أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
355

و كذلك بالنسبة إلى عدم دخول الملائكة (كما مرّ في الرواية 13/ 100 من أبواب ما يكتسب من الوسائل) حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا تدخل الملائكة بيتا فيه خمر أو دفّ أو طنبور أو نرد و لا يستجاب دعاؤهم و يرتفع عنهم البركة» (1).

و في رواية زيد الشحّام عنه (عليه السلام): بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك» (2). فهذا كلّه دليل على اتّحاد المسألتين.

و ثالثا: قد اشير في بعض روايات المسألة أنّ العلّة في تحريم صناعة آلات اللهو أنّه يجي‌ء منها الفساد محضا، كرواية تحف العقول، و من المعلوم أنّ ما يستفاد منها في الحروب و الرياضة و أمثالهما لا يجي‌ء منها فساد ظاهر، و لا يناسب ما ورد في هذه الرواية أصلا.

و رابعا: إنّ التعبير في كثير ممّا عرفت بعنوان «اللهو» دليل على أنّ الملاك فيها أن يكون الضرب بها ضربا لهويا، لا ما إذا كان للحروب مثلا أو للرياضة و شبههما، و ما لم يرد فيها هذا العنوان أيضا فهو محمول عليه بعد ما كانت الروايات تفسّر بعضها بعضا، و العمدة هو الوجه الأوّل، و الباقي مؤيّدات له، و لكن بعد ذلك كلّه الأحوط الترك، لعدم ورود هذه التفصيلات في كلمات أكابر الفقه و أساطينها، و ان كان الأقوى هو الجواز.

و نزيدك توضيحا هنا أنّ عنوان الحرمة في كثير من روايات الباب و كلمات الأصحاب هو آلات اللهو أو كلّ ملهو به أو شبه ذلك بحيث يستفاد منها أنّ الحكم يدور مدار هذا العنوان، و قد مرّت روايات الباب فيما سبق.

و حاصل جميع هذه العبارات أنّ الحكم يدور مدار هذا العنوان، ثمّ يأتي الكلام في أنّ المراد باللهو ما ذا؟ و قد مرّ الكلام فيه مشروحا و أنّه ليس على معناه اللغوي (أعني كلّما يشتغل به الإنسان عن غيره) بل المراد نوع خاص و هو اللهو المفسد المغري بالمحرّمات على البطر، و هو المناسب لمجالس أهل الفسوق و العصيان.

و يؤيّد جميع ذلك تعبير الفقهاء بآلات «اللهو»، فإذا استعملت الآلة فيما ليس بلهو بهذا المعنى، كالذي يكون في الحروب و الرياضات و شبهها، فليس بحرام، و لكن قد عرفت سبيل الاحتياط.

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 218، الباب 79، من أبواب ما يكتسب به، ح 15.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 225، الباب 99، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

356

بقي هنا أمران:

1- لا يجوز أن يكون هذا ذريعة للتطرّق إلى المصاديق المحرّمة، و تسويلات الشيطان في ذلك كثيرة، فانّه باب من أبواب اغوائه لبني آدم، و لو كان كذلك فقد يحرم لبعض العناوين الثانوية.

و المصاديق المشكوكة تجري فيها البراءة، و ان كان الاحتياط فيها أيضا مطلوب جدّا.

2- و يظهر منه حال المقام الثالث و أنّه لو شكّ في بعض الآلات و لم يثبت كونها آلة للهو أو عدّ من الآلات المشتركة بحيث يكون كلا العنوانين من المنافع الغالبة، فلا يحكم بحرمة بيعها أيضا، و لكن الحذر كلّ الحذر هنا أيضا من مكائد الشيطان عصمنا اللّه من الزلل بلطفه و منّه.

خلاصة الفتوى في مسألة آلات اللهو:

1- المتيقّن من الأدلّة حرمة اللعب بها لعبا لهويا، و هو ما يناسب مجالس أهل الفسوق و العصيان، و أمّا اللعب بها لغيره كاللعب بها في الرياضة أو ميادين الحرب و ما أشبههما، فلا دليل على حرمته و ان كان الأحوط الاجتناب عنه مطلقا.

2- الآلات المشتركة بين هذه كبعض الطبول و غيرها يجوز بيعها و شراؤها، أمّا ما يغلب عليها الفساد كأكثر آلاتها، فلا يجوز بيعها و شراؤها.

21- مدح من لا يستحقّ المدح

لم يتعرّض لحرمته إلّا قليل منهم، كالعلّامة (قدّس سرّه) فيما حكي عنه، حيث ذكره في عداد المكاسب المحرّمة، ثمّ تبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه.

و ليعلم أنّ المدح- كالذمّ- على قسمين: قسم منه بالإخبار: و الثاني بالإنشاء.

و الأوّل: قد يكون كذبا كما هو الغالب، كما إذا قال في مقام مدحه: إنّ علمه كذا و تقواه و عبادته و شجاعته كذا، و لم يكن فيه شي‌ء من ذلك.

و اخرى يكون صدقا، كأن يذكره ببعض الأوصاف الحسنة من غير تعرّض لما فيه من القبائح التي هي أكثر بمرّات بحيث لا يكون في المجموع مدحا لمن يستحقّ، و لو من حيث‌

357

اكتفائه بما فيه من المحاسن القليلة، و ترك ما هو أكثر من القبائح الكثيرة.

و الثّاني: كأن يدعو الكواكب السماوية و الجبال بالخضوع له و الملائكة بخدمته و غير ذلك ممّا لا يليق به أصلا، أو يتمنّى له الحياة إلى أبد الآباد، أو يرجو له دوام العزّ و الشرف، و غير ذلك من الأباطيل و الخيالات.

أمّا الأوّل، فلا شكّ في حرمته، لكونه كذبا، و لعلّه خارج عن محطّ كلامهم، و لذا لم يستدلّ له شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) بأدلّة حرمة الكذب مع أنّها أظهر من جميع ما استند إليه في المسألة فيما ستعرف إن شاء اللّه.

و ينبغي أن يكون كذلك، لأنّ الظاهر أنّ عنوان البحث «المدح بما أنّه مدح» لا بما أنّه كذب.

فتبقى الصورتان الأخيرتان هما المقصود الأصلي بالكلام، فنقول (و منه سبحانه نستمدّ التوفيق و الهداية):

إنّه قد يترتّب عليهما عناوين محرّمة اخرى كترويج الباطل و إعانة الظالم و نشر الفساد و شيوع الفاحشة، و تقوية المبدع في الدين، و تضعيف أهل الحقّ و الصلاح، و غير ذلك من العناوين المحرّمة.

و ينبغي أن يكون هذا خارجا عن محلّ البحث أيضا، فإنّ العناوين الطارئة التي نسبتها مع ما هو محلّ الكلام عموم من وجه غالبا لا أثر له فيما نحن بصدده، بل قلّما يكون عنوان محلّل خاليا منها.

و أمّا إذا لم يترتّب عليها شي‌ء من ذلك فأقصى ما يمكن الاستدلال به لحرمته امور:

1- قوله تعالى: وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ... (1).

و من الواضح أنّه لا يكون المدح ركونا دائما، و كونه كذلك أحيانا لا يكفي في مقام الاستدلال، فهو أخصّ من المدّعي من وجه.

2- ما ورد من الإعراض عن اللغو و الاجتناب عن قول الزور.

و فيه: إنّ اللغو بمعنى مطلق أي ما لا غرض عقلائي فيه لا دليل على حرمته، بل السيرة‌

____________

(1). سورة هود، الآية 113.

358

و غيرها دالّة على جوازه، فالمنهي بعض أقسامه، و كذا «قول الزور» بمعنى ما لا يشتمل على الحقّ، و إن لم يترتّب عليه شي‌ء من العناوين المحرّمة المعروفة.

3- ما ورد في حديث المناهي عن الحسين بن زيد عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث المناهي أنّه نهى عن المدح و قال: احثوا في وجوه المدّاحين التراب! (1).

و فيه: إنّ من الواضح كونه أخصّ من المدّعى أيضا، و داخلا في إعانة الظالمين و التقرّب إليهم للدنيا، و لا شكّ في حرمته (مضافا إلى ضعفه بشعيب بن واقد كما قيل).

4- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث «... و من عظم صاحب دنيا و أحبّه لطمع دنياه سخط اللّه عليه و كان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار ...» (2).

(و هو أيضا ضعيف بعدّة مجاهيل).

مضافا إلى أنّه لا ينبغي الشكّ في انصرافه إلى ما يستلزم شيئا من العناوين المحرّمة، فانّ الاقتراب من صاحب الدنيا و تعظيمه بما ليس فيه باطل، و ما لا ينافي التوحيد و التوكّل على اللّه لا قائل بحرمته، بل أكثر مناسبات الناس حتّى كثير من المؤمنين من هذا الباب، فهم يعظّمون الأطباء أو التجّار أو صاحب الحرف لحاجتهم إليهم، و مجرّد ذلك ليس حراما، و إنّما الحرام ما ينافي بعض ما مرّ.

5- قبح ذلك عقلا- و هو ممنوع لو خلا من الامور المذكورة و العناوين الطارئة المحرّمة و ان كان منافيا لكمال الإنسان و القيم الأخلاقية.

و الحاصل أنّ مجرّد مدح من لا يستحقّ المدح لا يكون عنوانا من العناوين المحرّمة إلّا أن يرجع إلى الكذب أو ترويج الباطل أو عناوين محرّمة اخرى، و ان كان مرجوحا على كلّ حال.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 132، الباب 43، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 130، الباب 42، ح 14.

359

22- معونة الظالمين

حكي الحكم بحرمة معونة الظالمين فيما يحرم، عن غير واحد من أصحابنا الأقدمين كصاحب المقنعة و المراسم، كما حكي حرمة معونة الظالمين في ظلمهم من أكثر الفقهاء، و الظاهر أنّ المراد منهما واحد.

و لكن يأتي الكلام أوّلا في أنّه بعد دعوى الإجماع على حرمة الإعانة على الإثم مطلقا، فمورد الكلام يكون مصداقا من مصاديقها، فما الفائدة في ذكر خصوص هذا المصداق؟

لكن أجاب عن هذا السؤال في الجواهر بأنّه يمكن أن يكون ذكر هذا العنوان بخصوصه إرشادا إلى أنّ المراد من الروايات الكثيرة المستفيضة أو المتواترة الدالّة على حرمة إعانة الظالمين هو خصوص إعانتهم في مظالمهم لا مطلقا (انتهى) (1) أو بعض ما سنذكره أيضا إن شاء اللّه.

ثمّ اعلم أنّ متعلّق الإعانة على أقسام:

1- قد يكون المراد الإعانة على ظلمهم.

2- و اخرى على تقوية شوكتهم.

3- و ثالثة على فعل مباح أو راجح مع عدّه في أعوانهم.

4- و رابعة على فعل من المباحات من دون أن يعدّ في أعوانهم.

و الظالم أيضا على أقسام:

1- من يصدر منه الظلم أحيانا.

2- من يكون الظلم عملا له كالسارق و من يؤذي الناس دائما.

3- السلطان الجائر.

4- الغاصب للخلافة الإلهية عن المعصومين (عليهم السلام) الذين اختارهم اللّه لهذا المنصب (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و الإعانة أيضا على أقسام:

1- إعداد المقدّمات القريبة التي تنحصر فائدتها في الظلم عاجلا، كما إذا أراد الظالم ضرب مظلوم فأعطى السوط بيده.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 52.

360

2- إعداد المقدّمات البعيدة كمن يعطيهم القوت و الطعام أو الشراب الذي يوجب قوتهم على الظلم.

3- إعداد المقدّمات المشتركة بين الظلم و غيره، كمن يبيعهم السلاح في غير حال الحرب، و يمكن انتفاعهم بها لدفع الأعداء عن الإسلام أو لبعض المظالم.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه لا ينبغي الإشكال في كون معونتهم حراما في الجملة بالأدلّة الأربعة:

الأوّل: من كتاب اللّه بقوله تعالى: وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ (1). و دلالتها ظاهرة، و لم أر من أشكل عليها إلّا بعض المعاصرين حيث قال: إنّ «التعاون» غير «الإعانة» فانّ أحدهما من باب الأفعال، و الآخر من باب التفاعل، فحرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر، و التعاون عبارة عن اجتماع عدّة من الأشخاص لإيجاد فعل من الخير أو الشرّ ليكون صادرا من جميعهم، و لكن الإعانة عبارة عن تهيئة مقدّمات فعل الغير (2).

و فيه: إنّ التعاون على أمر أعمّ من اشتراك الجميع في المباشرة أو بعضهم في إعداد المقدّمات، كالجماعة الذين يشتركون في بناء، فبعضهم يرسم الخريطة، و الآخر بالتمويل، و الآخر بالمصالح، و الآخر بالبناء، و إن أبيت عن ذلك فلا أقل من الغاء الخصوصية، و بالجملة لا تنبغي الوسوسة في ذلك كما فهمه الأصحاب أعلى اللّه درجاتهم.

و بقوله تعالى: وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ (3).

فانّها دليل على المطلوب بطريق أولى لو لم يكن الركون عاما شاملا لمطلق الإعانة.

و أمّا الثاني و الثالث الإجماع و العقل فظاهران.

أمّا من السنّة فهي روايات كثيرة تنقسم إلى طوائف:

الطائفة الاولى ما يدلّ على حرمته بالعموم منها:

1- ما رواه أبو حمزة عن علي بن الحسين (عليه السلام) في حديث قال: «إيّاكم و صحبة العاصين و معونة الظالمين» (4).

____________

(1). سورة المائدة، الآية 2.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 427.

(3). سورة هود، الآية 113.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 128، الباب 42، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

361

2- و ما رواه حريز قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «اتّقوا اللّه و صونوا دينكم بالورع و قوّوه بالتقيّة و الاستغناء باللّه عزّ و جلّ عن طلب الحوائج إلى صاحب سلطان، أنّه من خضع لصاحب سلطان و لمن يخالفه على دينه طلبا لما في يده من دنياه أخمله اللّه عزّ و جلّ و مقته عليه، و وكّله إليه، فان هو غلب على شي‌ء من دنياه فصار إليه منه شي‌ء نزع اللّه جلّ اسمه البركة منه و لم يأجره على شي‌ء منه ينفقه في حجّ و لا عتق و لا برّ» (1).

3- ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمالهم فقال لي: «يا أبا محمّد! لا، و لا مدّة قلم، إنّ أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثله، أو حتّى يصيبوا من دينه مثله» (2)، (الوهم من ابن أبي عمير).

و دلالتها على المطلوب بالأولوية.

4- ما رواه ابن أبي يعفور، قال كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: جعلت فداك أنّه ربّما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدّة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك؟

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء و انّ لي ما بين لابتيها، لا، و لا مدّة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم اللّه بين العباد» (3).

5- و باسناده السابق في عيادة المريض عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث قال: «من تولّى خصومة ظالم إعانة عليها نزل به ملك الموت بالبشرى بلعنة، و نار جهنّم و بئس المصير، و من خفّ لسلطان جائر في حاجة كان قرينه في النار، و من دلّ سلطانا على الجور قرن مع هامان، و كان هو و السلطان من أشدّ أهل النار عذابا، و من عظم صاحب دنيا و أحبّه لطمع دنياه سخطه اللّه عليه، و كان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار، و من علّق سوطا بين يدي سلطان جائر جعلها اللّه حيّة طولها سبعون ألف ذراع فيسلّطه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 128، الباب 42، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ص 129، ح 5.

(3). المصدر السابق، ح 6، (المسناة: ما يبنى ليردّ السيل و فيها منافذ للماء من سنو إذا فتحت) (لسان العرب).

362

اللّه عليه في نار جهنّم خالدا فيها مخلّدا، و من سعى بأخيه إلى سلطان و لم ينله منه سوء و لا مكروه أحبط اللّه عمله، و ان وصل منه إليه سوء و مكروه أو أذى جعله اللّه في طبقة مع هامان في جهنّم» (1).

6- ما رواه ورّام بن أبي فراس (في كتابه) قال: قال (عليه السلام): «من مشى إلى ظالم ليعينه و هو يعلم أنّه ظالم فقد خرج من الإسلام» (2).

7- قال و قال (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة و أعوان الظلمة و أشباه الظلمة حتّى من برى لهم قلما و لاق لهم دواة قال: فيجتمعون في تابوت من حديد ثمّ يرمى بهم في جهنّم» (3).

8- عن السكوني قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ما اقترب عبد من سلطان جائر إلّا تباعد من اللّه، و لا كثر ماله إلّا اشتدّ حسابه و لا كثر تبعه إلّا كثرت شياطينه» (4).

9- ما رواه محمّد بن مسعود العياشي في تفسيره عن سليمان الجعفري قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ما تقول في أعمال السلطان؟

فقال: «يا سليمان الدخول في أعمالهم و العون لهم و السعي في حوائجهم عديل الكفر و النظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحقّ بها النار» (5).

الطائفة الثّانية: ما يدلّ على حرمة الإعانة في بعض الأفعال بالخصوص ممّا يكون من مصاديق الظلم، و لكن ليس فيه لفظ عامّ.

10- ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث المناهي قال: «ألا و من علّق سوطا بين يدي سلطان جعل اللّه ذلك السوط يوم القيامة ثعبانا من النار طوله سبعون ذراعا يسلّطه اللّه عليه في نار جهنّم و بئس المصير» (6).

الطائفة الثّالثة: ما يدلّ على حرمة إعانتهم على المباحات مثل:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 130، الباب 42، من أبواب ما يكتسب به، ح 14.

(2). المصدر السابق، ص 131، ح 15.

(3). المصدر السابق، ح 16.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 130، الباب 42، من أبواب ما يكتسب به، ح 12.

(5). المصدر السابق، ص 138، الباب 45، ح 12.

(6). المصدر السابق، ص 130، الباب 42، ح 10.

363

11- ما رواه يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا تعنهم على بناء مسجد!» (1).

12- ما رواه صفوان بن مهران الجمّال قال: دخلت على أبي الحسن الأوّل (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قال لي: «يا صفوان كلّ شي‌ء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا!».

قلت: جعلت فداك أي شي‌ء؟ قال: «اكرائك جمالك من هذا الرجل»، يعني هارون قال:

و اللّه ما أكريته أشرا و لا بطرا و لا للصيد و لا للهو، و لكنّي أكريته لهذا الطريق، يعني طريق مكّة، و لا أتولّاه بنفسي و لكن أبعث معه غلماني، فقال لي: «يا صفوان أيقع كرائك عليهم؟» قلت: نعم جعلت فداك، قال فقال لي: «أ تحبّ بقائهم حتّى يخرج كرائك؟» قلت: نعم قال:

«من أحبّ بقائهم فهو منهم، و من كان منهم كان ورد النار» قال: صفوان فذهبت فبعت جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني فقال لي: يا صفوان بلغني انّك بعت جمالك قلت: نعم قال: و لم؟ قلت: أنا شيخ كبير، و انّ الغلمان لا يفون بالأعمال؟ فقال هيهات هيهات انّي لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر قلت: ما لي و لموسى بن جعفر؟

فقال (عليه السلام) دع هذا عنك، فو اللّه لو لا حسن صحبتك لقتلتك! (2).

13- و ما رواه محمّد بن عذافر عن أبيه قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا عذافر نبّئت أنّك تعامل أبا أيّوب و الربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟» قال: فوجم أبي، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): لمّا رأى ما أصابه: «أي عذافر! إنّما خوّفتك بما خوّفني اللّه عزّ و جلّ به»، قال محمّد: فقدم أبي فما زال مغموما مكروبا حتّى مات (3).

14- ما رواه ابن أبي يعفور التي مرّت عليك في الطائفة الاولى (6/ 42).

15- ما رواه السكوني عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظلمة و من لاق لهم دواتا أو ربط كيسا أو مدلهم مدة قلم فاحشروهم معهم!» (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 129، الباب 42، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

(2). المصدر السابق، ص 131، ح 17.

(3). المصدر السابق، ص 128، ح 3.

(4). المصدر السابق، ص 130، ح 11.

364

الطائفة الرّابعة: ما يدلّ على حرمة كون الإنسان من أعوانهم مثل:

16- ما رواه طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «العامل بالظلم و المعين له و الراضي به شركاء ثلاثتهم» (1).

و ما رواه عذافر (3/ 42) التي مرّت عليك في الطائفة الثالثة.

و ما رواه السكوني عن جعفر بن محمّد عن آبائه (11/ 42) أوردناها في الطائفة الثالثة.

و رواية صفوان بن مهران الجمّال (16/ 42) أوردناها في الطائفة الاولى.

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على حرمة صحبتهم و حبّ بقائهم مثل ما رواه:

17- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إيّاكم و أبواب السلطان و حواشيها، فانّ أقربكم من أبواب السلطان و حواشيها أبعدكم من اللّه عزّ و جلّ، و من آثر السلطان على اللّه أذهب اللّه عنه الورع و جعله حيرانا» (2).

و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (12/ 42) التي مرّت عليك في الطائفة الثالثة.

و ما رواه صفوان بن مهران الجمّال (17/ 42) التي أوردناها في الطائفة الثالثة.

18- و ما رواه سهل بن زياد رفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ قال: «هو الرجل يأتي السلطان فيحبّ بقاه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه!» (3).

19- و ما رواه عياض عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «و من أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يعصى اللّه» (4).

20- و ما رواه محمّد بن مسلم قال كنّا عند أبي جعفر (عليه السلام) على باب داره بالمدينة فنظر إلى الناس يمرّون أفواجا فقال لبعض من عنده: حدث بالمدينة أمر؟ فقال أصلحك اللّه «جعلت فداك» ولي المدينة وال فغدا الناس «إليه» يهنّئونه فقال: «إنّ الرجل ليغدي عليه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 128، الباب 42، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 130، ح 13.

(3). المصدر السابق، ص 133، الباب 44، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 134، ح 5.

365

بالأمر يهنّى به و أنّه لباب من أبواب النار» (1).

الطائفة السّادسة: ما دلّ على حرمة الولاية من قبلهم و سيأتي إن شاء اللّه.

إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ مقتضى القاعدة المستفادة من الآية الشريفة و من حكم العقل حرمة إعانة الظالمين في ظلمهم، و كذلك ما يوجب قوّة شوكتهم الملازم عادة للإعانة على ظلمهم.

و كذا الدخول في أعوانهم و تسويد الاسم في ديوانهم إذا زادت به شوكتهم، و قد روا به على الظلم أزيد ممّا كان بدونه.

أمّا إذا لم يكن فيه شي‌ء من ذلك و كان المراد مجرّد إصلاح أمر مباح أو راجح فلا.

و كذا إذا كان في المقدّمات البعيدة بحيث لا تعدّ إعانة عرفا.

و كذا إذا كان بمقدّمة مشتركة بين المباح و الحرام ما لم يعلم بصرفه خاصّة في الحرام.

ففي هذه الصور الثلاث لا دليل على الحرمة وفقا للأصول و القواعد، و لكن يظهر من بعض ما مرّ من النصوص حرمة القسم الأوّل، مثل حديث 8 و 7/ 42 و المستفاد منه حرمة حبّ بقائهم، لا إعانتهم في المباحات كما لا يخفى.

إلّا أن يقال: إعانتهم على بناء المسجد أو الحجّ ممّا يوجب تقوية شوكتهم فتأمّل.

و أمّا الإطلاقات، فالظاهر انصرافها إلى ما يكون في ظلمهم، و لذا أفتى المشهور فيما حكي عنهم بالحرمة في خصوص ظلمهم أو في مطلق الحرام.

و قد يستدلّ على الحرمة في الإعانة على المباحات بامور اخر:

1- ما رواه ابن عذافر (3/ 42) بناء على كون المعاملة فيها أعمّ.

و فيه: مضافا إلى كون «سهل» في سنده، أنّ المعاملة لعلّها كانت بمعنى كونه عاملا لهم أو عدّه في أعوانهم كما ليس ببعيد.

2- ما رواه ابن يعفور (6/ 42).

و فيه: مضافا إلى ضعفه بجهالة «بشير» (كما قيل) أنّ المراد بقرينة ذيلها إذا دخل في أعوانهم.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 135، الباب 45، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

366

3- ما رواه «السكوني» (11/ 42).

و الجواب عنه: إنّ المدار على كونه من أعوانهم مضافا إلى ما في السند.

4- ما رواه «العياشي» (12/ 45).

و فيه: مضافا إلى ضعف السند بالإرسال، أنّ قوله في أعمالهم و العون لهم دليل على كونه في مظالمهم و صيرورته من أعوانهم.

و العمدة هنا جريان السيرة المستمرّة على إعانتهم بالامور المباحة، و ابتياعهم من سوق المسلمين ما يريدونه، و لم يكن لهم سوق يختصّ بهم، مضافا إلى الشهرة التي عرفت، مع إمكان حمل بعض ما عرفت على كون النهي من باب حماية الحمى.

ثمّ اعلم أنّ قسما كبيرا من هذه الروايات وردت في غاصبي الحقوق عن أئمّة الحقّ (عليهم السلام) و لكن الإنصاف أنّ جلّها حاكمة بالحرمة في مواردها بعنوان كونهم ظالمين، لا غاصبي حقوقهم فقط.

نعم مثل رواية «صفوان» (17/ 42) ناظرة إلى غصب حقوقهم، و لعلّ له حكما خاصّا، حتّى أنّه لا يجوز إعانتهم على المباحات أو الامور الراجحة، و على ما ذكرنا يشمل العنوان لكلّ ظالم، سواء كان أميرا لهم أو لم يكن، مثل قاطعي الطريق و أشباههم، اللهمّ إلّا أن يدّعي انصراف الظلمة إلى الحكّام الظالمين، و لكنّه قابل للمنع و لا أقل من الغاء الخصوصية.

ملخص الكلام و الفتوى:

و قد تحصّل ممّا ذكرنا امور:

1- مقتضى القواعد حرمة الإعانة في الظلم أو ما يوجب تقوية شوكتهم أو عدّه من أعوانهم إذا كان سببا لظلمهم أو لدوامه، أمّا إعانتهم في المباحات فلا.

2- مقتضى القاعدة حرمة المقدّمات القريبة، أمّا البعيدة كسقيّهم أو بيع الطعام لهم، فلا، اللهمّ إلّا في موارد خاصّة تعدّ إعانة عرفا.

3- لا يستفاد من الأدلّة الخاصّة أيضا أزيد ممّا ذكرنا، نعم ظاهر الطائفة الخامسة حرمة‌

367

حبّ بقائهم، و يمكن حملها على الكراهة الشديدة، أو يقال حبّ استمرار الظلم حرام، كحبّ إشاعة الفاحشة و غيرها لقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ ... (1) أو لاستلزامه الرضا بفعلهم، و قد ورد في الزيارات «لعن اللّه أمّة سمعت بذلك فرضيت به» و سيأتي الكلام فيه مبسوطا.

بقي هنا أمران:

الأمر الأوّل: حكم حبّ بقائهم و الرضا بأعمالهم.

و ليعلم أنّه يطلق الحبّ بالنسبة إلى الأعمال قبلها غالبا و الرضا بعدها.

و الذي يظهر من رواية صفوان السابقة (17/ 42): «فمن أحبّ بقائهم فهو منهم و من كان منهم ورد النار» و من مرفوعة سهل بن زياد (1/ 44) و ممّا رواه عياض (5/ 44) و ما رواه مسعدة بن صدقة (10/ 45) و غير ذلك أنّ محبّة بقائهم حرام.

و كذا يستفاد من روايات كثيرة، بل غير واحد من الآيات حرمة تولّي الكافرين، و حبّ شيوع الفاحشة في المؤمنين، بل يظهر منها عدّ الراضي بفعل قوم منهم، كما في قضيّة عقر ناقة صالح، بل يظهر من اللعن الوارد في الزيارات على أمّة سمعت بذلك فرضيت به ذلك أيضا.

و لكن هذا شي‌ء لا يمكن الاستدلال له بحكم العقل، بخلاف مسألة المعاونة، و لكن ثبت بالشرع قطعا.

و لعلّ الوجه في الجميع أنّ حبّهم لا ينفك عن حبّ أعمالهم، و حبّ المعصية نوع تجرّ على اللّه، و كذا الرضا بها، و هما محرّمان بالأدلّة السمعية.

بل انّ حبّ المعصية ذريعة للوصول إليها غالبا، و ان لم تكن من قبيل العلّة لها، و الشارع لم يرتض ذلك. (و هذا كلّه غير نيّة المعصية).

هذا إذا لم ينجرّ إلى بغض أولياء اللّه، و إلّا فهو موجب للكفر كما لا يخفى.

____________

(1). سورة النور، الآية 19.

368

الأمر الثّاني: كلّما كان الظالم أشدّ ظلما كانت معونته أكثر عقوبة، فمن أعان ظالما في أمر بسيط لا يضاهي من أعان قطّاع الطريق، و أشدّ منه من يعين حكّام الجور، و أشدّ من الجميع من يعين غاصبي الولاية الحقّة الإلهية من أهلها.

و على كلّ حال، فهم مشتركون في الإثم، و لعلّ كونها كبيرة أو صغيرة تتبّع الفعل الذي عاونه فيه، لاشتراكه في الفعل، و قد أطال البحث بعض الأعلام في المكاسب المحرّمة في كونها كبيرة أو صغيرة.

هذا و في بعض كلمات الفقه الماهر صاحب الجواهر بعد ما ذكر كراهة إعانة ظلمة المخالفين و سلاطينهم في الامور المباحة ما نصّه:

«أمّا سلاطين أهل الحقّ، فالظاهر عدم الكراهة في إعانتهم على المباحات، لكن لا على وجه يكون من جندهم و أعوانهم، بل لا يبعد عدم الحرمة في حبّ بقائهم خصوصا إذا كان لقصد صحيح من قوّة كلمة أهل الحقّ و عزّهم» (1).

و مراده ظاهر لا سترة عليه، فهو ناظر إلى الأزمنة التي كان بقائهم بقاء للطائفة المحقّة و لم يقدر أهل الحقّ على تأسيس حكومة عادلة من جميع الجهات، و اللّه العالم.

23- النجش

و البحث فيه تارة من حيث حكمه شرعا، و اخرى من جهة صحّة البيع معه، و ثالثة من حيث الخيار على فرض صحّة البيع.

و قد ذكر له تفسيران:

الأوّل: أن يزيد الرجل من ثمن السلعة و هو لا يريد شرائها، ليسمعه غيره فيزيد.

الثّاني: أن يمدح السلعة بهذا الغرض، كلّ ذلك مع التواطؤ مع البائع أو بدونه، و قد حكي التفسيران عن أرباب اللغة أيضا مضافا إلى الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) و الأصل في معناه كما قيل هو إثارة الصيد من مكان إلى مكان.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 54.

369

أمّا الأوّل فقد استدلّ على حرمته بامور:

1- أنّه داخل في عنوان الغشّ الممنوع شرعا، و قد عرفت في محلّه النهي عنه في روايات كثيرة، و مفهومه كما عرفت هناك هو الخيانة و الخدعة، و عدم الخلوص، و هو ضدّ النصح، فيشمل المقام أيضا بلا إشكال.

هذا إذا تحقّق البيع معه، و إلّا فقد أراد الخيانة و لم تحصل، فلا يحرم إلّا من باب التجرّي.

2- شمول أدلّة لا ضرر له، و هو أيضا غير بعيد إذا كانت المعاملة بأزيد من ثمن المثل كما هو ظاهر.

و القول بأنّ المشتري إنّما أقدم عليها بإرادته، ممنوع، بأنّ المقام من قبيل قوّة السبب بالنسبة إلى المباشر لعلمه، و جهل المشتري.

و هذا الدليلان يشملان صورة التواطؤ، بل و صورة عدمه على الأحوط.

3- ما ورد في الروايات الخاصّة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو روايتان:

الأوّل: ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «الواشمة و الموتشمة و الناجش و المنجوش ملعونون على لسان محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (1).

الثاني: و ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال:

«و نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن يدخل الرجل في سوم أخيه المسلم» (2).

و الأوّل و ان كان ضعيفا أو مشكوكا بمحمّد بن سنان و الثاني بشعيب بن واقد، إلّا أنّ عمل الأصحاب بهما يوجب انجبار إسنادهما، و ذكر في الجواهر انّهما مؤيّدان بالشهرة، بل الإجماع المحكي، أمّا دلالتهما ظاهرة على المطلوب، و اشتمال حديث المناهي على غير المحرّمات لا يمنع من ظهور النهي في الحرمة، فتأمّل.

4- حكم العقل بقبح ذلك و كونه ظلما، و هو غير بعيد مع التواطؤ بكلا التفسيرين.

هذا بالنسبة إلى أصل حكم المسألة.

فتلخّص أنّ النجش بالمعنى الأوّل إذا تحقّقت المعاملة بما زاد عن ثمن المثل كان‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 337، الباب 49، من أبواب آداب التجارة، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 338، ح 3.

370

حراما، و ان لم تتحقّق لا دليل على حرمته، و أمّا بالمعنى الثاني فإن اشتمل على كذب كان حراما من هذه الجهة، و كذا إذا وقعت المعاملة الضررية أو المغشوشة، و إلّا لا دليل على حرمته.

أمّا فساد المعاملة (الذي حكي عن ابن الجنيد) فلا وجه له، لعدم كون النهي التكليفي موجبا للفساد في المعاملات، مضافا إلى كونه نهيا بما هو خارج عن المعاملة كما هو ظاهر.

أمّا الخيار، فاختار بعضهم ثبوته مع النجش مطلقا، و حكي عن القاضي ذلك، و نفاه مطلقا الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط مع عدم المواطاة، و فصل صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بين صورة الغبن و عدمه.

و يدلّ على الأوّل كونه تدليسا، فيثبت فيه خيار التدليس، كما أنّ دليل الثاني أصالة اللزوم و دليل القول الثالث أيضا ظاهر.

و التحقيق أنّه لم يثبت كون التدليس بما هو تدليس موجبا للخيار، و لذا لم يذكر غير واحد من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) منهم الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه في عداد الخيارات الخمسة أو السبعة المشهورة (1).

نعم إذا كان سببا للغبن أو الضرر أو الغفلة عن العيب الموجود ثبت الخيار لهذه العناوين.

بقي هنا فروع:

1- إذا كان المواطاة بين المشتري و غيره بترك الزيادة تلبيسا على البائع، فان دخل في عنوان الغشّ فهو محكوم بحكمه، و لكن الظاهر أنّ دخوله تحته مشكل غالبا، نعم ربّما يكون مصداقا للإضرار، فيدخل تحت أدلّته، فهو أيضا قليل.

2- ذكر في الجواهر إنّه إذا قال البائع كذبا: «أعطيته في هذه السلعة كذا و صدّقه المشتري فهو بحكم النجش في الحرمة و الخيار مع الغبن و لو كان صادقا فالخيار خاصّة‌

____________

(1). السبعة في المكاسب، و الخمسة في الشرائع.

371

معه» (انتهى مفاد كلامه) (1) و لعلّ مراده مواطاة البائع مع المشتري بزيادة قيمة السلعة كذبا حتّى يرغب فيها غيره، فالزيادة الكاذبة قد تكون من ناحية المشتري و اخرى من ناحية البائع، و كلاهما محكوم بحكم واحد، و ان سمّي أحدهما نجشا دون الآخر.

3- الدعايات الكاذبة أو غير الكاذبة المتداولة اليوم بين أرباب التجارات و الحرف قد تدخل في حكم النجش، فانّه قد يكون فيها إغفال و خدعة و غشّ و تدليس، و اخرى تكون بالمواطاة بين البائع و بعض أفراد المشتري بأن يساوم معه بقيمة غالية و يأخذ منه الثمن في أعين الناس، ثمّ يرد عليه خفاء كلّه أو بعضه.

و ثالثة برجوع البائع إلى المشتري الحقيقي و يبتاع هو أو أعوانه المتاع بأكثر ممّا اشترى حتّى يتوهّم أنّه شي‌ء غال جدّا، فيروّج بهذه السلعة ترويجا كاذبا فيرجع هو أو غيره إلى البائع فيبتاع غالبا.

و رابعة بشراء المتاع من نوع خاص و جعله في المخازن حتّى تتوفّر الحاجة إليه و يبيعه بأسعار غالية مجحفة.

كلّ ذلك حرام إذا كان فيه إضرار بالمسلمين و خديعة لهم أو مشتملا على الكذب و قول الزور.

نعم، إذا كانت الدعاية بذكر ما في المتاع من الامتيازات و المنافع و فوائده الواقعية التي توجب مزيد الرغبة فيه و الميل، لم يكن حراما.

24- النميمة

و هي السعي بين شخصين أو قومين و نقل حديث بعض إلى بعض بقصد الإفساد و الشرّ، و حرمتها مجمع عليها بين علماء الإسلام، بل ادّعي ضرورة الدين عليها.

و استدلّ لها مضافا إلى ما ذكر، بآيات من الذكر الحكيم:

منها قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (2).

____________

(1). الجواهر، ج 22، ص 477.

(2). سورة البقرة، الآية 27.

372

و مثلها في سورة الرعد (1).

و ما قد يقال: إنّها تختصّ بموارد أمر فيها بالوصل، و النمام لم يؤمر بالصلة بين الناس، ممنوع، بأنّ كلّ مسلم مأمور بهذا الأمر و الاعتصام بحبل اللّه و عدم التفرّق.

و يدلّ على المقصود ذيل الآية أيضا، و هو قوله وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ و النمّام مفسد في الأرض، و عدم شمول هذا العنوان له إلّا إذا كان هناك فساد كبير لا يضرّ بالمقصود بعد إمكان إلغاء الخصوصية، فتأمّل.

و استدلّ أيضا كما في الجواهر بقوله تعالى: وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (2).

هذا و لكن الإنصاف أنّ الفتنة التي هي أكبر من القتل ليست مجرّد الفتنة بين شخصين كما هو ظاهر، فهي أخصّ من المدّعى، و يشهد له صدر الآية و ذيلها يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ ....

و يدلّ عليه من السنّة روايات كثيرة بما تكون متواترة (رواها الوسائل في الباب 164 من أحكام العشرة) و إليك بعض تلك الروايات:

1- ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ألا انبئكم بشراركم؟» قالوا بلى يا رسول اللّه! قال: «المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبراء المعايب» (3).

2- ما رواه محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الجنّة محرّمة على القتّاتين المشّائين بالنميمة» (4).

3- ما رواه أبو الحسن الاصفهاني عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «شراركم المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، المبتغون للبراء المعايب» (5).

____________

(1). سورة الرعد، الآية 25.

(2). سورة البقرة، الآية 217.

(3). وسائل الشيعة، ج 8، ص 616، الباب 164، من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 617، ح 2.

(5). المصدر السابق، ح 3.

373

4- ما رواه علي بن غالب البصري عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يدخل الجنّة سفّاك الدم، و لا مدمن الخمر، و لا مشّاء بنميمة» (1).

5- ما رواه علي بن جعفر عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «حرمت الجنّة على ثلاثة:

النمّام، و المدمن الخمر، و الديّوث، و هو الفاجر» (2).

و قد مرّ في أبواب السحر أنّ من أكبر السحر النميمة، كما مرّ أنّه منه حكما و تأثيرا، لا موضوعا.

و يدلّ عليه من العقل أنّها من أظهر مصاديق الظلم، فتتمّ الأدلّة الأربعة على تحريمها.

هذا و ينطبق عليها كثيرا عناوين محرّمة اخرى، كإفشاء سرّ المؤمن أو غيبته، و إغراء الغير به، و غير ذلك، فيشتدّ حرمتها بذلك.

بقي هنا شي‌ء، و هو أنّها قد تباح بل قد تجب إذا كان لإيقاع الفتنة بين المشركين، و إعزاز المؤمنين و نصرهم عليهم، إلّا أن يقال إنّ المدار على المؤمن كما في أحكام الغيبة و غيرها، فتدبّر.

25- النّوح بالباطل

حكي عن المبسوط و ابن حمزة حرمة النوح مطلقا من غير تقييد، بل ادّعى الأوّل الإجماع عليه، و لكن ظاهر المشهور عدم حرمته كذلك، و التفصيل فيه، لأنّهم ذكروا جواز أخذ الاجرة على النوح بالحقّ، بل ادّعى العلّامة (رحمه اللّه) فيما حكي عنه عن المنتهى الإجماع عليه، فعلى هذا يفصل بين النوح الباطل و الحقّ، و المراد من الباطل أعمّ من الكذب و مدح الميّت بأفعاله القبيحة و صفاته المذمومة، و غير ذلك ممّا لا يجوز شرعا.

و أمّا حكم الألحان فيه فسيأتي إن شاء اللّه، و على كلّ حال فهناك طوائف من الروايات:

الطائفة الاولى: ما يدلّ على جواز أصل النوح، منها:

1- ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال لي أبي يا جعفر أوقف لي‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 8، ص 618، الباب 164، من أبواب أحكام العشرة، ح 7.

(2). المصدر السابق، ح 9.

374

من مالي كذا و كذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيّام منى!» (1).

2- ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مات الوليد بن المغيرة فقالت أمّ سلمة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّ آل المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم؟ فأذن لها فلبست ثيابها، و تهيّأت، و كانت من حسنها كأنّها جانّ، و كانت إذا قامت فأرخت شعرها جلّل جسدها و عقدت بطرفيه خلخالها، فندبت ابن عمّها بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقالت:

أنعى الوليد بن الوليد * * *أبا الوليد فتى العشيرة

حامى الحقيقة ماجد * * *يسمو إلى طلب الوتيرة

قد كان غيثا في السنين * * *و جعفرا غدقا و ميرة

فما عاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك و لا قال شيئا (2).

3- ما رواه عذافر قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن كسب النائحة فقال: «تستحلّه، بضرب إحدى يديها على الاخرى» (3).

لعلّها إشارة إلى ما هو المتداول في ابتداء النياحة من ضرب إحدى اليدين على الاخرى به تستحقّ اجرتها.

4- ما رواه أبو بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميّت» (4).

5- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) مرسلا سئل الصادق (عليه السلام) عن أجر النائحة فقال: «لا بأس به قد نيح على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (5).

الطائفة الثانية: ما دلّ على تقييد النوح بالصدق أو عدم الهجر، منها:

6- ما روته خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين (عليه السلام) في حديث قال سمعت عمّي محمّد بن علي (عليه السلام) يقول: إنّما تحتاج المرأة إلى النوح لتسيل دمعتها، و لا ينبغي لها أن تقول‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 88، الباب 17، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 89، الباب 17، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(3). المصدر السابق، ص 90، ح 4.

(4). المصدر السابق، ص 90، ح 7.

(5). المصدر السابق، ص 91، ح 10.

375

هجرا، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح (1).

7- ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال (عليه السلام): لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا (2).

الطائفة الثالثة: و فيها التعبير بالكراهة، منها:

8- ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن النوح على الميّت أ يصلح؟ قال: «يكره» (3).

9- ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن النوح؟ فكرهه (4).

10- ما رواه سماعة قال سألته عن كسب المغنية و النائحة فكرهه (5).

الطائفة الرابعة: ما دلّ على النهي مطلقا منها:

11- ما رواه الحسين بن زيد عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث المناهي أنّه نهى عن الرنّة عند المصيبة، و نهى عن النياحة و الاستماع إليها و نهى عن تصفيق الوجه (6).

12- و ما رواه عبد اللّه بن الحسين بن زيد بن علي عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أربعة لا تزال في أمّتي إلى يوم القيامة ...

و النياحة و أنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة و عليها سربال من قطران و درع من حرب» (7).

الطائفة الخامسة: ما دلّ على النهي عن الشرط في الثمن منها:

13- ما رواه حنّان بن سدير قال: كانت امرأة معنا في الحي و لها جارية نائحة، فجاءت إلى أبي، فقالت: يا عمّ أنت تعلم أنّ معيشتي من اللّه، ثمّ من هذه الجارية، فاحبّ أن تسأل أبا‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 91، الباب 17، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ح 9.

(3). المصدر السابق، ص 91، ح 13.

(4). المصدر السابق، ص 92، ح 14.

(5). المصدر السابق، ص 90، ح 8.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 91، ح 11.

(7). المصدر السابق، ح 12.

376

عبد اللّه عن ذلك فان كان حلالا، و إلّا بعتها و أكلت ثمنها حتّى يأتي اللّه بالفرج، فقال لها أبي:

و اللّه لأعظم أبا عبد اللّه أن أسأله عن هذه المسألة قال: فلمّا قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «تشارط؟» فقلت: و اللّه ما أدري تشارط أم لا؟ فقال: «قل لها لا تشارط فتقبل ما اعطيت» (1).

و هي من أدلّة الجواز إلّا أن يقال ليست في مقام البيان من هذه الجهة.

و طريق الجمع بين هذه الطوائف ظاهرة، و هو تقييد أدلّة الجواز بما إذا لم يكن فيه كذب و لا حجر، و كذلك إطلاق أدلّة الحرمة تقيّد بما إذا كان فيه ذلك، بشهادة ما دلّ على التفصيل، لكن الروايتين (6/ 17 و 9/ 17) كلتيهما مرسلتان، إلّا أن يقال بانجبارهما بعمل المشهور لذهابهم إلى التفصيل، و هو غير بعيد.

و أيضا يجمع بين ذلك كلّه و ما دلّ على الكراهة، و هما روايتا علي بن جعفر (عليه السلام)، و أوّليهما صحيحة، فيحكم بكراهة النوح مطلقا، إلّا في موارد يتعلّق به غرض أهمّ، كالنياحة على أولياء اللّه، إلّا أن يقال الكراهة في لسان الروايات ليست بمعناها المصطلح عندنا، بل كثيرا ما تكون بمعنى الحرمة، فحينئذ يجمع بينهما و غيرهما على ما ذكرنا فيما دلّ على الحرمة.

ثمّ نقول بكراهة اشتراطها الاجرة بمقدار معيّن لصحّة رواية (3/ 17).

فالأقوى هو الحكم بجواز النياحة بالحقّ، لا بالباطل، و لا يبعد كراهتها.

و أمّا من جهة اشتمالها على الترجيع و أصوات و ألحان فقد عرفت في مبحث الغناء أنّه إن كان صوتا لهويا يناسب مجالس أهل الفسوق و العصيان فهو حرام حتّى لو كان في النياحة بل و القرآن الكريم، و ان لم يكن كذلك فلا حرمة فيه.

و أمّا سماع صوتها للرجال الأجانب فصوت المرأة ليست عورة، نعم إذا كان فيه خضوع و ترقيق و كيفية توجب أن يطمع الذي في قلبه مرض، فهو محرّم من هذه الناحية.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 89، ح 3.

377

26- الولاية من قبل الجائر

و هي من المسائل المهمّة التي يكثر الابتلاء بها، و تمام الكلام فيها يقع في مقامات:

المقام الأوّل: حكمها على سبيل الإجمال مع أدلّتها

فحرمتها من المسلّمات بين الأصحاب، و ادّعى الإجماع فيه غير واحد، بل ذكر أنّه من الضروريات المستغنية عن ذكر ما يدلّ عليه من الكتاب و السنّة، و كيف كان، فيدلّ عليه مضافا إلى ما مرّ:

أوّلا- الحكم و الولاية حقّ للّه و لرسوله و الأئمّة الميامين من أهله و من نصّبوه لذلك كما ثبت في محلّه، فتصدّي غيره له حرام محرّم، بل هو غاصب، و كذلك كلّ من كان منصوبا من قبله غاصب أو بحكمه، و هذا ظاهر.

ثانيا- الروايات الكثيرة الدالّة على الحرمة صراحة، أو ظهورا، أو بالملازمة منها ما يلي:

1- ما رواه داود بن زربي قال: أخبرني مولى لعلي بن الحسين (عليه السلام) قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) الحيرة فأتيته فقلت: جعلت فداك لو كلّمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل بعض هذه الولايات، فقال: «ما كنت لأفعل» «إلى أن قال» قلت: جعلت فداك ظننت أنّك إنّما كرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم، و إن كلّ امرأة لي طالق و كلّ مملوك لي حرّ و عليّ و عليّ إن ظلمت أحدا أو جرت عليه و إن لم أعدل. قال: «كيف» قلت؟ فأعدت عليه الأيمان، فرفع رأسه إلى السماء فقال: «تناول السماء أيسر عليك من ذلك» (1).

2- ما رواه حميد: قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّي ولّيت عملا فهل لي من ذلك مخرج فقال: «ما أكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه»، قلت فما ترى؟ قال: «أرى أن تتّقي اللّه عزّ و جلّ و لا تعود» (2).

3- ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من تولّى عرافة قوم أتى به يوم القيامة و يداه مغلولتان إلى عنقه فان‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 136، الباب 45، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ح 5.

378

قام فيهم بأمر اللّه عزّ و جلّ أطلقه اللّه، و ان كان ظالما هوى به في نار جهنّم و بئس المصير» (1).

و لا يخفى عليك ما في «العرافة» من الإشكال.

4- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في عقاب الأعمال بسنده عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث قال: «من أكرم أخاه فإنّما يكرم اللّه عزّ و جلّ ... و من تولّى عرافة قوم «و لم يحسن فيهم» حبس على شفير جهنّم بكلّ يوم ألف سنة و حشر و يده مغلولة إلى عنقه فإن كان قام فيهم بأمر اللّه أطلقها اللّه و إن كان ظالما هوى به في نار جهنّم سبعين خريفا» (2).

5- ما رواه مسعدة بن صدقة قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان يعملون لهم و يحبون لهم و يوالونهم قال: «ليس هم من الشيعة و لكنّهم من اولئك. ثمّ قرأ أبو عبد اللّه (عليه السلام) هذه الآية لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ عَلىٰ لِسٰانِ دٰاوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إلى قوله: وَ لٰكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ قال الخنازير على لسان داود، و القردة على لسان عيسى كٰانُوا لٰا يَتَنٰاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مٰا كٰانُوا يَفْعَلُونَ قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير و يشربون الخمور و يأتون النساء أيّام حيضهنّ، ثمّ احتجّ اللّه على المؤمنين الموالين للكفّار فقال: تَرىٰ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مٰا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ إلى قوله وَ لٰكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ و نهى اللّه عزّ و جلّ أن يوالي المؤمن الكافر إلّا عند التقيّة» (3).

6- ما رواه العياشي في تفسيره عن سليمان الجعفري قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام):

ما تقول في أعمال السلطان؟ فقال: «يا سليمان الدخول في أعمالهم و العون لهم و السعي في حوائجهم عديل الكفر و النظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحقّ بها النار» (4).

7- ما رواه علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال:

«إن كنت لا بدّ فاعلا فاتّق أموال الشيعة». قال: فأخبرني علي أنّه كان يجبيها من الشيعة‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 136، الباب 45، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 137، ح 7.

(3). المصدر السابق، ص 138، ح 10.

(4). المصدر السابق، ح 12.

379

علانية و يردّها عليهم في السرّ (1).

8- ما رواه زياد بن أبي سلمة قال: دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي: «يا زياد إنّك لتعمل عمل السلطان؟» قال: قلت: أجل! قال لي: «و لم؟» قلت: أنا رجل لي مروّة و عليّ عيال و ليس وراء ظهري شي‌ء. فقال لي: «يا زياد! لئن أسقط من حالق فانقطع قطعة قطعة أحبّ إليّ من أن أتولّى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم إلّا لما ذا»، قلت:

لا أدري جعلت فداك. قال: «إلّا لتفريج كربة عن مؤمن أو فكّ أسره أو قضاء دينه. يا زياد إنّ أهون ما يصنع اللّه جلّ و عزّ بمن تولّى لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ (اللّه) من حساب الخلائق (الخلق).

يا زياد فان ولّيت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة، و اللّه من وراء ذلك، يا زياد! أيّما رجل منكم تولّى لأحد منهم عملا ثمّ ساوى بينكم و بينه فقولوا له أنت منتحل كذّاب، يا زياد! إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة اللّه عليك غدا و نفاد ما أتيت إليهم عنهم و بقاء ما أتيت (أبقيت) إليهم عليك» (2).

9- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ذكر عنده رجل من هذه العصابة قد ولي ولاية، فقال: «كيف صنيعه إلى اخوانه؟» قال: قلت ليس عنده خير، قال: «اف يدخلون فيما لا ينبغي لهم و لا يصنعون إلى اخوانهم خيرا!» (3).

10- ما رواه يونس بن عمّار قال: وصفت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) من يقول بهذا الأمر ممّن يعمل عمل السلطان، فقال: «إذا ولّوكم يدخلون عليكم المرفق و ينفعونكم في حوائجكم؟» قال: قلت: منهم من يفعل «ذلك» و منهم من لا يفعل، قال: «من لم يفعل ذلك منهم فابرءوا منه، برئ اللّه منه!» (4).

11- ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعت يقول: «من أحللنا له شيئا أصابه‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 140، الباب 46، من أبواب ما يكتسب به، ح 8.

(2). المصدر السابق، ح 9.

(3). المصدر السابق، ص 141، ح 10.

(4). المصدر السابق، ص 142، ح 12.

380

من أعمال الظالمين، فهو له حلال و ما حرّمناه من ذلك فهو له حرام» (1).

و هذه الروايات بين ما دلّ على حرمة الولاية، و ما دلّ على حرمة العمل، و ما دلّ على الحاجة إلى إجازة ولي الأمر (عليه السلام) إلى غير ذلك من التعبيرات.

المقام الثاني: هل الحرمة فيها ذاتية؟

ظاهر كلام المحقّق (رحمه اللّه) في الشرائع أنّ الحرمة فيها ليست ذاتية، لقوله «و تحرم من قبل الجائر إذا لم يؤمن اعتماد ما يحرم» (2).

و لكن صرّح بعضهم بحرمتها ذاتا، و حكي عن العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) في مصابيحه ميله إلى هذا القول، و أنّها تتضاعف إثما باشتمالها على المحرّمات (3).

و عن فقه القرآن للراوندي أن تقليد الأمر من قبل الجائر جائز إذا تمكّن من العيال الحقّ لمستحقّه بالإجماع المتردّد (4).

و العمدة في إثبات هذا القول ما هو المعلوم بالأدلّة أنّ الحكومة حقّ للّه و لأوليائه المأمورين من قبله، فغيره غاصب لها غير مستحقّ لشي‌ء منها، فالتغلّب عليها حرام و ان عدل فيهم، كما أنّ التصدّي للقضاء لمن لم يؤذن له في الشرع حرام، و ان حكم بالحقّ و عدل في الحكم.

و بالجملة، الحكومة و الولاية و القضاء و بيان الفتوى امور محتاجة إلى الإذن منه تعالى أو من أوليائه، فالتصدّي لها بدونه حرام ذاتا (أي مع قطع النظر ممّا يترتّب عليه من الآثار).

و أمّا التغلّب على امور الناس بغير رضى منهم كما هو الغالب في الحكومات و الولايات حتّى أنّ غيره نادر جدّا، و تصرّفهم في امورهم و دعوتهم إلى التسليم لأمرهم و نهيهم، و جعل العقوبات على المخالفين لهم فهي محرّمات اخرى، و يؤيّد ما ذكرنا ما مرّ في بعض الروايات السابقة.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 143، الباب 46، من أبواب ما يكتسب به، ح 15.

(2). نقلا عن الجواهر، ج 22، ص 156.

(3). المصدر السابق، ص 159.

(4). المصدر السابق، ص 160.

381

و أمّا من الأدلّة الخاصّة فالحرمة الذاتية بالمعنى الذي ذكرنا و إن كان ظاهر رواية تحف العقول- بناء على كون المفاسد المذكورة فيها من قبيل الحكمة لا العلّة- و لكن دعوى كونها علّة، بل و انصراف عنوان الحكومة إلى ما يتلبّس الحاكم بشي‌ء من أعماله التي لا تنفكّ عن الحرمة بمكان من الإمكان.

و كذلك غيره ممّا يظهر منه ذلك في بدو النظر لا سيّما ما رواه: ابن بنت الوليد بن صبيح الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من سوّد اسمه في ديوان ولد سابع حشره اللّه يوم القيامة خنزيرا» (1).

و روايات 6/ 45 و 7/ 45 و 9/ 46 و 12/ 46.

و لكن حمل جميع ذلك على ما ينصرف إليه الإطلاق في أمثال المقام من التلبّس بأعمالهم المحرّمة غير بعيد.

و يشهد لهذا التقييد قوله (عليه السلام): واحدة بواحدة، في رواية 9/ 46 و رواية 4/ 45:

و ما رواه في المقنع قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يحبّ آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو في ديوان هؤلاء فيقتل تحت رأيتهم فقال: «يحشره اللّه على نيّته» (2).

و ما رواه زيد الشحّام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: «من تولّى أمرا من امور الناس فعدل و فتح بابه و رفع ستره و نظر في امور الناس كان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة و يدخله الجنّة» (3).

و قوله (عليه السلام): هو بمنزلة الأجير، فيما رواه الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مسلم و هو في ديوان هؤلاء و هو يحبّ آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يخرج مع هؤلاء في بعثهم فيقتل تحت رأيتهم. قال: «يبعثه اللّه على نيّته». قال: و سألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئا فيعينه اللّه به فمات في بعثهم قال: «هو بمنزلة الأجير أنّه إنّما يعطي اللّه العباد على نيّاتهم» (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 130، الباب 42، من أبواب ما يكتسب به، ح 9. و ليعلم أنّ كلمة «سابع» مقلوبة عن كلمة «عبّاس» و كان لأجل التقيّة فالمنظور كتابة الاسم في ديوان بني عبّاس.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 139، الباب 46، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(3). المصدر السابق، ص 140، ح 7.

(4). المصدر السابق، ص 146، الباب 48، ح 2.

382

فالعمدة في الحرمة الذاتية ما عرفته من مقتضى الاصول.

و الذي يقتضيه التحقيق في الجمع بين هذه الروايات أنّ تسويد الاسم في ديوانهم إذا كان موجبا لقوّتهم، و كان خاليا عن فائدة للناس و عن اجراء العدالة كان حراما، و كذا العمل معهم أو التصدّي للأمور العامّة من قبلهم.

نعم، إذا عدل في الناس و نظر في امورهم بما يرضاه اللّه من الأعمال جاز ذلك، بل كان مثابا به.

و الحاصل إنّ قبول الولاية و التصدّي لها على أنحاء:

1- إذا اضطرّ إليه و كان مكرها، و هذا من المستثنيات كما سيأتي إن شاء اللّه.

2- إذا اضطرّ الناس إليه و كان كهفا لهم، و هو أيضا كذلك.

3- إذا لم يكن شي‌ء من ذلك، و لكن لم يأت إلّا بما هو مقتضى العدالة، فالظاهر جوازه لا سيّما بمقتضى ما ورد في الكتاب العزيز في يوسف (عليه السلام) اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ (1) و ما ورد فيه و في الباب 48 مضافا إلى ما مرّ من روايات الباب 46 مثل 6/ 46 و 7/ 46 و 2/ 48 و 4/ 45 و غيرها.

و يحمل ما دلّ على الحرمة على ما إذا اقترنت بالحرام، و في الروايات شواهد جمعت عليه، و على هذا لا تكون الحرمة ذاتية.

و يمكن الجمع بينه و بين ما دل على كون الولاية و الحكومة من حقوق اللّه و أوليائه بأنّ الحرام هو فيما إذا أسّس أساس الحكومة، و لكن إذا كانت الحكومة الجائرة موجودة، و لكن لحق بهم مجتنبا أعمالهم، و لم يصدر منه غير الحقّ جاز، أو تحمّل الأخبار المجوّزة على غير الامور الهامّة.

و بعبارة اخرى: هنا ثلاث طوائف من الأخبار: ما يدلّ على الحرمة، و ما يدلّ على الجواز، و ما يدلّ على الترغيب، و الجمع بينها بوجوه ثلاثة:

الأوّل: ما ذهب إليه في الشرائع من الجواز عند عدم ارتكاب ما يحرم، و الاستحباب عند القدرة على الأمر بالمعروف.

____________

(1). سورة يوسف، الآية 54.

383

الثاني: اختصاص الحرمة بما إذا لم يأمن من الحرام.

الثالث: إنّ الحرمة تختصّ بما إذا كان قبوله بدافع حبّ الرئاسة، أمّا إذا كان قصده الخير، فتجوز، و ان كان لخصوص الحقّ فهو راجح.

و المسألة غير خالية عن الإشكال، و سيأتي تتمّة الكلام في ذلك في المقام الخامس إن شاء اللّه.

المقام الثّالث: ما المراد بالولاية؟

لا شكّ في أنّها تعني قبول الامور السياسيّة المهمّة من الأمارة و شبهها، و أمّا مثل كون الإنسان خادما للوالي أو سائقا أو طبّاخا أو غير ذلك من الامور العادية غير السياسية فلا يعدّ واليا، و لا يدخل في رواية تحف العقول و لا غيرها ممّا أخذ فيها عنوان الولاية، و لكن قوله «العمل لهم و الكسب معهم» قد يكون عامّا، و كذا كلّ ما عبّر فيه عنوان الإعانة لهم، أو الدخول في أعمال السلطان، و السعي في حوائجهم، مثل رواية 12/ 45 و غيرها، و لا سيّما رواية 9/ 42 التي تعمّ الجميع، نعم الأدلّة العامّة الدالّة على أنّ تصدّي هذه الامور إنّما تختصّ بالمعصومين (عليهم السلام) و من أذنوا له، ممّا يدلّ على الحرمة الذاتية، لا تدلّ على حرمة الولاية إلّا فيما عرفت من الامور الهامّة السياسية من الأمارة و شبهها.

المقام الرّابع: هل هناك فرق بين حكّام الجور و غاصبي الخلافة عن أهلها؟

ممّا ذكرنا تعرف الحال في المقام الرابع، و أنّ التصدّي للحكومة و الأمارة بغير إذن منهم حرام على كلّ حال، و منعهم عن الوصول إلى مقامهم (عليهم السلام) كبيرة اخرى فوقه، و بالجملة قد تكون الحكومة الجائرة كحكومة بني اميّة و بني العبّاس بعنوان الخلافة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ففيه عناوين ثلاث من الكبائر:

1- منع صاحب الحقّ عن حقّه، و هو من أعظم المعاصي.

384

2- التصدّي لما ليس له و لا يجوز إلّا بإذن أهله.

3- التشريع إذا قصد بها إذن اللّه، كما هو ظاهر هذا العنوان.

و ان قارنتها تصرّفات و مظالم و قضاء جور فهي محرّمات اخرى.

المقام الخامس: في مستثنيات الحرمة في المقام

استثنى غير واحد من الأعلام صورتين من الولاية المحرّمة: صورة القيام بمصالح العباد، و صورة الإكراه.

أمّا الصورة الاولى: القيام بمصالح العباد

فقد عرفت آنفا ما عن فقه الراوندي من أنّ الولاية من قبل الجائر جائزة إذا تمكّن معها من إيصال الحقّ لمستحقّه، ثمّ استدلّ له بالإجماع و السنّة الصحيحة، و قوله تعالى اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ ....

و بمثله عبّر في السرائر و النهاية (1) و لكن قال في القواعد: تحرم من قبل الجائر إلّا مع التمكّن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (2).

و ذكر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه أنّه تسوغ الولاية المذكورة لأمرين، أحدهما القيام بمصالح العباد ...

و لعلّ التعبيرات الثلاثة تعود إلى شي‌ء واحد، و ان كان بعضها أعمّ من بعض ظاهرا، و لذا ادّعى شيخنا الأعظم عدم الخلاف فيما عنونه، مع وجود الخلاف ظاهرا نظرا إلى عود الجميع إلى واحد.

ثمّ إنّهم بين من عبّر بالجواز كالعلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة و التحرير، و من عبّر بالاستحباب كما في النهاية و الشرائع و النافع و غيرها، و عن السرائر أنّها واجبة.

____________

(1). نقلا عن الجواهر، ج 22، ص 163.

(2). المصدر السابق، ص 160.

385

و لا بدّ أوّلا من ملاحظة دليل الاستثناء، ثمّ الكلام في ملاكه و عنوانه، ثمّ في حكمه من الجواز و الوجوب و الاستحباب.

فنقول (و منه جلّ شأنه التوفيق و الهداية): استدلّ له بامور:

1- قاعدة الأهمّ و المهمّ إذا كانت هناك عناوين أهمّ مثل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و شبه ذلك، و لكن هل مجرّد الإحسان إلى الاخوان أو بعض المصالح غير اللازمة كافية في هذا المقام؟ الظاهر عدمه، فلو كانت حرمتها ذاتية يشكل رفعها بهذه الامور.

و الحاصل أنّ مصالح العباد منها واجبة الحفظ و منها مستحبّة، و المدّعى هو الأعمّ و الدليل أخصّ منه، فتأمّل.

2- ما ورد في قضيّة يوسف: اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ، و الإشكال فيه بأنّه من أحكام الشرائع السابقة مدفوع، أوّلا باستصحابها كما قيل، و ثانيا بأن ذكرها في القرآن من غير إنكار دليل على جوازها في شرعنا.

و أورد عليه أيضا بأنّ يوسف (عليه السلام) كان مستحقّا للسلطنة و إنّما أخذ حقّه.

و فيه: إنّه استدلّ له الإمام الرضا (عليه السلام) كما في غير واحد من الروايات (راجع الباب 48 من أبواب ما يكتسب به) و لم يستند إلى كونه صاحب حقّ، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ غير واحد منها ناظر إلى مسألة الزهد و الباقي مرسلة، فتأمّل.

3- الأحاديث الخاصّة الواردة في المقام، و قد أشرنا إلى غير واحد منها سابقا، و تضيف إليها هنا أحاديث اخرى، منها:

1- ما رواه علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه» (1).

2- و ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) قال: قال الصادق (عليه السلام): «كفّارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان» (2).

3- و ما رواه في المقنع قال: روى عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ للّه مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه» (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 139، الباب 46، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 3.

(3). المصدر السابق، ح 5.

386

4- و ما رواه مهران بن محمّد بن أبي نصر «بصير» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول:

«ما من جبّار إلّا و معه مؤمن يدفع اللّه عزّ و جلّ به عن المؤمنين و هو أقلّهم حظّا في الآخرة» (1) (يعني أقلّ المؤمنين حظّا بصحبة الجبّار).

إلى غير ذلك ممّا يدلّ على هذا المعنى.

و روى في المستدرك المجلّد 13 في الباب 39 روايات كثيرة في هذا المعنى، أهمّها ما يلي:

1- ما رواه محمّد السياري عن علي بن جعفر (عليه السلام) قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) إنّ قوما من مواليك يدخلون في عمل السلطان و لا يؤثرون على إخوانهم و إن نابت أحدا من مواليك نائبة قاموا. فكتب: أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (2).

2- و ما رواه الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يكون الرجل من أصحابنا مع هؤلاء في ديوانهم فيخرجون إلى بعض النواحي فيصيبون غنيمة، قال: «يقتضي منها اخوانه» (3).

3- ما رواه محمّد بن عيسى بن يقطين قال: كتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن (عليه السلام) في الخروج من عمل السلطان. فأجابه: «إنّي لا أرى لك الخروج من عمل السلطان: فانّ للّه عزّ و جلّ بأبواب الجبابرة من يدفع بهم عن أوليائه و هم عتقائه من النار فاتّق اللّه في اخوانك» (4).

4- و ما رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته من عمل السلطان و الدخول معهم، قال: «لا بأس إذا وصلت اخوانك و عضدت أهل ولايتك» (5).

5- ما رواه الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أستأذنه في أعمال السلطان، فقال: «لا بأس به ما لم يغيّر حكما و لم يبطل حدّا و كفّارته قضاء حوائج اخوانكم» (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 134، الباب 44، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 130، الباب 39، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 136، ح 20.

(4). المصدر السابق، ص 130، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 131، ح 4.

(6). المصدر السابق، ص 132، ح 10.

387

6- و ما رواه صفوان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من كان ذا صلة لأخيه المؤمن عند سلطانه أو تيسير عسير له أعين على إجازة الصراط يوم تدحض الأقدام» (1).

7- ما رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن عمل السلطان و الدخول معهم فيما هم فيه؟ فقال: «لا بأس إذا وصلت اخوانك وعدت أهل ولايتك» (2).

8- و ما رواه صفوان بن مهران قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من الشيعة، فشكى إليه الحاجة، فقال له: «ما يمنعك من التعرّض للسلطان فتدخل في بعض أعماله؟» فقال: إنّكم حرمتموه علينا، فقال: «خبّرني عن السلطان لنا أو لهم؟» قال: بل لكم. قال: «أهم الداخلون علينا أمن نحن الداخلون عليهم؟» قال: بلى هم الداخلون عليكم قال: «فإنّما هم قوم اضطرّوكم فدخلتم في بعض حقّكم»، فقال: إنّ لهم سيرة و أحكاما. قال (عليه السلام): «أ ليس قد أجرى لهم الناس على ذلك؟» قال: بلى. قال (عليه السلام): «اجروهم عليهم في ديوانهم و إيّاكم و ظلم مؤمن» (3).

هذا، و لكن الروايات في هذا المورد مختلفة جدّا:

طائفة منها: تدلّ على جوازها إذا كانت دفاعا عن أولياء اللّه، و هي: 1/ 46 و 5/ 46 و 4/ 44 و ... التي مرّت عليك.

طائفة اخرى: تدلّ على كفاية مجرّد الإحسان إلى الاخوان و تفريج الكربة مثل: 3/ 46 و 9/ 46 و 12/ 46 المذكورة.

و طائفة ثالثة: دلّت على اشتراط العدالة و النظر في امور الناس مثل: 7/ 46 و 6/ 45 و 7/ 45.

و بعضها مجملة مثل: 6/ 46.

و لكن استفادة العموم من مجموعها غير بعيد، و هي لا تساعد الحرمة الذاتية، لعدم رفعها بمجرّد المستحبّات، و لعلّ هذا كاف في إثبات عدم الحرمة الذاتية، و لذا لم يذهب إليها إلّا العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) كما قيل.

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 132، الباب 39، من أبواب ما يكتسب به، ح 11.

(2). المصدر السابق، ص 137، ح 21.

(3). المصدر السابق، ح 23.

388

لا يقال: إنّ هذا إذن حكومي منهم (عليهم السلام). لأنّا نقول: لسانها آبية عن ذلك، بل ظاهرها الفتوى، و ليس ببعيد في غير الامور الهامّة، فمثل علي بن يقطين و ابن بزيع يحتاجان إلى الإذن باعتبار ولاياتهما الهامّة، فتأمّل.

و أمّا في عصر الغيبة فعمل بعض الأكابر من الفقهاء مثل البهائي و المجلسي و غيرهما كان على ذلك لكونهم نوابا منه (عليه السلام).

ثمّ إنّ لسانها بين ما دلّ على الوجوب، أو الجواز مع الكراهة، أو الاستحباب و يمكن الجمع بينها بما يأتي.

فتلخّص ممّا ذكرنا امور:

1- إنّ قبول الولاية محرّمة إذا استلزم تقوية شوكتهم أو كان مظنّة لفعل محرّم حرام.

2- إذا لم يكن فيه شي‌ء من ذلك، و كان فيه خدمة لمصالح العباد و إرفاقا بخلقه فانّه جائز، بل قد يكون راجحا إذا لم يكن فيه نيّة غير ذلك.

3- قد يكون واجبا إذا توقّف عليه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو حفظ نظام المسلمين و ردّ كيد أعدائهم و أعداء أهل البيت (عليهم السلام) ممّا هو أقوى من المحرّمات الملازمة له، و لا ينافي ذلك كلّه كون الحكم للّه و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أوليائه (عليهم السلام) من بعده، إمّا لأنّهم أذنوا في ذلك، أو لأنّ النهي ورد في تأسيس الحكومة، لا اللحوق بالحكومة المؤسّسة، أو إنّه بالنسبة إلى زمان بسط أيديهم لا أزمنة القبض، و ان كان الأحوط استحبابا عدم التعرّض بدون إذن الفقيه للأمور الهامّة منها، كالأمارة على البلاد و شبهها.

4- و ان استلزم بعض المحرّمات و كانت فيه خدمة للعباد قد تكون حسناته كفّارة لسيّئاته، و اللّه العالم.

أمّا إجراء الحدود و القضاء و أشباههما فلا تجوز إلّا بإذن أهلها.

بقي هنا امور:

الأمر الأوّل: قد يقع تعارض بين الروايات السابقة الكثيرة الدالّة على جواز العمل معهم‌

389

إذا كان فيه مصالح العباد و بين ما دلّ على الحرمة مطلقا مثل (9/ 45 و 10/ 45 و 12/ 45) و نحوه ممّا في معناه و قد مرّت.

و لكن الإنصاف أنّ شيئا من ذلك لا يعارض ما مرّ، بل يمكن الجمع بينها و بينه بحمل ما دلّ على الحرمة على ما هو الغالب من كون عمل السلطان و الاقتراب منه ملازما لبعض المحرّمات، و لا أقل من تقوية شوكته و مزيد قوّته مع عدم وجود مصلحة فيه، أو كونها أقلّ من مفاسد الاقتراب و العمل كما لا يخفى.

الأمر الثّاني: إذا توقّف الأمر بالمعروف على قبولها، فهل يجب أو يستحبّ أو يجوز؟

ظاهر كلام العلّامة (رحمه اللّه) في القواعد الجواز، فانّه قال: و تحرم من قبل الجائر إلّا مع التمكّن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (أي لا تحرم) (1).

و ظاهر كلام المحقّق (رحمه اللّه) في الشرائع و المحكي عن النهاية و النافع الاستحباب، قال في الشرائع: و لو أمن اعتماد ذلك (أي ما يحرم) و قدر على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر استحبّ (2).

و عن السرائر الوجوب، حكاه في مفتاح الكرامة (3)، و لكن حكى عنه شيخنا الأعظم في مكاسبه الاستحباب (4) مثل ما في النهاية (5) و هذان متعارضان.

و لكن الإنصاف أنّ مقتضى القاعدة بناء على عدم الحرمة الذاتية وجوبه من باب إطلاق أدلّة وجوب الأمر بالمعروف و وجوب تحصيل مقدّمته بحكم العقل.

هذا و لكن هنا توجيهات لعدم الوجوب:

الأوّل: ما في الكفاية من أنّ الوجوب يتوقّف على كون وجوبه مطلقا غير مشروط بالقدرة فيجب عليه تحصيلها، و ليس بثابت، و لكنّه ممنوع جدّا، لعدم تقييد أدلّة وجوبه إلّا بالقدرة الفعلية كما في سائر التكاليف، و هي حاصلة، أمّا القدرة العرفية القريبة من الفعل فلا‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 113، نقلا عن القواعد.

(2). المكاسب، ص 56.

(3). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 114.

(4). المكاسب المحرّمة، ص 56.

(5). المصدر السابق.

390

دليل عليها أبدا، لا هنا و لا في غير المقام.

اللهمّ إلّا أن يردّ في بعض المقامات دليل خاصّ بالنسبة إليه، كما في الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ كما لا يخفى.

أمّا إن قلنا بالحرمة الذاتية، أو كان قبول الولاية ملازما لبعض المحرّمات و لا أقل من تقوية شوكتهم و مزيد قوّتهم، فلا بدّ من ملاحظة الأهمّ و المهمّ، فلا يمكن الحكم بالوجوب مطلقا، و كذا الاستحباب و الجواز، بل يختلف بإختلاف المقامات، فالحكم بالاستحباب و الجواز مطلقا لا يصحّ على كلّ حال.

الثّاني: ذكر الشهيد الثاني (قدّس سرّه) لتوجيه عدم الوجوب ما حاصله: إنّ وجه عدم الوجوب هو كونه بصورة النائب عن الظالم، و عموم النهي عن الدخول معهم و تسويد الاسم في ديوانهم، فإذا لم تبلغ حدّ المنع فلا أقل من عدم الوجوب (1).

و لكن يمكن الجواب عنه بأنّ المسألة من قبيل تزاحم المقتضيين، و من المعلوم أنّ الحكم فيه الأخذ بالأهمّ- و ذلك يختلف بإختلاف المقامات- و على تقدير عدمه يجب الحكم بالتخيير، فالحكم بالاستحباب أو الجواز بقول مطلق ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

الثّالث: ما ذكره المحقّق الماهر صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من تعارض أدلّة الأمر بالمعروف مع أدلّة حرمة الولاية- بناء على حرمتها الذاتية- بالعموم من وجه، فيجمع بينهما بالتخيير، و أمّا الاستحباب فيستفاد من ظهور الترغيب في خبر محمّد بن إسماعيل و غيره (2).

و فيه: أوّلا: إنّ المسألة ليست من باب التعارض، بل من باب التزاحم، للعلم بوجود الملاك من الطرفين، و الفرق بينهما معلوم.

و ثانيا: إنّ حكم التعارض بالعموم من وجه هو التساقط لا التخيير.

الرّابع: ما ذكره العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض كلامه من أنّ نفس الولاية قبيحة محرّمة، لأنّها توجب إعلاء كلمة الباطل و تقوية شوكة الظالم، فإذا عارضها قبيح آخر، و هو ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ليس أحدهما أقلّ قبحا من الآخر، فللمكلّف فعلها‌

____________

(1). نقلا عن الجواهر، ج 22، ص 164.

(2). جواهر الكلام، ج 22، ص 164.

391

تحصيلا لهذا، و تركها دفعا لذلك، و الاستحباب يمكن أن يكون لمصلحة لم تبلغ حدّ الإلزام (انتهى ملخّصا) (1).

و فيه: أيضا إنّ التخيير في المتزاحمين فرع عدم وجود الأقوى، و من المعلوم أنّ المقامات مختلفة جدّا، هذا أوّلا.

و أمّا ثانيا، فما ذكره في توجيه الاستحباب أمر اتّفاقي لا يناسب إطلاق كلامهم.

فالأولى صرف النظر عن التوجيه، و الأخذ بمقتضى القواعد كما عرفت، و الحكم بالوجوب في بعض المقامات.

و لبعض الأعاظم (في المكاسب المحرّمة) هنا كلام آخر، حاصله: إنّه ليس هناك تعارض و لا تزاحم بين أدلّة الولاية و أدلّة الأمر بالمعروف، و ذلك لعدم الإطلاق في الثاني، لأنّ وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إنّما هو لإقامة الفرائض، و لا يشمل ما يوجب سقوط فريضة، أو ارتكاب محرّم، و ذلك لأنّ إيجابها إنّما هو للغير، و ان لم يكن واجبا غيريا، إلّا أنّ مصلحته التوصّل إلى ما ذكر لا لمصلحة ذاتية، و ما وجب لإقامة فريضة لا إطلاق لوجوبه. نعم لو قلنا بأنّ وجوبهما عقلي، فلا يبعد القول بالتزاحم، لكنّه في غاية الإشكال إلّا في العزائم (هذا ملخّص ما ذكره بطوله) (2).

أقول: فيه جهات من النظر.

أوّلا: فانّ إنكار الإطلاق فيها ممنوع بعد ظهورها في الإطلاق، و عدم وفاء ما ذكره لمنعه، لأنّ مثل هذا البيان جار في كثير من موارد التزاحم، فلو تزاحم إطاعة أمر المولى في شي‌ء مع معصيته في شي‌ء آخر، أو رعاية حقّ إنسان مع رعاية حقّ إنسان آخر، جرى فيه هذا البيان أيضا.

و ان شئت قلت: إن كان المراد إطلاق الأدلّة ذاتا و شأنا مع النظر إلى صورة التزاحم فهو ثابت، و ان كان شموله فعلا مع النظر إلى التزاحم، ففي جميع المقامات غير ثابت، و كذلك يمكن أن يقال بمثل هذا في اجتماع الأمر و النهي، و بالجملة ملاك الأمر بالمعروف موجود‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 57.

(2). المصدر السابق، ص 129.

392

في المقام قطعا، لوضوح مقصود الشارع منه و ثبوته في المقام.

ثانيا: بالنقض عليه بما إذا توقّف الأمر بالمعروف في امور كثيرة مهمّة على ارتكاب معصية صغيرة، فهل يفتى بترك جميعها لهذا، و لا يراعي مسألة الأهمّ و المهمّ هنا؟

ثالثا: ما ذكره من إنكار كونهما عقليين أوّل الكلام، بل هذا أمر دارج بين العقلاء من المنع عن المنكرات و التعدّي على الحقوق، بل الحكمة في تأسيس الحكومات من بعض الجهات ذلك، لأنّه بهما تأمن المذاهب و تحلّ المكاسب و تقام الفرائض كما في الروايات، و تدور رحى المجتمع، و تنتظم الامور، غاية الأمر أنّ الشارع يوجبهما على كلّ واحد، و لكن العقلاء كثيرا ما يوجبونهما على الحكومات و ان كان إيجابهما على الأفراد في بعض المقامات من باب قبح تركهما أيضا غير نادر، فلا تغفل.

الأمر الثّالث: الدخول في أعمالهم، تارة لا يلازم محرّما غير ما هو الغالب فيه من تقوية شوكتهم، و قد عرفت حكمه، و آخر يستلزم محرّما آخر من التصرّف فيما لا يجوز التصرّف فيه، فالحكم فيه يكون بملاحظة الأهمّ و المهمّ.

و ثالثة يوجب جمع الزكاة و الخراج من غير الشيعة و إيصالها إلى السلطان الجائر، فانّ التولّي لأمورهم كثيرا ما لا ينفك عنه، فقد يقال إنّ سكوت الروايات عن ذلك دليل على جوازه، مضافا إلى ما دلّت عليه بعض الروايات الخاصّة، و هي روايتا صفوان بن مهران و علي بن يقطين، و قد تقدّما (23/ 39 من المستدرك ج 13 و 8/ 46 من الوسائل ج 12).

هذا و العمدة انّهم على كلّ حال يعطون زكاتهم لهم و يضعونها في غير مواضعها باختيارهم، فلذا أمروا بالإعادة بعد الإستبصار، فلا يلزم حرام يرجّح على مسألة التصدّي.

فافهم.

الصورة الثّاني: الاكراه

من موارد الاستثناء عن التولّي من قبل الظالمين ما إذا كان مكرها.

و قد عنون البحث بعضهم بعنوان أعمّ يشمل كلّ ضرورة من التقيّة و الاضطرار و الإكراه، و ليس به بأس.

393

و أصل الحكم في الجملة ممّا لا كلام فيه بينهم، بل ادّعى في الجواهر عدم الخلاف فيه، بل الإجماع بقسميه (1).

و استدلّ له بامور:

1- قوله تعالى: لٰا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ- إلى قوله- إِلّٰا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً (2).

لكنّها ظاهرة في الولاية بمعنى المحبّة و الصداقة، لا تولّي الامور السياسية و غيرها من قبلهم، اللهمّ إلّا أن يقال بالأولوية، أو الغاء الخصوصية، هذا مضافا إلى أنّه بالنسبة إلى الكافرين، و الكلام هنا في الظالمين!.

كما استدلّ بقوله تعالى: إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ (3) و خروجه عن محلّ البحث أيضا ظاهر.

2- و استدلّ له بحديث الرفع أيضا (4) فانّ المقام مصداق قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «و ما أكرهوا عليه- أو- و ما اضطرّوا إليه».

3- و بأحاديث التقيّة الواردة في الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف مثل:

الأوّل: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «التقيّة في كلّ ضرورة و صاحبها أعلم بها حين تنزل به» (5).

الثّاني: و ما رواه محمّد بن مسلم و زرارة قالا: سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «التقيّة في كلّ شي‌ء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له» (6).

و ما رواه يحيى بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «التقيّة في كلّ ضرورة» (7).

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 165.

(2). سورة آل عمران، الآية 28.

(3). سورة النحل، الآية 106.

(4). وسائل الشيعة، ج 11، ص 295، الباب 56، من أبواب جهاد النفس.

(5). المصدر السابق، ص 468، الباب 25، من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، ح 1.

(6). المصدر السابق، ح 2.

(7). المصدر السابق، ص 469، ح 8.

394

إلى غير ذلك، و لكن في شمول عنوان التقيّة لجميع موارد البحث إشكال ظاهر، فانّها عبارة عن إخفاء العقيدة عند الضرورة، نعم مثل إكراه علي بن يقطين و أمثاله كان داخلا في محلّ البحث، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ معنى التقيّة بحسب اللغة عامّ، فانّها مصدر من مادّة الوقاية، فيشمل كلّ إكراه، بل و بعض تعريفاتهم ينطبق عليه أيضا مثل ما عن شيخنا الشهيد (قدّس سرّه) في القواعد:

«التقيّة مجاملة الناس بما يعرفون و ترك ما ينفرون حذرا من غوائلهم» (1). فتأمّل.

هذا و العمدة هي أدلّة الإكراه، و بالنسبة إلى موارد الاضطرار أدلّة الاضطرار، و قوله: «ما من شي‌ء حرّمه اللّه إلى و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه»، إنّما الكلام في تفاصيلها، و نذكرها طي امور (و منه سبحانه نستمدّ التوفيق) و نقول:

الأمر الأوّل: لا إشكال أنّ الإكراه يرفع الحرمة الذاتية للولاية على القول بها، كما أنّه يرفع سائر المحرّمات ما عدى الدم، كما سيأتي إن شاء اللّه، و لكن الكلام في أنّ الحرام إذا كان الإضرار بالغير فهل يجوز مطلقا، أو يلاحظ الأهمّ منهما، فبعض المحرّمات جائز قطعا في هذا الحال، و بعضها حرام كإراقة الدماء، و بعضها محلّ الكلام؟

فيه قولان:

الأوّل: عدم ملاحظة الموازنة أصلا، بل يباح بالإكراه الإضرار الكثير في مقابل التهديد بالضرر اليسير، و هو ظاهر كلام الجواهر (2) فلو قال اضربه مائة سوط، و إلّا ضربتك سوطا واحدا جاز!

و صرّح بالإطلاق شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه، و تبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه.

الثّاني: ما ذكر كاشف الغطاء فيما حكي عنه: إنّ الأحوط مراعاة التعادل إن كان الأقوى عدم وجوبه.

و ظاهر كلام المحقّق (رحمه اللّه) في الشرائع أيضا الجواز مطلقا حيث قال: «إذا أكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول و العمل بما يأمره مع عدم القدرة على التفصّي، إلّا في الدماء‌

____________

(1). القواعد و الفوائد، ج 2، قاعدة 208، ص 155.

(2). جواهر الكلام، ج 22، ص 167 و 168.

395

المحرّمة فانّه لا تقيّة فيها» (1). كما أنّ ظاهر العلّامة (رحمه اللّه) في القواعد و غيره من الأصحاب أيضا ذلك، و لكن قال في المفتاح ما هذا لفظه: «و يجب عليه على احتمال قوي تقديم الأهون فالأهون، و قد تلحظ المماثلة و المخالفة فيما يتعلّق به أو ببعض المؤمنين من التفاوت في المراتب الجليلة و في ما دليله قطعي أو ظنّي ... لكن الأصحاب أطلقوا» (2).

و على كلّ حال يستدلّ للقول الأوّل بامور:

1- إطلاق رفع الإكراه.

2- أخبار التقيّة و إنّها في كلّ ما يضطرّ إليه الإنسان مثل (1/ 25 و 2/ 25 و 8/ 25 من أبواب الأمر بالمعروف) التي مرّت عليك.

3- النصوص الخاصّة في المقام التي قد يدعى تواترها و قد نقل جملة منها في الوسائل في الباب 48 و غيره.

4- إطلاق أدلّة الاضطرار و أدلّة نفي الحرج.

و لكن هنا إشكال قوي قد تصدّى شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه لحلّه، و حاصله إنّ أدلّة الإكراه و الاضطرار و ما أشبههما واردة مورد الامتنان، فكيف يجوز المنّة على شخص بإدخال ضرر كثير على غيره لدفع ضرر يسير عن نفسه، فانّ هذا خلاف الامتنان على الامّة، فهي منصرفة عن محلّ الكلام و ساكتة عنه.

و أجاب (قدّس سرّه) عنه بكلام طويل حاصله: «إنّ المدار على توجّه الضرر إلى نفسه أوّلا و بالذات، فلو توجّه الضرر إلى غيره لا يجب تحمّل الضرر و دفعه عنه، و لكن لا يجوز إضراره لدفع الضرر عن نفسه، و المسألة من صغريات مسألة عدم وجوب تحمّل الضرر لدفعه عن الغير، فانّ الضرر بحسب إرادة المكره (بالكسر) توجّه إلى الغير، نعم لو تحمّله أمكن دفعه عنه، و لكن هذا غير واجب و غير مناف للامتنان على الامّة».

أقول: و هذا ممنوع جدّا، لأنّ الضرر لم يتوجّه إلى الغير إلّا بوساطة المكره (بالفتح) فانّ المفروض أنّه مكره لا مضطرّ، فالفعل فعله و ان كان بالإكراه، و كأنّه (قدّس سرّه) حسب أنّ المكره‌

____________

(1). جواهر الكلام، ص 165.

(2). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 115.

396

كالآلة (و قد صرّح بهذا التعبير صاحب الجواهر) (1) و لكنّه ليس كذلك قطعا، بل هو خلاف المفروض، فانّ المفروض بقاء القصد مع الإكراه.

إن قلت: إنّ الفعل لا يستند إلى المكره (بالفتح) و إن كان مباشرا لضعفه و قوّة السبب و هو المكره بالكسر (ذكره في بعض كلماته).

قلنا: كلّا، بل ينسب الفعل إليه، و لذا لا يجوز ذلك في الدماء، و يبطل الصوم به، و إنّما لا ينسب إذا كان مضطرّا، و من أشنع ما يلزم هذا القول جواز القاء الأبرياء في السجون طول عمرهم و تعذيبهم بأنواع التعذيب للإكراه في شي‌ء يسير!

هذا و استدلّ هو (قدّس سرّه) لما ذكره بدليل نفي الحرج أيضا، فانّ تحمّل الضرر لدفع الضرر عن الغير حرجي قطعا ينفي بأدلّته.

و لكن هذا الدليل أيضا كسابقه من أدلّة نفي الإكراه و الضرر، فانّه مبني على كون المقام من قبيل تحمّل الضرر لتوجّه الضرر إلى الغير بحسب مقتضيه، و لكن قد عرفت أنّ هذا مبني على كون المكره كالآلة، و قد عرفت أنّه ليس كذلك و هو ينافي الامتنان.

و إطلاق كلام القوم لعلّه ناظر إلى ما إذا كان الضرر المتوعّد به ضررا كثيرا، و إلّا يبعد التزامهم بما ذكر، و أمّا إطلاق أدلّة التقيّة و أنّه يباح بها كلّ شي‌ء ما عدى الدم، فالظاهر أنّه في مقام يخاف منه على النفس، كما كان كذلك غالبا أو في كثير من الأوقات في تلك الأزمنة، لا ما إذا خاف من ذكر كلام غليظ مثلا، أو أخذ مال قليل كما هو ظاهر لمن راجعها.

و ما أبعد بين هذا القول الذي يرخّص كلّ شي‌ء في مقام الإكراه إلّا الدم، و بين من يقول بعكس هذا القول، و أنّه إذا كان الضرر المتوعّد به دفع مال، يجب على المكره (بالفتح) دفع أمواله و ترك الإضرار بغيره، لأنّ إعطاء ماله أمر مباح، و أمّا الإضرار بغيره حرام، و ظاهره إطلاق هذا الحكم، يعني يجب عليه تحمّل الضرر الكثير لدفع اليسير عن غيره، فانّ الأوّل حلال، و الثاني حرام (2).

و الظاهر أنّه أيضا غير خال عن الإشكال، و هو صحيح مع قطع أدلّة نفي الضرر، و لكن مع‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 167.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 445.

397

حكومتها و كونها حكما امتنانيا لا يبعد الحكم بجواز ارتكاب أقلّ الضررين تكليفا، و أمّا الحكم الوضعي منه فسيأتي أن شاء اللّه.

فقد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ شيئا من الأدلّة الثلاثة، أعني أدلّة شيخنا الأعظم (دليل نفي الإكراه و دليل نفي الحرج و إطلاق أدلّة التقيّة) لا تفي بإثبات مراده، فالأقوى رجوع المقام إلى مسألة تعارض الضررين، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ أحكام التعارض- أي تعارض الضررين- من الترجيح و التخيير إنّما هو ثابت فيما إذا كان التعارض بحسب أسباب طبيعية، مثل ما إذا أدخل حيوان رأسه في قدر لا يخرج منه إلّا بكسر أحدهما، و أمّا فيما نحن فيه ليس كذلك، بل المكره (بالفتح) هو الذي يوجب الضرر على غيره باختياره فلا يترك الاحتياط بتحمّل ما توعّد به و عدم الإضرار بالغير إلّا أن يكون كثيرا جدّا في مقابل شي‌ء يسير يرد على المظلوم لا سيّما في الامور المالية، فتدبّر جيّدا.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّه يجوز التولّي من قبل الظالم عند الإكراه و ترتفع حرمته الذاتية لو قلنا بها، كما يباح غيره من المحرّمات ما عدا إراقة الدماء، بل كلّ ضرر على مسلم، سواء كان أكثر ممّا توعّد به أو أقل أو مساو على الأحوط لو لا الأقوى، نعم إذا كان ضرر الغير يسيرا جدّا بالنسبة إلى ما توعّد به لم يبعد عدم جوازه.

بقي شي‌ء و هو حكم الضمان، و الظاهر أنّه ثابت على المبني المختار، و لكن يظهر من بعض كلمات شيخنا الأعظم عدم الضمان، حيث قال في بعض كلماته الآتية تعليلا للضمان في بعض المقامات ما نصّه: «لعدم الإكراه المانع عن الضمان».

هذا و المسألة مبنية على كون المكره كالآلة أو كونه ذا قصد في أعماله و ان كان كارها لها، و حيث قد عرفت أنّه ليس كالآلة قطعا و انّ الفعل يسند إليه و لذا لا تجوز له إراقة الدماء، فالأقوى الضمان، و ان كان الضمان لا يستقرّ عليه.

398

الأمر الثاني: ملاك الإكراه المجوّز لارتكاب بعض المحرّمات كما عرفت هو التوعيد بالضرر لما يتعلّق بالإنسان في نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو ما يتعلّق به، أمّا بالنسبة إلى الأجانب فلا يتحقّق إكراه، إلّا أن يكون الإنسان بمثابة من قداسة النفس بحيث يتأثّر من تضرّر الغير كما يتأثّر من ضرر نفسه أو أهله و ولده، و حينئذ لا يبعد دخوله في حكمه.

أمّا إذا لم يكن كذلك، و لم يدخل في أدلّه الإكراه، فهل يجوز التولّي هناك بملاك آخر مثل حفظ المؤمنين و أموالهم و ....

و الكلام فيه تارة من حيث القواعد، و اخرى من حيث الأدلّة الخاصّة ..

أمّا الأوّل: فيدور مدار مسألة تزاحم الملاكات و كون ملاك حفظ أعراض المؤمنين و أموالهم أهمّ عند الشارع المقدّس من الولاية المحرّمة و ما يلازمها، و المقامات مختلفة جدّا لا تندرج تحت ضابطة خاصّة، كما هو ظاهر، و ان كان الجواز في كثير منها بهذا الملاك ظاهرا.

و أمّا الثّاني: فالمصرّح به في رواية الإحتجاج جواز التقيّة ازاء حفظ النفس و المال و الجاه و العرض و المذهب بالنسبة إلى نفسه أو غيره، و إليك رواية الاحتجاج:

روى الطبرسي في الإحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا و لئن تبرّأت منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التي بها قوامها، و ما لها الذي به قيامها، و جاهها الذي به تمسّكها، و تصون من عرف بذلك من أوليائنا و اخواننا، فانّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين و صلاح اخوانك المؤمنين و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها فانّك شائط بدمك و دماء اخوانك، معرّض لنعمتك و نعمتهم للزوال مذلّ لهم في أيدي أعداء دين اللّه و قد أمرك اللّه باعزازهم فانّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على اخوانك و نفسك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا» (1).

هذا و في الباب 28 أيضا روايات اخر في هذا المعنى و هي:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 478، الباب 29، من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ح 11.

399

1- ما رواه عن العسكري (عليه السلام) في تفسيره قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «التقيّة من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه و اخوانه عن الفاجرين و قضاء حقوق الاخوان أشرف أعمال المتّقين ...» (1).

2- ما رواه العسكري (عليه السلام) أيضا في تفسيره قال: و قال الحسن بن علي (عليه السلام): «إنّ التقية يصلح اللّه بها أمّة لصاحبها مثل ثواب أعمالهم فان تركها أهلك أمّة تاركها شريك من أهلكه ...» (2).

3- ما رواه عن العسكري (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «... ألا فأعظم فرائض اللّه عليكم بعد فرض موالاتنا و معاداة أعدائكم استعمال التقيّة على أنفسكم و أموالكم و معارفكم و قضاء حقوق اخوانكم ...» (3).

بل عطف حقوق الاخوان في روايات هذا الباب على التقيّة كثيرا دليل بنفسه، أو مشعر بما نحن بصدده.

و الحاصل، إنّ مقتضى هذه الروايات أيضا لا يتجاوز عمّا تقتضيه الاصول و القواعد.

هذا إذا لم يكن المحرّم الإضرار بمسلم أو هتكه لدفاع عن آخر، فانّه لا يجوز قطعا، اللهمّ إلّا في الدماء أو بعض مراتب الأعراض أو فيما إذا كان التفاوت كثيرا جدّا بحيث يعلم برضى الشارع المقدّس بارتكاب اليسير حذرا من الكثير.

و ممّا هو جدير بالذكر إطلاق كلمات غير واحد من الأصحاب الضرر بالنفس أو المال و شبهه، و هو مؤيّد قوي لما سبق في أصل المسألة، و أنّه لا يجوز الإضرار بالغير في مقام الإكراه إلّا عند الخوف على النفس، و هذا دليل على عدم الفرق بين المسألتين، و عدم كون إطلاق كلمات الفقهاء هناك ناظرا إلى ذلك.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 473، الباب 28، من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، ح 3.

(2). المصدر السابق، ح 4.

(3). المصدر السابق، ص 475، ح 13.

400

الأمر الثّالث: هل يعتبر عدم إمكان التفصّي في الإكراه من قبل الجائر بنحو من الأنحاء، أم لا؟ قيل أنّ فيه أقوالا ثلاثة: أحدها الاعتبار، و ثانيها نفيه مطلقا، و ثالثها التفصيل بين الإكراه على قبول نفس الولاية المحرّمة، فلا يعتبر فيها التفصّي و يجوز قبولها و لو كان له طريق إلى المخلص، و الإكراه على سائر المحرّمات، فيعتبر العجز عن الخلاص منه.

و الأولى أن يتكلّم في اعتبار العجز عن التفصّي في مفهوم الإكراه لغة و عرفا على سبيل عامّ، أعني أعمّ من الولاية و غيرها، ثمّ نتكلّم في الولاية، و انّ لها حرمة ذاتية أو عرضية كي يتّضح حالها.

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ اعتبار العجز عن التفصّي مأخوذ فيه عرفا و لغة، فلو اكره شخص على شرب الخمر أو ترك واجب مثل إفطار الصوم الواجب، و كان هناك مائع شبهه و على لونه يقدر على شربه عوضه، أو كان يمكنه صبّه في جيبه و إظهار أنّه شربه، أو كان هناك طريق إلى الفرار من هذا المجلس، أو غير ذلك، فلا شكّ أنّه لا يعدّ مكرها على شرب الخمر و غيره، بل و كذلك إذا أمكنه التكلّم مع المكره و إرشاده أو بذل مال له و النجاة من يده فانّه من قبيل المقدور بالواسطة.

نعم إذا كان بذل المال مجحفا بحاله، أمكن نفيه بأدلّة نفي الضرر، و إلّا فلا، و كذلك إذا كان حرجيا، و هذا كلّه ظاهر.

أمّا الثّاني: أعني الولاية، فلو كان قبول نفسها حراما لحرمتها الذاتية فاعتبار العجز عن التفصّي فيه ظاهر، أمّا لو قلنا بعدم حرمتها ذاتا، فيجوز قبولها حتّى بغير الإكراه فضلا عن إمكان التفصّي و عدمه.

و أمّا المحرّمات الاخر الملازمة لها، فالكلام فيها هو الكلام في مثل الإكراه على شرب الخمر، أو على إفطار الصوم الواجب، و منه يظهر حال ما نقل عن علي بن يقطين و أنّه كان يأخذ أموال الشيعة جهرا و يردّها عليهم سرّا، فانّ التفصّي لم يمكن له ابتداء، و لكن كان يمكنه بقاء، فكان واجبا لعدم صدق الإكراه عليه.

و لعلّ ما يتراءى بينهم من الخلاف في ذلك نزاع في اللفظ، و في التعبير عن المطلب لا في نفسه.

401

بقي هنا شي‌ء، و هو أنّه لا فرق في إمكان التفصّي، من إعداد المقدّمات من قبل، أو ترك الحضور في مجلس المعصية، أو مجلس الجائر، فانّه واجب لوجوب التخلّص عن الحرام، فيجب مقدّمته، أو بقاء و إدامة كما في فعل علي بن يقطين، و هو ظاهر أيضا، فالواجب ترك الخلطة مع الظلمة إذا لا يأمن إكراههم على قبولها.

الأمر الرّابع: إنّ قبول الولاية مع الضرر المالي غير المجحف بحاله هل هو رخصة، أو عزيمة؟ فيجوز تحمّل الضرر و الفرار منه (هكذا عنونه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في مكاسبه).

و الوجه فيه أنّ الضرر اليسير تحمّله لازم على كلّ حال، من باب وجوب المقدّمة، كشراء ماء الوضوء و شبهه، و مثله في التكاليف كثير، و الضرر المجحف يجوز تحمّله فرارا عن الولاية المحرّمة ذاتا أو بالعرض، كما يجوز عدم تحمّله، و يستقيم الاستدلال له بأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، فيجوز لهم صرفها في طريق النجاة عن الحرام.

نعم، قد يقال: أنّ بذل المال الكثير للجائر قد يوجب تقوية شوكته، فيحرم من ناحية اخرى، أو من جهة إعانته على الإثم، و هو صحيح في محلّه.

لكن قد أجاب عنه في مصباح الفقاهة، أوّلا: بمنع الصغرى، لأنّها من قبيل المكوس و الضرائب في مسير الحاج الذي لا إشكال في جوازه (و لعلّه لعدم قصد الإعانة) و ثانيا: بمنع الكبرى و هو حرمة الإعانة (1).

قلت: أمّا الكبرى فقد عرفت ثبوتها، وفاقا لما يظهر من المشهور، و أمّا الصغرى فعدم كونه في بعض الموارد إعانة و إن كان ثابتا، إلّا أنّ قصد الإعانة في بعض الموارد قهري إذا كان شيئا كثيرا (كما عرفت نظيره في مسألة بيع العنب ممّن يعمله خمرا) فحينئذ يكون من قبيل تزاحم المقتضيين، و حكمه ظاهر و اللّه العالم.

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 179.

402

الأمر الخامس: قد عرفت استثناء إراقة الدماء ممّا يشرّعه الإكراه، فحتّى لو هدّده بالقتل لو لم يقتل مؤمنا، فانّه لا يجوز ذلك، بلا خلاف فيه بينهم، بل ادّعى في الجواهر الإجماع عليه بقسميه (1).

و قد دلّ عليه غير واحد من الأحاديث الواردة في الباب 31 من أبواب الأمر بالمعروف و إليك بعضها:

1- ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة» (2).

2- ما رواه أبو حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «... إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة ...» (3).

و وصف الأوّل بالصحّة، و الثاني بالوثاقة.

و العمدة فيها الإجماع مع الروايتين.

هذا و قد حكي عن بعض الأكابر (4) أنّه منع دلالة الروايتين على المقصود، نظرا إلى أنّ مفادها رفع التقيّة عن الإنسان إذا وقعت نفسه في الخطر و لم تنفع التقيّة في نجاته، و حينئذ يجب عليها إظهار ما يجب إظهاره، لأنّ غايتها و هي حفظ الدم قد انتفت، و هذا أمر وجداني عقلي.

و قد أقرّه على ذلك في الجملة بعض الأساتذة (5) بالنسبة إلى الرواية الاولى و أنكره بالنسبة إلى الثانية.

و الإنصاف أنّه من عجيب الكلام، فانّ الفاعل في قوله «بلغ» في الرواية الاولى أيضا العمل بالتقيّة كما في بلغت في الثانية (و لا يضرّه التذكير كما هو واضح) و بلوغ التقيّة الدم إنّما هو بكونها سببا لذلك، لا بلوغ الإنسان دمه بسبب آخر.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 167.

(2). وسائل الشيعة، ج 11، الباب 31، ص 483، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

(4). و هو المحقّق الإيرواني (قدّس سرّه) في حاشيته على المكاسب، ص 48.

(5). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 454.

403

هذا مضافا إلى أنّ الحكم في المسألة عقلي في الجملة، و كيف يمنّ الشارع على إنسان بإراقة دم إنسان آخر لحفظ نفسه، أو لحفظ بعض منافعه الاخرى، و قد عرفت فساد القول بأنّ المكره لا إرادة له و انّ الفعل غير منسوب إليه.

بقي هنا فروع:

1- هل المراد من الدم هو زهاق الروح أو يشمل الجرح أيضا، ظاهر الإطلاق هو الأعمّ، و لكن لا ينبغي الشكّ في كون مثل هذا التعبير كناية عن القتل غالبا، كما فهمه صاحب الجواهر و شيخنا الأعظم و غيرهما (قدّس اللّه أسرارهم) و لو فرض الشكّ كان اللازم الأخذ بالقدر المتيقّن، و هو زهاق الروح.

2- هل يشمل الحكم لكلّ مسلم و لو لم يكن مؤمنا، ظاهر كلمات غير واحد منهم العموم، و لكن يظهر الترديد فيه من جمع آخرين.

و الإنصاف عموم الحكم، لإطلاق الروايات، و توهّم أنّه لا يتصوّر التقيّة بالنسبة إليهم كما ترى، فانّ التقيّة قد تكون في مقابل الكفّار كما في قضيّة عمّار.

و كذلك قوله تعالى: لٰا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ ... (1).

مضافا إلى ما نعلم من اجراء أحكام الإسلام و منها حقن الدماء في حقّ القائلين بالشهادتين، كما في أحاديث تفسير «الإسلام» و «الإيمان» و يؤيّده مساواة دية المسلمين من جميع الفرق بلا تفاوت بينهم.

نعم النواصب و الخوارج خارجون عن هذا الحكم لخروجهم عن الإسلام.

3- أمّا أهل الذمّة، فيشكل عموم الدليل لهم، كما يظهر من أحكام القصاص و الدّيات، فانّه لا يقاص مسلم بالذمّي إلّا أن يعتاد قتلهم.

4- الظاهر أنّ الحمل بعد ولوج الروح فيه و صيرورته إنسانا كاملا بحكم الإنسان المتولّد، و قد حكموا له بالدّية الكاملة، فتدبّر.

____________

(1). سورة آل عمران، الآية 28.

404

نعم قبل ولوج الروح يشكل إلحاقه كما ذكره كاشف الغطاء فيما حكي عنه (1).

5- لا فرق بين المريض و الصحيح و المسنّ و الصغير كما هو ظاهر، كلّ ذلك لإطلاق الدليل.

6- لا فرق في الحكم المذكور بين المباشر للقتل و المسبّب له، بعد إسناد الحكم إليه مستقلا أو اشتراكا، أو الإسناد إلى المباشر فقط بعد كون أمره مؤثّرا، فلو قال: مر بقتل فلان و إلّا قتلتك، لا يجوز أمره بالقتل إذا كان مؤثّرا فيه.

7- مستحقّ القتل بالقصاص في حكم محقون الدم بالنسبة إلى غير أولياء الدم، فلا يجوز قتله و إراقة دمه بالإكراه و التقيّة، و أمّا المحكوم بالقتل بحدّ و شبهه فقد ذكر فيه وجهان: الحرمة لإطلاق الأدلّة، و الجواز لانصرافها إلى من يكون محقون الدم لا المأمور باهراق دمه، و قد ذكره في مفتاح الكرامة تحت عنوان أنّه قد يفرّق بين مستحقّ القتل و غيره (2).

و هذا الإشكال سار في حكم القتل متعمّدا من دون إكراه لمن هو مهدور الدم (و لكن كان إهراق دمه بيد الحاكم الشرعي كالزاني المحصن) كما يعلم بمراجعة كلماتهم في أبواب القصاص فراجع (3).

27- هجاء المؤمن

اتّفقت كلمات علماء الإسلام فيما حكي عنهم على حرمة الهجاء في الجملة، و إن وقع الكلام في بعض خصوصياته.

و استدلّ له بالأدلّة الأربعة، أمّا الإجماع فقد عرفت، و إن كان لا يغني في مثل المقام، و لا يعدّ دليلا زائدا على الأدلّة الاخرى.

____________

(1). نقله في جواهر الكلام، ج 11، ص 170.

(2). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 116.

(3). و قد ذكر الإشكال في المسألة في الشرط السادس من الشروط المعتبرة في القصاص.