الأسير في الإسلام

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
257 /
253

و النهي عن صبر ذي روح أو جعل ذي روح غرضا يشمل الأسير الكافر أيضا، و ان حكم بقتله شرعا كما يشمل المسلم المقتول قصاصا أو لحدّ فإنه لا يجوز قتله صبرا.

صرّح جماعة من العلماء بكراهة القتل صبرا كما في الشرائع (1) و غيره، و في الجواهر: «لا أجد فيه خلافا» و في حياة الحيوان صرّح بالتحريم (2).

قال في الجواهر: «المراد بالقتل صبرا ان تقيّد يداه و رجلاه مثلا حال قتله، و حينئذ فإذا أراد عدم الكراهة أطلقه و قتله و لعلّ هذا هو المراد مما فسّره به غير واحد بل نسبه بعض الى المشهور من أن الحبس للقتل. و في القاموس: و صبر الإنسان و غيره على القتل ان يحبس و يرمى حتى يموت و قد قتله صبرا و صبره عليه، و اما ما قيل كما حكاه في المسالك من أنه التعذيب حتى يموت أو القتل جهرا بين الناس أو التهديد بالقتل ثمّ القتل و في غيرها القتل و ينظر اليه آخر أولا يطعم و لا يسقى حتى يموت بالعطش و الجوع فلم أجد ما يشهد لها بل الأخير منها مناف لما سمعته عن وجوب الإطعام و السقي، و لكن قد نفى بعضهم البأس عن كراهة الكل للتسامح» (3).

____________

(1) راجع الشرائع: ج 1/ 78 و في ط: 207 و المنتهى: ج 2/ 932 و الإيضاح: ج 1/ 364 و الجواهر: ج 21/ 131 و التذكرة: ج 1/ 425 و التحرير: ج 1/ 141 و المختصر النافع:

228.

(2) راجع: ج 1/ 286.

(3) الجواهر: ج 21/ 132.

254

أقول: ملخّص ما في الجواهر من المعاني:

1- أن يقيد يداه و رجلاه حال القتل و قد ورد الحديث بكراهته في الحيوان أيضا (1).

2- الحبس للقتل و جعله في الجواهر متحدا مع الأوّل و يستفاد من كلام اللغويين أيضا (2).

3- الحبس بمعنى ان يربط و يرمى حتى يموت (3).

4- التعذيب حتى يموت (4).

5- القتل جهرا بين الناس (5).

6- التهديد بالقتل ثم القتل (6).

7- القتل و ينظر اليه آخر (7).

8- ان لا يطعم و لا يسقى حتى يموت بالعطش و الجوع (8).

9- نصب الإنسان للقتل فهو مصبور و صبر الإنسان على القتل‌

____________

(1) في المصباح المنير: كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا.

(2) راجع غريب الحديث: ج 1/ 254 و لسان العرب: ج 4/ 438 و لسان العرب: ج 3/ 8 و تاج العروس: ج 3/ 333 و أساس البلاغة و الفائق و محيط المحيط.

(3) راجع غريب الحديث لأبي عبيد: ج 1/ 254 و ج 3/ 303 و لسان العرب: ج 4/ 438 و الفائق و النهاية و عنه في البحار: ج 65/ 330 و النهاية: ج 3/ 8 و فتح الباري:

ج 9/ 554 و عون المعبود: ج 3/ 59 و الوافي: ج 2 كتاب الجهاد: 18 و عمدة القارئ:

ج 21/ 124 و المغني: ج 11/ 47.

(4) تاج العروس: ج 3/ 333 و القاموس.

(5) لم أجده في الكتب الموجودة عندي من اللغة و الحديث.

(6) في البحار: ج 65/ 330: و لم أجد هذا المعنى في اللغة و أنا أيضا لم أجده فيما فحصت.

(7) لم أعثر عليه.

(8) لم أجده فيما فحصت من كتب اللغة و الحديث.

255

نصبه عليه (1).

10- كل من قتل في غير معركة و لا حرب و لا خطأ فإنه مقتول صبرا (2).

و لم أجد من فقهائنا من قال بتحريم القتل صبرا و لعلّ ذلك بمعناه الثاني أو العاشر و هو أن يقتل إنسان في غير معركة الحرب أو هو من حبس للقتل لما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لم يقتل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) رجلا صبرا قط غير رجل واحد عقبة بن أبي معيط و طعن ابي بن خلف فمات بعد ذلك» (3).

حيث ان ظاهرها انه (صلى اللّه عليه و آله) قتل عقبة صبرا فهو ليس بحرام إلا انه مكروه حسب النصوص الكثيرة.

و لعل المراد قتله (صلى اللّه عليه و آله) بيده مباشرة كما هو الظاهر و إلا فهو (صلى اللّه عليه و آله) أمر بقتل أبي غرّة الشاعر في أحد بعد أن عفا عنه في بدر و شرط عليه ان لا يعين عليه أحدا فقتله في أحد لنقضه عهده (4) و النظر بن الحارث (5) و حيّ بن‌

____________

(1) لسان العرب ج 4/ 438 و تاج العروس ج 3/ 323.

(2) لسان العرب ج 4/ 438 و النهاية ج 3/ 8 و تاج العروس ج 3/ 323.

(3) الوافي كتاب الجهاد: ص 18 عن التهذيب و جامع الأحاديث: ج 13/ 183.

(4) جامع الأحاديث: ج 13/ 183 و المدونة الكبرى: ج 2/ 11 و المغني: ج 10/ 394 و التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى: ج 2/ 927 و مسالك الافهام: ج 2/ 326 و الكامل:

ج 2/ 165 و البداية و النهاية: ج 4/ 51.

(5) المدونة الكبرى: ج 2/ 11 و ابن هشام: ج 2/ 367 و التذكرة: ج 1/ 425 و المنتهى:

ج 2/ 927 و المغني: ج 10/ 394 و البحار: ج 19/ 336 و 355 و 363 و البداية و النهاية: ج 3/ 305 و العقد الفريد: ج 3/ 265 و 317 و نيل الأوطار: ج 8/ 44 و المستدرك للحاكم: ج 3/ 23 و سنن أبي داود: ج 2/ 11 و نصب الراية: ج 3/ 2 و الطبري: ج 2/ 459 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 130 و ما هو الصحيح من السيرة:

ج 3/ 238.

256

أخطب (1) و الزبير صاحب بني قريظة (2).

بل حبس رجال بنو قريظة كلهم فقتلوا عن آخرهم و عن حنش بن عبد اللّه: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قتل سبعين أسيرا بعد الإثخان من اليهود» (3).

و لكن ابن هشام يصرّح بان عقبة قتله عاصم بن ثابت و يقال: قتله علي بن أبي طالب (4).

فان كان المراد بالقتل صبرا المعنى الأوّل أو الثاني فهو مكروه للصحيحة المتقدمة، و ان كان المراد المعنى الثالث أو الرابع فلا يبعد القول بالحرمة لما تقدّم من الأحاديث. و يؤيد الصحيحة ما ورد عن أبي فاختة: «ان عليا- رضي اللّه عنه- أتى بأسير يوم صفّين فقال:

لا تقتلني صبرا فقال علي- رضي اللّه عنه-: لا أقتلك صبرا اني أخاف اللّه ربّ العالمين» (5).

____________

(1) المدونة الكبرى: ج 2/ 12.

(2) المدونة الكبرى: ج 2/ 12 و الكامل: ج 2/ 165.

(3) المدونة الكبرى: ج 2/ 9.

(4) السيرة: ج 2/ 366 و سنن سعيد بن منصور: ج 2/ 251 و عبد الرزاق:

ج 5/ 206/ 352 و الطبري: ج 2/ 459 و البداية و النهاية: ج 3/ 305/ 306 و الكامل لابن الأثير: ج 2/ 130.

(5) السنن الكبرى: ج 8/ 182 و عبد الرزاق: ج 10/ 124 و ابن أبي شيبة: ج 12/ 422 و كنز العمال: ج 11/ 340 و سعيد بن منصور: ج 2/ 339.

257

و رواية يزيد بن بلال قال: «شهدت مع علي يوم صفين فكان إذا اتى بالأسير قال: لن أقتلك صبرا اني أخاف اللّه ربّ العالمين و كان يأخذ سلاحه و يحلفه لا يقاتله و يعطيه أربعة دراهم» (1).

و يحتمل أن يكون المراد المعنى العاشر.

____________

(1) ابن أبي شيبة: ج 15/ 295 و في هامشه عن كنز العمال: ج 11/ 338.

258

ختامه مسك

و لا بأس بالفات نظر القارئ الى ما كتبه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعلي (صلوات اللّه عليه) و اشتهر عند العلماء بكتابه (صلى اللّه عليه و آله) في قراب سيفه و فيه فرائض و العقل (الديات) و الأمور الهامة و منها «فكاك الأسير» أي فكّه و تحريره من الأسر كما أشير إليه في الأحاديث الأخر أيضا و قد عبّر عنه بفك العاني كما قال تعالى وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ (1).

____________

(1) البلد: 12 و 13.

هذا الكتاب مشهور في كتب الفريقين و قد ذكرنا مصادره في مكاتيب الرسول (صلى اللّه عليه و آله).