أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
305

لا تجوز، و في المسألة الثالثة المسابقة بالطيور بعوض لا تجوز (1).

و تقييدهما بالعوض مشعر بجوازه عنده بدون العوض، و المشهور بين العامّة هو الجواز.

و على كلّ حال فالأقوى جوازه، و يدلّ على ذلك الأصل، بل السيرة المستمرّة كما ذكره في الجواهر من العوام و العلماء في المغالبة بالأبدان و غيرهما (2).

و ما روى من مغالبة الحسنين (عليهما السلام) بمحضر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (3) بل و ما روى من عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من طرق العامّة مع بعض من المسابقة على الأقدام (4).

و ما حكى من مكاتبة الحسنين (عليهما السلام) (المسابقة في الكتابة و جودة الخطّ) و التقاطهما خرز قلادة امّهما (عليهم السلام) (5).

و العمدة هو الأصل، و قد يدعى الخروج عنه لأمور:

أوّلها- صدق القمار عليه، و فيه إنّه لا شكّ في صحّة سلب هذا العنوان عنه، و كيف يقال بأنّ المغالبة بالأبدان أو المسابقة بالأقدام قمار؟ و لو أطلق عليه أحيانا كان مجازا قطعا لما عرفت.

ثانيها- ما دلّ على نفي السبق إلّا في خفّ أو حافر أو نصل، مثل ما رواه ابن أبي عمير عن حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا سبق إلّا في خفّ أو حافر أو نصل، يعني النضال» (6).

و مثله الحديث الثاني و الرابع من الباب 3 و هي تشمل مع الرهان و بدونه.

و فيه: أوّلا: أنّه يحتمل «السبق» بالفتح فيكون صريحا في المراهنة، و ثانيا: لو قرأ بالسكون بمعنى نفس المسابقة كان أيضا منصرفا إليه، أو إنّ القدر المتيقّن منه هو كذلك، و لذا ذكر الرهن عليه في الحديث الثالث من الباب نفسه و أطلق القمار عليه.

ثالثها- ما مرّ في النهي عن اللعب بالشطرنج و النرد من التعليل بأنّه من الباطل.

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 109.

(2). المصدر السابق، نقلا عن ذخائر العقبى، ص 134.

(3). المغني، ج 1، ص 127.

(4). مستدرك الوسائل، ج 14، ص 81، كتاب السبق و الرماية، الباب 4، ح 1.

(5). الجواهر، ج 28، ص 221.

(6). وسائل الشيعة، ج 13، ص 348، الباب 3، من أبواب السبق و الرماية، ح 1.

306

و لكن قد عرفت أنّ الباطل بمعنى ما ليس له غرض عقلائي ليس حراما قطعا، و أعمال الناس زاخرة به لا سيّما مزاحهم و دعاباتهم.

و ثانيا: إنّ كثيرا من المغالبات لها أغراض عقلائية، فالجواز ممّا لا ينبغي الشكّ فيه.

المقام الخامس: المراهنة بغير اللعب بالآلات

ما كان فيه بعض آثار القمار، و هو المراهنة من دون أي لعب، بل يكون من طريق القرعة، أو جعل بعض الجوائز، كما في الاستقسام بالأزلام و اليانصيب.

أمّا الاستقسام بالأزلام فهو كما قاله المفسّرون نوع من القمار كان في الجاهلية يأخذون عشرة أقداح (و هي المراد بالأزلام جمع زلم على وزن قلم) سبعة منها لها نصيب، و ثلاثة ليس لها نصيب، ثمّ يأخذون جزورا فيذبحونه و يقسّمونه أجزاء و يجتمع عشرة أشخاص، فيسهمون السهام، فلكلّ من السبعة نصيب خاصّ (مختلف أو متساو) و على كلّ من الثلاث ثلث قيمة الجزور، من دون أن يكون لهم نصيب، و كان هذا حراما، و أكلا للمال بالباطل، و الظاهر حرمته تكليفية و وضعية معا.

حكم اليانصيب:

أمّا «اليانصيب» فيتصوّر فيه صور:

1- أن يعطي كلّ واحد مبلغا و يجتمع المال، فيقرعون أنفسهم، فيعطي من خرجت القرعة باسمه، فيقسّم جميع المال بينهم.

2- أن يقسّم كذلك مع أخذ شي‌ء منه للقائمين به أو الحكومة كما هو المعمول، و للقائمين سهم كثير مجحف!

3- أن يعطى كلّ واحد بقصد الإعانة لمقاصد صالحة كبناء المستشفيات و المدارس و غيرها، فيكون من قبيل الإعانة على هذا الأمر من دون عوض و من دون شرط، و لكن‌

307

العاملين يقتسمون شيئا منها بالقرعة لتشويقهم إلى هذا الأمر، و هذا يتحقّق من طريق إعلامهم بذلك بينهم.

أمّا الاولى و الثانية فمحرّمتان قطعا، لكونهما أكلا للمال بالباطل، و شمول أدلّة حرمة الاستقسام بالأزلام لهما مع الغاء الخصوصية، و شمول أدلّة حرمة القمار له حكما لا موضوعا، لبعض التعليلات الواردة فيها، فتدبّر.

و الثانية أشدّ حرمة، لما فيه من غصب الحقوق و الإجحاف على الناس!

و أمّا الثالثة فالظاهر إنّه لا مانع منه إذا لم يشترط أي شرط، و لا مانع إذا كان الداعي هو أخذ الجوائز من دون شرط، و لا تشمله أدلّة الاستقسام و لا غيرها كما هو ظاهر.

بقى هنا شي‌ء، و هو حكم المأخوذ بالقمار و اليانصيب الحرام، فالظاهر أنّه من قبيل المأخوذ بالعقد الفاسد، و المفروض أنّه ممّا يضمن بصحيحة (و هو العقد السابق الصحيح) فيضمن بفاسده.

و ان شئت قلت: إنّه ليس من قبيل التسليط المجّاني كما في الهبة الفاسدة، فان كانت عينه موجودة فلا بدّ من ردّها، و إلّا ردّ مثلها أو قيمتها، و ان لم يعرف صاحبه تصدّق عنه (على ما هو المعروف في مجهول المالك).

16- القيادة

و المراد منها جمع الرجل و المرأة على الحرام، و لا شكّ في حرمتها بالإجماع و العقل و السنّة، أمّا السنّة فمثل:

1- ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن القوّاد ما حدّه؟ قال «لا حدّ على القوّاد، أ ليس إنّما يعطى الأجر على أن يقود؟» قلت: جعلت فداك إنّما يجمع بين الذكر و الانثى حراما! قال: «ذاك المؤلّف بين الذكر و الانثى حراما»، فقلت: هو ذاك.

قال: «يضرب ثلاثة أرباع حدّ الزاني خمسة و سبعين سوطا و ينفى من المصر الذي هو فيه» (1).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، ص 429، الباب 5، من أبواب حدّ السحق و القيادة، ح 1.

308

2- و في خبر آخر: «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الواصلة و الموتصلة، يعني الزانية و القوّادة في هذا الخبر» (1).

و قد ورد تحت عنوان «الدياثة» في بعض الأخبار، فهي من الكبائر التي ورد فيها حدّ، و حدّها كما عرفت ثلاث أرباع حدّ الزاني، و هي من الإعانة على الإثم المحرّم بلا إشكال، و في بعض الأحاديث لعنه أيضا (2).

و لا شكّ في حرمة ثمنها أيضا للقاعدة التي عرفتها غير مرّة (3).

17- القيافة

و المراد منه الاستناد إلى علامات توجب الحاق بعض الناس ببعض، و قد ادّعى عدم الخلاف في حرمتها، بل عن المنتهى و غيره دعوى الإجماع عليه، بل قد ادّعى في الجواهر منافاته لما هو كالضروري من الشرع من عدم الالتفات إلى هذه العلامات، بل ذكر أنّ الوجدان أعدل شاهد على عدم مطابقة القيافة للنسب (4).

و الكلام تارة من حيث ترتيب الأثر في المناكح و المواريث و غيرها، و اخرى من حيث التعليم و التعلّم من دون حكم بها، و الأوّل ممّا لا كلام فيه بيننا، و ان حكي عن العامّة الاعتناء به إجمالا، و يدلّ على مذهب الأصحاب:

1- أصالة عدم الحجيّة في كلّ طريق يشكّ في حجيّته- كما هو المقرّر في الاصول.

2- شهادة الوجدان بعدم مطابقته للواقع.

3- أدلّة الحاق الولد للفراش.

4- أدلّة اللعان، فانّها شاهدة على الإلحاق، و عدم الاعتناء بشي‌ء في مقابل الفراش.

5- بعض الأحاديث الخاصّة مثل:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، ص 430، الباب 5، من أبواب حدّ السحق و القيادة، ح 2.

(2). المصدر السابق، ج 12، ص 94، الباب 19، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(3). و هي: انّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه.

(4). الجواهر، ج 22، ص 92.

309

ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من تكهّن أو تكهّن له فقد برئ من دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» قال: قلت: فالقيافة (فالقافة) قال: «ما أحبّ أن تأتيهم ...» (1).

أمّا الثّاني: فمقتضى الأصل جوازه، إلّا أن يكون مظنّة للشكّ في الأنساب، و مثارا للتهمة، و أمّا حديث زكريا بن يحيى التي استند إليها للجواز في الأوّل الذي رواه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في مكاسبه فضعيف، منكر، لا دلالة له على المقصود، و الأولى ترك التعرّض لنقله.

بقى هنا شي‌ء، و هو أنّه لا يجوز التعويل على قول الأطباء في إلحاق الأولاد بواسطة تحليل الدم و شبهه، لأنّ كلّ ذلك ظنون لا دليل على اعتبارها، و المعيار قاعدة «الولد للفراش» و حصول الظنّ من هذه الأسباب أحيانا غير كاف في الإلحاق و عدمه، فانّه لا يغني من الحقّ شيئا، إلّا ما ثبت بالدليل.

18- الكذب

الكذب من الامور المحرّمة التي لا يكتسب بها إلّا نادرا، و فيه مقامات:

المقام الأوّل: في أدلة حرمة الكذب

فقد ذكر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه أنّه حرام بضرورة العقول و الأديان، و تدلّ عليه الأدلّة الأربعة (انتهى) (2).

أمّا من كتاب اللّه فهناك عشرات من الآيات تدلّ على حرمة الكذب و كونه من أعظم الظلم، و أشدّ القبائح، و لكن كلّها أو جلّها واردة في تكذيب اللّه أو رسله أو نسبة امور إليه تعالى كذبا، أو تكذيب الآخرة، كقوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيٰاتِهِ إِنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الظّٰالِمُونَ ... (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 108، الباب 26، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). المكاسب المحرّمة، ص 49.

(3). سورة الأنعام، الآية 21.

310

و مثل قوله تعالى: إِنَّمٰا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْكٰاذِبُونَ (1).

و قد استدلّ بالأخير على حرمته على الإطلاق، لأنّ ظاهرها مطلق في بدو النظر، و لكن الدقّة فيما سبقها من الآيات تدلّ على أنّ المراد منه الكذب على اللّه أو على أوليائه، مثل قوله تعالى: وَ إِذٰا بَدَّلْنٰا آيَةً مَكٰانَ آيَةٍ وَ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا يُنَزِّلُ قٰالُوا إِنَّمٰا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ (2).

و قوله تعالى: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمٰا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... (3).

فلا ينبغي الشكّ في كونها ناظرة إلى ما ذكرنا، نعم قد يستفاد الإطلاق من قوله تعالى:

فَأَعْقَبَهُمْ نِفٰاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمٰا أَخْلَفُوا اللّٰهَ مٰا وَعَدُوهُ وَ بِمٰا كٰانُوا يَكْذِبُونَ (4).

و لكن الظاهر منه أيضا عند التأمّل ما ذكرنا.

و أمّا السنّة، فهي كثيرة غاية الكثرة، عامّة شاملة لجميع أنواع الكذب، من غير اختصاص بالكذب على أولياء اللّه أو غيره.

منها روايات كثيرة أوردها في الوسائل في الأبواب 138 و 139 و 140 و 141 تربو على 38 حديثا، كثير منها دليل على المطلوب، و ستأتي الإشارة إلى كثير منها في الأبحاث الآتية و أوضحها الروايات التالية:

1- ما رواه سيف بن عميرة عمّن حدّثه على أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول لولده: اتّقوا الكذب الصغير منه و الكبير، في كلّ جدّ و هزل، فانّ الرجل إذا كذّب في الصغير اجترأ على الكبير! ...» (5).

2- ما رواه أصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هزله و جدّه» (6).

____________

(1). سورة النحل، الآية 105.

(2). سورة النحل، الآية 101.

(3). سورة النحل، الآية 103.

(4). سورة التوبة، الآية 77.

(5). وسائل الشيعة، ج 8، ص 576، الباب 140، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(6). المصدر السابق، ص 577، ح 2.

311

3- ما رواه الحارث الأعور عن علي (عليه السلام) قال: «لا يصلح من الكذب جدّ و لا هزل، ...» (1).

4- ما رواه محمّد بن الحسن باسناده الآتي عن أبي ذرّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في وصيّة له قال:

«يا أبا ذرّ! من ملك ما بين فخذيه و ما بين لحييه دخل الجنّة»، قلت: و إنّا لنؤاخذ بما تنطق به ألسنتنا؟ فقال: «و هل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلّا حصائد ألسنتهم ... يا أبا ذرّ ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ويل له ...» (2).

5- ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: «من ألفاظ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أربى الربا الكذب!» (3).

6- ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل للشرّ أقفالا و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، و الكذب شرّ من الشراب» (4).

7- ما رواه ابن أبي ليلى عن أبيه عمّن ذكره عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ الكذب هو خراب الإيمان» (5).

8- ما رواه الخصال باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين قال: «و الكبائر محرّمة و هي ... و الكذب ...» (6).

9- و ما رواه في عيون الأخبار بأسانيده عن الفضل بن شاذان في كتابه إلى المأمون قال:

«الإيمان هو أداء الأمانة و ... و اجتناب الكبائر ... و الكذب» (7).

و في المجلّد التاسع من المستدرك في الباب 120 و 121 و 122 من أبواب أحكام العشرة أيضا عشرات من الأحاديث و في البحار ج 69 ص 232 الباب 114 نقل 48 حديثا فيها روايات مطلقة جيّدة (8).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 577، الباب 140، من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

(2). المصدر السابق، ص 577، ح 4.

(3). المصدر السابق، ص 574، الباب 138، ح 12.

(4). المصدر السابق، ص 572، ح 3.

(5). المصدر السابق، ح 4.

(6). وسائل الشيعة، ج 11، ص 262، الباب 46، من أبواب جهاد النفس، ح 36.

(7). المصدر السابق، ص 260، ح 33.

(8). و في بعض الطبعات ج 72.

312

و لا يضرّ ضعف سند كثير منها بعد كونها متظافرة متكاثرة، بل متواترة.

و الإجماع بل ضرورة الدين أيضا قائمة عليه، و ما قد يقال بإمكان استنادها إلى ما ذكر من الروايات، لا يصغى إليه إذا بلغ الحكم من الوضوح إلى حدّ الضرورة.

و أمّا من العقل، فهو أيضا واضح، لأنّ قبحه من المستقلات العقلية، و لكن قد يظهر من بعض الأكابر الوسوسة بل الإنكار في إطلاق حكم العقل به، فقال: لا يحكم العقل بحرمة الكذب بعنوانه الأوّلي مع قطع النظر عن ترتّب المفسدة و المضرّة عليه، و كيف يحكم العقل بقبح الإخبار بالأخبار الكاذبة التي لا تترتّب عليها مفسدة دنيوية أو اخروية (1).

و لكن الإنصاف أنّ حرمة الكذب عند العقلاء ليست لمجرّد المفاسد المترتّبة عليها، مضافا إلى أنّه يوجب سلب الاعتماد و الاطمئنان بين الأفراد الذي هو الحجر الأساس للمجتمع الإنساني، و أي شخص يشكّ في قبح فعل من يذكر في حقّ أبيه آلافا من المناقب مع أنّه لم يكن فيه شي‌ء منها بل كان فيه ما خالفها لمجرّد أنّه لا تترتّب عليه أيّة مفسدة.

لا سيّما إذا شاع ذلك بين الناس، فالعقلاء يذمّون مثل هذا الشخص، بل مع قطع النظر عن التبعات فانّه يوجب وهن شخصيّة صاحبه و حقارته في نفسه و سقوطه عن أعين الناس، و بالجملة لا ينبغي الشكّ في قبحه عقلا و ان كانت بعض الحالات الطارئة قد تستوجب حسنه كما سيجي‌ء إن شاء اللّه.

هذا مضافا إلى إمكان القول بحرمته بحكم العقلاء مضافا إلى حكم العقل، بأن يقال إنّ بناءهم قائم على تحريمه، و الأحكام العقلائية كثيرا ما تدور مدار المصالح و المفاسد الغالبة لا الدائمة كما في أحكام الشرع، فكثيرا ما تكون المصلحة أو المفسدة بعنوان الحكمة لا العلّة في حكم العقلاء، و حيث أنّه يوجب الفساد غالبا حكموا بمنعه دائما، فتأمّل.

المقام الثّاني: في كون الكذب من الكبائر مطلقا أو في الجملة:

لا شكّ أنّ كثيرا من مصاديق الكذب من الكبائر، كالكذب على اللّه و رسوله، و الذي يظهر‌

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 385.

313

من الآيات كونه من أشدّ المحرّمات، و كذا ما يترتّب عليه مفاسد عظيمة، كإيجاد الخلاف بين المسلمين و الضرر عليهم، و ما أشبه ذلك، و أمّا ما ليس كذلك فقد نقل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) عن الفاضلين و الشهيد الثاني (قدّس سرّه) إطلاق كونه من الكبائر (1)، بل لعلّه يظهر من غيرهم أيضا، و لكنّه (قدّس سرّه) تردّد في بعض كلماته في ذلك، و اجترأ بعض الأكابر ممّن تأخّر عنه على إنكار كونه بإطلاقه من الكبائر.

و لكن الإنصاف ظهور غير واحد من أدلّة حرمته في كونه كبيرة مطلقا، و هي روايات مضى بعضها، منها:

1- ما رواه فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «الإيمان هو أداء الأمانة ... و اجتناب الكبائر و هي ... الكذب» (2).

2- الأعمش عن جعفر بن محمّد في حديث شرائع الدين قال: «و الكبائر محرّمة (منها) الكذب» (3).

و لكن أورد عليهما بضعف السند تارة، و ضعف الدلالة اخرى، لعدم كون إطلاقهما في مقام البيان.

أمّا الثّاني فواضح الدفع، لعدم فرق بينه و بين سائر المطلقات، مضافا إلى ورود التقييد في غير واحد من فقراتهما، و هو دليل على كونها في مقام البيان.

أمّا الأوّل فهو بالنسبة إلى رواية الأعمش واضح، و أمّا الثّاني بالنسبة إلى رواية الفضل فقد حكي أنّ الصدوق (رحمه اللّه) له ثلاثة طرق إلى الفضل بعضها ضعيف و بعضها مقبول، فتأمّل.

و العمدة أنّ الروايات فيما نحن فيه كثيرة مستفيضة لا تصل النوبة إلى هذه الامور.

3- ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اللّه عزّ و جلّ جعل للشرّ أقفالا و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، و الكذب شرّ من الشراب» (4).

و القول بأنّ كلّ فرد من افراد الكذب ليس شرّا من الشراب ممنوع «أوّلا» بأنّ ملاحظة‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 50.

(2). وسائل الشيعة، ج 11، ص 260، الباب 46، من أبواب جهاد النفس، ح 33.

(3). المصدر السابق، ص 262، ح 36.

(4). وسائل الشيعة، ج 8، ص 572، الباب 138، من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

314

النسبة من بعض الجهات كما في نظائره، و كفى بذلك في المقصود، و «ثانيا» إنّ الكذب الذي ليس فيه مفسدة في مورده قد تكون فيه مفاسد بحسب نوعه إذا صار راسخا في الإنسان.

4- ما رواه أبو ليلى عن أبيه عمّن ذكره عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ الكذب هو خراب الإيمان» (1).

5- ما رواه محمّد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) باسناده قال و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

«ألا فأصدقوا إنّ اللّه مع الصادقين و جانبوا الكذب فانّه يجانب الإيمان ... ألا و انّ الكاذب على شفا مخزاة و هلكة ...» (2).

6- ما رواه أبو ذرّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في وصيّة له، قال: «يا أبا ذرّ! من ملك ما بين فخذيه و بين لحييه دخل الجنّة»، قلت: و أنّا لنؤاخذ بما تنطق به ألسنتنا. فقال: «و هل يكبّ الناس على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم ... يا أبا ذرّ ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ويل له ...» (3).

7- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في أماليه مرسلا قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا سوء أسوأ من الكذب» (4).

8- ما رواه يونس رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد و الحرص و الكذب» (5).

9- ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إنّ العبد ليكذب حتّى يكتب من الكذّابين، و إذا كذب قال اللّه كذب و فجر» (6).

10- مرسلة أبي محمّد العسكري (عليه السلام) قال: «جعلت الخبائث في بيت و جعل مفتاحه الكذب» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 572، الباب 138، من أبواب أحكام العشرة، ح 41.

(2). المصدر السابق، ص 574، ح 13.

(3). المصدر السابق، ص 577، الباب 140، ح 4.

(4). البحار، ج 69، ص 259، باب الكذب، ح 23.

(5). المصدر السابق، ص 261، ح 31.

(6). المصدر السابق، ص 262، ح 39.

(7). المصدر السابق، ص 263، ح 46.

315

11- مرسلة الراوندي قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أربى الربا الكذب ...» قال: يا رسول اللّه المؤمن يكذب؟ قال: «لا، قال اللّه تعالى إِنَّمٰا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ (1) و (2).

12- و عن جامع الأخبار قال (عليه السلام): «إيّاكم و الكذب فانّ الكذب يهدي إلى الفجور و الفجور يهدي إلى النار ...» (3).

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة جدّا، و الاستبعاد بأنّه كيف تكون كبيرة مع أنّه قد لا تترتّب عليه أيّة مفسدة قد عرفت الجواب عنه، و أنّه بنوعه يترتّب عليه مفاسد عظيمة نهى الشارع عنه لذلك و جعله كبيرة.

و غاية ما يمكن الاستدلال به لعدم كونه مطلقا من الكبائر امور:

1- ما رواه أبو خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكذب على اللّه و على رسوله من الكبائر» (4).

2- و ما رواه أبو خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكذب على اللّه و على رسوله و على الأوصياء (عليهم السلام) من الكبائر» (5).

و فيه: أنّها من مفهوم اللقب.

3- و ما رواه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن آبائه (في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام): «يا علي من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار» (6).

و الجواب هو الجواب.

4- ما رواه سيف بن عميرة عمّن حدّثه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول لولده: اتّقوا الكذب الصغير منه و الكبير في كلّ جدّ و هزل فانّ الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير أما علمتم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: ... و ما‌

____________

(1). البحار، ج 69، ص 263، باب الكذب، ح 47.

(2). سورة النحل، الآية 105.

(3). البحار، ج 69، ص 263، باب الكذب، ح 48.

(4). وسائل الشيعة، ج 8، ص 575، الباب 139، من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 576، ح 6.

(6). المصدر السابق، ح 5.

316

يزال العبد يكذب حتّى يكتبه اللّه كذّابا» (1).

و لعلّ هذه الرواية على خلاف المدّعى أدلّ، لأنّه بيان للمفسدة النوعية التي أشرنا إليها.

5- و استدلّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) أيضا بصحيحة عبد الرحمن الحجّاج قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الكذّاب هو الذي يكذب في الشي‌ء؟ قال: «لا، ما من أحد إلّا يكون ذاك منه، و لكن المطبوع على الكذب» (2).

أضف إلى ذلك كلّه أنّ كبر الكذب و صغره باعتبار ما يترتّب عليه من المفاسد.

و فيه «أوّلا» إنّه لا أثر فيه ممّا ذكر من كونه باعتبار ما يترتّب عليه.

و «ثانيا» هو بصدد بيان الكذّاب و تعريفه، و لا دخل له بما نحن بصدده، يعني أنّ مجرّد صدور كذب من إنسان لا يوجب كونه داخلا في الكذّاب، حتّى يترتّب عليه عقابه، لصدور ذلك من كلّ أحد.

فلا يصحّ الاستدلال بشي‌ء من ذلك على عدم كونه من الكبائر، بل هو كبيرة مطلقا.

المقام الثّالث: الكذب هزلا

ذكر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في أوّل كلامه في المقام خروجه عن حكم الكذب، و لكن مال في آخر كلامه إلى حرمته (3).

و فصل بعض الأساتذة بين ما إذا أخبر بوقوع شي‌ء هزلا، كأن يخبر بقدوم مسافر ليتهيّأ له السامع، فيضحك مثلا، و نفى الشبهة عن كونه حراما، و اخرى ينشأ بعض المعاني بداعي الهزل من دون قصد الحكاية عن واقع ليكون إخبارا، كما إذا أطلق «البطل» على فرد جبان أو العالم على الجاهل و قصد به الهزل، و ذكر أنّه لا دليل على حرمته مع نصب القرينة (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 576، الباب 140، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 573، الباب 138، ح 9.

(3). المكاسب المحرّمة، ص 50.

(4). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 389.

317

و فصل آخر بين المحفوف بقرينة مقالية أو حالية، كما إذا أعدّ المجلس للهزل، و ما إذا لم يكن كذلك، مدّعيا انصراف الأدلّة عنه، بل لم يكتف بذلك حتّى ادّعى عدم حرمته إذا لم يفد المخاطب شيئا، و لم يكن فيه اغراء، كما إذا أخبر ببرودة النّار و حرارة الماء!

أقول: الإنصاف أنّه لا محصّل للتفصيل بين كونه اخبارا و إنشاء، لأنّ جميع ما ذكر من قبيل الإخبار قطعا، و البطولة و العلم و أشباههما ليست من الامور الإنشائية التي تحصل بمجرّد الإنشاء، و كذا تطبيق هذه الأوصاف على بعض الموارد.

هذا مضافا إلى ما سيأتي من احتمال جريان الصدق و الكذب في بعض الإنشائيات أيضا، فانتظر.

كما أنّ دعوى الانصراف في أدلّة الكذب ممنوعة، و ليت شعري ما الفرق بين الكذب و سائر المحرّمات؟ فانّ لها أيضا مصاديق قليلة الفساد أو خالية عن الفساد ظاهرا كمن شرب قطرة من الخمر، أو غصب حبّة من حنطة أو وطأ خطوة أرض الغير بغير رضاه، فهل تعدّ هذه ذنوبا صغارا؟ و هل يلاحظ الفرق بين المصاديق؟ و هل فصّل فيها أحد؟

و هكذا الفرق بين ما لا يفيد السامع شيئا و غيره.

و بالجملة لا تدور المحرّمات مدار المفاسد الفردية، بل النوعية، فإذا شمل عنوانها لمصداق جرى عليه حكمه.

بل يمكن الاستدلال على العموم بروايات خاصّة:

1- منها رواية سيف بن عميرة الآنفة الذكر (1/ 140) و فيها بيان كون المفسدة نوعية.

2- منها ما رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هزله و جدّه» (2/ 140) و حمله على الاستحباب كما ذكره في المصباح كما ترى.

3- و منها ما رواه أبو ذرّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «... ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم» (4/ 140).

و رميها بضعف السند مشكل بعد كونها متظافرة.

نعم، إذا قامت القرائن الحالية أو المقالية على إرادة المجاز أو الكناية من اللفظ، و لو‌

318

لكونه في مقام الهزل، خرج من عنوان الكذب لوجود القرينة كما هو ظاهر، فالأحوط لو لم يكن أقوى وجوب الاجتناب عن الجميع، إلّا في موارد قيام القرينة ممّا لا يسمّى كذبا.

المقام الرّابع: هل يجري حكم الكذب في الإنشاء؟

المعروف عدم جريان الصدق و الكذب في الإنشائيات، و لكن يحكى عن كاشف الغطاء (رضوان اللّه عليه) جريان حكم الكذب في الإنشاء و انّ الكذب و إن كان من صفات الخبر، إلّا أنّ حكمه يجري في الإنشاء المنبئ عنه، كمدح المذموم و ذمّ الممدوح، و تمنّي المكاره، و ترجّي غير المتوقّع و إيجاب غير الموجب. انتهى.

و ظاهر عبارة الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ميله إليه لعدم ردّه (1).

و لكن صرّح بعض المعاصرين ممّن تأخّر عنه نفي كون الإنشاء متّصفا بهما، بينما يظهر من غيره أنّ الكذب على قسمين: حقيقي و ادّعائي حكمي، فكلّما كان له نوع كشف عن الواقع و لو كان من قبيل الإنشائيات داخل في الكذب حكما، و محرّم إلّا ما استثني.

أقول: الذي يستفاد من الإطلاقات العرفية إطلاق عنوان الكذب على الأخبار و الإنشاء كليهما و ان كان المعروف المشهور في ألسن أهل العلم عدم اتّصاف الإنشاء بهما، بل هو المأخوذ في تعريف الإنشاء و الإخبار.

فإذا قال القائل: فيا ليت الشباب يعود يوما ... مع انّا نعلم أنّه يكره عود الشباب إليه قطعا، نقول أنّه يكذب في قوله هذا، أو قال: يا ليت زيدا حاضر هنا، مع انّا نعلم شدّة عداوته له، أو قال: تعالى تغدّ معنا. و نحن نعلم أنّه لا يريده. نقول أنّه كاذب في هذا القول.

فالظاهر دخول الصدق و الكذب في الإنشائيات غالبا، لا لأنّ مفاده الذي هو أمر إيجادي قابل للاتّصاف بالصدق و الكذب، بل لما يلازمه من الإخبار، فان التمنّي ملازم للإخبار بحبّ الشي‌ء، كما أنّ الأمر بشي‌ء ملازم لإرادته، و الاستفهام عن شي‌ء ملازم للجهل به، و جريان الصدق و الكذب بعنوان ملازمه.

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 50.

319

هذا و لكن شمول أدلّة الحرمة للوازم الكلام محلّ تأمّل، فمن قال: آه من ذنوبي، فلازمه الإخبار بخوفه منها، فإذا علمنا بأنّه لا يخاف فهل يمكننا القول أنّه يكذب و لا يخاف اللّه؟

الظاهر أنّ أدلّة الحرمة لا تشمل لوازم الكلام و لا أقل من الشكّ، فالأصل البراءة و أمّا الوعد و حقيقته فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

حكم الوعد:

يظهر من بعض آيات القرآن الكريم و كثير من الروايات أنّ الوفاء بالوعد من الواجبات.

أمّا من القرآن- فقوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا (1) فانّ الوعد نوع من العهد.

و كذلك قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ (2).

بناء على عدم انحصار مفادها بقول خال عن العمل، و شمولها بعمومها للوعد أيضا، و ليس ببعيد، لا سيّما بملاحظة صحيحة هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

عدّة المؤمن أخاه نذر لا كفّارة له، فمن أخلف فبخلف اللّه بدأ، و لمقته تعرّض، و ذلك قوله:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ (3).

و أمّا السنّة فهي كثيرة جدّا منها:

1- ما رواه شعيب العقرقوفي عن أبي عبد للّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليف إذا وعد» (4).

2- و ما رواه الحارث الأعور عن علي (عليه السلام) قال: «لا يصلح من الكذب جدّ و لا هزل و لا أن يعد أحدكم صبيّه ثمّ لا يفي له ...» (5).

____________

(1). سورة الإسراء، الآية 34.

(2). سورة الصفّ، الآية 2.

(3). وسائل الشيعة، ج 8، ص 515، الباب 109، من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

(4). المصدر السابق، ح 2.

(5). المصدر السابق، ص 577، الباب 140، ح 3.

320

و يظهر منه أنّه جعل خلف الوعد من الكذب.

و هناك روايات اخرى كثيرة ذكرها المجلسي في بحار الأنوار تدلّ على المطلوب (1).

3- و ما رواه في نهج البلاغة: و إيّاك و المنّ على رعيّتك ... أو أن تعدهم فتتبّع موعدك بخلفك، فانّ المنّ يبطل الإحسان، و التزيد يذهب بنور الحقّ، و الخلف يوجب المقت عند اللّه و الناس، قال اللّه سبحانه: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ» (2).

هذا و لكن ذكر لزوم الوفاء بالوعد من حقوق الاخوّة في بعض الأخبار يضعف دلالتها على الوجوب، مثل ما جاء في البحار في أحاديث متعدّدة فراجع (3).

و قد يقال أنّ السيرة العملية و الشهرة بين الأصحاب على عدم الوجوب، و لو كان ذلك واجبا لاشتهر و بان مع شدّة الابتلاء به، و الإنصاف أنّه يشكل رفع اليد عن هذه الظواهر بمجرّد هذه الامور، فالأحوط الوفاء بالوعد.

هذا و لكن يظهر من كلماتهم في أبواب النذر أنّ التزام شي‌ء على نفسه لا يكون ملزما إلّا إذا كان الالتزام للّه.

قال في الجواهر بعد كلام له في المقام: و في قواعد الفاضل لو قال: «عليّ كذا و لم يقل للّه، استحبّ له الوفاء، و لعلّه لأنّه طاعة، ... و على كلّ حال فالأمر سهل من انّ الحكم مستحبّ، و الفرض إن لم يكن نذرا منعقدا فهو وعد أو شبه الوعد» (4).

و يظهر من هذه العبارة تسالمهم على أنّ الوعد أو شبه الوعد لا يجب الوفاء به و انّ ما كان للّه يجب الوفاء به.

بل لعلّه يظهر من بعض روايات أبواب النذر أنّ مجرّد الالتزام على النفس بشي‌ء لا يجب الوفاء به إلّا ما كان للّه، و لا يبعد شموله لبعض أفراد الوعد، بل لجميعه، فلعلّ ما يدعى من السيرة أو الشهرة أو الإجماع نشأ من هنا، و إليك هذه الروايات:

1- ما رواه مسلم بن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ... و سئل عن الرجل‌

____________

(1). بحار الأنوار، ج 72، ص 79- 91، الباب 47، من أبواب لزوم الوفاء بالوعد و العهد.

(2). نهج البلاغة، الكتاب 53.

(3). بحار الأنوار، ج 72، ص 92 و 93 و 96.

(4). الجواهر، ج 35، ص 375.

321

يحلف بالنذر و نيّته في يمينه التي حلف عليها درهم أو أقل، قال: «إذا لم يجعل اللّه فليس بشي‌ء» (1).

2- و ما رواه خالد بن جرير عن أبي الربيع قال: سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقول للشي‌ء يبيعه: أنا أهديه إلى بيت اللّه قال: فقال: «ليس بشي‌ء كذبة كذبها» (2).

3- ما رواه سعيد بن عبد اللّه الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت اللّه و يحرم بحجّة و الهدي، فقال: «ما جعل للّه فهو واجب» (3).

4- و ما رواه إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي جعلت على نفسي شكرا للّه ركعتين اصلّيهما في السفر و الحضر أ فأصلّيهما في السفر بالنهار. فقال: «نعم»، ثمّ قال:

«إنّي لأكره الإيجاب أن يوجب الرجل على نفسه «، قلت: إنّي لم أجعلهما للّه عليّ، إنّما جعلت ذلك على نفسي اصلّيهما شكرا للّه، و لم اوجبهما على نفسي، أ فأدعهما إذا شئت؟

قال: «نعم» (4).

5- ما رواه السندي بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت على نفسي مشيا إلى بيت اللّه. قال: «كفّر عن يمينك، فإنّما جعلت على نفسك يمينا و ما جعلته للّه فف به» (5).

6- و ما رواه ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تكون له الجارية فتؤذيه امرأته و تغار عليه، فيقول: هي عليك صدقة. قال: «إن جعلها للّه و ذكر اللّه فليس له أن يقربها، و ان لم يكن ذكر اللّه فهي جاريته يصنع بها ما شاء» (6).

و من هنا يشكل الحكم بوجوب الوفاء بكلّ عهد و وعد و ان كان الأحوط استحبابا ذلك.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 16، ص 183، الباب 1، من أبواب النذر، ح 4.

(2). المصدر السابق، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 184، ح 8.

(4). المصدر السابق، ص 189، الباب 6، ح 1.

(5). المصدر السابق، ص 192، الباب 8، ح 4.

(6). المصدر السابق، ص 201، الباب 17، ح 9.

322

بقي هنا شي‌ء، و هو إنّه قد يقال: إنّ الوعد على أقسام، تارة يخبر عن عزمه على الوفاء بشي‌ء، كأن يقول انّي عازم على أن اعطيك كذا و كذا.

و اخرى أن ينشئ ما التزمه، بأن يقول: لك عليّ كذا.

و ثالثة أن يخبر عن الوفاء بأمر مستقبل، كقوله: أجيئك غدا (1).

هذا و لكن الوعد ليس شيئا منها، بل هو إنشاء و التزام فعل لغيره على نفسه في المستقبل، بأن يقول: أجيئك غدا لا بقصد الإخبار، بل بقصد الإنشاء و الالتزام، و من هنا يعلم أنّ أدلّة حرمة الكذب لا تشمله (فتأمّل فانّه حقيق به).

نعم، هنا إطلاق آخر من هذا العنوان، فيقال: وعد صادق أو كاذب، إذا وفي بعهده أو لم يف به، و هذا صدق و كذب في العمل لا دخل له بالقول الذي هو محلّ الكلام، فتدبّر.

المقام الخامس: الكلام في التورية

«التورية» في اللغة بمعنى الستر و الإخفاء، يقال: ورى الشي‌ء، أي أخفاه عن غيره، و لكن في مصطلح الفقهاء هو: ذكر لفظ و إرادة معناه الواقعي مع قصد القاء المخاطب في غيره (و هو على قسمين: ما يكون في مقام الضرورة، و اخرى في غيرها).

و قد يعبّر عنه في كلمات فقهاء العامّة و الخاصّة بالمعاريض، جمع «المعراض» بمعنى ستر شي‌ء عن شي‌ء آخر، و أمثلته كثيرة، و لكن من ألطفها ما حكى عن بعض علماء الشيعة أنّه سئل عن الخليفة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأراد بيان الحقّ مع إخفاء ظاهره لبعض المسائل قال:

«من بنته في بيته».

و قال الشاعر:

خير الورى بعد النبي * * *من بنته في بيته

من في دجى ليل العمى * * *نور الهدى في زيته

و مثله ما هو المعروف من كلام عقيل: «أمرني معاوية بلعن علي (عليه السلام) ألا فالعنوه!».

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 390.

323

و ما يحكى عن سعيد بن جبير قال في جواب الحجّاج: ما تقول في حقّي؟ قال: «أنت قاسط عادل» ففرح الحاضرون، و لكن فهم الحجّاج المعنى، و قال: أمّا القاسط فإشارة إلى قوله تعالى: وَ أَمَّا الْقٰاسِطُونَ فَكٰانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (1) (و القسط ممّا له معنيان متضادّان) و أمّا العادل فهو إشارة إلى قوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (2) (بمعنى جعل العدل و الشريك له) فحكم بظلمي و كفري! إلى غير ذلك في أشباهها.

و قد يمثّل له بقول القائل في مقام الإنكار «علم اللّه ما قلته» يريد ما الموصولة و السامع يحسبه ما النافية.

و لكن الإنصاف أنّ التلفّظ بهما مختلف في النطق كما لا يخفى على الخبير، نعم في الكتابة متوافقان.

و على كلّ حال، فقد وقع الخلاف في حكمه، و يظهر من كثير منهم خروج التورية عن الكذب، بل ذكر بعضهم أنّه لا شبهة فيه.

و لكن عن المحقّق القمّي (قدّس سرّه) أنّه داخل في الكذب، و العلّة في ذلك هو الخلاف في حقيقة الصدق و الكذب، فان قلنا إنّ المعتبر في اتّصاف الخبر بالصدق و الكذب هو مطابقة ما قصده المتكلّم للواقع و عدمها، فهو ليس من الكذب، لأنّه قصد معناه الواقعي و ان قلنا إنّ المعيار هو مطابقة ظاهره للواقع فهو كذب (و لا دخل له بالنزاع المشهور من أنّ المعيار مطابقته للواقع أو لاعتقاد المتكلّم).

و ما حكي عن أكثر الأصحاب في باب المسوغات أنّه إنّما يسوغ الكذب إذا لم يقدر على التورية، و إنّها ليست كذبا لا يخلو عن إشكال.

أقول: الحقّ أنّ التورية على قسمين:

فتارة يكون الكلام بظاهره قابلا لاستعماله في كلّ منهما كما في اللفظ المشترك، و كما في مرجع الضمير المستعمل في الكلام في الأمثلة المتقدّمة، فانّ الرجوع إلى كلّ ما ذكر في الكلام جائز، و ان كان الأقرب أولى، و لكن ليس لازما، و كما في لفظ «هنا» الذي يقوله‌

____________

(1). سورة الجنّ، الآية 15.

(2). سورة الأنعام، الآية 1.

324

الإنسان من وراء الباب «انّ فلانا ليس هنا» و مراده خلف الباب، و لكن المخاطب بسبب بعض ما في ذهنه من الاعتقادات أو التخيّلات ينتقل إلى فرد لا يريده المتكلّم، أو بسبب كثرة استعماله في فرد خاص، و لكن لم يبلغ حدّ الوضع و شبهه.

و قد لا يحتمل الكلام ذلك المعنى إلّا مجازا أو ببعض القيود، و لكن يريد المتكلّم منه ذلك، كما إذا قال المتكلّم: أنا ما أكلت اليوم شيئا، و أراد حالة النوم فانّ الكلام بظاهره نفي مطلق لا يحتمل الفرد الخاص، و استعماله في خصوص حال النوم غير جائز إلّا ببعض القيود.

أو قال: اليوم رأيت أسدا، و قصد بذلك رجلا شجاعا مع عدم إقامة قرينة حالية أو مقالية عليه.

أو قال: فلان مجتهد جامع الشرائط، و أراد أنّه قريب الاجتهاد.

و الحقّ أنّ القسم الأوّل داخل في الصدق، و الثاني داخل في الكذب، يشهد له مراجعة الوجدان و ملاحظة كلمات العرف.

فمن قال: هذا الدار ملك لي، و أراد به الإجارة، و ملك المنافع، كان كاذبا، أمّا إذا قال: إنّ يدي خالية، ففهم المخاطب الكناية عن عدم مال له، و لكن أراد المعنى الحقيقي، و هو خلو يده عن الأشياء الظاهرة كالكتاب و السبحة و غيرهما كان صادقا.

فإذا، الحقّ ما ذكره المحقّق القمّي (قدّس سرّه) في هذا المقام، و السرّ في ذلك أنّ الوضع يقتضي استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، أو المجازي مع القرينة، فمن فعل غيره كان كاذبا، و العمدة هو فهم العرف، و تبادر ما ذكرنا من لفظ الكذب.

و الخلط بين هذين القسمين صار منشأ للخلاف في حكم التورية، بل و في تفسير الصدق و الكذب في الأخبار، و لعلّ المشهور أيضا أرادوا ما ذكرنا، فتأمّل.

و الحاصل، أنّ التورية على قسمين: قسم منها جائز مطلقا، و قسم لا يجوز إلّا عند الضرورة.

نعم يبقى هنا بعض ما ورد في روايات الباب، فما عدّ دليلا للقول الأوّل و هو الجواز مطلقا هي الروايات التالية:

325

1- ما رواه عبد اللّه بن بكير بن أعين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يستأذن عليه، فيقول للجارية: قولي «ليس هو هاهنا» قال: «لا بأس ليس بكذب» (1).

و من الواضح أنّه داخل في القسم الأوّل ممّا ذكرنا، لاشتراك الإشارة بين تمام الدار و خلف الباب.

2- و ما رواه في كتاب الإحتجاج إنّه سئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ في قصّة إبراهيم (عليه السلام): قٰالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ (2) قال: «ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم»، قيل: و كيف ذلك؟ فقال: «إنّما قال إبراهيم فاسألوهم ان كانوا ينطقون، إن نطقوا فكبيرهم فعل، و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا و ما كذب إبراهيم» (3).

3- و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في العلل باسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في تفسير هذه الآية إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ: «إنّهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنّهم حين قالوا: ما ذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك و لم يقولوا سرقتم صواع الملك» (4).

4- و ما رواه سويد بن حنظلة قال: خرجنا و معنا وائل بن حجر نريد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأخذه أعداء له و تحرّج القوم أن يحلفوا فحلفت باللّه أنّه أخي، فخلي عنه العدو، فذكرت ذلك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: «صدقت المسلم أخ المسلم» (5).

و الظاهر أنّ الأخير من قبيل ما ذكرنا، لأنّ الأخ يستعمل في المعنيين استعمالا ظاهرا (مضافا إلى أنّه كان في مقام الاضطرار).

و كذا ما قبله، لأنّ الشرط كما يمكن أن يكون قيدا للسؤال، يمكن أن يكون قيدا للفعل.

هذا و ممّا يؤيّد المختار إطلاق الأخبار المجوّزة للكذب عند الضرورة و عدم استثناء إمكان التورية، و وجهه أنّ التورية على ما ذكرنا قليلة الموارد لا تجري إلّا فيما كان هناك كلام ذات وجهين، و أمّا على مبنى القوم فهي كثيرة بحسب المصداق.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 580، الباب 141، من أبواب أحكام العشرة، ح 8.

(2). سورة الأنبياء، الآية 63.

(3). بحار الأنوار، ج 69، ص 240، الباب 114، من أبواب الكذب، (في شرح ح 4، ص 237).

(4). المصدر السابق، ص 241.

(5). الخلاف، ج 2، ص 459، المسألة 60، من كتاب الطلاق.

326

بقي هنا شي‌ء:

و هو ما حكي في سورة الأنبياء عن إبراهيم (عليه السلام) من قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ... (1) و كذا ما حكاه اللّه تعالى عنه في سورة الصافات من قوله فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ (2) و في سورة يوسف: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ (3) هل هو داخل في مسألة التورية، أو كذب جائز للإصلاح و الهداية؟ لسان الروايات فيه مختلف:

ففي بعضها يظهر منه الاحتمال الأوّل، أي التورية، فإنّه قال: «إن نطقوا فكبيرهم فعل» (4).

و يظهر من بعضها أنّه كان من التقية.

و لكن صريح غير واحد منها أنّه كان من الكذب الجائز، للإصلاح و أنّه «لا كذب على مصلح» (5).

و في غير واحد منها نفي الفعل و الكذب كليهما عن إبراهيم و يوسف حيث قال «ما فعل كبيرهم و ما كذب»- «و ما كانوا سرقوا و ما كذب» و تحقيق ذلك:

أوّلا: إنّ الكلام في قضيّة يوسف لم يكن منه، و لا دليل على أنّه كان بإذنه، و لعلّ المؤذّن لما فقد صواع الملك حصل له سوء ظنّ باخوة يوسف، و قال ما قال، و عدم نهي يوسف عنه لو كان بمرآه لعلّه لمصلحة هناك.

و في قضيّة إبراهيم (عليه السلام) «و نظرة في النجوم ...» لعلّه كان مصابا بالحمّى أو شبهها تنوبه في أوقات معيّنة، فأراد تعيين وقتها كما قيل، و إلّا لا ربط لسقمه بمسألة النجوم، فلم يكن كاذبا، فتبقى مسألة نسبة الفعل إلى كبير الأصنام، و سيأتي جوابها.

و ثانيا: يجوز أن يكون المراد سرقة يوسف من أبيه، فتأمّل.

و أمّا نسبة الفعل إلى الصنم الكبير لعلّه كان مشروطا بنطقهم، فتدبّر.

____________

(1). سورة الأنبياء، الآية 63.

(2). سورة الصافات، الآية 88.

(3). سورة يوسف، الآية 70.

(4). راجع تفسير البرهان، ج 2، ص 65، (ذيل الآية).

(5). المصدر السابق.

327

هذا و الأولى بعد تعارض الأخبار في هذا الباب أن يقال: إنّ الكذب إنّما يكون فيما إذا لم تكن هناك قرائن محفوفة بالكلام تدلّ على كون المراد منه الاستهزاء بالأصنام أو شبهه، أو الكناية عن عدم قدرتها على شي‌ء و إلّا لم يقع مصداق الكذب كما مرّ شرحه آنفا.

المقام السّادس: في مسوغات الكذب

الأوّل من مسوغات الكذب: ما كان للضرورة

الذي يظهر من كلماتهم أنّ العناوين المحرّمة على قسمين: ما يكون قبحه ذاتيا لا يختلف بالوجوه و الاعتبار، و مثّلوا له بالظلم، و ما يختلف بذلك و جعلوا الكذب منها.

و لكن هذا التقسيم قابل للتأمّل، لأنّ كلّ شي‌ء غير الكفر و هدم الدين- الذي هو أكبر الكبائر- ليست حرمته ذاتية حتّى لو كان ظلما، فلذا يجوز أكل مال الغير في المخمصة، و الهجوم على المسلمين إذا تترّس الكفّار بهم في الحرب بشرائطه مع أنّ وقوع الظلم عليه حينئذ واضح، و لو اجيب عن الأوّل، فلا يمكن الجواب عن الثاني، نعم وجود الغرض الأهمّ رخّص هذا الظلم.

فغالب المحرّمات أو جميعها إلّا ما ذكر يكون جائزا عند طروّ عنوان أهمّ منه، و الكذب منه قطعا، و بعبارة اخرى عند دوران الأمر بين أمرين محرّمين يؤخذ بالأقوى منهما فيترك و يعمل بالآخر، و كذا إذا دار الأمر بين محرّم و واجب، و هناك كثير من الواجبات و المحرّمات أقوى ملاكا من الكذب، فيجوز ارتكاب الكذب لحفظها.

و هذا هو الدليل العمدة في هذا الباب، و الاضطرار و الإكراه و دوران الأمر بين الأمرين كلّها، تندرج تحت عنوان الضرورة، خلافا لبعض الأعلام.

و هناك روايات كثيرة و بعض الآيات تدلّ على جواز ذلك أيضا، مضافا إلى الإجماع المعلوم حاله في أمثال المقام.

أمّا من الآيات فقد استدلّ له بقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ ... (1).

____________

(1). سورة النحل، الآية 106.

328

و لكن الظاهر أنّها لا تشتمل على مسألة الكذب، بل هي ناظرة إلى إظهار البراءة التي هي من قبيل الإنشاء، إلّا أن يتمسّك بالأولوية، هذا مضافا إلى اختصاصها بمورد الخوف على النفس، و ليست عامّة.

و بقوله تعالى: لٰا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلّٰا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً ... (1).

و الظاهر أنّها أيضا بصدد أمر آخر، و هو اتّخاذ الكفّار أولياء، و المحبّة إليهم، و تزاورهم و إعانتهم، إلّا أن يقال: إنّ ذلك لا ينفكّ عن الكذب غالبا، و هو كما ترى.

هذا مضافا إلى ما مرّ في نظيره في الآية السابقة من أنّها خاصّة ببعض الموارد.

نعم هناك روايات كثيرة عامّة أو خاصّة تدلّ على المطلوب، و لكن فيها ما يدلّ على عدم الحرمة تكليفا، مضافا إلى عدم التأثير وضعا في مثل الطلاق و غيره، و بعضها عام يشملها.

و من الأوّل:

1- ما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «احلف باللّه كاذبا و نجّ أخاك من القتل» (2).

2- و ما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): نمرّ بالمال على العشّار، فيطلبون منّا أن نحلف لهم و يخلون سبيلنا، و لا يرضون منّا إلّا بذلك، قال: فاحلف لهم فهو أحلى من التمر و الزبد (3).

3- و ما رواه الحلبي أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحرز (يجوز) بذلك ماله. قال: «نعم» (4).

4- و ما رواه الحلبي عن الصادق (عليه السلام): اليمين على وجهين، إلى أن قال: «فأمّا الذي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا و لم تلزمه الكفّارة، فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرء‌

____________

(1). سورة آل عمران، الآية 28.

(2). وسائل الشيعة، ج 16، ص 134، الباب 12، من كتاب الإيمان، ح 4.

(3). المصدر السابق، ص 135، ح 6.

(4). المصدر السابق، ح 8.

329

مسلم، أو خلاص ماله من متعدّ يتعدّى عليه، من لصّ أو غيره» (1).

5- و ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): نحلف لصاحب العشور نجيز بذلك مالنا؟ قال: «نعم» (2).

6- و ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا حلف الرجل تقيّة لم يضرّه إذا هو اكره و اضطرّ إليه. و قال: ليس شي‌ء ممّا حرّم اللّه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه» (3).

و من الثّاني:

1- ما رواه إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف، قال: «لا جناح عليه، و عن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلفه لينجو به منه، قال لا جناح عليه»، و سألته: هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله؟ قال: «نعم» (4).

2- و ما رواه مسعدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما آمن باللّه من و في لهم بيمين!» (5).

3- و ما رواه فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «و التقيّة في دار التقيّة واجبة، و لا حنث على من حلف تقيّة يدفع بها ظلما عن نفسه» (6).

4- و ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل حلف للسلطان بالطلاق و العتاق، فقال: «إذا خشي سيفه و سطوته فليس عليه شي‌ء، يا أبا بكر! إنّ اللّه عزّ و جلّ يعفو، و الناس لا يعفون» (7).

5- و ما رواه محمّد بن أبي نصر جميعا عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال: «لا»، فقال: قال‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 16، ص 135، الباب 12، من كتاب الإيمان، ح 9.

(2). المصدر السابق، ص 137، ح 19.

(3). المصدر السابق، ح 18.

(4). نفس المدرك، ص 134، ح 1.

(5). المصدر السابق، ح 5.

(6). المصدر السابق، ص 135، ح 10.

(7). المصدر السابق، ح 11.

330

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «وضع عن أمّتي ما اكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا» (1).

6- و ما رواه معاذ بيّاع الأكسية، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّا نستحلف بالطلاق و العتاق فما ترى؟ أحلف لهم؟ فقال: «احلف لهم بما أرادوا إذا خفت» (2).

و من الثالث:

1- ما رواه أبو الصباح قال: و اللّه لقد قال لي جعفر بن محمّد (عليهما السلام): «إنّ اللّه علّم نبيّه التنزيل و التأويل، فعلّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عليا (عليه السلام) قال: و علّمنا و اللّه، ثمّ قال: ما صنعتم من شي‌ء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة» (3).

2- و ما رواه يونس عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل حلف تقيّة فقال: «إن خفت على مالك و دمك فاحلف تردّه بيمينك، فان لم تر أنّ ذلك يردّ شيئا فلا تحلف لهم» (4).

3- و ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إنّا نمرّ على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا و قد أدّينا زكاتها، فقال: «يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاءوا»، قلت:

جعلت فداك بالطلاق و العتاق. قال: «بما شاءوا» (5).

4- و ما رواه الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين قال: «... و لا كفّارة على من حلف تقيّة يدفع بذلك ظلما عن نفسه» (6).

هذا مضافا إلى ما دلّ على نفي الضرر و الحرج في الدين و جواز المحرّمات عند الضرورة.

هذا، و قد يورد على الاستدلال بها بأنّ مورد الإخبار غير منطبق على المراد، فانّ ظاهرها جواز الحلف لمطلق المال، و ليس هذا من الضرورة، و أوضح منه الحلف لدفع الضرر عن الغير (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 16، ص 136، الباب 12، من أبواب كتاب الإيمان، ح 12.

(2). المصدر السابق، ح 13.

(3). المصدر السابق، ص 134، ح 2.

(4). المصدر السابق، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 136، ح 14.

(6). وسائل الشيعة، ج 11، ص 464، الباب 24، من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ح 21.

(7). راجع المكاسب للإمام (قدّس سرّه)، ج 2، ص 80.

331

و لم يكتف بهذا حتّى أورد عليه بأنّ عنوان الاضطرار و الإكراه و الدوران بين المحذورين غير عنوان الضرورة.

و لكن الإنصاف أوّلا: إنّ الضرورة في اللغة و العرف لها معنى عام يشمل الإكراه و دوران الأمر بين الأمرين، و هو عين الاضطرار، فليس هنا عناوين أربعة. فانّ الإنسان إنّما يتّقي (في التقيّة الخوفية) إذا رأى نفسه في خطر فاضطرّ إليها، و كذا الإكراه لا يكون إلّا بالتوعيد، و دوران الأمر أيضا كذلك، مثلا إذا أراد الإنسان ترك الغصب وقعت نفسه في الهلاك عند المخمصة و الجماعة، و إذا أراد حفظ نفسه لزمه ارتكاب الغصب، و حيث يكون أحدهما أهمّ، فيصدق عليه عنوان الاضطرار.

ثانيا- حفظ المال الكثير يعدّ ضرورة، و أمّا المال اليسير فالظاهر انصراف الأخبار عنه.

كما أنّ حفظ أموال الأخ المسلم أيضا كذلك إذا كان ممّا يعتدّ به، فكلّ ذلك داخل في معنى الضرورة بالمعنى المطلق.

و هذا كلّه واضح، إنّما الكلام في أنّه هل تجب التورية عند الضرورة، بحيث لا يسوغ الكذب إلّا عند العجز عنه، أو يجوز مطلقا؟

حكى عن المشهور وجوبها، و استدلّ له بأمرين يرجعان إلى واحد في الحقيقة:

أحدهما: إنّ الملاك في جواز الكذب تحقّق الضرورة، و مع إمكان التورية لا ضرورة.

ثانيهما: إنّ قبح الكذب عقلي، فلا يجوز إلّا بعروض عنوان حسن عليه، و لا يعرض هذا العنوان إلّا إذا كان الطريق منحصرا في الكذب، لا ما إذا أمكن التورية.

و لكن في مقابل هذين الدليلين إطلاق الروايات الكثيرة التي ليس فيها عين من هذا الشرط و لا أثر، و من البعيد تقييد جميعها، و لذا مال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في بعض كلماته إلى جواز ذلك من دون قيد، و دفع الدليل العقل بأنّه لا مانع من توسّع الشارع على العباد بجواز الكذب عند الضرورة مطلقا بعد كون التورية موجبة للعسر و الحرج إجمالا.

و لكن مال أخيرا إلى كلام المشهور، و احتاط فيها أخذا بالقاعدة، و أمر بالتأمّل في ذيل كلامه الذي يظهر منه الترديد آخر الأمر.

و التحقيق في المسألة أن يقال: إنّ المشكل نشأ من ناحية عدم التفسير الصحيح للتورية،

332

فقد عرفت أنّها لا تجري إلّا فيما يحتمل الكلام لمعنيين بحسب ذاته، و لكن ينصرف ذهن المخاطب إلى واحد منهما، لبعض ما في ذهنه ممّا هو خارج عن الكلام، و القرائن الموجودة فيه بحسب موازين التكلّم، مثلما عرفت من كلام عقيل لمعاوية و شبهه، أو شهرة أحد المعاني شهرة لم تبلغ حدّ الظهور توجب انصراف ذهن المخاطب مع أنّ مراد المتكلّم غيره، إلى غير ذلك.

و من الواضح أنّ التورية بهذا المعنى لا تنفق إلّا في موارد خاصّة قليلة، فعدم ذكرها في الروايات إنّما هو لتعرّضها للمصاديق الغالبة التي لا توجد فيها التورية بطبيعة الحال.

نعم، إذا فسّرناها بما ذكرها شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) و أتباعه (من إرادة معنى صحيح من الكلام و ان كان الكلام ظاهرا بحسب الوضع أو القرائن في غيره) فقلّما يتّفق مورد لا يمكن فيه التورية كما لا يخفى، و هذا هو مفتاح حلّ المسألة، فالحقّ مع المشهور، و عدم ذكرها في الأخبار المجوّزة لا يوجب محذورا، لأنّها ناظرة إلى الأفراد الغالبة التي لا يمكن فيها التورية.

فإطلاقات الحرمة بحالها لا يتعدّى منها إلّا عند الاضطرار، و هو منحصر فيما لا يمكن التخلّص بالتورية.

بقى هنا شي‌ء، و هو إنّه قد يقال أنّ روايات الباب لا دخل لها بما نحن فيه، فانّها بصدد جواز الحلف عند الضرورة، توضيحه:

«إنّ الحلف عبارة عن جملة إنشائية يؤتى بها لتأكيد الجملة الإخبارية أو الإنشائية، و لمّا ورد في الكتاب العزيز النهي عن جعل اللّه عرضة للأيمان، و ورد في الروايات النهي عنه صادقا أو كاذبا، يمكن أن يكون ذلك منشأ للشبهة في أنّ اليمين غير جائزة حتّى لإنقاذ المال و التخلّص من العشّار و غيره، فأجابوهم بالجواز، و لا ربط لما بما يقارنه من الأخبار، فهي أجنبية عمّا نحن بصدده».

و هذا كلام عجيب، فان جعل اللّه عرضة للأيمان حتّى في موارد الصدق لم يكن أمرا محرّما، و هذا معلوم لكلّ أحد بدليل شيوعه حتّى في كلمات المعصومين (عليهم السلام) و ان كان مرجوحا في بعض الموارد، مع أنّ ظاهر الأخبار كونه محرّما في غير الضرورة، هذا أوّلا.

333

و أمّا ثانيا، فللتصريح في غير واحد منهما بكون المراد الحلف كاذبا (فراجع الأحاديث 4/ 12 و 9/ 12 و 13/ 12 و 14/ 12 التي مرّت عليك آنفا).

بقى هنا امور:

الأوّل: ظاهر أخبار الباب بل صريحها بطلان الطلاق و سائر الإيقاعات و العقود الواقعة عن إكراه و شبهه، و جواز الحلف لها، و هل يعتبر عدم القدرة على التورية هنا أيضا كما اعتبرناه في ناحية الحكم التكليفي؟ ظاهر المشهور عدمه، بل قد يسند إلى إجماعهم، فحينئذ يأتي الكلام في الفرق بين المسألتين.

قد يقال: الفرق إنّما هو بين عنوان «الإكراه» و «الاضطرار»، فانّ الاضطرار لا يصدق إلّا عند عدم المفرّ، و لكن الإكراه صادق في الصورتين، و تبطل العقود كلّها عند الإكراه.

و الأولى أن يقال: إنّ المعاملات تدور مدار الرضا، و مع الإكراه لا يكون هناك رضا، سواء قدر على التورية، أو لا، و أمّا الحكم التكليفي في الكذب فانّه يرد مدار الضرورة و عدم طريق آخر.

و الظاهر أنّ البيان الأوّل الذي ذكره الشيخ أيضا يعود إليه و إن توهّم تباينهما.

الثّاني: ذكر شيخنا الأعظم في بعض كلماته أنّ المسوّغ للكذب هو المسوّغ لسائر المحرّمات ... نعم يستحبّ تحمّل الضرر المالي اليسير ...

قلت: هو كذلك بعد ما عرفت أنّ المدار في الجميع عنوان «الضرورة و الاضطرار» و انّ أخبار الكذب لا تدلّ على أكثر منه و تستثنى منها صورة القدرة على التورية بالمعنى الذي عرفت.

و لكن ليعلم أنّ نفي الضرر عن الأخ المؤمن أيضا يعدّ ضرورة كما هو واضح بالوجدان، كما أنّ الظاهر أنّها منصرفة عن الضرر اليسير و ناظرة إلى الضرر الكثير.

الثّالث: يبقى الكلام فيما صدر عن المعصومين (عليهم السلام) عند التقيّة و أنّها كذب مجاز للضرورة، أو في جميعها نوع من التورية، أو مجاز مع إخفاء القرينة أو شبه ذلك؟

334

و التحقيق أنّ التقيّة على أقسام:

الف) تقيّة المؤمنين في العمل في مقابل الأعداء.

ب) تقية المؤمنين قولا كذلك.

و جلّ روايات التقيّة أو كلّها ناظرة إليهما (فراجع كتاب الأمر بالمعروف من الوسائل ج 11 الباب 24 و غيره).

ج) تقيّة المعصومين (عليهم السلام) بأنفسهم في العمل في مقابل أعداء اللّه، و ليس شي‌ء من هذه محلا للكلام.

د) تقيّتهم في الأقوال و بيان بعض الأحكام.

و هذا قد يكون مثل أمر علي بن يقطين بالوضوء على خلاف مذهبه الذي كان حكما ثانويا له كسائر الأحكام الثانوية الاضطرارية، و هو حكم مطابق للواقع في هذه المرحلة، و لعلّ كثيرا ممّا صدر منهم تقيّة كان كذلك.

و اخرى يكون من قبيل المجاز مع القرينة الحالية بأن كانت هناك شرائط و ظروف خاصّة تدلّ على أنّه (عليه السلام) لم يكن قادرا على بيان الواقع، و قد عرفت أنّ ذلك ليس من الكذب.

و ثالثة ما لا يكون من هذا و لا ذاك، فيأتي فيه أنّه تورية أو كذب مجاز، فالأولى أن يقال:

لم يثبت مصداق لهذا القسم الأخير، و بعبارة اخرى: ما ثبت من تقيّتهم إمّا كان من قبيل القسم الأوّل، أو ما كان محفوفا بالقرائن و ان لم تصل تلك القرائن إلينا، أو ما كان فيه التورية.

أمّا ما عدى ذلك بحيث يعدّ كذبا جائزا لهم فهو غير ثابت.

الثّاني من مسوغات الكذب: ما كان للإصلاح

و قد أجمع علماء الإسلام عليه إجمالا، كما حكى عنهم، و لا بدّ من ملاحظة أدلّته أوّلا حتّى يرى مقدار دلالتها.

فنقول و منه سبحانه نستمدّ التوفيق و الهداية: يمكن الاستدلال له بالأدلّة الأربعة: أمّا من كتاب اللّه العزيز فقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (1).

____________

(1). سورة الحجرات، الآية 10.

335

لكن الظاهر أنّه لا إطلاق فيها من ناحية الوسائل و الأسباب التي يتوسّل بها للإصلاح، كما هو الحال في سائر الواجبات و المندوبات، و ليس لها إطلاق حتّى يقع التعارض بينها و بين أدلّة الكذب بالعموم من وجه، ثمّ يرجع فيه إلى الرواية أو غيرها كما قيل (1).

بل العمدة في ذلك هي الروايات الواردة مع دليل العقل، فانّ حال الإجماع في هذه المسائل أيضا معلوم، أمّا العقل فهو من باب دوران الأمر بين الأهمّ و المهمّ، فلا ريب أنّ الإصلاح بين المؤمنين أهمّ، أمّا الروايات فهي على طوائف:

منها ما دلّ على جواز الكذب عند إرادة الإصلاح بين الناس، مثل:

1- ما رواه أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي إنّ اللّه أحبّ الكذب في الصلاح، و أبغض الصدق في الفساد «إلى أن قال» يا علي: ثلاث يحسن فيهنّ الكذب: المكيدة في الحرب، و عدتك زوجتك، و الإصلاح بين الناس» (2).

2- ما رواه المحاربي عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «ثلاثة يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب، و عدتك زوجتك، و الإصلاح بين الناس ...» (3).

3- ما رواه عيسى بن حسّان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كلّ كذب مسئول عنه صاحبه يوما إلّا كذبا في ثلاثة ... أو رجل أصلح بين اثنين يلقي هذا بغير ما يلقي به هذا يريد بذلك الإصلاح ما بينهما ...» (4).

4- و ما رواه أبو يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكلام ثلاثة: صدق و كذب و إصلاح بين الناس»، قال: قيل له: جعلت فداك ما الإصلاح بين الناس؟ قال: «تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه، فتقول: سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا و كذا خلاف ما سمعت منه» (5).

و هذه الروايات تتعاضد بعضها ببعض.

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 415.

(2). وسائل الشيعة، ج 8، ص 578، الباب 141، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

(4). المصدر السابق، ص 579، ح 5.

(5). المصدر السابق، ح 6.

336

و منها: ما دلّ على جوازه لمن أراد الإصلاح بقول مطلق، سواء كان الإصلاح بين الناس، أو إصلاح امور اخر، و ان لم يكن هناك خلاف، مثل:

1- ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المصلح ليس بكذّاب» (1).

2- و ما رواه الحسن الصيقل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّا قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف (عليه السلام) أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ فقال: «و اللّه ما سرقوا و ما كذب و قال إبراهيم (عليه السلام) بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ فقال: «و اللّه ما فعلوا و ما كذب». فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما عندكم فيها يا صيقل؟ قلت ما عندنا فيها إلّا التسليم! قال:

فقال: «إنّ اللّه أحبّ اثنين، و أبغض اثنين، أحبّ الخطر فيما بين الصفّين، و أحبّ الكذب في الإصلاح، و أبغض الخطر في الطرقات، و أبغض الكذب في غير الإصلاح، انّ إبراهيم (عليه السلام) إنّما قال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا إرادة الإصلاح و دلالة على انّهم لا يفعلون و قال: يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح» (2).

3- و ما رواه عطاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا كذب على مصلح، ثمّ تلا أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ ثمّ قال و اللّه ما سرقوا و ما كذب، ثمّ تلا بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ ثمّ قال: و اللّه ما فعلوه و ما كذب» (3).

4- و ما رواه معاوية بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه قال له: «أبلغ أصحابي كذا و كذا و أبلغهم كذا و كذا». قال قلت: فانّي لا أحفظ هذا، فأقول ما حفظت و لم أحفظ أحسن ما يحضرني، قال: «نعم المصلح ليس بكذّاب» (4).

و منها: ما دلّ على جوازه لمن نفع المؤمنين، و الظاهر أنّ الأخير يعود إلى ما قبله، كما أنّ الأوّل داخل في عموم الثاني.

ثمّ أنّه هل يستفاد منها معنى أعمّ ممّا يستفاد من حكم العقل، أو يقتصر على ما كان هناك غرض أهمّ في نظر الشارع؟ الإنصاف عدم استفادة أكثر من ذلك، لأنّ الظاهر أنّها بأجمعها‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 578، الباب 141، من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

(2). المصدر السابق، ص 579، ح 4.

(3). المصدر السابق، ح 7.

(4). المصدر السابق، ص 580، ح 9.

337

ناظرة إلى حكم العقل من مراعاة الأهمّ عند التزاحم و لا إطلاق لها، و لا أقل من الشكّ، فيقتصر على موارد وجود الأهمّ، فلا يكفي كلّ إصلاح في تجويز كلّ كذب، إلّا ما كان له شأن بحيث يكون أهمّ، و من هنا يمكن إرجاع هذا و موارد الضرورة إلى شي‌ء واحد و اندراجهما تحت عنوان جامع.

بقى هنا امور:

الأوّل: ما ورد من جواز الكذب في وعد الزوجة أو في مطلق الأهل، و هي: 1/ 141 و 2/ 141 و 5/ 141 التي مرّت عليك آنفا، و الكلام فيها في جواز العمل بإطلاقها، أو لا؟

أمّا إذا كان على سبيل الإنشاء، فقد عرفت أنّه خارج عن محلّ الكلام و ان صدق عنوان الصدق و الكذب فيه بمعنى آخر، و أمّا إذا كان في صورة الخبر فظاهر هذه الأخبار جوازه مطلقا، و الأولى الاقتصار على موارد الضرورة لعدم الدليل الواضح على أكثر منه، و يشكل العمل بالإطلاق مع القرينة العقلية.

الثاني: يجوز الكذب عند المكيدة في الحرب المصرّح به في روايات الباب (1 و 2 و 5/ 141) بل هو داخل في مسألة الأهمّ و المهمّ لما يترتّب عليه من الآثار كما لا يخفى على الخبير.

الثالث: و يجوز الكذب أيضا عند أخذ الإقرار من المفسدين و الماكرين الذين يمكرون اللّه و رسوله و ان لم يكن هناك حرب، و كذا الكذب لكشف الامور المهمّة إذا كان داخلا في قاعدة الأهمّ و المهمّ.

بل الظاهر أنّها و ما أشبهها ممّا يتوقّف على الكذب أحيانا داخل في عنوان «الإصلاح» بقول مطلق المذكور في روايات الباب.

19- الكهانة

و الكلام فيها في مقامات:

338

المقام الأوّل: في معنى الكهانة

فالذي يظهر من كتب اللغة و لا سيّما لسان العرب أنّ «الكاهن» هو الذي يخبر عن الغائبات، و يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، و يدّعي معرفة الأسرار، و قد كان في العرب كهنة، كشقّ و سطيح و غيرهما، و قد كانت الكهنة يروّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، و يستميلون بها القلوب، و يستصغون إليها الأسماع (و لذا كان ينسب من يكون له كلام موزون و فصيح إلى الكهانة، و لعلّ نسبة الكهانة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان من هذا الباب و قد نسب بعض المعاندين إلى الإمام علي (عليه السلام) ذلك، لما في كلامه (عليه السلام) من السجع البليغ).

و قد كانت العرب تسمّى كلّ من يتعاطى علما دقيقا كاهنا، و منهم من كان يسمّى المنجّم و الطبيب كاهنا (1).

و كذا يظهر منهم انّهم كانوا مختلفين: «فمنهم من كان يزعم أنّ له رأيا (صاحب رأي) من الجنّ يلقى إليه الأخبار عن الغائبات، و الامور المستقبلة، و منهم يزعم أنّه يعرف الامور بمقدّمات و أسباب يستدلّ بها على مواقعها، من كلام من يسأله، أو فعله، أو حاله، و هذا يخصّونه باسم «العرّاف» ...» (2).

و الذي يستفاد من مجموع كلمات أرباب اللغة أنّ الكهانة هي الإخبار عن الامور المستقبلة أو الغائبات الموجودة، بطرق غير متعارفة من الاتّصال بالجنّ و غيره، فلو أخبر إنسان بأمر غائب أو مستقبل من تجربة جرّبها أو شبه ذلك، فليس من الكهانة ظاهرا.

و قد يقال إنّ الشياطين و مردة الجنّ كانوا يسترقّون السمع قبل بعثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيخبرون أوليائهم من الإنس عن أخبار السماوات، و لكن منعوا منه بعد ذلك، فلم يبق لهم غير ما يخبرونه من أخبار الأرض.

هذا، و لكن الظاهر من آيات سورة الحجر انّهم كانوا ممنوعين منها في كلّ زمان وَ لَقَدْ جَعَلْنٰا فِي السَّمٰاءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنّٰاهٰا لِلنّٰاظِرِينَ* وَ حَفِظْنٰاهٰا مِنْ كُلِّ شَيْطٰانٍ رَجِيمٍ* إِلّٰا مَنِ

____________

(1). راجع لسان العرب مادّة كهنة.

(2). المصدر السابق.

339

اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهٰابٌ مُبِينٌ (1).

و أمّا ما ورد في الأخبار في هذا الباب فانّه بحاجة إلى مزيد تأمّل و تحقيق، و سيأتي أنّ اسم الكاهن و لو كان خاصّا ببعض من كان يخبر عن الغائبات، و لكن ملاك الحكم فيه عام يشمل الجميع.

المقام الثّاني: في حكمه الكهانة

فالحكم بحرمتها في الجملة مجمع عليها ظاهرا، بل قد يقال أنّه لا خلاف فيه بين المسلمين.

و عمدة ما يدلّ عليه أخبار كثيرة وردت في هذا الباب منها:

1- ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن إتيان العرّاف و قال: «من أتاه و صدقه فقد برئ ممّا أنزل اللّه عزّ و جلّ على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (2).

هذه الرواية و ان كانت ضعيفة على الظاهر بشعيب بن واقد، و لكن تظافر مضمونها يغنينا عن السند.

2- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من تكهّن، أو تكهّن له فقد برئ من دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ...» (3).

و هي أيضا ضعيفة بأبي حمزة.

3- ما رواه الهيثم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ عندنا بالجزيرة رجلا ربّما أخبر من يأتيه يسأله عن الشي‌ء يسرق أو شبه ذلك، فنسأله؟ فقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من مشى‌

____________

(1). سورة الحجر، الآية 16- 18.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 108، الباب 26، من أبواب ما يكتسب به، ح 1، (و قد أورد الوسائل نفس ح في ج الثامن، ص 269، الباب 14، من أبواب آداب السفر، ح 3).

(3). المصدر السابق، ح 2.

340

إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب» (1).

4- و ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة ... و أجر الكاهن» (2).

5- ما رواه أبو خالد الكابلي قال: سمعت زين العابدين (عليه السلام) يقول: «... و الذنوب التي تظلم الهواء السحر و الكهانة ...» (3).

6- محمّد بن الحسين الرضي الموسوي (في نهج البلاغة) قال: قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لبعض أصحابه لمّا عزم على المسير إلى الخوارج فقال له: يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم. فقال (عليه السلام): «... أيّها الناس إيّاكم و تعلّم النجوم إلّا ما يهتدى به في برّ أو بحر، فانّها تدعو إلى الكهانة، و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار، سيروا على اسم اللّه» (4).

و هناك روايات اخرى رواها في المستدرك لها دلالة قويّة على المطلوب مثل ما يلي:

7- الجعفريات عن علي (عليه السلام) أنّه قال: «من السحت ثمن الميتة إلى أن قال: و أجر الكاهن .. إلى أن قال: و أجر القافي ...» (5).

8- ما رواه ابن مسكان و حديد رفعاه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه أوحى إلى نبي في نبوّته: أخبر قومك انّهم استخفّوا بطاعتي و انتهكوا معصيتي ... إلى أن قال: و خبّر قومك أنّه ليس منّي من تكهّن أو تكهّن له أو سحر أو تسحر له» (6).

9- ما رواه عبد اللّه بن طلحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه عدّ من السحت أجر الكاهن (7).

10- ما رواه أبو سعيد قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يدخل الجنّة عاقّ و لا منّان و لا‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 109، الباب 26، من ابواب ما يكتسب به، ح 3.

(2). المصدر السابق، ص 62، الباب 5، ح 5.

(3). المصدر السابق، ج 8، ص 270، الباب 14، من أبواب آداب السفر إلى الحجّ، ح 6.

(4). المصدر السابق، ص 271، ح 8.

(5). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 110، الباب 23، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(6). المصدر السابق، ص 111، ح 5.

(7). المصدر السابق، ح 6.

341

ديّوث و لا كاهن، و من مشى إلى كاهن فصدّقه بما يقول فقد برئ ممّا أنزل اللّه على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (1).

11- ما رواه الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «من صدّق كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (2).

12- ما رواه نوف البكالي قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات ليلة و قد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم فقال يا نوف: «إنّ داود قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال أنّها ساعة لا يدعو فيها عبد ربّه إلّا استجاب إلّا أن يكون عشّارا أو عريفا أو شرطيا» (3).

و هذه الأخبار بعضها واردة في الكاهن و بعضها في العريف، و لكن يظهر من رواية عقبة بن بشير الأسدي عن الباقر (عليه السلام) أنّ العريف كان له معنى آخر، و هو من يعرف القوم و يعرفهم للسلطان، و لعلّه لهذا جعله في جنب العشّار و شبهه.

و عليه يشكل الاستدلال بما صرّح فيه بلفظ العريف و لا أقل من الإبهام، و يدلّ عليه أيضا بعض ما روي من طرق العامّة أيضا مثل ما يلي:

13- ما رواه البيهقي في سننه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من أتى عرّافا أو كاهنا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (4).

و اسنادها أو كثيرا منها و ان كانت ضعيفة لا تضرّ بالمقصود بعد توافرها و تكاثرها، فالحكم بالحرمة ثابت لا ينكر وضعا و تكليفا.

و هل يمكن الاستدلال له بالعقل أيضا لإمكان تشويه أمر النبوّة؟ الظاهر عدمه، لأنّ هذا الاستدلال أخصّ من المدّعى.

المقام الثّالث: حكم من اتى الكاهن و صدّقه

فيعلم حكمه ممّا سبق للتصريح في غير واحد منها بحرمة إتيان الكاهن أو العريف،

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 13، ص 110، الباب 23، من ابواب ما تكتسب به، ح 7.

(2). المصدر السابق، ص 112، ح 8.

(3). المصدر السابق، ص 112، ح 9.

(4). سنن البيهقي، ج 8، ص 135.

342

مضافا إلى أنّه إعانة على الإثم أو رضى به، فكما أنّ الكهانة محرّمة، فكذلك إتيان الكاهن و السؤال عنه.

المقام الرّابع: الأخبار الواردة عن الحوادث المستقبلية

الأخبار الغائبات أو الحوادث المستقبلية من غير طريق الكهانة من العلوم الإسلامية الغريبة أو التفؤل أو الحدس أو العلوم الرياضية أو ما يسمّى بالكامبيوتر و أمثال ذلك، و هو العمدة من بعض الجهات، و حاصل الكلام فيه أنّه قال في المفاتيح فيما حكى عنه: إنّ الأخبار على الغائبات على البتّ لغير نبي أو وصي نبي سواء كان بالتنجيم أو الكهانة أو القيافة أو غير ذلك من المعاصي المنصوص عليها، ثمّ أضاف: أنّه إن كان الإخبار على سبيل التفؤل من دون جزم فالظاهر جوازه (1).

و ذكر صاحب الجوهر (قدّس سرّه) في بعض كلماته في المقام بعد استظهار جواز الإخبار ظنّا بالكهانة من هذا الكلام، و الإشكال عليه بشمول الإطلاقات له و أنّه لم يعرف قائلا بجوازه.

ثمّ قال في آخر كلامه: قد يقال لا بأس بالعلوم النبوية كالجفر و نحوه ممّا يمنح اللّه به أوليائه و أحبّائه و ان كان ينبغي لهم عدم إبدائه و إظهار آثاره عند سواد الناس لكيلا يحصل لهم شكّ في النبوّة و الإمامة (2).

و يظهر من بعض كلمات الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) المفروغية عن جواز الإخبار بالحوادث المستقبلة إذا ثبت ببعض ما صحّ اعتباره، كبعض الجفر و الرمل، و في كلام آخر له في المقام إنّ ظاهر صحيحة «الهيثم» أنّ الإخبار عن الغائبات لا على سبيل الجزم محرّم مطلقا، سواء كان بالكهانة أو غيرها، و لا يخفى ما بينهما من التهافت، فتأمّل.

هذا، و ذكر بعض الأكابر في حواشيه عليه ما حاصله: «إنّ الإخبار إن كان على سبيل‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 91، نقلا عن المفاتيح.

(2). المصدر السابق، ص 92، (مع تلخيص منّا).

343

الظنّ كان حراما و ان كان على سبيل القطع و حصل له ذلك جاز من أي طريق حصل» (1).

ثمّ ذكر الدلائل الثلاث للشيخ ورد عليها.

أمّا الأوّل، أعني مصحّحة الهيثم (2) المتقدّمة الذكر (و الظاهر أنّه الهيثم بن واقد الجزري الثقة بقرينة رواية ابن محبوب عنه) فالجواب: «أوّلا» باختصاصها بالامور الماضية و «ثانيا» بأنّ ظاهرها حصر المحرّم بهذه الثلاث (الكاهن و الساحر و الكذّاب) لا حصر الخبر عن الغائبات بهم. و «ثالثا» الحرام تصديق قوله لا إخباره.

أمّا الثاني، أعني الحديث 1/ 26 (3) فبضعف سنده تارة، و ضعف دلالته اخرى، لأنّه يدلّ على حرمة ترتيب الأثر.

أمّا الثالث، أعني ما في مرسلة الإحتجاج (4) من التعليل، فأورد عليه بأنّها ناظرة إلى الإخبار من السماء من طريق الكهانة لا مطلقا (انتهى ملخّصا) (5).

هذا و الأقوى حرمة الإخبار بالغيب على سبيل الجزم من هذه الطرق جميعا، سواء كان بالنسبة إلى الامور المستقبلة أو الحال، و كذلك كشف الغائبات من هذه الطرق، إلّا أن يكون من الطرق العادية أو علم إلهي، و الظاهر أنّ ما ذكرناه داخل في عنوان الكهانة لغة، و لا أقل من الغاء الخصوصية، و إلّا فالذي يخبر عن المغيبات التي لا يعلم أنّه من طريق الجنّ أو من علوم غريبة جاز إتيانه مع أنّ ظاهر الأخبار حرمة إتيانه و لو لم يعلم منشأ علومهم.

و رواية الهيثم أصدق شاهد عليه، و الإشكالات مندفعة عنه، أمّا الأوّل فبأنّه إذا حرّم الأخبار عن الامور المغيّبة الماضية فعن المستقبلة بطريق أولى، و أمّا الثاني فلأنّه لو لم يكن المخبر عن الغائبات محصورا في واحد من الثلاث كان الجواب قاصرا كما هو ظاهر.

أمّا الثالث فيعلم من الملازمة العرفية في هذه الموارد و لا سيّما مع ملاحظة عنوان الساحر و الكاهن و الكذّاب.

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 418.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 109، الباب 26، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(3). المصدر السابق، ص 108، ح 1.

(4). الاحتجاج، ص 185، نقلا عن مصباح الفقاهة، ج 1، ص 419.

(5). المصدر السابق.

344

و الظاهر أنّ عنوان العرّاف الوارد في غير واحد من روايات الباب (لا خصوص واحد منها) أيضا عام شامل للجميع، و بالجملة لا ينبغي الشكّ في أصل الحكم بالحرمة.

بقي هنا شي‌ء:

و هو أنّه ما المراد بالجفر و الجامعة و الرمل و الاسطرلاب التي تعدّ من العلوم الغريبة.

أمّا «الجفر» فالذي يظهر من بعض كلماتهم أنّه في الأصل مأخوذ من «الجفرة» بمعنى ولد الشاة، و روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أمر عليا بذبح سخلة شاة و أخذ جلدها ثمّ كتب الملائكة فيها علوما كثيرة، فكان عندهم (عليهم السلام) و يسمّى هذا جفرا (1).

و لعلّ الذي يسمّى بالجفر عندنا شي‌ء من تلك العلوم وصل يدا بيد إلى بعض الخواص، و يمكن أن يقال: إنّه أمر آخر مثل علم الحساب و الحروف و الجمل التي هي من العلوم الغريبة تسمّى جفرا لشباهتها به.

أمّا «الجامعة» فهي صحيفة طويلة كانت فيها أحكام الإسلام جميعا حتّى أرش الخدش، و كانت عندهم (عليهم السلام) كما نطق به غير واحد من الروايات (2).

و أمّا «الرمل» فالذي يظهر من كلمات بعض المحقّقين في هذا الأمر أنّه علم يبتنى على أشكال خاصّة كلّ شكل له معنى.

و أمّا «الاسطرلاب» فهي: آلة رصد قديمة لقياس مواقع الكواكب و ساعات الليل و النهار يعلم منها بعض الامور.

هذا و قد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ الأخبار عن المغيبات سواء كان من طريق التنجيم أو الكهانة أو العرّافة أو العلوم الغريبة مشكل شرعا، و يدلّ عليه ما عرفت من إمكان تنقيح المناط من مجموع روايات التنجيم و الكهانة و العرّافة و القيافة و غيرها، مضافا إلى دلالة بعض ما عرفت من النصوص الصحيحة عليه.

____________

(1). راجع بحار الأنوار، ج 26، ص 26.

(2). راجع بحار الأنوار، ج 26، ص 22 و 25، الأحاديث 11 و 22 و 23.

345

هذا مضافا إلى ما فيها من التخرّص على الغيب و اقتفاء ما ليس به علم إذا كان الإخبار على سبيل الجزم، مع ما فيها من المفاسد الكثيرة و كشف الستور و إلقاء الخلاف بين الناس و أخذ البرى‌ء و إيجاد البغضاء، لأنّ كثيرا من أخباره كاذبة فاسدة و مظنّة للفساد، فأراد الشارع المقدّس سدّ هذا الباب التي تأتي منها مفاسد على المسلمين الأبرياء.

و أمّا ما يدعى من العلوم الغريبة فلم يثبت اعتبارها و كشفها عن الواقع، و لو فرض إمكان كشف الغائبات بها و صحّتها، لم يثبت جوازها و جواز الرجوع إلى صاحبها، بل ثبت عدمه.

و أمّا الجفر أو الجامعة الذي كان عند المعصومين (عليهم السلام) فهو أمر وراء ذلك لا دخل لها به.

نعم يمكن لبعض العبّاد و الزهّاد و أرباب النفوس الزكيّة الاطّلاع على بعض الحقائق المكتومة و أسرار الغيب و قد حكي في التاريخ في أحوال أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) و علماء السلف ما لا يخفى على الخبير، و الظاهر أنّه لا يدخل تحت أدلّة الحرمة بعد أن كان بتعليم إلهي، و لكن جواز الإخبار بها موقوف على عدم ترتّب مفسدة عليه كما هو ظاهر.

و كذلك لا مانع منه إذا حصل الاطّلاع عليه بالحسّ أو قرائن قريبة من الحسّ كما لا يخفى.

فما يتراءى من بعض أهل الدين من الرجوع إلى بعض مدّعي العلوم الغريبة لكشف ضالّتهم أو السارق أو غير ذلك من المغيبات و الامور المستقبلة ممّا لا ينطبق على ضوابط المذهب.

و حاصل الفتوى: إنّه لا تجوز الكهانة و لا يجوز الرجوع إلى الكاهن، و كذا كلّ من يخبر عن المغيبات سواء كان من طريق الكهانة أو العلوم الغريبة أو ملاحظة خطوط الكفّ أو غير ذلك، نعم لا مانع منه إذا كان بمقدّمات حدسية قريبة من الحسّ و نحوها، أو ما إذا الهم بقلب عبده المؤمن صاحب النفس الزكيّة، و أمّا الإخبار على نحو الاحتمال و الترديد فلا مانع منه إذا لم تترتّب عليه مفسدة.

20- اللهو

و الكلام فيه تارة في «حكمه» و اخرى في «موضوعه».

346

الأوّل: في بيان حكم اللهو

فقد يقال إنّه حرام بقول مطلق، و أسند هذا القول إلى جمع من أساطين الفقه، كالشيخ و المحقّق و الشهيد (قدّس سرّهم) و غيرهم و إن كان في النسبة نظر ستعرفه إن شاء اللّه.

و قد استدلّ له بروايات كثيرة و لكنّها مختلفة جدّا يمكن تقسيمها إلى طائفتين:

الطائفة الاولى: ما دلّ على حرمته مقيّدا ببعض القيود:

فمن الآيات: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ (1).

و من الروايات:

1- ما رواه سماعة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لمّا مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم (عليه السلام) فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذّذ به الناس فإنّما هو من ذلك» (2).

2- ما رواه الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) في حديث شرائع الدين قال: «و الكبائر محرّمة و هي الشرك باللّه ... و الملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه عزّ و جلّ مكروهة كالغناء و ضرب الأوتار و الإصرار على صغائر الذنوب» (3).

3- ما رواه إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة (إلى أن قال) و الرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ...» (4).

الطّائفة الثّانية: أعني ما دلّ بظاهره على حرمة اللهو مطلقا، فهي روايات عديدة لعلّ كثرتها تغني عن الدقّة في أسنادها:

1- منها ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «الإيمان هو أداء الأمانة ... و اجتناب الكبائر و هي قتل النفس ... و الاشتغال بالملاهي ...» (5).

2- و ما رواه أنس بن محمّد عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصيّة النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

____________

(1). سورة لقمان، الآية 6.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 233، الباب 100، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(3). وسائل الشيعة، ج 11، ص 262، الباب 46، من أبواب جهاد النفس، ح 36.

(4). المصدر السابق، ج 5، ص 510، الباب 8، من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

(5). المصدر السابق، ج 11، ص 260، الباب 46، من أبواب جهاد النفس، ح 33.

347

لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو و طلب الصيد و إتيان باب السلطان» (1).

3- ما رواه في المقنع قال (عليه السلام): «و اجتنب الملاهي ...» (2).

4- ما رواه عبد اللّه بن علي عن علي بن موسى عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «كلّ ما ألهى عن ذكر اللّه فهو من الميسر» (3).

5- ما رواه عنبسة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع» (4).

6- ما رواه عبد اللّه بن مغيرة رفعه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (في حديث): «كلّ لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث: في تأديبه الفرس و رميه عن قوسه و ملاعبته امرأته فانّهن حقّ» (5).

إلى غير ذلك ممّا يعثر عليه المتتبّع و ما ورد في روايت حرمة الغناء و انّ حرمته من جهة كونه لهوا.

هذا و الطائفة الاولى حالها معلوم و يشكل الاستدلال بها لحرمة مطلق اللهو، و إنّما تدلّ على حرمته في موارد خاصّة.

و أمّا الطائفة الثّانية فظاهرها و ان كان الحرمة في مطلق اللهو، و لكن لا بدّ من حمل هذا الظهور على نوع من الكراهة أو الإشارة إلى خصوص بعض أفراد اللهو ممّا يعلم حرمته من الشرع قطعا، لما سيأتي عن قريب.

الثّاني: في بيان موضوع اللهو

اللهو في اللغة على ما ذكره أئمّة الفنّ له معنى وسيع قال الراغب: «اللهو ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه و يهمّه».

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 233، الباب 100، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

(2). المصدر السابق، ص 234، ح 9.

(3). المصدر السابق، ح 15.

(4). المصدر السابق، ص 235، الباب 101، ح 1.

(5). المصدر السابق، ج 13، ص 347، الباب 1، من أبواب أحكام السبق و الرماية، ح 5.

348

و من الواضح بل البديهي عدم حرمة هذا المعنى و الإجماع قائم عليه، و حتّى لو كان المراد ما يشغل الإنسان عن اللّه، فانّ الحياة الدنيا كلّها لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم، كما قال اللّه عزّ و جلّ من كتاب الكريم (1).

و قال ابن فارس في مقاييس اللغة اللهو: كلّما شغلك عن شي‌ء فقد ألهاك.

و قال في لسان العرب: «اللهو ما لهوت به و لعبت به و شغلك» «و اللهو هو اللعب» و من الواضح أنّه لا يقول أحد بحرمة مطلق اللعب أو ما يشغل الإنسان.

هذا مضافا السيرة المستمرّة عليه، فإنّ كثيرا من أعمال الناس طول الليل و النهار يشغلهم عن ذكر اللّه و لا يخلو عنه إنسان غير أهل العصمة و الأوحدي من الناس.

أضف إلى ذلك وجود بعض القرائن فيها أو في غيرها ممّا يدلّ على جواز المزاح في السفر و الحضر، بل الترغيب فيه إجمالا، و عملهم (عليهم السلام) بذلك في الجملة معلومة مشهورة.

فلا يمكن المساعدة على حرمة اللهو مطلقا، بل لا بدّ من حمل المطلقات على أحد الأمرين المتقدّمين.

حكم الموسيقى:

بقى الكلام في شي‌ء، و هو من بعض الجهات أهمّ ممّا سبق لابتلاء الناس به في عصرنا هذا، و كثرة الكلام بل الخلاف أحيانا فيه، و هو حكم اللعب بآلات اللهو و الموسيقى، و هل أنّه حرام مطلقا أو الحرام بعض مصاديقه؟

قال المحقّق (قدّس سرّه) في الشرائع: «الثاني ما يحرم لتحريم ما قصد به كآلات اللهو مثل العود و الزمر، و هياكل العبادة المبتدعة ...».

و قال في الجواهر بعد ذكر هذه العبارة: «بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه» (2).

____________

(1). سورة الحديد، الآية 20.

(2). جواهر الكلام، ج 22، ص 25.

349

و قال في المصباح اتّفق فقهائنا، بل الفقهاء كافّة، على حرمة بيع آلات الملاهي وضعا و تكليفا، بل في المستند دعوى الإجماع على ذلك محقّق، ثمّ قال بعد كلام له في المقام:

و الذي ينبغي أن يقال: إنّ الروايات قد تواترت من طرقنا و من طرق العامّة على حرمة الانتفاع بآلة اللهو في الملاهي و المعازف و أنّ الاشتغال بها و الاستماع إليها من الكبائر الموبقة و الجرائم المهلكة (1).

و قال في المسالك في شرح كلام المحقّق (قدّس سرّه).

«آلات اللهو و نحوها إن لم يكن الانتفاع بها في غير الوجه المحرّم و لم تكن لمكسورها قيمة فلا شبهة في عدم جواز بيعها لانحصار منفعتها في المحرّم» (2).

و هذه الكلمات و ان وردت في باب بيع الآلات فحسب لا نفس الانتفاع بها، إلّا أنّ ظاهرها أو صريحها حرمة الانتفاع بها مطلقا، بل أرسلوه إرسال المسلّمات، بل لم يتعرّضوا لها بعنوان مسألة مستقلّة لوضوحها عندهم.

هذا و الكلام فيها يحتاج إلى بسط في البحث، لأنّ إجماله و ان كان مقطوعا إلّا أن تفاصيله غير نقيّة عن الإشكال، و غير غني عن البحث و الكلام، فنقول (و من اللّه التوفيق و الهداية):

إنّ اللازم التكلّم في مقامات:

1- النظر في أدلّة حرمة الانتفاع بالآلات مطلقها، و مقيّدها، و مبهمها.

2- النظر في أنواع الانتفاع بها، فانّ له أقساما مختلفا، تارة يعمل بها في طريق اللهو و البطر و العصيان، و اخرى ينتفع بها في الحروب لتشجيع العساكر على المسير، أو على الحرب، و ثالثة في المراثي و شبهها، و رابعة في الرياضة و ما شابهها.

فهل جميع هذه الانتفاعات محرّمة بأقسامها، أو بعضها دون بعض؟

3- ما المراد بآلات اللهو؟ و ان وقع الشكّ في بعض مصاديقه، فما هو مقتضى القاعدة؟

و ما حكم ما كان مشتركا بين اللهو و غيره، و لعلّ منها في عصرنا الطبل و الجرس و البوق و أمثال ذلك؟

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 155.

(2). المسالك، ج 1، ص 165، (كتاب التجارة).

350

أمّا المقام الأوّل: ففيه روايات كثيرة، و لكن بعضها مطلقة، و كثير منها غير واردة في مقام البيان حتّى يؤخذ بإطلاقها.

فمن الأولى:

1- ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أنهاكم عن الزفن و المزمار و عن الكوبات و الكبرات» (1).

و الزفن هو الرقص، كما صرّح به بعض أهل اللغة و ما بعدها أنواع آلات اللهو.

2- ما رواه السياري «رفعه» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن السفلة فقال: «من يشرب الخمر و يضرب بالطنبور» (2).

3- ما رواه نوف البكالي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في حديث قال: «يا نوف إيّاك أن تكون عشّارا أو شاعرا أو شرطيا أو عريفا أو صاحب عرطبة و هي الطنبور أو صاحب كوبة و هو الطبل ...» (3).

4- ما رواه عبد اللّه بن عبّاس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث قال: «إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلاة ... و يكون أقوام يتفقّهون لغير اللّه ... و يستحسنون الكوبة و المعازف ...» (4).

5- ما رواه في تحف العقول عن الصادق (عليه السلام): «... إنّما حرّم اللّه الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجي‌ء منها الفساد محضا نظير البرابط و المزامير و الشطرنج و كلّ ملهو به و بعض آلات الطرب» (5).

و فيها فقرتان تدلّان على هذا المعنى، فراجع.

و من الطائفة الثانية: (أعني ما لا إطلاق فيه) الروايات التالية:

1- ما رواه إسحاق بن جرير قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إنّ شيطانا يقال له‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 233، الباب 100، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 234، ح 11.

(3). المصدر السابق، ص 234، ح 12.

(4). المصدر السابق، ص 230، الباب 99، ح 27.

(5). المصدر السابق، ص 54، الباب 2، ح 1.

351

القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحا بالبربط و دخل الرجال وضع ذلك الشيطان كلّ عضو منه على مثله من صاحب البيت، ثمّ نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتّى تؤتى نساؤه فلا يغار!» (1).

2- ما رواه أبو داود المسترق قال: «من ضرب في بيته بربط أربعين يوما سلّط اللّه عليهم شيطانا يقال له القفندر فلا يبقى عضو من أعضائه إلّا قعد عليه فإذا كان كذلك نزع منه الحياء و لم يبال ما قال و لا ما قيل فيه» (2).

3- ما رواه كليب الصيداوي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة» (3).

4- ما رواه موسى بن حبيب عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: «لا يقدّس اللّه أمّة فيها بربط يقعقع ...» (4).

5- ما رواه عمران الزعفراني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أنعم اللّه عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفّرها» (5).

6- ما رواه أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن الرضا (عليه السلام) في حديث الشامي أنّه سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى هدير الحمام الراعية قال: «تدعو على أهل المعازف و المزامير و العيدان!» (6).

7- ما رواه ورّام بن أبي فراس في كتابه قال: قال (عليه السلام): «لا تدخل الملائكة بيتا فيه خمر أو دفّ أو طنبور أو نرد و لا تستجاب دعائهم و ترفع عنهم البركة» (7).

8- ما رواه الديلمي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «يظهر في أمّتي الخسف و القذف»،

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 232، الباب 100، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ص 233، ح 3.

(4). المصدر السابق، ح 4.

(5). المصدر السابق، ح 7.

(6). المصدر السابق، ص 234، ح 10.

(7). المصدر السابق، ص 235، ح 13.

352

قالوا: متى ذلك؟ قال: «إذا ظهرت المعازف و القينات و شربت الخمور ...» (1).

9- ما رواه الديلمي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا عملت أمّتي خمس عشر خصلة حلّ بهم البلاء: إذا كان الفى‌ء دولا ... و اتّخذوا القينات و المعازف ...» (2).

و هناك روايات كثيرة اخرى رواها في المستدرك في الباب 79 من أبواب ما يكتسب به بعضها مطلقة و بعضها غير مطلقة، و من الأوّل:

10- ما رواه في الجعفريات باسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أنهى أمّتي عن الزمر و المزمار و الكوبات (و الكبرات) و الكيوبات» (3).

11- و بهذا الإسناد عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه رفع إليه رجل كسر بربطا فأبطله (4).

12- ما رواه في دعائم الإسلام عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أنهي أمّتي عن الزفر و المزمار و عن الكوبة و الكبارات» (5).

13- ما رواه القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «إنّ اللّه حرّم الدفّ و الكوبة و المزامير و ما يلعب به» (6).

14- ما رواه في عوالي اللئالي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه نهى عن الضرب و الدفّ و الرقص، و عن اللعب كلّه، و عن حضوره، و عن استماع إليه و لم يجز ضرب الدفّ إلّا في الأملاك و الدخول بشرط أن يكون في البكر و لا يدلّ الرجال عليهنّ (7).

15- ما رواه أبو امامة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «إنّ اللّه تعالى بعثني هدى و رحمة للعالمين و أمرني أن أمحو المزامير و المعازيف و الأوتار، و الأوثان و امور الجاهلية، إلى‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 231، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 30.

(2). المصدر السابق، ح 31.

(3). مستدرك الوسائل، الطبعة ح ة، ج 13، ص 215، الباب 79، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 216، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 217، ح 6.

(6). المصدر السابق، ص 218، ح 11.

(7). المصدر السابق، ح 14.

353

أن قال: إنّ آلات المزامير شرائها و بيعها و ثمنها و التجارة بها حرام» (1).

16- ما رواه في الروضات عن رسالة قبائح الخمر للسيّد الجليل صدر الدين الدشتكي عن الرضا (عليه السلام): «استماع الأوتار من الكبائر» (2).

17- و فيه أيضا أنّه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا يطرب بالطنبور فمنعه و كسر طنبوره ثمّ استتابه فتاب، ثمّ قال: «أ تعرف ما يقول الطنبور حين يضرب؟» قال: وصي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أعلم، فقال: «إنّه يقول ستندم ستندم أيا صاحبي ستدخل جهنّم أيا ضاربي!» (3) و (4).

و هناك روايات كثيرة أيضا من طرق العامّة رواها البيهقي في المجلّد العاشر من سننه، فيها أيضا مطلقات تدلّ على المطلوب منها:

18- ما رواه ابن عبّاس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى حرّم عليكم الخمر و الميسر و الكوبة (و هو الطبل) و قال: كلّ مسكر حرام» (5).

و هي و ان كانت واردة في خصوص الكوبة، و لكنّها مطلقة من حيث الانتفاعات.

19- ما رواه عبد اللّه بن عمرو: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن الخمر و الميسر و الكوبة و الغبيراء و قال: كلّ مسكر حرام» (6).

«الغبيراء» كما ذكره بعض أهل اللغة: شجرة خشبة جيّدة (و لعلّهم كانوا يصنعون منه بعض آلات اللهو).

20- ما رواه قيس بن سعد بن عبادة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «إنّ ربّي حرّم عليّ الخمر و الميسر و القنين و الكوبة- قال أبو زكريا القنين العود» (7).

و في معناه روايات اخرى في نفس ذاك الباب، و بالجملة الروايات المطلقة الدالّة على الحرمة متواترة ظاهرا.

____________

(1). مستدرك الوسائل، الطبعة ح ة، ج 13، ص 219، الباب 79، من أبواب ما يكتسب به، ح 16.

(2). المصدر السابق، ص 220، ح 19.

(3). المصدر السابق، ح 20.

(4). الزفن (الرقص) الكوبة (طبل صغير).

(5). سنن البيهقي، ج 10، ص 221، باب ما جاء في ذمّ الملاهي من المعازف و المزامير و نحوها.

(6). المصدر السابق.

(7). المصدر السابق، ص 222.

354

لكن يبقى الكلام في دلالتها، فهل يؤخذ بما هو ظاهرها في بادئ النظر من حرمة الانتفاع بها مطلقا، سواء كان في صورة لهوية أو رياضية أو في الحروب أو في المراثي أو غيرها ...

أو لا بدّ من الأخذ بما ينصرف إليه من الصورة الاولى، (و هو اللهوية) فانّها الصورة المتعارفة ذلك اليوم المعمولة بين المتلبّسين بها أو المنتفعين منها؟

فالكلام يدور مدار الانصراف إلى المنافع الغالبة، أو مطلق المنافع، و يمكن ترجيح الأوّل لأمور (و العمدة هو الأوّل و الباقي مؤيّدات):

أوّلا: إنّ المتعارف في أمثال المقام هو القول بالانصراف إلى المنافع الغالبة، فإذا حكم بحرمة الخمر ينصرف إلى شربه، و لا يدلّ على حرمة التداوي بها لغسل الجروح مثلا أو بعض الأمراض الجلدية، و كذا النهي عن الأدهان النجسة إذا كانت ممّا يتعارف أكلها لا يدلّ على حرمة الاستصباح بها إذا لم يكن هناك دليل آخر، هكذا ديدنهم في الفقه.

ثانيا: يمكن أن يقال إنّ حرمة الغناء و الضرب بالآلات من باب واحد، فكما أنّ الصوت الحسن ينقسم إلى قسمين: لهوي و غير لهوي، فكذلك الضرب بالآلات ينقسم إليهما لتقارب مضامين أخبارهما و الاستدلال فيهما واحد.

ففي جامع الأخبار قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يحشر صاحب الطنبور ... و يحشر صاحب الغناء من قبره أعمى و أخرس و أبكم، و يحشر الزاني مثل ذلك و صاحب المزمار مثل ذلك و صاحب الدفّ مثل ذلك (1).

و لعلّ ذكر الزاني في عدادهم من ناحية أنّ هذه الملاهي تدعو إليه كثيرا، فهذا أيضا يؤيّد بعض ما سيأتي، و كذلك بالنسبة إلى نفوذ النفاق في القلب (و ليكن هذا على ذكر منك).

و في رواية كليب الصيداوي (3/ 100 و قد مرّ ذكرها) قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة.

و قد ورد مثله في الغناء، ففي رواية عنبسة 1/ 101 التي سبق ذكرها عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال:

«استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع».

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 219، الباب 79، ح 17.