

259

لصحّته كدلالته، لأنّ عدم التزمّر به بمعنى عدم كون المزمار معه، فهو دليل على عدم كونه بنفسه حراما، بل بما يقترن معه.

و أمّا ما في مصباح الفقاهة من أنّ المراد عدم كون الصوت صوت مزماري (1) فهو يحتاج إلى تقدير أو مجاز، و هو مخالف لظاهر الحديث.

كما أنّ احتمال اختصاص الحكم بمورد الرواية أبعد، لأنّ الفرح أمر عام يشمل جميع أنواع الفرح الذي يقارنه.

الرّابع: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعدّة طرق، ففي طريق قال: قال (عليه السلام): «أجر المغنية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، و ليست بالتي يدخل عليها الرجال» (2).

و رواه في الوسائل بطريق آخر يتّصل إلى أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كسب المغنيات، فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس» (الحديث) (3). و دلالته أوضح من سابقه.

و قد يجاب عنهما بأنّ استثناء زفاف العرائس لا دلالة على جواز ذلك مطلقا، و لكن يرد عليه أنّ التعبير فيهما إنّما هو بعنوان عامّ، بل هو شبه تعليل فإنّ قوله (عليه السلام) في الأوّل منهما:

«و ليست بالتي يدخل عليها الرجال» في مقام التعليل، و أوضح منه جعله في الرواية الثانية في مقابل ما يدعى إلى الأعراس فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس و هو قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ...».

و حيث أنّ سند الاولى مصحّح، فهي من حيث السند قابلة للاعتماد.

الخامس: ما رواه مرسلا في الفقيه (محمّد بن علي بن الحسين) و قد مرّت الإشارة إليه قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت فقال: «ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنّة»، يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، فأمّا الغناء فمحظور (4).

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 309.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 85، الباب 15، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 1.

(4). المصدر السابق، الباب 16، ح 2.

260

و فيه: مع ضعف السند أنّه لا دلالة له على المطلوب بعد كون الصوت الحسن عامّا، و بعد التصريح بنفي القسم الذي يدخل في الغناء، بل هو على خلاف المطلوب أدلّ.

السّادس: يمكن الاستدلال على المسألة بما دلّ على جواز الحداء للإبل فإنّ الظاهر أنّه نوع غناء، بناء على تفسيره بالصوت المطرب، و قلنا أنّ الطرب حالة خفّة تعرض النفس لشدّة الفرح أو الحزن، فإنّه من أظهر مصاديقه حينئذ، بل لو لا كونه مطربا لما أفاد فائدة للإبل.

نعم لو قلنا هو الصوت اللهوي المناسب لمجالس أهل الفسوق لم يكن من مصاديقه، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

إلّا أنّه لا يوجد دليل على هذا الاستثناء في رواياتنا المعروفة عدى ما يحكى عن طرماح بن عدي في مسير الحسين (عليه السلام) إلى كربلا (1) و الظاهر أنّه حديث مرسل.

نعم، في روايات العامّة من ذلك شي‌ء كثير من حداء عبد اللّه بن رواحة عنده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و حداء غلام يقال له «انجشة» و «البرّاء بن مالك» ممّا يدلّ كلّه على الجواز (2).

السّابع: ما دلّ على جواز النياحة لا سيّما ما رواه سماعة، قال: سألته عن كسب المغنية و النائحة فكرهه (3).

فلو كانت الكراهة بمعناها المصطلح كما هو الظاهر هنا كان دليلا على المطلوب، و لكن السند لا يخلو عن ضعف، هذا مضافا إلى أنّه لو فسّر الغناء بالصوت المطرب كانت النياحة من مصاديقه، لاشتمالها على الطرب بمعنى الحزن.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ هناك روايتين معتبرتين تامّتي الدلالة على مطلوب المخالف، و الباقي يكون مؤيّدا لهما، و لكن هل يمكن الاعتماد عليهما مع مخالفة الأصحاب و إعراضهم عنه أو حملهما على الاستثناء في بعض الموارد أو على التقيّة في مقابل الروايات الكثيرة السابقة؟

____________

(1). مقتل الحسين لعبد الرزاق الموسوي المقرّم، ص 220 (و ص 186 حديثه).

(2). السنن للبيهقي، ج 10، ص 227.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 90، الباب 17، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

261

و ربّما كان وجه إعراضهم كونها مخالفة للاحتياط، أو كون ما يدلّ على قول المشهور أكثر، فلا أثر لإعراضهم، و الحمل على التقيّة خلاف الظاهر، فعلى هذا الجمع بينهما و بين الأحاديث المحرّمة بما سبق من المحدّث الكاشاني ممكن، و لكن لا يخلو عن إشكال، و سيأتي له مزيد توضيح بعد بيان حقيقة الغناء.

و يمكن تأييد ما ذكر من الجواز إذا خلا عن المحرّمات الاخر بامور:

1- التصريح بدخوله في قول الزور الظاهر أنّه بيان بعض مصاديقه الواقعية لا التعبّدية، و لعلّه ما اشتمل على مضامين باطلة دون غيره.

2- تفسير لهو الحديث به، و هو يدلّ على كون محتواه باطلا مضلا.

3- ذكر المغنية في أكثر روايات الحرمة أو القينات لا المغنّي، و لا شكّ أنّ صوت المرأة مع هذا الوصف حرام بنفسه.

4- ذكر بيت الغناء أو مجلس الغناء أو شبه ذلك ممّا يدلّ على أنّ المراد ما اشتمل على امور اخر.

5- ما ورد أنّه من اللغو أو من الباطل و إنّ اللّه إذا ميّز بينهما (الحقّ و الباطل) كان من الأوّل، فإنّه مشعر باشتماله على أباطيل، و لكن مع ذلك العدول عمّا ذكره المشهور المؤيّد بروايات كثيرة متواترة مشكل جدّا.

المقام الثّاني: في معنى الغناء و حقيقته

هذا المقام معركة للآراء و الخلاف الشديد بين أهل اللغة و فقهائنا، و إليك نبذ ممّا ذكره أرباب اللغة و أكابر الفقه:

1- هو الصوت (كما عن المصباح المنير).

2- هو مدّ الصوت (كما عن بعض من لم يسمّ).

3- هو ما مدّ و حسن و رجّع (كما عن القاموس).

4- إنّه تحسين الصوت و ترقيقه (كما عن الشافعي).

5- كلّ من رفع صوتا و والاه فصوته عند العرب غناء، (عن محكي النهاية).

262

6- أنّه الصوت المطرب (كما عن السرائر و الإيضاح و القاموس).

7- أنّه الصوت المشتمل على الترجيع المطرب (كما عن مشهور الفقهاء).

8- كلّ صوت يكون لهوا بكيفية و معدودا من ألحان أهل الفسوق و المعاصي فهو حرام، و إن فرض أنّه ليس بغناء، و كلّ ما لا يعدّ لهوا فليس بحرام و ان فرض صدق الغناء عليه فرضا غير محقّق (اختاره العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه).

و يظهر ممّا ذكره في ذيل كلامه أنّ الغناء عنده بمعنى الصوت اللهوي المعدود من ألحان أهل الفسوق، و صرّح به بعض محشي المكاسب أيضا من أعلام العصر (1).

9- أنّه ما سمّي في العرف غناء و إن لم يطرب (كما اختاره الحدائق).

10- أنّه ما يسمّي في العرف غناء (حكي عن المشهور أيضا).

و من الواضح أنّ المعاني الخمسة الاولى ليست تعاريف جامعة و مانعة، بل من قبيل شرح الاسم لوضوح أنّ مجرّد الصوت أو تحسينه أو رفعه و تواليه ليس بغناء قطعا.

كما أنّ التعريفين الأخيرين ليس تعريفا، بل اعتراف بعد إمكان ضبطه تحت تعريف جامع، مضافا إلى أنّه يظهر من صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و هو من أهل اللسان بأنّه الآن مشتبه بين عرف عامّة سواد الناس من العرب لعدّهم الكيفية الخاصّة من الصوت في غير القرآن و الدعاء و تعزية الحسين (عليه السلام) غناء، و نفي ذلك عنها فيها، و ما ذاك إلّا لاشتباهه، للقطع بعدم مدخلية خصوص الألفاظ فيه (2).

فحينئذ يبقى من هذه المعاني، الثلاثة الأخيرة قبلهما، ففي واحد منها أخذ قيد «الطرب»، و في الآخر «الترجيع و الطرب» و في الآخر التعريف باللهو المناسب لمجالس أهل الفسوق، و لكن الكلام يأتي في معنى الطرب و اللهو، و الظاهر أنّه ليست الكلمتان أوضح تفسيرا من نفس الغناء!

أمّا «الطرب» فالمعروف في تفسيره في كتب اللغة و الفقه أنّها خفّة عارضة لشدّة سرور أو حزن، و أمّا هذه الخفّة ما ذا؟ فهل هي خفّة في العقل شبيه السكر الحاصل بأسبابه، أو خفّة‌

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 311.

(2). جواهر الكلام، ج 22، ص 46.

263

في النفس بمعنى النشاط و الانبساط و الانشراح، الذي يكون في كلتا الحالتين، أو لذّة خاصّة حاصلة منهما جميعا؟ فبعض الأحزان ممّا يلتذّ منه الإنسان كالسرور.

و الإنصاف أن الطرب ليس أوضح من الغناء كما ذكرنا، حتّى يرفع إبهامه به و ان كان يظهر من بعض العبارات أنّها هي النشئة السكرية، و هو غير ظاهر.

ثمّ إنّ المدار على «الطرب» بالفعل لكلّ أحد، أو للأكثر، أو الطرب بالقوّة، و الاولى منتف في كثير من مصاديقها.

أمّا «اللهو» فان كان بمعناه الوسيع فلا إشكال في جوازه في الجملة، فإنّ الذي يلهي الإنسان عن ذكر اللّه أو يلهيه عن امور الحياة التي يعتادها أكثرها حلال و إن كان بمعنى أخصّ من هذا، فما هذه الخصوصية؟

نعم، أحسن كلام ذكر في المقام هو ما أفاده شيخنا الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) و هو: إنّ الغناء هو الإلحاق المناسبة لمجالس أهل الفسوق و المعاصي و نزيد عليه أنّه يتناسب مع اقترانه بضرب الآلات و الرقص و التصفيق و شبه ذلك و إن لم تكن بالفعل.

و أمّا الأصوات الحسنة و الطيّبة و إن كان فيها نوع طرب، أعني نشاطا و انبساطا و فرحا أو حزنا كما هو كثير عند قراءة آيات القرآن بالصوت الحسن و ذكر الجنّة و نعيمها و النار و عذابها فلا بأس به.

نعم له مصاديق كثيرة مشكوكة، و القاعدة تقتضي الأخذ بالقدر المتيقّن المعلوم و اجراء البراءة فيما زاد عليه، فانّه من قبيل الأقل و الأكثر الاستقلاليين.

الألحان على ثلاثة أقسام:

و من الجدير بالذكر أنّ الألحان فيما نعلمه و نشاهده على ثلاثة أقسام:

قسم منها لا يناسب مجالس الفسوق أصلا، و قسم منها يختصّ بها، و قسم ثالث مشترك بين الأمرين، فإن كان محتواه أمرا باطلا فاسدا شهويا يختصّ بها، و إن كان أمرا صحيحا حقّا يكون في مجالس الحقّ أيضا كما لا يخفى على من سبرها.

و من هنا يعلم أنّه قد يكون لمفاد الألفاظ تأثيرا في كون الألحان غناء، و قد لا يكون أي‌

264

أثر للمحتوى فيها، بل لحن فسوقي و لو كان في القرآن، بل يكون حينئذ أشدّ حرمة لما فيه من الهتك و الوهن بكلام اللّه تعالى.

و الحاصل أنّ اللحن قد يكون علّة تامّة لكونه غناء، و اخرى علّة ناقصة تتمّ مع ما فيه من المحتوى، و الشاهد له وجود الألحان المشتركة بين ألحان أهل الفسوق و غيرهم.

و من هنا يمكن توجيه كلام المحدّث الكاشاني و من يحذو حذوه، بأنّ مرادهم جواز خصوص القسم المشترك إذا خلا عن مضامين باطلة، و إلّا فمن البعيد جدّا تجويزه للألحان المختصّة بأهل الفسوق و العصيان التي يأباها كلّ متشرّع من العوام و الخواص و ان كانت بعض عبائره يأبى عن هذا المعنى.

و قد تلخّص ممّا ذكرنا إنّه لو قلنا بعدم حرمة الغناء ذاتا و إنّما المحرّم هو لوازمها أحيانا فلا كلام، و لو قلنا بالحرمة في الجملة و إن خلت من جميع المقارنات و العوارض المحرّمة، فالقدر المتيقّن منه ما يختصّ بمجالس أهل الفسوق و الفجور، أعني الألحان المختصّة بهم، و هذا المعنى ليس أمرا خفيّا معضلا، بل يعرفه أهل العرف خواصهم و عوامّهم، و إن كان له مصاديق مشكوكة، كما هو الشأن في جميع المفاهيم، فالحكم في المشكوكات هو البراءة و إن كان الاحتياط طريق النجاة.

بقي هنا امور:

1- ذكر بعض الأعلام أنّ المحدّث الكاشاني لم ينكر حرمة الغناء مطلقا، بل قسّمه إلى قسمين: قسم محرّم، و هو ما اشتمل على مقارنات محرّمة، فإذا قارنه ذلك كان نفس الغناء أيضا محرّما، و لذا حرّم أخذ الاجرة عليه حينئذ، و قسّم محلّل و هو ما خلا عن ذلك، فليس ما ذكره مخالفا للإجماع حتّى يقابل بالطعن و النسبة إلى الأراجيف (1).

و الإنصاف أنّ ما أفاده لا أثر له في كون كلامه مخالفا لما ذكره عامّة الأصحاب، فإنّ ظاهر كلامهم أو صريحه حرمته، و إن خلا عن كلّ محرّم، نعم طريق الجواب لا سيّما في‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ج 1، ص 210.

265

قبال علماء الدين لا بدّ أن يكون بالحكمة و الموعظة الحسنة و بالتي هي أحسن.

2- قد ظهر ممّا ذكرنا حال «النشيد» (سرود) المعمول اليوم و ما يجري في مجالس العزاء و المواكب الحسينية (عليه السلام) و أنّها ليست من ألحان أهل الفسوق غالبا و كذا الهوسات، و ما يشجّع الجيش في الميدان، فهي محلّلة بحسب الأصل، نعم لو وجد فيها بعض ما يختصّ بأهل الفسوق فهو حرام، و كذا الكلام في «النوح و النياحة» لعدم صدق ما ذكر عليها إلّا أحيانا كما هو ظاهر.

3- لا يخفى أنّ الغناء يتفاوت بتفاوت العرف و العادات، فربّ صوت بين قوم من مصاديقه، و لا يعدّ بين أقوام آخرين منها، بل قد يتفاوت بالأزمنة، فما يكون عندنا غناء، ربّما لم يكن غناء عند بعض الماضين و بالعكس، كما يتراءى ذلك بين المسلمين و غيرهم و بين العرب و العجم.

و منه يعلم إنّما ذكره بعض الأعلام في مكاسبه من أنّ الألحان المتداولة اليوم المسمّى بالتصنيف ليست من مصاديق الغناء، و هو عجيب، بل هو القدر المتيقّن منه، و لعلّه حيث لم ير في كثيرها مدّ الصوت أو الترجيع لم يعدّه من الغناء، و قد عرفت أنّ المدّ أو الترجيع غير معتبر في مفهومه، و الطرب الحاصل منه أكثر من غيره قطعا، و العمدة كونه من ألحان أهل الفسوق و العصيان.

المقام الثالث: في المستثنيات و قد ذكر هنا امور:

أوّلها: الغناء في زفاف العرائس

حكي عن جمع من أعاظم الأصحاب استثنائه، بل حكى في الجواهر عن بعض مشايخه نسبته إلى الشهرة، و اختاره هو في ذيل كلامه، و ان كان ظاهر عبارة الشرائع و بعض آخر الحرمة حيث لم يستثنى ذلك من أدلّة الحرمة، بل حكى التصريح بعدم الجواز عن ابن‌

266

إدريس و فخر المحقّقين، و على كلّ حال لا يبعد استثنائه بعد ورود الحديث الصحيح به، و هو ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كسب المغنيات، فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس ...» (1).

و يؤيّد حديثه الآخر (2/ 15) و الثالث (3/ 15)، و الظاهر أنّ الجميع واحد و إن رويت بأسناد مختلفة.

نعم، صرّح بعضهم بعدم كون اشتماله على محرّم آخر كاللعب بآلات اللهو، أو التكلّم بالباطل، أو ورود الرجال عليهنّ كما هو صريح الرواية.

و لا يخفى أنّ هذه و ان كانت امورا خارجة عنها، و لكن حيث أنّ التجويز في أصله قد يتوهّم منه جواز ما قارنه كثيرا في الخارج كان من اللازم نفيه.

و بالجملة إباحة اجرة المغنية التي تدعى إلى الأعراس دليل على جواز فعلها و استماع النساء منها بما مرّ من الشرائط.

نعم، قد يقال بانحصاره في المغنية، فلا يشمل المغني، و لا يشمل مثل مجالس الختان و غيره، هذا و الإنصاف دخولها في صحيحة علي بن جعفر (5/ 15) من استثنائه في الأفراح، و هو من مصاديقه، فهذا استثناء ثان في الحكم، و هو أيضا غير بعيد مع الشرائط السابقة، و سيأتي الكلام فيه.

ثانيها: ما عرفت من أيّام العيد و الأفراح

و إن لم يتعرّض له كثير منهم، و لكن بعد وجود الدليل المعتبر عليه و عدم ظهور إعراض عنه، لا مانع من العمل به، و هو صحيحة علي بن جعفر و قد مرّت.

و لكن لا بدّ من خلوّه من المقارنات المحرّمة من التكلّم بالأباطيل و دخول الرجال على النساء كما اشير في ذيلها.

و لعلّ المراد بالفرح ليس كلّ فرح حتّى يستوعب التخصيص كما أشرنا إليه فيما سبق،

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 84، الباب 15، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

267

بل الأفراح مثل الأعياد و الختان و الأعراس و المواليد و شبه ذلك و ما في الجواهر (1) من المحامل المختلفة في الحديث من التقيّة أو خصوص العرس في اليومين أو إرادة التغنّي على وجه لا يصل حدّ الغناء بعيدة لا داعي إليها، نعم الأحوط ترك ما يختصّ بأهل الفسوق و العصيان حتّى في هذه الأيّام.

كما أنّ إختلاف ذيلها (لم يزمر به- أو لم يعص به) لا يوجب اضطراب متنها بعد قرب المعنيين، و كون الباء بمعنى «مع» ظاهرا، مع صحّة ما ورد في كتاب علي بن جعفر (عليه السلام) و عدم ثبوت صحّة ما في قرب الاسناد.

ثالثها: «الحداء»

استثناه جماعة منهم المحقّق في شهادات الشرائع و العلّامة و الشهيد (قدّس سرّه) فيما حكي عنهم، بل حكى عن المشهور، و لكن صرّح غير واحد منهم بعدم وجدان دليل عليه في منابع حديثنا.

قال في الحدائق: «لم أقف في الأخبار له على دليل و لم يذكره أحد» (2).

أقول: قد عرفت أنّ في بعض روايات المقاتل إشارة إليه، و قد عقد له في سنن البيهقي بابا أورد فيه أحاديث كثيرة تدلّ على وقوعه بمحضر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن عدّة أشخاص منهم «عبد اللّه بن رواحة» و «البراء بن مالك» و غلام يسمّى «انجشة» (3).

و العمدة ما عرفت من عدم شمول عنوان الغناء له، نعم لو فسّر الغناء بمطلق الصوت الحسن دخل فيه، و لكن لا وجه له، فعلى هذا لا دليل على حرمته حتّى يحتاج إلى استثناء.

رابعها: المراثي

استثناها بعضهم كما حكاه صاحب الحدائق عن الكفاية أنّه قال: «و هو غير بعيد» ثمّ ذكر‌

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 45.

(2). الحدائق، ج 18، ص 116.

(3). سنن البيهقي، ج 10، ص 226.

268

صاحب الحدائق نفسه: «بل هو في غاية البعد لعدم الدليل عليه».

هذا و قد عرفت أنّ النياحة المتعارفة في مجالس العزاء لا تدخل في عنوان الغناء، لعدم كونها صوتا لهويا مناسبا لمجالس أهل الفسوق و العصيان، فكأنّهم رأوا للغناء معنى عاما يشمل كلّ صوت حسن كما يظهر من بعض أهل اللغة، فذكروا هذا مستثنى عنه، أو استثناء الحداء و غيره أيضا من هذا القبيل، و فيه ما عرفت من أنّها ليست كلّ صوت حسن، بل صوت خاصّ.

و أمّا ما استدلّ له من استقرار سيرة أهل الشرع عليه، أو كونه معينا على البكاء و شبهه غير ثابت، أو غير كاف، أمّا السيرة فلعدم اتّصالها بزمان المعصوم، و أمّا الإعانة على البكاء فلعدم جواز التوصّل بالحرام إلى أمر مستحبّ كما هو واضح، فالحقّ خروجه عنه موضوعا، و لو كان من ألحان أهل الفسوق لم يجز في المراثي قطعا.

خامسها: في قراءة القرآن

و قد حكى عن مشهور المتأخّرين نسبة استثناء الغناء فيه إلى صاحب الكفاية أيضا، و لكن الظاهر من كلامه أنّه أخذ الغناء بمعنى وسيع يشمل كلّ صوت حسن فيه تحزين و ترجيع، و لكن قد عرفت أنّ معناه أخصّ من ذلك، فليس مجرّد، هذه الامور بغناء ما لم يكن الصوت مناسبا لمجالس أهل الفسوق و العصيان.

و على كلّ حال ما دلّ على استحباب حسن الصوت في القرآن و ما ورد في شأن علي بن الحسين (عليهما السلام) لا يدلّ على جواز الغناء فيه و لو بإطلاقه، بل هو (عليه السلام) خارج عن موضوع الغناء، فلا تصل النوبة إلى معارضتها بأدلّة حرمة الغناء حتّى يتكلّم في النسبة بينهما، و لو فرض التعارض بينهما، فلا شكّ في تقديم أدلّة حرمة الغناء لأنّها أقوى، و لأنّها من قبيل ما فيه الاقتضاء في مقابل ما لا اقتضاء فيه.

و يدلّ على ما ذكرنا أيضا ما ورد من النهي عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق و اتّخاذه مزامير (1).

____________

(1). راجع الأحاديث 18/ 99 و 27/ 99، من أبواب ما يكتسب به و 1/ 24 من أبواب قراءة القرآن التي مرّت عليك سابقا.

269

سادسها: الهلهلة

ذكر صاحب الجواهر أنّه «لا بأس بالهلهولة على الظاهر لكونها صوتا من غير لفظ، و الغناء من الألفاظ» (1).

و الظاهر أنّ مراده ما يسمّى عندنا بالهلهلة، و ما ذكره في حكمه جيّد، و لكن التعليل بأنّ الغناء من الألفاظ لا يخلو عن شي‌ء، إلّا أن يقال أنّ مراده أنّ الغناء من الكيفيات العارضة بالألفاظ، و الهلهلة ليس بلفظ لعدم وجود حروف التهجّي فيها، و الأولى أن يقال: ليس فيها شي‌ء من أوزان الغناء.

هذا مضافا إلى أنّها ليست صوتا لهويا من ألحان أهل الفسوق، نعم كونها من النساء قد يتوهّم كونه داخلا في الخضوع بالقول، و لكنّه غير ثابت (سواء كان في مجالس الفرح كما عندنا أو في مجالس العزاء كما عند بعض الأعراب أحيانا) و على كلّ حال لا يبعد جوازه، و لا أقل من الشكّ و الحكم فيه البراءة، إلى هنا تمّ الكلام في الغناء و فروعه، و أمّا الضرب بالآلات فله مقام آخر و إن كان من كثير من الجهات كالغناء موضوعا و حكما، فتدبّر فإنّه حقيق به.

14- الغيبة

المقام الأوّل: في حكم الغيبة

و هي من المحرّمات قطعا و إن كان ممّا لا يكتسب به عادة.

و استدلّ عليه بالأدلّة الأربعة:

فمن الآيات بقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لٰا تَجَسَّسُوا وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ تَوّٰابٌ رَحِيمٌ (2).

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 51.

(2). سورة الحجرات، الآية 12.

270

نهى فيها عن ثلاثة أشياء كلّ واحد علّة للآخر في الحقيقة، و هي الظنّ السوء، ثمّ التجسّس، ثمّ الغيبة، و فيها أبلغ تشبيه بالنسبة إلى قبح الغيبة و حقيقتها، من حيث هتك الأعراض، حيث شبّه اللّه تعالى عرض المؤمن بلحمه، و غيبته بأكل لحمه، و كونه على ظهر الغيب بكونه ميّتا، و اعتمد على تنفّر الطباع منه، كي يبعثهم على ترك هذه المعصية الكبيرة بمقتضى عقولهم، ثمّ أكّده بالأمر بالتقوى الباعث على كلّ خير، و ترك كلّ شرّ، ثمّ أمر بالتوبة تلويحا، و وعد قبولها بما يجلب القلوب إلى امتثال هذا الحكم.

و قد استدلّ بآيات اخرى لا دلالة لها على المطلوب، أو تكون أعمّ منه فالأولى صرف النظر عنها.

و من الإجماع بما هو ظاهر للكلّ، بل لعلّ حرمتها من ضروريات الدين، يعرفها كلّ من عاشر المسلمين، و لو برهة قليلة من الزمان.

و من العقل بأنّها ظلم ظاهر لما فيها من هتك العرض و إهانة المؤمن و تحقيره، بل و إيذائه إذا بلغه، و فيها مفاسد كثيرة مضافا إلى ما ذكر، و هي بثّ العداوة و إشعال نيران البغضاء، و سلب اعتماد الناس بعضهم ببعض، و أي إنسان لا يخلو عن عيب؟ فإذا كانت العيوب مستورة كان الاعتماد و الاخوّة بينهم حاصلة، و إذا هتكت الستور تفرّقوا و اختلفوا، و انحلّت عرى الاخوّة، مضافا إلى ما فيها من أسباب العداوة و البغضاء، بل قد توجب سفك الدماء.

و قد تكون إشاعة للفحشاء و سببا لجرأة العاصي على العصيان.

و سبب الغيبة امور كثيرة كلّها من الموبقات: منها الحسد و الحقد و الكبر و البخل و السخرية و غير ذلك ممّا ذكر في محلّ من علم الأخلاق، عصمنا اللّه منها بحقّ محمّد و آله الأطهار من هذه الكبيرة الموبقة.

أمّا السنّة: فهي روايات كثيرة جدّا، منها ما يدلّ على أنّها أشدّ من الزنا، لأنّها حقّ الناس و الزنا حقّ اللّه، مثل:

1- ما رواه محمّد بن الحسن (في المجالس و الأخبار) باسناده عن أبي ذرّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في وصيّة له قال: «يا أبا ذرّ إيّاك و الغيبة، فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا»، قلت: و لم ذاك يا رسول اللّه؟ قال: «إنّ الرجل يزني فيتوب إلى اللّه فيتوب اللّه عليه، و الغيبة لا تغفر حتّى تغفرها صاحبها» (1).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 598، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 9.

271

2- و ما رواه اسباط بن محمّد برفعه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «الغيبة أشدّ من الزنا» فقيل:

يا رسول اللّه و لم ذلك؟ قال: «أمّا صاحب الزنا فيتوب فيتوب اللّه عليه، و أمّا صاحب الغيبة فيتوب فلا يتوب اللّه عليه حتّى يكون صاحبه الذي يحلّه» (1).

3- ما رواه أسباط بن محمّد رفعه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «ألا اخبركم بالذي هو أشدّ من الزنا، وقع الرجل في عرض أخيه» (2).

و منها ما يدلّ على أنّه يحرم على المغتاب الجنّة أو شبه ذلك مثل:

4- ما رواه زيد بن علي عن آبائه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «تحرم الجنّة على ثلاثة على المنّان و على المغتاب و على مدمن الخمر» (3).

5- و ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه معصية للّه و حرمة ماله كحرمة دمه» (4).

6- و ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه في حديث المناهي: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن الغيبة و الاستماع إليها ... و نهى عن الغيبة و قال: «من اغتاب امرأ مسلما بطل صومه و نقض و ضوءه، و جاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذّى به أهل الموقف، و إن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرّم اللّه عزّ و جلّ ...» (5).

7- و ما رواه نوف البكالي قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو في رحبة في مسجد الكوفة فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته! فقال و عليك السلام يا نوف و رحمة اللّه و بركاته! فقلت له: يا أمير المؤمنين عظني، فقال: يا نوف أحسن يحسن إليك «إلى أن قال». قلت: زدني. قال: «اجتنب الغيبة فإنّها أدام كلاب النار ثمّ قال: يا نوف كذب من زعم أنّه ولد من حلال و هو يأكل لحوم الناس بالغيبة» (6).

8- ما رواه علقمة بن محمّد عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث أنّه قال: «فمن‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 601، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 18.

(2). المصدر السابق، ح 19.

(3). المصدر السابق، ص 599، ح 10.

(4). المصدر السابق، ح 12.

(5). المصدر السابق، ح 13.

(6). المصدر السابق، ح 16.

272

لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه عندك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة، و ان كان في نفسه مذنبا، و من اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية اللّه تعالى ذكره، داخل في ولاية الشيطان، و لقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع اللّه بينهما في الجنّة أبدا، و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما، و كان المغتاب في النار خالدا فيها و بئس المصير» (1).

9- و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في عقاب الأعمال ... عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال في خطبة له:

«و من اغتاب أخاه المسلم بطل صومه و نقض وضوء فان مات و هو كذلك مات و هو مستحلّ لما حرّم اللّه ...» (2).

و غيرها من الروايات الكثيرة.

المقام الثاني: في حقيقة الغيبة

لا شكّ أنّ الاغتياب هو نوع فعل يكون في غيبة الطرف للانتقاص منه، و قد عرّفها الفقهاء و أرباب اللغة بتعاريف متقاربة المعنى كلّها تشير إلى معنى واحد تقريبا:

الأوّل- غابه- عابه، و ذكره بما فيه من السوء (القاموس).

و ذكر ضمير الغائب فيه إشارة إلى أنّها تقع في غياب الشخص.

الثّاني- أن يتكلّم خلف إنسان مستور بما يغمّه لو سمعه (الصحاح و مجمع البحرين).

و من الواضح أنّه لا يخالف الأوّل غالبا، لأنّ ذكر السوء و العيب يوجب الغمّ لا محالة، و كذلك لو لم يكن مستورا لما كان يغمّه، فتأمّل.

الثّالث- اغتابه إذا ذكره بما يكرهه من العيوب و هو حقّ (المصباح المنير) و هو المعروف بين الأصحاب كما قيل.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 601، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 20.

(2). المصدر السابق، ص 602، ح 21.

273

الرّابع: ما عن الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في رسالته المعروفة في المسألة قال: إنّ في الاصطلاح لها تعريفين: أحدهما مشهور، و هو «ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه ممّا يعدّ نقصانا في العرف بقصد الانتقاص و الذمّ».

و الثاني «التنبيه على ما يكره نسبته إليه» و هو أعمّ من الأوّل لشمول مورده اللسان و الحكاية و الإشارة.

الخامس- ذكر غيره بما يكرهه لو سمعه (و قد حكى شيخنا الأعظم العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) عن بعض أنّ الإجماع و الأخبار متطابقان فيه) (1).

السادس- ما يظهر من غير واحد من الأخبار مثل:

1- ما رواه محمّد بن الحسن (في المجالس و الأخبار) ... عن أبي ذرّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في وصيّة له ... قلت: يا رسول اللّه و ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره ...» (2).

2- و ما رواه عبد الرحمن بن سيّابة عن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال: «إنّ من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه ...» (3).

3- و ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الغيبة أن تقول في أخيك ما قد ستره اللّه عليه ...» (4).

4- و ما رواه يحيى الأرزق قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه الناس لم يغتبه و من ذكره من خلفه بما هو فيه ممّا لا يعرفه الناس اغتابه ...» (5).

5- و ما رواه داود بن سرحان قال سألت: أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الغيبة قال: «هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل و ثبت (ثبث) عليه أمرا قد ستره اللّه عليه لم يقم عليه فيه حدّ» (6).

____________

(1). المكاسب المحرّمة، لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 41.

(2). وسائل الشيعة، ج 8، ص 598، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 9.

(3). المصدر السابق، ص 600، ح 14، (و بهذا المعنى لفظا و معنى ح 2/ 154).

(4). المصدر السابق، ص 602، ح 22.

(5). المصدر السابق، ص 604، الباب 154، ح 3.

(6). وسائل الشيعة، ج 8، ص 604، الباب 154، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

274

6- و ما رواه علقمة بن محمّد عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ... عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع اللّه بينهما في الجنّة أبدا، و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما و كان المغتاب في النار خالدا فيها و بئس المصير» (1).

يعتبر في معنى الغيبة امور:

الأوّل: أن يكون المغتاب (بالفتح) غائبا، و هو مستفاد من مادّة الكلمة، نعم إذا كان حاضرا، و لكن كان غافلا فهو بحكمه و إن لم يكن منه لغة، مثل ما روي عن عائشة في امرأة دخلت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقالت عائشة: يا رسول اللّه ما أجملها و أحسنها لو لا أنّ بها قصر، فقال لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «اغتبتيها يا عائشة ...» (2).

فهذا إلحاق حكمي.

الثّاني: أن يكون بما فيه من العيوب، فلو كان بذكر المحاسن و لكن يكره إظهارها كالعدالة و الورع و بعض العلوم و بعض العبادات، فليس من الغيبة قطعا، نعم إذا كان بحيث يسمعه و يتأذّى منه و لم يكن تألّمه أمرا غير متعارف كان حراما من جهة اخرى، أمّا إذا كان ذلك بسبب شذوذ فيه، فيشكل الحكم بلزوم تركه لعدم الدليل.

الثّالث: أن يكون ذلك مستورا، فلو كان ظاهرا لم يكن من الغيبة، لأنّه القدر المتيقّن، نعم إذا كان بقصد المذمّة لم يبعد حرمته، لا من هذه الجهة، بل من جهة حرمة مذمّة الناس.

الرّابع: أن يكون يكرهه إذا سمعه أو يغمّه إذا سمعه، و الظاهر أنّه قيد زائد لأنّه لازم سائر القيود السابقة عادة، و أمّا الافراد النادرة فلا يعبأ بها.

الخامس: و قد يقال باعتبار قصد المذمّة، و لكن اعتباره بعيد، لأنّ مجرّد ذكر إنسان بعيب مستور كاف في كونه غيبة طبقا لما مرّ من الروايات و كثير من التعاريف الاخر، و ما هو المتبادر منها، فيتحصّل من جميع ذلك اعتبار امور ثلاثة في الغيبة: كونها عيبا، و كونه مستورا، و كون الشخص المقصود غائبا.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 601، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 20.

(2). الدرّ المنثور، ج 6، ص 94 عن عكرمة.

275

بقي هنا امور:

الأوّل: لا شكّ في انحصار موضوع الغيبة بما إذا كانت عن شخص معلوم أو جمع محصورين، فلو كان عن شخص مجهول لم يحرم و لم يكن غيبة، لما عرفت من الروايات الكثيرة الدالّة على اعتبار كشف السرّ فيها، مضافا إلى ما ذكره بعض أهل اللغة، و إطلاق كلام جمع من الفقهاء لا بدّ أن يحمل عليه.

هذا مضافا إلى الملاك في حرمتها كما يظهر من الآية الشريفة و غير واحد من روايات الباب كونها سببا لهتك أعراض المؤمنين، و من الواضح عدم تحقّقها بدون معرفة المغتاب.

و الحاصل أنّه يتصوّر هنا صور:

1- ما إذا كان المغتاب (بالفتح) مجهولا مطلقا، كأن يقال رأيت رجلا بخيلا كذا و كذا، و لا إشكال في عدم حرمته و عدم كونه غيبة.

2- إذا كان محصورا بين أفراد كثيرين، كما إذا قال: واحد من أهل بلدة كذا بخيل دني، و هو أيضا كسابقه.

3- إذا كان محصورا بين افراد معينين، كما إذا قال: أحد أبناء فلان يشرب الخمر، فهل يحسب غيبة، أو لا؟ الظاهر أنّه لا إشكال في حرمته، و إن لم نقل بكونها غيبة لعدم كشف الستر إلّا ناقصا و ذلك لجعل جميع أبنائه في معرض التهمة، بل قد تكون حرمته أشدّ من هذه الجهة، بل لا يبعد وجود ملاك الغيبة فيها و لو بمرحلة.

4- ما إذا تكلّم عن جماعة كثيرة، و قال: أهل البلد الفلاني كلّهم كذا و كذا، فلو كان من قبيل كشف الستر عن عيوبهم كان غيبة عن الجميع، لوجود شرائطها فيه بل كان أشدّ، و إلّا لم يعد غيبة.

5- إذا قال ذلك، و كان مراده أكثرهم و قصد كشف عيبهم المستور كان من قبيل غيبة المحصورين، و كان حراما، و لو فرضنا أنّا شككنا في صدق تعريفها عليه لم نشكّ في حرمته لما مرّ.

6- و كذلك إذا كان المراد بعضهم، و كانت القرينة قائمة، إلّا إذا كان البعض من قبيل القليل في الكثير بحيث لا يخلو جماعة منه، فلا يكون كشف ستر و لا هتكا للجميع.

276

الثّاني: قد عرفت عدم اعتبار قصد المذمّة و الانتقاص في مفهوم الغيبة و حكمها، و إنّما المدار على كشف الستر عن بعض العيوب بما يوجب هتك المؤمن و التعرّض لعرضه، و ذلك لتظافر ما عرفت من الروايات الدالّة عليه و إشعار الآية به لذكرها بعد سوء الظنّ و التجسّس، و تصريح بعض أهل اللغة به، و إن صرّح بعضهم كالشهيد الثاني (قدّس اللّه نفسه الزكية) باعتبار قصد الانتقاص.

هذا مضافا إلى أنّه لو كان ذكره بما فيه من العيوب الخفيّة كان قصد الانتقاص فيه قهريا، نظير ما مرّ في باب الإعانة على الإثم إذا باع عنبه ممّن يعلم أنّه يعمله خمرا، فإن قصد الإعانة فيها قهري أيضا.

أمّا إذا لم يكن العيب مستورا، فلا يخلو عن أحد امور:

1- يتكلّم به بقصد الذمّ و الانتقاص كأن يقول: انظر إلى هذا الأعمى المفلوج، أو إلى هذا المجرم النجس، و لا ينبغي الشكّ في حرمته لا من جهة شمول أدلّة الغيبة، بل لأنّه هتك المؤمن، مضافا إلى إيذائه لو سمعه، و شمول أدلّة التعيير له لو قلنا بحرمة تعيير المؤمن مطلقا.

2- ما إذا لم يقصد الذمّ، و لكن كان من الألقاب المشعرة بالذمّ، كما هو معمول بين من لا يبالون بأمر الدين، و هذا أيضا حرام لدخوله في أدلّة حرمة التنابز بالألقاب.

3- إذا لم يكن من هذه الألقاب و لا قصد الانتقاص، بل و لا يترتّب عليه هذا العنوان قهرا، كما إذا كان في مقام ذكر العلاقة، من قبيل ما لو سئل عن زيد فقال: أي زيد؟ الأعمى أو البصير؟ و غير ذلك من أشباهه.

بقى الكلام فيما إذا كان العيب ظاهرا لغالب الناس، و لكن كان مستورا عن شخص المخاطب، فهل هو ملحق بالغيبة، أو لا؟ لا يبعد عدم كونه غيبة و ان كان الأحوط الاجتناب، و ذلك لعدم شمول تعريفها له، و لا أقل من الشكّ.

الثّالث: لا بدّ فيها من وجود مخاطب، و إلّا فمجرّد حديث النفس غير كاف، لعدم كونه كشف ستر.

الرّابع: لا تفاوت بين ذكر العيوب المستورة في كونها غيبة، و قد أشار شيخنا الأعظم إلى‌

277

سبعة أنواع من العيوب، و هي ما كان في بدنه، أو نسبه، أو خلقه، أو فعله، أو قوله، أو دينه، أو دنياه (1) و زاد عليه غيره امورا اخر ممّا يتعلّق بالإنسان، إلّا أنّه يمكن إدراجها في قوله «أو دنياه»، فلو قال: داره أو ثوبه أو ولده أو دابته أو زوجته أو اخوته كذا و كذا ممّا يعدّ نقصا له أيضا كان غيبة له مع اجتماع سائر شرائطها، و كذا إذا ذكره بسوء في كتابه و درسه و بحثه و غير ذلك ممّا يتعلّق بشأن من شئونه ممّا يعدّ نقصا مستورا.

و الدليل على ذلك كلّه إطلاق كثير من كلمات أهل اللغة و الفقهاء و بعض الروايات، مضافا إلى عموم الملاك كما هو ظاهر، و اختصاص بعض كلماتهم بموارد خاصّة لا يدلّ على خروج غيره، و قد عرفت في حديث عائشة أيضا الذي ذكرناه آنفا، و في المستدرك عن الصادق (عليه السلام) ما يدلّ على ذلك فراجع (2).

الخامس «الذكر»: كما صرّح به غير واحد منهم هنا أعمّ من القول و الفعل و الإشارة، و القول أعمّ من الدلالة المطابقية و التضمّنية و الالتزامية، و أنواع الكنايات و التعريضات، بل قد يظهر الإنسان أنّه لا يريد الغيبة مع أنّه من أشدّ الغيبة، بل قد يجتمع فيه عنوان الغيبة و الرياء، كأن يقول «لو لا أنّ المؤمن ملجم قلت فيه بعض الأشياء»! أو إنّي أخاف اللّه و عذابه يوم القيامة و إلّا قلت في زيد بعض القول!، أو يقول الحمد للّه الذي لم يبتلني بكذا و كذا تعريضا على بعض من يفهمه المخاطبون، فإنّ ذلك أشدّ، لأنّ ذهن السامع يذهب كلّ مذهب، و قد يكون التصريح بنفس العيب المستور أخفّ منه، و فيه أيضا نوع من الرياء، كما هو ظاهر، فيكون مصداقا لهما (أعاذنا اللّه منه).

السّادس: قد ظهر ممّا ذكرنا قبح ما هو معمول بين جمع من العوام حيث يغتابون أحدا، ثمّ يقولون هذا من صفاته، فإنّه لو لم يكن من صفاته كان بهتانا، و قد روى في الجوار أنّه ذكر عنده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) رجل فقالوا: ما أعجزه، فقال: «اغتبتم صاحبكم»، قالوا: يا رسول اللّه قلنا ما فيه! قال: «إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه!» (3).

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 42.

(2). مستدرك الوسائل، ص 106.

(3). مجمع الزوائد، ج 8، ص 94، نقلا عن الجواهر، ج 22، ص 65.

278

و كذا ما قد يقوله بعض العوام «إنّا نقول ذلك بمحضره» فهو أيضا عذر باطل، إلّا أن يراد أنّه لا يكره هذا الكلام بناء على كون الكراهة ممّا يعتبر في مفهومه فتدبّر.

السّابع: حكي عن المحقّق الأردبيلي و صاحب الكفاية (قدّس سرّهما) عموم تحريم الغيبة للمؤمنين و غيرهم (من المسلمين و غيرهم) لأنّ قوله تعالى وَ لٰا يَغْتَبْ ... (1) عام، و الكثير من أدلّة الحرمة جاءت بلفظ الناس أو المسلم، فيشملان الجميع، و لا استبعاد في ذلك بعد احترام ماله و نفسه، فليكن عرضه كذلك، و لكن شدّد عليه الإنكار في الجواهر (2) و غيره.

و عمدة ما استدلّوا للجواز امور:

الأوّل- ظاهر الآية الاختصاص بالأخ، و هو خاصّ بالمؤمن.

الثّاني- ظاهر الروايات- بعد ضمّ بعضها ببعض- اختصاص الحرمة بالمؤمن، و هو من يقول بولاية الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام).

الثّالث- ما علم من ضرورة المذهب من عدم احترامهم و عدم جريان أحكام الإسلام فيهم إلّا قليلا، ممّا يتوقف استقامة نظم معاش المؤمنين عليه، لا سيّما ما دلّ على حكم الناصب و أنّه أنجس من الكلب.

الرّابع- ما دلّ على جواز لعنهم و وجوب البراءة منهم و الوقيعة فيهم، أي غيبتهم مثل:

1- ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم و القول فيهم و الوقيعة، و باهتوهم، كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام و يحذّرهم الناس و لا يتعلّمون من بدعهم، يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة» (3).

2- و ما رواه محمّد بن الهيثم التميمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: كٰانُوا لٰا يَتَنٰاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مٰا كٰانُوا يَفْعَلُونَ قال: «أما أنّهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم و لا يجلسون مجالسهم، و لكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم و أنسوا بهم» (4).

____________

(1). سورة الحجرات، الآية 12.

(2). الجواهر، ج 22، ص 62.

(3). وسائل الشيعة، ج 11، ص 508، الباب 39، من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 509، ح 7.

279

5- قيام السيرة المستمرّة بين العلماء و العوام عليه، و قد ذكر في الجواهر أنّه من الضروريات (1).

6- أنّهم بأجمعهم متجاهرون بالفسق لبطلان عملهم، و المتجاهر بالفسق يجوز غيبته.

أقول: ما المراد بالمخالف؟ هل هو الناصب، أو المعاند للأئمّة المعصومين، أو من ينكر فضلهم، أو مطلق من لا يعرف هذا الأمر، و إن كان مواليا له كما يتراءى من كثير منهم حتّى صنّفوا كتبا في فضل أهل البيت و الأئمّة (عليهم السلام) و يؤدّونهم مودّة كثيرة، و إن لم يعرفوا إمامتهم لا سيّما إذا كانوا قاصرين لا مقصّرين؟

أمّا الأوّل: فلا كلام فيه لما ذكر و لغيره، و أمّا إن كان المدّعى العموم بحيث يشمل الأخير أيضا، فهو قابل للكلام، و شمول الأدلّة المذكورة لها غير واضح.

أمّا عدم شمول الآية له فانّه لا يمنع عن شمول غيره بعد عدم المفهوم في الآية، أمّا الروايات فبعضها و إن كان مصرّحا فيها بالمؤمن مثل:

1- ما رواه سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أنفسهم و أموالهم، و المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه، و المهاجر من هجر السيّئات، و ترك ما حرّم اللّه، و المؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه أو يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة» (2).

2- و ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «سباب المؤمن فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية للّه، و حرمة ماله كحرمة دمه» (3).

3- ما مرّ من رواية علقمة بن محمّد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال:

«من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع اللّه بينهما في الجنّة أبدا، و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما و كان المغتاب في النار خالدا فيها و بئس المصير» (4).

و لكن المصرّح به في غيرها مطلق المسلم مثل:

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 62.

(2). وسائل الشيعة، ج 8، ص 596، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 599، ح 12.

(4). المصدر السابق، ص 601، ح 20.

280

1- ما رواه الحرث بن المغيرة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «المسلم أخ المسلم و عينه و مرآته و دليله لا يخونه و لا يخدعه و لا يظلمه و لا يكذّبه و لا يغتابه» (1).

2- و ما رواه رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المسلم أخ المسلم لا يظلمه و لا يخذله و لا يغتابه و لا يغشّه و لا يحرّمه» (2).

3- ما مرّ آنفا عن أبي ذرّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في وصيّة له قال: «يا أبا ذرّ إيّاك و الغيبة فانّ الغيبة أشدّ من الزنا!» قلت و لم ذاك يا رسول اللّه قال: «لأنّ الرجل يزني فيتوب إلى اللّه فيتوب اللّه عليه، و الغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها، يا أبا ذرّ سباب المسلم فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه من معاصي اللّه و حرمة ماله كحرمة دمه ...» (3).

4- ما مرّ عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن الغيبة و الاستماع إلهيا ... و قال: «من اغتاب امرأ مسلما بطل صومه و نقض وضوءه ...» (4).

و في بعضها مطلق الناس مثل:

ما مرّ عن نوف البكالي قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ... فقلت له: يا أمير المؤمنين عظني، فقال: يا نوف ... قلت زدني، قال: «اجتنب الغيبة فانّها أدام كلاب النار ثمّ قال يا نوف كذب من زعم أنّه ولد من حلال و هو يأكل لحوم الناس بالغيبة» (5).

و ما رواه الحسين بن خالد عن الرضا عن أبيه عن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه يبغض البيت اللحم و اللحم السمين قال: فقيل له: إنّا لنحبّ اللحم و ما تخلوا بيوتنا منه فقال: ليس حيث تذهب إنّما البيت اللحم البيت الذي تؤكل فيه لحوم- الناس- بالغيبة! ...» (6).

خرج منه الكافر و بقى غيره.

و من الواضح عدم المنافاة بين هذه العناوين الثلاث (المؤمن، المسلم و الناس) لأنّ إثبات شي‌ء لا ينفي ما عداه.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 597، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 598، ح 9.

(4). وسائل الشيعة، ج 8، ص 599، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 13.

(5). المصدر السابق، ص 600، ح 16.

(6). المصدر السابق، ص 601، ح 17.

281

أمّا ما علم من ضرورة المذهب إنّما هو في القسم الأوّل منهم فقط، و كذا أحكام الناصب، أمّا الموالين لهم لا سيّما إذا كانوا قاصرين فدخولهم في ذلك غير ثابت، فالأحوط لو لا الأقوى وجوب الاجتناب عن غيبتهم.

أمّا أدلّة وجوب اللعن فهي مختصّة في أهل البدع، و الظالمين لأهل البيت (عليهم آلاف الثناء و التحية) و كذا ما ورد في الزيارات المأثورات، و كذلك الكلام في السيرة المستمرة.

و أعجب من الكلّ الاستدلال بمسألة التجاهر بالفسق، فانّ الغيبة في المتجاهر إنّما هي فيما تجاهر، أمّا الأزيد فغير ثابت كما سيأتي.

هذا مضافا إلى أنّ المفروض في بعض شقوق المسألة أنّه قاصر، و القاصر لا يكون فاسقا، و العمدة هنا أنّه قد حرّم الشارع دمه و ماله و أمر بالعشرة معه بالمعروف، و الغيبة موجبة لهتك الأعراض و كشف الستور، و احترام العرض أولى من احترام الأموال، فلا يبعد أن يكون القول بالتفصيل هنا هو القول الحقّ و الوسط.

الثّاني: ذكر شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الظاهر دخول الصبي المميّز المتأثّر بالغيبة لو سمعها، و استدلّ له بعموم بعض روايات الباب مع صدق الأخ عليه، لقوله تعالى في حقّ الأيتام: وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ (1) و ليس فيها قوله «في الدين» كما قد يتوهّم، بل هو وارد في آية اخرى في سورة الأحزاب لا دخل له بأمر اليتامى، و الأمر سهل.

مضافا إلى إمكان إطلاق المؤمن عليه تغليبا فتأمّل.

و أمّا تقييده بالمميّز فغير ظاهر بعد عدم كون الملاك الإيذاء، بل هتك عرض المؤمن، فلو كان ذكر بعض العيوب هتكا لغير المميّز في العاجل أو الآجل لم يكن خاليا عن الإشكال، فلنعم ما قال الشهيد (رحمه اللّه) في «كشف الريبة» بعد عدم الفرق بين الصغير و الكبير الشامل لغير المميّز، و بالجملة المدار على حرمة الإرث، و الظاهر أنّ أطفال المؤمنين بحكمهم دما و مالا و عرضا.

____________

(1). سورة البقرة، الآية 220.

282

و منه يظهر الكلام في مجانينهم و انّ ما يوجب هتكهم و كشف سرّهم و عيبهم و لو كانوا مجانين مشكل جدّا.

المقام الثّالث: في المستثنيات من الغيبة

و هي على نحوين: تارة بعنوان عامّ، و اخرى بالخصوص.

و أمّا الأوّل: فله بيانان، الأوّل: درج المسألة في قاعدة «الأهمّ و المهم» فكلّما كانت هناك مصلحة أهمّ من مفسدة الغيبة تكون جائزة، كما هو كذلك في جميع المحرّمات، كأكل الميتة المحرّمة للاضطرار.

و لكن عدّ هذا من المستثنيات بعيد، لأنّه من قبيل العناوين الثانوية، و المستثنى ما كان من العناوين الأوّلية للموضوع، كاستثناء وجوب القصر على من نوى عشرا، اللهمّ إلّا أن يقال: لا فرق بينهما كما ذكر في آية حرمة الميتة إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ ....

و على كلّ حال أصل الحكم ليس فيه إشكال أصلا.

نعم هنا إشكال آخر، و هو ما قد يقال: أ ليس هذا من قبيل قول بعض المذاهب الفاسدة:

«الغاية تبرّر الوسيلة»؟

قلنا: كلّا، إنّهم لا يقولون بأنّ الأهداف العالية تبرّر الوسائل الضعيفة، بل هم قائلون بأنّ الغاية كيفما كان تبرّر الوسيلة كيفما كانت، من دون ملاحظة قاعدة الأهمّ و المهم، و لذا ليس عندهم استثناء و قيد في ذلك، و عملهم شاهد عليه فيما إذا وقعت بعض منافعهم الشخصية في خطر، فيجوّزون قتل الأبرياء و نهب الأموال و غيرها لبعض منافعهم غير المشروعة.

الثّاني: ما عن المحقّق الثاني (رحمه اللّه): إنّ ضابط الغيبة المحرّمة كلّ فعل يقصد به هتك عرض المؤمن، أو التفكّه به، و إضحاك الناس منه، أمّا ما كان لغرض صحيح، فلا يحرم كنصح المستشير و غيره.

هذا، و فيه إشكال ظاهر بعد ما عرفت من عدم اعتبار قصد الانتقاص في معنى الغيبة، بل القصد حاصل قهرا، فهذه المستثنيات بناء عليه خارجة عن الموضوع لا عن الحكم.

و الإنصاف أنّه ليس كذلك، و الموضوع حاصل، و الاستثناء من الحكم.

أمّا ما ذكر بالعنوان الخاص (بل قد يقال بخروجه و لو لم تكن هناك مصلحة أهمّ) فأمران:

283

أحدهما: المتجاهر بالفسق

فقد حكي إجماع الفريقين على استثنائه عن حكم حرمة الغيبة، و يدلّ عليه مضافا إلى ذلك روايات كثيرة تنقسم إلى طائفتين:

الطائفة الاولى:

1- ما رواه أبو البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: «ثلاثة ليس لهم حرمة، صاحب هوى مبتدع، و الإمام الجائر، و الفاسق المعلن بالفسق» (1).

2- و ما رواه هارون بن الجهم عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة» (2).

3- ما رواه القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «لا غيبة لثلاثة:

سلطان جائر، و فاسق معلن، و صاحب بدعة» (3).

4- و ما رواه موسى بن إسماعيل عن أبيه (عن) موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أربعة ليس غيبتهم غيبة: الفاسق المعلن بفسقه، و الإمام الكذّاب إن أحسنت لم يشكر و إن أسأت لم يغفر، و المتفكّهون بالامّهات، و الخارج من الجماعة الطاعن على أمّتي الشاهر عليها سيفه» (4).

5- ما رواه الشيخ المفيد في الاختصاص عن الرضا (عليه السلام) قال: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» (5).

هذه الروايات تدلّ على عدم الحرمه للمتجاهر، و لازم نفي الحرمة جواز الغيبة مع التصريح بذلك في بعضها.

الطّائفة الثّانية: ما دلّ على اعتبار الستر في مفهوم الغيبة، فإذا لم يكن هناك عيب مستور، خرج عن موضوعها لا عن حكمها، مثل:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 605، الباب 154، من أبواب أحكام العشرة، ح 5.

(2). المصدر السابق، ص 604، ح 4.

(3). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 128، الباب 134، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(4). المصدر السابق، ح 2.

(5). المصدر السابق، ج 9، ص 129، ح 3، (و رواه القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مثله ص 108).

284

1- داود بن سرحان قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الغيبة، قال: «هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل، و تبثّ عليه أمر قد ستره اللّه عليه لم يقم عليه فيه حدّ» (1).

2- و ما رواه عبد الرحمن بن سيّابة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه ...» (2).

3- ما رواه يحيى الأرزق قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه الناس لم يغتبه، و من ذكره من خلفه بما هو فيه ممّا لا يعرفه الناس اغتابه ...» (3).

4- ما رواه عبد اللّه بن سنان قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الغيبة أن تقول في أخيك ما قد ستره اللّه عليه ...» (4).

5- ما رواه عبد الرحمن بن سيّابة عن الصادق جعفر بن محمّد قال: «إنّ من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه ...» (5).

و أكثرها أو كلّها و ان كانت ضعافا و لكن كثرتها جابرة لضعفها.

فكلا الطائفتين دليلان على جوازها في حقّ المتجاهر، لكن الأولى من قبيل الاستثناء من الحكم، و الثانية تدلّ على الخروج عن الموضوع.

و هناك بعض ما دلّ على وجوب الغيبة لمن أعرض عن جماعة المسلمين:

منها: ما رواه ابن أبي يعفور ... قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا غيبة إلّا لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، و سقطت بينهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره و حذّره، فان حضر جماعة المسلمين و إلّا احرق عليه بيته، و من لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته و ثبتت عدالته بينهم (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 604، الباب 154، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ص 602، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 22.

(5). المصدر السابق، ص 600، ح 14.

(6). وسائل الشيعة، ج 18، ص 289، الباب 41، من أبواب الشهادات، ح 2.

285

و لعلّه من باب لزوم النهي عن المنكر، و كان الإعراض عن الجماعة إعراضا عن الإسلام أو الحكومة الإسلامية في الحقيقة، أو مقدّمة له، و أمروا بالنهي عنه.

و الحاصل، أنّه لا إشكال في جواز غيبة المتجاهر، إمّا لعدم دخوله تحت عنوان الغيبة كما هو الأقوى، أو خروجه عنها حكما على احتمال.

إنّما الكلام في المراد من «المتجاهر»، و هل أنّ جواز غيبته يختصّ بما تجاهر فيه، أو أعمّ؟

أمّا الأوّل: فالمتجاهر هو الذي يتجاهر بالمعصية مع علمه بها موضوعا و حكما، بأن يعلم أنّ هذا المائع فقاع، و أنّ الفقاع حرام، و لو اشتبه عليه أحدهما لم يكن متجاهرا، و بالجملة المدار على الحرمة الفعلية في حقّه لا على الحرمة الواقعية و ان كان معذورا فيها، فكلّ من يفعل فعلا و يعتذر فيه بعذر يحتمل في حقّه لا بدّ من حمل فعله على الصحّة، و لا يكون متجاهرا إلّا أن يعلم بكذبه في دعوى العذر.

أمّا الثّاني: فهل جواز غيبته يختصّ بما تجاهر فيه، فلو كان متجاهرا بمعونة الظلمة لا يجوز غيبته بشرب الخمور و غيرها، و أولى منه ما إذا كان متجاهرا بصغيرة فهل يجوز غيبته بكبيرة، قد يقال بالأعمّ، و استظهره في الحدائق من بعض أحاديث الباب.

و لكن استظهر خلافه من كلام جملة من الأصحاب، إلّا أنّه قال: الأحوط الاقتصار على ما ذكروه (1).

و في الحقيقة دليله إطلاق الروايتين: 4 و 5/ 154 و قد مرّتا عليك، و كذا إطلاق ما رواه في المستدرك الذي مرّ عليك أيضا، و لكن الإنصاف أنّ مناسبة الحكم و الموضوع مانعة عن إطلاقها، أو يكون المراد من الفاسق الفاسق في جميع أفعاله أو أكثره، بل لا يبعد أن يكون هذا هو المراد ممّن «ألقى جلباب الحياء» و على كلّ حال الأخذ بالعموم مشكل جدّا.

و قد يقال: إذا كان الفسق المستور دونه في القبح يجوز غيبته به، و لكنّه أيضا محلّ إشكال، فقد يتجاهر الإنسان بالغيبة مع أنّها أشدّ من الزنا، و لا يتجاهر بالزنا، فهل يجوز غيبته بالثّاني لارتكابه الأوّل؟

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 166.

286

و كون شي‌ء أخفّ أو أشدّ في نظر الشرع غير كاف، بل لو كان كذلك عرفا، فهو أيضا مشكل، لعدم الدليل على كفاية ارتكاب الأشدّ في الغيبة على الأخفّ بعد كون الأصل في عرض المؤمنين الحرمة.

بقي هنا امور:

1- قد يكون الإنسان متجاهرا بين جماعة، و لا يكون متجاهرا مع غيرهم، فقد يقال بإطلاق أخبار الجواز، و لكن مناسبة الحكم و الموضوع مانعة منه، و موجبة لانصرافها عنه، فلو كان متجاهرا في بلده متستّرا في غيره لا يجوز غيبته به، نعم يمكن أن يقال: إنّ المدار على التجاهر بالنسبة إلى عامّة الناس، لا بالنسبة إلى كلّ أحد، فان كان متستّرا من شخص خاص جاز غيبته عنده إذا كان متجاهرا للعامّة، لإطلاق الأخبار و إنّه لو قلنا بالحرمة لزم الاستفسار قبلا من كلّ من يريد ذكره عنده، و هذا ممّا يأبى عنه إطلاق أخبار الباب، فلو كان متجاهرا بالنسبة إلى العموم متستّرا من بعض أقربائه أو بعض أحبّته جاز غيبته عندهم.

2- «المتجاهر» عند قوم بالخصوص كأصدقائه و جيرانه و محارمه لا تجوز غيبته عند العامّة، للشكّ في صدق المتجاهر عليه ما لم يكن عامّا، بل قد يعلم بعدمه إذا كان متستّرا عن عامّة الناس ما عدى عدّة قليلة جدّا.

3- لا يعتبر في جواز غيبته قصد غرض صحيح- أهمّ أو غير أهمّ- من قبيل النهي عن المنكر و غيره، لإطلاق الأدلّة كما هو ظاهر.

ثانيهما: مسألة التظلّم

و الكلام تارة في أصل جواز الغيبة عند التظلّم، و اخرى في حدوده، أمّا الأوّل فيدلّ عليه مضافا إلى شهرته بين العامّة و الخاصّة قوله تعالى: لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ (1) و الجهر بالسوء و إن لم يختصّ بالغيبة بل يشمل كلّ إجهار به، و لكنّه يشملها،

____________

(1). سورة النساء، الآية 148.

287

فاستثناء المظلوم دليل على جوازه، و هذا هو العمدة في هذا الحكم.

و قد ورد في تفسيرها حديثان مرسلان يؤيّدان إطلاق الآية:

1- ما رواه الفضل بن أبي قرّة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ قال: «من أضاف قوما فأساء ضيافتهم فهو ممّن ظلم، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه» (1).

2- و ما رواه الفضل بن الحسن الطبرسي (رحمه اللّه) (في مجمع البيان) في قوله لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ ... عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فلا جناح عليه أن يذكر سوء ما فعله» (2).

فإذا جازت الغيبة للإساءة في الضيافة جازت لسائر المظالم بطريق أولى.

هذا، و قد فسّرت الروايتان بما يكون مصداقا لظلم المضيف لا مجرّد ترك الأولى. نعم للضيف حقّ على المضيف، كما أنّ للمضيف حقّا عليه، و على كلّ حال ضعف سندهما يمنع عن الاستدلال بهما و لو مع هذا التفسير إلّا بعنوان مؤيّد للمقصود.

و قد يؤيّده ما ورد في غير واحد من الروايات من شكاية الناس عن غيرهم عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و عند الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) مثل:

ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان حين قالت: إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني و ولدي ما يكفيني فقال لها: «خذي لك و لولدك ما يكفيك بالمعروف» (3).

و كذا ما ورد من تظلّم بعض أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) عندهم.

هذا و الإنصاف إنّ مسألة القضاء خارجة بالإجماع بل الضرورة، لأنّ قوامها في الغالب بذكر مساوئ الظالمين، و لعلّ موارد هذه الروايات كانت من قبيل القضاء.

و قد يؤيّد هذا الحكم بآيات اخرى أو دلائل عقلية غير وافية بالمراد، مثل قوله تعالى:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 605، الباب 154، من أبواب أحكام العشرة، ح 6.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 129، الباب 134، ح 4.

288

وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولٰئِكَ مٰا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (1) أو إنّ في هذا الأمر نوع تشفّ للمظلوم، و منعه منه حرجي، أو مثل ذلك، فانّ الانتصار خارج عمّا نحن بصدده، فقد يقال إنّه نوع من المقابلة بالمثل فتأمّل، و ترك التشفّي لا يكون حرجا دائما.

أمّا حدود هذا الحكم فانّ القدر المعلوم منه ما إذا كان له أثر في دفع الظلم، و لكن الإنصاف أنّ مسألة الشكوى عند القاضي أو دفع الظلم خارج عمّا نحن بصدده كما عرفت، بل هذا عنوان برأسه يعلم جوازه من ظاهر الآية الشريفة.

سائر المستثنيات:

أمّا ما يندرج تحت ما عرفت من العنوان العام، أعني قاعدة الأهمّ و المهمّ فهي كثيرة لا تحصى، ذكر منها شيخنا الأعظم عشرة:

1- نصح المستشير، بل نصح المؤمن مطلقا، سواء استشار أم لا.

2- في الاستفتاء إذا توقّف على ذكر الشخص.

3- في النهي عن المنكر إذا توقّف عليه.

4- ردّ أهل البدع و قلع مادّة الفساد.

5- جرح الشهود و الرواة، فالإشكال على علم الرجال من هذه الناحية باطل جدّا.

6- دفع الضرر عن المغتاب، كما في قضيّة زرارة (2).

7- ما كان من الصفات المميّزة التي لا يعرف إلّا بها، كالأحول، و الأشتر.

8- إذا كان القائل و السامع عالمين به.

9- ردّ النسب الباطل.

10- ردّ المقالة الباطلة كما في ذكر بعض الإشكالات العلمية (3).

و لكن الظاهر أنّ السابع و الثامن خارجان عن هذا العموم، بل هما خارجان عن موضوع‌

____________

(1). سورة الشورى، الآية 41.

(2). المكاسب المحرّمة، ص 45.

(3). المكاسب المحرّمة، ص 44.

289

الغيبة، لأنّها كشف الستر عن عيب، و ليستا كذلك.

و توجد موارد اخرى تلحق بها، منها:

1- مقام إقامة الشهادة عند القاضي فيما يتعلّق بالحدود، كالشهادة على الزنا الذي يكون أمرا خفيّا غالبا أو دائما، و كذا ما يتعلّق بالحقوق فيما إذا كانت خفيّة، لاستمرار السيرة، بل هو من الضروريات.

2- في مقام تعيين مراجع الدين إذا كان في بعضهم نقص، فإنّ مصلحة هذا المقام العظيم أهمّ من كتمان العيوب، و لكن هو من مزالّ الأقدام، فلا بدّ فيه من رعاية كمال الاحتياط، فإنّه كثيرا ما تشتبه الأهواء المهلكة الشيطانية بالواجبات الإلهية!

3- مقام نصب القضاة و الولاة العدول و غيرهم، ممّن يتحكّم في دماء المسلمين و أموالهم و فروجهم، فان ذكر عيوبهم عند ولي الأمر لازم.

4- ما كان في مقام حفظ النفوس، كما إذا علمنا أنّ فلانا هيّأ الأسباب لقتل فلان.

5- ما كان لحفظ الثروة طائلة لا يرضى الشارع بتلفها.

و بالجملة مصاديق هذه القاعدة كثيرة جدّا، و لكن لا يمكن الحكم الكلّي فيما مرّ من الموارد الخمسة عشر بالجواز، بل اللازم في كلّ مورد من ملاحظة هذه القاعدة، فقد يكون حفظ عرض المؤمن أهمّ من مسألة النصح مثلا إذا كان في أمر غير مهمّ، و من اللازم الحذر من تسويلات إبليس في هذه المقامات، فإنّها من مزالّ الأقدام كما لا يخفى.

المقام الرابع: في كفّارة الغيبة

فقد ذكر فيها وجوه أو أقوال كثيرة من الاستحلال، أو الاستغفار أو كليهما أو التفصيل بين وصولها إلى المغتاب بالاستحلال، و لا يكفي الاستغفار أو غير ذلك.

و العمدة بيان أنّها هل هي من قبيل الحقوق التي لا بدّ فيها من الاستحلال، أم لا؟ فلو كانت منها وجب الاحتياط لأصالة عدم براءة الذمّة، و إلّا كانت البراءة حاكمة، و الذي يدلّ على أنّه من الحقوق: العقل و النقل.

290

أمّا العقل: فلأنّه هتك عرض المؤمن، و يعادل أخذ أمواله، بل يكون أقوى و أظهر، و كيف يكون إتلاف بعض أمواله موجبا للضمان و مستلزما للاستحلال، و لا يكون أكل لحمه و التفكّه به موجبا له، أ ليس الخدش موجبا للأرش، أو العفو منه؟ أ فلا تعادل الأعراض هذا الخدش؟ و إنكار ذلك كما يظهر من بعضهم من الغرائب، بل هذا لا يزال من المرتكز في أذهان العقلاء من أهل الشرع.

أمّا النقل فامور كثيرة:

1- منها ما عرفت سابقا من رواية أبي ذرّ عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عند حكمه بأنّ الغيبة أشدّ من الزنا من أنّ «الغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها» مع التصريح باحترام عرضه و ماله و دمه (1).

و ضعف سندها غير مانع بعد كثرة ما ورد في هذا الباب كما سيأتي إن شاء اللّه، و كفى بها وثوقا.

2- مرفوعة اسباط بن محمّد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «... و أمّا صاحب الغيبة فيتوب فلا يتوب اللّه عليه حتّى يكون صاحبه الذي يحلّه» (2).

3- و ما مرّ من رواية المفيد (قدّس سرّه) في الاختصاص في هذا المعنى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «الغيبة أشدّ من الزنا»، فقيل: و لم ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «صاحب الزنا يتوب فيتوب اللّه عليه، و صاحب الغيبة يتوب فلا يتوب اللّه عليه حتّى يكون صاحبه الذي يحلّله» (3).

4- ما رواه الورّام بن أبي فراس عن جابر و أبي سعيد قالا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إيّاكم و الغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا، إنّ الرجل يزني فيتوب إلى اللّه فيتوب اللّه عليه و انّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه» (4).

5- ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أيضا من أنّ «أربى الربا عرض الرجل المسلم» (5).

6- ما رواه في جامع الأخبار عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل اللّه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 598، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 9.

(2). المصدر السابق، ص 601، ح 18.

(3). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 114، الباب 32، من أبواب أحكام العشرة، ح 8.

(4). المصدر السابق، ص 118، ح 21.

(5). المصدر السابق، ص 119، ح 25.

291

تعالى صلاته و لا صيامه أربعين يوما و ليلة إلّا أن يغفر له صاحبه» (1).

7- ما في نهج البلاغة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه و لا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى اللّه سبحانه و هو نقي اليد من دماء المسلمين و أموالهم سليم اللسان من أعراضهم فليفعل» (2) فقد جعل فيه الدماء و الأموال و الأعراض في مستوى واحد.

8- يظهر من بعض الروايات أنّ الغيبة بمنزلة قتل النفس عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من اغتاب مؤمنا فكأنّما قتل نفسا متعمّدا» (3).

9- ما رواه في الأحياء قال في الحديث الصحيح عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحللها من قبل أن يأتي يوم ليس هنا دينار و لا درهم، إنّما يؤخذ من حسناته، فان لم يكن له حسنات اخذ من سيّئات صاحبه فزيدت على سيّئاته!» (4).

10- و يؤيّده أو يدلّ عليه ما دلّ على نقل الحسنات و السيّئات في المغتاب من طرقنا، مثل ما رواه سعيد بن جبير عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «يؤتى بأحد يوم القيامة يوقف بين يدي اللّه يدفع إليه كتابه فلا يرى حسناته، فيقول إلهي ليس هذا كتابي فانّي لا أرى فيها طاعتي. فقال: إنّ ربّك لا يضلّ و لا ينسى ذهب عملك باغتياب الناس، ثمّ يؤتى بآخر و يدفع إليه كتابه فيرى فيها طاعات كثيرة فيقول: الهي ما هذا كتابي فإنّي ما عملت هذه الطاعات. فيقول: إنّ فلانا اغتابك فدفعت حسناته إليك» (5).

بل لعلّ الظاهر من الآية الشريفة أيضا ذلك.

نعم هنا امور يمنع عن الأخذ بهذه الأدلّة، منها:

1- إنّ العرض لا يقابل بالمال، و لا يجري فيه الدّية و ليس فيه قصاص و أمثال ذلك.

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 122، ح 334.

(2). المصدر السابق، ص 123، ح 39.

(3). مستدرك الوسائل، ج 8، ص 125، الباب 132، ح 48.

(4). المحجّة البيضاء، ج 5، ص 273- و أخرجه أحمد في المسند، ج 2، ص 506، من حديث أبي هريرة.

(5). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 121، الباب 132، من أبواب أحكام العشرة، ح 30.

292

2- ربّما يكون في الاستحلال الشحناء و البغضاء.

3- ربّما لا يغفر صاحبه، أو لا يمكن الوصول إليه، لموت أو غيره.

و الجواب عن الكلّ واضح ..

أمّا عن الأوّل، فلأنّ عدم الدّية و القصاص لا يمنع الاستحلال كما في المال إذا لم يتمكّن من أدائه.

أمّا عن الثاني فلأنّ كلّ حكم قابل للاستثناء، و الاستثناء ليس مانعا من أصله.

أمّا عن الثالث، فلأنّ عدم وجوبه عند عدم القدرة لا يمنع عن وجوبه عند القدرة عليه، و عليه يحمل ما دلّ على كفاية الاستغفار، مثل ما رواه حفص بن عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما كفّارة الاغتياب؟ قال: «تستغفر اللّه لمن اغتبته كلّما ذكرته» (1).

و حينئذ لا يبعد لزوم الاستغفار و فعل الخيرات رجاء رضاه، و لو أمكن الاستحلال، فالواجب هو الاستحلال.

المقام الخامس: في حكم «استماع الغيبة»

لا خلاف في حرمة «استماع الغيبة» و لا إشكال كما ذكره في الجواهر (2) و غيره، و أرسله في الحدائق إرسال المسلّمات من دون ذكر خلاف (3).

و الذي يدلّ عليه مضافا إلى أنّ الاستماع نوع إعانة على هتك عرض المؤمن، فإنّ تمام فعل المغتاب بفعل المستمع (فتأمّل)، نعم مجرّد السماع القهري لا يدخل تحت هذا العنوان، روايات كثيرة منها:

1- ما دلّ على الحرمة مثل ما رواه محمّد بن علي بن الحسين ... عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن الغيبة و الاستماع إليها ...» (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 605، الباب 155، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(2). جواهر الكلام، ج 22، ص 71.

(3). الحدائق، ج 18، ص 159.

(4). وسائل الشيعة، ج 8، ص 599، الباب 152، من أبواب أحكام العشرة، ح 13.

293

2- ما دلّ على أنّ السامع للغيبة أحد المغتابين مثل ما رواه الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «السامع للغيبة أحد المغتابين» (1).

3- و أنّ الغيبة كفر و المستمع لها و الراضي بها مشرك، مثل ما رواه في كتاب الروضة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «الغيبة كفر و المستمع لها و الراضي بها مشرك»، قلت: فإن قال ما ليس فيه؟ فقال: «ذلك بهتان» (2).

4- و من طرق العامّة ما في إحياء العلوم: «المستمع أحد المغتابين» (3).

5- روى في الاختصاص للشيخ المفيد (رحمه اللّه) فقال: نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى رجل يغتاب رجلا عند الحسن ابنه (عليه السلام) فقال: «يا بني نزّه سمعك عن مثل هذا، فإنّه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك» (4).

و ضعف اسنادها ينجبر بتكاثرها و عمل المشهور بها حتّى أنّه لم ينقل الخلاف فيه، لا سيّما إذا كان الاستماع مع الإعجاب و الرضا، ففي ذيل الحديث 5 من باب 156 «كان عليه كوزر من اغتاب» (5) لكنّه أخصّ من المدّعى كما لا يخفى.

بل لا يبعد استفادة الحرمة عمّا ورد في وجوب ردّ الغيبة بالملازمة أو بطريق أولى (فتأمّل)، فالمسألة واضحة بحمد اللّه.

إنّما الكلام في وجوب الردّ، فإنّ الأحاديث في هذا المعنى و ان كانت كثيرة (راجع الباب 156 الحديث 1 إلى 8) و لكنّها ممّا يشكل الاستدلال بها على الوجوب، و إن استظهر شيخنا الأعظم منها الوجوب في مكاسبه، فانّ مجرّد الخذلان الوارد في غير واحد منها غير كاف، كما أنّ الوزر للإعجاب أخصّ من المدّعى.

هذا و من العجيب ما أفاده بعض الأعلام من أنّ ظاهر هذه الأخبار جواز استماعها للردّ، حتّى أراد تقييد الروايات الدالّة على حرمة استماعها بهذا، مع أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّه في الاستماع القهري.

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 133، الباب 136، من أبواب أحكام العشرة ح 7.

(2). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 133، الباب 136، من أبواب أحكام العشرة، ح 6.

(3). احياء العلوم، ج 3، ص 153.

(4). مستدرك الوسائل، ج 9، ص 132، الباب 136، من أبواب أحكام العشرة، ح 5.

(5). وسائل الشيعة، ج 8، ص 607، من أبواب أحكام العشرة، ح 5.

294

و أعجب منه قوله أنّ السماع القهري أمر نادر (1) فلا تحمل عليه، لأنّه كثيرا ما يستمع الإنسان إلى كلام غيره من دون أن يعلم أنّه بصدد الغيبة، فلمّا تمّت الجملة يرى أنّه اغتابه، فقبل تمام الجملة غير معلوم، و بعد تمامه مضى وقت الاستماع، و هذا كثير جدّا، و لم يرخّص في استماع الغيبة، و انتهاك عرض المؤمن للدفاع عنه بعده، فلو وجب الدفاع لا بدّ من عدم الاستماع لأنّ إعدام الموضوع أولى من ردّه بعد وجوده.

و لا شكّ أنّ الردّ لو لم يكن واجبا، لكان حسنا بلا إشكال، و هذا غير النهي عن المنكر، فانّ هذا دفاع بذكر ما يبطله، و ذاك مجرّد منع عن فعل الحرام استدامة.

عصمنا اللّه تبارك و تعالى بمنّه و كرمه عن الغيبة و الاستماع إليها و غفر اللّه لنا و لمن اغتابنا أو اغتبناه جهلا منّا بذلك آمين يا ربّ العالمين.

15- القمار

و الكلام فيه يقع في خمس مقامات:

1- اللعب بأدواته مع الرهن.

2- اللعب بأدواته لا مع الرهن، بل لمجرّد اللهو، أو أغراض اخر، مثل ما يذكرونه من قوّة الحفظ و شبهه في بعضها لو كان.

3- اللعب بغير أدوات القمار مع الرهن، كأنواع اللعب الرياضي و غيرها ممّا فيه أغراض عقلائية ظاهرة، أو مجرّد لهو مع الرهن.

4- اللعب بها لا مع الرهن.

5- ما فيه أثر القمار من دون أن يكون فيه لعب مطلقا، بل فيه مجرّد القرعة أو شبهها كما في «اليانصيب» و شبهه، و مثل ما كان من الاستقسام بالأزلام في الجاهلية، و في كونه من أقسام القمار موضوعا أو حكما كلام يأتي إن شاء اللّه.

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 358.

295

المقام الأوّل: حرمة اللعب بآلته مع الرهن

فلا إشكال و لا كلام في حرمته تكليفا و وضعا، بل ادّعى عليها الضرورة، و لا يبعد ذلك، لأنّ كلّ من عاشر المسلمين برهة قصيرة من الزمان يعرف حرمته عندهم، و ان كانت الضرورة بنفسها لا أثر لها إلّا أن يرجع إنكارها إلى إنكار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و هو يجري في المعلومات غير الضرورية أيضا كما لا يخفى، و الظاهر أنّ إطلاق كلامهم يشمل الحرمة الوضعية و التكليفية معا، و يدلّ عليه مضافا إلى ما عرفت كتاب اللّه و السنّة المتواترة:

أمّا الأوّل: فقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ* وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمٰا عَلىٰ رَسُولِنَا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ (1).

و قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ وَ إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا ... (2).

و من الجدير بالذكر أنّ الآيات الثلاث الاولى مؤكّدة باثني عشرة تأكيدات:

1- الخطاب إلى المؤمنين 2- كونها رجسا 3- كونها من عمل الشيطان 4- الأمر بالاجتناب 5- كون الغاية الفلاح 6- إرادة الشيطان إيقاع العداوة و البغضاء فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ 7- البعد عن ذكر اللّه 8- البعد عن الصلاة 9- قوله تعالى فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ 10- وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ 11- الأمر بالحذر 12- التهديد بقوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ.

و عدم التشديد في آية البقرة لمراعاة تدريجية الحكم مع أنّه أيضا دالّ على المطلوب، بل و قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ (3).

____________

(1). سورة المائدة، الآية 90- 92.

(2). سورة البقرة، الآية 219.

(3). سورة النساء، الآية 29.

296

فانّ القمار من أوضح مصاديق أكل المال بالباطل.

و أمّا الثّاني هو «السنّة» فقد استدلّ له بروايات كثيرة، أوردها في الوسائل في الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، و لكن الإنصاف أنّه لا يدلّ شي‌ء من رواياتها الأربعة عشر على المطلوب إلّا حديث واحد على إشكال فيه، و هو ما رواه محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا تصلح المقامرة و لا النهبة (1).

و المراد من «النهبة» على الظاهر ما كانوا ينهبون كلّ من الآخر فيما ينثر في الأعراس و شبهها و هو دون شأن الإنسان الكريم، بل قد يكون حراما إذا حازه غيره.

و لكن تعبيره ب‍ «لا تصلح» لعلّه غير كاف.

و أمّا غير هذه الرواية، فكلّها ناظرة إلى الحرمة الوضعية و كون التكسّب بالقمار حراما من هذه الجهة، أمّا الحرمة التكليفية فلا يستفاد منها.

نعم هناك روايات كثيرة دالّة على حرمة اللعب بالشطرنج و نحوه مثل:

1- ما رواه زيد الشحّام قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال: «الرجس من الأوثان: الشطرنج، و قول الزور: الغناء» (2).

2- ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثله (3).

3- و ما رواه مسعدة بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الشطرنج قال: «دعوا المجوسية لأهلها لعنها اللّه» (4).

4- و ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن اللعب بالشطرنج و النرد» (5).

5- و ما رواه أبو الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الشطرنج و النرد فقال:

«لا تقربوهما ...» (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 120، الباب 35، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 237، الباب 102، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ص 238، ح 7.

(5). المصدر السابق، ح 9.

(6). المصدر السابق، ص 239، ح 10.

297

و كذا ما دلّ على حرمة الحضور في مجلس القمار مثل:

6- ما رواه حمّاد بن عيسى قال: دخل رجل من البصريين على أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) فقال له: جعلت فداك إنّي أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج و لست ألعب بها، و لكن أنظر، فقال:

«مالك و لمجلس لا ينظر اللّه إلى أهله» (1).

7- و ما رواه سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: المطّلع في الشطرنج كالمطّلع في النار» (2).

8- و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «بيع الشطرنج حرام و أكل ثمنه سحت و اتّخاذها كفر.

و اللعب بها شرك، و السلام على اللاهي بها معصية و كبيرة موبقة، و الخائض فيها يده كالخائض يده في لحم الخنزير لا صلاة له حتّى يغسل يده كما يغسلها من مسّ لحم الخنزير و الناظر إليها كالناظر في فرج امّه! و اللاهي بها و الناظر إليها في حال ما يلهى بها و السلام على اللاهي بها في حالته تلك في الإثم سواء، و من جلس على اللعب بها فقد تبوّأ مقعده من النار و كان عيشه ذلك حسرة عليه في القيامة، و إيّاك و مجالسة اللاهي و المغرور بلعبها، فانّها من المجالس التي باء أهلها بسخط من اللّه يتوقّعونه في كلّ ساعة فيعمّك معهم» (3).

و كذا الروايات الكثيرة الواردة في تحريم اللعب بالشطرنج و النرد و غيرهما لا سيّما هذين الحديثين:

9- ما رواه معمّر بن خلّاد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة و كلّ ما قومر عليه فهو ميسّر» (4).

10- ما رواه محمّد بن عيسى قال: كتب إبراهيم بن عنبسة يعني إلى علي بن محمّد (عليه السلام) إذ رأى سيّدي و مولاي أن يخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 240، الباب 103، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 241، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 4.

(4). المصدر السابق، ص 242، الباب 104، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

298

الآية فما الميسر جعلت فداك؟ فكتب: «كلّ ما قومر به فهو الميسر و كلّ مسكر حرام» (1).

11- و ما ورد في عيون الأخبار عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون في شرائع الدين فقد عدّ القمار فيها من الكبائر (2).

12- و ما ورد في حديث شرائع الدين عن الصادق (عليه السلام): «و الكبائر محرّمة و هي الشرك باللّه ... و الميسر» (3).

13- و ما ورد في ذكر مفاسد آخر الزمان، و هو حديث طويل يشتمل على امور كثيرة، و فيها ملاحم أو ما يشبه الملاحم، و فيها «و رأيت القمار قد ظهر» (4).

14- و ما دلّ على أنّه من الذنوب التي تهتك العصم (5).

و بالجملة الروايات فيه مستفيضة أو متواترة، و المتيقّن منها ما كان مع المراهنة.

المقام الثّاني: اللعب بأدوات القمار بدون المراهنة

ما إذا كان اللعب بأدوات القمار بدون المراهنة، و قد ادّعى الشهرة أو عدم الخلاف في حرمتها أيضا، و استدلّ على حرمتها بامور:

1- المطلقات الواردة في الكتاب و السنّة مثل ما دلّ على حرمة القمار و عدّه من الكبائر، و قد مرّ آنفا.

هذا، و لكن يمكن دعوى الانصراف فيها إلى ما كان مع المراهنة.

و قد صرّح أرباب اللغة باعتبار المراهنة في مفهوم القمار و معناه، و إن صرّح غير واحد منهم بإطلاقه على مطلق اللعب بها، و لكن لم يثبت كونه إطلاقا حقيقيّا.

لا سيّما مع قوله تعالى فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ فانّ الظاهر أنّ المنافع لا تكون إلّا مع المراهنة.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 243، الباب 104، من أبواب ما يكتسب به، ح 11.

(2). المصدر السابق، ج 11، ص 260، الباب 46، من أبواب جهاد النفس، ح 33.

(3). المصدر السابق، ص 262، ح 36.

(4). وسائل الشيعة، ج 11، ص 516، الباب 41، من أبواب الأمر بالمعروف، ح 6.

(5). المصدر السابق، ص 520، ح 8.

299

و كذا قوله إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ فانّ العداوة و البغضاء لا تكون غالبا بغير المراهنة كما هو واضح.

لا أقول: القمار بدون المراهنة قليل و انّ الكلمة منصرفة عنه بهذا الاعتبار، بل أقول إنّ الفرد الأكمل الذي يتوجّه النظر إليه و فيه المفاسد الكثيرة هو ما كان مع المراهنة، و كان هو الشائع أيضا في تلك الأيّام.

هذا مع الشكّ في كونه بدون المراهنة من مصاديقه حقيقة لما عرفت من إجمال كلام اللغويين.

2- المطلقات الواردة في حرمة اللعب بالشطرنج و النرد و ما أشبه ذلك، بل حضور مجلسهما، بل النظر فيها أو السلام على اللاعب بها، و هذا أحسن من الأوّل من بعض الجهات، لأنّه لا يردّ عليه ما يردّ على عنوان القمار و الميسر، و لا ينافي الاستناد بأقوال أهل اللغة بالنسبة إلى معنى القمار و الميسر، فانّ العنوان فيها مجرّد اللعب بالآلات، و هو أعمّ.

و لكن إذا كان هذا إشارة إلى ما كان متداولا في تلك الأيّام من اللعب مع المراهنة، و لا أقل من احتمال ذلك فيشكل الأخذ بعمومها أو إطلاقها أيضا.

و لكن دعوى الانصراف مع أخذ عنوان اللعب في هذه الأخبار و عدم دخل المراهنة في عنوان اللعب لا يخلو عن إشكال، و كذا قوله و اللاهي بها كذا.

3- ما رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) و في آخره: «... كلّ هذا بيعه و شراؤه و الانتفاع بشي‌ء من هذا حرام من اللّه محرّم و هو رجس ...» (1).

و لكنّه مع ضعف سنده بالإرسال تارة، و بأبي الجارود اخرى، فانّه ضعيف الدلالة أيضا، لتفسيره ما ذكره بعد ذلك بقوله «و قرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان» و قد عرفت الكلام في معنى الميسر و أنّه بمعنى اللعب مع المراهنة.

4- ما رواه أبو الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الشطرنج و النرد فقال:

«لا تقربوهما» قلت: فالغناء؟ قال: «لا خير فيه لا تقربه» (2).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 239، الباب 102، من أبواب ما يكتسب به، ح 12.

(2). المصدر السابق، ح 10.

300

و يرد عليه ما ورد في الإطلاقات.

5- و قد استدلّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ببعض ما ورد فيه إناطة التحريم بالباطل مثل ما رواه: زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الشطرنج و عن لعبة الشبيب التي يقال لها لعبة الأمير، و عن لعبة الثلث، فقال: «أ رأيتك إذا ميّز اللّه الحقّ و الباطل مع أيّهما تكون؟» قال:

مع الباطل قال: «فلا خير فيه» (1).

مدّعيا أنّ ظاهرها عدم اعتبار الرهن فيها.

و فيه: أنّ هذه الدعوى غير مسموعة لو قلنا بأنّها ناظرة إلى ما كان متداولا في الخارج من اللعب مع المراهنة.

فالعمدة في المقام هو إطلاقات حرمة اللعب بهذه الآلات مثل النرد و الشطرنج و غيرهما، و لكن الذي يبعّد الإطلاق التشديد الوارد في الروايات، مثل ما عرفت من جامع البزنطي (4/ 103) و التوعيد بالعذاب و النار لمن نظر إليها أو جلس في مجلسها أو سلم على اللاعب و غير ذلك، و من البعيد كون هذه التوعيدات لمجرّد اللعب من دون المراهنة، و لا أقل من الشكّ، فإذا لا يبقى لها دلالة على الحرمة، و الأصل الجواز، و لكن لا ينبغي ترك الاحتياط.

نعم إذا كان مظنّة للوقوع في الحرام كان حراما من هذه الناحية.

بقى هنا شي‌ء: و هو أنّه إذا تغيّر عنوان بعض هذه الامور بحيث خرج عن عنوان القمار- كما يدعى ذلك في الشطرنج و يقال أنّها في عصرنا من الألعاب الرياضية- فلا يبعد تبدّل حكمه، و تعليق الحكم في روايات الباب على عنوان الشطرنج الذي يعدّ من القمار، هذا و لكن في الصغرى نظر «فتدبّر».

المقام الثّالث: اللعب بغير أدوات القمار مع المراهنة

و له مصاديق كثيرة سواء ما يعدّ عند الصبيان لعبا، أو الألعاب الرياضية، و غيرها، ممّا فيه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 238، الباب 102، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

301

أغراض عقلائية، بل حلّ بعض المسائل العلمية أو الأدبية. و لا كلام في الحرمة الوضعية فيها، لأنّها من الأكل بالباطل، إنّما الكلام في حرمتها التكليفية، فقد ادّعى عدم الخلاف فيه أيضا، و لكن الظاهر من الجواهر عدم حرمته من هذه الجهة، بل لم ينقل فيه مخالفا (1)، و بين ما ذكره و ما حكى عن العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) في مصابيحه من الحرمة و الفساد، و نفي الخلاف فيه تهافت ظاهر.

بل ذكر في الجواهر أنّه لو أخذ الرهن الذي فرض لهذا القسم بعنوان الوفاء بالوعد، و مع طيب نفس الباذل لا بعنوان أنّ المقامرة المزبورة أوجبته ... أمكن القول بجوازه، نعم هو مشكل في القسم الأوّل (2).

هذا و لكن يرد على ما أفاده (قدّس سرّه):

أوّلا: إنّه خارج عن المتنازع فيه، لأنّ الرضا غير الجاري على العقد لا دخل له بما نحن بصدده، و يجري في كلّ معاملة فاسدة.

و ثانيا: لم لا يجري مثل ذلك في الصورة الاولى.

و ثالثا: ما ذكره من عدم الحرمة تكليفيا ينافي ما سيأتي من حرمة المسابقة مع الرهان إلّا في ثلاث، الظاهر في الحرمة التكليفية.

و على كلّ حال العمدة في الحكم بالفساد الوضعي أصالة الفساد و عدم دخوله تحت عقد إلّا السبق الذي ينحصر بموارد خاصّة.

كما أنّ العمدة في الفساد التكليفي أمران:

الأوّل- ما دلّ على حرمة الرهان إلّا في ثلاثة، مثل ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (عليه السلام): «إنّ الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلى الحافر و الخفّ و الريش و النصل، و قد سابق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اسامة بن زيد و أجرى الخيل» (3).

الظاهرة في الحرمة التكليفية و الوضعية معا.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 109.

(2). المصدر السابق، ج 22، ص 110.

(3). وسائل الشيعة، ج 13، ص 347، الباب 1، من أبواب السبق و الرماية، ح 6.

302

و ما رواه العلاء بن سيّابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: «... و لا بأس بشهادة المرهن عليه، فانّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد أجرى الخيل و سابق و كان يقول: إنّ الملائكة تحضر الرهان في الخفّ و الحافر و الريش، و ما سوى ذلك فهو قمار حرام» (1).

و الأولى و ان كانت مرسلة و الثانية ضعيفة بعلاء بن سيّابة، إلّا أنّ ظاهر الأصحاب الاستناد إليهما، و لذا أطلق على الاولى «المعتبرة» أطلقه في الجواهر في كتاب السبق، و قال إنّ ضعفها منجبر بالشهرة، بل و عمل الكلّ (2) لا سيّما و انّ الصدوق (رحمه اللّه) أسنده إلى الصادق (عليه السلام) على طريق الجزم، و كفى بجميع ذلك.

و قد يستدلّ بما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ليس شي‌ء تحضره الملائكة إلّا الرهان و ملاعبة الرجل أهله (3).

و الإنصاف إنّ عدم حضور الملائكة عند غيره لا يدلّ على الحرمة.

ثمّ إنّ ظاهر كلمات القوم في كتاب السبق هو الحرمة التكليفية أيضا في غير الثلاث:

الخفّ و الحافر و النصل.

الثّاني- شمول عنوان القمار له لعدم اختصاصه بما يكون بآلات خاصّة، قال في لسان العرب راهنه (غلبه) و كذلك في القاموس، نعم في مجمع البحرين (القمار: اللعب بالآلات المعتدة له) و في المنجد «قمر راهن و لعب في القمار» و هو ينافي ما مرّ في القاموس و لسان العرب في الجملة، و يؤيّد شمول العنوان لما نحن فيه إطلاقه عليه كما في رواية العلاء بن سيّابة الآنفة الذكر حيث جاء في ذيلها «و ما سوى ذلك فهو قمار حرام».

و لكن لا يبعد كون ذلك من باب الإلحاق حكما، لا موضوعا.

و ما ورد في الحديث من أبواب ما يكتسب به من إطلاق القمار على الرهن في البيض (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 13، ص 349، الباب 3، من أبواب السبق و الرماية، ح 3.

(2). جواهر الكلام، ج 28، ص 221.

(3). المصدر السابق، ص 347، الباب 2، ح 1.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 119، الباب 35، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

303

و في حديث آخر من أنّ «كلّما تقومر به حتّى الكعاب و الجوز داخل في الميسر» (1).

و في الحديث أنّه (عليه السلام) كان ينهى عن الجوز يجي‌ء به الصبيان من القمار (2).

و كذا التعبير بالمقامرة بالجوز و البيض في حديث آخر (3).

و هذه الروايات و ان كانت ناظرة إلى الحكم الوضعي، إلّا أنّه إذا أطلق عليه القمار حقيقة تلزمه الحرمة التكليفية أيضا.

اللهمّ إلّا أن يقال: لو سلمنا عموم القمار للعب مع الجوز و البيض و شبههما، و لكنّه لا يلزم منه شموله لمثل المسابقات المختلفة، لصحّة سلب عنوان القمار عنهما عرفا إلّا من باب الإلحاق الحكمي.

و من هنا و من إختلاف كلام اللغويين في ذلك يبعد الجزم بالعموم موضوعا، فالاعتماد على شمول عنوان القمار له مشكل، نعم في الدليل الأوّل غنى و كفاية، فالحرمة الوضعية و التكليفية ثابتتان هنا و ان لم يصدق عليها عنوان القمار.

و استدلّ بعضهم للجواز وضعا بما في مصحّحة محمّد بن قيس في المؤاكلة (أي المسابقة على الأكل) و هي:

ما رواه محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أكل و أصحاب له شاة، فقال: إن أكلتموها فهي لكم، و ان لم تأكلوها فعليكم كذا و كذا، فقضى فيه أنّ ذلك باطل لا شي‌ء في المؤاكلة من الطعام ما قلّ منه و ما كثر و منع غرامته فيه» (4).

نظرا إلى حكمه بعدم الغرامة من دون ذكر الحرمة التكليفية.

و الإنصاف أنّه لا يزيد على الإشعار بعد كونها ظاهرة في مقام بيان الحكم الوضعي دون التكليفي سواء قلنا أنّ المؤاكلة نوع عقد باطل كسائر أنواع الرهان (كما هو الظاهر) أو مركّبة من إباحة معوضة على تقدير، و إباحة بغير ضمان على تقدير آخر، كما قيل (في وجه ضعيف‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 119، الباب 35، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ص 120، ح 6.

(3). المصدر السابق، ح 7.

(4). الفروع من الكافي، ج 7، ص 428، باب النوادر من كتاب القضاء و الأحكام، ح 11.

304

عندنا، لأنّه مخالف للظاهر) و على كلّ حال هذا الإشعار لا يقاوم ما مرّ من دليل الحرمة كما لا يخفى.

نعم، أورد عليها بأنّ كونها بصدد بيان الحكم الوضعي أيضا مشكل، لأنّه على فرض البطلان فانّ نفس الأكل محرّم، فكيف لم يمنع منه؟ اللهمّ إلّا أن يقال أنّه كان بعد مضي الوقت و الخروج عن محلّ الابتلاء، و لكن يرد عليه إشكال آخر، و هو حكمه (عليه السلام) بعدم الضمان و عدم الغرامة مع أنّه ممّا يضمن بصحيحة (كما في الخفّ و الحافر و النصل) فيضمن بفاسده، اللهمّ إلّا أن يقال أنّه إباحة مع شرط فاسد، فإذا فسد الشرط لم تفسد نفس الإباحة. فتأمّل.

و بالجملة سكوت الرواية عن حرمة نفس العمل و عن حرمة الأكل و تصريحها بعدم الغرامة إيرادات ثلاث عليها، و يجاب عن الأوّل و الثاني بعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، و عن الثالث بما عرفت من أنّه من قبيل الإباحة مع شرط فاسد، و لكن مع ذلك لا تخلو عن تكلّف، لأنّ قوله: لا شي‌ء في المؤاكلة ... كقاعدة كليّة، و ان كانت ناظرة إلى نفي الغرامة إلّا أنّ سكوته عن الأمرين على القول بحرمتهما أو حرمة الثاني ممّا يبعد توجيهه، فالأولى ردّها إلى أهلها لشذوذها.

المقام الرّابع: اللعب بغير الآلات بدون المراهنة

هل يجوز اللعب بغير أدوات القمار بدون المراهنة، سواء كان له أغراض عقلائية كما في الألعاب الرياضية، أو كان مجرّد لهو.

المحكي عن الأكثر عدم الجواز، بل قد يظهر من بعض ما حكي عن التذكرة الإجماع عليه، و لكن مال في المسالك إلى الجواز، و كذا غير واحد ممن تأخّر، و قال في الجواهر:

الظاهر عدم حرمته مع عدم الرهان (1) من دون إشارة إلى وجود الخلاف في المسألة.

و ذكر الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف في كتاب السبق في المسألة 2 المسابقة بالمصارعة بعوض‌

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 109.