الأسير في الإسلام

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
257 /
53

الأسير في الإسلام تأليف المحقّق آية اللّه الشيخ علي الأحمدي

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

[تمهيد]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة على نبيّه محمد و آله الطاهرين المعصومين، و اللعن على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد، هذه وجيزة متواضعة في قسم من المباحث حول الأسير كتبتها بأمر من لا أحبّ مخالفته من الأصدقاء الكرام، و الرجاء من اللّه سبحانه القبول إن شاء اللّه تعالى.

بحث لغوي

الأسير: من أسر يأسر أسرا من باب ضرب أي شدّة بالإسار و هو القد بالكسر- و السير يقد من جلد غير مدبوغ يقيّد به الأسير و يخصف به النعل- و أسر الرجل أسرا و أسارا قبض عليه و أخذه.

قال الراغب: الأسر: الشدّ بالقيد من قولهم: أسرت القتب و سمّي الأسير بذلك. ثم قيل لكل مأخوذ و مقيّد و إن لم يكن مشدودا (1).

____________

(1) راجع أقرب الموارد و مفردات القرآن و لسان العرب في «أسر» و راجع المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 5/ 464.

56

السبي: من سبى العدو، من باب ضرب، يسبيه سبيا و سباء، أسره، و الغالب اختصاص الأسر بالرجال و السبي بالنساء، و على ذلك قول الشاعر:

فعادوا بالغنائم حافلات * * *و عدنا بالأسارى و السبايا

و سبى اللّه فلانا غرّبه و أبعده (1)، حيث استعمل الأسارى في مقابل السبايا.

فالسبي أعمّ موردا من الأسير، لصدقه على أخذ من لا يحتاج إلى شدّة كالذراري، و الذي استعمل في القرآن الكريم هو الأوّل دون الثاني، قال تعالى فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (2)، و قال سبحانه مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (3).

و قال تعالى وَ يُطْعِمُونَ الطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (4).

و قال تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّٰا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

____________

(1) راجع المصادر المتقدمة.

و الأسير يطلق على من يعتقل في السجون و على من أخذ في الحرب، و لكن عند الإطلاق يتبادر القسم الثاني، و الأحكام قد تكون مشتركة بين القسمين، و قد يختص بالقسم الثاني أو الأوّل، و مورد البحث في هذه الوجيزة هو القسم الثاني فقط.

(2) الأحزاب: 26.

(3) الأنفال: 67.

(4) الإنسان: 8.

57

(1). بواعث الحرب و نتائجها

الأسر بالمعنى المتقدم- أي أخذ الإنسان إنسانا و شدّه و حبسه- حسب التأريخ يلازم نوعا من حياة الإنسان، لأنّ القبض على إنسان و ربطه و شدّه و حبسه قد يكون لارتكاب الجرائم و الإفساد في الأرض، فهذا ينتهي تاريخيا الى زمن الحياة الاجتماعيّة للإنسان و تشريع القانون بل قبل التشريع أيضا، و قد يكون في الحروب، و هو ينتهي إلى تاريخ القتال بين البشر.

الأسر و السبي كان من نتائج الحرب منذ كان الإنسان و كانت الحرب، إما لأجل الغارات المتداولة التي صارت من لوازم حياتهم، أو لأجل أغراض و أحقاد و أهداف حيوانية مادّية أو لأهداف إلهيّة، كقتال الأنبياء مع المستكبرين و الطواغيت وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قٰاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ (2) المقاتل و المناضل هو النبي و المقاتلون معه الربيّون و هم العلماء و الصلحاء المؤمنون (3).

فعلى هذا: الحروب اما مادّية محضة ناشئة عن الأهواء من الاستكبار أو طلب الرئاسة أو إرضاء الغرائز و الشهوات أو تأمين الحوائج الماديّة بالتغلّب و الاستخدام أو دفاع عن الحياة و ما يناط بها من لوازم الحياة، لما تفرض له الفطرة من الدفاع عن حقوقه‌

____________

(1) الأنفال: 70 راجع تفسير الميزان: ج 9/ 136.

(2) آل عمران: 146.

(3) الدر المنثور ج: 2/ 82 و تفسير الطبري ج: 4/ 77 و الميزان: ج 2/ 69.

58

و حياته، و لعلّ كلّ إنسان يستند في حربه الى حقّ الدفاع عن حقوقه في منافعه، فيفرض لنفسه حقا ثمّ يشاهد تضييعه فينهض الى الدفاع عنه، فكل قتال دفاع في الحقيقة، حتى انّ الغاشمين من الملوك و المتغلّبين من الدول يفرضون لأنفسهم نوعا من الحق كحقّ الحاكميّة و لياقة التأمر على غيرهم، أو عسرة في المعاش أو مضيقة في الأرض أو غير ذلك فيعتذرون بذلك في مهاجماتهم على الناس و سفك الدماء و فساد الأرض و إهلاك الحرث و النسل (1).

أو دفاع عن الحقّ و العدالة فحسب كالحروب التي وقعت للأنبياء (عليهم السلام) دفاعا عن الدين و التوحيد، و ذبّا عن حقوق المستضعفين من دون أي إناطة بالمادّيات، بل كانت عملا بالوظيفة الإلهيّة فقط (و إن كان الدفاع عن النفس و المال و العرض أيضا مجازا و ممدوحا و المقتول فيه شهيدا) من دون منافسة في سلطان أو التماس شي‌ء من فضول الحطام كحروب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين و الحسين (صلوات اللّه عليهم) و كحروب الأنبياء (عليهم السلام) لأنّ جمعا من الأنبياء قاتلوا في سبيل اللّه تعالى كما تقصّه التوراة، و القرآن يذكر طرفا منه، قال تعالى وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قٰاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمٰا وَهَنُوا لِمٰا أَصٰابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ مٰا ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكٰانُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الصّٰابِرِينَ، وَ مٰا كٰانَ قَوْلَهُمْ إِلّٰا أَنْ قٰالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا وَ إِسْرٰافَنٰا فِي أَمْرِنٰا وَ ثَبِّتْ أَقْدٰامَنٰا وَ انْصُرْنٰا عَلَى الْقَوْمِ الْكٰافِرِينَ (2) و قال تعالى يقصّ‌

____________

(1) تفسير الميزان: ج 2/ 71.

(2) آل عمران: 146- 147.

59

دعوة موسى لقومه الى قتال العمالقة وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ- الى أن قال:- يٰا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ وَ لٰا تَرْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خٰاسِرِينَ- الى أن قال- قٰالُوا يٰا مُوسىٰ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا أَبَداً مٰا دٰامُوا فِيهٰا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلٰا إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ (1)، و قال تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ (مِنْ بَعْدِ مُوسىٰ) إِذْ قٰالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنٰا مَلِكاً نُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (2) (3).

و بالجملة: سبب الحرب قد يكون ماديا محضا للتغلّب و التأمّر و الرئاسة و أخذ الأموال و الحصول على السلطة، و قد يكون ماديا دفاعا عن النفس و المال و العرض (للمقاتلين)، و قد يكون فرضا إلهيّا دفاعا عن المستضعفين و بسطا للدين و حسما للكفر و الشرك و الفساد و الظلم و حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّٰهِ.

و للأستاذ العلّامة الطباطبائي- (رضوان اللّه عليه)- كلام في الجهاد و الذي يأمر به القرآن و يوجبه لا بدّ من الرجوع اليه (4).

و الغرض هنا: بيان أن الدواعي الباعثة على المقاتلة و الحرب يخطط للمقاتلين طريق الحرب و القتال و المعاملة مع الأعداء و في الأسرى و كيفيّة الأسر و.

و ليكن هذا في فكر القارئ الى.

____________

(1) المائدة: 20- 24.

(2) البقرة: 246.

(3) راجع الميزان ج 2/ 69- 70.

(4) راجع الميزان: ج 2/ 65- 72 و قد بحث العلّامة السيّد جعفر مرتضى أيضا في كتابه القيّم «ما هو الصحيح من السيرة»: ج 3/ 124- 133 حول الحرب في الإسلام بحثا ضافيا فراجع و كذا راجع الرحلة المدرسية: ج 3/ 5 الى.

60

فإذا يكون الحرب لها آثارها الحسنة أو السيئة على حسب الأهداف التي بعثت الإنسان، فإن كان لغرض حيواني من الحصول على السلطة و الملك و الرئاسة أو التشفّي و الانتقام، كان القتل و الأسر و التعذيب و التمثيل و الإحراق و التخريب و التدمير على حسب ما يحصل عند المقاتل من السلطة و الرئاسة، بحيث لا يبقى في عدوّه من يتمكّن و لو في زمن غير بعيد- من الحركة و القيام و رفض حكمه و ردّ أمره، و كذلك إن كان للانتقام على حسب ما يشبع الجاني و يروي عطشه و يسكن قلبه و يشفي غيظه الى حدّ يأتي بعض ما ضبطه التأريخ من الجنايات و المصائب الجلية و الفظيعة قتلا و تعذيبا في عدوّه من قتله أو تقطيعه أو التمثيل به أو سلخ جلده، و من التخريب و الحرق و الإفناء.

و أما لو كانت الحرب لإحياء التوحيد و العدل، و عملا بوظيفة إلهيّة في حسم الفساد و رفع الفتنة، فلها آثارها من التجنّب عن القتل إلّا على حدّ يأمر به العقل و يرخّصه الشرع، و كذا في الأسر و من أعمال الرحمة و الحنان و العطف و أداء حقّ كل إنسان حتى الذي يقتله لا يمثّل به و لا يقتله صبرا و تعذيبا، لأنّ القتل أيضا رحمة لا يشوبه شفاء غيظ و إطفاء غضب و اتباع هوى.

أ لا ترى الى حروب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فإن من نظر الى التأريخ، و درس القرآن في قتاله (صلى اللّه عليه و آله) نظر منصف مجانب للهوى و الحقد و كل عامل يضادّ الحق و يمنع عن فهم الحقائق، يعرف أنّه كان قتالا للحقّ و بالحقّ و على الحقّ،

61

و لا بدّ في تبيين ذلك من بيان أمور شاهدا لما ادّعينا قليلا من كثير، و أنموذجا من عظيم ما نشاهد من ذلك:

1- ينهى عن القتل إذا شوهد مسجد أو سمع أذان أو رأى صلاة أو قرع سمعهم لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

2- ينهى عن القتال قبل الدعوة الى الإسلام إذا كان العدو كافرا، و قبل الوعظ و النصح و الاحتجاج إذا كان مسلما باغيا، و بعد الدعوة و الوعظ إن قبل الإسلام و ترك البغي فلا قتال.

و ينهى عن الابتداء بالقتال و لو كان العدوّ كافرا.

3- و بعد تقضّي الحرب و القتال يؤخذ الباقون أسرى ان كانوا كافرين- على ما يأتي تفصيله- و إن كانوا بغاة و لم يكن للأسير فئة يرجع إليها يطلق، و يداوي إن كان جريحا، و إن كان له فئة يرجع إليها فالإمام فيه بالخيار بين القتل و المنّ عليه. و الى غير ذلك مما سيأتي الإشارة إليه خلال البحث، و سوف نرجع الى ذكر شواهد لذلك.

أولا: النهي عن قتال من قال لا إله إلا اللّه:

1- قال (صلى اللّه عليه و آله) «من استطعتم أن تأسروه من بني عبد المطلب فلا تقتلوه، فإنّهم إنما خرجوا كرها» (1).

____________

(1) جامع الأحاديث: ج 13/ 177 و البحار: ج 19/ 273/ 304 و مسند أحمد: ج 1/ 89 و كنز العمال: ج 10/ 246 و مجمع الزوائد: ج 6/ 85 و كشف الإستار: ج 2/ 108 و الطبري: ج 2/ 450 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 138 و ابن أبي الحديد: ج 14/ 183.

62

2- و كان يأمر السرايا بأن ينتظروا بمن يغزونهم، فإن أذّنوا للصلاة أمسكوا عنهم، و إن لم يسمعوا أذانا أغاروا (1).

3- إن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يغير عند صلاة الفجر و كان يستمع فان سمع أذانا أمسك، و إن لم يسمع أذانا أغار (2).

4- و قال لأصحابه: «انا مصبحوهم بغارة» (3).

5- و عن أنس: «إذا طرق قوما لم يغر عليهم حتى يصبح» (4).

6- و كان إذا جاء قوما بالليل لا يغير عليهم حتى يصبح (5).

7- و أتي بأسارى و ثبت له (صلى اللّه عليه و آله) أنّهم أصيبوا قبل الدعوة فأمر بردّهم (6).

و هذه النصوص تدل على أنه (صلى اللّه عليه و آله) كان يتجنّب الهجوم ليلا و الناس من الأطفال و النساء و الشيوخ نيام، و قد نهى عن قتلهم، و يمكن أن يقتلوا بالتبييت حتى يصبح، و يعرف من يقتل و من لا يقتل، و يعلم أنّهم مسلمون أم لا، كي لا يقتل من‌

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 274 و السنن الكبرى: ج 9/ 108 و نيل الأوطار:

ج 8/ 69 و حياة الصحابة: ج 1/ 89.

(2) سنن الدارمي: ج 2/ 217 و السنن الكبرى: ج 9/ 108 و نيل الأوطار: ج 8/ 69.

(3) كنز العمال: ج 4/ 461 و راجع الاعتبار للحازمي: ج 7/ 211.

(4) السنن الكبرى: ج 9/ 79 و الجواهر: ج 21/ 82 و المبسوط للسرخسي: ج 10/ 31 و الترمذي: ج 4/ 121 و نيل الأوطار: ج 8/ 69.

(5) السنن الكبرى: ج 9/ 79 و الجواهر: ج 21/ 82 و المبسوط للسرخسي: ج 10/ 31 و الترمذي: ج 4/ 131.

(6) حياة الصحابة: ج 1/ 89 عن السنن الكبرى و الكنز العمال.

63

لا يستحق القتل و لا يقتل مسلم.

8- و قال (صلى اللّه عليه و آله): «إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا» (1).

9- و عاتب أسامة بن زيد لمّا قتل مسلما، معتذرا بأنه قالها تعوّذا من القتل، و قال: «أفلا شققت الغطاء عن قلبه» و إليك النصّ بلفظه:

لمّا أحس مرداس بن نهيك الفدكي بخيل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) جمع أهله، و صار في ناحية الجبل فأقبل يقول:

أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فمرّ به أسامة بن زيد فطعنه فلمّا رجع الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أخبره بذلك فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): قتلت رجلا شهد أن لا إله إلّا اللّه و إني رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه انما قالها تعوّذا من القتل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أفلا شققت الغطاء عن قلبه؟ لا ما قال بلسانه قبلت و لا علمت ما في نفسه. (2).

10- و هنا نصّ آخر يدلّ على شدّة اهتمامه‌

____________

(1) البداية و النهاية: ج 4/ 315 و كنز العمال: ج 4/ 271.

(2) راجع نور الثقلين: ج 1/ 443 و البحار: ج 19/ 147/ 148 و السنن الكبرى ج 8/ 192 و الجمل للمفيد (ره)/ 46 و الكشّاف: ج 1/ 552 و القرطبي: ج 5/ 336- 337 و مجمع البيان: ج 3/ 95 و التبيان: ج 3/ 298 و الميزان: ج 5/ 43 و الطبري:

ج 5/ 141 و الطبري: في تاريخه ج 3/ 22 و الخراج لأبي يوسف ص 195.

64

(صلى اللّه عليه و آله) بذلك و هو: عن ضمرة بن حبيب: انّ رجلا بصق على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بمكة من المشركين فكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يتواعده: لئن أظفرني اللّه به لأقتلنّه، فبينا هو بعث سرية إذ جاء بشير فأخبره أن اللّه قد أحسن بلاء بهم، و أعزّ نصرهم، و أخبرك يا رسول اللّه ان اللّه قد أمكن من فلان، فسر بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فأقبلوا به مغلولا، فلمّا رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) دعا بسيف فسلّه ثم وضع رداءه عن منكبه ثم قام اليه شاطرا بالسيف، فقال: ادنوه مني فأدنوه فقال: كيف رأيت يا عدوّ اللّه أمكن اللّه منك قال: نعم فلا تقتلني، فإني أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنك رسول اللّه، فانصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سريعا راجعا حتى جلس مجلسه و وضع عليه رداءه و غمد السيف ثم قال: خلّوا سبيله ان ربي نهاني عن قتل المصلّين (1).

11- و بعث رهطا الى خثعم فلما رأوا أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد غشوهم اعتصموا بالسجود فقتل بعضهم.

فأمر نبي اللّه بنصف العقل لصلاتهم (2).

فينهى عن قتل كل من أظهر الإسلام بلسانه، يصفح و يعفو عمّن اعتصم بقول «لا إله إلّا اللّه و محمد رسول اللّه» و قال في كلامه الخالد:

____________

(1) سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 249.

(2) سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 249 و الأشعثيات: ص 79.

65

12- إلّا أني أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه و إني رسول اللّه و إذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلّا بحق و حسابهم على اللّه (1).

و في نص:

13- أمرت أن أقاتلكم حتى تشهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أني محمّد رسول اللّه، فإذا فعلتم ذلك حقنتم بها أموالكم و دماءكم إلّا بحقّها (2).

و في نص آخر ثالث:

14- قال له علي (عليه السلام): علام أقاتل؟ قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها و حسابهم على اللّه عزّ و جل (3).

فإذا أسلم إنسان أو أظهر الإسلام فقد حصلت الغاية من الأمر بالقتال و.

15- و عن أمير المؤمنين علي (صلوات اللّه عليه) قال: أتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) بفرات بن حبان يوم الخندق- و كان عينا‌

____________

(1) ذكرنا مصادره كلها من السنة و الشيعة في «أصول مالكيت» ج 1/ 81 ط/ 1 و راجع الأموال لأبي عبيد ص 27.

(2) ذكرنا المصادر في «أصول مالكيت» ج 1/ 86 ط/ 1، و الخراج لأبي يوسف ص 195.

(3) راجع «أصول مالكيت» ج 1/ 88 ط/ 1، و راجع أموال أبي عبيد ص 27 و الخراج لأبي يوسف ص 195.

66

للمشركين- و أمر بقتله، فقال: إني مسلم فقال: ان منكم من اتألفه على الإسلام و أكله إلى إيمانه منهم فرات بن حبان (1).

16- و روي أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بعث سرية، فأتى بناس من الأعراب فادّعى الإسلام بعضهم، فقال: من يشهد لك؟ قال: عباد قد سمعه قال: يا عباد أسمعته؟ قال: نعم سمعته يشهد أن لا إله إلّا اللّه، فأعتقهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (2).

17- نقل عن الوحشي قاتل حمزة يقول:

افتتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها، فلمّا خرج وفد الطائف إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يسلموا تعيّت عليّ المذاهب، فقلت: الحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد، فو اللّه أنّى ذلك من همّي إذ قال لي رجل: ويحك إنه و اللّه لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه و شهد شهادة الحق، فلمّا قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) المدينة فلم يرعه إلا بي قائماً على رأسه، أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أوحشي أنت؟ قلت:

نعم يا رسول اللّه قال: أقعد فحدّثني كيف قتلت حمزة؟ قال فحدّثته كما حدّثتكما، فلما فرغت من حديثي قال: ويحك غيّب عنّي وجهك فلا أرينّك. الحديث (3).

____________

(1) الأغاني: ج 16/ 81 و الطبري ج 2/ 493 و البداية و النهاية ج 4/ 5.

(2) كشف الإستار: ج 3/ 389 باب ادّعاء الأسير الإسلام.

(3) البداية و النهاية: ج 4/ 18.

67

و لعلّ هذه النصوص كلها تفسير لقوله تعالى وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فَعِنْدَ اللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّٰهُ عَلَيْكُمْ. (1).

أي لا تقتلوا من أظهر الإسلام و لا تقولوا لست مؤمنا ابتغاء ماله، و كذلك كنتم أنتم أوّل ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصّنت دماءكم و أموالكم، من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم، فمنّ عليكم بالاستقامة و الاشتهار بالإيمان و التقدم (أو المعنى كذلك كنتم من قبل تبتغون عرض الحياة الدنيا في قتالكم فمنّ عليكم بالإسلام فلا تبتغوا متاع الدنيا في قتالكم بعد الايمان) و إن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام، كما فعل بكم، و ان تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافأة، و لا تقولوا ان تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النيّة، فتجعلوه سلّما إلى استباحة دمه و ماله و قد حرّمهما اللّه، و قوله «فَتَبَيَّنُوا» تكرير للأمر بالتبيّن ليؤكّد عليهم «إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيراً» فلا تتهافتوا في القتل و كونوا محترزين محتاطين في ذلك.

18- و روي انها نزلت في قصة أسامة المتقدّمة، أو قصه محلّم بن جثامة الليثي، و كان بعثه النبي (صلى اللّه عليه و آله) في سرية فلقاه‌

____________

(1) النساء: 94، راجع البيضاوي: و الكشاف: ج 1/ 552 و القرطبي: ج 5/ 338 و مجمع البيان: ج 3/ 95 و التبيان: ج 3/ 297 و المنار: ج 5/ 349 و الميزان: ج 5/ 40 و الطبري: ج 5/ 139.

68

عامر بن الأضبط الأشجعي فحيّا بتحية الإسلام، و كان بينهما أحنة، فرماه بسهم فقتله، فلما جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) و سأله أن يستغفر له، فقال (صلى اللّه عليه و آله): لا غفر اللّه له.

الحديث (1). و روي غير ذلك أيضا.

19- فرّ سهيل بن عمرو من الإسار في الطريق من بدر إلى المدينة بين السقيا و الملل، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و المسلمون في طلبه و قال: «من وجده فليقتله» فوجده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لم يقتله، بل أمر به فربطت يداه الى عنقه إلى المدينة (2).

تنهى الآية الشريفة عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا، و ان يكون الغرض الدنيا و ما فيها و يؤكد أن يكون الهدف الدين و الإسلام فحسب.

«. و قد علمت من هذه الآيات (الآيتين و ما قبلهما) أنّ الإسلام يمنع قتل من يظهر الإسلام، و من يلقي السلم أو السلام، و من بينه و بين المسلمين عهد و ميثاق، إما على المناصرة و إما على ترك القتال، و من اتصل بأهل الميثاق المعاهدين، و من اعتزل القتال فلم يساعد فيه قومه المقاتلين، و بعد هذا كله رغب عن ابتغاء عرض الدنيا بالقتال ليكون لمحض رفع البغي و العدوان،

____________

(1) مجمع البيان و تفسير القرطبي و التبيان و الطبري في تفسير قوله تعالى وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ. من سورة النساء آية: 94.

(2) ابن أبي الحديد: ج 14/ 186- 188.

69

و تقرير الحقّ و الإصلاح. و لا همّ لجميع الدول و الأمم الآن إلّا الربح و جمع الأموال، و هم ينقضون العهد و الميثاق مع الضعفاء و لا يلتزمون حفظ المعاهدات إلّا مع الأقوياء.» (1).

و قس ما ذكرنا و ما يأتي مع ما في التوراة: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها الى الصلح فإن أجابت إلى الصلح و فتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير و يستعبد.

و إن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها و إذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف.

و أما النساء و الأطفال و البهائم، و كل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، و تأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدّا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. و أما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما» (2).

و في الإنجيل: «ما جئت لألقى على الأرض سلاما بل سيفا» (3).

و في التوراة أيضا: «فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحدّ السيف، و تحرقها بكل ما فيها مع بهائمها بحدّ السيف تجمع كل‌

____________

(1) المنار: ج 5/ 349- 350.

(2) الصحيح من السيرة: ج 3/ 124 عن التوراة، سفر التثنية، الاصحاح/ 20 فقرة 10- 18.

(3) الصحيح من السيرة: ج 3/ 124.

70

أمتعتها الى ساحتها و تحرق بالنار المدينة» (1).

لمّا تغلّب بنو إسرائيل على المديانيين و سبوا نساءهم و أطفالهم، أمرهم موسى ان يقتل كل ذكر من الأطفال و كل امرأة ثيبة، و أما الأطفال من النساء اللواتي لم يقربهن ذكر فإنّهن يبقين حيات لهم و قد كن اثنتين و ثلاثين ألفا (2).

و قس ما في التوراة الموجودة و الإنجيل مع ما في القرآن الكريم من دعوته إلى الإحسان في حروبه و ما صدر عن النبيّ العظيم قولا و عملا في هذا المجال. ثم تدبّر، حتى تعرف انّ حروبه لم تكن ابتداء لمحض الدعوة الى الإسلام، و إن جاز ذلك للإصلاح الديني و المدني، و تثبيت نظام العدل و المدنيّة و رفع الظلم و العوائد الوحشيّة الجائرة القاسية (و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نجاة البشرية من المهالك و المزالق) لكن دعوته الصالحة الفاضلة تجنبت هذا المسلك، و سلكت فيما هو أرقى منه و هو الدعوة الى سبيل اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي أحسن. و قد استمرت سيرته الصالحة على ذلك، فكانت حروبه بأجمعها دفاعا‌

____________

(1) الصحيح من السيرة: ج 3/ 125 عن التوراة سفر التثنية الاصحاح/ 13 فقرة/ 15، قال:

و ثمة نصوص أخرى في هذا المجال لا مجال لتتبعها. فراجع سفر التثنية الاصحاح/ 7 فقرة 1- 2، و ليراجع سفر صموئيل الأوّل الاصحاح/ 15، و رسالة بولس الى العبرانيين الاصحاح/ 11 فقرة/ 32 فما بعدها، و أنيس الأعلام ج 5/ 302- 316.

(2) الرحلة المدرسية: ج 1/ ط الثانية ص 74 عن التوراة، الفصل الحادي و الثلاثين من سفر العدد و راجع أيضا المصدر في ما ذكر عن الفصل الثاني من سفر التثنية و الفصل الحادي و العشرين و الفصل العشرين عن سفر التثنية.

71

لعدوان المشركين الظالمين عن التوحيد و شريعة الإصلاح و المسلمين (1).

ثم أضحك على الذين يقولون: إن الإسلام دين السيف و القهر حتى: «لقد صوّروا في بعض كتبهم كاريكاتورا يمثل النبي (صلى اللّه عليه و آله) حاملا القرآن في يد و السيف في يد و يقف فوق رأسه أشخاص و كتبوا عبارة: «آمنوا بالقرآن و إلا. ضربت رقابكم بالسيف» فهم يريدون أن يقولوا: انّ الإسلام الذي يقول «ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» ليس صادقا فيما يقول.».

فقد نقل أن المنافقين و اليهود أظهروا الشماتة و السرور بما أصاب المسلمين في أحد، و قالوا ما قالوا «استأذنه عمر في قتل هؤلاء المنافقين و اليهود فقال (صلى اللّه عليه و آله): أ ليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا اللّه و إني رسول اللّه؟ قال عمر: بلى و لكن تعوّذوا من السيف، و قد بان أمرهم و أبدى اللّه تعالى أضغانهم. فقال (صلى اللّه عليه و آله): نهيت عن قتل من أظهر ذلك و أما اليهود فلهم ذمّة فلا أقتلهم» (2).

لقد بالغ المنافقون في أعمالهم ضد الإسلام حتى أنزل اللّه تعالى:

____________

(1) الرحلة المدرسية: ج 2/ 196.

(2) الصحيح من السيرة: ج 4/ 325 عن السيرة الحلبية: ج 2/ 254 و المغازي للواقدي: ج 1/ 317- 318 و شرح النهج للمعتزلي: ج 15/ 43.

72

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنٰافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ (1). و هدّدهم و لكنّه (صلى اللّه عليه و آله) عفا و صفح، كما هو شأنه (صلى اللّه عليه و آله).

فمن دقّق النظر في الآيات النازلة في المنافقين و أعمالهم و أقوالهم نظر منصف علم سعة حلمه و عفوه و صفحة، و انه (صلى اللّه عليه و آله) كان يتجنّب قتل من تلفّظ بالإسلام.

ثانيا: وجوب الدعاء إلى الإسلام:

أوجب اللّه تعالى قبل الشروع في الحرب الدعوة الى الإسلام، كما أوجب في حرب البغاة و المحاربين إتمام الحجّة بالإرشاد و الاحتجاج، و دفع الشبه، و الموعظة و النصيحة، و لا بأس بالإشارة الى النصوص أيضا، و ان كان ذلك واضحا فتوى و إجماعا (2).

1- كتب أبو جعفر الباقر. (عليه السلام) الى بعض ملوك بني أميّة في الجهاد: «و اشترط عليهم حفظ الحدود، و أوّل ذلك الدعاء إلى طاعة اللّه عز و جل من طاعة العباد، و الى عبادة اللّه من عبادة العباد، و إلى ولاية اللّه من ولاية العباد. فمن دعي إلى الجزية فأبى قتل» (3).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يوصي الجيش:

2- «و إذا لقيتم عدوّا للمسلمين فادعوهم الى إحدى ثلاث،

____________

(1) الأحزاب: 60.

(2) راجع المبسوط: ج 2/ 13 و ج 7/ 265 و السرائر: 167- 172 و المهذّب: ج 299 و الكافي:

لأبي الصلاح/ 32.

(3) جامع الأحاديث: ج 13/ 4 عن الكافي: ج 5/ 3.

73

فان هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم و كفّوا عنهم، و ادعوهم إلى الإسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوه منهم و كفّوا عنهم، و ادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام فإن فعلوا فاقبلوا و كفّوا عنهم. الحديث» (1).

3- و قال (صلى اللّه عليه و آله) يوصي عليا (عليه السلام) حينما بعثه الى اليمن: «يا علي لا تقاتلنّ حتى تدعوه إلى الإسلام، و أيم اللّه لئن يهد اللّه (عز و جل) على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت و لك ولاؤه» (2).

4- «و عن علي (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: لا يغز قوم حتى يدعوا» (3).

5- و قال (صلى اللّه عليه و آله): «لا تقاتل الكفار إلّا بعد الدعاء إلى الإسلام» (4).

____________

(1) جامع الأحاديث: ج 13/ 118 عن التهذيب: ج 6/ 138 و الكافي: ج 5/ 29 و ص 119 عن دعائم الإسلام، و راجع البحار: ج 32 و ج 18 الطبع الكمباني في دعوة علي (عليه السلام) البغاة و احتجاجه عليهم، و راجع ابن أبي شيبة: ج 12/ 364 و السنن الكبرى: ج 8 و 179 و 181 و كنز العمال: ج 11/ 307 و 330 و حياة الصحابة:

ج 1/ 86 و 87 و 88 و الأموال: لأبي عبيد ص 303 و 305 و الخراج: لأبي يوسف ص 207.

(2) جامع الأحاديث: ج 13/ 143 عن الكافي: ج 5/ 28 و 36 التهذيب: ج 6/ 141 و الجعفريات: ص 77 و المصنّف لعبد الرزاق: ج 5/ 217 و مجمع الزوائد: ج 5/ 305 و نصب الراية: ص 387 و كنز العمال: ج 4/ 304 و العقد الفريد: ج 4/ 330 و السنن الكبرى: ج 8/ 181 و كنزل العمّال: ج 11/ 312 و 313.

(3) جامع الأحاديث: ج 13/ 144 عن الدعائم.

(4) جامع الأحاديث: ج 13/ 144 عن العوالي.

74

6- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «ان كانوا غزوا و قوتلوا و قاتلوا، فإنّك تجتزي بذلك، و ان كانوا قوما لم يغزوا و لم يقاتلوا فلا يسعك قتالهم حتى تدعوهم» (1).

7- و قال (صلى اللّه عليه و آله) في خيبر لعليّ (عليه السلام): «ثم ادعهم إلى الإسلام، و أخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللّه فيه، فو اللّه لئن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من ان تكون لك حمر النعم» (2).

8- و قال (صلى اللّه عليه و آله) و هو يوصي أصحابه: «فما على الأرض من أهل بيت مدر و لا و بر الّا تأتوني بهم مسلمين أحبّ اليّ من أن تأتوني بنسائهم و أولادهم و تقتلوا رجالهم» (3).

9- عن أبي الجهم: «ان عليا بعث البراء بن عازب الى الحرورية فدعاهم ثلاثا» (4).

10- بعث ابن عباس إلى الحرورية للاحتجاج معهم و قال له: «لا تخاصمهم بالقرآن، فان القرآن حمّال ذو وجوه، تقول و يقولون، و لكن حاججهم بالسنّة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا» (5).

____________

(1) جامع الأحاديث: ج 13/ 144 عن الكافي: ج 5/ 20 و التهذيب: ج 6/ 135.

(2) مصابيح السنة: ج 2/ 149.

(3) كنز العمال: ج 4/ 296 و حياة الصحابة: ج 1/ 86 عن الكنز و الإصابة.

(4) ابن أبي شيبة: ج 12/ 364 و السنن الكبرى: ج 8/ 179.

(5) نهج البلاغة الكتاب المرقم/ 77.

75

و يحتمل ان يكون بعثة ابن عباس إليهم كانت في موارد متعددة بعد الرجوع عن صفّين، و حينما اجتمعوا في النهروان (1).

11- كما أنه أرسل إليهم رجالا من عظماء المسلمين و علمائهم كصعصعة بن صوحان (2)، و كتب إليهم كتابا (3)، و احتجّ عليهم بنفسه الشريفة مباشرة، و تكلّم معهم و أجاب عن سؤالاتهم، و كشف الغطاء عن رين قلوبهم و دعاهم إلى المحاجّة و المذاكرة (4).

12- و حاجّهم الأشتر و قيس بن سعد (5) و غيرهما.

____________

(1) راجع الكامل للمبرّد: ج 2/ 107/ 134 و ج 3/ 165 و ابن أبي الحديد: ج 2/ 273- 278 و/ 310 و العقد الفريد ج 2/ 388 و اليعقوبي: ج 2/ 180 و 181 و الطبري: ج 6/ 3351 ط ليدن و أنساب الاشراف: ج 1/ 348 و 354 و 360 و الاحتجاج للطبرسي: ج 1/ 276 و بهج الصباغة: ج 7/ 169 و الطبقات لابن سعد: ج 3 ق 1/ 21 و المناقب للخوارزمي:

/ 183 و جامع بيان العلم و العمل: ج 2/ 126 و ملحقات إحقاق الحقّ: ج 8/ 521 و البحار ج 8، ط الكمباني:/ 566 و المعرفة و التأريخ: ج 1/ 522 و ابن أبي شيبة:

ج 11/ 300 و 312 و 313 و الدر المنثور: ج 2/ 157 و المناقب: ج 2/ 369 و فتوح ابن أعثم: ج 4/ 85 و 95 و تهذيب تاريخ ابن عساكر: ج 7/ 304 و الفصول المهمّة لابن صبّاغ: ص 84/ 92 و 93.

(2) راجع البحار ط الكمباني: ج 8/ 566 و قاموس الرجال: ج 5/ 124 و 125 و الاختصاص للمفيد:/ 117 و تهذيب تاريخ ابن عساكر: ج 7/ 306 و ابن أبي شيبة: ج 11/ 318.

(3) فتوح ابن أعثم: ج 4/ 108 و 118.

(4) راجع المصادر المتقدّمة و راجع ابن أبي الحديد: ج 2/ 261 و 268 و 274 و 279 و المستدرك للنوري: ط. الحجري ج 2/ 253 و تهذيب تاريخ ابن عساكر:

ج 7/ 304 و 305.

(5) راجع صفين لنصر: ص 491 و ابن ابي الحديد: ج 2/ 217 و الغدير: ج 2/ 82 عن الطبري و ابن الأثير.

76

13- كما انّه (صلوات اللّه و سلامه عليه) احتجّ على أصحاب الجمل خطابا و كتابا مجتمعا و منفردا، و أرسل إليهم الرسل، فكتب الى عائشة و إلى طلحة و الزبير و أرسل إليهم عبد اللّه بن العبّاس، بل لم يقاتل حتى دعا الناس ثلاثا و أرسل إليهم مصحفا فناشدهم و نادى في الناس: لا يرمينّ رجل بسهم و لا يطعن برمح و لا يضرب بسيف و لا نبدأ القوم بالقتال و كلّموهم بألطف الكلام. حتى تعالى النهار (1).

و أمر من ينادي قبل التحام الحرب:

14- «يا معشر قريش اتقوا اللّه على أنفسكم فاني أعلم انّكم قد خرجتم و ظننتم انّ الأمر لا يبلغ الى هذا، فاللّه اللّه في أنفسكم فإنّ السيف ليس له بقيا، فان أحببتم فانصرفوا حتى نحاكم هؤلاء القوم، و إن أحببتم فتعالوا اليّ انكم آمنون بأمان اللّه».

قال معاذ بن عبد اللّه التميمي: فاستحيينا أشدّ الحياء و أبصرنا ما نحن فيه، و لكنّ الحفاظ حملنا على الصبر مع عائشة حتى قتل من قتل منّا. و نادى علي (عليه السلام): من طرح السلاح فهو آمن و من دخل بيته فهو آمن، و اللّه ما رأيت أكرم منه.

____________

(1) الصحيح من السيرة: ج 3/ 274 عن سنن البيهقي: ج 8/ 180 و حياة الصحابة:

ج 2/ 503 عنه و تذكرة الخواصّ: ص 72 و 91 و الفتوح لابن أعثم: ج 3/ 45 و ج 2/ 490 و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي: ج 2/ 240 و مناقب الخوارزمي:

ص 183 و البحار: ج 32/ 263 و الجمل للمفيد: ص 169 و ابن أبي الحديد:

ج 9/ 31- 321 و الفصول المهمّة لابن الصباغ: ص 84 و 86.

77

15- و نقل عمر بن دينار عن صفوان قال: لمّا تصافّ الناس يوم الجمل، صاح صائح من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: يا معشر شباب قريش أراكم لححتم و غلبتم على أمركم هذا، و اني أنشدكم اللّه ان تحقنوا دماءكم و لا تقتلوا أنفسكم، اتقوا الأشتر النخعي و جندب بن زهير العامري، فان الأشتر يشمّر درعه حتى تتبعوا أثره، و ان جندب يحزم درعه حتى يشمر عنه و في رأيته علامة حمراء.

16- و قال ابن الزبير: اني لواقف في يمين رجل من قريش إذ صاح صائح: يا معاشر قريش احذّركم الرجلين جندب العامري و الأشتر النخعي (1).

17- و لما رأى طلحة في القتلى قال: لقد أصبح أبو محمد غريبا في هذا المكان، أما و اللّه لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب، أدركت و ترى من بني عبد مناف و افلتني أعيان بني جمح، لقد أتلعوا أعناقهم الى أمر لم يكونوا أهله فوقصوا دونه (2).

18- و لما رأى عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قال:

«لهفي عليك يعسوب قريش، هذا فتى الفتيان، هذا اللباب المحض من بني عبد مناف، شفيت نفسي و قتلت معشري، الى اللّه أشكو عجري و بجري، فقال له قائل لشدّ ما أطريت الفتى يا أمير‌

____________

(1) الجمل للمفيد: ص 194- 195.

(2) البحار: ج 32/ 212 عن النهج الخطبة/ 217 و ابن أبي الحديد: ج 1/ 248.

78

المؤمنين منذ اليوم قال: إنه قام عني و عنه نسوة لم يقمن عنك» (1).

أ ما ترى كيف يتلهّف و يتأسّف على قتلى أعدائه المنابذين له بدل الفرح و السرور، و كيف يصفهم، ثم يشكو الى اللّه تعالى من عجرة و بجرة، أي همومه و احزانه، فهو كمن قطع يده لعلّة أصابها يتوقّد أحزانا و يشتعل قلبه هموما، أو كالوالد يتوجّع على ولده، أو كأخ رءوف يبكي على أخيه و ينصحه و هو لا يقبل النصح و يعضه و هو لا يتعظ، فيكون مضطرا الى قتله و آخر الدواء الكيّ.

و قال الشارح المعتزلي: و حاربه أهل البصرة و ضربوا وجهه و وجوه أولاده بالسيوف و شتموه و لعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، و نادى مناديه في أقطار العسكر: ألّا يتبع مولّ و لا يجهز على جريح و لا يقتل مستأسر، و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من تحيّز الى عسكر الإمام فهو آمن، و لم يأخذ أثقالهم و لا سبى ذراريهم و لا غنم شيئا من أموالهم، و لو شاء أن يفعل كلّ ذلك لفعل، و لكنه أبى إلّا الصفح و العفو و تقبّل سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يوم فتح مكة، فإنّه عفا و الأحقاد لم تبرد و الإساءة لم تنس (2).

19- و بعد انتهاء الحرب: فلما رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال: جدعت أنفي، أما و اللّه إن كان مصرعكم لبغيضا إليّ، و لقد تقدّمت إليكم و حذّرتكم عضّ السيوف، و كنتم إحداثا‌

____________

(1) ابن أبي الحديد: ج 11/ 123- 124 و ج 1/ 249 و ربيع الأبرار: ج 2/ 364.

(2) ابن ابي الحديد ج 1/ 23.

79

لا علم لكم بما ترون و لكن الحين و مصارع السوء (1).

20- كما فعل (صلوات اللّه عليه) في إتمام الحجّة على معاوية و عمرو بن العاص و نظرائهما فكم من كتاب كتب إليهما، و كم من رسول أرسله إليهما، و كذا في عدم الابتداء بالقتال في الجمل و صفين و النهروان (2).

يؤكد صلّى اللّه عليه على إبانة الحق و إتمام الحجة و الأعذار و الانذار.

21- و في صفين: صدّ معاوية الشريعة، و منع عليا (عليه السلام) و أصحابه من الماء، فحاجّه علي (عليه السلام) بإرسال جماعة من أصحابه إليه، فلما يأس من اتعاظ معاوية، أخذ الماء بالسيف ثم أباحه لأهل الشام، و لم يصغ الى قول بعض أصحابه من منع أهل الشام، و ذلك معروف مشهور.

ثالثا: النهي عن القتال بما يوجب قتل غير المقاتلين من الأعداء

نهى (صلى اللّه عليه و آله) عن إلقاء السمّ في بلاد العدو:

روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين‌

____________

(1) الجمل للمفيد/ 194- 195 و البحار ج 32/ 207 عن الإرشاد للمفيد (ره).

(2) كما أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن الابتداء بالقتال مع المشركين راجع الصحيح من السيرة ج 3/ 188 و ذكر ص 275 ان عدم الابتداء بالقتال صار من شعار الشيعة و نقله عن الجاحظ قال: كان كردويه مع فتكه و إقدامه يتشيع فكان لا يبدأ بقتال حتى يبتدأ- البرصان و العرجان و الحولان- للجاحظ ص 322.

80

(صلوات اللّه عليه): نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يلقى السمّ في بلاد المشركين (1).

قال الشيخ: و كره أصحابنا إلقاء السمّ في بلادهم (2)، و قال في التذكرة: «و هل يجوز إلقاء السمّ في بلادهم، منع الشيخ منه لأن النبي (صلى اللّه عليه و آله) نهى ان يلقى السم في بلاد المشركين» (3).

و الغرض أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن إلقاء السمّ في الماء نهي تحريم أو كراهة و إعافة أو نهيا إرشاديا يختلف حسب الموارد كما نهى عن التبييت، و في الحديث أنه (صلى اللّه عليه و آله) لم يبيت عدوّا، و كذا يكره فتح الثبوق عليهم، و إغراقهم بإرسال الماء مع القدرة عليهم بغير ذلك، و كذا رميهم بالنيران.

كلّ ذلك حفاظا على الدماء و تقليلا في القتل.

نعم يجوز ذلك كلّه في شرائط مذكورة في الفقه، و ليس المقام معدّا لذكره، و سيأتي الإشارة إلى بعضها في بعض المناسبات.

رابعا: المنّ على الأسير

كان رسول اللّه يمنّ على الأسير فيطلقه، و هذه كتب الحديث‌

____________

(1) راجع جامع الأحاديث ج 13/ 153 عن الكافي ج 5/ 28 و التهذيب ج 6/ 143 و الجعفريات/ 88.

(2) المبسوط ج 2/ 11.

(3) المصدر: ج 1/ 412 و راجع اللمعة: 273 و الجامع للشرائع: ص 235 و المختصر النافع: 227 و الشرائع: 203 و السرائر: 168 و النهاية: 51 و الغنية: 158 و الإصباح: 72 و الجمل و العقود: 62 و راجع المغني: ج 10/ 212.

81

و التأريخ و المغازي تصرّح بأنه (صلى اللّه عليه و آله) كان يمنّ على الأسارى فيطلقهم من غير فداء، أو يمنّ عليهم فيطلقهم بأخذ الفداء أو يطلقه مبادلة.

و كذا أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه الثلاثة منّ على أعدائه فأطلقهم و لم يقتلهم (1).

و إليك قسما من النصوص:

1- منّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) على أهل مكّة فلم يقتلهم و لم يسترقّهم، فقال: اذهبوا أنتم الطلقاء (2).

مع انه لا يخفى على من له أدنى إلمام بالتأريخ، أنّ أهل مكة فعلوا كلّ ما يقدرون عليه في الإساءة إليه (صلى اللّه عليه و آله) و الى كل مسلم من قول سيى‌ء و تعذيب و إهانة و حصار اقتصادي طيلة إقامته (صلى اللّه عليه و آله) بمكة، و طوال سنين عديدة بعد هجرته (صلى اللّه عليه و آله) في حروب دامية و صدّ عن سبيل اللّه بأموالهم و أنفسهم، و لكنه (صلى اللّه عليه و آله) لمّا ورد مكّة في جيش كثيف و قوّة قاهرة، و أذلّ اللّه قريشا فاجتمعوا في المسجد الحرام أذلة خاسئين، فقال (صلى اللّه عليه و آله) في كلامه الخالد: «اذهبوا أنتم الطلقاء» و منّ عليهم و أطلقهم.

2- ثمانون رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي (صلى اللّه عليه و آله) من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوه،

____________

(1) ابن أبي الحديد ج 1/ 23 لا يحتاج الى ذكر المصادر لشهرته في التأريخ و الحديث.

(2) تركنا ذكر المصادر ايكالا على وضوحه و راجع الطبري ج 3/ 61.

82

فأخذهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سلما فأعتقهم (1) يمنّ (صلى اللّه عليه و آله) على من يروم قتله و يعتقه.

3- كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير (2).

4- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بأسارى فقدّم رجل ليضرب عنقه، فقال له جبرئيل أخّر هذا اليوم يا محمّد فردّه. فقال له جبرئيل: ربّك يقرؤك السلام و يقول لك: إن أسيرك هذا يطعم الطعام و يقري الضيف و يصبر على النائبة و يحمل الحمالات، فقال له (صلى اللّه عليه و آله). و قد أعتقتك. الحديث (3).

ترى انه (صلى اللّه عليه و آله) يعتق من كان له صفات فاضلة لأجل هذه الفضائل فيقول الأسير المعتق «و انّ ربك ليحبّ هذا فقال: نعم قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)».

5- بعث النبي (صلى اللّه عليه و آله) خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حذيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال:

____________

(1) نيل الأوطار ج 8/ 140 و 148 و مشكاة المصابيح 345 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1/ 72 و حياة الصحابة ج 2/ 537 عن أحمد و منتخب مسند عبد بن حميد ص 363.

(2) الوسائل ج 7/ 229.

(3) الوسائل ج 6/ 329.

83

أطلقوا ثمامة (1).

6- منّ على أسارى بدر و هم سبعون نفر، فأطلق جمعا بلا فداء و جمعا، بشرط أن يعلّم كل واحد عشرة من شباب المسلمين الكتابة، و أخذ من عدّة فداء كل واحد أربعة آلاف (2) إلّا رجلين قتلهما لما يأتي.

7- و منّ على أسارى هوازن في حنين بعد القسمة، فطلب من المسلمين أن يطلقوا من بأيديهم من الأسارى فقبلوا و أطلقوا (3).

8- أن يهود خيبر أخرجوا النساء و الذريّة إلى حصن الكتيبة. و بالكتيبة من اليهود و من نسائهم و ذراريهم أكثر من ألفين، فلما صالح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أهل الكتيبة أمن الرجال و النساء (4).

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9 و 65 و 66 و 88 و البخاري: ج 1/ 125 و مشكاة المصابيح:

/ 344 و مسند أبي عوانة: ج 4/ 157 و آثار الحرب: ص 409 عن البخاري و مسلم و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 235 و البحار: ج 22/ 140 عن الكافي: ج 8/ 229- 300 و تفسير المراغي: ج 26/ 49 و تاريخ المدينة لابن شيبة: ج 2/ 435.

(2) راجع سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 251 و نصب الراية: ج 3/ 2 و سنن أبي داود:

ج 2/ 11 و المستدرك للحاكم: ج 3/ 23 و نيل الأوطار: ج 8/ 144 و عبد الرزاق:

ج 5/ 206 و 352 و تاريخ ابن كثير: ج 3/ 299 و الطبري: ج 2/ 465 و البداية و النهاية: ج 3/ 310 و 328 الصحيح من السيرة: ج 3/ 238.

(3) راجع نصب الراية: ج 3/ 406 و مشكاة المصابيح:/ 345 و الطبري: ج 3/ 87 و 89 و البخاري ج 3/ 194 و ج 9/ 89 و ج 4/ 109 و 196 و التراتيب الإدارية: ج 1/ 235 و مجلة نور علم: العام الثاني العدد الأوّل.

(4) المغازي للواقدي: ج 2/ 669 و البحار: ج 21/ 12.

84

9- أخذت امرأة من بني فزارة أسيرة فادى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بها رجالا من المسلمين (1).

10- و فادى عمرو بن أبي سفيان بسعد بن النعمان (2).

11- عزم (صلى اللّه عليه و آله) على قتل يهود بني قينقاع، لنقضهم العهد بينهم و بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في قصّة مشهورة، حيث عمل رجل منهم بامرأة من المسلمين في السوق ما أثار الفتنة، و كاتبوا المشركين، و هم أوّل من نقض العهد من اليهود القاطنين حول المدينة (3) ثم منّ عليهم و أجلاهم عن المدينة (4).

12- أخذ عبد اللّه بن جحش أسيرين فأطلقهما النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بالفداء (5).

13- ظفر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في حمراء الأسد بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، فأصرّ عثمان على إطلاقه فأطلقه، و لكنّه بقي حول المدينة يتجسّس، فأرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عمّارا مع رجل فقتلاه لتجسّسه (6).

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9/ 129.

(2) الطبري: ج 2/ 467 و البداية و النهاية: ج 3/ 311 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 133 و ابن أبي الحديد: ج 14/ 301.

(3) ذكرنا العهد في مكاتيب الرسول ج 1.

(4) الطبري: ج 2/ 480 و البداية و النهاية: ج 4/ 3 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 138.

(5) الطبري: ج 4/ 413 و 414 و البداية و النهاية: ج 3/ 250 و الكامل لابن الأثير:

ج 2/ 114.

(6) الطبري: ج 2/ 536 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 165 و البداية و النهاية: ج 4/ 51، و انظر ما يأتي من مصادره.

85

14- و ظفر معه بأبي عز الشاعر فقتله (1) كما يأتي لنقضه العهد.

15- بعث (صلى اللّه عليه و آله) عمرو بن أمية إلى مكّة ليغتال أبا سفيان، فلم يوفّق و أسر عينا لقريش (2) و لم يتعرّض المؤرخون لقتله، فالظاهر انه (صلى اللّه عليه و آله) لم يقتله.

16- لمّا رأى (صلى اللّه عليه و آله) انّ اليهود لا يكادون يثبتون على عهدهم، فقصدهم هو و أصحابه لتأكيد العهد و أخذ الميثاق منهم، فأبى بنو النضير فعدل إلى بني قريظة فأعطوه عهودهم على أن لا يغدروا و لا يساعدوا المشركين عليهم، فرجع عنهم إلى بني النضير و حاصرهم على إعطاء العهد، فتآمروا على إدلاء حجر على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فحاصرهم حتى اختاروا الجلاء عن بلادهم، فمنّ عليهم بالجلاء (3).

17- جمّع يهود بني قريظة المشركين (أهل مكة و غطفان) على حرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) (بعد العهد و بعد تأكيده) فخرّبوا الأحزاب، فلمّا ردّ اللّه كيدهم و رجعت قريش و تفرّقت القبائل، حاصرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لنقضهم و إثارتهم الحرب عليه. فنزلوا على حكم سعد بن معاذ (حليفهم من الأنصار)

____________

(1) الطبري: ج 2/ 536 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 165 و البداية و النهاية: ج 4/ 51، و راجع ما يأتي من مصادره.

(2) الطبري: ج 2/ 545 و البداية و النهاية: ج 4/ 71 و الكامل لابن الأثير ج 2/ 170 و الرحلة المدرسية ج 4/ 8.

(3) الكامل لابن الأثير: ج 2/ 173 و الطبري: ج 2/ 552 و البداية و النهاية: ج 4/ 75 و الرحلة المدرسية: ج 2/ 199 و اللفظ للرحلة.

86

فحكم سعد بقتل رجالهم و من بلغ من الذكران و سبي نسائهم و أطفالهم، فأجرى حكم سعد فيهم أو عمل بحكم التوراة فيهم باختيارهم ذلك، و لو طلبوا الجلاء أو حكم حاكمهم به لسمح لهم (1).

18- و ظفر ببني المصطلق لمّا أجمعوا على حرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فسبى منهم خلقا كثيرا ثم لمّا تزوج جويرية بنت الحارث قال المسلمون: أصهار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأرسلوا ما بأيديهم (2).

19- و صالح أهل فدك بأراضيهم و منّ على أنفسهم و نسائهم و ذراريهم (3).

20- جعل أبو سفيان لعربي جعلا على أن يغتال النبي (صلى اللّه عليه و آله) فجاء إلى المدينة، فأراد أن يغتاله فأخذه أسيد بن حضير فجذبه، فبدا خنجره و علم غدرة و صدق النبيّ في بيان القصّة، و أخبره بجعل أبي سفيان له فحبس عند أسيد، ثم دعا به فمنّ عليه و أطلقه فآمن و أسلم (4).

21- شكر (صلى اللّه عليه و آله) موقف أبي البختري بن هيثم‌

____________

(1) راجع الطبري: ج 2/ 565 و 588 و الكامل: ج 2/ 185- 187 و البداية:

ج 4/ 121 و 122 و 124 و المغني: ج 10/ 435 و المنتهى: ج 2/ 927 و الرحلة المدرسية:

ج 4/ 8- 9.

(2) الطبري: ج 2/ 604 و 610 و الكامل: ج 2/ 192.

(3) الطبري: ج 3/ 15 و 20.

(4) البداية و النهاية: ج 4/ 69.

87

في مكّة، لأنّه كان أكفّ القوم عنه (صلى اللّه عليه و آله) و كان لا يؤذيه و لا يبلغه عنه شي‌ء يكرهه، و كان ممنّ قام بنقض الصحيفة فنهى عن قتله في بدر (1).

22- و منّ (صلى اللّه عليه و آله) على أبي عزة الشاعر، فأطلقه بشرط أن لا يعين عليه، فخرج في أحد و نقض عهده و أخذ فقتل (2).

23- و منّ على أبي العاص بن الربيع (3).

24- و فادى رجلا أسره أصحابه برجلين أسرتهما ثقيف (4).

25- و فادى صاحب العضباء برجلين (5).

26- أضف الى ذلك ما ورد من الترغيب في فكّ الرقبة في الكتاب و السنّة، قال سبحانه و تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعٰامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ

____________

(1) الطبري: ج 2/ 450 و البحار: ج 19/ 303- 304 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 128 و ابن أبي الحديد: ج 14/ 134 و المراسيل لأبي داود: 249.

(2) المغني: ج 10/ 394 و التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى: ج 2/ 927 و مسالك الأفهام:

ج 2/ 326 و البداية و النهاية: ج 3/ 312 و البحار: ج 19/ 345 و جامع الأحاديث:

ج 13/ 183 و ابن أبي الحديد: ج 14/ 204 و ج 15/ 45.

(3) المصادر المتقدمة.

(4) التذكرة: ج 1/ 424 و المنتهى: ج 2/ 937 و المغني: ج 2/ 394 و مسالك الأفهام:

ج 2/ 326 و نيل الأوطار: ج 8/ 148 و مشكاة المصابيح:/ 345 و نصب الراية:

ج 3/ 404 و صحيح مسلم: 2/ 45 و أبي داود: ج 2/ 113 و الترمذي: ج 1/ 203 و تفسير المراغي: ج 26/ 46.

(5) تفسير الرازي: ج 31/ 184 و مجموعة من التفاسير: ج 6/ 515 و روح المعاني:

ج 30/ 237 و نور الثقلين: ج 5/ 583 و السراج المنير: ج 4/ 529.

88

روى البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: يا رسول اللّه دلّني على عمل يدخلني الجنّة قال: عتق النسمة و فك رقبة قال: يا رسول اللّه أو ليسا واحدا؟ قال: لا، عتق النسمة بعتقها و فكّ رقبة أن تعين في ثمنها (1).

27- منّ على الحارث بن حنطب أسره الخزرج في بدر فبقي في أيديهم حتى منّوا عليه (2).

و أما أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد اقتفى أثر أخيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في حكومته و في حروبه حيث منّ و عفا عن ألدّ أعدائه، و أمر أن لا يجهز على جريح و لا يتبع مدبر و لا يقتل أسير و لا يكشف ستر، و أمّن الناس. و إليك نبذ من النصوص و إن كان يأتي البحث حوله مستوفى إن شاء اللّه تعالى:

عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: دخلت على مروان بن الحكم فقال: ما رأيت أكرم غلبة من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر و لا يذفّف على جريح (3) و لا يقتل أسير و من أغلق بابه فهو آمن، و من ألقى السلاح فهو آمن، و إياكم و النساء و إن شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم،

____________

(1) راجع المغني: ج 10/ 394.

(2) البداية و النهاية: ج 3/ 312.

(3) راجع السنن الكبرى: ج 8/ 181 و كنز العمال: ج 11/ 326 و أنساب الأشراف:

ج 2/ 262 و المبسوط للشيخ: ج 7/ 264 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 337.

89

و لا يكشف عورة، و لا يهتك ستر، و لا يدخل دار إلّا بإذن، و لا تسلبن قتيل، و لا تمثلوا بقتيل، و لا تأخذوا من أموالهم شيئا، و لا تطلب هارب و لا تسبى الذرية، و لا تحبس النساء و الذرية (1).

و امّا في صفين فإنه (صلوات اللّه عليه) بعد إتمام الحجّة و إيضاح الحق كان لا يقتل أسيرهم بل يطلقه و يعطيه دراهم و إليك قليل من كثير من المصادر:

1- عن ميمون بن مهران عن أبي امامة قال: شهدت صفين و كانوا لا يجيزون على جريح، و لا يقتلون مولّيا، و لا يسلبون قتيلا (2).

2- عن أبي فاختة: أنّ عليا- رضي اللّه عنه- أتى بأسير يوم صفّين فقال: لا تقتلني صبرا فقال علي- رضي اللّه عنه-: لا اقتلنّك صبرا، إني أخاف اللّه ربّ العالمين، فخلّى سبيله ثم قال: أفيك‌

____________

(1) هذه الأحكام جمعتها من النصوص الكثيرة الحاكية لعمل أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجمل و ستأتي ألفاظها راجع السنن الكبرى: ج 9/ 181 و ابن أبي شيبة:

ج 15/ 267 و كنز العمّال: ج 11/ 326 و أنساب الأشراف: ج 2/ 262 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 337 و جامع الأحاديث: ج 13/ 99 و غريب الحديث: 4/ 34- 35 و عبد الرزاق: ج 10/ 123 و الجمل: 217 و تاريخ واسط:/ 165 و الوسائل:

ج 11/ 54 و البحار: ج 8 ط الكمباني: 574 و فتوح ابن أعثم: ج 3/ 191 و ابن أبي الحديد: ج 8/ 101 و المحلّى: ج 11/ 101 و العقد الفريد: ج 4/ 337 و نصب الراية:

ج 3/ 463 و تيسير المطالب:/ 62 و أحكام القرآن للجصّاص: ج 5/ 284 و البحار:

ج 32/ 330 و الخراج لأبي يوسف: ص 232 الى غير ذلك مما يأتي تفصيله.

(2) السنن الكبرى: ج 8/ 182 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 424 و الطبقات الكبرى:

ج 7/ 411.

90

خير تبايع (1).

3- عن عبد اللّه بن ميمون قال: أتي علي بأسير يوم صفين فبايعه فقال عليّ (عليه السلام): لا أقتلك إني أخاف ربّ العالمين، فخلّى سبيله و أعطاه سلبه الذي جاء فيه (2).

4- عن الشعبي قال: أسر علي (عليه السلام) يوم صفين فخلّى سبيلهم فأتوا معاوية و قد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرهم معاوية: اقتلهم فما شعروا إلّا بأسراهم قد خلّي سبيلهم عليّ. و كان علي إذا أخذ أسيرا من أهل الشام خلّي سبيله إلّا أن يكون قد قتل أحدا من أصحابه، فيقتله به فاذا خلّي سبيله، فان عاد الثانية قتله و لم يخلّ سبيله، و كان علي لا يجهز على الجرحى و لا على من أدبر بصفين لمكان معاوية (3).

5- و في قصّة أخذ الأشتر الأصبغ بن ضراري أسيرا من غير قتال: أنّ عليا (عليه السلام) كان ينهى عن قتل الأسير الكاف فقال الأشتر: ان كان فيه القتل فاقتله، و إن كنت فيه بالخيار فهبة لنا، قال: هو لك يا مالك فإذا أصبت أسير أهل القبلة فلا تقتله، فإنّ أسير أهل القبلة لا يفادي و لا يقتل (4).

____________

(1) السنن الكبرى: ج 8/ 182 و عبد الرزاق: ج 10/ 124 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 422 و كنز العمّال: ج 11/ 340 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 339 و راجع جامع الأحاديث: ج 13/ 176.

(2) الوسائل: ج 11/ 54 عن التهذيب و جامع الأحاديث: ج 13/ 176 و راجع الاشتقاق:

ج 1/ 228.

(3) جامع الأحاديث: ج 13/ 99 و 176 عن وقعة صفين.

(4) جامع الأحاديث: عن وقعة صفين و فتوح ابن أعثم: ج 3/ 191 و ابن أبي الحديد:

ج 8/ 101.

91

6- و عن يزيد بن بلال قال: شهدت مع علي يوم صفّين فكان إذا أتي بالأسير، قال: لن أقتلك صبرا إني أخاف اللّه ربّ العالمين، و كان يأخذ سلاحه و يحلّفه لا يقاتله و يعطيه أربعة دراهم (1).

و قال (عليه السلام) لعبد اللّه بن بديل في صفّين: يا أبا علقمة:

لا تبيت القوم و لا تذفف على جريح لهم و لا تطلب هاربهم (2).

و في النهروان: وجد علي (عليه السلام) ممن به رمق أربعمائة فدفعهم الى عشائر هم و لم يجهز عليهم (3).

هذا كلّه عمله (صلوات اللّه عليه) في نفوسهم، و أما أموالهم فقد منّ عليهم في أموالهم أيضا على ما يأتي تفصيله.

خامسا: النهي عن قتل من لا يقاتل و لا يعين في الحرب على المسلمين:

نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن قتل من لا يقاتل في مكة، و نهى (صلى اللّه عليه و آله) عن قتل النساء و الصبيان و الشيوخ الذين لا يقاتلون و لا يعينون المقاتلين و لو بالتدبير و الفكر. كما نهى عن قتل العسفاء و الوصفاء و الرهبان و المقعد و أصحاب الصوامع‌

____________

(1) ابن أبي شيبة: ج 15/ 295 و في هامشه عن كنز العمال: ج 11/ 338 و راجع البحار: ج 41/ 50.

(2) أنساب الأشراف: ج 2/ 331.

(3) أنساب الاشراف: ج 2/ 375.

92

الذين لا تدخل لهم في حرب المسلمين بأي نحو و إليك النصوص:

1- و كان عهد الى أمرائه في فتح مكة أن لا يقاتلوا إلّا من قاتلهم (1).

2- كما أن عليا (عليه السلام) قال لمعقل بن قيس: لا تقاتلن إلا من قاتلك (2).

3- و قال (صلى اللّه عليه و آله): ألا لا تقتلوا ذرية كل مولود يولد على الفطرة فما زال عليها حتى يعرب عنها لسانه، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه (3).

4- لا تقتلوا في الحرب إلا من جرت عليه المواسي (4).

5- كان (صلى اللّه عليه و آله) إذا بعث جيشا أوصاهم و وعظهم فقال لهم: لا تقتلوا شخصا فانيا و لا صبيا و لا امرأة (5).

6- و قال (صلى اللّه عليه و آله): لا تقتلوا وليدا (6).

____________

(1) البداية و النهاية: ج 4/ 297.

(2) أنساب الأشراف: ج 2/ 479.

(3) كنز العمال: ج 4/ 235 و 245 و 384.

(4) راجع السنن الكبرى: ج 9/ 89 و 90 و 92 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 239 و كنز العمال: ج 4/ 211 و 234 و 235. و مستدرك الوسائل: ج 2/ 249 و جامع الأحاديث: ج 13/ 148 و الأشعثيات:/ 79 و البحار: ج 19/ 167 و الخراج لأبي يوسف: 303 و 384 و نيل الأوطار: ج 8/ 72 و 74 و 76.

(5) راجع الوسائل: ج 11/ 43 و جامع الأحاديث: ج 13/ 117 و الكافي: ج 5/ 29 و 30 و ج 8/ 29 و ميزان الحكمة: ج 2/ 328.

(6) سنن ابن ماجة: ج 2/ 953 و كنز العمال: ج 4/ 271 و جامع الأحاديث:

ج 13/ 118 و البحار: ج 19/ 179.

93

7- لا تقتلوا وليدا و لا شيخا كبيرا و لا امرأة (1).

8- نهى عن قتل النساء و الولدان (2).

9- لا تقتلوا وليدا و لا تقتلوا الذرية (3).

10- لا تقتلن امرأة و لا عسيفا (4).

11- نهى عن قتل النساء و الصبيان و الشيوخ (5).

12- نهى عن قتل الوصفاء و العسفاء (6).

13- قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تهيجوا امرأة بأذى و ان شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم و صلحاءكم، فإنّهنّ ضعاف القوى و الأنفس، و قد كنّا نؤمر بالكفّ عنهن و هنّ مشركات، و إن كان الرجل ليتناول المرأة فيعبّر بها و عقبه من بعده (7).

14- أنكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قتل الصبيان و النساء (8).

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 2/ 249 و جامع الأحاديث: ج 13/ 119.

(2) السنن الكبرى للبيهقي: ج 9/ 77 و 78 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 381 و البخاري:

كتاب الجهاد الباب/ 146 و سنن سعيد بن منصور: 2/ 239.

(3) السنن الكبرى: ج 9/ 49 و المغازي للواقدي: ج 2/ 757.

(4) السنن الكبرى: ج 9/ 82 و 91 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 238.

(5) سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 239 و الخراج لأبي يوسف: 211 و 212.

(6) السنن الكبرى: ج 9/ 91 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 381 و سنن سعيد بن منصور:

ج 2/ 239.

(7) جامع الأحاديث: ج 13/ 123 عن الكافي و وقعة صفين:/ 203 و نهج البلاغة:

المرقم 14 و الكافي: ج 5/ 39 و الترمذي: ج 4/ 146.

(8) السنن الكبرى: ج 9/ 77 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 388 و سنن سعيد بن منصور:

ج 2/ 238.

94

الى غير ذلك من النصوص المتواترة المنقولة في طيّات الكتب (1).

هذا مضافا الى عمل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في حروبه فإنه (صلى اللّه عليه و آله) لم يقتل صبيا و لا امرأة و إنما سباهم و استرقّهم أو عفا عنهم و منّ عليهم كما تقدّم.

قال العلّامة (ره) في التذكرة: لا يجوز قتل صبيان الكفار و نسائهم إذا لم يقاتلوا لأن النبي (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل النساء و الصبيان و المجنون كالصبي (2).

و في بداية المجتهد: لا خلاف بينهم في أنّه لا يجوز قتل صبيانهم و لا قتل نسائهم (3).

و قال في المغني: «أن الإمام إذا ظفر بالكفار لم يجز أن يقتل صبيا لم يبلغ بغير خلاف، و قد روي عن ابن عمر: ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل النساء و الصبيان، متفق‌

____________

(1) تجد النصوص على اختلاف ألفاظها في السنن الكبرى: ج 9/ 90 و السيرة الحلبية:

ج 3/ 270 و 271 و 272 و 277 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 357 و 382 و 388. و بداية المجتهد: ج 1/ 381 و وقعة صفين: 203 و الطبري: ج 6/ 382 ط ليدن و مروج الذهب: ج 2/ 371 و الإرشاد للمفيد (ره): 127 و ابن أبي الحديد: ج 4/ 26 و ج 7/ 300 و 301 و ج 8/ 3 و 7 و 54 و عيون الأخبار ج 1/ 110 و المحاسن للبيهقي:

ج 1/ 69 و مسند زيد: 349 و تيسير المطالب: 82 و كنز العمّال:

ج 4/ 303 و 303 و 395 و 396 و 478 و 480 و 483 و.

(2) التذكرة: ج 1/ 412.

(3) المصدر: ج 1/ 280.

95

عليه و لأن الصبيّ يصير دقيقا بنفس السبب» (1).

و في التذكرة أيضا: الأسارى ضربان: ذكور و إناث.

فالنساء و الأطفال يملكون بالسبي، و لا يجوز قتلهم إجماعا، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل النساء و الولدان، و يكون حكمهم مع السبي حكم سائر الغنيمة (2).

أقول: لا خلاف بين علماء الإسلام في عدم جواز قتل الأطفال ما لم يبلغوا، و كذا النساء سواء كان بعد الأسر أو قبله، إلّا ما يحكى عن بعض الخوارج، و قد أرسل الفقهاء عدم جواز قتلهم و أنهم يصيرون مملوكين للمسلمين إرسال المسلمات (3).

هذا كله في الأطفال و النساء، و اما في غيرهما فقد ذكرهم الفقهاء في كتبهم و فصّلوا في حكمهم و نحن نقتنع بذكر بعض كلماتهم:

قال الشيخ (ره) في المبسوط (4) و إذا وقع في الأسر شيخ من‌

____________

(1) راجع المصدر: ج 10/ 390 و 393 و الام للشافعي: ج 4/ 175.

(2) راجع المصدر: ج 1/ 423.

(3) راجع المبسوط: ج 2/ 13 و 20 و السرائر: ص 152 و في ط/ 167 و الشرائع: ج 1/ 85 و في ط/ 204 و 208 و النهاية:/ 50 و 51 و الوسيلة: 194- 195 و جامع الشرائع لابن سعيد:/ 236 و الجمل و العقود: للشيخ (ره)/ 61 و الغنية:/ 159 و التذكرة:

ج 1/ 412 و 423 و المنتهى: ج 2/ 926 و التحرير: ج 1/ 140 و القواعد/ 247- 248 و المغني: ج 10/ 393 و بداية المجتهد: ج 2/ 280 و الام للشافعي: ج 4/ 175 و نيل الأوطار: ج 8/ 72 و 74.

(4) راجع المصدر: ج 2/ 12 و التذكرة: ج 1/ 412 و المنتهى: ج 2/ 911 و التحرير:

ج 1/ 136 و الكافي لأبي الصلاح: 37 و فقه القرآن للراوندي: ص 118 و الشرائع:

204 و الجامع للشرائع: 247 و اللمعة: 274.

96

أهل الحرب ففيه أربع مسائل:

إحداها: أن يكون له رأي و قتال فحكمه حكم الشاب و الإمام مخيّر بين القتل و الاسترقاق و المنّ و الفداء.

الثانية: أن يكون فيه قتال و لا رأي له فيجوز قتله أيضا.

الثالثة: له رأي و لا قتال فيه يجوز قتله بلا خلاف، لأنّ دريد بن الصمة قتل يوم خيبر (حنين- ظ) و هو ابن مائة و خمسين فلم ينكر النبي (صلى اللّه عليه و آله).

الرابعة: أن لا يكون له رأي و لا فيه قتال و هو الشيخ الفاني فهذا لا يجوز قتله عندنا و فيه خلاف، و هكذا القول في أهل الصوامع و الرهبان، فإنهم يقتلون كلّهم إلّا من كان شيخا فانيا هرما عادم الرأي، لعموم الآيات و الأخبار و قد روي أن هؤلاء لا يقتلون (1).

و في التذكرة: الرهبان و أرباب الصوامع يقتلون إن كان لهم قوّة أو رأي أو كانوا شبّانا، و للشافعي قولان و في معناهم العميان و الزمنى و مقطوع الأيدي و الأرجل.

أحدهما: الجواز كما قلناه و به قال أحمد و المزني و إسحاق للعموم.

و الثاني: لا يجوز قتلهم و به قال أبو حنيفة و مالك لما روي أنه‌

____________

(1) المبسوط: ج 2/ 13 و 20.

97

(صلى اللّه عليه و آله) قال: لا تقتلوا النساء و أصحاب الصوامع. إلخ (1).

و مراده من العموم قوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فأخذ بعمومه بعدم ثبوت المخصّص و المقيّد.

و قال أبو الصلاح في الكافي: و لا يجوز قتل الشيخ الفاني الا أن يكون من أهل الرأي كدريد بن الصمّة و لا المرأة و لا الصبي و لا المريض المدنف و لا الزمن و لا الأعمى و لا المؤف العقل و لا المتبتل في شاهق الّا أن يقاتلوا فيحلّ قتلهم و لا يجوز حرق الزرع و لا قطع الشجرة المثمرة و لا قتل البهائم و لا خراب المنازل و لا التهتك بالقتلى (2).

غاية المطاف:

ان الحرب في الإسلام ليست كسائر الحروب عند البشر بل هي كما عند جميع الأنبياء (عليهم السلام) حرب و نضال بين العدالة و الظلم و الفضيلة و الرذيلة و الكفر و الإسلام و الشرك و التوحيد و الرحمة مع القسوة بتمام معنى الكلمة. فإذا فرق واضح و بون بعيد بين هاتين الحربين، و يكفيك قليل من كثير و نبذ من غفير في إثبات ما قلنا، و يزيدك نورا ما ورد من أن الرسول الأقدس (صلوات اللّه عليه) كان يصفح عمّن يروم قتله و يعفو عمّن يقصد إفناءه، كما نقل عن أنه (صلى اللّه عليه و آله) عفا عن أصحاب‌

____________

(1) التذكرة: ج 1/ 412.

(2) الكافي/ 27.

98

العقبة الذين راموا نفر ناقته أو التي سمّته في خيبر أو الذين هجموا عليه من جبال التنعيم يريدون قتله، و الذي رام اغتياله بجعل من أبي سفيان أو الذين يتجسسون عليه أو يؤذونه من المنافقين أو الذين يفتّون في عضده و عضد المسلمين من إشاعة الأكاذيب و تخويف المسلمين و الصدّ عن الخروج الى جبهات القتال أو الذين تأخّروا عن جيش أسامة و أوجدوا رزيّة يوم الخميس أو.

و يزيدك نورا و ضياء من أنه (صلى اللّه عليه و آله) كان يدعو لهم بدل أن يدعو عليهم فيقول: «اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون».

قال سبحانه و تعالى تسلية له فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (1). و قال فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلٰاغُ (2).

نعم قد رخّص في قتل النساء و الأطفال و الشيوخ في موارد لا بأس بالإيعاز إليها:

ألف: قد تقتل المرأة المسبيّة قصاصا إذا قتلت أحدا من المسلمين كما قتل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) امرأة من بني قريظة لأنها دلّت على محمود بن مسلمة فقتلته (3).

ب: إذا شاركن النساء أو شارك الأطفال مع الرجال في القتال و عاونّ الرجال فإنّهنّ يقتلن مطلقا كما في كلمات بعض كالوسيلة قال: و لا يجوز قتل النساء ما لم يقاتلن المسلمين و لم يعاونّ‌

____________

(1) الكهف: 6.

(2) النحل: 35.

(3) المغني: ج 10/ 534 و راجع الجواهر ج 21/ 75 و الطبري ج 2/ 589.

99

عليهم (1).

و في الكافي: و لا يجوز قتل الشيخ الفاني. و لا المرأة و لا الصبي. الّا أن يقاتلوا فيحلّ قتلهم (2).

و في الجامع للشرائع: لا يقاتل النساء فان عاونّ جاز (3) حيث جوّزوا قتلهن بمعاونتهن في القتال.

و قال الأكثر: لا يقتلن و إن قاتلن و عاونّ إلا مع الاضطرار كما في النهاية قال: و لا يجوز قتل النساء فان قاتلن المسلمين و عاونّ أزواجهن و رجالهن أمسك عنهن فان اضطروا الى قتلهن جاز حينئذ قتلهنّ و لم يكن به بأس (4).

و قال ابن قدامة في المغني: و من قاتل من هؤلاء النساء و المشايخ و الرهبان في المعركة قتل، لا نعلم فيه خلافا، و بهذا قال الأوزاعي و الثوري و الليث و الشافعي و أبو ثور و أصحاب الرأي (5).

و قال ابن حجر: قال الشافعي و الكوفيون: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها.

و قال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد الى قتلها إذا‌

____________

(1) المصدر:/ 192 و المغني: ج 10/ 534.

(2) المصدر:/ 37.

(3) المصدر:/ 235.

(4) المصدر/ 51 (و في جوامع الفقه 319) و راجع المبسوط ج 2/ 13 و السرائر 167 و في طبعه أخرى/ 156 و التذكرة ج 1/ 412 و المهذّب ج 1/ 303 و في طبعه أخرى/ 90 و الشرائع/ 304 و القواعد/ 247 و المختصر النافع/ 227.

(5) المصدر: ج 10/ 534 و راجع المحلّى لابن حزم: ج 7/ 296.

100

قاتلت إلا ان باشرت القتل و قصدت اليه، و كذلك الصبي المراهق. و اتفق الجميع كما نقل ابن بطال و غيره على منع القصد الى قتل النساء و الولدان. و حكى عن الحازمي قولا بجواز قتل النساء و الصبيان (1).

و في بداية المجتهد: و كذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم و لا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة و الصبي، فإذا قاتلت المرأة استبيح دمها (2).

و يمكن الاستدلال لجواز القتل بالمقاتلة و المعاونة مطلقا بما روي من النصوص و إليك ألفاظها:

1- و روى رباح بن الربيع قال: كنّا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شي‌ء فبعث رجلا فقال: «انظر على ما اجتمع هؤلاء» فجاء فقال على امرأة قتيل فقال: «ما كانت هذه لتقاتل.» (3).

فإنّ قوله (صلى اللّه عليه و آله): «ما كانت هذه لتقاتل» يدلّ أو يشعر بأنّها إن قاتلت قتلت، و النهي عن قتلها كان لأجل أنّها ما كانت لتقاتل.

____________

(1) راجع فتح الباري ج 6/ 147.

(2) المصدر: ج 1/ 280 و راجع الأم للشافعي: ج 4/ 239.

(3) السنن الكبرى للبيهقي: ج 9/ 82 و المدونة الكبرى ج 2/ 7 و المغني: ج 10/ 535 و فتح الباري: ج 6/ 147 و كنز العمال: ج 4/ 306 و 245 و نيل الأوطار: ج 8/ 72 و في سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 238: ما كانت هذه تقاتل/ كما في الأموال: لأبي عبيد أيضا ص/ 53.

101

2- «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن قتل النساء و الولدان إلّا من عدا بالسيف» (1).

3- عن عكرمة: ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: أ لم أنه عن قتل النساء؟ من صاحب هذه المرأة المقتولة؟ قال رجل من القوم: انا يا رسول اللّه أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني، فأمر بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن توارى (2).

قرر (صلى اللّه عليه و آله) عمله بأنها أرادت أن تصرعه و تقتله فقتلها بمجرّد ذلك.

4- و عن عكرمة: قال: لما حاصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أهل الطائف، أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها فقالت: هادونكم فارموها فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها. و في حديث وهيب: فما أخطأها أن قتلوها فأمربها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن توارى (3).

5- عن ابن عباس قال: مرّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) بامرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من قتل هذه؟ قال رجل: أنا يا رسول اللّه قال: و لم؟ قال: نازعتني قائم سيفي قال: فسكت (4).

____________

(1) سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 239.

(2) السنن الكبرى: ج 9/ 82 و فتح الباري: 6/ 148 و مراسيل أبي داود ص 247.

(3) السنن الكبرى للبيهقي: ج 9/ 82 و المغني لابن قدامة: ج 10/ 496 و المنتهى:

ج 2/ 911.

(4) المغني: ج 10/ 525 و المنتهى: ج 2/ 911.

102

6- عن ابن عباس: سبى رجل امرأة يوم خيبر، فحملها فنازعته قائم سيفه فقتلتها، فابصرها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: من قتل هذه؟ فأخبروه فنهى عن قتل النساء.

7- و عن عبد الرحمن أبي عمرة نحوها و فيها: فقال: رجل أنا أردفتها خلفي فأرادت أن تقتلني فقتلتها (1).

أقول: هذه أخبار استدلّ بها العامّة للقول الأوّل، و لكن بعد غضّ النظر عن ضعفها و عدم جواز الاستناد إليها في الفقه، فان في دلالتها نظرا:

أما الأولى فإنّها حكاية عمل خارجي من دون إشارة إلى كيفية القتل و القاتل هل قتلت في الزحام أو قتلت من دون قصد الى قتلها أو قتلت اضطرارا أو قتلوها عامدين من دون ضرورة، و اما قوله (صلى اللّه عليه و آله) «ما كانت هذه لتقاتل» ففيه إشعار بأن تمام العلّة في جواز قتلها هو أن تقاتل، و ان المرأة لا تقاتل فكيف قتلوها، و لكن الإشعار لا يمكن الاعتماد عليه.

و الثانية و الرابعة و الخامسة كلها ظاهرة في الاضطرار.

و الثالثة يأتي البحث حولها.

و أما قول المشهور منّا بإناطة جواز القتل بالضرورة فيمكن الاستدلال له:

____________

(1) كنز العمّال: ج 4/ 472 كتاب الجهاد و في نسخة 306.

و استدل في الجواهر: ج 31/ 75 بما تقدم من أنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) قتل يوم بني قريظة امرأة ألقت رحى على محمود بن سلمة و يقول: فيه إشعار بجواز قتلها إذا قاتلت.