الأسير في الإسلام

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
257 /
203

(صلى اللّه عليه و آله) كان من سنته انه إذا جي‌ء بالأسارى صفّهم و كان ينظر إليهم فإذا رأى أحدا يبكي يسأل عن حاله و عن علّة بكائه.

و على كل حال الحبس و الاعتقال لأجل العمل بوظيفة عقلية و شرعية لا للغرائز الحيوانية من الغضب و الانتقام و إظهار التفوّق و الاعتلاء. نعم إلا إذا كان إظهار التفوّق أو تحقير الأسير نكاية للعدو و بملاحظة مقاصد إلهيّة، و قد أمر سبحانه و تعالى نبيه الكريم بالغلظة مع الكفّار و المنافقين في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ جٰاهِدِ الْكُفّٰارَ وَ الْمُنٰافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ (1).

و أمر المسلمين أيضا بذلك في قوله قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (2).

و قد مدح المسلمين أيضا بقوله أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ (3) قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً و عنفا في القتل و الأسر كما قال يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ جٰاهِدِ الْكُفّٰارَ وَ الْمُنٰافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ و الغلظة في زمن الحرب مما تقتضيه الطبيعة و المصلحة لما فيه من شدّة الضجر و المنع عن القبيح (4).

و الغلظة على المقاتلين في زمن الحرب من مقتضيات الطبيعة‌

____________

(1) التوبة: 73 و التحريم: 9.

(2) التوبة: 123.

(3) الفتح: 29.

(4) راجع في تفسير الآيات للميزان: ج 9/ 355 و 428 و المراغي: ج 10/ 50 و محاسن التأويل:

ج 8/ 261 و روح البيان: ج 3/ 538 و البرهان: ج 2/ 173 و المنار: ج 11/ 81 و مجمع البيان:

ج 5/ 50 و 84 و الرازي: ج 16/ 230 و التبيان: ج 5/ 373.

204

و المصلحة، و تنكيرها في الآية يدل على أن لأولي الأمر ان يحدّوها في كل زمن و على كل حال بما يتفق مع المصلحة، و انّما أمروا بها على كونها طبيعية لتقييد ما أمروا به في الأحوال العامّة من الرفق و العدل و البرّ في معاملة الكفّار حتى صار ذلك من أخلاق الإسلام، و أمر القتال مبنيّ على الشدّة و الغلظة في كل الأمم، و قد حرم فظائعها الإسلام في كل الأمم و قد بلغت فظائعها عند الإفرنج في هذا العصر ما يخشى ان يفضي الى تدمير العمران (1).

فهل هذه الغلظة المطلوبة هي الشدة قبل الحرب أو حينها أو بعدها أو في جميع الأحوال على حسب ما يراه عقل كل مقاتل أو على وفق ما يراه أولو الأمر صلاحا للمسلمين؟

فان كان قبل الحرب فباعداد ما استطاعوا من قوّة و من رباط الخيل و من عدم اللين في الكلام، بحيث يحسّ منه الضعف و الهوان بل بنحو قاطع جازم حاسم و تهديد قارع.

و ان كان حينها فبالشجاعة و الإقدام و تضحية النفوس و إلقاء النفس في المعركة و التعرّض للشهادة و إيثار النفس و المال، كلّها في قتل الأعداء و حسمهم و الإثخان فيهم، كما قال تعالى «مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (2)، و قال فَإِمّٰا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ (3) و قال:

____________

(1) تفسير المنار: ج 11/ 81 و الرازي: ج 16/ 230.

(2) الأنفال: 67.

(3) الأنفال: 57.

205

وَ لٰا تَهِنُوا فِي ابْتِغٰاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمٰا تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللّٰهِ مٰا لٰا يَرْجُونَ (1) و قال فَلٰا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ (2).

الى غير ذلك من الآيات الناصة الحاثّة على القتال و المانعة عن الفرار و عدّه معصية كبيرة من الكبائر.

و ان كان بعدها فبشدّ الوثاق، و عدم الإهمال في تعقيبهم و أخذهم، و القبض عليهم و اعتقالهم و الاهتمام الشديد في حفظهم، نعم مع مراعاة حقوق الأسارى على ما يأتي تفصيلها.

و ان كان في سائر أحوالهم فبعدم الموالاة و الموادّة معهم و محاكاتهم في الملابس و المساكن و الركون إليهم و حبّهم و. ممّا هو مذكور في كتب الفقه و الحديث.

و في هذا المجال كلام للأستاذ العلامة الطباطبائي (ره) لا بد نقله:

قال «قدّس سرّه» في تفسير قوله تعالى وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (3) بعد بيانه كيفية نزول آيات القتال، و بيان لزوم حكم الدفاع في الإسلام لتطهير الأرض من لوث مطلق الشرك، و ان اللّه وعد المؤمنين النصرة و غلبتهم على أعدائهم قال: ثم ختم سبحانه الكلام بالإحسان فقال وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الآية.

و ليس المراد بالإحسان الكفّ عن القتال أو الرأفة في قتل أعداء‌

____________

(1) النساء: 104.

(2) محمّد: 35.

(3) البقرة: 195.

206

الدين و ما يشبهها، بل الإحسان هو الإتيان بالفعل على وجه حسن بالقتال في مورد القتال و الكفّ في مورد الكفّ و الشدّة في مورد الشدّة و العفو في مورد العفو.

فدفع الظالم بما يستحقّه إحسان على الإنسانية باستيفاء حقّها المشروع لها و دفاع عن الدين المصلح لشأنها كما انّ الكفّ عن التجاوز في استيفاء الحقّ المشروع بما لا ينبغي إحسان آخر، و محبّة اللّه سبحانه هو الفرض الأقصى من الدين، و هو الواجب على كل متدين بالدين ان يجلبها من ربه بالاتباع (1).

و قال (رحمه اللّه) في ذيل قوله تعالى وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ:

و المراد بقوله وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي الشدة في ذات اللّه، و ليس يعني بها الخشونة و الغظاظة و سوء الخلق و القساوة و الجفاء فجميع الأصول الدينية تذم ذلك و تستقبحه، و لحن آيات الجهاد ينهى عن كل تعدّ و اعتداء و جفاء (2) و بالجملة: الغرض من الأمر بالغلظة هو إجراء أحكام اللّه تعالى و قوانينه في الحرب قتلا و اسرا من دون إهمال، فلا تكون الرأفة الإسلامية المأمور بها و المحثوث إليها سببا في ترك القتل في مورده أو سببا لعدم القبض و الأسر في مورده أو علة لترك التحفّظ و الاحتياط في حفظ الأسارى، كما مرّ أن عائشة ألهتها النسوة فهرب الأسير، و لذلك يأمر سبحانه بشدّ الوثاق.

فالأسير يؤخذ و يشدّ وثاقه و يحبس و يمنع من الفرار لغاية‌

____________

(1) تفسير الميزان: ج 2/ 65.

(2) تفسير الميزان: ج 9/ 428- 429.

207

التحفّظ عليه حفظا لغاية الحرب و القتال لا للغرائز الحيوانية من الغضب و تشفّي الناس.

و للرازي كلام نذكره تتميما للفائدة قال: ثم ان الأمر في هذا الباب (يعني و ليجدوا فيكم غلظة) لا يكون مطردا بل قد يحتاج تارة إلى الرفق و اللطف، و اخرى إلى العنف، و لهذا السبب قال:

وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً تنبيها على انه لا يجوز الاقتصار على الغلظة البتة، فإنه ينفر و يوجب تفرق القوم، فقوله: و ليجدوا فيكم غلظة يدلّ على تقليل الغلظة كأنّه قيل لا بدّ و أن يكونوا بحيث لو فتشوا عن أخلاقكم و طبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، و هذا الكلام انما يحسن فيمن أحسن أحواله الرأفة و الرحمة، و مع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة (1).

هذا كله في القبض على الأسير و شدّ وثاقه و ربطه و سوقه في السلاسل و حبسه و اعتقاله حتى يوصل الى الامام فيرى فيهم رأيه.

و أما حقوقه و كيفية المعاملة فسنوافيك ان شاء اللّه تعالى.

و قد روي في قصّة بدر انه «لما أمسى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يوم بدر و الأسارى محبوسون بالوثاق بات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ساهرا أوّل الليل، فقال له أصحابه: يا رسول اللّه مالك لا تنام؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): سمعت أنين عمّي العباس في وثاقه فأطلقوه، فسكت فنام رسول اللّه صلّى اللّه‌

____________

(1) تفسير الرازي: ج 16/ 230.

208

عليه و آله (1).

و في نصّ: فقال له بعض أصحابه ما أسهرك يا نبي اللّه؟ قال:

أنين العبّاس، فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما بالي لا أسمع أنين العباس؟ فقال رجل من القوم: اني أرخيت من وثاقه شيئا فقال: فافعل ذلك بالأسارى كلهم (2).

و هذه هي الرواية القريبة و المعقولة التي تمثل عدل النبي (صلى اللّه عليه و آله) و دقته في مراعاة الأحكام الإلهية و صلابته في الدين. و هي المناسبة لمقامه الاسمي و ما عرف عنه من كونه لا تأخذه في اللّه لومة لائم، لا تلك الروايات التي تمثل النبي (صلى اللّه عليه و آله) متحيزا إلى أقاربه، و انه هو الذي طلب منهم أن يرخوا من وثاق العبّاس فقط. فإن النبي (صلى اللّه عليه و آله) لم يكن يرفق بأقاربه و يعنّف بغيرهم. و الرواية التي تقول هذا لم ترو على الوجه الصحيح و الكامل. الا أن يقال: ان علم النبي (صلى اللّه عليه و آله) بأنه قد خرج مكرها، فكان ذنبه أخفّ من ذنب غيره يبرر ان يتصرف تجاهه بهذا النحو، و لكن الأمر و ان كان كذلك الّا ان حكمة النبي (صلى اللّه عليه و آله) وعد له إنما‌

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9/ 89 و آثار الحرب: ص 410 و البداية و النهاية: ج 3/ 298- 299 و المعرفة و التأريخ: ج 1/ 506 و دلائل النبوّة: ج 2/ 410 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 128 و الصحيح من السيرة عن تاريخ الخميس: ج 1/ 390 و صفة الصفوة: ج 1/ 510 و ابن أبي الحديد: ج 14/ 182.

(2) راجع الصحيح من السيرة: ج 3/ 251.

209

يقتضي أن يعامل العباس كغيره من الأسرى و لا يفسح أي مجال للإيراد و الاشكال. و لذلك نرى انّه لما قال له العبّاس انه خرج مستكرها، قال النبي (صلى اللّه عليه و آله): «اما ظاهر أمرك فقد كنت علينا» كما سيأتي. و الظاهر انّ مكان العبّاس كان قريبا من النبي (صلى اللّه عليه و آله) فمنعه أنينه من الراحة لا أنه كان يعطف عليه خاصّة دون غيره من الأسرى (1).

أقول: و يحتمل ان يكون اهتمامه بالعبّاس دونهم ان العباس كان أسلم باطنا و كان لا يظهره كما نقل ان إسلامه قبل بدر، كان يكتب أخبار المشركين إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فكتب النبي (صلى اللّه عليه و آله) ان مقامك بمكة خير فلذلك قال النبي (صلى اللّه عليه و آله) يوم بدر من لقي منكم العبّاس فلا يقتله فإنّما اخرج كارها (2).

____________

(1) الصحيح من السيرة: ج 3/ 251.

(2) قاموس الرجال: ج 5/ 237 و راجع الطبقات الكبرى: ج 4/ 31 و رسالات نبوية لعبد المنعم خان: 195 و ينابيع المودة: ص 226 ط اسلامبول و السيرة الحلبية:

ج 2/ 211 و تهذيب تاريخ ابن عساكر: ج 7/ 235 و كنز العمال: ج 7/ 69 عن الطبراني و أبي نعيم و الاستيعاب هامش الإصابة: ج 3/ 96 و ابن ابي الحديد:

ج 14/ 217 و أنساب الاشراف تحقيق محمد حميد اللّه: ص 313.

210

حقوق الأسير

نظر الإسلام إلى الأسير الكافر نظر رحمة و حنان، بالإحسان إليهم في المأكل و المشرب و المسكن و اللباس و رفع الضغوطات و المشاق عنهم، و راعى لهم من حقّ الحياة و حقّ الإنسانية حينما كان الأسير لا يرى له أي حرمة و كرامة، كما تقدم فشرع لهم ما يلي:

1- أمر بالإحسان إلي الأسرى في بدر، و هم الذين لم يراعوا له أيّ حرمة، بل أخرجوه عن بلده و حاربوه و نابذوه.

«قال أبو عزيز بن عمير: مرّ بي أخي مصعب بن عمير و رجل من الأنصار يأسرني فقال له: شدّ يديك به فإن أمّة ذات متاع قال:

و كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدّموا غذاءهم و عشاءهم خصّوني بالخبز و أكلوا التمر، لوصية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إيّاهم بنا ما يقع في يد رجل كسرة من الخبز الّا نفحني بها، قال: فاستحيي فأردّها على أحدهم فيردّها عليّ ما يمسها» (1).

____________

(1) آثار الحرب: ص 405 و الطبري: ج 2/ 460 و البداية و النهاية: ج 3/ 306 و حياة الصحابة: ج 2/ 293- 294.

211

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «استوصوا بهم خيرا» (1) يأمر (صلى اللّه عليه و آله) و أصحابه بأن يعاملوا مع هؤلاء الأسرى خير معاملة. و لا أرى لفظا أجمع لكلّ شئون حياتهم و كرامتهم من هذه الجملة «استوصوا بهم خيرا» أي عاملوهم أحسن معاملة.

و في نصّ: «و أوصى أصحابه يوم بدر: أن يكرموا الأسارى فكانوا يقدّمونهم على أنفسهم عند الغذاء» (2).

قال أبو العاص بن الربيع. كنت مستأسرا مع رهط من الأنصار- جزاهم اللّه خيرا- كنّا إذا تعشّينا أو تغدّينا آثروني بالخبز و أكلوا التمر، و الخبز عندهم قليل و التمر زادهم، حتّى انّ الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إليّ (3) و كان الوليد بن الوليد يقول مثل ذلك و يزيد قال: و كانوا يحملوننا و يمشون (4).

و في حديث: و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يؤتى بالأسير فيدفعه الى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين و الثلاثة فيؤثره على نفسه (5).

____________

(1) تفسير السراج المنير: ج 4/ 353 و آثار الحرب: ص 405 عن منتخب كنز العمال في هامش مسند أحمد: ج 2/ 313 و البداية و النهاية: 3/ 306 و الطبري: ج 2/ 306 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 231 و الصحيح من السيرة: ج 3/ 258- 259 و ابن أبي الحديد: ج 14/ 202 و حياة الصحابة: ج 2/ 293.

(2) تفسير ابن كثير: ج 4/ 455.

(3) ابن أبي الحديد: ج 14/ 189.

(4) ابن أبي الحديد: ج 14/ 189.

(5) تفسير النيسابوري هامش الطبري: ج 29/ 114 و روح المعاني: ج 29/ 155.

212

و قد عدّ الإمام الرازي في تفسيره ذلك أداء لحقّهم قال:

و روي انه عليه الصلاة و السلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا و ليقام بحقّهم و ذلك انه يجب إطعامهم الى أن يرى رأيه فيهم من قتل أو فداء أو استرقاق (1).

يستفاد من هذه النصوص أنه:

ألف: لم يكن المسلمون في صدر الإسلام ينظمون أماكن مخصوصة للاعتقال أو الحبس، و ذلك بسبب بساطة الأوضاع حينئذ، فكان يوضع الأسير اما في المسجد (2) مؤقتا حتى يثبت شأنه، و امّا أن يوزّع الأسرى على أفراد المسلمين باعتبار انهم متضامنون مع حكومتهم، و هذا هو الغالب مع عموم الأمر بالوصية بهم (3).

ب: ان وصايا النبي (صلى اللّه عليه و آله) يعمل بها على أكمل الوجوه و أحسنه، فيطعمون الأسير الخبز و يأكلون التمر، و يعيش هو عندهم أروح و أحسن من المسلم نفسه، من دون أيّ إزعاج و إرهاب و إهانة و تحقير، و المسلم ينفذ التعاليم الملقاة إليه بكلّ الأحوال من دون شطط و لا إهمال.

ج: تشتمل هذه الوصيّة المطعم و المشرب و المسكن و سائر‌

____________

(1) المصدر: ج 30/ 45.

(2) كما مرّ و يأتي في قصة ثمامة.

(3) آثار الحرب: ص 409 و كما مرّ ان سهيل حبس في بيت سودة بنت زمعة و حبس خالد بن هشام و أميّة بن أبي حذيفة في بيت أم سلمة راجع ابن أبي الحديد:

ج 14/ 188 و 189.

213

شرائط الراحة، و لكنّا سوف نبحث حول قسم من هذه الأمور.

2- إطعام الأسير واجب على من أسره حتى يوصله إلى رئيس الجيش أو من نصبه وليّ الأمر لذلك (1).

قال النيسابوري: و عند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفّار في دار الإسلام، و لا تصرف إليهم الواجبات و الإحسان إليهم في الحال الى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو منّ أو فداء أو استرقاق و لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل، لأنّ سدّ خلّتهم بالإطعام واجب على الفور، ثمّ إنّ هذا الإطعام يجب أولا على الإمام فان لم يفعله وجب على المسلمين، ثمّ الإطعام ليس بواجب على التعيين و لكن الواجب مواساتهم بأيّ وجه (2). و قد تقدم كلام الإمام الرازي في وجوب الإطعام.

و قد قلنا ان الإطعام واجب على من أسره الى ان يوصله الى المسؤول، ثم على الإمام إطعامه من بيت المال.

روى أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه عز و جل وَ يُطْعِمُونَ الطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً قال: هو الأسير و قال: الأسير يطعم و ان كان يقدّم للقتل و قال:

إنّ عليا (عليه السلام) كان يطعم من يخلّد في السجن من بيت مال‌

____________

(1) راجع المنتهى: ج 2/ 932 و الشرائع: ج 1/ 68 و التحرير: ج 1/ 141 و النهاية: 53 و التذكرة: ج 1/ 425 و المبسوط: ج 2/ 13 و السرائر: 172 و الإيضاح: ج 1/ 362 و الجواهر: ج 21/ 130 و القواعد: 249 و الكافي لأبي الصلاح: 37.

(2) تفسير النيسابوري: ج 29 هامش الطبري ص 114.

214

المسلمين» (1).

و روي عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إطعام الأسير حقّ على من أسره و ان كان يراد من الغد قتله فإنه ينبغي ان يطعم و يسقى [و يظلّ] و يرفق به كافرا كان أو غيره» (2).

و روي عن الحسن بن علوان عن جعفر عن أبيه قال: «قال علي (عليه السلام): إطعام الأسير و الإحسان إليه حقّ واجب و ان قتلته من الغد» (3).

و روي عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) انه قال:

«يجب أن يطعم الأسير و يسقى و يرفق به و ان أريد به القتل» (4).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ابن ملجم لعنه اللّه تعالى:

«احبسوا هذا الأسير و أطعموه و اسقوه و أحسنوا إساره» (5).

و في نصّ: «ارفق يا ولدي بأسيرك و ارحمه و أحسن اليه».

و في آخر: «بحقّي عليك يا بني الا ما طيبتم مطعمه و مشربه و ارفقوا به الى حين موتي و تطعمه مما تأكل و تسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم منه».

____________

(1) الوسائل: ج 11/ 69 و ج 6/ 28 و جامع الأحاديث: ج 13/ 178.

(2) جامع الأحاديث: ج 13/ 179 عن الكافي و التهذيب و الوسائل: ج 11/ 68.

(3) جامع الأحاديث: ج 13/ 179 عن قرب الاسناد و الوسائل: ج 11/ 69.

(4) جامع الأحاديث: ج 13/ 179 عن الدعائم.

(5) جامع الأحاديث: ج 13/ 179 عن قرب الاسناد و المستدرك و البحار و مسند الامام الشافعي: ص 101 و الامّ للشافعي: ج 4/ 217 و السنن الكبرى للبيهقي: ج 8/ 183 و المبسوط: ج 7/ 268 و ثقات ابن حبّان: ج 2/ 302.

215

هذا و من العجب بعد ما سمعت من النصوص و الفتاوى ما في الجواهر حيث قال بعد نقل الأخبار: و لكن الإنصاف انسباق الندب من النصوص المزبورة بملاحظة بعض القرائن فيها سيّما خبر أبي بصير المشتمل على تفسير الآية المساقة للمدح مضافا الى عدم احتراق نفس المشرك الذي هو شرّ الدواب المؤذية بل طلب إتلافها نعم قد يقال: بإطعامه لبقاء حياته الى أن يصل الى الإمام (عليه السلام) (1).

و ذلك لوضوح الأخبار في الوجوب بل صراحتها فيه، و فتوى الفقهاء به الدال على أنهم أيضا فهموا من الأدلة الوجوب و عدم احترام الكافر بل وجوب قتله لا ينافي عدم جواز إيذائه بالجوع و العطش و. كما لا يجوز المثلة و الإحراق و القتل صبرا، و اشتمال رواية أبي بصير لا يصير دليلا لترك الأخبار الأخر. مع انّ الورود في تفسير الآية لا يكون قرينة على الاستحباب، إذ لا منافاة بين أن يكون الإطعام على وجه الإيثار مستحبا عليهم و واجبا على وليّ المسلمين أو يمدح اللّه سبحانه إنسانا بالعمل على واجبه مع شدّة احتياجه في نفسه كمدحه الشهداء مع أنهم لم يأتوا الّا بواجبهم أو انه مدحهم لشدة إخلاصهم و قد مدح اللّه سبحانه أهل بيت نبيه صلّى اللّه عليه و عليهم (2) بأنهم يطعمون الطعام المسكين و اليتيم‌

____________

(1) الجواهر: ج 21/ 130.

(2) نزول هذه السور المباركة في أهل البيت (عليهم السلام) مما أطبق عليه الفريقين راجع دائرة المعارف لوجدي: ج 6/ 279 و تفسير القرطبي: ج 19/ 131 و البيضاوي و الكشاف: ج 4/ 676 و تفسير الرازي: ج 30/ 244 و مجمع البيان: ج 10/ 404 و التبيان: ج 10/ 211 و نور الثقلين: ج 5/ 469- 476 و البرهان: ج 4/ 411 و الدرّ المنثور: ج 6/ 299 و غاية المرام عن الخوارزمي في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) و الثعلبي و ابن أبي الحديد و تفسير القمّي و الاختصاص للمفيد (رحمه اللّه) و ابن بابويه و ابن ماهيار و شواهد التنزيل: ج 2/ 199 و 310 و الميزان: ج 20/ 222 و البحار: ج 35/ 237 و 257.

216

و الأسير على حبه و يقولون «إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّٰهِ لٰا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لٰا شُكُوراً» (1). لم يكن وقتئذ في المدينة أسير مسلم الّا ما قيل من ان المراد منه المحبوس، و قد صرّح كثير من المفسرين بأن المراد أسارى المشركين و ان كان لفظ الأسير يشمل المحبوس أيضا.

و على كل حال هذه الآية مدحتهم لإطعامهم و إيثارهم و إخلاصهم مع عدم وجوبه عليهم لما تقدم من ان الواجب من بيت المال كما صرّح به في رواية في المحبوسين.

و من الواضح اشتمال الروايات على المراتب الندبية كقوله (عليه السلام): «أحسن إليه و ارحمه» و «أحسنوا إساره» و كقوله (عليه السلام): «طيبتم مطعمه» في الحديث و لكن في رواية ابن علوان: الإحسان إليه حقّ واجب و في أخرى: يجب. الإرفاق به و يحتمل ان يكون ذلك لبيان شدّة المطلوبية.

____________

(1) من لطائف البحث أنه مدحهم بأنهم يطعمون الأسير لوجه اللّه و ان العمل محبوب عند اللّه و مقرّب له و موجب لوقايتهم من شرّ ذلك اليوم مع انّ الأسير كان كافرا و مشركا عدوّا للّه تعالى

217

3- السقي أيضا واجب كالإطعام بالأدلة المتقدمة (1).

4- مرّ في بعض نسخ رواية زرارة: «الظل»، و في الوافي بعد نقله رواية زرارة عن الكافي نقل رواية جراح المدائني مثل رواية زرارة و قال: و زاد «و يظل» و نقل خبر سليمان بن خالد و فيه «يطعم و يسقى و يظل» و هو عبارة أخرى عن المسكن و هو أيضا من ضروريات الحياة. و قد روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في بني قريظة انه قال بعد ما احترق النهار في يوم صائف: «لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم و حرّ السلاح قيلوهم حتى يبردوا» (2).

لم يرض (صلى اللّه عليه و آله) بالنسبة إلى اليهود المحكوم عليهم بالقتل بقضاء من رجل رضوا به ان يقتلوا في حرّ الشمس و أمر أن يقيلوا حتى يبردوا فكيف يرضى للأسير ان لا يكون له ظلّ يسكنه.

مع أن في رواية حسين بن علوان: «الإحسان إليه حقّ واجب».

____________

(1) راجع البحار: ج 65/ 64- 65 و: ج 76/ 351 و الوسائل: ج 16/ 4 و جامع الأحاديث: ج 8/ 511 و 515 و 516 و أبي داود: ج 3/ 24 و السنن الكبرى: ج 8/ 12 و 14 في ثواب من سقى حيوانا و راجع البحار: ج 64/ 267 و الوسائل: ج 8/ 397.

(2) راجع البحار: ج 65/ 65 و: 76/ 351 و الوسائل: ج 16/ 4 و جامع الأحاديث:

ج 8/ 511 و 515 و 516 و أبي داود: ج 3/ 24 و السنن الكبرى: ج 8/ 14 في ثواب من سقى حيوانا و راجع البحار: ج 64/ 267 و: ج 65/ 64 و 65 و الوسائل: ج 8/ 397 و السنن الكبرى: ج 8/ 13.

218

5- إذا لم يكن للأسير ثوب يجب إعطاء الثوب له كما ورد أنه لما كان يوم بدر أتي بالأسارى و أتي بالعباس و لم يكن عليه ثوب فنظر النبي (صلى اللّه عليه و آله) له قميصا فوجدوا قميص عبد اللّه بن أبي (1)، هذا مضافا الى شمول الرفق و الإحسان الوارد في الحديث لذلك، و كذا قوله (عليه السلام): «استوصوا بهم خيرا».

6- أمر النبي (صلى اللّه عليه و آله) بإكرام كريم كل قوم كما في النصوص «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه و ان خالفكم»، «أكرموا كريم كل قوم» (2).

و بذلك استدل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في المنّ على الإيرانيين حين جاءوا بهم أسارى إلى عمر بن الخطّاب فعزم على استخدام الأسارى في حمل عجزة الحجّاج و إطافتهم حول البيت فمنعه أمير المؤمنين (عليه السلام) و هاك لفظ النص:

«لما ورد بسبي الفرس إلى المدينة أراد عمر أن يبيع النساء، و أن يجعل الرجال عبيد العرب، و عزم على أن يحمل العليل و الضعيف و الشيخ الكبير في الطواف حول البيت على ظهورهم،

____________

(1) آثار الحرب: ص 405 عن شرح السيد الكبير: ج 2/ 264.

(2) جامع الأحاديث: ج 13/ 180 و البحار: ج 45/ 15 و أعيان الشيعة: ج 1/ 629 و مستدرك الوسائل: ج 3/ 43 و الفردوس ج 1/ 339 و مراسيل ابي داود ص 347 و في الهامش أخرجه الطبراني في الكبير 2266 و 2358 و أبو الشيخ في أخلاق النبي 142 و الخطيب ج 1/ 188 و ج 7/ 94 و أبو نعيم في الحلية ج/ 205 و 206 و البيهقي ج 8/ 168 و ابن ماجة 3712 و القضاعي في الشهاب 761 و الحاكم ج 4/ 291 و مسند الشهاب ج 1/ 444 و 445 و في هامشه عن مصادر جمّة و ج 2/ 366.

219

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال:

أكرموا كريم قوم و ان خالفوكم و هؤلاء الفرس حكماء كرماء فقد ألقوا إلينا السلام و رغبوا في الإسلام فقد أعتقت منهم لوجه اللّه حقي و حقّ بني هاشم، فقالت المهاجرون و الأنصار: و قد وهبنا حقّنا لك يا أخا رسول اللّه، فقال: اللهم فاشهد انهم قد وهبوا و قبلت و أعتقت، فقال عمر: سبق إليها علي بن ابي طالب و نقض عزمتي في الأعاجم. الحديث» (1).

و في نصّ آخر: انه (عليه السلام) منع عمر بن الخطّاب عن بيع بنات يزدجرد معلّلا بأنّ بنات الملوك لا يبعن في الأسواق ثم خيّرهن في التزويج بمن شئن (2) و قال: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا أتته كريمة قوم لا وليّ لها و قد خطبت يأمر أن يقال لها: أنت راضية بالبعل فان استحيت و سكتت جعل اذنها صماتها و أمر بتزويجها و ان قالت: لا لم يكرهها على ما تختاره (3).

و في نصّ آخر:

ان بنات الملوك لا يعاملن معاملة بنات السوقة فقال عمر:

____________

(1) المناقب: ج 4/ 48 و البحار: ج 45/ 330 عنه و: ج 46/ 15 عن دلائل الإمامة للطبري: ص 86 و جامع الأحاديث: ج 13/ 180.

(2) تاريخ الأئمة للمحقق الشيخ محمد تقي التستري: ص 47/ 48 و في الحلبية: ج 2/ 49 قال: «مهلا يا أمير المؤمنين فإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: ارحموا عزيز قوم ذل و غني قوم افتقر فسكن غضبه».

(3) البحار: ج 46/ 16 عن دلائل الإمامة: ص 81 و راجع أعيان الشيعة: ج 1/ 629 و مستدرك الوسائل: ج 3/ 43 و جامع الأحاديث: ج 13/ 179.

220

كيف الطريق الى العمل معهن؟ فقال: يقوّمن و مهما بلغ ثمنهن يقوّم به من يختارهن فقوّمن، و أخذهن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1).

و في نص آخر:

«لا يجوز بيع بنات الملوك و ان كنّ كافرات» (2).

و في نص آخر:

«ان خليد عامل علي (عليه السلام) على خراسان صمد لبنات كسرى فنزلن على أمان فبعث بهنّ الى علي (عليه السلام) فلما قدمن عليه قال: أزوجكن؟ قلن: لا الّا أن تزوّجنا ابنيك فانّا لا نرى لنا كفؤا غيرهما، فقال علي (عليه السلام): اذهبا حيث شئتما فقام نرسا فقال: مر لي بهنّ فإنّها منك كرامة و بيني و بينهن قرابة» (3).

و المراد من الإكرام هنا على ما استشهد به أمير المؤمنين (عليه السلام) هو رعاية حرمة الأسير حسب ما كان له من الشخصية الاجتماعية في قومه و وطنه بحيث لو لم يراع لكان سلبا لحقّه و حطّا عن كرامته و إزعاجا له. فهذا أيضا من مصاديق الإحسان و الإرفاق و الخير المأمور بها في الأحاديث المتقدّمة، فهو (عليه السلام)

____________

(1) راجع علي و الخلفاء: ص 233 عن مرآة الجنان لليافعي و نور الأبصار للشيلنجي:

ص 126 و اسعاف الراغبين و ابن خلكان سيرة الأئمة الاثني عشر: ج 2/ 118 و السيرة الحلبية: ج 2/ 49.

(2) المستدرك: ج 2/ 487 و البحار: ج 46/ 10 عن الخرائج و سيرة الأئمة الاثني عشر:

ج 2/ 118 و الكامل: ج 2/ 285.

(3) البحار: ج 32/ 357 عن صفين نصر.

221

جعل من إكرامهم و إكرامهنّ أمورا:

الف: عدم بيعهن (1).

ب: عتقهن و تحريرهنّ.

ج: تزويجهن ممن يخترن بحرّية تامة من اكفائهنّ.

د: و على رواية: المنع من بيعهن في السوق بل تقويمهن فيمن يزيد ثم بيعهن ممن يختارهن على هذه القيمة.

ه‍. أعتق الرجال كلهم و خلّصهم من الذل الذي عرم عليه عمر بن الخطاب.

و نظير هذا ما نقل من عمل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في بنت حاتم الطائي حينما سبيت، و جي‌ء بها الى المدينة و حبست في حظيرة عند باب المسجد مع سائر الأسارى فلما عرف النبي (صلى اللّه عليه و آله) انها بنت حاتم الطائي الجواد المعروف عطف عليها برأفة و حنان و إليك النص:

«و جعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد و كانت امرأة جميلة جزلة فمرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقامت اليه فقالت:

هلك الوالد و غاب الوافد فامنن عليّ منّ اللّه عليك، قال: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم فقال: الفارّ من اللّه و رسوله و قدم‌

____________

(1) قال الحلبي: فقال له عمر: كيف الطريق الى العمل معهن فقال: يقوّمن و مهما بلغ ثمنهن يقوم به من يختارهن فقوّمن و أخذهن علي (رضي اللّه عنه) فدفع واحدة لعبد اللّه بن عمر فجاء منها بولده سالم و اخرى لمحمد بن أبي بكر فجاء منها بولده القاسم و الثالث لولده الحسين فجاء منها بولده علي الملقّب بزين العابدين.

222

وفد من قضاعة من الشام قالت: فكساني النبي و أعطاني نفقة و حملني فخرجت معهم» (1).

فالمستفاد من هذه النصوص ان الإسلام لا يرضى بحط كرامة أي إنسان و لا بانزعاجه و ان الأسر في الإسلام ليس الّا حد الحرب هدفا و غاية، و ان اللّه تعالى لا يريد ظلما للعباد و لا شقاءهم في الدارين، و ان الإنسان الجاهل هو الذي يظلم نفسه و يهدم كرامته و ان أردت صحة ما نقول فاستمع لما يأتي.

و: فرّ سهيل بن عمرو من الإسار في الطريق من بدر إلى المدينة بين السقيا و الملل فخرج رسول اللّه و المسلمون في طلبه و قال:

«من وجده فليقتله» فوجده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لم يقتله بل أمر به فربطت يداه الى عنقه إلى المدينة (2).

ز: دخل خالد بن هشام و أمية بن أبي حذيفة منزل أمّ سلمة. فقالت: يا رسول اللّه ان بني عمي طلبوا ان يدخل بهم عليّ فاضيفهم و ادهن رءوسهم و المّ شعثهم و لم أحب أن أفعل شيئا من ذلك حتى أستأمرك، فقال (صلى اللّه عليه و آله): «لست اكره شيئا من ذلك فافعلي من هذا ما بدا لك» (3).

____________

(1) أعيان الشيعة: ج 8/ 142- 143 و أسد الغابة: ج 5/ 475 و الإصابة: ج 4/ 429 و مجمع الزوائد: ج 5/ 334- 335 و الطبري: ج 3/ 112- 113 و البداية و النهاية:

ج 5/ 64 و الطبقات الكبرى: ج 1/ ق 2/ 60.

(2) ابن ابي الحديد: ج 14/ 186- 188.

(3) ابن ابي الحديد: ج 14/ 188- 189.

223

7- الرسول ينهى بلالا أن يسوق اسيرة من طريق ترى جثث اعزائها فتتأثر و تبكي و يؤنبه بقوله (صلى اللّه عليه و آله): انزعت منك الرحمة يا بلال. و هاك لفظ النص:

قال ابن إسحاق: و لما افتتح القموص حصن أبي الحقيق أتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بصفية بنت حتى بن أخطب و بأخرى معها فمرّ بها بلال- و هو الذي جاء بها- على قتلى من قتلى اليهود فلما رأتهم التي معها صفية صاحت و صكت وجهها و حثت التراب على رأسها فلما رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). قال (صلى اللّه عليه و آله): أنزعت منك الرحمة يا بلال جئت بامرأتين على قتلى رجالهما، (1) فقال بلال: يا رسول اللّه ما ظننت انك تكره ذلك و أحببت أن ترى مصارع قومها.

يعني يلزم ان يراعي في الأسير الرحمة فيعامل معه معاملة رأفة و إحسان بعيدا عن الخشونة و القسوة و الفظاظة.

8- إذا أخذ أسيرا و عجز الأسير عن المشي و لم يكن معه ما يحمله عليه الى الإمام أطلقه لأنه لا يدري ما حكم الامام فيه كما في المبسوط و النهاية للشيخ (ره) و السرائر للحلي و المختصر النافع للمحقق (رحمهم اللّه تعالى). و ذكر العلّامة (ره) في المنتهى: انه‌

____________

(1) البحار: ج 21/ 5 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 221 و الطبري: ج 3/ 14 و المغازي:

ج 2/ 673 و سيرة ابن هشام: ج 3/ 351 و الطبقات لابن سعد: ج 2/ 112 و شرح الزرقاني للمواهب اللدنية: ج 2/ 233 و الروض الأنف: ج 4/ 43 و السيرة الحلبية:

ج 3/ 43 و البداية و النهاية: ج 5/ 197.

224

لا يجب قتله، كما في الشرائع و التحرير و التذكرة (1).

و في الجواهر: لعلّ المراد (يعني مراد الشرائع من عدم وجوب القتل) عدم جواز القتل كما هو ظاهر النهاية و السرائر و النافع و اللمعة و الدروس و الروضة و المهذّب، و الأصل في ذلك قول علي بن الحسين (صلوات اللّه عليهما) في خبر الزهري:

«إذا أخذت أسيرا فعجز عن المشي و لم يكن معك محمل فأرسله و لا تقتله فإنك لا تدري ما حكم الإمام فيه» (2).

ظاهر الحديث عدم جواز القتل لا عدم وجوبه. و لعلّ الاعتبار أيضا يساعد ذلك لأنّ الواجب عليه إيصاله الى الإمام (عليه السلام) و هو ساقط لعدم تمكنه منه، و لا يجوز عليه القتل لعدم الدليل على الجواز إذ الأسير لا يقتله إلّا الإمام، كما صرّح به العلّامة (ره) في التذكرة، و ابن قدامة في المغني (3).

9- إذا أخذ أسيرا و عجز عن المشي و لم يكن معه محمل و خاف إذا أطلقه أن يلحق بالمشركين و يرجع إليهم و يحصل لهم قوة به جاز قتله أو وجب عليه قتله.

و ذلك: لأنّا روينا عن جعفر بن محمد انه قال في رجل من‌

____________

(1) راجع المبسوط: ج 2/ 13 و النهاية: ص 53 و السرائر: 171- 173 و المنتهى:

ج 2/ 932 و الإيضاح: ج 1/ 363 و التحرير: ج 1/ 141 و التذكرة: ج 1/ 425 و الجواهر: ج 21/ 128 و اللمعة: 274 و القواعد: 249 و المختصر النافع: 228 و المهذّب: 100.

(2) الكافي: ج: 5/ 35 و التهذيب: ج 6/ 153 و جامع الأحاديث: ج 13/ 175.

(3) التذكرة: ج 1/ 425 و المغني: ج 10/ 399.

225

المسلمين أسر مشركا في دار الحرب، فلم يطق المشي و لم يجد ما يحمله عليه، و خاف ان تركه ان يلحق بالمشركين قال (عليه السلام):

«يقتله و لا يدعه و كذلك ينبغي ان يفعل فيما لم يطق المسلمون حمله من الغنيمة قبل ان تقسّم أو قسمت» (1).

ظاهر الحديث بل صريحه وجوب القتل و لكن في حديث عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال:

سألته عن رجل اشترى عبدا مشركا و هو في أرض الشرك و قال:

العبد لا أستطيع المشي و خاف المسلمون أن يلحق العبد بالعدوّ أ يحلّ قتله؟ قال: إذا خاف حلّ قتله (2).

و في الوسائل عن كتاب قرب الاسناد «فاقتله». و ان كانت نسخة قرب الاسناد كما نقلناه موافقا لما نقل في الوسائل عن كتاب علي بن جعفر.

و لعل الحكم بحل القتل من أجل مراعاة حفظ النظام من الخطرات المخوفة الحاصلة من لحوقه بالعدو و تقويهم بلحوقه روحيّا و معنويا أو معونته لهم عملا بالشركة في حرب المسلمين، أو الدلالة على العورات و إفشاء الأسرار الحربية من موارد الضعف و القوّة فحينئذ إذا دار الأمر بين قتل أسير كافر أو عبد كافر في دار الحرب و بين الخطر المحتمل يحكم العقل من ملاحظة الأهم و المهم بلزوم‌

____________

(1) دعائم الإسلام: ج 1/ 383 و جامع الأحاديث: ج 13/ 177.

(2) قرب الاسناد: ص 113 و الوسائل: ج 11/ 54 و جامع الأحاديث: ج 14/ 177 و في الوسائل: ج 11/ 54 عن كتاب علي بن جعفر أيضا.

226

رعاية الاحتياط في الاحتفاظ على النظام، كما يأمر الشرع أيضا بقوله تعالى خُذُوا حِذْرَكُمْ (1).

و في الجواهر: ان كان أخذ الأسير قبل تقضّي الحرب فالواجب القتل و ان كان بعده فلا يجوز الا أن يخاف رجوعه الى الكفّار و تقوية الكفر (2).

10- إذا امتنع الأسير إن ينقاد للأخذ، أو تساهل في مشيه فخاف من لحوق العدو، أو هرب فله إكراهه و لو بالضرب و الجرح فإن أخذ قبل تقضّي الحرب فلا إشكال في القتل على ما مرّ من الأدلّة. و إن أخذ بعد تقضّي الحرب فليس له قتله الا أن يهرب أو يتساهل حتى يخاف لحوق العدو فعندئذ له قتله كما تقدم (3).

11- لا يجوز ان يفرّق بين المرأة و ولدها (4).

قال العلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة: «لو سبيت امرأة و ولدها لم يفرّق بينهما فان و في نصيب أحدهما دفعا إليه و الاشتراك مع الامام فيها أو باعهما و جعل ثمنهما في المغنم فان فرق بينهما في المغنم لم يصحّ».

قال الشيخ في المبسوط: «و في أصحابنا من قال: ان ذلك مكروه و لا يفسد البيع».

____________

(1) النساء: 71/ 102.

(2) راجع الجواهر: ج 21/ 128- 129.

(3) راجع المغني لابن قدامة: ج 10/ 399 و قد تقدم ان سهيلا هرب فلما أخذه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يقتله بل عفا عنه.

(4) راجع التذكرة: ج 1/ 426 و المنتهى: ج 2/ 297 و المبسوط: ج 2/ 21 و التحرير: ج 1/ 140- 141 و القواعد: 249 و الجامع للشرائع: 236 و السرائر: ص 172 و المهذب: 101 و الجواهر: ج 24/ 220.

227

و قال العلّامة في التحرير: و حرّم بعض أصحابنا التفرقة.

و في المنتهى: كره التفرقة بينهما. و أطبق الجمهور على المنع من التفرقة و به قال مالك في أهل المدينة و الأوزاعي في أهل الشام و الليث في أهل مصر و الشافعي و أبو ثور و أصحاب الرأي لما رواه أبو أيوب قال: «سمعت رسول (صلى اللّه عليه و آله) يقول: من فرّق بين والدة و ولدها فرّق اللّه بينه و بين أحبّته يوم القيامة».

«في موضع من التذكرة وافق المنتهى في الحكم بالكراهة».

أقول: هذه هي الأقوال في المسألة، و أمّا النصوص:

1- ما رواه العلّامة في المنتهى و رواه كثير من الأعلام (1).

2- عن ميمون بن أبي شبيب عن علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه-: «انه باع جارية و ولدها ففرّق بينهما فنهاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك» (2).

هذه الرواية و ان كان موردها في غير الأسير و لكنها تدل على المطلوب إشعارا.

3- عن علي (عليه السلام) قال: «أصبت جارية من السبي معها ابن فأردت أن أبيعها و أمسك ابنها فقال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): بعهما جميعا أو أمسكهما جميعا» (3).

____________

(1) راجع السنن الكبرى: ج 9/ 126 و المبسوط: ج 2/ 21 و التذكرة: ج 1/ 426.

(2) السنن الكبرى: ج 9/ 126 و المبسوط: ج 2/ 21 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 247 و مسند أحمد: ج 1/ 102 و مسند أبي داود طيالسي ج 1/ 26 و الترمذي: ج 5/ 283 و سنن ابي داود: 2/ 58.

(3) السنن الكبرى: 9/ 126.

228

4- عن جعفر بن محمد عن أبيه: «انّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان إذا قدم عليه سبي صفّهم ثمّ قام ينظر إليهم فإن كانت امرأة تبكي قال لها: ما يبكيك؟ فتقول: بيع ابني بيعت ابنتي، فيردّ إليها. و قدم عليه أبو أسيد الساعدي بسبي فصفّوا له ثم قام ينظر إليهم فرأى امرأة تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: بيع ابني في بني عبس فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لتركبن فلتأتيني به كما بعته فركب أبو أسيد فجاءه» (1).

5- عن ضميرة: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرّ بأمّ ضميرة و هي تبكي فقال: ما يبكيك؟ أ جائعة أنت؟ عارية أنت؟

فقالت: يا رسول اللّه فرق بيني و بين ابني فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا يفرق بين والدة و ولدها ثم أرسل الى الذي عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكرة» (2).

6- صحيحة ابن سنان يعني عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: «يشترى الغلام أو الجارية و له أخ أو أخت أو أب بمصر من الأمصار؟ قال: لا يخرجه الى مصر آخر ان كان صغيرا و لا يشتريه و ان كان له أم فطابت نفسها و نفسه فاشتره ان‌

____________

(1) سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 246 و راجع السنن الكبرى: ج 9/ 126 و مستدرك الوسائل: ج 2/ 486 عن دعائم الإسلام و حياة الصحابة: ج 3/ 79 عن ابن أبي شيبة كما في الكنز: ج 2/ 229.

(2) السنن الكبرى: ج 9/ 26 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 248 و في الإصابة:

ج 2/ 214 في ترجمة ضميرة و في هامش سنن سعيد عن تاريخ البخاري و راجع أسد الغابة: ج 3/ 47.

229

شئت» (1).

هذه الصحيحة وردت في اشتراء العبد أو الأمة و لكنها تدلّ على المطلوب اشعارا و فيها عدم جواز التفريق حتى بين الأخوين أو بين الأختين أو بين الأخ و الأخت أو بين الأب و ولده أيضا و لا أقل من الدلالة على الكراهة. و بالجملة تدل على عدم رضا الشارع بانزعاجه بفراقه عن أرحامه أيّا كان. و نظيرها الروايات التاليات:

7- عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انه اشتريت له جارية من الكوفة قال: فذهبت لتقوم في بعض الحاجة فقالت: يا أمّاه، فقال لها أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ لك أمّ؟

قالت: نعم، فأمر بها فردت و قال: ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما اكره» (2).

8- عن سماعة قال: سألته عن أخوين مملوكين هل يفرّق بينهما و بين المرأة و ولدها؟ فقال: لا هو حرام إلّا أن يريدوا ذلك (3) 9- عن عمرو بن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الجارية الصغيرة يشتريها الرجل؟ فقال: ان كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس» (4).

____________

(1) الوسائل: ج 13/ 41 عن الكافي و الفقيه و التهذيب.

(2) الوسائل: ج 13/ 41- 42 عن الكافي و التهذيب.

(3) راجع الوسائل: ج 13/ 42 عن الكافي و الفقيه و التهذيب.

(4) الوسائل: ج 13/ 42 عن الكافي، لعل الغرض انها ان لم تستغن فلا يجوز التفريق و ان رضيا و رضيت و إذا استغنت فيجوز بالرضا منها و منهما.

230

10- عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بسبي من اليمن فلما بلغ الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمّها معها فلما قدموا على النبي (صلى اللّه عليه و آله) سمع بكاءها فقال: ما هذه؟ قالوا: يا رسول اللّه احتجنا إلى نفقة فبعنا ابنتها فبعث بثمنها فاتى بها، و قال: بيعوها جميعا، أو أمسكوها جميعا (1).

11- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّ عليا- رضي اللّه عنه- قال:

«أمرني رسول اللّه (ص) أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما، و فرّقت بينهما فذكرت ذلك للنبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال: أدركهما فارتجعهما و لا تبعهما الّا جميعا، و لا تفرّق بينهما» (2).

12- عن عمران بن حصين قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ملعون من فرّق» (3).

13- عن أبي موسى قال: «لعن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من فرّق بين الوالد و بين ولده و بين الأخ و أخيه» (4).

14- ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان إذا أتي بالسبي أعطى أهل البيت جميعا (5).

____________

(1) الوسائل: ج 13/ 41 عن الكافي و الفقيه و التهذيب.

(2) السنن الكبرى: ج 9/ 127.

(3) السنن الكبرى: ج 9/ 128 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 247.

(4) السنن الكبرى: ج 9/ 128

(5) السنن الكبرى: ج 9/ 128.

231

فقه الحديث:

نستفيد من النصوص المتقدمة الأمور التالية:

ألف:- ان التفريق بين الأم و ولدها يورث يوم القيامة لمن فعل ذلك الفراق عن أحبّته عقوبة لما ارتكب من التفريق الناشئ عن قلّة الرحمة و الفظاظة و الخشونة و من لا يرحم لا يرحم.

ب:- الابتلاء بهذه المصيبة في الدنيا قبل الآخرة لأنّ الأعمال الحسنة أو القبيحة لها آثار وضعية سواء صدرت عن علم، أو جهل و عن توجّه، أو نسيان و غفلة و قد أشير في الآيات الكريمة و الأخبار الكثيرة الى هذه الجهة و أشار الإمام (عليه السلام) بقوله:

«ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره» إلى الخوف عن الابتلاء في حبسها، و لو لم يكن التفريق من عمله.

ج:- ان على الإمام إذا جي‌ء بالأسير أن يسأل عن حاله و يعرف ما يزعجه و يتعبه كما في رواية عن الصادق (عليه السلام):

«ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان إذا قدم عليه سبي صفّهم ثم قام ينظر إليهم فإن كانت امرأة تبكي قال لها: ما يبكيك.».

ظاهر هذا الحديث حكاية عن عمل مستمرّ عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) طيلة حروبه الكاشف عن كونه عملا مندوبا مطلوبا، أو إلزاميّا واجبا.

د:- وردت عدّة روايات في عدم جواز التفريق بين المماليك أيضا بين الأم و ولدها و بين الأخوين و الأختين و بين الأخ‌

232

و الأخت و بين الأب و ولده، و لذلك الحق الشيخ المملوك بالأسير في المبسوط، و قد بحث حول الحكم في المماليك في الجواهر (1).

ه‍:- علّق في رواية عمرو بن أبي نصر حكم التفريق بالاستغناء بقوله: «ان كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس»، و لعلّه تعليق لإطلاق الحكم يعني أنّ التفريق حرام سواء رضيت الأم أو رضي الولد أم لا. و اما ان كانت استغنت عن أبويها فلا بأس بعد رضاهما كما قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): «فان بلغ الصبي سبعا، أو ثمان سنين فهو السنّ الذي يخيّر فيه الأبوان فيجوز أن يفرّق بينهما و في الناس من يقول: لا يجوز ما لم يبلغ» و كذا في خبر سماعة «الا ان يريدوا ذلك».

و:- اجرى الشيخ حكم التفرقة إلى أم الأمّ أيضا لأنّها بمنزلة الأمّ في الحضانة.

ز:- صريح موثقة سماعة تحريم التفرقة بين الأخوين أيضا، و ان كانت واردة في المملوك، كما ان ظاهر صحيحة ابن سنان عدم جواز التفرقة و ان الحكم لا يختصّ بين الأم و ولدها لأنّه (عليه السلام) قال: «إلا أن يريدوا» بصيغة الجمع، و لو كان المراد المرأة و ولدها لقال إلا ان يريدا.

و لكن الشيخ (رحمه اللّه تعالى) أفتى بالجواز فقال: و من خرج عن الوالدين من فوق و أسفل مثل الاخوة و أولادهم‌

____________

(1) الجواهر: ج 24/ 220.

233

و الأعمام و أولادهم لا يمنع من التفرقة (1).

و به قال مالك و الليث و الشافعي و ابن المنذر في الأخوين للأصل. و قال أحمد: لا يجوز و به قال أصحاب الرأي، و أما غير الأخوين فقد وافق فيه أكثر العلماء (2).

ح:- ظاهر رواية ابن سنان ان الأب أيضا كالأمّ في عدم جواز التفرقة، و لكن الشيخ (رحمه اللّه) قال: و اما التفرقة بينه و بين الوالد فإنه جائز لأنّ الأصل جوازه. و في التذكرة: لا يجوز التفرقة بين الولد و الولد. قاله الشيخ و به قال بعض الشافعيّة، لأنّه ليس من أهل الحضانة بنفسه. و لأصالة الجواز و لم يرد فيه نصّ بالمنع، و لا معنى للنص، لأن الأب أشفق من الام و أقل صبرا. و قال أكثر العامة: لا يفرق بين الوالد و الجد للأب أيضا و كذا الجدة له، أو الجدّة للأمّ لأنّهما بمنزلة الأبوين فإن الجدّ أب و الجدّة أم و لذا يقومان مقامهما في الحضانة.

و لا يخفى انا ذكرنا الأدلة الواردة في المماليك استئناسا للمطلب بل لأنّ فيها إشعارا بأن المناط في الأحكام المذكورة في المماليك هو مراعاة حقّ الإنسانية، و انها من مصاديق الإحسان و حينئذ لا فرق فيه بين الأسير الذي يدور أمره بين المنّ، أو الفداء، أو الاسترقاق، و بين من حكم عليه بالاسترقاق فيباع و يشترى بل‌

____________

(1) راجع المبسوط: ج 2/ 21 و التذكرة: ج 1/ 426 و التحرير: ج 1/ 141 و السرائر:

ص 172 و المهذب ص: 101 و المنتهى: ج 2/ 930- 931 في الفروع و الأقوال في المسألة و راجع الجواهر أيضا: ج 24/ 230.

(2) راجع التذكرة.

234

الذي حكم عليه بالاسترقاق و يحتمل فيه المنّ، أو الفداء أولى بهذه الأمور.

12- إذا كان الأسير مجروحا فمقتضى كون الإحسان حقّا واجبا له ان يداوي لا سيّما إذا كان مسلما من البغاة فإنه يداوي كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في الخوارج أربعون جريحا فأمر علي بإدخالهم الكوفة و مداواتهم ثمّ قال لهم: «ألحقوا بأيّ البلاد شئتم» (1) و يقول صلّى اللّه عليه في كتابه للأشتر: «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» (2) و أحسن كما تحب أن يحسن إليك. و عن ابن عمر: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أمر أن يمنّ على الكفّار فالأحرار (3) و في نص آخر: «وجد علي في النهروان ممن به رمق أربعمائة فدفعهم الى عشائرهم و لم يجهز عليهم» (4) يعني ردهم الى أهاليهم اما لعدم إمكان معالجتهم أو أن أهاليهم كانوا أرفق أو أنهم طلبوا منه ذلك.

13- لا يجوز لغير الإمام قتل الأسير بغير قول الإمام و لو قتله مسلم أو ذمّي فلا قصاص. و في الدية قولان عند العامة و يعزر القاتل كما في التذكرة، و المغني لابن قدامة (5) 14- الذي فهمنا من أهداف الحرب في الإسلام سابقا‌

____________

(1) البلاذري في أنساب الأشراف: ج 2/ 486.

(2) نهج البلاغة الكتاب المرقم: 53.

(3) كشف الإستار: ج 2/ 288.

(4) أنساب الاشراف: ج 2/ 375.

(5) راجع التذكرة: ج 1/ 425 و المغني: ج 10/ 399.

235

و تهدينا إليه الأدلة انّ من الواجب على المسلم الذي قبض الأسير، أو على المجتمع الإسلامي و الحكومة الإسلامية بل من أهمّ الواجبات هداية الأسير و إرشاده الى اللّه تعالى والى دينه و كتابه و حلاله و حرامه.

و بالجملة من الواجب هو العمل الثقافي الإسلامي فإن من الواضح ان الهدف من الحرب هو الهداية، و بثّ الدعوة و إخراج عباد اللّه من الظلمات الى النور، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تنوير أفكار البشر.

إذ لو علم الناس و اتضح لهم الحقّ و لاحت لهم الأنوار الإلهية لقبلوه و اتبعوا داعي الحقّ قال (عليه السلام): «لو علم الناس محاسن كلامنا لا تبعونا».

قال سبحانه و تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّٰا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيٰانَتَكَ فَقَدْ خٰانُوا اللّٰهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1).

أمر نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) بتنوير أفكارهم فقال «قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ» أي في ملككم و قبضتكم من الأسرى:

____________

(1) سورة الأنفال: 70- 71.

راجع الدرّ المنثور: ج 3/ 204 و تفسير القرطبي: ج 8/ 53 و ابن كثير: ج 2/ 326- 327 و الميزان: ج 9/ 140 و المنار: ج 10/ 101 و الكشاف: ج 2/ 238 و البداية و النهاية:

ج 3/ 299.

236

«إِنْ يَعْلَمِ اللّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً» يعني إيمانا و إخلاصا و حسن نية أي ان كنتم مؤمنين و كان ايمانكم حقيقيا واقعيا و كنتم مخلصين في إظهار الايمان لا إسلاما ظاهرا لسانا حقنا للدم «يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّٰا أُخِذَ مِنْكُمْ» من الفداء اما ان يخلفكم أضعافه أو يثيبكم في الآخرة.

«وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيٰانَتَكَ» بنكث ما بايعوك عليه من الإسلام و الردة ظاهرا أو استحباب دين آبائهم و إضمار النفاق و ان يخونوا اللّه و رسوله باطنا بإعانة أعدائه و المشاركة معهم في إفشاء الأسرار و إعطاء الأخبار و نحوها فلا ينتفعون بها إذ كانوا خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم و اللّه عليم يعلم أسرارهم و نواياهم و لا يمكن الإخفاء منه تعالى، حكيم يعمل و يحكم ما يراه صلاحا فيهم كما فعل و حكم ببدر.

و على كل حال إنّ اللازم هو الدعوة و الهداية إلى المعارف الإسلامية و تعليم الأحكام و بيان الخلال و الحرام. و إيضاح ان الايمان الواقعي و الخالص له أثره في الدنيا من المشاركة في الجهاد و الغنائم و العيش الهني‌ء، و أثره في الآخرة الجنّات الدائمة و النعم الخالدة. و ان عدم الإيمان القلبي و الخيانة للّه و لرسوله له أثره السيّى‌ء في الدنيا بالقتل و الأسر ثانيا و الذلّة، و أثره السيّى‌ء في الآخرة العذاب الأليم الدائم. و هذه الدعوة و التبليغ لهما أثرهما في كمال عقولهم، و تهذيب نفوسهم و تنوير أفكارهم.

و هنا أحاديث وردت في تفسير الآية و انّها نزلت في أسارى بدر فمن أراد فليراجع التفاسير.

237

و في ذيل الآية وعد المؤمنين بنصرهم على المشركين، ان أطاعوا اللّه و رسوله فيما يأمرهم كما تقدم في الآيات السابقة.

15- لا يجوز قتل الأسير إذا كان امرأة أو صبيا كما تقدم.

16- لا يجوز قتل الأسير إذا كان شيخا فانيا أو زمنا أو مقعدا أو معتوها و كذا أرباب الصوامع و الرهبان على تفصيل تقدم ذكره.

17- لا يجوز قتل الأسير إذا أخذ بعد انقضاء الحرب كما تقدم.

18- لا يجوز قتل الأسير إذا كان باغيا مسلما إذا انهزموا، و لم يكن له فئة يرجع إليها كما تقدم.

19- يجوز لإمام المسلمين قتل أسير البغاة إذا كان له فئة يرجع إليها، و يجوز أن يمنّ عليه و يطلقه و قد تقدم أيضا.

20- إذا وقع أسير من أهل البغي في أيدي أهل العدل قبل انقضاء الحرب فان كان من أهل القتال و هو الشاب الجلد كان له حبسه و لم يكن له قتله، و تعرض عليه المبايعة فان بايع قبل ذلك منه و أطلق.

21- في الفرض المتقدم ان لم يبايع ترك في الحبس فاذا انقضت الحرب ان أتوا تائبين، أو طرحوا السلاح، أو انهزموا لا الى فئة أطلق.

22- في الفرض المتقدم إن ولّوا الى فئة يجوز للإمام قتله.

23- ان لم يكن الأسير من أهل القتال كالنساء و الصبيان و الشيوخ الهرمة يحبسون أولا يحبسون؟ قولان.

24- لو أسر كل واحد من الفريقين أسارى من الآخر جاز‌

238

فداء أسارى أهل العدل بأسارى أهل البغي.

25- لو أبى أهل البغي مفاداة الأسارى الذين معهم، و حبسوهم جاز لأهل العدل حبس من معهم.

26- لو قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لا يجوز لأهل العدل قتل أساراهم إذا لم يكن لهم فئة.

27- لو أسر من الكفّار مراهق و جهل بلوغه فلا يدرى أنه بالغ يقتل أو غير بالغ يسترق أو يفدي كشف عن عورته (أي عن عانته) فان لم ينبت فحكمه حكم الصبيان و ان أنبت حكم ببلوغه و به قال الشافعي خلافا لأبي حنيفة (1).

قال الشيخ: في المبسوط: و اما من أشكل بلوغه فان كان أنبت الشعر الخشن حول الذكر حكم ببلوغه و ان لم ينبت ذلك جعل في جملة الذرية لأنّ سعدا حكم في بني قريظة فأجازها النبي (صلى اللّه عليه و آله) (2).

أقول: لا خلاف في المسألة عندنا لما روي من أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عرضهم يومئذ على العانات فمن وجده أنبت قتله، و من لم يجده أنبت ألحقه بالذراري (3).

____________

(1) راجع التذكرة: ج 1/ 412 و 422 و التحرير: ج 1/ 140 و اللمعة: 274 و القواعد:

249 و الجامع للشرائع: 236 و المختصر النافع: 228 و الشرائع: 207 و الوسيلة:

194 و الجواهر: ج 21/ 121.

(2) المصدر: ج 2/ 20 و قريب منه ما في المنتهى: ج 2/ 926 و جامع الأحاديث:

ج 13/ 148 عن عوالي اللئالي و سنن الدارمي: ج 1/ 223 و الجواهر: ج 21/ 121.

(3) جامع الأحاديث: ج 13/ 148 عن التهذيب و قرب الاسناد و عوالي اللئالي و السنن الكبرى للبيهقي: ج 9/ 63 بأسانيد متعددة و التذكرة: ج 1/ 423 و المنتهى:

ج 2/ 927 و كنز العمّال: ج 4/ 546/ 583 و في نسخة: 271/ 306 و الجواهر:

21/ 121 و المغني: ج 10/ 531 قال أخرجه الأثرم و الترمذي و قال: هذا حديث صحيح و نصب الراية: ج 2/ 401 و البداية و النهاية: ج 4/ 125 و سنن أبي سعيد:

ج 2/ 342- 343 و الأموال لأبي عبيد: ص 192.

239

و لذلك قال في الجواهر: بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك.

كما اعترف به بعضه، و نقل في المغني عن كثير بن السائب قال:

حدثني أبناء قريظة أنهم عرضوا على النبي (صلى اللّه عليه و آله) فمن كان منهم محتلما، أو نبتت عانته قتل و من لا ترك، أخرجه ابن الأثرم. و لم يظهر خلاف فكان إجماعا.

28- لو أسلم الأسير فكان إسلامه قبل أسره و قبل الظفر به لم يجز قتله إجماعا و لا استرقاقه و لا مفاداته و لا فرق بين ان يسلم و هو محصور في حصن أو مصبور أو رمى نفسه في بئر و قد قرب الفتح و بين أن يسلم في حال أمنه (1).

لقوله (صلى اللّه عليه و آله): «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه فاذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم (2)

____________

(1) التذكرة: ج 1/ 425 و التحرير: ج 1/ 140 و الجواهر: ج 21/ 143.

(2) السنن الكبرى للبيهقي: ج 9/ 49 و ج: 7/ 3 و 4 و كنز العمال: ج 1/ 77 و 79 و الدارمي: ج 2/ 218 و ابن ماجة: ج 2/ 1295 و صحيح مسلم: ج 1/ 53 و الأموال لأبي عبيد: 27/ 28 و مسند أحمد: ج 2/ 345 و 439 و 475 و 482 و 502 و 528 و ج: 4/ 8 و 9 و ج 3/ 384 و البخاري: ج 1/ 120 و 190 و النسائي: ج 7/ 75 و 76 و 78 و 79 و 80 و 81 و الترمذي: ج 5/ 3 و 4 و البحار: ج 68/ 343 و 282 و 291 و تهذيب تاريخ ابن عساكر: ج 6/ 171 و اليعقوبي: ج 2/ 102 و المعجم الصغير للطبراني: ج 3/ 11 و ابن أبي شيبة: ج 13/ 74 و 377 و 379 و ترتيب مسند الشافعي: ج 1/ 13 الى غير ذلك من المصادر.

240

الحديث» و إطلاقه يشمل جميع ما ذكرنا من الأصناف.

و لقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً الآية (1).

يريد سبحانه و تعالى ان لا يقتلوا من استسلم لهم و كفّ عن قتالهم و أظهر أنه أسلم و ان لا يقولوا لمن هذه حالته: لست مسلما فيقتلوه (2). و يؤيده ما ورد في شأن نزولها.

و بذلك يعرف ماضي الأقوال المتفرقة لفقهاء العامة فراجع التذكرة و المنتهى.

29- و ان كان إسلامه بعد الظفر به حال التحام القتال قبل ان تضع الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا سقط القتل بلا خلاف أجده فيه (3) و إجماعا (4).

للحديث المتقدّم عن النبي العظيم (صلى اللّه عليه و آله).

و لما رواه الزهري عن الامام السجّاد (عليه السلام): «الأسير إذا أسلم فقد حقن دمه و صار فيئا» (5).

و لما رواه المخالفون: «ان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه‌

____________

(1) النساء: 94.

(2) التبيان: ج 3/ 297 و كنز العرفان: ج 1/ 372 و راجع في تفسير الآية المصادر المتقدمة في هذا المقال، و مسالك الافهام: ج 2/ 347 و نور الثقلين: ج 1.

(3) الجواهر: ج 21/ 143.

(4) التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى: ج 2/ 928.

(5) جامع الأحاديث: ج 13/ 175.

241

عليه و آله أسروا رجلا من بني عقيل فمرّ به النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فقال: يا محمد علام أخذت و أخذت سابقة الحاجّ؟ قال:

أخذت بجريرة خلفائك من ثقيف فقد أسرت رجلين من أصحابي فمضى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فناداه: يا محمد يا محمد فقال له:

ما شأنك؟ فقال: اني مسلم، فقال: لو قلتها و أنت تملك أمرك لأفلحت كلّ الفلاح و فادى به النبي (صلى اللّه عليه و آله) الرجلين» (1).

يعني انك لو كنت أسلمت قبل الأسر لأفلحت بعصمتك من جهة نفسك و مالك و لكنّك أسلمت بعد الأسر سقط عنك القتل فقط دون الاسترقاق أو الفداء و المنّ (2).

ظاهر كلام الفقهاء: «سقط عنه القتل» انه صار كأنه أخذ بعد انقضاء الحرب فيجري عليه حكمه قال في الجواهر: «كما لا خلاف أجده في أنّ له المنّ عليه حينئذ بل و لا إشكال ضرورة أولويته بذلك من الأسر بعد تقضي الحرب و لما يسلم و انما الكلام في ضمّ الاسترقاق و الفداء اليه و عدمه» (3).

____________

(1) المغني: ج 10/ 396 و التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى: ج 2/ 928.

(2) راجع المبسوط: ج 2/ 12 و 20 و المهذب: ص 100 و فقه القرآن للراوندي: 131 و السرائر: 171 و الشرائع: 207 و المختصر النافع 228 و القواعد: 248 و اللمعة:

274 و التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى ج 2/ 928 و التحرير: ج 1/ 140 و المختلف:

ج 1/ 332 و الرياض: ج 1/ 494.

(3) ج 21/ 143. قلنا: ظاهر كلام الأصحاب ذلك لأنهم لو كانوا قائلين بكونه مسلما حرا كمن أسلم قبل الأسر لصرّحوا به كما صرّحوا فيمن أسلم قبل الأسر مع ان قولهم سقط القتل يشعر بأنه مأخوذ لا يطلق سراحه و إنما تخلص من القتل فقط فبقي أسيرا في أيدي المسلمين يسترقّ أو يمنّ عليه أو يفادي.

242

و به قال الشيخ في المبسوط قال- بعد ذكر الأسر بعد تقضّي الحرب-: «و ان أسلموا لم يسقط عنهم هذه الأحكام الثلاثة و انما يسقط عنهم القتل لا غير، و قد قيل: انه إن أسلم سقط عنه الاسترقاق لأنّ عقيلا أسلم بعد الأسر ففاداه النبي (صلى اللّه عليه و آله) و لم يسترقّه» (1) و ظاهر كلامه انه تقييد لكلا قسميه لأنّ في القسم الثاني لم يذكر فيه القتل حتى يسقط بالإسلام.

و هو مقتضى الحديث الشريف «حقن دمه و صار فيئا» الظاهر في تعين الاسترقاق جمعا بينه و بين ما رواه المخالفون الدالّ على أنه (صلى اللّه عليه و آله) فاداه برجلين.

و في حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «. قلت:

فالمشركون بيني و بينهم ربّا؟ قال: نعم قلت: فإنهم مماليك، فقال إنك لست تملكهم مع غيرك، أنت و غيرك فيهم سواء فالذي بينك ليس من ذلك لأن عبدك ليس مثل عبدك و عبد غيرك» (2) الدالّ على ان الأصل في الكفار أنهم مماليك للمسلمين فنستصحبه بعد الإسلام بعد الأسر مع القول بخروجه عن الرق إذا أسلم قبل ذلك، كما يومي الى ذلك ما ورد عن علي (عليه السلام) ان رجلا من عبد القيس قام يوم الجمل فقال: يا أمير المؤمنين ما عدلت حين تقسم بيننا أموالهم و لا تقسم بيننا نساءهم و لا‌

____________

(1) المبسوط: ج 2/ 20.

(2) الوسائل: ج 12/ 436.

243

أبناءهم فقال له: ان كنت كاذبا فلا أماتك اللّه حتى تدرك غلام ثقيف و ذلك انّ دار الهجرة حرمت ما فيها و ان دار الشرك أحلّت ما فيها فأيّكم يأخذ امّه في سهمه. (1)

و روي ما يشعر بذلك عنه (عليه السلام) فراجع.

فتحصّل مما تقدّم ان الامام مخيّر فيه بين الثلاثة، و لكنّ في الرياض قال: بتعيّن المنّ بعد تضعيفه الروايتين ذهولا عما ذكرنا عن ظهور كلمات الفقهاء- (رضوان اللّه عليهم)- في ذلك، و به ينجبر ضعف رواية الزهري. و اختاره العلّامة- (رحمه اللّه)- في المختلف و قال: «لو أسلم الأسير فإن كان بعد حكم الامام فيه بشي‌ء لم يبطل الحكم الّا القتل خاصّة و ان كان قبل حكمه لم يسقط التخيير فيه الّا القتل أيضا. عملا بالاستصحاب» (2) و تفرّد الراوندي في فقه القرآن بأنه صار بإسلامه حرا، قال:

فإن أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك و صار حكمهم حكم المسلم لقوله تعالى فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) و لقوله فَإِنِ انْتَهَوْا فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ (4) و ضعف دليله لا يخفى على المتأمّل لوضوح انه لم ينته الّا بعد حكم الإسلام بالرقّية.

30- و ان كان إسلامه بعد الظفر بعد تقضّي الحرب لم يسقط عنه هذا الحكم أعني التخيير بين الثلاثة بلا خلاف معتدّ به أجده‌

____________

(1) جامع الأحاديث: ج 13/ 105 عن المختلف عن ابن أبي عقيل.

(2) المصدر: ج 1/ 332.

(3) البقرة: 192.

(4) البقرة: 193.

244

فيه بل و لا إشكال (1)، بل في التذكرة و المنتهى الإجماع عليه إذ هذه الصورة هي القدر المتيقن من كلامهما.

و يدلّ عليه مضافا الى الإجماع الاستصحاب.

و نقل في المبسوط: بأنه لو أسلم سقط عنه الاسترقاق (2)، و استدلالهم بقصّة عقيل مردود بما في الجواهر: ان ذلك حكاية حال فلا تعم مع كون المفاداة أحد الأمور المخيّر فيها فاختارها لذلك لا لأصل عدم جواز الاسترقاق (3) 31- إذا كان الأسير محكوما بالقتل لعلل يأتي ذكرها فحينئذ جعل له أيضا حقوق نتلوها عليك:

الف: يحرم إحراق الأسير كما ورد في النصوص:

قال لمحمد بن حمزة الأسلمي: إن أخذتم فلانا فأحرقوه بالنار فولّيت فناداني فرجعت فقال: ان أخذتم فلانا فاقتلوه و لا تحرقوه فإنه لا يعذّب بالنار الا ربّ النار (4) قال لمعاد: إن أمكنك اللّه من فلان فأحرقه بالنار فلما مضى معاذ دعاه فقال له: ان أمكنك اللّه منه فاضرب عنقه فإنه ليس لأحد أن يعذّب بعذاب اللّه (5) قال: اني كنت أمرتكم ان تحرقوا فلانا و فلانا بالنار، و ان النار‌

____________

(1) الجواهر: ج 21/ 128.

(2) تقدم عن المبسوط و راجع المختلف: ج 1/ 333.

(3) راجع المصدر: ج 21/ 128.

(4) سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 243 و السنن الكبرى: ج 9/ 72.

(5) سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 243.

245

لا يعذب بها إلا اللّه فان وجدتموهما فاقتلوهما (1) هذه الأحاديث تشمل أولا على أمره بالإحراق و فيه اشكال و لا يضرّ بالاستدلال بذيل تلكم الأحاديث.

و يستأنس للمطلب بقوله (صلى اللّه عليه و آله): «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يحرق شي‌ء من الحيوان» (2) و في الرسائل لبعض الفقهاء الماضين- رحمهم اللّه- «انه منع من إحراق القمّل» (3) أيضا.

و في المغني: «إذا قدر على العدو فلا يجوز إحراقه بالنار بلا خلاف. و كذلك في فتح البثوق عليهم ليحرقهم و ان قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن إتلاف النساء و الذرية» (4) و في التذكرة: لا يجوز قتل الأسير بغير السيف (5) ب: أمر (صلى اللّه عليه و آله) ان يحسنوا القتلة فقال: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح و ليحدّ أحدكم شفرته و يريح ذبيحته (6) و الإحسان بالقتلة أن يحدّ السكين أو السيف و يضرب في‌

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9/ 71 و البخاري: ج 4/ 75 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 243.

(2) الوسائل: ج 12/ 220 عن الفقيه و: ج 8/ 379 و البحار: ج 64/ 267 و:

ج 76/ 329.

(3) مجمع المسائل.

(4) المصدر: ج 10/ 211.

(5) المصدر: ج 1/ 412.

(6) السنن الكبرى: ج 9/ 68 و راجع البحار: ج 65/ 327- 328 و كنز العمال:

ج 6/ 137 و المستدرك: ج 3/ 65 و حياة الحيوان: ج 1/ 308 و فتح الباري:

ج 9/ 554 و عون المعبود: ج 3/ 58.

246

أقرب الموارد و أسرعها قتلا حتى لا يطول و لا يعذب.

و يستأنس للمطلوب بما ورد في ذبح الحيوان من النهي عن تحديد الشفرة و الحيوان المذبوح ينظر إليها (1)، و من الأمر بسقيه قبل ذبحه (2)، و النهي عن قطع النخاع قبل خروج الروح (3)، و النهي عن الذبح من القفا (4) و النهي عن سلخ جلده قبل خروج روحه، و غير ذلك مما يدل على عدم رضا الشارع بتعذيب الحيوان، و ان رخّص في ذبحه لغرض عقلائي و يستأنس بذلك على ان الشارع لا يرضى في قتل إنسان، و لو كان كافرا مستحقا للقتل ان يعذّب.

و في نص: كما في حياة الحيوان: ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «ان اللّه تعالى كتب الإحسان على كلّ شي‌ء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» (5).

و المحصّل انه يلزم أن يختار للقتل أحسن و أروح طريق و أبعد عن الأذى و التعذيب.

ج: المثلة حرام (6)، و هي ان تقطع الأعضاء كقطع أذنه،

____________

(1) راجع كنز العمال: ج 6/ 137 و المعجم للطبراني: ج 2/ 105 و المصنف لعبد الرزاق:

4/ 493 و المستدرك للحاكم: ج 4/ 231.

(2) تحرير الوسيلة: ج 2/ 151.

(3) مستدرك الوسائل: ج 3/ 65/ 66 و المصنف لعبد الرزاق: ج 4/ 492- 493 و تحرير الوسيلة: ج 2/ 152.

(4) المستدرك: ج 3/ 70 و عبد الرزاق: ج 4/ 492

(5) البحار: ج 65/ 327- 328 و المستدرك: ج 3/ 66/ 570 و دعائم الإسلام:

ج 2/ 173.

(6) راجع الجواهر: ج 21/ 78 و المنتهى: ج 2/ 912 و التحرير: ج 1/ 146 و المختصر النافع: ص 227 و المهذب: 91 و النهاية: ص 55 و الكافي لأبي الصلاح: 37.

247

أو يده و رجله أو سمل عينه و هكذا حتى في الأسير المحكوم بالقتل و شدّد و أكّد على ذلك.

قال في الجواهر بعد نقل كلام المحقق (رحمه اللّه تعالى):

و لا يجوز التمثيل بهم بقطع الآناف و الأذان و نحو ذلك في حال الحرب بلا خلاف أجده فيه. بل مقتضى النصوص، و أكثر الفتاوى عدم الفرق في ذلك بين حال الحرب و غيره و بين ما بعد الموت و قبله فما عساه يشعر به التقييد بحال الحرب في المسالك، و الرياض في غير محلّه بل لا فرق أيضا بين ما لو فعلوا ذلك بالمسلمين و عدمه و إن كان مقتضى قوله تعالى وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ (1) الجواز و لكن إطلاق النصّ و الفتاوى يقتضي عدمه (2).

هذا و اللازم نقل النصوص و هي:

1- قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في كلام له يوصي أصحابه في الجهاد: «فقاتلوا في سبيل اللّه و قاتلوا من كفر باللّه اغزوا و لا تغلّوا و لا تغدروا و لا تمثلوا و.» (3).

و في نص: «و لا تمثّلوا بقتيل».

____________

(1) البقرة: 194.

(2) الجواهر: ج 21/ 78.

(3) راجع جامع الأحاديث: ج 13/ 116 عن التهذيب: ج 6/ 138 و الكافي: ج 5/ 27 و: ص 117 عن الكافي: ج 5/ 30 و التهذيب: ج 6/ 138 و المحاسن: 455 و أيضا عن الكافي: ج 5/ 29 و التهذيب: ج 6/ 148 و: ص 139 عن الدعائم و: ص 123 عن الكافي: ج 5/ 139 و كنز العمال: ج 4/ 304/ 233 و الكافي لأبي الصلاح: 36 و نيل الأوطار: ج 8/ 72 و 74 و غير ذلك.

248

و الغرض التمسّك بإطلاق قوله (صلى اللّه عليه و آله) «و لا تمثلوا» حيث يشمل المثلة في حال الحرب و بعده كما انّه يشمل التمثيل بعد الموت و قبله و يشمل المقاتل و الأسير و لا وجه لاختصاصه بحال الحرب أو التمثيل بعد القتل.

2- روي عن عبد اللّه بن يزيد قال: «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من المثلة و النهبى» (1).

3- عن أنس في حديث أصحاب اللقاح: «فنهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن المثلة بعد ذلك» (2).

4- قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته في ابن ملجم:

«فان بدا لكم أن تقتلوا فلا تمثّلوا به» (3).

5- و في نص: «نهى عن النهبة و المثلة» (4).

6- قال ابن عمر: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد لعن من مثّل بالحيوان» (5).

7- «لا يجوز المثلة و لو بالكلب العقور» (6).

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9/ 69 و كنز العمال: ج 4/ 391 كتاب الجهاد.

(2) السنن الكبرى: ج 9/ 69 قال: و كان علي بن الحسين (عليه السلام) ينكر حديث أصحاب اللقاح.

(3) كنز العمال: ج 4/ 391 كتاب الجهاد.

(4) جامع الأحاديث: ج 13/ 179 عن الجعفريات و قرب الاسناد و السنن الكبرى:

ج 8/ 183 و مسند الامام الشافعي: 101 و المبسوط: ج 7/ 268.

(5) السنن الكبرى: ج 9/ 70/ 87 و راجع البحار: ج 64/ 282 و مستدرك الوسائل:

ج 2/ 59 و ج 3/ 71 و البخاري: ج 7 باب ما يكره من المثلة و المصبورة و المجثمة.

(6) نهج البلاغة الكتاب: 47 و مستدرك الوسائل: ج 3/ 70 و الوسائل: 19 الباب:

62 من أبواب القصاص و الاختصاص للمفيد (رحمه اللّه)/ 150 و نصب الراية:

ج 3/ 119.

249

8- «لا تمثّلوا بآدمي و لا بهيمة» (1).

9- قال عمر لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا أمثّل به فيمثّل اللّه بي و ان كنت نبيّا» (2).

هذه الأدلّة كلّها دالّة على النهي عن المثلة مطلقا كما مال إليه في الجواهر، و هنا بعض ما نستأنس به للمطلب و هو:

انه قيل في تفسير الآية الكريمة «وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّٰابِرِينَ» (3) انه لما جاء رسول اللّه‌

____________

(1) السنن الكبرى: ج 9/ 91.

(2) البداية و النهاية: ج 3/ 310 و الطبري: 2/ 465 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 130، و راجع في أحاديث المثلة لسان العرب و النهاية و غريب الحديث لأبي عبيد و الفائق للزمخشري في كلمة مثل و البحار: ج 65/ 330 و عبد الرزاق: ج 4/ 454 و ابن ماجة:

ج 2/ 1063 و كنز العمال: ج 4/ و ج 9 و ابن أبي الحديد: ج 17/ 11 و مفتاح كنوز السنة، و المعجم المفهرس في كلمة مثل و عمدة القارئ: ج 21/ 124- 126.

(3) راجع البحار: ج 20/ 63 و 98 و نور الثقلين: ج 3/ 95 عن القمي و: 96 عن العياشي و البرهان: ج 2/ 389 و البيضاوي في تفسير الآية و تفسير القرطبي:

ج 10/ 201 و الدر المنثور: ج 4/ 135 عن الترمذي و ابن أحمد في زوائد المسند و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن حبان و ابن مردويه و الحاكم و صحّحه البيهقي في الدلائل عن ابي بن كعب و عن ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس و ابن أبي شيبة في المصنّف و ابن جرير الشعبي و الطبري: ج 2/ 529.

250

(صلى اللّه عليه و آله) الى مصارع شهداء أحد و رأى ما فعل بحمزة سيّد الشهداء- (رضوان اللّه عليه)- و سائر الشهداء بكى ثم قال: «و اللّه ما وقفت موقفا أغيظ عليّ من هذا المكان لأن أمكنني اللّه من قريش لأمثلنّ بسبعين رجلا منهم فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال:

«وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ.» فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): بل أصبر» (1).

و في بعض النصوص: ان المسلمين لما عاينوا المثلة بالشهداء قالوا ذلك فنزلت (2).

ثم قال سبحانه وَ اصْبِرْ وَ مٰا صَبْرُكَ إِلّٰا بِاللّٰهِ فأمر نبيه (صلى اللّه عليه و آله) بالصبر.

قال القرطبي في تفسيره: أطبق جمهور أهل التفسير: ان هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، و وقع ذلك في كتاب السير، و في صحيح البخاري و روح المعاني: ذهب جمهور المفسّرين الى ذلك.

فهذه الروايات ان صحّت و ثبتت دلّت على جواز المثلة قصاصا مثلا بمثل من دون إفراط، و لكنه سبحانه بعد قوله «فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ» قال وَ اصْبِرْ وَ مٰا صَبْرُكَ إِلّٰا بِاللّٰهِ

____________

(1) كما في الطبري و مجمع البيان و التبيان.

(2) و راجع تفسير الرازي: ج 20/ 141 و روح المعاني: ج 14/ 257 و التبيان: ج 6/ 44 و الميزان: ج 12/ 377 و روح البيان: ج 5/ 99/ 100 و جوامع الجامع: ص 251 و الطبري: ج 14/ 131 و مجمع البيان.

251

فأمر نبيه (صلى اللّه عليه و آله) و الأمر ظاهر في الوجوب فكأنّ الآية ناهية عن الإفراط توطئة بمعنى انّ الزيادة عن المثلة غير جائز و انّ الصبر و ترك المثلة من رأس أحسن فاصبر و ما صبرك الّا باللّه.

و نستأنس من النهي عن المثلة بالموتى، و لو كان قوله (فاصبر) للندب انه في الأسارى من دون سبق ما يوجب القصاص أشدّ بغضا عند المولى سبحانه و تعالى.

و لكن للعلّامة الحجّة السيد جعفر مرتضى كلام فيما روي من قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) حينما رأى ما فعلوا بحمزة- (رضوان اللّه عليه)- انه ان ظفر فيمثل بثلاثين و قال: انه مرفوض ثم قال: ان الصحيح هنا هو قضية أبي قتادة ان أبا قتادة يريد التمثيل بقريش لمّا رأى من المثلة فمنعه النبي (صلى اللّه عليه و آله) (1) ثم قال: ان هذا هو المناسب لأخلاقه و سجاياه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم). ثم قال: و يضاف الى ذلك ما رواه غير واحد عن ابي بن كعب (رض) قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة و ستون رجلا، و من المهاجرين ستة فمنهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار:

لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل اللّه وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّٰابِرِينَ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): نصبر و لا نعاقب‌

____________

(1) السيرة الحلبية: ج 2/ 241 و راجع مغازي الواقدي: ج 1/ 290 و 291 و شرح النهج للمعتزلي: ج 15/ 17.

252

كفّوا عن القوم إلّا أربعة (1).

د- كما أنه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن القتل صبرا حسب النصوص الكثيرة و إليك ألفاظها:

1- «نهى عن المثلة بالحيوان و عن صبر البهائم».

2- «نهى عن المصبورة».

3- «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى صبر ذي الروح».

4- «لعن اللّه من اتخذ شيئا فيه روح غرضا» (2).

5- «في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام): لم يقتل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) رجلا صبرا غير عقبة بن أبي معيط، و طعن في أبي بن خلف فمات بعد ذلك» (3).

6- «لا تتخذوا شيئا غرضا فيه روح» (4).

____________

(1) راجع الصحيح من السيرة: ج 4/ 302 و 306 فإنه دامت إفاضاته أطال الكلام في التحقيق و نحن نقلنا منه قليلا فمن شاء فليراجع الكتاب.

(2) راجع البحار: ج 64/ 282 و: ج 65/ 328 و دعائم الإسلام: ج 2/ 70 و 173 و مجمع الزوائد: ج 5/ 265 و البخاري: ج 7/ 121- 122 و فتح الباري: ج 9/ 554 و الترمذي: ج 4/ 23 و سنن أبي داود: ج 3/ 100 و حياة الحيوان: ج 1/ 150 و 286 و عمدة القارئ: ج 21/ 124 و 125 و سنن الدارمي: ج 2/ 83 و 85 و عون المعبود:

ج 3/ 4/ 59 و المستدرك للحاكم: ج 2/ 34/ 35 و سنن ابن ماجة: ج 2/ 1063 و ابن أبي شيبة: ج 5/ 397 و 398 و مستدرك الوسائل: ج 3/ 70 و السنن الكبرى:

ج 9/ 70 و راجع أيضا غريب الحديث لأبي عبيد و النهاية لابن الأثير و لسان العرب في صبر و نيل الأوطار: ج 8/ 249.

(3) الجواهر: ج 21/ 131 و التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى: ج 2/ 927 و جامع الأحاديث:

ج 13/ 183 عن التهذيب: ج 6/ 173.

(4) السنن الكبرى: ج 9/ 70.