الأسير في الإسلام

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
257 /
103

أولا: بأنّ ما تقدم من النصوص المتواترة أثبت عدم جواز قتل النساء و الأطفال، حتى أفتى بعضهم بحرمة قتلهنّ مطلقا حتى قال:

بعدم جواز المقاتلة بالمنجنيق إذا قتل النساء و الولدان بذلك (1)، و لا يجوز مخالفتها إلّا بالاضطرار الذي يجوز فيه قتلهن بأدلّة الاضطرار كقوله «رفع ما اضطرّوا اليه» و نظائره.

و ثانيا: روى حفص بن غياث قال: سألته عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن و رفعت عنهن؟ فقال: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل النساء و الولدان في دار الحرب إلّا أن يقاتلوا، فان قاتلت أيضا فأمسك عنها ما أمكنك و لم تخف خللا. (2) الحديث.

تذكرة:

قال اللّه تعالى وَ قٰاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَكُمْ (3)

____________

(1) نقل ذلك عن مالك و الأوزاعي و عن الثوري و أحمد و أبي حنيفة و أبي يوسف و عمرو الشافعي و إسحاق انه إذا كان لا يوصل الى قتلهم إلّا بتلف الصبيان و النساء فلا بأس كما في عمدة القارئ: ج 14/ 264.

(2) جامع الأحاديث: ج 13/ 154 و التهذيب: ج 6/ 156. و القدر المتيقن من مدلولها هو أن تقاتل المسلمين و لا يوجد طريق آخر لدفعها و الإنصاف دلالتها بالإطلاق على جواز قتلها إذا قاتلت.

(3) البقرة: 190، راجع مجمع البيان: ج 2/ 285 و التبيان: ج 2/ 143 و المنار:

ج 2/ 208 و الميزان: ج 2/ 60 و الدرّ المنثور: ج 1/ 205 و فقه القرآن للراوندي:

ص 118 و كنز العرفان: ج 1/ 344 و مسالك الأفهام للكاظمي: ج 2/ 309.

104

و ذكر في تفسيرها وجوه:

أحدها: قاتلوا الذين يناصبونكم القتال و يتوقّع منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ و الصبيان و الرهبان و النساء فإنّهم لا يجوز قتالهم.

و على هذا الوجه تكون الآية دالّة على تحريم قتال من لا يقاتل فهؤلاء إذا قاتلوا خرج قتلهم عن حكم التحريم.

ثانيها: ان الآية بحسب السياق تدلّ على حكم القتال في الحرم الممنوع المحرم فيستثنى منه الذين يقاتلون في الحرم فيرخّص القتال عندئذ.

و قال العلّامة الطباطبائي- (رحمه اللّه)- في الميزان: «سياق الآيات الشريفة يدل على أنها نزلت دفعة واحدة، و قد سيق الكلام فيها لبيان غرض واحد، و هو تشريع القتال الأوّل مع مشركي مكة، فإن فيها تعرّضا لإخراجهم من حيث أخرجوا المؤمنين و للفتنة و للقصاص، و النهي عن مقاتلتهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوا عنده، و كل ذلك أمور مربوطة بمشركي مكة، على انه تعالى قيّد القتال بالقتال في قوله وَ قٰاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَكُمْ.

و ليس معناه الاشتراط، أي: قاتلوهم ان قاتلوكم، و هو ظاهر، و لا قيدا احترازيا، و المعنى قاتلوا الرجال دون النساء و الولدان الذين لا يقاتلونكم- كما ذكره بعضهم- إذ لا معنى لقتال من لا يقدر على القتال حتى ينهى عن مقاتلته، و يقال لا تقاتله، بل‌

105

إنما الصحيح النهي عن قتله دون قتاله» (1).

و على هذا الوجه أيضا تكون الآية الشريفة حسب المنطوق شاملة للمورد، فاذا قاتلت المرأة المسلمة في الحرم يجوز مقاتلتها.

ثالثها: قيل (2): هي أوّل آية نزلت في القتال فلذلك قال:

«الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَكُمْ» ليخرج الكافّون عن القتال فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان بعد الهجرة يكفّ عن الكافّين عنه، و على هذا القول فهي منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3).

و على هذا الوجه أيضا لو قاتلت المرأة أو المراهق و لم يكفّا عن القتال لجاز قتالهما و قتلهما.

قوله و «لٰا تَعْتَدُوا» يكون معناه لا تعتدوا بقتال من لم يناصبكم و لم يتوقّع منهم كالنساء و الصبيان و الشيوخ، أولا تعتدوا بقتال من كفّ عنكم و لا يحاول قتالكم، أولا تعتدوا بالقتال في غير سبيل اللّه.

ج: قدر رخّص الشارع في الإغارة على قوم على غفلة منهم بل رخّص التبييت على كراهة أو مطلقا و إن قتل النساء و الأطفال.

قال الشيخ (رحمة اللّه تعالى) في المبسوط (4) «و له أن يغير عليهم و هم غارّون فيضع فيهم السيف فإنّ النبي‌

____________

(1) الميزان: ج 2/ 60 و قد مال الى هذا الوجه في المنار أيضا و نقله الكاظمي في المسالك و البيضاوي و المجمع عن ابن عباس.

(2) راجع كنز العرفان: ج 1/ 343 و البيضاوي و المجمع ج 1/ 284.

(3) التوبة/ 5.

(4) المصدر ج 2/ 11.

106

(صلى اللّه عليه و آله) أغار على بني المصطلق و روي كراهة التبييت له حتى يصبح، و الوجه فيه: إذا كان مستظهرا و فيه قوّة و لا حاجة به الى الغارة. و إذا كان بالعكس جاز و روى ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: قلت: يا رسول اللّه نبئت المشركين و فيهم النساء و الصبيان، فقال: إنهم منهم (1).

و في رواية: «لا تعمدوا ذلك و لا حرج فإن أولادهم منهم» و ذكر قريبا منه في السرائر (2).

قال في التذكرة: و أفتى فقهاؤنا بالكراهة إذا كان بالليل و هو التبييت، و أما إذا كان بالنهار غارا فلا كراهة و لو كان فيه قتل النساء و الصبيان، و على كل حال لم نجد خلافا في الجواز عندنا (3).

و قال ابن قدامة: و يجوز تبييت الكفّار و هو كبسهم ليلا و قتلهم و هم غارّون. قال أحمد: لا بأس بالبيات و هل غزو الروم إلا‌

____________

(1) يوجد الحديث في السنن للبيهقي ج 9/ 78 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 388 و في هامشه عن ابن ماجة ص 209 و المصنف لعبد الرزاق: ج 5/ 202 و البخاري كتاب الجهاد الباب/ 144 و فتح الباري: ج 6/ 146 و عمدة القارئ: ج 14/ 260- 261 و سنن أبي داود و ابن ماجة في كتاب الجهاد و المدونة الكبرى: ج 2/ 25 و الامّ للشافعي:

ج 4/ 239 و أحكام القرآن للجصّاص: 5/ 274 و سنن الدارمي: ج 1/ 222- 223 و الموطأ: ج 1/ 67 و الترمذي: ج 4/ 137 و كنز العمّال: ج 4/ 435 كتاب الجهاد و المحلّى لابن حزم: ج 7/ 296 و السرائر: 168 و نيل الأوطار: ج 8/ 70- 71 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 240 و الأموال لأبي عبيد: ص 52.

(2) المصدر: 157 و في طبعه أخرى: 167.

(3) المصدر: ج 1/ 412.

107

البيات، قال: و لا نعلم أحدا كره بيات العدو- ثم نقل الحديث المتقدم- فقال: فان قيل قد نهى النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن النساء و الذرية، قلت: هذا محمول على التعمّد لقتلهم، قال أحمد:

اما ان يتعمّد قتلهم فلا (1).

و قال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يتعمّد قتل النساء و الولدان لأنّ رسول اللّه نهى عن قتلهم. و للمسلمين أن يشنّوا الغارة ليلا أو نهارا فإن أصابوا من النساء و الولدان أحدا لم يكن فيه عقل و لا قود و لا كفارة (2).

و الدليل على الجواز ما نقل عن عمل النبي (صلى اللّه عليه و آله) في حروبه كما في بني المصطلق من هجومه على العدو و هم غارون و فيهم الأطفال و النساء (3).

نعم لا يجوز قتلهن و كذا قتل الأطفال عمدا على كل حال (4).

____________

(1) المغني: ج 10/ 195 و راجع شرح النووي في شرح صحيح مسلم حكاية عن جماهير العلماء.

(2) الأمّ للشافعي: ج 4/ 239.

(3) راجع جامع الأحاديث: ج 13/ 144 عن الدعائم و ابن أبي شيبة: ج 22/ 365 و في هامشه عن سنن سعيد: ج 1/ 205 و السنن للبيهقي: ج 9/ 54 و 107 و المبسوط للسرخسي: ج 10/ 31 و كنز العمّال: ج 4/ 567 كتاب الجهاد و سنن سعيد بن منصور ج 2/ 192 و الأموال لأبي عبيد: ص 175 و الخراج لأبي يوسف: ص 208.

(4) راجع المهذّب لابن البراج: ج 1/ 302 و في طبعه أخرى: 90 و النهاية ص 55 و الوسيلة:

ص 192 و الشرائع: 204 و الجامع للشرائع: 235 و اللمعة: 275 و في الجواهر ج 21 نقله عن الإرشاد و النافع و القواعد و التحرير و المنتهى و الدروس و غيرهم.

و بالجملة لم أجد قائلًا بحرمة التبييت أو الإغارة و هم غافلون من أجل قتل النساء و الأطفال و إنما الكلام في تعمّد قتلهم في تبييت أو إغارة و قالوا انه لا يجوز فإذا أغاروا على قوم كفّار أو مشركين فقتل امرأة أو طفل لا عن عمد فلا إشكال.

108

و ما روي من أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) لم يبيّت العدوّ لا ينافي ما ذكرنا من جواز الإغارة على العدو و هم غارّون لأنّ التبييت هو الهجوم ليلا، و ما نقل من عمل النبي (صلى اللّه عليه و آله) و سراياه كان صباحا. روي في الكافي و التهذيب عن عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ما بيّت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عدوّا [ليلا- يب] (1) حيث فسّر التبييت في الرواية كما هو مفسّر في اللغة.

و ما نقل من عمل النبي (صلى اللّه عليه و آله) في بني المصطلق نصّه: و قد أغار النبي (صلى اللّه عليه و آله) و هم غارّون (2) يعني غافلون و ليس فيه أنه كان بالليل. نعم روى العلّامة (رحمه اللّه تعالى) في المنتهى قال: روى الجمهور أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) شنّ الغارة على بني المصطلق ليلا (3).

و في الاعتبار للحازمي: أباح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) تبييت المشركين (4).

و لكن الذي عثرنا من لفظ النص هو ما تقدّم و ليس فيه كلمة (ليلا). و قد روي كثيرا أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان‌

____________

(1) جامع الأحاديث: ج 13/ 142- 143 و المنتهى: ج 2/ 909 و البحار: ج 19/ 178.

(2) مرّ مصادر الحديث.

(3) المصدر: ج 2/ 909.

(4) المصدر: ج 7/ 211 و المبسوط ج 2/ 13.

109

لا يغير حتى يصبح و كان يأمر سراياه و جيوشه بذلك. و إليك أنموذجا من النصوص:

1- روى البيهقي في السنن الكبرى عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) خرج الى خيبر، فجاءها ليلا، و كان إذا جاء قوما بالليل لا يغير عليهم حتّى يصبح (1).

2- و في نص آخر: أنه (صلى اللّه عليه و آله) عهد الى أسامة بن زيد أن يغير على أبنى صباحا (2).

3- و كان يأمر السرايا بأن ينتظروا بمن يغزونهم، فان أذّنوا للصلاة أمسكوا عنهم، و إن لم يسمعوا أذانا أغاروا (3).

4- عن أنس أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يغير عند صلاة الفجر و كان يستمع، فان سمع أذانا أمسك و ان لم يسمع أذانا أغار (4).

و قال لأصحابه: «إنا نصبّحهم بغارة» (5).

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9/ 79 و راجع الجواهر: ج 21/ 82 و المبسوط للسرخسي:

ج 10/ 31 و الترمذي: ج 4/ 121 و الخراج لأبي يوسف: ص 208.

(2) المبسوط للسرخسي: ج 10/ 31 و أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 274 و ابن أبي شيبة: ج 14/ 461.

(3) أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 274 و السنن الكبرى: ج 9/ 108 و نيل الأوطار:

ج 8/ 69 و في أنساب الأشراف: ج 2/ 331 عن علي (عليه السلام) في صفين:

«لا تبيّت القوم». و في الخراج لأبي يوسف: ص 208: «إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم أذانا فلا تقتلوا أحدا».

(4) سنن الدارمي: ج 2/ 217 و السنن الكبرى للبيهقي: ج 9/ 108 و نيل الأوطار:

ج 8/ 69.

(5) كنز العمال: ج 4/ 461 كتاب الجهاد.

110

و عن أنس: إذا طرق قوما لم يغر عليهم حتى يصبح (1).

و المحصّل مما تقدم أنه يجوز الإغارة على العدو و إن قتل النساء و الأطفال من دون القصد، و يجوز التبييت على كراهة إذا كان اختيارا، و إذا كان عن اضطرار ارتفعت الكراهة.

د: إذا تحصّن الكفّار في الحصون جاز قتالهم بالمناجيق و إن قتل النساء و الأطفال.

قال الشيخ في المبسوط: و إذا نزل الإمام على بلد فله محاصرته (2). و له أن ينصب عليهم منجنيقا و عرّادة و يهدم السور و المنازل و يقتل قتلا عاما كما فعل النبي (صلى اللّه عليه و آله) بأهل الطائف، فإذا ثبت ذلك فان لم يكن في القوم مسلمين رماهم بكل حال و إن كان فيهم نساء و صبيان، كما فعل النبي (صلى اللّه عليه و آله) بأهل الطائف و إن كان فيهم أسارى مسلمون، فان كان مضطرا الى ذلك بأن يخاف إن لم يرمهم. (3).

و قال العلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة: و كذا يجوز نصب‌

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9/ 97 و الجواهر: ج 21/ 82 و المبسوط للسرخسي. ج 10/ 31 و الترمذي: ج 10/ 121 و نيل الأوطار: ج 8/ 69.

(2) قال تعالى وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ التوبة/ 5.

(3) المصدر: ج 2/ 11.

و راجع المهذّب: ج 1/ 302 و النهاية: 51 و الإصباح: 72 و الغنية: 158 و إشارة السبق و الوسيلة: 192 و الشرائع: 203 و المختصر النافع: 227 و اللمعة: 273 و الجمل و العقود: 11 و المختلف: ج 1/ 325 و المنتهى: ج 2/ 909 و القواعد:

247 و التحرير: ج 1/ 135.

111

المناجيق على قلاعهم و هدم الحيطان و إن كان فيهم النساء و الصبيان لأن النبي (صلى اللّه عليه و آله) نصب على تلّ الطائف منجنيقا، و كان فيهم نساء و صبيان. رواه العامّة، و عن طريق الخاصّة رواية حفص بن غياث (1).

و الدليل على الجواز هو:

1- الإجماع كما في المنتهى حيث قال بعد ذكر الجواز:

بلا خلاف بل لا خلاف فيه عند المخالفين أيضا (2). و قال في بداية المجتهد: و اتفق عوامّ الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمناجيق، سواء كان فيها نساء و ذرية أو لم يكن، لما جاء أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) نصب المنجنيق على أهل الطائف (3). و قال الجصاص في أحكام القرآن: قال أبو حنيفة و أبو يوسف و زفر و الثوري:

لا بأس برمي حصون المشركين و إن كان فيها أسارى و أطفال المسلمين (4).

2- و رواية حفص بن غياث: «كتب اليّ بعض إخواني أن أسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مدينة من مدائن أهل الحرب هل يجوز أن يرسل عليهم الماء و تحرق بالنار أو ترمى بالمجانيق حتى يقتلوا، و فيهم النساء و الشيخ الكبير و الأسارى من المسلمين‌

____________

(1) المصدر: ج 1/ 412.

(2) المصدر: ج 32/ 909.

و في الشرائع بلا خلاف و ظاهر المختلف: أنه لا خلاف فيه بيننا في ذلك.

(3) المصدر: ج 1/ 282.

(4) أحكام القرآن: ج 5/ 274.

112

و التجار؟ فقال: يفعل ذلك بهم و لا يمسك عنهم لهؤلاء و لا دية عليهم للمسلمين و لا كفارة. الحديث» (1).

3- و ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) نصب المنجنيق على أهل الطائف و قاتلهم به، كما استدلّ به في المبسوط و التذكرة و المنتهى (2).

و لم يشترط الفقهاء في ذلك الضرورة و لكن قال في المغني: إن قدر عليهم بغيره إذا تضمن ذلك إتلاف النساء و الذرية الذين يحرم قتلهم قصدا لم يجز. و ظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة و عدمها لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) نصب المنجنيق على أهل الطائف، و ممن رأى ذلك الثوري و الأوزاعي و الشافعي و أصحاب الرأي. (3).

ه‍: إذا تترس الكفّار بنسائهم و أطفالهم جاز قتال الكفّار و إن قتل النساء و الأطفال أيضا، و لا يقصدن بالقتل و كذا‌

____________

(1) جامع الأحاديث: ج 13/ 154 عن الكافي و التهذيب: ج 6/ 143 و البحار:

ج 19/ 178.

(2) راجع البداية و النهاية: ج 4/ 348 و أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 274 و المدونة الكبرى: ج 2/ 7 و كنز العمال: ج 10/ 362 و المبسوط للسرخسي: ج 10/ 32 و بداية المجتهد: ج 1/ 282 و المغني لابن قدامة: ج 10/ 495 و جامع الأحاديث: ج 13/ 154 عن الدعائم و نيل الأوطار: ج 8/ 71 و ثقات ابن حبان: ج 2/ 76 و التراتيب الإدارية: ج 1/ 374- 375 و البداية و النهاية: ج 4 ص 345 و 348 و مسند علي للسيوطي: ج 1/ 243 الرقم 761 و المراسيل لأبي داود ص 248.

(3) المصدر: ج 10/ 495.

113

الأطفال، كذا أطلق بعض الأصحاب، و قيّده بعضهم بصورة التحام الحرب و منع عن القتل في صورة عدم الالتحام.

قال الشيخ في المبسوط: و إذا تترس المشركون بأطفالهم، فان كان ذلك حال التحام القتال جاز رميهم، و لا يقصد الطفل بل يقصد من خلفه، فإن أصابه و قتله لم يكن عليه شي‌ء، لأنّا لو لم نفعل ذلك لأدّى إلى بطلان الجهاد، و أما إذا لم تكن الحرب قائمة فإنه يجوز أن يرموا و الأولى تجنّبه (1).

و نظيره عبائر جمع من الفقهاء حيث قدر خصّوا مطلقا (2).

و في السرائر رخّص في التحام الحرب فقط، و سكت عن حكم عدم الالتحام و كذا في الوسيلة.

و في الشرائع: و لو تترسوا بالنساء و الصبيان منهم كفّ عنهم إلا في حال التحام الحرب. و قال العلّامة (رحمه اللّه تعالى) في المنتهى:

لو تترس الكفار بنسائهم و صبيانهم، فان كانت الحرب ملتحمة‌

____________

(1) راجع المصدر: ج 2/ 1.

(2) راجع جواهر الفقه: 78 و السرائر: 168 و الوسيلة: 192 و الشرائع: 103 و المختصر النافع:

227 و الجامع للشرائع: 235 و القواعد: 247 و اللمعة: 274 و التذكرة: ج 1/ 413 و المنتهى: ج 2/ 910 و التحرير: ج 1/ 135 و الجواهر: ج 21/ 68.

قال ابن قدامة في المغني: ج 10/ 495: «و إن تترسوا في الحرب بنسائهم و صبيانهم جاز رميهم» و يقصد المقاتلة لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) رماهم بالمنجنيق و معهم النساء و الصبيان و لأنّ كفّ المسلمين عنهم يفضي الى تعطيل الجهاد لأنّهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد، و سواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) لم يكن يتحيّن للرمي حال التحام الحرب و فرّق الشافعي في الأمّ: ج 4/ 239 بين التحام الحرب و غير التحامها.

114

جاز قتالهم و لا يقصد قتل الصبي و لا المرأة. اما إذا لم يكن الحرب ملتحمة فإن كان المشركون في حصن متحصّنين أو كانوا من وراء خندق كافّين عن القتال، قال الشيخ (رحمه اللّه): يجوز رميهم و الأولى تجنّبهم، و للشافعي قولان: أحدهما: لا يجوز رميهم لأنّه لا حاجة الى قتل النساء و الصبيان. و الثاني: يرميهم لأنه يؤدّي الى تعطيل الجهاد، و الأقرب عندي اعتبار الحاجة، فإن وجدت جاز رميهم و لا كره و يكون سائغا، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) رماهم بالمنجنيق و فيهم النساء و الصبيان.

و على كلّ حال في المسألة قولان: الجواز مطلقا مستدلّا بما تقدم من جواز القتال بالمنجنيق مطلقا من دون تفصيل، كما في التذكرة و المبسوط و المغني مع القول بالكراهة في صورة عدم كون الحرب قائمة، للنواهي المتقدّمة عن قتل النساء و الصبيان مع عدم الحاجة و عدم الجواز إلّا مع الحاجة، كما تقدّم عن الشرائع و المنتهى مراعاة للنهي عن قتلهن و قتل الأطفال.

و: قال العلّامة (رحمه اللّه تعالى) في المنتهى: و لو وقفت امرأة في صفّ الكفّار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو انكشفت لهم جاز رميها، روى عكرمة قال: لمّا حاصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها فقالت:

هادونكم فارموا، فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها (1).

____________

(1) تقدّم مصادره و راجع تاريخ واسط: 165.

115

و نظيره في التحرير و المغني (1) و زاد: و كذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم أو تحرّضهم على القتال، لأنها في حكم المقاتل.

أقول: الحق ما في الجواهر (2) من عدم الجواز لعدم الضرورة، و الحديث ليس من طرقنا بل في بعض الأخبار النهي عن القتل بقوله «و إن شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم و صلحاءكم» كما تقدّم.

نعم لو سبّت النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو الإمام العادل وجب قتلها (3) بلا خلاف كما في الجواهر بل عن ظاهر المنتهى و محكي التذكرة الإجماع عليه كما عن صريح جماعة و هو الحجة بعد قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): «من سمع أجدا يذكرني، فالواجب أن يقتل من شتمني و لا يرفع الى السلطان، و إذا رفع اليه كان عليه أن يقتل من نال مني» المتمم بعدم القول بالفصل بينه و بين غيره من الأئمة (عليهم السلام) الذين سبّهم سبّه أيضا.

____________

(1) المغني: ج 10/ 496 و التحرير: ج 1/ 136.

(2) المصدر: ج 21/ 74.

(3) الشرائع كما في الجواهر: ج 21/ 344.

116

الأسير في الإسلام

مقدمة حول الأسير في الجاهلية:

حيث كانت الحروب في الجاهلية ناشئة عن الأغراض المادية و التغلّب و إرضاء الميول و الأهواء «كان الأسرى يذبحون أو يقدّمون قرابين للآلهة» (1) «و كانت القبائل قبل ذلك إذا غلبت في حروبها و مقاتلتها و أخذت سبايا قتلتهم عن آخرهم ثم رأوا أن يتركوهم أحياء و يتملكونهم كسائر الغنائم الحربية» (2).

«و العرب تأثروا في جاهليتهم بعادات مجاوريهم، فلم تكن معاملة الأسير عندهم تتصف بصفات الرحمة و الإنسانية» (3).

«و لم تكن المثلة بقتيل الحرب أو بالأسير محرّمة في قوانين ذلك اليوم، فقد كانوا يمثلون بقتلى الحرب و بالأسرى بتقطيع أجزاء جسمهم و تشويه الجسم، يفعلون ذلك بالأسير حتى يموت و هو يشاهد أعضاءه تقطع قطعا من جسمه» (4).

«و كانوا يكبّلون أيدي الأسرى و السبي بالكبل- القيد من أي شي‌ء كان- و قد عمد المحاربون الى إحراق المغلوبين في بعض‌

____________

(1) راجع تفسير الميزان: ج 9/ 136.

(2) آثار الحرب: 404.

(3) آثار الحرب: 404.

(4) المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ج 5/ 464.

117

الأحيان، فقد جمع المنذر بن امرئ القيس أسرى في الحظائر ليحرقهم، فسمّى أبا حوط الحظائر» (1).

«و قد عرف بعض ملوك الحيرة بحرق من وقع في أيديهم من المغلوبين أو بحرق مواضعهم و هم فيها لذلك عرفوا بمحرق، و عقوبات الحرق من العقوبات المعروفة عند الأمم القديمة مثل الرومان و العبرانيين ينزلونها في المحاربين جزاء لهم و إخافة لغيرهم و دعائه لهم، حتى لا يتجاسر أحد فيعلن الثورة على المحرقين فيحلّ عندئذ بهم عذاب التحريق» (2).

«و كانوا يحملونهم على الأعمال الشاقّة، كما فعل الفراعنة بالنسبة إلى بني إسرائيل طيلة حياتهم، يذبّحون و يستحيون نساءهم حتى استعملوهم في بناء الأهرام، و إذا عجز واحد أو كفّ عن العمل ضربوه أو قتلوه و لا يعبأ بالأسرى و لا بإتعابهم و انزعاجهم و موتهم تحت التعذيب و المشاقّ» (3).

«فكان الأسير جديرا بكل أنواع التعذيب و الافراطات الانتقامية فيضرب و يصبّ على جسمه القطران، و يوخز بالسياخ المحماة، و يمثّل بجسمه و هو حي أو يصلب و يحرق و لا كرامة. و من الأمم الوحشية من يستحلّ أكل لحم الأسير، و كان الأسير عند اليونانيين يعتبر إنسانا مجرّدا عن حقوق الإنسانية يضرب و يهان‌

____________

(1) المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ج 5/ 467.

(2) نفس المصدر ج 5/ 467.

(3) لغت‌نامه دهخدا: ج 6/ 2603- 2605 و راجع تاريخ الأمم القديمة في الشرق تأليف الدكتور إقبال.

118

و يستخدم كالبهائم، و يقتل و لا يطالب بدمه حتى و لا الحكومة. ثم صدرت في الأزمنة الأخيرة من عهد الرومانيين شرائع خففت قليلا من وطأه الأسر على الأسير و لكنها لم تبلغ بها درجة الإنسانية. و قد كان هذا شأن الاوربيين، فكان الأسير لديهم مهدور الدم حين الخطر اللّهم إذا صلح أن يبادل به أسير آخر و كانت العادة يجبرون الأسير على اعتناق دينهم، كما فعلت اسبانيا بأسراها عند طردها العرب من الأندلس» (1).

«كانوا في قديم الأيام يتعاملون مع الأسير، كالذي حكمه العدل الهلاك مثلا يمشون على أعناقهم و يعذبونهم تعذيبا شديدا و يسملون أعينهم و يقطعون أناملهم و لتشجيع الظافر يجعلونهم صفوقا كلهم عراة يمشون أمامه و يربطونهم بجثث الأموات حتى يموتوا بنتنها» (2).

____________

(1) دائرة المعارف لوجدي: ج 1/ 278.

(2) لغت‌نامه دهخدا: 2605.

لم يكن حال الأسير في عصرنا و العصور القريبة المتقدّمة بأحسن مما كان في الجاهلية فان في العصر الأموي و العباسي و كذا في عصر الصفوية و القاجارية و في الحروب الصليبية و في الحرب العالمية الاولى و الثانية و في الثورة السوفياتية في روسيا و فرنسا و في الحرب الصهيونية مع المسلمين يحكي لنا التأريخ و الصحف و المجلات أمورا هائلة في المعاملة مع الأسرى و المحبوسين مما ترتعش منه الأبدان و تقشعر منه الجلود و قد كنّا جمعنا منها قسما ليس بقليل و لا مجال لذكره هنا و لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا.

119

متى يجوز أخذ الأسير و قبضه و إطلاقه منّا أو فداء في الحرب:

الذين يقاتلون المسلمين إما من الكفار على اختلاف أصنافهم من المشركين و الملحدين و الزنادقة و اليهود و النصارى و المجوس و المرتدين، و إما من المسلمين البغاة أو المحاربين، فالكلام يقع في مقامين:

المقام الأول في أخذ الأسير من الكفّار على أصنافهم

قال سبحانه و تعالى مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1).

تفيد هذه الآية الكريمة (2):

أن السنة الجارية في الأنبياء الماضين (عليهم السلام) أنهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم و ظفروا بهم ينكلونهم، ليعتبر به من ورائهم فيكفّوا عن محادّة اللّه و رسوله، و كانوا لا يأخذون أسرى حتى يثخنوا في الأرض و يستقر دينهم بين الناس، فلا مانع بعد ذلك من الأسر ثم المنّ أو الفداء كما قال تعالى فيما يوحي الى نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) بعد ما علا أمر الإسلام و استقرّ في الحجاز و اليمن:

____________

(1) الأنفال: 67.

(2) الميزان: ج 9/ 138 و راجع المنار: ج 10/ 93.

120

فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا. (1).

تشير هذه الآية إلى ذمّ المسلمين في أخذهم الأسرى في بدر و هددهم اللّه تعالى على أخذهم الأسرى بقوله لَوْ لٰا كِتٰابٌ مِنَ اللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (2) و يعاتبهم عتابا شديدا كما أن الآية الثانية تصرّح بوجوب قتل الأعداء إلى الإثخان، و بعده يرخّص في شدّ الوثاق و يؤكد ذلك بقوله:

مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ» لأنه ليس من شأن الأنبياء العظام (عليهم السلام) أخذ الأسير قبل الإثخان في الأرض، و كان هذا حكم عام في جميع الأنبياء الذين قاتلوا كما تقدّم، فذلك سنة إلهيّة جارية في جميع الأنبياء (عليهم السلام) و يؤكد أيضا بانّ عدم قتل الأعداء و استبقاءهم إرادة و طلب لعرض الدنيا و اللّه سبحانه يريد الآخرة الباقية ببقاء دينه و تمكّنه في الأرض.

«ان من المجرّبات التي لا شك فيها، ان الإثخان في قتل الأعداء في الحرب سبب من أسباب الإثخان في الأرض أي التمكن و القوّة و عظمة السلطان فيها، و قد يحصل هذا الإثخان بدون ذلك أيضا يحصل بإعداد كل ما يستطاع من القوى الحربية و مرابطة الفرسان و الاستعداد التام للقتال الذي يرهب الأعداء. و قد يجتمع السببان فيكمل بهما إثخان العزّة‌

____________

(1) محمّد: 4.

(2) الأنفال: 68.

121

و السلطان» (1).

قد يكون سبب الميل إلى أخذ الأسير و استبقاء العدو الرحمة و العاطفة على الإنسان المانعة عن إهراق الدماء، و قد يكون بملاحظة أخذ الفداء منهم و تقوية البنيان المالي للإسلام و المسلمين، فينكر في تقوية الإسلام من هذه الجهة، و قد يكون بملاحظة الروابط الإنسانية السببية و النسبيّة أو احتفاظا للآتية من الحوادث أو.

و يردّ الآية الكريمة على هذه اللحاظات باعتبار أنّ النظام الإسلامي لم يستقر بعد، فهو في معرض الأخطار الناشئة من وجود الأعداء، و منهم الذين يسبقونهم، و حفظ النظام أهمّ من هذه كلها.

«فان قيل: تبيّن بعد نزول الآيات ان ما حصل من أخذ الفداء لم يكن مضعفا و لا مزيدا في شوكة المشركين بل كان خيرا ترتب عليه فوائد كثيرة بيّنها المحقق ابن القيّم من بضعة وجوه (2).

قلنا: ما يدرينا ما ذا كان يكون لو عمل المسلمون بما دلّت الآية الاولى من قتل أولئك الأسرى أو من عدم أخذ الأسير يومئذ، على أنه هو الذي تقتضيه الحكمة و سنّة أنبياء الرحمة، أ ليس من‌

____________

(1) المنار: ج 10/ 84.

و في تفسير المراغي: أن اتخاذ الأسرى انما يكون خيرا و مصلحة للبشر إذا كان الظهور و الغلب لأهل الحق و العدل و نعم ما قال.

(2) راجع المنار: ج 10/ 97- 100.

122

المعقول أن يكون ذلك مرهّبا للمشركين و صادّا لهم عن الزحف بعد سنة على المؤمنين و أخذ الثأر في أحد ثم اعتداؤهم في غيرها من الغزوات» (1).

أقول: صرّح النبي (صلى اللّه عليه و آله) بأنهم لو أخذوا الفداء لقتل منهم بعدّة الأسارى (2). و هذا تصريح بأن المسلمين لو قتلوهم لما وقع غزوة قبل و لا بعدها من الغزوات بشي‌ء.

و هنا كلام لبعض المحققين لا بأس بنقله و ان طال الكلام:

1- قتل الأسرى هو الأصوب و ذلك: انّ المأسورين كان فيهم عدد من سادات قريش و من هم رأس الأفعى، و قد حاربوا الرسول و المسلمين و أخرجوهم من ديارهم و لاقوا منهم شتّى أنواع الإهانات و الأذى، و هؤلاء الذين لا يرتدعون و لا يرجعون بل يصرّون على استئصال شأفة الإسلام و لا يقبلون بأيّ خيار منطقي يعرض عليهم. و بعد ما نالهم ذلّ الهزيمة و ذلّ الأسر قد أصبحوا أكثر حقدا على الإسلام و المسلمين. و لسوف يعاني المسلمون منهم لو بقوا أحياء ما يعانون، مما أشار إليه (صلى اللّه عليه و آله) حيث أوعد المسلمين ان هم فادوهم أن يقتل منهم بعددهم.

2- كما ان قتلهم جزاء أعمالهم ان لم يقبلوا الإسلام يكون أيضا ضربة عسكرية و روحية موقفة لقريش. و إضعافا لشوكة المشركين.

و قد كان لهم دور هام بعد ذلك في وقعة أحد و غيرها و أثر بارز‌

____________

(1) المنار: ج 10/ 93.

(2) الميزان: ج 9/ 141.

123

في إلحاق الأذى بالمسلمين. و ما أحسن قول سعد بن معاذ:

«إنّها أول حرب لقينا فيها المشركين، و الإثخان في القتل أحبّ اليّ من استبقاء الرجال».

3- و يرى البعض ان اللّه تعالى يريد بالتأكيد على قتل الأسرى «أن يفهم المسلمين أن النظرة إلى المال مرفوضة مهما كانت الظروف إلّا إذا كانت في خدمة الهدف الأعظم و هو الدين».

4- و إذا كان النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا يحابي قومه على حساب دينه و عقيدته و قد قتلهم لأنّهم أرادوا أن يمنعوه من أداء رسالته و يطفئوا نور اللّه فإنه سوف لا يحابي غيرهم إذا أرادوا أن يطفئوا نور اللّه و أن يقفوا في وجه دعوته و دينه. و هذا سوف يؤثّر في إرهاب قريش و المشركين في جزيرة العرب، و لسوف يسهّل على النبي (صلى اللّه عليه و آله) أن يقنعهم بأن من الأفضل لهم أن يتركوا محاولاتهم العدوانية جانبا، فان الوقوف في وجه الدعوة سوف لا يكون حصاده إلّا الدمار و الفناء لهم.

5- ثمّ ان قتلهم سوف يطمئن الأنصار الى أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) لسوف لن يصالح قومه، و لن يعود إليهم ما داموا مصرّين على شركهم، بالتالي فهو يترك الأنصار و لن يتخلى عنهم لأنّه يعتبر انطلاقا من تعاليم دينه، ان رابطة الدين هي الأقوى، و لا قرابة فوق قرابة العقيدة، و لا نسب و لا رحم فوق نسب الإسلام و الايمان. و لذلك فلا مجال لأن تساور المخاوف نفوس الأنصار‌

124

هذه الوساوس و المخاوف التي عبروها في بيعة العقبة، و بعد ذلك في فتح مكة من أنه ربما يصالح قومه أو أدركته رغبة في قومه (1).

6- مع ان في قتلهم تشريد لمن خلفهم من الكفار إذ هو إذا استأصل قومه و أسرته لكفرهم كان عبرة لغيرهم و إرعابا و تهديدا لهم كما قال تعالى لنبيّه (صلى اللّه عليه و آله) في الذين يخاف نقضهم العهد الَّذِينَ عٰاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَ هُمْ لٰا يَتَّقُونَ. فَإِمّٰا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (2).

كما أنه تعالى قال:

فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا ذٰلِكَ وَ لَوْ يَشٰاءُ اللّٰهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لٰكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمٰالَهُمْ (3).

نظرة تفسيرية:

فَإِذٰا لَقِيتُمُ أي في الحرب فالمعنى: إذا قاتلتم الذين كفروا على اختلاف أصنافهم إذ لا وجه للتقييد بصنف خاصّ.

«فضرب الرقاب» أصله فاضربوا ضرب الرقاب، فحذف الفعل و قدّم المصدر نائبا منابه مضافا الى المفعول هذا مع التأكيد‌

____________

(1) راجع الصحيح من السيرة: ج 3/ 248- 249.

(2) الأنفال: 56- 57.

(3) محمد: 4.

125

و الاختصار (1)، ضرب الرقاب كناية عن القتل و في التعبير به عن القتل إشعارا بأنّه ينبغي أن يكون بضرب الرقاب حيث أمكن و لعلّ فيه إشعار بالابتعاد عن التعذيب و اختيار الأشقّ و التجنّب عن المثلة و الإحراق و.

نعم بيّن اللّه سبحانه في موارد خاصة أنواعا من القتل نكاية في الجرم و حسما للفساد فقال «إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ (2).

فالإمام يخيّر بين هذه الأنواع فلذلك في الحديث الآتي: ان الإمام مخيّر بين أن يضرب عنقه أو يقطع يديه أو رجليه و أفتى به الفقهاء (رضوان اللّه عليهم).

حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ بيان لغاية إيجاب القتل و جواز أخذ الأسير، فيجب القتل الى حصول الإثخان، و لا يجوز أخذ الأسير و الاستقاء على العدو الكافر قبله.

و الإثخان في الشي‌ء: هو المبالغة فيه و الإكثار منه، و المراد به ههنا للمبالغة في قتل الكفار من ثخن أي غلظ و صلب و كثف، و عن الأساس: بالغ في قتلهم أي الكفّار أثخن في العدو بالغ.

حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أي غلبتموهم و كثر فيهم الجراح و أعطوا بأيديهم و الإثخان هو القتل و التخويف الشديد. قال‌

____________

(1) راجع كنز العرفان: ج 1/ 364 و البيضاوي و الكشاف و القرطبي و المجمع و تفسير الرازي.

(2) المائدة: 33.

126

الواحدي: الإثخان في كل شي‌ء عبارة عن قوته و شدّته يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتدّت قوة المرض عليه، و كذلك أثخنه الجراح و الثخانة الغلظة فقوله حتى يثخن في الأرض معناه حتى يقوى و يشتدّ و يقهر ثم إنّ كثيرا من المفسرين قالوا: ان المراد منه أن يبالغ في قتل أعدائه (1).

فالآية الاولى تنفي الأسر و لا ترخّصه الّا بعد الإثخان في الأرض و فيه احتمالان:

الأول: ان يكون الإثخان في قتل الكفار و الإكثار و التغليظ فيساوي معنى الآية الثانية في انه يجب القتل في الأعداء و أثقالهم بالجراح حتى يعطوا بأيديهم و يستسلموا و تنقضي الحرب، فساعتئذ يجوز أخذ الأسير المعبّر- بشدّ الوثاق- فإما يمنّ الامام عليهم منّا فيطلقه بلا فداء و إما يأخذ الفداء من المال أو من أسارى المسلمين عند الكفار أو يسترقّهم و يصيروا من الغنائم.

____________

(1) أقول: هذه الجملات جمعناها من كلمات أهل اللغة و التفسير فراجع النهاية لابن الأثير و تاج العروس للزبيدي و الجمهرة لابن دريد و الصحاح للجوهري و لسان العرب لابن منظور و أساس البلاغة للزمخشري و أقرب الموارد و المفردات.

و راجع تفسير الرازي: ج 15/ 196 و: ج 27/ 43 و تفسير الطبري: ج 10/ 30 و:

ج 26/ 26 و مجمع البيان: ج 4/ 508 و: ج 5/ 97 ط الإسلامية و التبيان: ج 5/ 182 و: ج 9/ 291 و الميزان: ج 9/ 137 و: ج 18/ 243 و المنار: ج 10/ 83 و روح المعاني:

ج 10/ 33 و الثعالبي: ج 2/ 111 و الكشّاف: ج 4/ 316 و القرطبي: ج 8/ 45 و:

ج 16/ 225 و البخاري: ج 4/ 75 و فتح الباري: ج 6/ 107 و تفسير ابن كثير:

ج 4/ 172 و أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 169 و تفسير المراغي: ج 10/ 25.

127

الثاني: ان يكون المراد بالإثخان في الأرض إثخان دينه و نظامه فيها باستقراره في الأرض، و ثباته و أمنه من السقوط، يعني لا يجوز أخذ الأسير ما دام يخاف على الدين و النظام، و لذلك يجب قتل الأعداء المحاربين حتى يؤمن على النظام، و يكون المعنى قريبا من معنى قوله تعالى في الآية الثانية حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا يعني هذا الحكم و هو وجوب قتل المحاربين الى حدّ الإثخان فيهم يدوم الى أن يستقرّ الإسلام و لا يبقى محارب و منابذ، و لذلك فسّره المفسّرون بنزول عيسى (عليه السلام) أو بأن لا يكون مشرك، و المعنى أن لا يكون دين إلا دين الإسلام. و قال الكسائي:

حتى يسلم الخلق. و قال الفرّاء: حتى يؤمنوا و يذهب الكفر. و قال الكلبي: حتى يظهر الإسلام على الدين كلّه هذه كلّها في بيان قوله تعالى حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا.

فالاحتمال الأوّل في الآية الأولى يتحد مع صدر الآية الثانية و الاحتمال الثاني يتحد مع ذيلها.

و ظاهر الآيتين نفي جواز القتل بعد الإثخان لا نفي الوجوب كما قيل.

إذ قوله فَإِمّٰا مَنًّا بيان الحكم بعد الإثخان و التفصيل دليل انقطاع الحكم الأوّل.

قال الجصّاص: أما قوله فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً ظاهره يقتضي أحد شيئين: اما منّ و اما فداء و ذلك ينفي جواز القتل و قد اختلف السلف في ذلك- ثم نقل عن الحسن و عطاء و ابن‌

128

عمر و مجاهد و ابن سيرين كراهة القتل أو عدم جوازه- و نقل عن السدّي و ابن جريح قبول دلالة الآية على نفي القتل إلّا انهما قالا انها منسوخة بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (1) و ادعى الإجماع على جواز قتل الأسير.

و في السراج المنير فَشُدُّوا أي أمسكوا عن القتل و اسروهم (2) و ظاهر الآية على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم امتناع القتل بعد الأسر، و به قال الحسن و نقل عن ابن عمر (3)، و نقل الطبري و غيره دلالة الآية الكريمة على ذلك عن ابن عمر و عطاء و الحسن (4).

هذه أقوال ذكرها المفسّرون في جواز قتل الأسير بعد الإثخان و عدمه، كما أن لهم أقوالا في المراد من قوله تعالى حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا كما تقدم الإشارة إليها، و جامعها: أنّ قوله تعالى:

حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا يفيد أن هذه الأحكام باقية و جارية إلى الأبد حتى يظهر المهدي (صلوات اللّه عليه) و يتمكّن في الأرض و لا تكون فتنة و يكون الدين كلّه للّه و يرث الأرض عباد اللّه الصالحون.

و نقل القرطبي عن الحسن و عطاء: ان في الآية تقديم و تأخير و المعنى: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فاذا‌

____________

(1) راجع المصدر: ج 5/ 269.

(2) المصدر: ج 4/ 23.

(3) روح المعاني: ج 25/ 40.

(4) الطبري: 26/ 26 و راجع أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 269.

129

أثخنتموهم. هذا.

و لكن بعض المفسّرين و الفقهاء منا (1) أيضا لم يستفيدوا من ظاهر الآية عدم جواز القتل بعد الإثخان بل أفتوا بجواز القتل بعد شدّ الوثاق.

قال الشيخ الأعظم في التبيان بعد تفسيره الآية، ساكتا عن حكم القتل بعد شدّ الوثاق: و الذي رواه أصحابنا: ان الأسير إن أخذ قبل انقضاء الجرب و القتال بان تكون الحرب قائمة و القتال باق، فالإمام مخيّر بين أن يقتلهم أو يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يتركهم حتى ينزفوا، و ليس له المنّ و لا الفداء. و ان كان أخذ بعد وضع الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا و انقضاء الحرب و القتال كان مخيّرا بين المنّ و المفاداة إمّا بالمال أو النفس و بين الاسترقاق و ضرب الرقاب» (2).

و تبعه الشيخ الكبير الطبرسي (رحمه اللّه) في المجمع و الراوندي في فقه القرآن، و ابن البراج في المهذّب، و روى ذلك عن ابن عباس كما يأتي.

و ليس فيما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) حكم القتل بعد شدّ الوثاق، كما صرّح به في المبسوط حيث قال و ليس له قتله على ما رواه أصحابنا».

و إليك نصّ الحديث:

الكافي: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى‌

____________

(1) ككثير من علماء العامة.

(2) المصدر: ج 5/ 182 و ج 9/ 291.

130

عن طلحة بن زيد و التهذيب: أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن يحيى عن عبد اللّه بن المغيرة عن طلحة بن زيد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان أبي يقول: انّ للحرب حكمين إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها و لم يثخن أهلها، فكل أسير أخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار ان شاء ضرب عنقه و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف بغير حسم و تركه يتشحّط في دمه حتى يموت و هو قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ. و الحكم الآخر إذا وضعت الحرب أوزارها و أثخن أهلها فكل أسير أخذ على [في] تلك الحال فكان في أيديهم و الإمام فيه بالخيار ان شاء منّ عليهم فأرسلهم و ان شاء فداهم [فاداهم] أنفسهم و ان شاء استعبدهم فصاروا عبيدا (1).

نظرة تفسيرية ثانية:

هذا ما استفدناه من الآية الكريمة موافقا لما نقل عن أهل البيت (عليهم السلام)، و قد توهّم بعض المنافاة بين هذه الآية الشريفة (الآية في سورة القتال) و بين قوله تعالى مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ

____________

(1) جامع الأحاديث ج 13/ 174- 175 و الكافي ج 5/ 32 و التهذيب ج 6/ 143.

131

الآية.

فتوهم دلالة آية الأنفال على عدم جواز أخذ الأسير فقال: ان هذه الآية (أي آية سورة القتال) ناسخة لقوله تعالى مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ لأنّ هذه السورة متأخّرة نزولا عن سورة الأنفال فتكون ناسخة لها، و روي ذلك عن ابن عباس قال:

ذلك يوم و المسلمون يومئذ قليل فلما كثروا و اشتدّ سلطانهم انزل اللّه تعالى بعد هذا في الأسارى فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً فجعل اللّه النبي (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين بالخيار ان شاءوا قتلوهم و ان شاءوا استعبدوهم و ان شاءوا فادوهم (1).

ذاهلا عن عدم التدافع بينهما، فآية الأنفال تنهى عن الأسر قبل الإثخان (على الاحتمال الأوّل المتقدّم) و آية سورة القتال تأمر بالأسر بعد الإثخان، فآية الأنفال تنهى عن أخذ الأسير قبل الإثخان، و تؤكّد أن جميع الأنبياء (عليهم السلام) كانوا كذلك.

نعم على الاحتمال الثاني المتقدّم تكون غاية الحكم في الآية حاصلة، كما أشار إليه ابن عباس، فلا تنافي أيضا إذ الحكم في الآية كان مغيى بغاية حصلت بعد مدّة.

قال في المنار بعد تفسير آية الأنفال:

«و أما قوله تعالى في سورة محمد (صلى اللّه عليه و آله) التي تسمّى سورة القتال فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (2) فهو في إثخان القتلى التي‌

____________

(1) راجع أحكام القرآن للجصاص ج 5/ 270 و كنز العرفان ج 1/ 365 و فقه القرآن للراوندي/ 130.

(2) محمد: 4.

132

يطلب في معركة القتال بعد الإثخان في الأرض، فإذا التقى الجيشان فالواجب علينا بذل الجهد في قتل الأعداء، دون أخذ أسرى لئلا يفضي ذلك الى ضعفنا و رجحانهم علينا، إذا كان هذا القتل قبل ان يثخن في الأرض بالعزة و القوّة التي ترهب أعداءنا، حتى إذا اثخنّاهم في المعركة جرحا و قتلا تمّ لنا الرجحان عليهم فعلا رجحنا الأسر المعبّر عنه بشدّ الوثاق.» (1).

و على اي حال على الاحتمال الأوّل في آية الأنفال تتحد الآيتان مفادا، و على الاحتمال الثاني تكون آية الأنفال لبيان أخذ الأسير قبل استقرار النظام و انتهت غايتها، و الآية الأخرى على حكم معركة القتال الى يوم لا يبقى إلّا الإسلام و العدل، و ذلك عند ظهور الإمام المهدي (صلوات اللّه عليه).

قال بعض: ان آية المنّ و الفداء منسوخة بقول تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (2) و قوله تعالى فَإِمّٰا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ (3) و قوله قٰاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (4).

و قد ثبت في محلّه بأنّ العام يخصص بالخاص المتأخّر.

____________

(1) المصدر: ج 10/ 83.

(2) التوبة: 5.

(3) الأنفال: 57.

(4) التوبة: 36.

راجع التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى: 927 و الميزان: ج 18/ 244 و مسالك الأفهام:

ج 2/ 33 و كنز العرفان: ج 1/ 365 و أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 246 و القرطبي: ج 16/ 227 و التبيان: ج 1/ 291 و المغني: ج 10/ 395.

133

بحث فقهي:

الأسير إن كان ذكرا بالغا و أخذ قبل أن تضع الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا و قبل انقضاء الحرب، فالإمام فيه بالخيار بين القتل و قطع الأيدي و الأرجل و تركه حتى ينزف الّا أن يسلم فيسقط ذلك عنه.

و إن كان الأسير أخذ بعد انقضاء الحرب كان الإمام فيه مخيّرا بين الفداء و المنّ و الاسترقاق، و ليس له قتله أيّ هذه الثلاثة رأى صلاحا و حظا للمسلمين فعله.

فإذا فاداه اما بالمال أو بالرجال أطلقه بعد أخذ الفداء، و إذا منّ عليه أطلقه، و إذا استرقه جعله كسائر الغنائم (1).

هذا هو المشهور عندنا، و هنا أقوال غير مشهورة لا بأس بنقلها:

1- قال الشيخ (رحمه اللّه) بعد ذكر ما تقدّم: و ان أسر رجل بالغ فان كان من أهل الكتاب أو ممن له شبهة كتاب فالإمام مخيّر فيه بين الثلاثة أشياء و ان كان من عبدة الأوثان فالإمام مخيّر فيه بين المفاداة و المنّ و سقط الاسترقاق، لأنّه لا يقرّ على دينه بالجزية كالمرتد.

____________

(1) راجع المبسوط: ج 2/ 12 و 20 و التذكرة: ج 1/ 424 و النهاية: ص 53 و الجمل و العقود للشيخ (ره): 62 و الإصباح: 73 و المهذّب، ص 100 و السرائر: 171 و إشارة السبق: 187 و الشرائع: 207 و المختصر النافع: 228 و الجامع لابن سعيد:

236 و القواعد: 248 و اللمعة: 274 و المسالك ج 1/ 153 و المنتهى: ج 2/ 927 و التحرير: ج 1/ 140 و الخلاف: ج 2/ 332 و المختلف: ج 1/ 331 و الغنية:

158 و 160 و فقه القرآن للراوندي: 131 و المهذّب ص 100.

134

فرّق الشيخ (رحمه اللّه) فيما إذا كان الأسر بعد انقضاء الحرب بين أهل الكتاب و غيره كما صرّح به في الوسيلة و الجامع لابن سعيد أيضا.

2- قال ابن البراج في المهذّب: الأسارى على ضربين:

أحدهما ما يجوز استبقاؤه، و الآخر لا يستبقي، و الذي يجوز استبقاؤه كل أسير أخذ بعد تقضّي الحرب و الفراغ منها، و الذي لا يستبقي هو كل أسير أخذ قبل تقضّي الحرب و الفراغ منها. و الضرب الأوّل يكون الامام و من نصبه مخيّرا فيهم إن شاء قتلهم و إن شاء فاداهم و إن شاء منّ عليهم و إن شاء استرقّهم، و يفعل في ذلك ما يراه صلاحا في التدبّر و النفع للمسلمين. و أما الضرب الثاني فحكمه الى الإمام أو من نصبه، و هو مخيّر في قتلهم بأيّ نوع أراده من أنواع القتل.

تراه يخيّر الإمام في الضرب الأوّل بين أربعة: القتل و الفداء و المنّ و الاسترقاق، و وافقه في ذلك الشيخ في التبيان و الطبرسي و إشارة السبق و لكنه لم يذكر المنّ.

3- نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل: أنه لم يفصّل بل خيّر الإمام بين الاسترقاق و المنّ و الفداء.

و لكن التدبّر في كلامه يفيد بأنه موافق للمشهور، فإنه قال: إذا ظهر المؤمنون على المشركين فاستأسروهم فالإمام في رجالهم البالغين بالخيار ان شاء استرقّهم و إن شاء فاداهم و إن شاء منّ عليهم، قال اللّه تعالى فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ

135

حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا.

فإنّ استدلاله بالآية الكريمة يفيد بأنّ المراد هو بعد وضع الحرب أوزارها لا قبله، و لعلّ مراد العلّامة من نسبة عدم التفصيل هو عدم التفصيل بين أهل الكتاب و غيرهم من الكفّار.

و على كل حال هذا تمام الأقوال عندنا، و الأقوال غير المشهورة موافقة للعامّة و أمّا العامة فنكتفي من أقوالهم بما ذكره ابن قدامة في المغني.

قال: و إذا سبي الإمام فهو مخيّر ان رأى قتلهم، و ان رأى منّ عليهم و أطلقهم بلا عوض، و ان رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم، و ان رأى فادى بهم، و ان رأى استرقّهم، أيّ ذلك رأى نكاية للعدوّ و حظّا للمسلمين فعل.

و جملته: انّ من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب:

أحدها: النساء و الصبيان فلا يجوز قتلهم، و يصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبي، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل النساء و الولدان متفق عليه، و كان (عليه السلام) يسترقّهم إذا سباهم.

الثاني: الرجال من أهل الكتاب و المجوس الذين يقرّون بالجزية، فيخيّر الإمام فيهم بين أربعة أشياء: القتل و المنّ بغير عوض و المفاداة بهم و استرقاقهم.

الثالث: الرجال عبدة الأوثان و غيرهم ممن لا يقرّ بالجزية،

136

فيتخيّر الامام فيهم بين ثلاثة أشياء: القتل أو المنّ أو المفاداة و لا يجوز استرقاقهم، و عن أحمد جواز استرقاقهم، و هو مذهب الشافعي، و بما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي و الشافعي و أبو ثور و عن مالك كمذهبنا، و عنه لا يجوز المنّ بغير عوض لأنه لا مصلحة فيه، و حكى عن الحسن و عطاء و سعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى و قالوا: لو منّ عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر، و لأنّ اللّه تعالى قال فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً فخيّر بين هذين بعد الأسر لا غير، و قال أصحاب الرأي: ان شاء ضرب أعناقهم و إن شاء استرقّهم لا غير، و لا يجوز منّ و لا فداء، لأنّ اللّه تعالى قال فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ بعد قوله فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً و كان عمر بن عبد العزيز و عياض بن عقبة يقتلان الأسارى (1).

و نقل العلّامة (رحمه اللّه تعالى) في التذكرة و المنتهى أقوالهم، و صرّح بأنّهم لم يفصّلوا بين قبل انقضاء الحرب و بعده، و نقل عن أبي يوسف: أنه لا يجوز المنّ و يجوز الفداء بالرجال دون المال، و عن مالك: أنه يتخيّر بين القتل و الاسترقاق و الفداء بالرجال دون المال و هو رواية عن أحمد.

ثم نقل أدلتهم و ردّ عليهم فقال:

____________

(1) المغني: ج 10/ 393- 394 و راجع في الوقوف على أقوالهم تفسير روح المعاني: ج 26/ 40 و القرطبي: ج 16/ 227- 229 و الكشّاف: ج 4/ 316 و مجمع البيان: ج 5/ 97 و المنتهى:

ج 2/ 927 و أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 270- 271.

137

احتجّ مالك: بأنه لا مصلحة في المنّ بغير عوض و هو ممنوع.

و احتجّ عطاء بقوله تعالى فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً فخيّره بعد الأسر بين هذين لا غير و هو تخيير بعد الأسر بعد انقضاء الحرب.

و احتجّ أبو حنيفة: بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ بعد قوله فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً لأنّ الآية نزلت بمكة. و آية القتل نزلت بالمدينة في آخر سورة نزلت و هي براءة، فيكون ناسخا و نمنع النسخ، فان العام و الخاص إذا تعارضا عمل بالعامّ في غير صورة الخاص.

أدلّة قول المشهور:

استدلّ للقول المشهور بوجوه:

الأوّل: الإجماع، قال في مسالك الافهام: «و عليه إجماع أصحابنا». و في المنتهى و التذكرة ذهب الى ذلك علماؤنا أجمع و في الخلاف: «دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم». و في الجواهر «بلا خلاف معتدّ به أجده فيه.».

الثاني: آيتي الأنفال و القتال كما تقدم.

الثالث: الحديث المتقدّم في تفسير الآية.

الرابع: و يكفي في رد قول أبي حنيفة ما نقل من عمل النبي (صلى اللّه عليه و آله) في حروبه فإنه (صلى اللّه عليه و آله) منّ على كثيرين ممن أسروا في بدر و غيره أو فادى أيضا كثيرين، و قد تقدم‌

138

الكلام حول من منّ عليهم النبي (صلى اللّه عليه و آله) و علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام).

و روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال يوم بدر: «لو كان مطعم بن عدي حيّا ثم سألني في هؤلاء السبي لأطلقتهم له» (1).

و روي عن الصادق (عليه السلام): «لم يقتل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) رجلا صبرا قطّ غير عقبة بن أبي معيط» (2).

هذا ما نقله التأريخ لنا من عمل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في قتله الأسارى أو في المنّ عليهم صدرت لمصلحة عامة للإسلام و المسلمين، و هي تثبت أنه لا يجب قتل الأسير، كما زعمه أبو حنيفة و أصحاب الرأي، و انما قتل منهم من قتل لعلل خاصّة، إما لرضا هم بحكم حاكم عيّنوه هم و اخرى لنقضهم العهد.

و بالجملة جرت سيرته (صلى اللّه عليه و آله) بالمنّ أو الفداء أو الاسترقاق بالضرورة من التأريخ و الحديث، و لذلك أفتى أصحابنا فيمن أخذ بعد الإثخان، إنّ الامام مخيّر بين ثلاثة: المنّ و الفداء و الاسترقاق.

نعم هنا رواية نقلها الكافي و التهذيب بإسنادهما عن علي بن محمد القاساني عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأل رجل‌

____________

(1) راجع المغني: ج 10/ 294 و التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى: ج 2/ 927 و مشكاة المصابيح:

344 و نصب الراية: ج 3/ 405 نقلا عن البخاري: ج 1/ 442.

(2) سيأتي الحديث و الكلام حوله.

139

أبي (صلوات اللّه عليه) عن حروب أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان السائل من محبّينا فقال أبو جعفر (عليه السلام): بعث اللّه محمدا (صلى اللّه عليه و آله) بخمسة أسياف ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتى تضع الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا حتى تطلع الشمس من مغربها، فاذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، و سيف منها مكفوف و سيف منها مغمور سلّمه اللّه الى غيرنا و حكمه إلينا.

و أما السيوف الثلاثة الشاهرة: فسيف على مشركي العرب، قال اللّه عزّ و جلّ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تٰابُوا- يعني فإن آمنوا- وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ. (1). فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام، و أموالهم و ذراريهم سبي على ما سنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فإنه سبى و عفا و قبل الفداء.

و السيف الثاني على أهل الذمّة، قال اللّه تعالى وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً (2) نزلت هذه الآية في أهل الذمة ثمّ نسخها قوله عز و جل قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (3) فمن كان منهم في دار الاسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل و ما لهم في‌ء و ذراريهم‌

____________

(1) التوبة: 6.

(2) البقرة: 83.

(3) التوبة: 29.

140

سبي، و إذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرّم علينا سبيهم و حرّمت أموالهم و حلّت مناكحتهم، و من كان منهم في دار الحرب حلّ لناسبيهم و أموالهم، و لم تحلّ مناكحتهم و لم يقبل منهم إلّا الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل.

و السيف الثالث: سيف على مشركي العجم يعني الترك و الديلم و الخزر، قال اللّه عز و جل في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقصّ قصتهم ثم قال فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا. (1) فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام. الحديث (2).

حيث تدلّ هذه الرواية على التفصيل في الأسارى بين مشركي العرب و أهل الكتاب و مشركي العجم، فالأوّل لا يقبل من رجالهم إلّا الدخول في الإسلام أو القتل، و الثاني ليس الحكم فيهم إلا الإسلام أو القتل أو الجزية، و الثالث فيهم تفصيل بين أسرهم حين اشتعال نار الحرب فلا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام و لم يتعرّض لحكم أسرهم بعد الإثخان.

و تركها الفقهاء- (رضوان اللّه عليهم)- لما في سندها من الضعف لمكان القاسم بن محمد و سليمان بن داود و حفص بن غياث، و لموافقتها العامة، و لما في مضمونها من الإشكال، حيث جعل قوله‌

____________

(1) القتال: 4.

(2) جامع أحاديث الشيعة: ج 13/ 75/ 82 عن الكافي و التهذيب.

141

تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ناسخا لقوله «فَضَرْبَ الرِّقٰابِ» مع لزوم تقديم الخاص و لو كان متقدّما على العامّ و لو كان متأخّرا، و لمنافاتها لعمل النبي الأقدس (صلوات اللّه عليه و آله) حيث انه منّ و فادى في بدر و غيرها كما يأتي.

ثمّ إنّ ظاهر النصوص و الفتاوى إطلاق التخيير للإمام بين المنّ و الفداء و الاسترقاق. لكنّ في كلام جملة من الفقهاء أنه يراعي الأصلح للأمّة الإسلامية، قال العلّامة- (رحمه اللّه)- في التذكرة في تعليل التخيير بين الثلاثة: و لان كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح من غيرها في بعض الأسرى، فإنّ ذا القوّة و النكاية في المسلمين قتله أنفع و بقاؤه أضرّ، و الضعيف ذا المال لا قدرة له على الحرب ففداؤه أصلح للمسلمين، و منهم من هو حسن الرأي في الإسلام و يرجى إسلامه فالمنّ عليه أولى أو يرجى بالمنّ عليه المنّ على الأسارى المسلمين أو يحصل بخدمته نفع يؤمن ضرره كالصبيان و النساء فاسترقاقه أولى، و الامام أعرف بهذه المصالح فكان النظر إليه في ذلك كله (1).

و ذلك لكونه وليّ المسلمين المكلّف بمراعاة مصالحهم، و مقتضاه عدم التخيير الا مع التساوي في المصلحة، و لأنّه لو خالف المصلحة لم يكن ناصحا مع وجوب النصيحة للّه و لرسوله و للإمام و لجماعة المسلمين على كل أحد، بل في الروايات وجوب نصيحة‌

____________

(1) راجع المصدر: ج 1/ 424 و المغني لابن قدامة: ج 10/ 395 و راجع المهذّب:

ص 100 و التحرير: ج 1/ 140.

142

الأمة على الإمام، و إليك بعض النصوص:

1- أيّما وال ولي شيئا من أمور المسلمين فلم ينصح لهم و لم يجهد لهم لنصحه و جهده لنفسه كبّه اللّه على وجهه يوم القيامة في النار (1).

2- و لكن من واجب حقوق اللّه على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم (2).

3- من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم (3).

4- ما من أحد من أمتي ولي من أمور المسلمين شيئا و لم يحفظهم بما يحفظ به نفسه و أهله إلا لم يجد رائحة الجنّة (4).

5- من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم (5).

6- من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم (6).

7- انّ لي عليكم حقا و لكم عليّ حق فاما حقكم عليّ فالنصيحة لكم و توفير فيئكم عليكم. (7).

____________

(1) المعجم الصغير: ج 2/ 67 و القواعد للشهيد الأوّل: ج 1/ 405 «من ولي من أمور المسلمين شيئا ثم لم يجتهد لهم و ينصح لم يدخل الجنّة» و في هامشه رواه مسلم:

ج 1/ 126 الباب 65 حديث: 229 قريبا مما تقدّم و قريب منه أيضا ما نقله عن قواعد الأحكام: ج 1/ 81.

(2) نهج البلاغة: ص 681.

(3) المعجم الصغير للطبراني: ج 2/ 50 و البحار: 75/ 66 و سفينة البحار: ج 2/ 723.

(4) المعجم الصغير للطبراني: ج 2/ 54 و ابن ابي الحديد: ج 1/ 310.

(5) سفينة البحار: ج 2/ 723 و الوسائل ج 11/ 559.

(6) الوسائل: ج 11/ 559.

(7) نهج البلاغة: الخطبة/ 34.

143

8- الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول اللّه؟ قال: للّه و لرسوله و لأئمة الدين و لجماعة المسلمين» (1).

9- من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم و من لا يصبح و لا يمسي ناصحا للّه و لرسوله و لكتابة و لإمامه و إمامة المسلمين فليس منهم (2).

10- قال (صلى اللّه عليه و آله) في خطبة حجّة مسجد الخيف بمنى: ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرء مسلم: إخلاص العمل للّه و النصيحة لأئمة المسلمين و اللزوم لجماعتهم (3) الى غير ذلك من الأخبار الدالّة على وجوب النصيحة لكل مسلم، و وجوب الاهتمام بأمور المسلمين، مضافا الى ما يشير اليه قوله تعالى لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

____________

(1) مجمع الزوائد: ج 1/ 87 و كشف الإستار: ج 1/ 50 و 68 و القرطبي: ج 8/ 227 و مسند أحمد: ج 4/ 103 و مسند الدارمي: ج 2/ 311 و عمدة القارئ: ج 1/ 321 و الوسائل: ج 11/ 595.

(2) المعجم الصغير ج 2/ 50.

(3) الكافي: ج 1/ 403 و 404 و البحار: ج 27/ 68- 69 و ج 2/ 148 و ج 47/ 365- 366 و ج 75/ 66 و مسند أحمد: ج 3/ 224 و ج 4/ 80 و 82 و ج 5/ 183 و المعجم الصغير للطبراني: ج 1/ 109 و اليعقوبي: ج 2/ 93 و تهذيب ابن عساكر: ج 3/ 264 و ج 6/ 159 و ج 7/ 291 و مستدرك الوسائل: ج 2/ 250 و غيبة النعماني: ص 17 و أحكام القرآن للجصّاص: ج 2/ 257 و ترتيب المسند للشافعي: ج 1/ 16 و مستدرك الحاكم: ج 1/ 87 و 88 و كنز العمال: ج 5/ 223 و 239 و ابن ماجة:

ج 2/ 1015.

144

(1). فمع هذه الأخبار كيف يمكن ان يمنّ الإمام أو من نصبه على الأسارى مع علمه بأنه على خلاف النصيحة أو يفاديه أو يسترقّه كذلك.

و أما إطلاق النص فلعله لأجل وضوح ذلك، مضافا الى أن المراد فيها هو الإمام المعصوم (عليه السلام) و لا يتصوّر فيه ارتكاب خلاف النصيحة.

المقام الثاني في أحكام الأسير من البغاة الخارجين على الامام العادل

قال الشيخ (ره) في المبسوط: و لا يجوز قتال أهل البغي و لا تتعلق بهم أحكامهم إلا بثلاث شروط:

أحدها: أن يكونوا في منعة و لا يمكن كفّهم و تفريق جمعهم إلّا بإنفاق و تجهيز جيوش، فأما إذا كانوا طائفة قليلة و كيدها كيد ضعيف فليسوا يأهل البغي (2)، فأما قتل عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين (عليه السلام) عندنا كفر، و تأويله غير نافع له، و عندهم هو و إن تأوّل فقد أخطأ و وجب قتله قودا (3).

و وافقه في ذلك ابن حمزة و ابن إدريس.

و في الجواهر: و لعلّه لهذه النصوص و نحوها مشيرا الى نصوص‌

____________

(1) التوبة: 91.

(2) بل هم قطاع الطريق كما صرّح به العلّامة في التذكرة.

(3) راجع المبسوط ج 7/ 264 و 265 و الدروس 164 و الوسيلة/ 196 و السرائر/ 172.

145

محاربة البغاة و التفصيل بين من فئة يرجع إليها و من لا فئة له (1).

و خالف الشيخ العلّامة في التذكرة و المنتهى، حيث قال بعد نقله عن الشيخ (ره): و قال بعض الجمهور يثبت لهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام و فيه قوّة (2).

و اكتفى في الدروس بنقله عن الشيخ (ره) و ظاهره الرضا به.

و على كل حال، هو المحكي عن الشافعي و اختاره ابن قدامة في المغني (3).

و أطلق سائر الفقهاء و اكتفوا بان الباغي من خرج على امام عادل، و منع عن تسليم الحقّ اليه على اختلاف عبائرهم (4).

و الثاني: أن يخرجوا عن قبضة الإمام منفردين عنه في بلد أو بادية فاما إن كانوا معه و في قبضته فليسوا بأهل بغي (5).

و وافق الشيخ (ره) في ذلك ابن حمزة و ابن إدريس و الشهيد في‌

____________

(1) الجواهر ج 21/ 331 و 332 و ذلك لا دليل لنا على أحكام البغاة إلّا هذه الأدلّة و هي واردة فيمن له منعة و كثرة.

(2) المصدر: ج 1/ 454 و في المنتهى: ج 2/ 983: «و هو عندي قوي» و في التحرير:

ج 1/ 155 قال: «و عندي فيه نظر».

(3) المصدر: ج 10/ 46 و راجع الأم: ج 4/ 218 و شرح المغني بهامشه: ص 51.

(4) كما في المختلف و الدروس و الجمل و الإصباح و المهذّب: ص 88 و الغنية: 157 و السرائر:/ 173 و إشارة السبق: 185 و الوسيلة: 195 و الشرائع: 216 و المختصر النافع: 225 و القواعد: 267 و اللمعة: 275.

(5) المبسوط: ج 7/ 264- 265 و الوسيلة: 196 و السرائر: 173 و التذكرة: ج 1/ 454 و المنتهى: ج 2/ 98 و التحرير: ج 1/ 155.

146

ظاهر كلامه و العلّامة (ره) في التذكرة و المنتهى و التحرير مستدلا بما روي انّ عليا (عليه السلام) كان يخطب فقال رجل بباب المسجد لا حكم الّا للّه تعريضا بعلي (عليه السلام) أنّه حكّم في دين اللّه فقال علي (عليه السلام): كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث، أن لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا اسم اللّه فيها و لا نمنعكم الفي‌ء ما دامت أيديكم معنا و لا نبدأكم بقتال، فقوله ما دامت أيديكم معنا يعني لستم بمنفردين (1).

و في الجواهر: انه مرسل غير جامع لشرائط الحجيّة، نعم قد يقال: ان حكم البغاة لم يعلم إلّا من فعل علي (عليه السلام) كما اعترف به الشافعي و غيره، و لم يثبت لنا شي‌ء من فعله فيما عدا الفرق الثلاث.

و لكن سائر الفقهاء لم يذكروا هذا الشرط بل اكتفوا بما تقدّم منا نقله، و سيأتي منّا ما يفيد ان شاء اللّه تعالى.

و قد نقل أنه لم يقاتل علي (عليه السلام) الخوارج و لم يتعرض لهم حتى خرجوا و أفسدوا (2).

____________

(1) راجع الحديث في المصادر المتقدمة و أحكام القرآن للجصاص: ج 5/ 282 و جامع الأحاديث: ج 13/ 87 عن دعائم الإسلام و السنن الكبرى: ج 8/ 184 و المبسوط للسرخسي: ج 10/ 125 و ابن أبي شيبة: ج 15/ 327 و مجمع الزوائد: ج 6/ 242 و أنساب الأشراف: ج 2/ 352 و المبسوط للشيخ: ج 7/ 265 و تاريخ بغداد:

ج 14/ 365.

(2) راجع عبد الرزاق: ج 10/ 117 و 118 و المحلّى: ج 11/ 106 و الأموال: 229 و 228 و 296 و 298 و ابن أبي شيبة: ج 15/ 56 و 308 و 311 و 327 و أمالي المفيد (ره): 127 و تاريخ بغداد: ج 14/ 184 و 365 و سنن الدارقطني: ج 4/ 131 132 و مجمع الزوائد: ج 6/ 242 و أموال أبي جنيد: 296.

147

و الثالث: أن يكونوا على المباينة بتأويل سائغ عندهم، و أما من باين و انفرد بغير تأويل فهؤلاء قطّاع طريق حكمهم حكم المحاربين (1).

قال في الجواهر: و لن نجد لهم ما يدلّ عليه بل الواقع من علي (عليه السلام) مع أهل الجمل و صفين خلافه ضرورة عدم شبهة لهم.

أقول: هذا في رؤساء الفريقين صحيح، إذ معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص صنوه و شقيقة في النفاق و الشيطنة و سائر أفراد بني أمية كمروان و. لم يكن عندهم شبهة في كون علي (عليه السلام) وليّا و وصيّا و حقا، كما ان طلحة و الزبير لم يكونا جاهلين بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) و لكنّهم موّهوا على الناس في الشام و البصرة و سوّلوا لهم الأمر بأباطيل و أكاذيب.

و قد أشير في الأحاديث الآتية إلى كونهم أهل التأويل ظاهرا، و انه يصدق عليهم المؤمن ظاهرا، و يشملهم قوله تعالى وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ و علمهم بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) لا ينافي كونهم أهل تأويل كذلك.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعمّار بن ياسر (رحمه اللّه تعالى): «تقتلك الفئة الباغية» (2). و قتله معاوية و جنود الشام‌

____________

(1) راجع المبسوط: ج 7/ 265 و الدروس: ص 164 و الوسيلة: 196 و السرائر: 173 و التذكرة: ج 1/ 454 و المنتهى: ج 2/ 983 و التحرير: ج 1/ 155.

(2) راجع الغدير: ج 10/ 275 و ابن أبي شيبة: ج 15/ 291 و 293 و 302 و البحار:

ج 32/ 328 عن شرح المقاصد و الحديث متواتر لا حاجة الى ذكر المصادر لشهرته.

148

فعلم أن مراده (صلى اللّه عليه و آله) من الفئة الباغية هو معاوية و اتباعه فهو و جنوده من أجلى مصاديق البغاة.

كما ان بغاة البصرة برئاسة أم المؤمنين عائشة و طلحة و الزبير من أجلى مصاديق البغاة أيضا.

و منهم أيضا الخوارج الضالّون البسطاء الذين خرجوا من الدين كخروج السهم من القوس.

و كلهم قد أخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عليا و الصحابة الكرام بهم، و أمر عليا بقتالهم في حديث متواتر بين الفريقين:

«أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال له: ان اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب عليّ جهاد المشركين، قال: فقلت يا رسول اللّه ما هذه الفتنة التي كتب عليّ فيها الجهاد؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أني رسول اللّه و هم مخالفون للسنّة، فقلت: يا رسول اللّه فعلام أقاتلهم و هم يشهدون كما أشهد؟ قال:

على الأحداث في الدين و مخالفة الأمر، فقلت: يا رسول اللّه انك وعدتني الشهادة، فاسألها أن يعجّلها لي بين يديك، قال: فمن يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين.» (1) الحديث.

____________

(1) راجع البحار: ج 32/ 289 و ما بعدها و 243 و الغدير: ج 10/ 272 و ما بعدها و ج 3/ 188- 195 و الوسائل: ج 11/ 61 عن أمالي الشيخ و جامع الأحاديث: ج 13/ 84 عن أمالي الشيخ الطوسي و الشيخ المفيد (رحمهما اللّه تعالى) و ابن أبي شيبة:

ج 15/ 238 و البحار: ج 32/ 277 و 288 و 224 و البحار: ج 8 ط الكمباني: ص 549 و ما بعدها و الجمل: ص 20/ 35 و أنساب الاشراف: ج 2/ 375- 376 و راجع البحار:

ج 32/ 319 في التحقيق حول من قاتل عليا (عليه السلام) فإنه ذكر الأقوال ثمّ الأخبار تماما و راجع الإفصاح للمفيد (ره): 82 و ابن أبي الحديد: ج 1/ 201 و ج 2/ 130 و ج 13/ 183 و المحاسن و المساوئ للبيهقي: ص 45 قال ابن كثير في البداية و النهاية: ج 6/ 218: الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأنّ ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن و وقوع ذلك في زمان علي معلوم أقول: لقد غاب عنه ان النصوص الكثيرة تصرح بأن النبي (صلى اللّه عليه و آله) خاطب عليا (عليه السلام) و أخبره بأنه يقاتل فراجع. و قد بحث العلّامة الأميني حول ذلك فراجع.

149

و على كل حال يجب بإطلاق الآية و السنة القطعية قتال كل من يخرج على إمام عادل، بتأويل يصحّ إطلاق المؤمن عليه ظاهرا كائنا من كان و يترتب على قتاله ما ذكر من أحكام الباغي إلّا أن يثبت بدليل قاطع في طائفة خاصة حكم خاص (1).

و يمكن أن يقال: انّ الباغي هو من خرج عن طاعة الإمام و امتنع من تسليم الحقّ إليه و لا يذعن بولايته و نظام حكومته، فيخرج لمقاتلته و مناجزته و يروم الإخلال في أمره. و أمّا من يقطع الطريق و يستلب أموال الناس و يقتلهم لهذا القصد فليس باغيا على الإمام ممتنعا عن تسليم الأمر منكرا لحقّه، نعم هو عاص يجري عليه الحكم المقرر في الإسلام.

و على أي حال، البغاة إذا رجعوا إلى الطاعة و ندموا على ما عزموا و زعموا إذا قعدوا و ألقوا السلام أو إذا قاتلوا و انهزموا لا الى فئة يلجأون إليها حرم قتالهم، و لا يتبع مدبرهم و لا يقتل أسيرهم‌

____________

(1) راجع ابن ابي الحديد 1/ 9.

150

و لا يجهز على جريحهم بلا خلاف بين علماء الإسلام (1).

إلّا ما في الدروس و نقل الحسن: أنهم يعرضون على السيف فمن تاب منهم ترك و إلّا قتل. و قال في الجواهر: لم نعرف القائل به (2).

لقوله تعالى وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِي‌ءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (3).

فأوجب القتال إلى غاية قد وجدت فوجب أن يحرم قتالهم، و ستأتي الأحاديث في هذا المعنى فانتظر.

هذا و أمّا إذا انهزموا الى فئة لهم يلجأون إليها فيتبع مدبرهم و يقتل أسيرهم و يجهز على جريحهم و به قال ابن عباس و أبو حنيفة و أبو إسحاق من الشافعية و ظاهر بعض العبائر الوجوب يعنى ان يتبع مدبرهم و يقتل‌

____________

(1) راجع المبسوط: ج 7/ 267 و الكافي: 34 و النهاية: 54 و الدروس: 164 و المنتهى:

ج 2/ 987 و التحرير: ج 1/ 156 و اللمعة: 275 و القواعد: 267 و المختصر النافع:

226 و الشرائع: 216 و الوسيلة: 196 و اشارة السبق: 186 و السرائر: 174 و الغنية: 158 و المهذّب: 87/ 107 و الإصباح: 72 و الجمل للشيخ (ره): 63 و التذكرة: ج 1/ 456.

(2) الدروس 164 و الجواهر ج 21/ 329.

(3) الحجرات: 9.

راجع التفاسير في تفسير الآية كالبرهان ج 4 و روح البيان: ج 9 و الطبري:

ج 36/ 81 و الكشاف: ج 4 و القرطبي: ج 16/ 315 و ابن كثير: ج 4 و الرازي: ج 28 و روح المعاني: ج 26 و التبيان: ج 9/ 343 و المجمع: ج 9/ 131 ط الإسلامية:

151

أسيرهم و يجهز على جريحهم (1).

و في بعض عبائرهم جاز للإمام أن يجهز على جريحهم و ان يتبع مدبرهم و ان يقتل أسيرهم، كعبارة الشيخ في النهاية و الجمل و العقود و ابن البراج في المهذّب و السرائر و الوسيلة و الشرائع و الدروس (2).

و ظاهرها ان قتل هؤلاء ليس واجبا بتا بل للإمام فيه الخيار إن رأى صلاح الإسلام و المجتمع في قتلهم قتلهم و ان رأى الصلاح في استبقائهم و العفو عنهم أطلقهم و عفا عنهم.

و قال السرخسي في المبسوط بعد ذكر من انهزم و انهم لا يتبعون و لا يقتلون: هذا إذا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، فإن بقي لهم فئة، فإنهم يتبع مدبرهم لأنهم ما تركوا قصدهم لهذا حين ولّوا منهزمين بل تحيّزوا الى فئة ليعودوا فيتّبعون لذلك، و كذلك لا يقتلون الأسير إذا لم يبق لهم فئة. كان علي- رضي اللّه عنه- يحلف من اوسر منهم أن لا يخرج عليه قط ثم يخلّي سبيله، و إن كانت له فئة فلا بأس ان يقتل أسيرهم، لأنّه ما اندفع شرّه و لكنه مقهور، و لو تخلّص انحاز إلى فئته (3).

____________

(1) راجع المبسوط: ج 7/ 268 و الكافي: 5/ 34 و المنتهى: ج 2/ 957 و التحرير:

ج 1/ 156 و التذكرة ج 1/ 456 و اللمعة: 275 و القواعد: 267 و المختصر النافع:

226 و اشارة السبق: 186 و الغنية: 158 و الإصباح: 72 و المهذّب: 87.

(2) النهاية: 54 و الجمل: 63 و المهذب: 107 و السرائر: 174 و الوسيلة: 196 و الشرائع: 216 و الدروس: 164.

(3) المصدر: ج 10/ 126 و في أحكام القرآن للجصّاص بعد نقله حديث عبد خير الآتي (الحديث الواحد و الأربعين) قال أبو بكر: هذا حكم علي- رضي اللّه عنه- في البغاة و لا نعلم له مخالفا من السلف. و قال أصحابنا: إذا لم تبق لأهل البغي فئة فإنه لا يجهز على جريح و لا يقتل أسير و لا يتبع مدبر فاذا كانت لهم فئة فإنه يقتل الأسير ان رأى ذلك الإمام و يجهز على الجريح و يتبع مدبر. و قول علي- رضي اللّه عنه- محمول على أنه لم تبق لهم فئة لأنّ هذا القول كان منه في أهل الجمل و لم تبق لهم فئة بعد الهزيمة و الدليل عليه أنه أسر ابن يثرب و الحرب قائمة فقتله يوم الجمل فدلّ ذلك على أن مراده في الأخبار الأول إذا لم تبق لهم فئة.

152

و في المغني: «و إذا دفعوا لم يتبع لهم مدبر و لا يجاز على جريحهم و لم يقتل لهم أسير و لم يغنم لهم مال و لم تسب لهم ذرية، و جملته أن أهل البغي إذا تركوا القتال إما بالرجوع إلى الطاعة و إما بإلقاء السلاح و إما بالهزيمة الى فئة أو غير فئة و إما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر، فإنه يحرم قتلهم و اتباع مدبرهم، و بهذا قال الشافعي و قال أبو حنيفة، إذا هزموا و لا فئة لهم كقولنا، و إن كانت لهم فئة يلجأون إليها جاز قتل مدبرهم و أسيرهم و الإجهاز على جريحهم و ان لم يكن لهم فئة لم يقتلوا. و يروى عن ابن عباس نحو هذا و اختاره بعض أصحاب الشافعي» (1).

و على كل حال استدل الحنابلة و الشافعية بالإطلاقات الناهية عن قتل الأسير من البغاة المنقولة عن النبي الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و لا بأس بسرد الأحاديث أوّلا ثم بيان ما يستفاد منها:

روى ابن مسعود عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال لابن‌

____________

(1) المصدر: ج 10/ 60.