أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
405

و أمّا من كتاب اللّه فلقوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) بناء على شمول «الهمز» و «اللمز» لكلّ طعن و إيراد عيب، و قد يفرّق بينهما بأنّ «الهمز» هو ذكر العيب بظهر، و اللمز في وجهك.

أو إنّ الأوّل ذكره بلفظك، و الثاني بإشارتك و حركاتك.

و لكن الإنصاف أنّ بين عنوان الهجاء و العنوانين المذكورين عموما من وجه، لأنّ الهجو قد يكون بإنشاء جملة، و اخرى بحكاية عيب، و الأوّل كأن يقول وجهك وجه الحمار و رأسك رأس البقر! أو يقول يا أيّها الفسقة الفجرة قوموا و استقبلوا هذا الرجل، أو يا أرض ابلعيه و يا سماء اقلعيه أو غير ذلك، و الثاني بحكاية عيوبه الجليّة أو الخفيّة بقصد الذمّ، و لعلّ الأوّل أي ما كان بصورة الإنشاء غير داخل في العنوانين.

و منه يعلم حال قوله تعالى: وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ... و كذا قوله أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (2).

اللهمّ إلّا أن يقال إنّ أكل اللحم كناية عن إسقاط ماء الوجه، و هو حاصل هنا.

أمّا من السنّة، فبالروايات الكثيرة غاية الكثرة، بل لا يبعد تواترها الدالّة على حرمة إيذاء المؤمن (3).

و ما دلّ على حرمة إهانته (4).

و ما دلّ على تحريم إذلاله و احتقاره (5).

و ما دلّ على تحريم الاستخفاف به (6).

و ما دلّ على تحريم تعييره و تأنيبه (7).

و لا ينبغي الشكّ بعد ذلك كلّه في حرمة الهجاء.

____________

(1). سورة الهمزة، الآية 1.

(2). سورة الحجرات، الآية 12.

(3). راجع الوسائل، ج 8، ص 587، الباب 145، من أبواب أحكام العشرة.

(4). المصدر السابق، ص 588، الباب 146.

(5). المصدر السابق، ص 590، الباب 147.

(6). المصدر السابق، ص 592، الباب 148.

(7). المصدر السابق، ص 596، الباب 151.

406

أمّا معنى الهجاء فقد وقع الكلام منهم في تفسيره، و أنّه مخالف المدح، أو مع تخصيصه بالشعر، أو لا يختصّ به، و حيث قد عرفت أنّه لا يدور شي‌ء من الأدلّة مدار هذا العنوان، فلا يهمّنا هذا البحث، بل الاعتبار بما ورد في عناوين روايات الباب.

نعم ورد هذا العنوان في معاقد بعض الإجماعات، و لكن حال الإجمال في هذه الموارد معلوم، و ان كان الظاهر كون المراد من الهجاء هنا الذمّ و القدح، سواء كان بالشعر و النثر أو غيرهما لوحدة الملاك قطعا.

ثمّ أنّه استثنى من ذلك امور:

1- ما إذا توقّف النهي عن المنكر عليه لمعارضة الأهمّ له.

2- ما إذا كان متجاهرا و لا يبالي بما قيل فيه لخروجه عن الأدلّة.

3- إذا كان من المخالفين، فقد ذكر في الجواهر الحاقهم بالمشركين، بل قال: لعلّ هجائهم على رءوس الأشهاد من أفضل عبادة العبّاد ما لم تمنع التقيّة، و أولى من ذلك جواز غيبتهم، ثمّ ادّعى جريان السيرة عليه، ثمّ قال: فلا غرابة في دعوى تحصيل الإجماع عليه ...

بل يمكن دعوى كونه من الضروريات فضلا عن القطعيات!

ثمّ نقل كلام المحقّق الأردبيلي و صاحب الكفاية (قدّس سرّهما) في باب الغيبة و إنّ الظاهر عموم أدلّة تحريمها لهم، بأنّه لا استبعاد في ذلك كما لا يجوز قتله و أخذ ماله فلا يجوز تناول عرضه.

ثمّ قال صاحب الجواهر (قدّس سرّه): لعلّ صدور ذلك منه لشدّة تقدّسه و ورعه ... و انّ مقتضى التقدّس خلاف ذلك! (1).

و غاية ما يمكن أن يستدلّ لما نحن فيه امور:

1- ما ثبت في الروايت و الأدعية و الزيارات من جواز لعنهم و سبّهم.

2- إنّهم متجاهرون بالفسق لبطلان عملهم (كما في الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات) (2).

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 62.

(2). وسائل الشيعة، ج 1، ص 90.

407

3- قيام السيرة المستمرّة عليه.

4- إنّ المراد من أدلّة الحرمة هو خصوص المؤمن القائل بالولاية الذي ثبتت اخوته لا غير ....

هذا و لكن يعارض هذه الروايات:

أوّلا: الروايات الكثيرة الدالّة على جريان حكم الإسلام و الإيمان عليهم، و أنّه بالشهادتين تجري أحكام الإسلام و بهما حقنت الدماء.

و ثانيا: الروايات الكثيرة الدالّة على العشرة معهم بالمعروف (1).

و كذا ما دلّ على حضور جماعاتهم و عباداتهم و كسب محبّتهم و غير ذلك.

و الحاصل أنّ المستفاد من جميع ذلك وجوب المعاملة معهم معاملة المسلم، و هذا لا يتناسب مع عدم حرمة عرضهم، و كذلك العشرة معهم بالمعروف لا تتناسب جواز سبّهم و إيذائهم، و لعلّ أحسن طريق للجمع بينهما حمل المجوّزة على المعاند لأهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الذي ينكر فضلهم أو يغصب حقوقهم أو يسعى في إطفاء نورهم، و المانعة على القاصرين أو المقصّرين الموالين لهم، و ان لم تبلغ معرفتهم حقّ المعرفة كما نرى كثيرا منهم في البلاد الإسلامية.

بقي هنا شي‌ء، و هو أنّه في مقام النهي عن المنكر و الردّ على أهل البدع هل يجوز هجوهم بما ليس فيهم و نسبة امور كاذبة إليهم؟

قد يقال بجواز ذلك لما في صحيحة داود بن سرحان من الأمر بذلك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبّهم و القول فيهم و الوقيعة، و باهتوهم، كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ..

الخ (2).

و كذلك ما يستفاد من مفهوم رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم فقال: الكفّ عنهم أجمل ثمّ قال: «يا أبا حمزة و اللّه إنّ‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 470، الباب 26، من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(2). المصدر السابق، ص 508، الباب 39، ح 1.

408

الناس كلّهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا، ثمّ قال: نحن أصحاب الخمس و قد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا» (1).

هذا و لكن ذلك لا يخلو عن إشكال.

أمّا أوّلا لحرمة الكذب ذاتا، و لا يجوز التوصّل بالباطل إلى الحقّ، و القول بأنّ الطريق قد يكون منحصرا كما ترى، مع خوف انكشاف هذا الخلاف و ما فيه من آثار السوء لأهل الحقّ و وهن مقامهم و تزلزل مكانتهم و اعتبارهم كما لا يخفى.

و ثانيا: الرواية الثانية ضعيفة سندا، مضافا إلى أنّه يشكل الموافقة على مضمونها، لأنّ الحكم بأنّهم أولاد بغايا بعد كون النكاح الموجود عند كلّ قوم ممضي عند الشرع، و لا أقل من كونهم أولاد شبهة- و إطلاق أولاد البغايا على ولد الشبهة غير صحيح- مشكل جدّا، إلّا بضرب من التشبيه و المجاز.

و يعارضه ما جاء في الرواية من «أنّ لكلّ أمّة نكاحا يحتجزون به عن الزنا» (2) و غيره ممّا ورد في الباب 71 و 72 من أبواب جهاد النفس.

و أمّا الاولى فالبهت و البهتان- كما يظهر من متون اللغة- في الأصل بمعنى الحيرة و التحيّر، و لذا يقال بالأخذ بغتة بالعذاب البهت، قال اللّه تعالى بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ (3) و إطلاقه على نسبة ما ليس في إنسان إليه من هذا الباب لأنّه يحيّره كما صرّح به أهل اللغة، فكأنّ المراد: احملوا على أهل البدع من كلّ جانب و اجعلوهم متحيّرين حتّى لا يطمعوا في الفساد في الإسلام، فتأمّل.

و بالجملة، التوصّل بالبهتان بمعنى نسبة ما ليس فيهم إليهم لا سيّما في النسب و الأعراض في هذه المقامات مشكل جدّا، و لذا فسّره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في بعض كلماته بأنّه يجوز سوء الظنّ في حقّهم بما لا يجوز في حقّ المؤمن.

مضافا إلى أنّ فتح هذا الباب يوجب فسادا عظيما لأهل الأهواء ينسبون من خالفهم إلى كلّ شي‌ء، و يحرّفون الكلم عن مواضعه، و يهتكون الأسرار، و يضيّعون الأعراض، و يشوّهون‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 331، الباب 73، من أبواب جهاد النفس، ح 3.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). سورة الأنبياء، الآية 40.

409

وجه الإسلام كما رأينا في زماننا من بعض من لا حظّ له من تقوى اللّه، أعاذنا اللّه منهم و من شرّهم.

28- هجر المؤمن

و «الهجر» بالضمّ بمعنى «الفحش» و «القبيح من القول» و يمكن الاستدلال على حرمته أيضا بالأدلّة الأربعة، من العقل بأنّه ظلم و إيذاء، و من الآيات بما دلّ على وجوب اجتناب قول الزور و غيرها من الآيات، و من الإجماع باتّفاق الأصحاب عليه.

و من السنّة بروايات كثيرة غاية الكثرة رواها الوسائل في الباب 71 و 72 و غيرهما من أبواب جهاد النفس، منها:

1- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من علامات شرك الشيطان الذي لا يشكّ فيه أن يكون فحّاشا لا يبالي ما قال و لا ما قيل فيه» (1).

2- و ما رواه سماعة قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي مبتداء: «يا سماعة ما هذا الذي كان بينك و بين جمالك؟ إيّاك أن تكون فحّاشا أو سخّابا (2) أو لعّانا»، فقلت و اللّه لقد كان ذلك أنّه ظلمني، فقال: «إن كان ظلمك لقد اوتيت عليه، إنّ هذا ليس من فعالي، و لا آمر به شيعتي، استغفر ربّك و لا تعد». قلت: استغفر اللّه و لا أعود (3).

3- و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ من أشر عباد اللّه من تكره مجالسته لفحشه» (4).

4- و ما رواه حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) (في وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «... يا علي شرّ الناس من أكرمه الناس اتّقاء فحشه و أذى شرّه ...» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 327، الباب 71، من أبواب جهاد النفس، ح 1.

(2). السخاب بمعنى الصيحة و الحرص.

(3). وسائل الشيعة، ج 11، ص 328، الباب 71، من أبواب جهاد النفس، ح 7.

(4). المصدر السابق، ح 8.

(5). المصدر السابق، ح 11.

410

5- و ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال و لا ما قيل له فهو شرك الشيطان» (1).

و دلالة هذه الأخبار على المقصود واضحة.

و بالجملة المسألة واضحة لا تحتاج إلى بحث كثير.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 11، ص 329، الباب 72، من أبواب جهاد النفس، ح 1.

411

الحادي عشر- الأفعال الواجبة ممّا يحرم التكسّب به

الأفعال الواجبة على الإنسان في الجملة

قد اشتهر القول فيها بالحرمة في الجملة، و ان اختلفت كلمات الخاصّة و العامّة فيها غاية الاختلاف، من ناحية تفاصيلها، و ذكر فيها أقوال كثيرة ربّما أنهاها بعض الأكابر إلى تسعة أقوال، و لكنّها ترجع بالمآل إلى ثلاثة:

1- القول بعدم الجواز مطلقا (و هو نادر).

2- القول بالجواز مطلقا.

3- القول بالتفصيل بين التعبّدي و التوصّلي، أو بين العيني و الكفائي، إلى غير ذلك من التفاصيل التي ذكرت في المقام، و قبل ذكر الأدلّة لا بدّ من تحرير محلّ النزاع، فنقول و من اللّه التوفيق و الهداية:

إنّ الكلام إنّما هو فيما إذا كان هناك عمل واجب فيه فائدة تعود إلى باذل المال بحيث يعدّ بذل المال بازائه عند العقلاء معقولا لا أمرا سفهيا، بل يمكن أن يقال بعدم لزوم عود النفع إليه أيضا، بل المعتبر كونه غير سفهي، فيجوز أن يقول: خذ هذا المال منّي و كن في خدمة فلان أو عمّر دار فلان، أو احمله إلى داره و ان لم يعد نفعه إليه، بل كان مجرّد محبّة منه إليه، و القول ببطلانه بعد عموم أدلّة المعاملات و وجود أمثاله في العرف ممنوع.

نعم، ما قد يقال من أنّ كون المعاملة سفهيّة لا يوجب فسادها ممنوع جدّا، إذا كانت السفهية بمعنى عدم بذل مال بازائه في عرف العقلاء و كان من قبيل أكل المال بالباطل.

إذا عرفت هذا فلنعد إلى الأدلّة، فنقول: استدلّ على الحرمة بامور مختلفة:

1- الإجماع: و اعتمد عليه في الرياض و غيره، و لكن يرد عليه أوّلا: إنّ الإجماع غير‌

412

ثابت إلّا في الجملة، و هو غير كاف في فروع المسألة.

و ثانيا: إنّ التمسّك بالإجماع في هذه المسائل التي يعلم بوجود مدارك اخر غير جائز كما ذكر في محلّه.

2- منافاة الإجارة لقصد العبادة، و «مخالفة أخذ المال للإخلاص». و قد يجاب عنه:

أوّلا: بأنّ النسبة بين المدّعي و بينه عموم من وجه، لعدم جريانه في الواجب التوصّلي بينما يجري في العبادات المستحبّة أيضا فهو أخصّ من وجه، و أعمّ من وجه.

و ثانيا: بالنقض بالعبادات المستأجرة.

و ثالثا: بالنقض بما يؤتى من العبادات بقصد الامور الدنيوية كصلاة الاستسقاء، و الصلاة لقضاء الحاجة و سعة الرزق و شفاء المريض و غير ذلك.

و رابعا: بأنّ الإجارة لا تنافي قصد القربة بل تؤكّدها.

هذا و الإنصاف أنّ الجواب الأوّل غير كاف، لأنّ غايته التفصيل بين الواجبات التعبّدية و غيرها، و شموله للعبادات المستحبّة لا مانع له، فهو كاف لإثبات بعض الأقوال في المسألة.

و لكن الثاني نقض في محلّه، و ما أفاده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من الفرق بين العبادات المستأجرة و بين المقام بما حاصله: «إنّ الاجرة إنّما هي على النيابة أي جعل نفسه نائبا عن الغير في إتيان العمل تقرّبا إلى اللّه، فالاجرة في مقابل النيابة في العمل، و هي أمر توصّلي لا يعتبر فيها التقرّب لا في مقابل أصل العمل» ممنوع بأنّ النيابة غير منفكّة عن نفس العمل خارجا، فهما عنوانان منطبقان على شي‌ء واحد و ليست النيابة مجرّدة عن قصدها حتّى يكون الاجرة على نفس القصد، بل هي العمل الصادر عن هذا القصد.

و ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض كلماته من أنّ التقرّب يقع للباذل دون العامل أيضا مشكل، لأنّ مجرّد النيابة لا يوجب تقرّبا للمنوب عنه إلّا من جهة التسبيب (فتأمّل).

و كذا النقض الثاني في محلّه، و ما أجاب عنه غير واحد من الفرق بين الطلب من اللّه و أخذ الاجرة من الناس، فانّ الأوّل عبادة في نفسه و قال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ (1).

____________

(1). سورة غافر، الآية 60.

413

و قال تعالى: قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ (1).

فهو أيضا ممنوع، بأنّا ننقل الكلام في المحرّم على طلب الغيث من اللّه، فانّ الداعي إليه كثيرا ما يكون أمرا دنيويا محضا، و كذا الدعاء للتزويج و شفاء المريض و سعة الرزق و غيرها منه، فالداعي إلى هذا الطلب من اللّه ليس أمرا قربيّا، بل أمر دنيوي.

فالتفاوت بين المقامين في تعدّد الواسطة و عدمه، و إلّا فكلاهما تنتهيان إلى ما ليس قربيّا، بل قلّما ينفك الإنسان عمّا يرجع إلى نفسه في عباداته إلّا الأوحدي من الناس.

و أمّا «الرابع»: و هو العمدة في الجواب، و هو عدم منافاة أخذ الاجرة لقصد القربة، فيمكن تقريره بأنّ العبادة تنشأ عن قصد القربة، و ان كان الداعي على هذا الداعي هو أخذ الاجرة، و هذا ليس ببعيد، و لو لا مسألة الداعي على الداعي لما صحّت العبادات الاستيجارية، بل و لا أي عبادة من العبادات عدا ما شذّ و ندر، لأنّ فيها دواع غير قربية غالبا كما عرفت آنفا، و أمّا ما قد يقال بأنّ أخذ الاجرة يؤكّد داعي القربة به، فهو أمر شعري مخالف للوجدان.

بقي هنا شي‌ء، و هو أنّ بعض المحشّين ذكروا عدم توقّف أخذ الاجرة على العمل، بل يستحقّ بنفس العقد، و حينئذ لا يبقى إشكال من هذه الناحية بالنسبة إلى العمل.

و يرد عليه: إنّ الاستحقاق حينئذ متزلزل لحقّ الفسخ على تقدير عدم العمل (فتأمّل).

3- ما حكي عن كاشف الغطاء (قدّس سرّه) من أنّ التنافي بين صفة الوجوب و التملّك ذاتي، لأنّ المملوك المستحقّ للّه لا يملك و لا يمكن تمليكه للغير في مقابل العوض، أيضا بظاهره ممنوع، لعدم كون الوجوب من قبيل التمليك للّه، بل و لا التمليك للغير إذا كان من قبيل تجهيز الميّت و شبهه، نعم هو شبه التمليك، و لكن مجرّد التشابه في بعض الآثار لا يوجب عدم جواز تمليكه للغير، كإجارة نفسه مرّتين لشخصين في زمن واحد.

و التعبير باللام في قوله «للّه على الناس حجّ البيت» و كذا ما ورد من قوله (عليه السلام): «دين اللّه أحقّ بالقضاء» و هكذا ما ورد في باب النذر و صيغته مضافا إلى اختصاصها ببعض الأبواب، غير ظاهر في الملكية المصطلحة، بل هو دليل على اختصاصه للّه تعالى.

بيان آخر للمسألة: نعم يمكن بيان التنافي بين الوجوب و أخذه الاجرة بنحو آخر،

____________

(1). سورة الفرقان، الآية 77.

414

حاصله إنّ العرف و العقلاء يرون المنافاة بين أخذ الاجرة و أداء الوظيفة، فلذا لو أدّى الإنسان وظيفته التي هي مأمور بها بحكم القوانين الدارجة، و أراد أخذ الاجرة في مقابله يقال له: هذا من وظيفتك، كيف تطلب عليه أجرا؟

و هذا أمر ظاهر عندهم، يؤاخذون و يلومون من طلب الأجر في مقابل أداء بعض ما عليه من التكاليف العرفية، و الحقوق المتداولة، فهذا أحسن دليل في المقام و مآله إلى كونه من قبيل أكل المال بالباطل (فتأمّل فيه جيّدا).

4- ما في بعض كلمات الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في بعض شقوق المسألة من أنّ كون الشي‌ء واجبا مقهورا عليه من قبل الشارع يوجب عدّ أكل المال في مقابله أكلا بالباطل.

و الظاهر رجوعه أيضا إلى ما ذكرنا من ملاحظة المنافاة بين أداء الوظيفة و أخذ الاجرة، بل لا ينحصر ذلك بكون الإنسان مأمورا من ناحية الشارع المقدّس، بل كلّما كان من وظائف الإنسان الحتمية لا يكون أكل المال في مقابله إلّا باطلا.

5- ما ذكره (قدّس سرّه) الشريف) أيضا في بعض كلماته أنّه قد يفهم من أدلّة وجوب الشي‌ء كونه حقّا لمخلوق يستحقّه على المكلّفين، فكلّ من أقدم عليه فقد أدّى حقّ ذلك المخلوق، فلا يجوز له أخذ الأجرة.

و الظاهر أنّ مآله أيضا إلى ما ذكرنا، فانّ إنقاذ الغريق المشرف على الهلاك أو تجهيز الميّت أو غير ذلك ممّا مثّل له داخل فيما عرفت، و إلّا فليس في أدلّة وجوبها ما يغاير سائر الواجبات.

و قبل ذكر نتيجة البحث في المقام لا بدّ من النظر في التفصيل الذي ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)، و حاصل ما ذكره أنّ الواجب على ثلاثة أقسام:

1- التعييني العيني، فيحرم أخذ الاجرة عليه، تعبّديا كان أو توصّليا، لأنّه أمر مقهور عليه من قبل الشارع المقدّس، فأخذ الاجرة في مقابله أكل للمال بالباطل.

2- الواجب التخييري، فان كان توصليا لا مانع من أخذ الاجرة على خصوص أحد فردي التخيير، لأنّه غير مقهور عليه و عمله محترم!

و إن كان تعبّديا، فان قلنا بكفاية الإخلاص بالقدر المشترك، فهو كالتوصّلي، و إلّا فيبطل من هذه الناحية.

415

3- الواجب الكفائي فان كان توصليا فهو أيضا جائز، و إن كان تعبّديا لا يجوز، نعم تجوز النيابة فيه إن كان ممّا يقبل النيابة (انتهى ملخّصا) (1).

هذا و فيه وجوه من النظر:

أمّا أوّلا: فلما عرفت من أنّ مجرّد المقهورية غير كافية، بل العمدة كون الشي‌ء من وظائف الإنسان شرعا أو عرفا ينافي أخذ الاجرة عليه بحيث يعدّ أكل المال بازائه أكلا بالباطل.

و ثانيا: فلأنّ الواجب التخييري بعد أن كان موظّفا أو مقهورا- بتعبيره (قدّس سرّه)- على أحدهما لا يجوز له أخذ الاجرة عليه إلّا أن يكون فيه مزيد كلفة، مثل نقل الميّت للدفن إلى مكان أبعد، يكون فيه بعض المزايا الشرعية أو العرفية، مثل ما إذا كانت الأرض صلبة، أو يسهل وصول الزوار إلى محلّه أو غير ذلك، و لعلّ مراده أيضا ذلك، و إلّا فمجرّد التخيير مانع قطعا.

و ثالثا: فانّ التقرّب بالقدر المشترك غير ممكن بعد ما كان متّحدا مع الخصوصية خارجا غير منفكّ عنها.

هذا و لكن قد عرفت تصحيح قصد القربة في هذه المقامات من طريق الداعي إلى الداعي.

و رابعا: فلأنّ المحذور في الواجب الكفائي أيضا موجود، فانّ من يؤدّي وظيفته بالصلاة على الميّت، أو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لا يجوز له أخذ الاجرة في مقابل أداء الوظيفة، و مجرّد كونه كفائيا لا يوجب تفاوتا في المقصود.

و خامسا: إنّ الواجب الكفائي التعبّدي لا مانع من أخذ الاجرة عليه بلحاظ كونه تعبّديا كما عرفت.

إنّما الإشكال من ناحية نفس الوجوب كما ذكرنا.

و سادسا: ما ذكره في جواز النيابة في هذه المقامات مشكل، بعد كون الإنسان نفسه مأمورا بنفس ذلك الشي‌ء، و كيف تصحّ النيابة في مقابل أمر يكون نفسه مأمورا به؟!

____________

(1). المكاسب الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 63.

416

فتلخّص ممّا ذكرنا امور:

1- طبيعة الوجوب تنافي أخذ الاجرة من الغير بحكم العرف و العقلاء (فيكون مصداقا لأكل المال بالباطل).

2- لا إشكال هنا من ناحية قصد القربة، و لذا لا مانع في العبادات المستحبّة إذا كانت الشرائط فيها مجتمعة.

3- لو كان لبعض أفراد الواجب المخيّر فيها مزيد كلفة أو خصوصية، يجوز أخذ الاجرة في مقابله، و لا يعدّ أكلا للمال بالباطل، و اتّحاد الخصوصية مع أصل العمل هنا غير مانع، بعد ما عرفت من أنّ العمدة في المقام المنافاة، و هي غير موجودة في المقام.

الكلام في الصناعات الواجبة:

بقي هنا الكلام في الإشكال المشهور في الصناعات التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الإسلامي، مثل الزراعة و التجارة و أنواع المكاسب الضرورية بدليل وجوب حفظ النظام و كونها مقدّمة له. و هكذا الطب و أشباهه ممّا يتوقّف عليها حفظ النفوس المحترمة، فإذا كانت هذه الصناعات واجبة، فكيف يجوز أخذ الاجرة عليها بعد ما عرفت من حرمة أخذ الاجرة على الواجبات؟ مع أنّ جواز أخذ الاجرة عليها من البديهيات.

و قد وقع الإعلام هنا في حيص و بيص و أجابوا عنه بوجوه عديدة:

1- ما يدلّ على استثنائها تعبّدا بالإجماع، أو عقلا لإخلاله بالغرض، و لزوم اختلال النظام لو لم يؤخذ الاجرة عليها.

2- ما يدلّ على خروجها موضوعا عن محلّ البحث، إمّا لأنّ الممنوع هو أخذ الاجرة على التعبّدي، و هذه امور توصلية، أو الممنوع هو أخذ الاجرة في الواجبات العينية و الكلام في الكفائية (كما اختاره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه).

أو في الواجبات النفسية، و هذه واجبة مقدّمة لحفظ النظام.

3- الالتزام بالإشكال في فرض عدم قيام من به الكفاية، و الجواز إذا كان من به الكفاية موجودا.

417

4- إنّ الواجب هنا مشروط من أوّل أمره بالعوض، فحفظ النظام يتوقّف على الصناعات التي يؤخذ الاجرة عليها، لا إذا ما لم يؤخذ عليها الأجر كما هو ظاهر.

5- إنّ الغرض هنا معلوم، و هو حفظ النظام، فكما يحصل بالصناعات التبرعية يحصل كذلك بأخذ الاجرة عليها من دون فرق.

و هنا طرق اخرى لغير واحد من أعيان المتأخّرين أو المعاصرين نذكر أهمّها تكميلا لما سبق.

6- إنّ هنا أمرين: «المصدر» و «حاصل المصدر» و الذي يتوقف عليه نظام المجتمع هي فعل الصناعات و الحرف بمعناه المصدري، و الذي يؤخذ الأجر عليها هو هذه الصناعات بمعنى الاسم المصدري، فالطبابة أو الحياكة و أمثالهما بما أنّها أفعال صادرة من المكلّفين هي ممّا يتوقف عليه حفظ النظام، و بما أنّ نتيجتها مال، فيؤخذ بازائها المال، و لا ينافي ذلك وحدتهما خارجا و اختلافهما اعتبارا.

نعم في مثال القضاء المعتبر فيه المعنى المصدري يشكل الأمر (1).

7- ما يظهر من بعضهم من إنكار وجوب المقدّمة!، بعد العلم بأنّها مطلوبة مقدّمة لحفظ النظام أو الوسوسة في وجوب حفظ النظام و ان كان الإخلال به حراما! (2).

هذا فلنعد إلى تحقيق حال هذه الوجوه فنقول (و منه جلّ شأنه التوفيق و الهداية):

1- التمسّك بالإجماع التعبّدي أو السيرة في هذه المسائل بعيد جدّا، و إن كان الإجماع حقّا و كذا السيرة في الجملة، لدلالة وجوه اخرى عليها.

2- كذا إنكار حرمة أخذ الاجرة في التوصليات أو الواجبات الكفائية، لما عرفت من عدم الفرق بينها في دليل الحرمة.

3- إنكار وجوب المقدّمة أيضا كما ترى، و لو سلّمناه فدليل الحرمة جار، لأنّ الفعل الذي لا بدّ منه و لو مقدّمة للقيام بالوظائف الواجبة لا يصحّ أخذ الاجرة عليه و يكون أكل المال بازائه أكلا باطلا، و كذا إنكار وجوب حفظ النظام الذي هو من الضروريات و سبب‌

____________

(1). حكي عن المحقّق النائيني (قدّس سرّه) (المكاسب المحرّمة للإمام الخميني (قدّس سرّه)، ج 2، ص 204).

(2). المكاسب للإمام، ج 2، ص 204.

418

تشريع كثير من الأحكام و يتوقّف عليه جميع أغراض الشارع المقدّس، و كيف يمكن إنكاره مع أنّ كثيرا من قوانين الشرع إنّما شرّعت لحفظه كما صرّح به في روايات بيان علل الشرائع و الأحكام.

4- الالتزام بالإشكال أيضا بعيد في مورد عدم قيام من به الكفاية، لظهور الإجماع و لقيام السيرة القطعية عليه، و كم من صناعات و حرف لا نجد من به الكفاية لها في البلد مع أخذ الاجرة عليها قديما و حديثا كالطب و أشباهه حتّى في عصرنا هذا.

5- و أسوأ من الجميع التفرقة بين المعنى المصدري و اسم المصدري، لأنّ نظام المجتمع إنّما يتوقّف على الحاصل من هذه الصناعات كالبناء و الحياكة و الطب، مضافا إلى أنّ الوحدة الخارجية بينهما كما اعترف به يمنع عن حرمة أحدهما و جواز الآخر، و الاختلاف الاعتباري غير كاف في متعلّقي الأمر و النهي قطعا، و في الحقيقة هذه تدقيقات ليس لها وزنا في موازين العقلاء و أهل العرف، و أشبه شي‌ء بالتلاعب بالألفاظ.

و الذي ينبغي أن يقال أنّ العمدة من بينها هو ما مرّ من مسألة لزوم نقض الغرض، أو كون الوجوب مشروطا من أوّل الأمر بأخذ العوض، حذرا من اختلال النظام.

و الحاصل، إنّ ملاك الحكم هنا معلوم، و لا يحصل إلّا بأخذ العوض، لعدم وجود محرّك آخر بالنسبة إلى هذه المشاغل غالبا إلّا أخذ الاجرة.

و هنا طريق آخر أحسن من هذا الوجه من بعض الجهات، و هو أنّ هذه الصناعات و العلوم ليست ممّا يحتفظ به النظام، بل الحافظ له هو التعاون في الحياة الاجتماعية.

توضيحه، إنّ في طبيعة الإنسان غريزة الاجتماع، و الظاهر أنّها ناشئة عن امور:

منها كثرة حوائج الإنسان بالنسبة إلى غيره من الحيوانات.

و منها ميله إلى التنوّع، و شوقه إلى التكامل و الرقي في جميع الامور، و ذلك ناشئ عن قوّة إدراكه، و تنوّع أمياله و غرائزه و فطرياته، فلذا تتكثّر الصنائع و العلوم دائما و تحتاج إلى التخصص في شتّى نواحيها، ثمّ يريد كلّ إنسان أن ينتفع بما في أيدي الآخرين، و لا يمكن ذلك إلّا بالتعاون، و أداء شي‌ء ممّا يحسنه للوصول إلى ما يحسنه غيره، فالحافظ لنظام المجتمع هو هذا الأمر، لا مجرّد فعل هذه الصنائع، فعلى كلّ واحد الاشتغال ببعض ما يحتاج‌

419

إليه المجتمع الإنساني، ثمّ بذل ما في يده في مقابل ما في أيدي الآخرين.

فالصنائع بذاتها ليست واجبة، بل بما إنّها من مصاديق التعاون الحافظ للنظام، فإذا كان الواجب هو التعاون كان أخذ الاجرة مأخوذا في مفهومه، فلا تندرج المسألة في مسألة أخذ الاجرة على الواجبات (فتدبّر جيّدا).

نعم لو بلغ الإنسان حدّا من الفهم و الإيمان و الشعور الاجتماعي يكون الداعي الإلهي فيه قويّا يدعوه إلى الإيثار و بذل ما في يده توقّع شي‌ء من الآخرين، و اشترك جميع الناس في هذا الأمر (كما لعلّه يستفاد من بعض ما يحكى عن قصّة المجتمع الإلهي في عصر المهدي عليه آلاف التحيّة و الثناء) تبدّل «التعاون» «بالإيثار» و كان هو الحافظ للنظام، و ذهبت الاجرة و بقيت المثوبة.

و قد يشعر بما ذكرنا قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا (1).

بعض مستثنيات المسألة:

اختار الفقيه الماهر صاحب الجواهر (قدّس اللّه سرّه) عدم مانعية صفة الوجوب عن أخذ الاجرة مطلقا عدا ما يستفاد من دليله كونه مجانيا، و استراح من مشكلة الصناعات الواجبة كفاية و بعض النقوض الواردة على القول بالمنافاة مثل بذل المال للمضطر و أخذ بدله و شبه ذلك، و لكن شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) لمّا رأى المنافاة بينهما تصدّى لدفع هذه النقوض، و هي كثيرة، منها:

1- أخذ الطبيب الاجرة إذا تعيّن عليه العلاج و خرج عن عنوان الواجب الكفائي.

2- أخذ الوصي اجرة مثل عمله مع وجوب العمل بالوصية.

3- جواز أخذ العوض لباذل القوت للمضطر.

4- رجوع الامّ المرضعة بعوض اللبن مع أنّه ممّا لا يعيش الولد إلّا به كما قيل.

فالتزم في الأوّل بالحرمة على مبناه من منافاة صفة الوجوب العيني مع أخذ العوض.

____________

(1). سورة الزخرف، الآية 32.

420

و في الثاني بخروجه بالأدلّة القطعية و النصوص تعبّدا!

و في الثالث أنّه من مقتضى الضمان بالإتلاف لا المعاوضة.

و في الرابع بأنّه أمّا من قبيل بذل المال للمضطرّ، و إمّا من باب التعبّد لإطلاق قوله تعالى:

فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (1) (2) (انتهى محصّل كلامه (قدّس سرّه).

أقول: أمّا بالنسبة إلى أخذ الطبيب الاجرة، فقد عرفت أنّه لا إشكال فيه و ان انحصر العلاج بيده، لما ذكرنا من مسألة نقض الغرض في حفظ النظام و غيره.

أمّا أخذ الوصي اجرة مثل عمله، فالظاهر أنّه من باب الاشتراط الضمني عرفا في عقد الوصية، بعد كون عمل الحرّ محترما.

نعم إذا كان العمل بها لا يشغل وقتا كثيرا منه، فبناء العقلاء على المجانية، و إلّا فلا، و قد أمضاه الشرع.

و لعلّ أخبار أبواب الوصية أيضا منصرفة عن الصورة الأخيرة، فراجع 3 و 4 و 5 و 9/ 72 من أبواب ما يكتسب به و غير ذلك، بل لعلّ ظاهر الآية وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (3) ب أيضا ذلك. و أصل الجواز له مشهور عندهم و ان كان المسألة ذات أقوال ثلاثة: من أنّه هل يستحقّ اجرة مثل عمله، أو ما يكفيه بالمعروف، أو أقلّ الأمرين؟ فراجع أحكام الوصية.

و أمّا بذل القوت للمضطرّ، فدليله أيضا ظاهر، لأنّ الواجب في الحقيقة هو حفظ النفس من طريق بذل القوت، و لا يتوقّف ذلك على كونه مجانا، فأخذ القيمة لا ينافي الوجوب أصلا، و ما ذكره شيخنا الأعظم لازمه عدم الضمان قبل الإتلاف.

و الفرق- بين «الأعمال» و «الأعيان» كما عن المحقّق الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه) و لعلّ كلام الشيخ ناظر إليه- مشكل جدّا، و كذا الحال في أخذ الامّ المرضعة الاجرة على الرضاع، لأنّ الواجب عليها حفظ نفس الولد و هو غير متوقّف على البذل مجانا كما هو ظاهر.

____________

(1). سورة الطلاق، الآية 6.

(2). المكاسب لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 64.

(3). سورة النساء، الآية 6.

421

و أمّا أخذ الاجرة في مقابل «القضاء» فقد عرفت سابقا في مباحث الرشوة أنّه غير جائز، للروايات الخاصّة الواردة فيها، مضافا إلى ما يستفاد من غيرها من رفعة مقام القضاء، و كون أخذ الاجرة مظنّة للوقوع في الجور في الأحكام، و العمدة الروايات الخاصّة.

بقي هنا امور:

الأمر الأوّل: أخذ الاجرة على المحرمات

لا يجوز أخذ الاجرة على المحرّمات، لما تبيّن لك من أنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه، و أنّه أكل للمال بالباطل بعد عدم المالية لها شرعا، مضافا إلى حديث تحف العقول و غيره.

و أمّا أخذ الاجرة على المباحات و المكروهات فلا مانع منه، إذا اجتمعت فيه سائر شرائط الإجارة من الفائدة المقوّمة لها و غير ذلك.

و أمّا على المستحبّات، فقد فصل شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) فيها بين العبادة و غيرها، فحكم بالفساد في الأوّل لفسادها بعدم القربة بأخذ الاجرة، كما إذا أخذ الاجرة لإعادة صلاته حتّى يصلّي به جماعة، و بالصحّة في الثاني، كما إذا استؤجر لبناء المسجد و غيره.

هذا و الإنصاف صحّة الجميع بعد ما عرفت من تصحيح أخذ الاجرة من طريق الداعي إلى الداعي، فإذا لم تكن العبادة من وظائفه الحتمية، و استؤجر لفعلها فلا مانع منه، إلّا فيما يستفاد من دليله كونه مجّانا كما في الأذان على احتمال، و هو أيضا من قبيل الوظائف.

الأمر الثّاني: أخذ الاجرة على العبادات الاستيجارية

ذكر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) هنا أنّ العبادات الاستيجارية كلّها داخلة في أخذ الاجرة على المستحبّات، لأنّ إتيان العبادات عن الغير مستحبّ ذاتا، و يأخذ الاجرة على فعل هذا المستحبّ، و لكن لمّا كانت العبادات الاستيجارية منوطة بقصد القربة، و هو لا يرخّص أخذ الاجرة حتّى على المستحبّات العبادية ذكر في تصحيح قصد القربة ما حاصله: إنّ حقيقة النيابة «جعل نفسه بمنزلة الغير و عمل العمل بقصد التقرّب الذي هو تقرّب المنوب عنه بعد فرض النيابة».

422

مضافا إلى أنّ هذه النيابة عمل راجح يصحّ فيه قصد القربة أيضا، فيتقرّب النائب بها أيضا إلى اللّه، مضافا إلى المنوب عنه، و لكن كثيرا ما يغفل النائب عن هذا المعنى و لا يقصد إلّا تقرّب المنوب عنه لا تقرّبه نفسه بالنيابة عن المؤمن، بل قد لا يعلم هذا الرجحان، و مع ذلك عمله صحيح من حيث تقرّب المنوب عنه، فإذن لا مانع من أخذ الاجرة على نيابته بعد عدم كونه مشروطا بقصد القربة، ثمّ أورد على نفسه بأنّ الواقع في الخارج عمل واحد و هو الصلاة عن الميّت مثلا، و هو بعينه متعلّق الإجارة و النيابة، و ليست النيابة عن الميّت شيئا و الصلاة شيئا آخر، حتّى يكون الأوّل متعلّقا للإجارة، و الثاني موردا للإخلاص.

ثمّ أجاب عنه بما حاصله: «إنّ الموجود في ضمن الصلاة الخارجية فعلان: نيابة صادرة عن الأجير، و صلاة كأنّها صادرة عن المنوب عنه، و هذان مختلفان في آثارهما، فانّه بالعنوان الأوّل ينقسم إلى المباح و الراجح و المرجوح، و بالعنوان الثاني تترتّب عليه الآثار الدنيوية و الاخروية للمنوب عنه، فكما أنّ آثارهما مختلفة كذلك أحكامهما مختلفة» (انتهى محصّل كلامه (قدّس سرّه) (1).

هذا و لكن مع ذلك يبقى في كلامه الشريف مواقع للنظر:

أوّلا: التقرب إلى اللّه ليس من الامور الاعتبارية التي تحصل بالإنشاء أو النيّة عن الغير، و لا معنى لتقرّب إنسان بعمل غيره، كما إذا قصد حيازة المباحات لغيره (بناء على جوازها) بل التقرّب إليه تعالى له ملاكات نفسية لا تحصل إلّا بها، فهو من الامور التكوينية الناشئة من مبادئها.

نعم لو كان المنوب عنه هو الباعث للغير على العمل، بحيث عدّ العمل من أعماله تسبيبا، أمكن قبول التقرّب له بذلك، و لكن هذا المعنى غير موجود في موارد استيجار الغير و شبهها عن الميّت غالبا، اللهمّ إلّا أن يقصد المباشر اهداء ثواب عمله إليه، و هذا أمر آخر.

ثانيا: انطباق عنوانين على عمل واحد لا يجعله عملين: أحدهما صادر بقصد القربة، و الثاني بقصد الاجرة، لأنّ المفروض أنّ الصادر شي‌ء واحد.

و أمّا مجرّد قصد النيابة الذي هو أمر قلبي فليس بازائه اجرة قطعا، بل هي بازاء الفعل النيابي الخارجي.

____________

(1). المكاسب لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 64 و 65.

423

ثالثا: إنّ نفس النيابة من الأعمال الراجحة المعلومة بالارتكاز للمتشرّعة جميعا، خواصهم و عوامهم، و يرونها إحسانا للميّت أو الحي، و الإحسان إلى المؤمن من أفضل القربات، فكيف يغفل عن مثل هذا المعنى؟

فإذا لا مناصّ إلّا من نفي العبادات الاستيجارية مطلقا على مبناه، و القول بأنّ ما ورد في مثل الحجّ إنّما تؤخذ الاجرة على المقدّمات فحسب، إمّا نفس العمل فيقع قريبا بدون قصد الاجرة، أو لا بدّ من قبول عدم منافاة قصد القربة لأخذ الاجرة من طريق الداعي على الداعي (كما ذكرناه سابقا).

ثمّ اعلم إنّه قد يقال: إنّ القرب المعتبر في العبادة لو كان من الحقائق الواقعية لكان حصوله للمنوب عنه ممتنعا، لكن لا يعتبر ذلك فيها جزما، و أمّا القرب الاعتباري و سقوط الأمر أو سقوط المكلّف به عن عهدته بفعل الغير بمكان من الإمكان، و يستكشف ذلك كلّه من أدلّة النيابة (1).

أقول: لا ينبغي الشكّ أنّ المعتبر في ماهية العبادة هو القرب الحقيقي، بل لم توضع العبادة إلّا لذلك، و إطاعة أوامر اللّه أيضا طريق للوصول إلى هذا المعنى، و لا معنى للقرب الاعتباري، و ليس القرب من الامور الاعتبارية أو الإنشائية الحاصلة بفعل الغير كما لا يخفى.

و أمّا سقوط الأمر إن كان بسبب قصد إطاعة الأمر، فهذا موجب للقرب حقيقة، أمّا سقوطه بفعل الغير فلا دخل له في القرب، نعم يمكن ذلك من باب اهداء الثواب، و لكن أين ذلك من النيابة؟

و أعجب منه ما ذكره في ذيل كلامه من نفي اعتبار قصد القربه في العبادات كلّها، و اكتفائه بالإخلاص و كونها للّه تعالى، مع أنّ العبادات لم توضع إلّا لذلك، فانّ غايتها إمّا تكريم اللّه و تعظيمه لحاجة اللّه إليه (تعالى عن ذلك علوا كبيرا) و أمّا لحاجة العبد، و هي تقرّبه نحوه، و لا ثالث لهما، و ما ذكره في ذيل كلامه يعود إلى قصد التقرّب في الواقع.

____________

(1). المكاسب المحرّمة للإمام الخميني (قدّس سرّه)، ج 2، ص 218، (و أضاف في ذيل كلامه: بل اعتبار قصد القربة أو حصول القرب في العبادات غير ظاهر بل لا يعتبر فيها إلّا الإخلاص و كونها للّه تعالى).

424

و هنا شبهة اخرى في مسألة النيابة في العبادات، و هي أنّ النائب لا أمر له حقيقة، و إنّما الأمر متوجّه إلى المنوب عنه، أو يكون في ذمّته، فكيف يمكن انبعاث المنوب عنه بأمر غيره، و تنزيل نفسه منزلة غيره؟ لأنّه لا أثر له في توجّه أمر غيره إليه، بعد عدم تغيير الواقعيات بهذا التنزيل الاعتباري الادّعائي، نعم الأمر متوجّه إليه بادّعائه، و الأمر الادّعائي لا أثر له و لا بعث و انبعاث له.

و يمكن الجواب عن جميع هذه الشبهات بأنّ الأصل في الأوامر و العبادات و ان كان كذلك، إلّا أنّ الشارع تفضّل على المؤمنين و أجاز لهم بنيابة بعضهم عن البعض في موارد خاصّة، و أجاز ابراء ذمّة المنوب عنه بفعل النائب، و هذا من باب التوسعة في باب الامتثال، كما في أداء الديون المالية الذي يحصل بفعل الغير أيضا، أمّا القرب و ان لم يكن حاصلا للمنوب عنه، إلّا أنّه يتفضّل عليه بشي‌ء من ثواب العمل، مضافا إلى براءة ذمّته، و ذلك لما دلّ صريحا من جواز النيابة عن الميّت في الحجّ و غيرها، و ان لم يوص بشي‌ء و لم يكن بأمره حتّى يعدّ فعلا له تسبيبا مثلما رواه:

1- محمّد بن أبي عمير عن رجاله عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يموت و عليه صلاة أو صوم قال: «يقضيه أولى الناس به» (1).

2- عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به» (2).

3- عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يقضي عن الميّت الحجّ و الصوم و العتق و فعاله الحسن» (3).

4- العلاء بن رزين في كتابه و هو أحد رجال الصادق (عليه السلام) قال: «يقضي عن الميّت الحجّ و الصوم و العتق و فعال الخير» (4).

5- البزنطي و كان من رجال الرضا (عليه السلام) قال: «يقضي عن الميّت الصوم و الحجّ و العتق و فعله الحسن» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 5، ص 366، الباب 12، من أبواب قضاء الصلاة، ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 368، ح 18.

(3). المصدر السابق، ص 369، ح 19.

(4). المصدر السابق، ح 20.

(5). المصدر السابق، ح 21.

425

6- و قال صاحب الفاخر: ممّا أجمع عليه و صحّ من قول الأئمّة (عليهم السلام) قال: «يقضى عن الميّت أعماله الحسنة كلّها» (1).

و كذا الروايات الكثيرة الواردة في أبواب الحجّ، و ظاهر جميع ذلك النيابة لا مجرّد اهداء الثواب.

و في هذا التشريع الإسلامي فوائد جمّة من وجود الصلة و التحابب بين المؤمنين حيّا و ميّتا أوّلا، و انبعاث الناس إلى القربات و الطاعات و لو بسبب حبّهم لأقربائهم و أصدقائهم ثانيا، و لما فيه من التفضّل الإلهي إلى الأموات أو الأحياء ثالثا.

نعم، هذا حكم على خلاف القاعدة لا نقول به إلّا فيما ثبت، لما عرفت من أنّ القرب لا يحصل إلّا بمبادئه الخارجية، و ليس من الامور الاعتبارية. فتلخّص من جميع ما ذكرنا صحّة النيابة في العبادات في الجملة، كما أنّه يصحّ الاستيجار فيها كذلك، و لا مانع منه من ناحية قصد القربة (و ان كان لنا بحث في غير الحجّ من ناحية اخرى).

و كذا يجوز الاستيجار في المستحبّات مطلقا، عبادة كانت أو غيرها، اللهمّ إلّا أن يثبت من دليله المجانية، و أمّا المباح و المكروه فلا مانع منه، كما أنّ الإجارة على الحرام و ترك الواجب ممنوع مطلقا، و أمّا المكاسب الواجبة لحفظ النفوس أو النظام فهي خارجة عنها بما عرفت من الدليل.

الأمر الثّالث: أخذ الاجرة على الواجبات

الحكم في عكس المسألة كالحكم في نفس المسألة، أي كما أنّه لا يجوز أخذ الاجرة على الواجبات و تمليكها للغير، كذلك لا يجوز صرف ما ملكه للغير في واجب نفسه (و تعرّضهم لمسألة الأجير في الطواف أو الإطافة هنا بهذه المناسبة و إلّا فالمسألة مربوطة ببحث الإجارة).

و حاصل الكلام فيها أنّه قد يكون الإنسان أجيرا للطواف من قبل غيره، و اخرى أجيرا لإطافة غيره من الصبي أو المريض و المغمى عليه، و ثالثة يكون أجيرا لحمله في الطواف، و رابعة يكون أجيرا للطواف معه.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 5، ص 369، الباب 12، من أبواب قضاء الصلاة، ح 22.

426

لا إشكال في أنّه في الصورة الاولى لا يجوز أن يقصد الطواف لنفسه، و يستدلّ له بأنّ نفس هذا العمل مطلقا للغير، فلا يجوز أن يقصده لنفسه، و العمدة في ذلك أنّه لا يجوز الجمع بين النيابة و الأصالة في نيّة واحدة لمنافاتهما بارتكاز المتشرّعة، بل ظهور روايات النيابة، و إلّا لو جاز الجمع بينهما في النيّة أمكن القول بجوازهما.

و أمّا الصورة الثانية و الثالثة فيهما أقوال كثيرة، فمنعهما جماعة كما حكي عن الإسكافي و من تبعه (1).

و أجازهما بعض (2)، و فصل جماعة بينهما، فمنع في الأوّل، و أجاز في الثاني، و فصل رابع بين صورة التبرّع و الجعالة، و صورة الإجارة، فأجاز في الأوّل و منع في الأخير، كما عن المسالك (3)، إلى غير ذلك.

و حيث أنّ المسألة خالية عن نصّ خاص، فلا بدّ من الرجوع فيها إلى القواعد، و هي تقتضي الجواز، لأنّ الإطافة بما أنّها فعل صادر منه، و كذلك الحمل بما أنّه فعل مباشري لا ينافي قصد طواف نفسه.

و إن شئت قلت: إنّ الذي استؤجر عليه هو مطلق الإطافة أو الحمل، سواء كان ذلك في طواف نفسه، أو لا، فالمستأجر عليه كان من أوّل أمره مطلقا من هذه الناحية، و يشتمل الصورتين، فلا وجه للمنع عنه بعد أداء الحقّين و عدم المانع في البين.

و الشاهد على ذلك أنّه يصحّ الاستيجار على حمل غيره في خصوص طواف نفسه، أو إطافة الغير فيما يقصده لنفسه، فكما يصحّ ذلك في مورد التصريح به بلا إشكال، يجوز الاستيجار على الأعمّ بلا إشكال أيضا.

نعم لو كانت الإجارة على خصوص الفرد غير المقارن بعمل نفسه لم يجز قصد طواف نفسه فيه.

و استدلّ على المنع مطلقا بأنّ الحركة الخاصّة ملك للغير بمقتضى الإجارة لا يجوز أن يجعلها لنفسه.

____________

(1). نقلا عن مصباح الفقاهة، ج 1، ص 477.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 477.

(3). المسالك، ج 1، ص 97.

427

و قد عرفت الجواب عنه و أنّ الذي هو ملك للغير أعمّ من الحركة المقارنة للطواف نفسه و غير المقارن له.

كما يظهر منه دليل القول بالتفصيل بين الاستيجار على الحمل، أو الإطافة، و جوابه أنّه لا فرق بينهما بعد كون الاستيجار على الأعمّ، مضافا إلى أنّ الإطافة أمر صادر منه، و كونها ملكا للغير لا يكون دليلا على تملّك أسبابه كما هو ظاهر.

كما يظهر بذلك دليل التفصيل المحكي عن المسالك، و هو عدم تمامية الملك للغير في الجعالة و التبرّع، و تماميته في الإجارة.

و فيه مضافا إلى ما عرفت من عمومية مورد الإجارة، أنّه على فرض الجعالة و إن صحّ طوافه، و لكن كيف يأخذ مال الجعالة بعد ما هو مفروض في كلماتهم من عدم جواز صرف ما هو لغيره لنفسه، و بالعكس؟

هذا و قد وردت روايات كثيرة في باب جواز حمل الإنسان غيره في طواف نفسه و أنّه يجوز لهما، و هي دليل على المقصود، و إليك بعضها:

1- ما رواه محمّد بن الهيثم التميمي عن أبيه قال: حججت بامرأتي و كانت قد أقعدت بضع عشرة سنة، قال: فلمّا كان في الليل وضعتها في شقّ محمل و حملتها أنا بجانب المحمل و الخادم بالجانب الآخر، قال فطفت بها طواف الفريضة، بين الصفا و المروة و اعتددت به أنا لنفسي، ثمّ لقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فوصفت له ما صنعته، فقال (عليه السلام): «قد أجزأ عنك» (1).

2- و ما رواه الهيثم بن عروة التميمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له: إنّي حملت امرأتي ثمّ طفت بها و كانت مريضة و قلت له: إنّي طفت بها و بالبيت في طواف الفريضة و بالصفا و المروة و احتسبت بذلك لنفسي فهل يجزيني؟ فقال (عليه السلام): «نعم» (2).

3- و ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة تطوف الصبي و تسعى به هل يجزي ذلك عنها و عن الصبي؟ فقال (عليه السلام): «نعم» (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 9، ص 459، الباب 50، من أبواب الطواف، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 460، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

428

4- و ما رواه هيثم التميمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل كانت معه صاحبة لا تستطيع القيام على رجلها فحملها زوجها في محمل فطاف بها طواف الفريضة بالبيت و بالصفا و المروة أ يجزيه ذلك الطواف عن نفسه طوافه بها؟ فقال (عليه السلام): «أيّها اللّه ذا» (1).

فمورد هذه الأحاديث و إن لم تكن الإجارة، و لكن يمكن الغاء الخصوصية منها، فراجع و تدبّر.

فلا إشكال من احتساب من استؤجر لإطافة غيره أو حمله في الطواف لنفسه و الاعتداد به.

الأمر الرّابع: أخذ الاجرة على الآذان

المشهور حرمة أخذ الاجرة على الأذان، بل عن «الخلاف» و «جامع المقاصد» الإجماع عليه، و عن حاشية الإرشاد نفي الخلاف فيه، و قال في المختلف أنّه مشهور (كما في مفتاح الكرامة) و مع ذلك حكي عن علم الهدى و الكاشاني الكراهة، و قد يسند إلى المعتبر و المبسوط و هو غير ثابت، بل قد يحمل قول علم الهدى على الارتزاق من بيت المال، فالمخالف الصريح قليل جدّا.

و أمّا بحسب القواعد، فالأصل فيه الجواز إذا كان له نفع عائد إلى الباذل يبذل بازائه المال كأذان الإعلام (و لكن ذكرنا في محلّه أنّه لا دليل على ثبوت أذان الإعلام بل الأذان دائما يكون للصلاة التي انعقدت جماعته أو في شرف الانعقاد) أو لصلاة نفسه على الأقل.

فالأولى أن يمثّل له بأذان الصلاة إذا أوجب سقوطه عن الغير أو كان فيه فائدة الإعلام و ان كان للصلاة، بل كلّ أذان إعلام بهذا المعنى.

و المراد من الأصل هنا عمومات الإجارة، و لا يمنع منه اعتبار القربة، كما عرفت، نعم لا يبعد كونه ممّا يستفاد من أدلّته المجانية أو في ارتكاز المتشرّعة و أنّه من الوظائف الشرعية المستحبّة.

و أمّا بحسب الأدلّة الخاصّة، فتدلّ على الحرمة روايات منها:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 9، ص 460، الباب 50، من أبواب الطواف، ح 4.

429

1- ما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي ... أن قال: «يا علي! إذا صلّيت فصلّ صلاة أضعف من خلفك، و لا تتخذن مؤذّنا يأخذ على أذانه أجرا» (1).

2- قال أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين و اللّه إنّي لأحبّك فقال له:

و لكنّي ابغضك! قال: و لم؟! قال: «لأنّك تبغي في الأذان كسبا و تأخذ على تعليم القرآن أجرا» (2).

3- و ما رواه العلاء بن سيّابة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يصلّي خلف من يبتغي على الأذان و الصلاة الأجر و لا تقبل شهادته» (3).

4- و ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تصلّي خلف من يبغي على الأذان و الصلاة بالناس أجرا و لا تقبل شهادته» (4).

و بعض هذه الأحاديث صحيحة الإسناد و الباقي مجبور بالعمل، هذا بالإضافة إلى ما ورد في بعض علائم آخر الزمان و انّهم يأخذون على الأذان أجرا عندئذ.

فتحصّل من جميع ذلك أنّه لا يجوز أخذ الاجرة على الأذان مطلقا.

الأمر الخامس: أخذ الاجرة على الإمامة

و ممّا ذكرنا يظهر حكم مسألة الاستيجار على الإمامة، فانّها إن كانت في صلاة واجبة، فالظاهر عدم جواز أخذ الاجرة عليها بعد اتّحادها مع الواجب، و أمّا إن كانت في صلاة غير واجبة (كصلاة العيد في عصرنا) أو الصلاة المعادة بناء على المختار من جوازها، و لو صلّى قبلها جماعة إماما (لكن مرّة واحدة فقط) فهي و ان كانت جائزة بحسب القواعد بعنوان الداعي على الداعي، و لكن الأولوية بالنسبة إلى الأذان قد تمنعها، و كذا ارتكاز المتشرّعة على كونه أمرا مجانيا، و لدعوى عدم الخلاف فيه بين الخاصّة، مضافا إلى الروايتين المتقدّمتين (2 و 6/ 32 من أبواب الشهادات).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 4، ص 666، الباب 38، من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ج 18، ص 278، الباب 32، من أبواب الشهادات، ح 2.

(4). المصدر السابق، ح 6.

430

الأمر السّادس: أخذ الاجرة على الشهادة

يجب تحمّل الشهادة و كذا أدائها، أمّا الأوّل فلقوله تعالى: وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا (1) و سياق الآية شاهد على أنّ الدعوة لتحمّل الشهادة مضافا إلى تفسيرها به في المصحّحة التي رواها هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ ... قال: قبل الشهادة، و قوله: «و من يكتمها فانّه آثم قلبه» قال: بعد الشهادة (2).

و الروايات في ذلك كثيرة فراجع الباب من أبواب الشهادات في الوسائل.

و كذا يجب أداء الشهادة لقوله تعالى: وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (3).

نعم الكتمان لا يصدق إلّا إذا طلب القاضي أو المدّعي، فلو نسيه المدّعي و لم يطلب منه الشهادة، لا يصدق عليه الكتمان، إلّا أنّ قوله تعالى وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ (4) قد يدلّ على الأعمّ، و الروايات بهذا الحكم متظافرة (5) و هو إجماعي إجمالا، و ان كان في خصوص المقام الأوّل، أي أخذ الاجرة مشهورا، و خالف فيه بعض، و مال إليه صاحب الجواهر، و الكلام في تفاصيلها في محلّه، و حيث أنّ المختار عدم الفرق بين الواجب العيني، و الكفائي في حرمة أخذ الاجرة، فالحكم بالحرمة هنا ظاهر، نعم بناء على الفرق بينهما أمكن القول بجوازه، لظهور كلمات الأصحاب في كون الوجوب في كليهما (التحمّل و الأداء) كفائيا، بل ظاهر حكمة الحكم أيضا تقتضي الكفائية، اللهمّ إلّا أن ينقلب إلى العيني بالعرض عند عدم وجود من به الكفاية غيره.

بقي هنا شي‌ء:

لو احتاج التحمّل أو الأداء إلى قطع مسافة قصيرة أو طويلة، وجب عليه مقدّمة للواجب، و لو احتاج إلى أداء مال، فقد قال في المسالك أنّه لا يجب للضرر، بل قال في الجواهر إنّ‌

____________

(1). سورة البقرة، الآية 282.

(2). وسائل الشيعة، ج 18، ص 225، الباب 1، من أبواب الشهادات، ح 1.

(3). سورة البقرة: الآية 283.

(4). سورة الطلاق، الآية 2.

(5). راجع الباب 2، من أبواب الشهادات، (الوسائل، ج 18، ص 227).

431

قطع المسافة الطويلة و نحوها من مصاديق العسر و المشقّة.

و لكن الإنصاف إنّ جميع المقدّمات واجبة عليه إلّا أن يكون فيها حرجا شديدا أو ضررا عظيما معتدا به، فيكون داخلا في أدلّتهما (فتدبّر جيّدا).

الأمر السّابع: أخذ الاجرة على الإفتاء

و ممّا يحرم أخذ الاجرة عليه الإفتاء، ذكره السيّد اليزدي (قدّس سرّه) في حاشيته على المكاسب، و استدلّ له بقوله تعالى: قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً (1) (و قد ورد في كلام نوح و هود و صالح و لوط و شعيب (عليهم السلام) في سورة الشعراء: وَ مٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّٰا عَلىٰ رَبِّ الْعٰالَمِينَ (2)) و لأنّه واجب مجاني كما يظهر من أخبار وجوب التعليم و التعلّم.

و قد سبقه إلى ذلك صاحب الجواهر (قدّس سرّه) حيث قال: «و يلحق بالقضاء الإفتاء في مسائل الحلال و الحرام و الموضوعات الشرعية، من غير فرق بين الواجبة و المندوبة و المكروهة و المباحة، لما عرفته من عدم سؤال الأجر و كونه من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر» (3).

أقول: أمّا الآية فلعلّ في تبليغ الأنبياء (عليهم السلام) خصوصية ليست في غيرهم و الأولوية هنا ممنوعة، و الثاني يختصّ ببيان الواجبات و المحرّمات.

و الأولى أن يقال: إنّ الإفتاء في جميع الأحكام واجب كفائي، لوجوب حفظ أحكام الدين جميعا، و لآية النفر (4)، و ما دلّ على وجوب التعليم، و أنّه ما أخذ على العباد أن يتعلّموا حتّى أخذ على العلماء أن يعلّموا، و غير ذلك، فيحرم أخذ الاجرة عليه.

الأمر الثّامن: أخذ الاجرة على تعليم القرآن

اختار المشهور كراهيتها، كما في مفتاح الكرامة (5)، و فصل بعضهم بين الاشتراط‌

____________

(1). سورة الأنعام، الآية 90.

(2). سورة الشعراء، الآية 109.

(3). جواهر الكلام، ج 22، ص 124.

(4). سورة التوبة، الآية 122.

(5). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 84.

432

و عدمه، فقال بالكراهة في الأوّل دون الثاني، كما في السرائر و الإيضاح النافع (1). و عن الإستبصار الحرمة مع الشرط و بدونه مكروهة (2)، و وافقه العلّامة (رحمه اللّه) في موضع من إجارة التذكرة، و لكن صرّح في موضعين آخرين بالكراهة (3)، و ظاهر العلّامة (رحمه اللّه) في الإرشاد عدم الكراهة أصلا، و صرّح السيّد في الحاشية بالجواز من دون ذكر الكراهة (4).

فالمسألة ذات أقوال أربعة:

و الظاهر أنّ محلّ الكلام في غير الواجب منه، فقد تجب قراءة القرآن في موارد كثيرة، منها:

1- لقراءة الصلاة في الأوّليين تعيّنا و في غيره تخييرا.

2- لتعلّم العقائد و الأحكام إذا توقّف عليها.

3- مقدّمة لاجتهاد المجتهد في أحكام الدين.

4- لحفظه عن اندراسه و بقائه مرّ الدهور و حفظ المعجز و تواتره، فإذا كان واجبا عينيا كان الأمر ظاهر، و إذا كان واجبا كفائيا فعلى المختار من حرمة أخذ الاجرة على الواجبات مطلقا حتّى الكفائية منها أيضا ظاهر، إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه قد استدلّ للمشهور- و هو الكراهة و عدم الحرمة- بامور:

الأوّل: الأصل، و هي الإباحة.

الثاني: الإجماع المدّعى المنجبر بالشهرة كما في المفتاح، فتأمّل.

الثالث: جواز جعله مهرا بالإجماع.

الرابع: و هو العمدة الروايات الدالّة على المقصود منها:

1- ما رواه الفضل بن أبي قرّة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): هؤلاء يقولون إنّ كسب المعلّم سحت، فقال: «كذبوا أعداء اللّه إنّما أرادوا أن لا يعلّموا أولادهم القرآن لو أنّ المعلّم‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 84.

(2). المصدر السابق.

(3). المصدر السابق.

(4). المصدر السابق.

433

إعطاء رجل دية ولده لكان للمعلّم مباحا» (1). رواه المحمّدون الثلاث في كتبهم.

2- ما رواه الجرّاح المدائني قال: نهى أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن أجر القارئ الذي لا يقرأ إلّا بأجر مشروط (2).

3- و ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: «نهى رسول اللّه عن اجرة القارئ الذي لا يقرأ إلّا على أجر مشروط» (3).

بناء على انّ مفهوم الأخيرين الجواز بدون الشرط، و لكن الظاهر انّهما أجنبيان عمّا نحن بصدده، لأنّهما بصدد بيان حكم القراءة لا في التعليم، و لا وجه للقياس أو دعوى الغاء الخصوصية.

فالعمدة هي الرواية الاولى المنجبر ضعفها بالشهرة، و الظاهر كفايتها في إثبات المطلوب.

و يستدلّ على الحرمة بما رواه الصدوق (رحمه اللّه) مرسلا.

محمّد بن علي بن الحسين قال: و قال علي (عليه السلام): «من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظّه يوم القيامة» (4).

و لا يخفى ضعفه بالإرسال لا سيّما في مقابل ما عرفت، و الظاهر أنّه هو مستند المشهور للحكم بالكراهة، جمعا بين الأخبار، بل لا دلالة فيها على الحرمة كما لا يخفى.

و أمّا رواية الأعشى (5) و خبر الجرّاح المدائني، فحالهما ظاهر لعدم دلالتهما على مسألة التعليم، بل واردتان في نفس قراءة القرآن.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّه يجوز أخذ الاجرة على تعليم القرآن، و لا كراهة فيه ما عدا ما يجب تعليمه و تعلّمه شرعا لحفظ القرآن عن الاندراس، أو لقراءته في الصلاة، أو كشف أحكام الشرع و غيره.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 112، الباب 29، من أبواب ما يكتسب، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 113، ح 6.

(3). المصدر السابق، ح 7.

(4). المصدر السابق، ح 8.

(5). المصدر السابق، ص 112، ح 4.

434

الأمر التّاسع: أخذ الاجرة على اجراء صيغ العقود

و منها النكاح جائز، بل لم ينقل فيه خلاف عن أحد للأصل، و لعدم كونه من الواجبات.

نعم إذا توقّف نكاح واجب عليه و امتنع صاحبه عن البذل أو لم يكن له مال، وجب من دون اجرة، و يمكن أن يقال بأنّ الاجرة هنا تكون في ذمّة صاحبه إلى أن يؤدّيها، لكن إذا وكّله في ذلك، و بدونه لا تجب في ذمّة صاحبه.

و كذا بالنسبة إلى تعليم صيغ النكاح و غيره من العقود التي تكون من قبيل بيان الأحكام و تعليمها، فانّه لا يجوز أخذ الاجرة عليها كما عرفت.

الأمر العاشر: حكم الارتزاق من بيت المال

و في النهاية تصل النوبة إلى «حكم الارتزاق من بيت المال» فيما لا يجوز أخذ الاجرة عليه من الواجبات و غيرها من الأذان و الإمامة و القضاء و غيرها.

صرّح كثير من الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) بجواز ارتزاق القاضي من بيت المال في غير واحد من الموارد التي يحرم أخذ الاجرة عليه.

لكن ظاهر جماعة عدم اشتراط الفقر فيه، بل حكي التصريح به عن بعض، بينما يظهر من بعض آخر اشتراطه.

بل يلوح من بعض كلمات صاحب الجواهر (قدّس سرّه) كون عنوان الفقر مأخوذا في مفهوم الارتزاق، و حاصله ببيان منّا:

إنّ من كان مشغولا بسياسة الدين و مصالح المؤمنين عن التكسّب لقوته و قوّة عياله و باقي ضرورياته، فلا بدّ أن يرتزق من يت المال المعدّ لمصالح المسلمين، أمّا من كانت له كفاية فهو غير محتاج إلى ذلك (1).

و في مفتاح الكرامة في بحث الأذان عن المنتهى الإجماع على جواز الارتزاق، و عن مجمع البرهان لا خلاف فيه، و فرّق جماعة بين الاجرة و الرزق بأنّ الاجرة تقتصر إلى تقدير‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 22، ص 123.

435

العمل و العوض و المدّة و الصيغة، و الرزق ليس كذلك (1).

هذا، و لكن الظاهر أنّ التفاوت بينهما بقصد المعاوضة في الأوّل دون الثاني، و ما ذكر إنّما هو بعض آثاره، بل لو لم تكن هذه الامور و كان بقصد المعاوضة إجمالا، و لكن أخذ اجرة المثل كان داخلا في الاجرة المحرّمة.

و تحقيق الحال في المسألة أن يقال:

أوّلا: أخذ الاجرة حرام، سواء كان مع تقدير العمل و العوض و غير ذلك، أو كان بمجرّد قصد المعاوضة و الاكتفاء باجرة المثل.

ثانيا: إنّ حقيقة الارتزاق و مفهومه العرفي و ان كان الانتفاع منه لدى الحاجة إليه، إلّا أنّ هذه اللفظة غير مأخوذة في لسان دليل شرعي حتّى نرجع إليه في المقام، نعم في كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في عهده إلى الأشتر ما يقرب منه حيث قال: «و افسح له في البذل ما يزلّ عليّته و تقلّ معه حاجته إلى الناس» (2) و أمّا ما ورد في بعض معقاد الجماعات فحاله معلوم بعد عدم كونه إجماعا تعبّديا.

ثالثا: اللازم ملاحظة الأموال التي تجعل في بيت المال و مصارفها حتّى يتبيّن حال المسألة، فانّه المفتاح الوحيد لحلّ المشكلة، فنقول و من اللّه سبحانه نستمدّ التوفيق:

إنّ ما يرد في بيت المال تارة يكون من الزكوات.

و اخرى من الأخماس حقّ السادة.

و ثالثة من سهم الإمام من الخمس.

و رابعة من الأنفال.

و خامسة من الخراج و أراضيها.

أمّا الأوّل، فلا شكّ في اعتبار الفقر فيه لو كان من سهم الفقراء و المساكين، و أمّا إن كان من سهم سبيل اللّه فلا يشترط فيه الفقر، بل كلّ أمر مطلوب للّه و ان كان لنا فيه كلام في محلّه و أنّه لا يبعد تخصيصه بخصوص أمر الجهاد و ما أشبهه من تبليغ الدين.

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 95.

(2). نهج البلاغة، 53.

436

أمّا حقّ السادة من الخمس فكذلك.

أمّا سهم الإمام (عليه السلام) منه فقد ذكرنا في محلّه أنّه يصرف فيما هو مهمّة الحكومة الإسلامية و غيرها ممّا فيه رضى الإمام (عليه السلام)، و يؤخذ بالقدر المتيقّن عند الشكّ، و لا يشترط فيه الفقر و لا شي‌ء آخر سوى رضاه.

و كذلك الأنفال، فانّها أيضا منوطة برضاه (عليه السلام) و مصالح الحكومة الإسلامية من دون تقييد بالفقر، و لا بالتسوية في العطاء كما ذكر في محلّه.

و أمّا «الخراج» فلمّا كان من الأراضي التي هي ملك لجميع المسلمين فلا بدّ أن تصرف في مصالحهم، و لو زاد يقسم بينهم بالسوية ظاهرا من دون اشتراط الفقر فيه أيضا، فلم يبق من اشتراط الفقر مورد إلّا مسألة الزكاة من سهم الفقراء و المساكين و الخمس للسادة، و التسوية لا تكون إلّا في الخراج، و تمام الكلام في أحكام بيت المال و مصارفه في محلّه المناسب من الفقه إن شاء اللّه، فانّه بحث طويل الذيل كثير المنافع كما لا يخفى.

437

خاتمة لمّا تمّ الكلام في الأنواع الخمسة من المكاسب المحرّمة بقي هنا مسائل ذكروها في الخاتمة.

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

المسألة الأولى: بيع المصحف من المؤمن و الكافر

أمّا من المؤمن فقد وقع فيه الخلاف بينهم، فالمشهور هو الحرمة، بل حكي عدم الخلاف فيه، و عن جماعة الجواز، و العمدة فيه الروايات المختلفة المتعارضة بظاهرها في المسألة و كيفية الجمع بينها، و مقتضى القواعد الصحّة و دخولها في عمومات العقود، بل ادّعى في الجواهر جريان السيرة القطعية على الجواز، بل ظهور إطلاق كلامهم في المسألة الآتية من حرمة بيعها من الكافر يشير إلى ذلك.

و هنا طائفتان من الروايات:

الطائفة الاولى: ما دلّ على التحريم، و هي:

1- ما رواه عبد الرحمن بن سيّابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: «إنّ المصاحف لن تشترى، فإذا اشتريت فقل إنّما أشتري منك الورق و ما فيه من الأديم و حليته و ما فيه من عمل يدك بكذا و كذا» (1).

2- ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن بيع المصاحف و شرائها فقال: «لا تشتر كتاب اللّه، و لكن اشتر الحديد و الورق و الدفّتين، و قل أشتري منك هذا بكذا و كذا» (2).

3- ما رواه عثمان بن عيسى قال سألته عن بيع المصاحف و شرائها فقال: «لا تشتر كلام اللّه و لكن اشتر الحديد و الجلود و الدفتر و قل أشتري هذا منك بكذا و كذا» (3).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 114، الباب 31، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ح 2.

(3). المصدر السابق، ح 3.

440

4- ما رواه عبد اللّه بن سليمان (عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن شراء المصاحف. فقال:

«إذا أردت أن تشتري فقل أشتري منك ورقه و أديمه و عمل يدك بكذا و كذا» (1).

5- ما رواه جرّاح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في بيع المصاحف قال: «لا تبع الكتاب و لا تشتره و بع الورق و الأديم و الحديد» (2).

6- ما رواه سماعة بن مهران قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا تبيعوا المصاحف فانّ بيعها حرام» قلت: فما تقول في شرائها قال: «اشتر منه الدفّتين و الحديد و الغلاف و إيّاك أن تشتري منه الورق و فيه القرآن مكتوب فيكون عليك حراما و على من باعه حراما» (3).

الطائفة الثانية: ما دلّ على الجواز أو يشعر به، و هي:

1- ما رواه روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن شراء المصاحف و بيعها. فقال: «إنّما كان يوضع الورق عند المنبر، و كان ما بين المنبر و الحائط قدر ما تمرّ الشاة أو رجل منحرف، قال: فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك، ثمّ أنّهم اشتروا بعد».

قلت: فما ترى في ذلك؟ فقال لي: «اشتري أحبّ إليّ من أبيعه»، قلت: فما ترى أن أعطي على كتابته أجرا؟ قال: «لا بأس و لكن هكذا كانوا يصنعون» (4).

2- ما رواه عنبسة الورّاق قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت: أنا رجل أبيع المصاحف فان نهيتني لم أبعها، فقال: «أ لست تشتري ورقا و تكتب فيه؟» قلت: بلى و اعالجها. قال: «لا بأس بها» (5).

3- ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بيع المصاحف و شرائها فقال: «إنّما كان يوضع عند القامة و المنبر» قال: «كان بين الحائط و المنبر قيد ممرّ شاة و رجل و هو منحرف فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة و يجي‌ء آخر فيكتب السورة، كذلك كانوا، ثمّ انّهم اشتروا بعد ذلك». فقلت: فما ترى في ذلك؟ قال: اشتريه أحبّ إليّ من أن أبيعه (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 115، الباب 31، من أبواب ما يكتسب به، ح 6.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). المصدر السابق، ص 116، ح 11.

(4). المصدر السابق، ص 115، ح 4، (و قريب منه ح 9، ص 116، مع اتّحاد الراوي).

(5). المصدر السابق، ح 5.

(6). المصدر السابق، ح 8.

441

4- ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ أمّ عبد اللّه بن الحارث أرادت أن تكتب مصحفا و اشترت ورقا من عندها ودعت رجلا فكتب لها على غير شرط فأعطته حين فرغ خمسين دينارا و أنّه لم تبع المصاحف إلّا حديثا» (1).

و هناك روايات تدلّ على جواز كتابته بالأجر مثل:

الأوّل: ما رواه روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد مرّ آنفا، و زاد فيه قال: قلت:

ما ترى أن أعطي على كتابته أجرا؟ قال: «لا بأس و لكن هكذا كانوا يصنعون» (2).

الثاني: ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكتب المصحف بالأجر، قال: «لا بأس» (3).

الثالث: ما رواه علي بن جعفر قال: و سألته عن الرجل هل يصلح له أن يكتب المصحف بالأجر؟ قال: «لا بأس» (4).

و أكثر الروايات من الجانبين و ان كانت ضعيفة، و لكن تظافرها يغني عن إسنادها، إنّما الكلام في طريق الجمع بينهما، و قد جمع بينهما في الجواهر بحمل الاولى على الاستحباب لوجود قرائن فيها و انّ المراد منها عدم مقابلته بالثمن في صورة اللفظ، و عدم مساواته لباقي المبيعات في الابتذال، و أيّده بضرورة الدين على جواز بيع الكتب الفقهية و غيرها ممّا تتضمّن الآيات (5).

و اختاره أيضا بعض الأكابر من محشّي المكاسب، و قال إنّ الغاية القصوى من النهي إنّما هو التأدّب و الاحترام لكلام اللّه، فانّ الدنيا و ما فيها لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة، فكيف يمكن أن يقع جزء من ذلك ثمنا للقرآن الذي اشتمل على جميع ما في العالم و يدور عليه مدار الإسلام! (6).

و اختار شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) وجها آخر للجمع بينها بعد اختيار قول المشهور في المقام،

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 116، الباب 31، من أبواب ما يكتسب به، ح 10.

(2). المصدر السابق، ص 116، ح 9.

(3). وسائل الشيعة، ج 12، ص 116، الباب 31، من أبواب ما يكتسب به، ح 12.

(4). المصدر السابق، ح 13.

(5). جواهر الكلام، ج 22، ص 128.

(6). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 485.

442

و هو أنّ الأخبار المجوّزة تدلّ على أصل الجواز، و لا تدلّ على كيفية البيع، فيمكن حملها على بيع الأديم و الحديد و الأوراق و شبهها (1).

و كأنّه رآهما من قبيل المطلق و المقيّد.

هذا و الأقوى هو الجمع الأوّل، و العمدة فيه:

أوّلا: ما في أكثر روايات المجوّزة بل جميعها ما عدا شاذّ منها من قوله «قل اشتري منك الورق ...» فانّ هذا التعبير أقوى شاهد على ما ذكر، فانّ قوله «قل» الخ ليس إلّا قولا لفظيا تأدّبا، و إلّا فلا شكّ أنّ الداعي الجدّي ليس شراء نفس الورق و الجلد و الأديم مجرّدا عن النقوش، لعدم تعلّق الغرض بها، بل الغرض الوحيد هو النقوش أو الأوراق مع وصفها بالنقوش، و هو من قبيل تسمية ثمن القرآن هديّة في أيّامنا، مع أنّ الداعي الجدّي هو الشراء، لا الإهداء، و هذا القول أمر صوري لاحترام القرآن، فيناسب أن يكون مستحبّا لا واجبا كما لا يخفى.

ثانيا: عدم ذكره في روايات عديدة واردة في محلّ البلوى و الحاجة قرينة اخرى على كونه أمرا صوريا استحبابيا.

ثالثا: إنّ هذه النقوش لا تخلو عن أحد امور:

1- إنّها من الصفات التي لا يقع بازائها جزء من الثمن و إن تفاوتت قيمة الأوراق بسببها، فلا وجه للنهي عن بيعها بعد عدم دخولها في المبيع.

2- إنّها من الأعيان، و لكن تبقى على ملك البائع، فلازمه الشركة التي لا يقول به أحد.

3- أنّها من الأعيان، و لكن تنتقل إلى المشتري بجزء من الثمن، و هذا ممنوع على الفرض.

4- إنّها من الأعيان، و لكن تنتقل قهرا و بدون رضاه تبعا، و هو بعيد.

5- إنّها من الأعيان التي لا تدخل في ملك أحد بحكم الشارع المقدّس، و هو عجيب!

فحيث لا يمكن الالتزام بشي‌ء من هذه الاحتمالات الخمسة، لا بدّ من القول بالجواز حتّى تنحلّ العقدة.

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 66 و 67.

443

و يمكن أن يقال: إنّ انتقال الصفات في أمثال ذلك قهري، لأنّها أمر تبعي لا يبقى على ملك أحد إلّا بتبع محلّه.

مضافا إلى أنّ هذا الدليل لا يعدّ دليلا قطعيّا، بل يمكن عدّه تأييدا لمسألة مع قطع النظر عمّا ذكرنا، و من هنا تعرف أنّ شراء الورق لا ينفك عن شراء الخطوط تبعا، و لا يكون شراء الخطوط إلّا كذلك، و لكن التأدّب يقتضي ما ذكر من التعبير.

و الحاصل أن خطوط القرآن إمّا أن تكون مستقلّة برأسها، أو لا تكون إلّا تبعا؟ فعلى الأوّل تبقى على ملك مالكها، و على الثاني تنتقل بالتبع، فيكون مصداق الشراء لمصحف، و كلاهما مشكل على الحرمة، و الحقّ أنّها تبع عرفا، و لا حرمة فيه إنّما اللازم التأدّب في التعبير.

بقي هنا امور:

الأوّل: يظهر من رواية سماعة (11/ 31) عدم جواز شراء الورق أيضا، و هو مع مخالفته لصريح أكثر روايات الباب التي فيها الصحيحة و غيرها إنّه ممّا لا يمكن الالتزام به، فهل يبقى على ملك مالكه، أو يخرج عن المالية بمجرّد كتابة القرآن عليه؟ كلّ ذلك بعيد و لعلّه لم يقل به أحد.

الثّاني: قد يستدلّ للجواز بالسيرة القطعية على بيع المصاحف، و لكن إثباته متّصلا إلى زمن المعصومين (عليهم السلام) مشكل جدّا، اللهمّ إلّا أن يتمسّك بالروايات السابقة، فتعود إلى التمسّك بالسنّة لا بالسيرة.

الثّالث: إذا اشتمل كتاب على آيات من القرآن الكريم، و قلنا بحرمة بيع المصحف، فالظاهر جواز بيعه، قلّ أو كثر، ما لم يصدق عليه المصحف، فانّ التعبير بالمصاحف في غير واحد منها (1 و 2 و 6 و 7/ 31) أو كتاب اللّه في غيرها (2/ 31) ظاهر فيما ذكرنا، و أمّا قوله:

«لا تشتر كلام اللّه» في بعضها (3/ 31) (1) الصادق على الآية و الآيات، فالظاهر أنّ المراد به‌

____________

(1). هذه الروايات أوردناها بلفظها في أوّل هذا المبحث، جواهر الكلام، ج 22، ص 338.

444

المصحف بقرينة ما في ذيله من شراء الحديد و الجلود.

و قد يستدلّ أيضا برواية سماعة (11/ 31) و ما فيه من النهي قوله: «إيّاك أن تشتري منه الورق و فيه القرآن مكتوب، فيكون حراما عليك و على ما باعه» نظرا إلى أنّ النهي عن شراء الورق شامل لكلّ ورق كتب فيه القرآن (1).

و فيه ما لا يخفى على من راجع صدر الحديث، فانّ الكلام يدور مدار بيع المصاحف، و النهي عن شراء الورق مقابل لقوله: اشتر منه الدفتين و الحديد و الغلاف. فراجع.

هذا و قد يستدلّ بالسيرة القطعية على بيع هذه الكتب و شرائها و لم يستشكل فيه فقيه بل متفقّه، و لكن اتّصالها إلى زمنهم (عليهم السلام) أيضا غير ثابت، بل قد يفهم منها جواز بيع بعض القرآن و لو كان مجرّدا عن هذه الكتب لعدم الفرق بينهما، بل قد يستدلّ به على جواز بيع الكلّ بسبب هذه السيرة، فانّ دليل المنع لم يفرّق بينهما (2).

و لكن فيه أيضا ما لا يخفى، لأنّ السيرة دليل لبّي لا عموم فيها، و الغاء الخصوصية منها أيضا ممنوع، و العمدة ما ذكرنا من أنّ الحرمة على القول بها تتعلّق على عنوان المصحف، فلا تشمل غيره حتّى كتب التفسير المشتملة على جميع القرآن الكريم (فتدبّر جيّدا).

الرّابع: لا مانع من انتقال المصحف بالإرث أو الهبة أو الوقف الخاص أو شبهها إلى غير صاحبه، لعدم الدليل على المنع في غير البيع و المعاوضات.

بيع المصحف من الكافر:

ذكر جماعة من الأعاظم منهم العلّامة (رحمه اللّه) و من تبعه كما حكي عنهم الحاق المصحف بالعبد المسلم في عدم جواز بيعه من الكافر، و ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في ذاك المبحث بعينه من غير تعرّض له هنا (3).

____________

(1). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 489.

(2). المصدر السابق.

(3). جواهر الكلام، ج 22، ص 338.

445

و أفتى به المحقّق و الشهيد الثاني (قدّس سرّهما) في محكي المسالك و الروضة، و كذا كاشف الغطاء.

و استدلّ له تارة بما دلّ على حرمة بيع المسلم من الكافر لكونه أولى منه، و اخرى بما دلّ على نفى سبيل الكافر على المؤمن وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1) من باب الأولوية.

و ثالثة: بما دلّ على أنّ الإسلام يعلو و لا يعلى عليه (2) الذي استدلّ به في مسألة بيع العبد المسلم من الكافر، بل هنا استعلاء على الإسلام، و رابعة بلزوم تنجيس المصحف غالبا.

و لكن جميع ذلك كما ترى لا يتجاوز عن حدّ الإشعار، أو التأييد، فانّ كون العبد المسلم تحت يد الكافر قد يكون سببا لانحرافه عن طريق الحقّ، و ليس كذلك المصحف، و أمّا آية نفي السبيل فدلالتها على تلك المسألة منظور فيها، فكيف بما نحن فيه؟

فانّ السبيل يمكن أن يكون بمعنى الحجّة و البرهان، و إلّا فسلطة الكفّار على بعض المسلمين أحيانا و قتلهم و أسرهم غير نادر في التاريخ، بل النسبة إلى أئمّة المسلمين أيضا.

و كذا علو الإسلام و عدم علو شي‌ء عليه المستدلّ به في أبواب موانع الإرث و أنّ الإسلام لا يمنع صاحبه عن إرث أقاربه الكافر، لأنّ الإسلام يزيد خيرا و «يعلو و لا يعلى عليه» فانّ كون مجرّد ملك الكافر علوا غير معلوم في البابين، و النجس غير ملازم لذلك و لو على القول بنجاسة الكفّار.

و العمدة هنا دليل الإهانة الذي يظهر من بعض كلمات صاحب الجواهر و شيخنا الأعظم، و لكنّه أيضا أخصّ من المدّعى، بل و أعمّ منه من وجه، فقد يحصل بغير التمليك، و قد لا يحصل بالتمليك، فيدور الحكم مداره.

فلو أخذ الكافر مصحفا للتحقيق حول الإسلام لم يكن فيه من هذه الجهة إشكال أصلا، بل قد يجب ذلك من باب إرشاد الجاهل و إتمام الحجّة على الكافر.

و كذا إذا أخذه للتجارة به تجارة لا تنافي حرمته، مثل سائر أنواع التجارات، بل قد يكون سببا لنشره في أقصى نقاط العالم، ممّا يوجب مزيد قوّة و شوكة للإسلام و المسلمين، و بثّ‌

____________

(1). سورة النساء، الآية 141.

(2). وسائل الشيعة، ج 17، ص 376، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، ح 11.

446

دعوتهم و علوّ كلمتهم و إبلاغ رسالتهم.

فالحكم هنا يدور مدار الهتك و الإهانة و لا يشمل غير مواردها.

بقي هنا امور:

1- الظاهر أنّ الاستدامة ملحقة بالحدوث، فلو كان مسلم مالكا لمصحف ثمّ ارتدّ لزم أخذه منه إذا كان فيه هتك لكتاب اللّه، أو كان فيه أحد المحاذير الاخرى بناء على القول بها.

2- الظاهر لحوق حكم الكلّ للأبعاض، لعدم الفرق في حرمة الهتك بين الكلّ و الجزء، فليس الحكم هنا يدور مدار عنوان المصحف الوارد في المسألة السابقة كما لا يخفى على الخبير.

3- لا فرق بين أنواع الكتابة من العربي و الكوفي و المحفور و البازر، بل لا يبعد إلحاق المصحف المكتوب بالحروف الاخرى به، نظير كتابته بالحروف اللاتينية كما هو المتداول بين أهالي تركيا اليوم.

4- أمّا بالنسبة إلى الحاق كتب الحديث و الفقه بكتاب اللّه حتّى في حال عدم اشتمالها على آيات قرآنية، فعن ثاني المحقّقين أنّها بحكمه، و عن فخر المحقّقين (رحمه اللّه) جوازه، و عن والده فيه وجهان.

و الإنصاف عدم الفرق على فرض الهتك، و على فرض عدمه لا وجه للإلحاق، و كلّ تابع لما عنده من الدليل.

5- ذكر بعضهم إلحاق التربة الحسينية، و تراب المراقد المقدّسة، و قطع الصناديق الشريفة، و ثوب الكعبة، بالمصحف (1).

و لكن اللحوق كما عرفت تابع لعنوان الهتك، لعدم ورود نصّ خاصّ فيها، و هو مختلف بحسب الموارد، فلو اشترى المسلم أو الكافر شيئا من ثوب الكعبة و جعلها في متحف أو زيّن بها داره كما هو المعمول عندنا في أمثال ذلك، فلا دليل على الحرمة، بل هو من تعظيم‌

____________

(1). كما حكاه في الجواهر، ج 22، ص 339، عن شرح استاذه.

447

الشعائر، و أولى منه عدم شمول سائر الأدلّة على فرض تماميتها.

و العجب أنّه ذكر بيع الأراضي الشريفة و ما يصنع منها من آجر أو غيره و بيع أوراق المصحف بعد ذهاب صورة القرآن من الكفّار، و قال فيه وجهان (1).

مع أنّه لا وجه للحرمة فيها أبدا ما لم ينطبق عليه عنوان محرّم آخر مثل استيلائهم على أراضي المسلمين تدريجا أو شبه ذلك، فأي وجه في حرمة بيع خزفها منهم؟ و ما الوجه فيه؟

6- إذا اشترط عليه وقفه أو هبته أو علم انتقاله منه بالإرث، و لم يكن هناك ما يوجب محذورا، فالظاهر عدم الحرمة، و نظيره ما ذكروه في باب بيع العبد المسلم على من ينعتق عليه.

7- قد يقال إنّ بيع كتب فقه الإمامية و ما يختصّ بهم من كتب العقائد من مخالفيهم أيضا داخل في الحكم، و لكن من الواضح إختلاف ذلك بحسب الموارد بعد ما عرفت من الدليل، و أنّه لا محذور فيه غالبا لا سيّما إذا كان سببا لدفع إشكالات المخالفين عن المذهب الحقّ.

8- لو قلنا بالحرمة، فهل يحرم البيع تكليفا، أو يقع باطلا؟

الظاهر أنّه من قبيل بيع السلاح لأعداء الدين، فعلى القول بأنّ الحرمة هناك تكليفية لأنّها تتعلّق بأمر خارج عن البيع، فكذلك هنا، و بعبارة اخرى يكون المقام داخلا في القاعدة المعروفة: إنّ النهي في المعاملات لا يوجب الفساد.

و أمّا بيع المصحف لمسلم فان قلنا بحرمته من ناحية عدم دخول كتاب اللّه في ملك أحد (و لو بحسب نقوشه و خطوطه) فالظاهر البطلان، و أمّا إن قلنا إنّ ذلك للتأدّب في مقابل الكتاب العزيز، فيقوى القول بعدم البطلان.

ثمّ إنّه إذا باعه من كافر فلا بدّ من استعادته منه بشرائه منه و لو بقيمة أكثر، مقدّمة لرفع الانتهاك المفروض.

و لكن تأتي الشبهة في صحّة أصل البيع، اللهمّ إلّا أن يقال بثبوت مثله في بيع السلاح لأعداء الدين، أو بيع العنب ممّن يعمله خمرا، بل يمكن أن يقال بأنّ منافعه الخاصّة هنا‌

____________

(1). كما حكاه في الجواهر، ج 22، ص 339، عن شرح استاذه.

448

حرام بالنسبة إلى آخره، و أنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه، أو يدخل في حديث تحف العقول «ما يجي‌ء منه الفساد ....» فتأمّل فلا يترك الاحتياط بالقول بالبطلان.

9- لا فرق بين أصناف المسلمين في المسألة الاولى، أعني بيع المصحف، و لا بين أصناف الكفّار في المسألة الأخيرة، أي بيع العبد المسلم، لاتّحاد الدليل في البابين كما لا يخفى.

10- لو قلنا بالحرمة، فقد تكون هناك أغراض أهمّ في البيع من الكفّار كنشر دعوة الإسلام في أقطار الأرض، و بثّ حقائق القرآن في أنحاء العالم، و ان لزم منه هتك في بعض الموارد من ناحية الكفّار، لما فيه من المنافع المهمّة، كما هو كذلك في عصرنا هذا، فالكفّار و لا سيّما المسيحيين ينشرون كتبهم في جميع أقطار الأرض بعينها أو بترجمتها، بمئات من اللغات الحيّة العالمية، فعلى المسلمين نشر كتابهم الذي يعلو كلّ كتاب و يفوقه، لما فيه من أغراض أهمّ كما قد يكون ذلك في إعطائه بيد الصبيان تعليما لهم، فعدم رعاية الاحترام اللازم من قبلهم أحيانا لا يمنع من ذلك إذا كانت فوائده أتمّ.

و من هنا يظهر أنّ ما قد يقال من وجوب حذف أسماء اللّه و الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية و غيرها من الصحف و المجلّات حذرا من هتكها أحيانا، فكرة باطلة و أوهام يجب اجتنابها لما يترتّب على ذلك من ترك اسم اللّه و نسيانه و ترك بثّ دعوة الإسلام و نسيان الحقّ، و قد كانت الأسماء المقدّسة في عصرهم (عليهم السلام) مكتوبة على الدراهم و الدنانير يأخذها الصغير و الكبير و الكافر و المؤمن و لم يمنعوا عنه لما فيه من ظهور كلمة الحقّ و نشر الإسلام.

449

المسألة الثّانية: جوائز السلطان (و ما يؤخذ من الظالمين بأيّ عنوان كان)

اعلم أنّ الكلام هنا و ان كان في خصوص السلطان الجائر المتغلّب على بيت مال المسلمين، و لكن كثيرا من الأدلّة تشمل كلّ من كان في ماله محرّم، أو كان مظنّة لذلك، من الظالم و الغاصب و السارق و متولّي الأوقاف و من لا يؤدّي الخمس و الزكاة و آكل الربا، و المطفّفين و الغاشّ في المكسب و أشباههم.

و لكن بعض الأحكام يختصّ بالأوّل، كما أنّ كثيرا من روايات الباب وردت فيه، فالأولى أن نقتفي الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في البحث عن خصوص جوائز السلطان أوّلا بمناسبة هذه الروايات، و كذا ما يعطى من بيت المال مجانا أو في مقابل عمل، ثمّ نتكلّم في حكم غيره، فنقول (و منه جلّ ثناؤه التوفيق و الهداية):

ذكروا هنا صورا أربعة:

1- إذا لم يعلم بوجود الحرام في أمواله لا إجمالا و لا تفصيلا.

2- إذا علم بوجوده فيما وصل إليه بالعلم الإجمالى.

3- إذا علم بوجوده فيما وصل إليه بالعلم التفصيلي.

4- إذا كانت الجائزة مختلطة بالحرام.

و لبعض هذه الصور أيضا صور اخرى، كالصورة الثانية من الشبهة المحصورة و غير المحصورة، و ما هو محلّ الابتلاء و غيره يأتي تفاصيله إن شاء اللّه.

450

الصورة الاولى: عدم العلم بوجود الحرام في امواله

و ان كانت قليلة جدّا، و لكن حكمها الحلّية عند الأصحاب، و قد ادّعى الإجماع عليه، و على الصورة الثانية في المصابيح، و في الحدائق و الرياض نفي الخلاف عنه كما حكي عنهم (1).

و يدلّ عليه مضافا إلى ما ذكر امور:

1- الأصل- و قد وقع الكلام في المراد منه بعد كون الأصل في الأموال الحرمة، لعدم العلم بالانتقال إلى الآخذ، و الاستصحاب يقتضي عدمه و المراد منه أحد أمرين:

الأوّل- أصالة الصحّة، و هو جيّد بعد عموم دليلها، و قد ذكرنا في محلّه من كتابنا القواعد، أنّها أعمّ من المسلم و الكافر (2) كما أنّها لا تختصّ بالعقود و ما بحكمها، بل تشمل كلّ فعل يتصور فيه الصحّة و الفساد، كتطهير الثياب و ذبح الحيوان و الصلاة على الميّت و دفنه و غير ذلك.

و العجب من مصباح الفقاهة حيث خصّها بالعقود و الإيقاعات بعد ما أحرز أهليّة المتصرّف للتصرّف، استنادا إلى أنّ عمدة دليلها هو السيرة، و هي من الأدلّة اللّبية، فيؤخذ بالمقدار المتيقّن منه (3).

و لكن الإنصاف أنّ المراد من السيرة هنا سيرة العقلاء الممضاة من قبل الشارع و هي عامّة، بل و لو لا ذلك لاختلّ نظام معاش المسلمين و معادهم بل نظام حياة كلّ العقلاء كما لا يخفى على من تدبّر.

الثّاني- «قاعدة اليد» و هي أيضا متينة جيّدة بعد ثبوت شمولها للمقام.

و أمّا احتمال كون المراد منها «أصالة الإباحة» فقد عرفت أنّه لا وجه لها، فالأصل في الأموال التي في يد الغير الحرمة.

2- الرّوايات الكثيرة الدالّة على جواز أخذ جوائز السلطان و عمّاله، و النزول عليهم،

____________

(1). لاحظ جواهر الكلام، ج 22، ص 170، و الحدائق، ج 18، ص 261، و الرياض، ج 1، ص 509، و مفتاح الكرامة، ج 4، ص 117.

(2). القواعد الفقهية، ج 1، ص 151.

(3). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 493.

451

و قبول عطائهم، و الأكل منه، بل الحجّ منه (ذكرها صاحب الوسائل في الباب 51 من أبواب ما يكتسب به و سيأتي الكلام فيه مشروحا إن شاء اللّه).

3- «استقرار السيرة القطعية» بأخذ الأموال مجانا أو بالمعاملة ممّن لا يعلم وجود حرام في ماله و من أي شخص كان.

نعم هذا الفرض نادر جدّا في عمّال السلطان كما ذكره شيخنا الأعظم في مكاسبه (1).

نعم، قد يقال باشتراط العلم بوجود أموال محلّلة في ماله استنادا إلى ما رواه محمّد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري أنّه كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف، مستحلّ لما في يده، لا يرعى عن أخذ ماله، ربّما نزلت في قرية و هو فيها أو أدخل منزله و قد حضر طعامه، فيدعوني إليه، فان لم آكل طعامه عاداني عليه، فهل يجوز لي أن آكل من طعامه، و أتصدّق بصدقة، و كم مقدار الصدقة؟ و إن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فيدعوني إلى أن أنال منها، و أنا أعلم أنّ الوكيل لا يتورّع عن أخذ ما في يده فهل عليّ فيه شي‌ء إن أنا نلت منها؟

الجواب: إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه و اقبل برّه، و إلّا فلا (2).

و فيه ضعف من جهة الإرسال، و من جهة الدلالة حيث أنّ موردها من يعلم بوجود أموال محرّمة كثيرة عنده، فلا يشمل ما نحن فيه.

الصورة الثّانية: العلم بوجود الحرام في أمواله إجمالا

إذا علم إجمالا بوجود محرّم في ماله من دون تعيين بكون المحرّم خصوص هذا المال، لا إجمالا و لا تفصيلا، و ينبغي التكلّم فيها «أوّلا» من ناحية القواعد، ثمّ من ناحية الروايات الخاصّة.

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 67.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 160، الباب 51، من أبواب ما يكتسب به، ح 15.

452

أمّا الأوّل فان كانت شبهة غير محصورة، فحكمها حكم الصورة الاولى، فلا يجب الاحتياط فيها، و ان كان شبهة محصورة، و لكن كان بعض أطرافها خارج عن محلّ الابتلاء، فهو كذلك بناء على ما هو المعروف و اخترناه في محلّه من عدم تأثير العلم الإجمالي إذا كان بعض أطرافه خارجا عن محلّ البلوى، لعدم تنجّزه على كلّ تقدير.

و أمّا إن كانت جميعها محلّ الابتلاء، فالأصل فيه وجوب الاحتياط، و لكن فرض كون جميعها محلّ البلوى نادر جدّا، و ان كان يظهر من بعض كلمات شيخنا الأعظم خلافه (1) و ذلك لأنّ أمواله تحت يده لا يقدر الآخذ على التصرّف فيها كيف يشاء؟ فهي خارجة عن تصرّفه إلّا ما يعطيه بعنوان الجائزة، نعم لو خيّره في أخذ جائزته من خزانته، فحينئذ تكون جميعها محلّ البلوى، و لكن هذا فرض قلّما يتّفق لأحد كما هو ظاهر، فالحكم بالحلّية في الموارد المتعارفة قوي، هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى، كيف يدفع احتمال وجود الحرام فيما يأخذه؟ هل يتمّ بأصالة الإباحة؟ و الحال أنّ الأصل في الأموال الحرمة و الفساد و استصحاب عدم النقل إليه؟

أو قاعدة الصحّة؟ مع العلم بأنّه ممّن لا يبالي بالحلال و الحرام و أمواله مختلطة، بل لعلّ نفسه لا يميّز أحدهما من الآخر، و لو حمل على الصحّة كان من باب الصدقة، و دعوى عدم اعتبار هذا الشرط عند الأصحاب كما ترى.

أو قاعدة اليد؟ مع أنّ يده واقعة على الحرام و الحلال، بل قد لا يعرف أحدهما من الآخر بحكم اختلاطه، فهل تعتبر اليد دليلا على الملكية هنا؟ و هل يصحّ أخذ المال المشتبه المخلوط بالحرام من صاحبه الذي لا يعرف أحدهما من الآخر؟ و هل يحكم بملكيته بمقتضى اليد أو أصالة الصحّة؟ و هذا أيضا مشكل جدّا، فمن هنا يقوى الحكم بالحرمة في مفروض المسألة، اللهمّ إلّا إذا لم تكن الأموال مشتبهة عنده و نحتمل إعطاءه من الحلال لبعض الدواعي على إشكال فيه أيضا.

فاللازم بعد عدم مساعدة القواعد هنا أن نلتمس له دليلا آخر، و هو روايات الباب.

فنقول و منه تعالى نسأل التوفيق و الهداية: إنّ أخبار الباب على طوائف:

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 67 و 68.

453

الطائفة الاولى: ما يدلّ على أخذ الأئمّة (عليهم السلام) جوائز الخلفاء و ما وصل إليهم من بيت المال مثل:

1- ما رواه يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) كانا يقبلان جوائز معاوية (1).

2- ما رواه محمّد بن قيس بن رمانة قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فذكرت له بعض حالي، فقال: «يا جارية هاتي ذلك الكيس، هذه أربعمائة دينار وصلني بها أبو جعفر (أي المنصور) فخذها و تفرّح بها» (2).

3- ما رواه الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليه السلام) أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) كانا يغمضان معاوية و يقعان فيه و يقبلان جوائزه (3).

4- ما رواه الطبرسي في الإحتجاج عن الحسين (عليه السلام) إنّه كتب كتابا إلى معاوية و ذكر الكتاب و فيه تقريع عظيم و توبيخ بليغ، فما كتب إليه معاوية بشي‌ء يسوؤه، و كان يبعث إليه في كلّ سنة الف الف درهم سوى عروض و هدايا من كلّ ضرب (4).

و لكن يمكن حملها على أخذ حقّهم منه و لو كانت الواسطة في ذلك رج: فاسقا، بل كافرا فانّ بيت المال بأجمعه تحت اختيارهم و حكمهم، بل كثير من وجوهه ملكهم (عليهم السلام) و ما يكون للمؤمنين يكون بنظارتهم.

الطائفة الثّانية: ما دلّ على حكمهم بالجواز لغيرهم مثل:

5- ما رواه أبو ولّاد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلّا من أعمالهم و أنا أمرّ به، فأنزل عليه فيضيفني و يحسن إليّ، ربّما أمر لي بالدرهم و الكسوة و قد ضاق صدري من ذلك؟ فقال لي: «كل و خذ منه فلك المهنّا و عليه الوزر!» (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 157، الباب 51، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

(2). المصدر السابق، ص 158، ح 9.

(3). المصدر السابق، ص 159، ح 13.

(4). المصدر السابق، ص 159، ح 14.

(5). المصدر السابق، ص 156، ح 1.

454

6- ما رواه أو المغراء قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده فقال: أصلحك اللّه أمرّ بالعامل فيجيزني بالدرهم، آخذها، قال: «نعم»، قلت: و أحجّ بها؟ قال: «نعم» (1).

7- ما رواه محمّد بن هشام أو غيره قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أمر بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: «نعم» قلت: و أحجّ منها؟ قال: «نعم و حجّ منها» (2).

8- ما رواه محمّد بن مسلم و زرارة قالا سمعناه (عليه السلام) يقول: «جوائز العمّال ليس بها بأس» (3).

9- ما رواه عمر أخو عذافر قال: دفع إليّ إنسان ستمائة درهم أو سبعمائة درهم لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فكانت في جوالقي فلمّا انتهيت إلى الحفيرة، شقّ جوالقي و ذهب بجميع ما فيه و رافقت عامل المدينة بها فقال: أنت الذي شقّ جوالقك فذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم قال: إذا قدمنا المدينة فأتنا حتّى نعوّضك، قال: فلمّا انتهيت إلى المدينة دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «يا عمر! شقّت زاملتك و ذهب بمتاعك؟» فقلت نعم، فقال: «ما أعطات خير ممّا أخذ منك «إلى أن قال» فأت عامل المدينة فتنجز منه ما وعدك فإنّما هو شي‌ء دعاك اللّه إليه لم تطلبه منه» (4).

10- ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى في «نوادره» عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بجوائز السلطان» (5).

و يمكن حمل هذه أيضا على وجود حقّ للآخذين في بيت المال كما يشهد له الرواية الآتية.

11- ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده إسماعيل ابنه فقال: «ما يمنع ابن أبي السمال (السمّاك) أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس، و يعطيهم ما يعطي الناس؟ ثمّ قال لي: لم تركت عطائك؟» قال: مخافة على ديني‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 156، الباب 51، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(2). المصدر السابق، ص 157، ح 3.

(3). المصدر السابق، ص 157، ح 5.

(4). المصدر السابق، ص 158، ح 8.

(5). المصدر السابق، ص 160، ح 16.