الفقه، الرأي العام و الإعلام

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
632 /
105

منسوجة حول بعض الأشخاص الذين يمتازون بالشجاعة و الإقدام، و هكذا الأساطير عند ما يكون أبطالها تاريخيين. فكلّ شعب من الشعوب يحترم رجاله الماضين؛ و هذا هو دأب العقلاء، أمّا عند الجهلاء فإنّهم يدخلون إلى جانب الاحترام التقديس الزائد و يربطون هؤلاء الأبطال بجملة كبيرة من الأساطير الخرافية.

و يمكننا ملاحظة أثر الخرافة في الرأي العام في المجتمعات التي تؤمن بالخرافة عن تلك المجتمعات التي لا تؤمن بها. و هذا الأثر جلي و واضح في السلوك اليومي لهذه المجتمعات و في الفترات الحرجة التي تمر بها في حياتها.

رابع عشر: القادة

القادة هم أشخاص متميّزون عن الآخرين، يقومون بقيادة الأفراد أو الجماعات دينيا أو سياسيا أو ماليا، فيصبح لدينا قائد ديني و قائد سياسي و قائد مالي أو غير ذلك.

و القائد هو القادر على تكوين الرأي العام، مثلا: القائد في قرية لا يتجاوز عدد بيوتها المائة قد يكوّن الرأي العام لهذه القرية الصغيرة لأنّه متّبع و مطاع، و من الواضح أنّ المتّبع- بالفتح- يؤثّر في المتّبع- بالكسر-.

و لا يخفى أنّ القيادة الدينية الصحيحة أفضل القيادات في التأثير؛ حيث أنّها دين و دنيا، و الإنسان يتكوّن من جزئي: الروح و البدن. و من الواضح أنّ الروح لا تشبع إلّا بالدين المرتبط بالآخرة و بالمصير الذي ينتظره البشر بالإضافة إلى ارتباطه بالدنيا، و لذا كان القادة غير الدينيين بحاجة إلى القادة الدينيين لتسهيل أمورهم، و لا فرق هنا في هذه الفكرة أن يكون القائد الديني قائدا حقيقيا‌

106

و واقعيا أو دينيا مزيفا، فملوك بني العبّاس و بني أميّة و من أشبههم هم قادة دينيون مزيفون.

و على أي حال: فالقادة بأجمعهم سواء كانوا في مصاف الجيدين أو في مصاف المزيفين لهم تأثير كبير على الرأي العام (1).

____________

(1) و يرى البعض أنّ هناك عوامل أخرى مؤثرة في تكوين الرأي العام، منها: 1- طبيعة النظام السياسي. 2- نوعية وسائل الإعلام و الاتصال. 3- الحالة الاجتماعية و الاقتصادية للفرد، باعتبار أنّ هذه الحالة تؤثر في أفكاره و آرائه تجاه المشاكل أو المواضيع المطروحة للبحث و النقاش في فترة زمنية معينة. 4- قوة الشائعات و ضعفها. 5- التحديات. 6- الإمكانيات.

7- الحاجات.

107

قواعد الرأي العام

مسألة: يجب التوجه للقواعد التي تحكم الرأي العام، و من تلك القواعد:

1- أنه الموقف الاختياري الذي يتّخذه المرء إزاء شي‌ء معيّن، من عقيدة أو عمل متنازع عليه قابل للجدل و الأخذ و العطاء، أمّا المسلّمات فلا تسمّى رأيا عاما، فإذا كان هناك أناس يقولون بأنّ الشمس شمس و ليست بقمر فإنّ ذلك لا يسمّى رأيا عاما.

2- هناك فرق بين الجماعة و الجمهور، فالجماعة عبارة عن أناس خاصين و يقل عددهم عن الجمهور، و قد يعبّر عن الجماهير لإفادة جانب عملي و مهني مثل جمهور الحدّادين و جمهور النجارين و جمهور البنائين.

3- يشترط لقيام الرأي العام أن يكون شعبيا لا برجوازيا. نعم، يصحّ أن يخصّص الرأي العام البرجوازي، أمّا الرأي العام بالصيغة المطلقة فالمراد به:

الشعبي.

4- هناك رأي خاصّ في قبال الرأي العام مثل رأي الأدباء، و هنا يصحّ بأن نقول «الرأي العام عند الأدباء»، لكن الرأي العام المطلق إنّما يشتمل على الجميع.

5- الرأي العام هو اجتماع الآراء في مسألة أو قضية اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك من المسائل التي تحتمل الجانبين، فيقف البعض إلى هذا الجانب و البعض الآخر إلى الجانب الآخر، و معنى هذا أنّ الرأي العام هو العموم بشرط أن يكون نافذا عن اختيار و إقناع بدون إكراه فردي أو إكراه‌

108

أجوائي.

6- الآراء التي تفرضها التنظيمات و الأحزاب و الهيئات و الجماعات ذات السلطة على الأفراد بالقهر و القسر لا تسمّى رأيا عاما، مهما كانت درجة الاتّفاق في تلك الآراء، فالاتّفاق في الآراء ليس اتّفاقا بقدر ما هو إملاء من الغير قسرا، سواء كان القسر يشعر به الناس أو قسرا لا يشعر به الناس لحبّ، أو لخوف من عدو أو نحو ذلك.

7- الرأي العام الذي يصنع من الهيجان و الإثارة و التخويف و الترغيب و ما أشبه ذلك نتيجة لظروف خاصّة، مثلا قبل حدوث السيل أو الحرب أو هجوم العدو أو ما أشبه ذلك، من شأنه أنه لا يدوم طويلا؛ لأنّه لم يكن نابعا من القلب و الاعتقاد و الرأي، و إنّما هو رأي جاء به هؤلاء في ظرف خاص و معيّن. نعم، يصحّ أن نقول: إنّ الرأي العام العالمي ضد هتلر، فإنّ هذا الرأي العام طارئ لكنه غير عادي.

8- الرأي العام شي‌ء، و وسائل تصوير هذا الرأي العام أخذا و عطاء شي‌ء آخر، مثلا المذياع و التلفاز و ما أشبه ذلك تكوّن الرأي العام، لا أنّها رأي عام، بل هي وسائل سمعية و بصرية لإيجاد الرأي العام، أو الاستفادة منه.

9- لا فرق في الرأي العام أن يكون سلبيا أو إيجابيا، مثلا الرأي العام الحربي؛ فيما إذا اتجهت دولة إلى الحرب، أو الرأي العام السلمي؛ فيما إذا اتجهت دولة نحو السلم.

10- التوافق و التخالف في السلطة الديكتاتورية لا يشكّل رأيا عاما بقول مطلق، بل هو انصياع و اتباع للسلطة المفروضة فرضا.

11- الأفكار الثابتة و البديهية لا تعتبر رأيا عاما كما أشرنا فيما سبق، فالقول بأنّ التوقّي في فصل الشتاء لازم لا يعتبر رأيا عاما اصطلاحيا، و إن كان الجميع‌

109

يتّفقون على هذا الرأي.

12- لا يلزم في الرأي العام أن تجتمع عنده كلّ الآراء، بل الرأي العام هو الذي تكفي فيه الشهرة أي هو الذي يمثّل الأكثرية المطلقة لا الأكثرية المقيّدة، مثلا إذا كان 90% رأيهم هكذا فهذا يسمّى رأيا عاما و لا يعتنى بالباقي و هو 10% من الذين لا رأي لهم في الموضوع أو ذوي الرأي المخالف.

13- الرأي العام من الناحية الفعلية هو حصيلة معرفة الفرد، فكلّما كانت معرفة الفرد عينية و حرّة كان رأيه انتقائيا و حرّا، أمّا هل أنّه مطابق للواقع أو ليس بمطابق فهو شي‌ء آخر. و الكلام الآن ليس في الحقّ و الصدق و إنّما في الرأي العام بميزاته و صفاته و خصوصياته.

14- الرأي العام الناتج عن الخوف و ما أشبه ذلك بسبب الديكتاتور المتسلط بالاستخبارات و التهديد و الرعب لا يسمّى رأيا عاما، بل هو رأي ظاهري في الناس تقف وراءه السلطة الطاغية، و مثل هذا و إن كان رأيا عاما صوريا لكنه رأي عام مخادع و ليس رأيا عاما حقيقيا.

15- الرأي العام قد يكون يقظا و قد يكون نائما، مثلا الرأي العام الذي هو في معرض العمل و الديناميكية هو رأي عام قائم، أمّا أنه لو كان كذا لكان الرأي العام كذا على نحو التعليق. فليس هو برأي عام على الاصطلاح الذي نصطلح عليه في هذا الكتاب.

110

الثبات

مسألة: من أسباب تكوّن الرأي العام الثبات في الثابتات و التلوّن في المتغيرات، فإن الأصل هو الثبات في غالب الأشياء إلّا ما خرج. و الإنسان بطبيعته ثابت في أغلب الأحيان و في أكثر أموره إلّا إذا كان هناك دافع يزيحه عن الثبات إلى عدم الثبات، كالثبات في الأكل في أوقات خاصّة و الثبات في ارتداء الملابس بألوان خاصّة في كل الأوقات. فالغالب أنّ الناس لا يحبّون الألوان الصارخة في اللباس أو الألوان البيضاء كاملا أو الخضراء كاملا أو السوداء كاملا إلّا في أوقات خاصّة، كما أنهم ثابتون في اختيار المنازل الجميلة ذات النافورات و الأحواض و الحدائق النضرة، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة، و هذه الأمور الثابتة هي بطبيعتها تصنع الرأي العام.

فالرأي العام هو المسئول عن اختيار البيوت ذات السعة المعيّنة و ذات الحدائق و ما أشبه ذلك.

نعم، كثير من الأشياء لا يريدها الإنسان ثابتة كعدم الثبات في أشكال الملابس؛ و لذا نجدهم يغيّرونها أسبوعا بعد آخر سواء من حيث التفصيل أو من حيث اللون، و هكذا في كيفية الأكل، فهم لا يعتادون أ كلّ لون واحد على طيلة الأيّام و إنّما يلوّنون في مواده و خصوصياته، و غالب النساء يردن الثبات على زوج يقتصر على زوجة واحدة و لا يرغبن بالزوج الذي يقدم على الزواج من زوجة ثانية أو أكثر. و عكس الأمر نجده عند الرجال؛ فهم يحبّون النساء اللاتي يعطين الحرّية لأزواجهن في الزواج مرّة ثانية.

111

لذا نجد في بلاد الإسلام، في الوقت الحاضر يتزوّج الرجل زوجة واحدة.

بينما كانت العادة عند المسلمين في الأزمنة الغابرة الزواج من عدّة زوجات، فالأمر يتأثّر كثيرا بالرأي العام و بالقوانين الوضعية و بالظروف المحيطة بالمجتمع كالظروف الاقتصادية و الاجتماعية.

و إذا أردنا أن نعطي المزيد من الأمثلة على أثر الثبات في الرأي العام، ضربنا مثلا بالمرشح الذي يجبر الناس على لبس زي موحد، فإنّ كثيرا منهم سوف يبتعد عن هذا المرشح و يختارون من يمنحهم حرّية اختيار الملابس.

و قد تنقلب الصورة الثابتة عند بعض الأفراد إلى صورة أخرى، مثلا:

ينتخب الناس رئيسا لأنّهم أحبّوه و تصوّروه قادرا على حلّ مشكلاتهم و يخلصهم من معضلاتهم، ثمّ بعد توليه أربع سنوات أو أقل تراهم يرفضونه بشدّة؛ لأنّهم لم يروه كما زعم من قبل فيختارون بديلا عنه.

112

التوازن بين الأهمّ و المهم

مسألة: ينشأ الرأي العام من التدبيرات التي توازن بين الأهم و المهم، فقد نجد الإنسان لا يريد الشي‌ء لكنه يطلبه لأنّ أمره دائر بين الأهم و المهم، كما لو كان الرأي العام مع الحرب بالرغم من أن الإنسان لا يريده؛ لأنّه يراه أهم من عدم الحرب، فالرأي العام حينئذ يكون مع الحرب مع أنّ الواقع و كوامن النفوس لا رغبة لها فيها، لأنّ الحرب معناها نشوء المشاكل و المعوقات.

لكن المحاربين يحاولون أن يبرروا الحرب، لا من أجل توضيح الواقع بل من أجل تبرير مواقفهم مستندين بذلك إلى قاعدة «الأهم و المهم».

و قد أشرنا- في بعض كتبنا- إلى مسألة «الأهم و المهم» و أنّها قاعدة عقلية قبل أن تكون قاعدة شرعية.

و نرى في القرآن الكريم إشارة إلى قاعدة «الأهم و المهم»- كما أوردنا ذلك في كتاب القواعد الفقهية- و هو قوله سبحانه و تعالى: وَ مٰا كٰانَ النّٰاسُ إِلّٰا أُمَّةً وٰاحِدَةً (1)، و هكذا كان رسول الله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في مختلف مواقفه و كذلك كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) في انتهاج سياسة «الأهم و المهم».

و قد يكون الرأي العام بسبب نقص في جانب من جوانب حياة الأمّة، مثلا‌

____________

(1) سورة يونس: الآية 19، و عن قاعدة الأهم و المهم راجع كتاب القواعد الفقهية للإمام المؤلف (قدّس سره) إصدار معهد التعاليم الإسلامية، طهران سنة 1414 ه‍.

113

الدولة الضعيفة؛ حيث تكون ضعيفة في ذاتها و تشعر بالنقص و الألم من هذه الناحية، فتميل إلى التعويض عن ذلك بالميل الشديد إلى الاعتزاز بالعظمة و الوطنية و السيادة الشخصية و التاريخ المجيد و ما أشبه ذلك، و لذا نجد أنّ الحكومات الديكتاتورية التي تعمل على نفض الناس من حولها تميل إلى إظهار نفسها بمظهر القوّة في المناسبات و في الأزمنة المختلفة كالأعياد الوطنية، فالناس يبررون مواقف بعضهم بهذه الأشكال، و هذا أمر حاكم في الفرد، كما و أنّه حاكم في الشعب أو الأمّة أو ما أشبه ذلك.

فغالبا نجد الفرد أنّه عند ما يكون على نقص في جانب كالفقر و المرض و الغربة، فيعوّض عن ذلك بشي‌ء آخر كالانغماس في الفرح و اللعب و ما أشبه ذلك.

و إنّ التبديل قد يجري من الداخل إلى الخارج، مثلا: الجماعة التي تعاني من مشاكل داخلية تحاول أن تنقل هذه المشاكل إلى الخارج نحو عدوّ و همّي، زاعمة بأنّ هذا العدو يريد القضاء عليهم، فينقل العداء الداخلي إلى عداء الخارجي، أو العكس، أي عند ما يكون هناك عدوّ خارجي و لا تقف الأمّة بوجهه يتحوّل الصراع معه إلى صراع داخلي. فالرغبة في الصراع كامنة في نفوسهم، و إذا لم يصرفوها في مكانها اللائق فإنهم يصرفونها في مكان غير لائق. و هكذا كانت أوربا أيّام الحرب العالمية الثانية، فقد كانت الدول الأوربية على عداء مستحكم، و قد وجدت هذه الدول في النازية مبررا لنقل العداء الداخلي فيما بينها إلى الخارج لتصبح في مواجهة هتلر، و هكذا الأمر بالنسبة إلى موسيليني، و كذلك في عهد ستالين و من أشبههم. فالرأي العام في الداخل يتكون بسبب إرادة التبديل و نقل الشي‌ء من مكانه الواقعي إلى مكان آخر، و كذلك قد يكون الرأي العام على العكس من ذلك تماما،

114

و في قبال هذا المثل الذي ضربناه بحالة أوربا في الحرب العالمية الثانية، نجد الحالة المعاكسة عند الدول الإسلامية التي لم تقف بوجه عدوها المشترك و هو العدو الصهيوني فانتقل هذا الصراع من الخارج إلى الداخل.

و النتيجة: إنّ الرأي العام يحصل بأحد أمور أربعة: إمّا بتمثيل النفس بالآخرين، أو بتمثيل الآخرين بالنفس في طرف الإيجاب، أو في الطرف السلبي من الناخبين. و كل هذه الأمور الأربعة إنّما تنشأ للتخفيف عن الألم و لجلب المنافع، و كذلك للحصول على التوافق النوعي أي أن يوافق الإنسان نفسه مع الآخرين، فإذا عمّ هذا الأمر في المجتمع يكون ذلك سببا من أسباب الرأي العام؛ إذ الإنسان بطبيعته يشعر باحتياجه للأمن و الأمان و الوصول إلى حوائجه و أهدافه الواقعية، و حيث يعرف الإنسان أنّه لا يستطيع أن يكون متوافقا دائما مع الآخرين لكن ميله إلى التوافق هو الأمر الغالب عليه، لأنّ مصلحته في التوافق أهمّ من مصلحته في الانفراد بنظرياته الشخصية، فالناس يتعلّمون فائدة التوافق و مزاياه منذ صغرهم.

فابتداء ينطلقون في التوافق مع أسرهم ثمّ مجتمعاتهم الصغيرة ثمّ مجتمعاتهم الكبيرة.

إنّ الأفراد بطبيعتهم يفضلون الوصول إلى الهدف الأهم على الوصول إلى الهدف المهم، أمّا ما يستشكل على الحكومات الديمقراطية بأنها تجعل الشعب إمّعة للقادة، فهم كالغنم الذين يتبعون الراعي الذي يتقدّمهم، فهو أمر غير صحيح، فالديمقراطية في قبال الديكتاتورية، و الديكتاتورية هي أسوأ بكثير من الديمقراطية؛ حيث يتبع كلّ الناس قائدا واحدا هو الديكتاتور، بينما في الديمقراطية يتّبع كلّ جماعة قائدا هو أميل إلى أهوائهم، مثلا القائد الديكتاتور يريد تقوية الصناعات الخفيفة بينما الناس على قسمين: قسم منهم‌

115

يريد تقوية الصناعات الخفيفة و قسم منهم يريد تقوية الصناعات الثقيلة، و هكذا بالنسبة إلى الزراعة و التجارة، فيعطى الحقّ للرأي العام في الديمقراطية أكثر ممّا يعطى الحقّ في الديكتاتورية.

و على أي حال: فالرأي العام إنّما يتكون فيما يتكوّن من إرادة التوافق بين الآراء المختلفة و ملاحظة قانون الأهم و المهم.

116

التبسيط

مسألة: ينبغي التوجّه إلى قاعدة التبسيط في صنع الرأي العام، و التبسيط عبارة عن إرجاع شي‌ء تؤثر فيه مؤثّرات متعدّدة إلى مؤثّر واحد؛ و ذلك لسهولة هذا الأمر و الارتقاء إلى عدّة عوامل، فهو شي‌ء صعب بالنسبة إلى عامّة الناس؛ لأنّهم لا يتمكّنون أو لا يريدون التفكير في المؤثر الحقيقي من كلّ جوانبه، فالغالب أنّ الناس يردّون أمورهم بين ضدين بلا ملاحظة أنّ هناك أضدادا أخرى. فمثلا يتصوّرون أنّ الأشياء بين أبيض و أسود، أو أنّ الإنسان فقير أو غني، أو عالم أو جاهل، فلا يتصوّرون ما عدا الأبيض و الأسود من الألوان الأخرى كالأحمر و الأخضر و الأصفر، و لا يتصوّرون أنّ الغني و الفقير هما لفظان متضايفان، فالفقير ذو مراتب و الغني فيه مراتب، و هكذا بالنسبة إلى سائر الأضداد، نعم إذا دار الأمر بين الوجود و العدم يكون للنقيضين اللذين لا ثالث لهما، مثل أنّ الإنسان إنّما هو موجود أو معدوم، و هكذا.

نعم، هناك أضداد لا ثالث لها مثل النور و الظلمة بناء على القول بأنّهما ضدان. و لا شكّ أنّ في النور أيضا أقساما و في الظلمة أقساما، و لهذا قال سبحانه و تعالى بالنسبة إلى الظلمة الشديدة التي فيها الكفار: أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ (1)، مثلا يقال: «إنّ المرشح الفلاني‌

____________

(1) سورة النور: الآية 40.

117

إنسان رءوف بالناس» و كلّهم يردّدون أنّه رءوف بالناس؛ و لذلك ينتخبونه في وقت الانتخابات، و إذا كانت صفة الرأفة غير كافية لانتخاب صاحبها من قبل الناس، فهناك الحزم، و هناك إدارة البلاد، و هناك تحسين أوضاع الناس، إلى غير ذلك من الأمور. فإنّ التبسيط يوجب الانسياق وراء ذلك السبب المبسط، بينما الأسباب المتعدّدة هي التي تتدخّل في الانتخابات، و غالبا ما تساعد اللغة على هذا الشي‌ء؛ إذ تساعد الفرد على أن ينظر إلى شي‌ء أو إلى شخص أو إلى موقف على أساس غير واقعي، بنظرة أنّه أبيض أو أسود، بينما الأبيض له مراتب و الأسود له مراتب، فليس بينهما كل البعد و إنّما بعض البعد، هذا بالنسبة إلى غالب الناس، أمّا الرأي العام المطّلع على ما ذكرناه، فإنّه يستند في قراراته إلى واقع المعرفة لا إلى القبول أو الردّ البسيطين بل يستند بالإضافة إلى ذلك إلى التفهّم و الإدراك و التمحيص و تحقّق أكبر عدد ممكن من العوامل الواردة المتعلّقة بهذا الموضوع؛ فلذا يكون أقرب إلى الواقع؛ لأنّ الأسباب ليست كلّها ظاهرة عندنا و إنّما الظاهر ممكن فحصه و تمحيصه.

و بهذا الصدد يقال: إنّ المرض المحدد يضره اللبن ضررا مطلقا. و قد جي‌ء بطبيب حاذق، و هو أخ المجدد الشيرازي- و اسمه السيد أسد الله- إلى مريض ابتلي بمرض، فوصف له اللبن فقالوا له: إنّه يضر و لا ينفع و أحيانا يقتل المريض. قال: «هل تعلمون أنّ هذا المرض له ثلاثون قسما: تسع و عشرون من الأقسام يقتله اللبن أما القسم الأخير و هو الذي ابتلي به المريض فإنّما شفاؤه في اللبن» و بالفعل فقد برئ من مرضه. و هكذا القول بأنّ كلّ مريض ينفعه الإسبرين، بينما اللازم على الطبيب أن يفحص المريض ليعرف إذا كان هذا الدواء ينفعه أو لا ينفعه، و كذلك في العلوم الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و التربوية و غيرها، و لذا قال بعض علماء الغرب بهذا الصدد: «إنّ القضايا‌

118

و المقولات اللفظية، و كذا التعاريف الموجزة للفعل أو الإجراء، تكون هامّة إلى أقصى حدّ عند ما لا يكون الرأي محدّد المعالم، و عند ما يكون الناس على استعداد لقبول ما يوحى إليهم من مصدر موثوق به يسعون إليه ليزودهم بتفسير ما أو آخر» (1). و لذا ورد في الحديث: (أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله) (2)، فالواضح أنّ من يجمع العقول إلى عقله يقلّب وجوه الآراء و يعرف الضارّ و النافع و يعرف الضار و الأضر و النافع و الأنفع، و لهذا يصيب الهدف أفضل من غيره.

و من اللازم على الحكومات الصحيحة أن تربّي الناس على التحقيق و الفحص و التمحيص حتّى يصلوا إلى الهدف أو إلى ما قبل الهدف بشي‌ء قليل، و لا يكونوا بعيدين عن الهدف بأميال.

و الحاصل: أنّه يجب على الإنسان الذي يريد إصابة الواقع أو قريبا من الواقع أن يجمع ألوانا من المعرفة بالإضافة إلى السمو الروحي و الاستشفاف النفسي حتّى يتمكّن من الوصول إلى الهدف أو يتمكّن من قرب الوصول، و كمثال على ذلك نقول إنّ الحركة الجزائرية و الحركة الهندية كلتيهما كانتا حركتين تهدفان إلى الاستقلال، لكن إنّ حركة الجزائر كانت أعنف، و لذا قتل تسعة ملايين جزائري مليون و نصف ناهيك عن انهدام الاقتصاد و كثرة المشوهين و المعافين إلى غير ذلك. حتّى تمكّنوا من النجاة من الاستعمار الفرنسي (3)، بينما حركة‌

____________

(1) راجع الرأي العام و تأثيره بالإعلام و الدعاية: الكتاب الأول: ص 152 للدكتور محمد عبد القادر حاتم.

(2) جاء في كتاب الانتصار: ص 254 عن علي (عليه السّلام): (رحم اللّه من ضمّ عقول الناس إلى عقله).

و في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 18 ص 382: (أعقل الناس من شارك الرجال في عقولها).

(3) احتلت فرنسا الجزائر في الخامس من تموز سنة 1830 م و دام هذا الاحتلال 132 سنة،

119

الهند التقليدية بقيادة حزب المؤتمر الهندي (1) كانت حركة لم تنتهج العنف و قد تمكّنت من تحرير الهند ذات الأربعمائة و خمسين مليون نسمة في سنة ألف و تسعمائة و سبع و أربعين ميلادية بدون خسائر فادحة، و إنّما كانت الخسارة التي وقعت و هي أربعة ملايين قد وقعت حين انفصال الهند عن الباكستان (2)، فكان ذلك خطا من الأخطاء؛ حيث أنّ بعض زعماء حزب المؤتمر الهندي كانوا يطالبون بإعطاء الأكثرية من الأقلّية المسلمة حقوقها حتّى لا يضطروا للانفصال، بينما أكثرية أعضاء حزب المؤتمر كانوا يطالبون بعدم إعطاء الأكثرية من الأقلّية المسلمة حقوقها، ممّا اضطر المسلمين إلى طلب الانفصال، هذا بالإضافة إلى ما وقع من المآسي التي لا زالت تحدث إلى يومنا‌

____________

و قامت ثورات عديدة ضد هذا الاحتلال، أبرزها ثورة عبد القادر الجزائري، و ثورة إخوان الطيبة، و ثورة أبو خضرة، و ثورة أولاد سيدي الشيخ، و ثورة الحاج محمد المقراتي. و قد واجه الاستعمار الفرنسي هذه الثورات و غيرها بكل قسوة و عنف، حتى أنهم قتلوا في اليوم الثامن من أيار سنة 1945 م أكثر من خمسة و أربعين ألف مواطن جزائري. و شكلت الحكومة المؤقتة الجزائرية في 19 أيلول سنة 1958 م برئاسة فرحات عباس معلنة انتهاء الاستعمار الفرنسي، و تحقق الاستقلال في آذار سنة 1962 و عين أحمد بن بيلا اوّل رئيس للجزائر.

(1) حزب المؤتمر: أسّسه مجموعة من المفكرين الهنود، في مجتمع يتكون من مائة و خمسين مذهبا و سبعمائة لغة و ثلاثة آلاف قومية و ستمائة حكومة لمقاومة الاستعمار البريطاني سنة 1303 ه‍ (1885 م) و عقد مؤتمره التأسيسي في بومباي من نفس السنة، و قد تناوب على رئاسته عدّة زعماء، منهم: دادابيه ناروجي، و كوخال، و كرفال ميها و بيلاك، و غاندي، و نهرو، و شاستري، و أنديرا غاندي، و قد حقّق الحزب مكاسب جمّة للشعب الهندي و على رأسها استقلال البلاد سنة 1366 ه‍ (1947 م)، و في سنة 1977 م حدث انشقاق في الحزب، فجناح تزعمته أنديرا غاندي و آخر تزعمه سردار سينغ وي شافان، و من بعد أنديرا غاندي تزعم ابنها راجيف ثم ب ف ناراسيمهاراو. راجع موسوعة السياسة: ج 2 ص 519 و «عند قدمي غاندي» لبراسات، و «قصتي مع الحقيقة» لغاندي، و «لمحات من تاريخ العالم» لنهرو.

(2) حدث ذلك في سنة 1947 م عند ما أعلن محمد علي جناح قيام دولة إسلامية اسمها الباكستان.

120

هذا، و قرابة خمسين سنة من مأساة كشمير أولا، و مأساة انفصال بنغلادش (1)- الباكستان الشرقية- عن الباكستان الغربية ثانيا، و في الحرب بين الهند و الباكستان قتل أكثر من ثلاثة ملايين.

____________

(1) كانت بنغلادش قبل آذار سنة 1971 م تدعى باكستان الشرقية، و كانت تشكل إحدى المقاطعات الخمس التي تؤلف باكستان بعد انفصالها عن الهند سنة 1947 م، و انفصلت بنغلادش في عهد مجيب الرحمن و بتشجيع من الهند ضد الباكستان. راجع موسوعة السياسة: ج 1 ص 571.

121

علاقة التفكير بالتناقض و التضادّ

مسألة: من أسس الرأي العام أنّ الأمر إمّا هذا و إمّا ذاك، و هذه حقيقة بالنسبة إلى التناقض- و هو إمّا وجود أو عدم-، و من المحال جمعهما، كما و أنّه من المحال رفعهما، و هذا المنطق ينسب إلى أرسطو، أمّا منطق الديالكتيك فليس أكثر من مغالطة صريحة، و قد أشرنا إلى هذا الأمر في بعض كتبنا (1)، كما ألمعنا إليه سابقا.

نعم، كون الأمر إمّا هذا أو ذاك لا يمكن جمعهما و لا يمكن نفيهما خاصا بالتناقض. أمّا في غير التناقض فلا يصحّ هذا الترديد؛ لإمكان أن يكون وجودين و لإمكان أن يكون عدمين، فلا يصح عند العقلاء أن يقال: اللون إمّا أبيض أو أسود؛ لإمكان عدمهما بأن يكون أصفر، كما لا يصح أن يقال: هذا إمّا إنسان و إمّا حيوان؛ لإمكان أن يكون كلاهما و هو الإنسان؛ حيث أنّه حيوان و إنسان، و لذا فاللازم في الحصر أن يعرض على أنّه من التناقض أوّلا فإن كان من التناقض صح الحصر بين هذا أو ذاك، و إذا لم يكن من التناقض لم يصح ذلك، فقول بعضهم: «الأشياء دائما بين هذا و هذا» غير صحيح. مثلا: يقول بعضهم اللون إما أبيض أو أسود، و الناس إما أخيار و إما أشرار، و الشخص إما غني أو فقير، و المعتمد إما خائن أو أمين، و الحكومة إما ديمقراطية أو غير ديمقراطية، فإنّ هناك فرقا بين أن يقال: هكذا، و هو صحيح. و بين أن يقال:

____________

(1) راجع كتاب: نقد النظرية الديالكتيكية للمؤلف (قدّس سره).

122

الحكومة إما ديمقراطية أو ديكتاتورية، و هكذا بالنسبة إلى كلّ ترديدين. أمّا ظهور القضايا فاللازم أن تقاس بالمنطق، و لذا يقال للمنطق: نظام العلوم.

و حاصل المنطق يرجع إلى الأشكال الأربعة بشرائطها المعروفة، و أن يكون في موادها من الصناعات الخمس، و الصناعات الخمس ليست كلّها برهانية و إنّما البرهان إحدى الصناعات الخمس كما ذكر في المنطق.

ثم إنّ المنطق الأرسطي ليس إبداعا من أرسطو و إنّما كشفا منه، كما أنّ قانون أرخميدس (1) ليس إبداعا منه و إنّما هو كشف.

و على كلّ: فمن أسس الرأي العام التفكير، إمّا هذا و إمّا هذا في المنطق التناقضي، و عدم إمّا هذا و إما هذا في غير التناقض.

نعم، هناك أشياء عقلية أخرى ترجع إلى التناقض في استحالتها، مثلا:

التضاد، و كون الكلّ يساوي الجزء، و الدور كلّها محال؛ لأنّها ترجع إلى التناقض، و كلّ ما لا يرجع إلى التناقض فليس محالا، حتّى وجود شريك الباري محال، لانه راجع إلى التناقض أيضا.

و لا يخفى أنّ الناس في غير التناقض و ما ترجع إليها المحالات لا يكون تفكيرهم صحيحا على الأغلب؛ لأنّ تفكيرهم يرجع إلى الإطلاق بين الأمور النسبية، مثلا: فلان ناجح أو فاشل ليس على إطلاقه و إنما يجب أن نعرف أنّ الفشل له درجات كما و أن النجاح له درجات.

نعم، الدرجة الأخيرة من النجاح و الدرجة الأخيرة من الفشل متقابلان، و لا يعقل جمعهما و لا يعقل رفعهما بالنسبة إلى الموضوع القابل، و إنّما ذكرنا موضوع القابل لأنّ في غير موضوع القابل لا يصدق لا هذا و لا ذاك.

____________

(1) و ينص قانون أرخميدس على أن كل جسم إذا ما غمر في سائل يتلقى دفعة عمودية من أسفل إلى أعلى توازي ثقل ما شغل مكانه من السائل. راجع المنجد في الاعلام: ص 33.

123

مثلا الإنسان إمّا عاقل و إمّا مجنون، أمّا الله سبحانه و تعالى فليس بعاقل و لا بمجنون؛ لأنّ الله ليس محل ورود هاتين الصفتين، كما أنّه لا يصح أن يقال: الحائط إمّا سميع أو أصم؛ لأنّ الحائط ليس موضعا قابلا لهاتين الصفتين؛ فالسمع و الصمم يمكن نسبتهما للإنسان و الحيوان و الملك و الجن و من أشبه. و هذه مباحث فلسفية ليست من شأن هذا الكتاب التعرّض لها، و إنّما أردنا الإشارة إلى أنّ التفكير بالنسبة إلى التناقض و التضاد و سائر المحالات و ما أشبه، فكذلك التفكير النسبي هو أساس الرأي العام.

124

العاطفة و الرأي العام

مسألة: العاطفة لها سلطة على الإنسان غير الحكيم حيث ترجّح عنده على سلطة التعقّل، و هذا السلوك يطلق عليه في الشريعة الإسلامية بالهوى؛ و لذا قال سبحانه و تعالى: وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ (1)، و إنّ الأمر يتطلب خوفا من الله سبحانه و تعالى، و الخوف من الله سبحانه و تعالى عبارة عن تقييم الأشياء بموازينها الواقعية، لذا نرى أنّ بعض المدخنين بل أكثرهم يعترفون بأنه ضار لكنهم مع ذلك يرجحون العمل بهواهم و تقديمه على عقولهم فيدخنون، ثم ينتهي أمر جماعة منهم إلى الهلاك بالسرطان (2) أو أمراض أخرى.

____________

(1) سورة النازعات: الآيتان 40- 41.

(2) ذكرت الإحصاءات أنه يموت سنويا خمسة ملايين شخص بسبب التدخين، و أن 30% من السرطانات سببها التدخين، فقد ذكرت المصادر العالمية: أن 87% من سرطانات الرئة، و نحو 96% من سرطانات الحنجرة، و 76% من سرطانات المري‌ء، و 21% من سرطانات عنق الرحم سببها التدخين. و أنّ أربعة آلاف و سبعمائة مادة سامة توجد في السيجارة الواحدة، و إن التدخين يولد الاكتئاب عند الإنسان، لأن النيكوتين يؤثر على الخلايا الدماغية المرتبطة بالاكتئاب.

علما بأنّ منطقة الشرق الأوسط وحدها تستهلك يوميا أكثر من ثمانية مليارات سيجارة، يقدر ثمنها ب‍ 5، 2 مليار دولار، و هذا المبلغ يكفي للقضاء على الأمية في هذه المنطقة، و في أمريكا وحدها أكثر من خمسين مليون شخص يتعاطى السجائر، إن مدمني التدخين الذين بدءوا في سن الخامسة عشر معرّضون لخطر الوفيات بسبب سرطانات الرئة بواقع واحد من خمسين، و في غير أمريكا بواقع واحد من ثمانمائة. و إن الشخص الذي يدخن علبتين من السجائر في اليوم ينقص خمس سنوات على الأقل من عمره المتوقع.

125

تشخيص القضايا

مسألة: يجب التوجّه إلى التشخيصات الحقة لكل فرد و التي يستلهمها من واقعه و رؤيته للأحداث، فإن لكلّ إنسان تشخيصاته التي يأخذها من مختلف مناحي الحياة، و هذه المناحي هي الدينية و الاجتماعية و الأخلاقية و غيرها، مثل تشخيصه أنّ إله الكون هو الله أو الصنم، و أنّه من الأفضل أن يتزوّج زوجة واحدة أو أكثر، و أن تجارة الطعام أهم أنواع التجارة لاحتياج الناس إليها، أو أنّ تجارة القماش أفضل و أغلى من تجارة الأطعمة، و أنّ الأفضل في عالم الصناعات التوجه إلى الصناعات الخفيفة- لا الثقيلة-، أو التوجّه إلى الصناعات الثقيلة- لا الخفيفة-، و نحو ذلك من الأمور الكثيرة.

هذا من جانب، و من جانب آخر: فإنّ المفاهيم العامّة تشخص في أمور خارجية كالعكس أي الأمور الخارجية توسّع في كليات عقلية، مثلا:

مشخّصية الأخلاق الرفيعة يكمن في سلامنا على كلّ واحد واحد. أو مشخّصية أنّ الشمس نجم يبزغ في النهار، كما أنّ الحرّية و العدالة و القانون و الدين و ألوف المفردات الأخرى تشخّص في الخارج من قضايا شخصية، فالإنسان إنّما يعاشر القضايا الشخصية لا الكلية، و إنّما الكليّات محتاجة إليها في التطبيقات الجزئية الخارجية، و بهذا الصدد يقول أحد علماء الغرب: «إنّ العاطفة التي تتحقق بواسطتها في عقل الفرد أسرته أو ناديه أو قريته أو بلاده إنّما تنبعث من صور غامضة و شخصية إلى حد كبير، و إنّ الدافع الذي نحسّ به لتشخيص بلادنا أو أي شي‌ء آخر يوقظ عاطفة قوية فينا، و إنّما يدلّ على أنّ‌

126

تصوّراتنا شخصية جدّا إلى درجة أنّ شعورنا العميق يربط نفسه بصورة شخصية يتعذّر اجتنابها» (1).

و الرأي العام غالبا ما يتكوّن من هذه المشخّصات و التشخيصات، فالكلّيات و الجزئيات و التطبيقات هي التي تدفع بالإنسان إلى العمل و الحسن و القبح و الثواب و العقاب و غير ذلك، و كلّما كانت تلك أقرب إلى الواقع يكون الرأي العام أقرب إليه، و لذا فاللازم أن يبحث الإنسان و يفحص في المفردات، هل هي مصاديق عن تلك الآراء الكلية التي اتخذها قطعيا أم لا؟

كما أنّه يجب عليه أن يفحص في الكليات هل هذه الكليات صحيحة أم غير صحيحة؟ و هل هي على الصحيح الذي يقول به المنطق الأرسطي، أم صحيح المنطق الديالكتيكي من جهة الكليات التي يتصوّرها كل منطق من هذين المنطقين، و إذا تحقّقت صحّة المنطق الأرسطي فهل من الصحيح أن الشكل الرابع مثلا من الأشكال الأربعة و التي شرائطها كذا و كذا أو من التي شرائطها كذا و كذا إن هذا مما يعرف بالكليّات القطعية أو بالاستقراءات العامّة، مثلا: «كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ» إنّما يعرف بسبب الإحصاءات الدقيقة و الاستقراءات العامّة؛ لأنّه لا شأن للعقل و النظر في هذا الجزئي، أمّا أنّ الضرب أو الجمع أو الجذر أو المقابلة نتائجها كذا و كذا، فإنّما تعرف بالكليّات القطعية في ذهن الإنسان، و أحيانا تكون النتائج قطعية لكن ليس من باب الحساب و الرياضيات، بل من باب البداهة، مثلا: إنّا لم نذهب إلى الصين أبدا لكنّا نعلم علم اليقين أن نيران الصين أيضا تكون حارّة كنيران العراق، و هكذا العقل و العاطفة شيئان يحسّ بهما الإنسان في داخله و إن كانا مجهولين‌

____________

(1) راجع الرأي العام و تأثّره بالإعلام و الدعاية: الكتاب الأول: ص 209 للدكتور محمد عبد القادر حاتم.

127

في حقيقتهما كجهلنا لكثير من الأشياء و معرفتنا الضئيلة المتواضعة التي لا تتجاوز أقلّ من الذرّة بالنسبة إلى العالم الواسع، كما يعرف ذلك بالتأمّل و التفكر، و مع ذلك فإن العقل عقال يمنع الإنسان من ممارسة الأمور غير المناسبة، سواء كانت ممارسة ذهنية أو ممارسة خارجية، بينما العاطفة ميل إلى جانب من الجوانب من غير تساقط العقل.

و على سبيل المثال: فإنّ العاطفة المشهودة تقتضي بذل كلّ أموالك لتقي جائعا يرتجف من البرد هو و أطفاله على قارعة الطريق في شتاء قارص بينما العقل يمنع من ذلك، و هكذا نسبة العقل مع كل إفراط أو تفريط في الجبن أو الشجاعة أو البساطة أو التدقيق أو غير ذلك من أطراف الضد و النقيض لكن بقدر ما للعقل من فائدة فللعاطفة ذلك أيضا؛ إذ لو لا العاطفة لم يتحرّك الإنسان لنصرة المظلوم و دفع الظالم و إعطاء الحقوق، و لم تكن له لذّة فكرية في ما يتلو من الأشعار و الأقوال و الأعمال العاطفية إلى غير ذلك، و لذا فكما أنّ للعقل أهميّة كبيرة بالنسبة إلى الرأي العام في مجالات الاقتصاد و السياسة و الدين و التعليم و ما أشبه ذلك، فللعاطفة نفس تلك النسبة، فهما و إن كانا في مجالين لكن الرأي العام ينجم منهما معا، كالخطيب الذي يستعين بالعاطفة التي تؤثّر في تعقّل الجماهير، إذ لو لا الجذب إلى هذا الطرف لا يعتدل الشي‌ء المحمول الذي مال إلى الطرف الآخر، كما نرى فيمن يسوق حيوانا فوقه شي‌ء، فإنّه إذا مال إلى جانب أخذه بشدّة و جذبه إلى الجانب الآخر حتّى يعتدل، و هكذا حال رجل الإعلان و الواعظ ممّن يقومون بعملية الاتّصال مع الجماهير، فالناس يريدون شيئا منهم لكن بشرط أن يكون الشي‌ء المراد على نحو العقل لا على نحو العاطفة، فقد فرّق أحد الفلاسفة بين الاستعمال المسموح به و الاستعمال غير المسموح به للاتّصال لتحقيق هاتين الاستجابتين، قال هذا‌

128

الفيلسوف: «فالشعر و النثر و الخطابة العاطفية مجالات مشروعة للأحكام العاطفية، أمّا الأحاديث السياسية و الاقتصادية و ما أشبه ذلك فيجب أن تتجنّب الألفاظ المتسمة بالعاطفة»، فاستخدام الكلمات و الإشارات في الخطابات و الأعمال التي تتسم بالعاطفة لها موضعها، لكنها ضارة حينما نحاول التفكير بوضوح في موضوع يدور حوله الجدل، كالفقه و الأصول و الأدبيات و الفلسفة و السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و ما أشبه ذلك، و إنّما جاز في الشعر ما لا يجوز في غيره، و جاز في غيره ما لا يجوز في الشعر؛ لأنّ في الشعر كبعض أنواع النثر الذي هو بمنزلته في إثارة العواطف كقول المنطقيين في التخييل.

و مثال على ذلك هذا البيت الشعري:

ألا فاسقني خمرا و قل لي هي الخمر * * *و لا تسقني سرا إذا أمكن الجهر

(1)

____________

(1) للشاعر أبي نواس من البحر الطويل، و هو البيت الأول من قصيدة تحتوي على 13 بيتا.

راجع ديوان أبي نواس: ص 242 و ديوان الخمريات تحقيق الدكتور أسعد ذيبان ط دار المسيرة.

و أبو نواس هو الحسن بن هاني بن عبد الأوّل بن الصباح، و أن جده كان مولى الجرّاح بن عبد اللّه الحكمي والي خراسان، فنسب إليه؛ و إنّ أباه كان من جند مروان. ولد أبو نواس في الأهواز سنة 145 ه‍ (762 م) و مات سنة 198 ه‍ (813 م)، مات أبوه و هو رضيع و انتقلت به أمه إلى البصرة و بقي فيها حتى سن الثلاثين، درس عند أبي عبيدة و خلف الأحمر و أبي زيد الأنصاري و يحيى بن القطّان و أزهر السمّان، و اتصل بالبرامكة و آل الربيع و بهارون العباسي ثم قصد الخصيب في مصر فمدحه ثم هجاه. و لما صار الأمين خليفة جعل أبا نواس شاعره الخاص و عند ما وقع النزاع بين الأمين و المأمون على الحكم، استغل المأمون هذا البيت الشعري لمحاربة الأمين و شاعره أبو نواس، حيث كتب المأمون كتابا في عيوب أخيه الأمين يقرأ على المنابر و في المساجد، و ذكر فيه أن الأمين استجلس شاعرا ماجنا و كافرا و استخلصه ليشرب معه الخمر و يرتكب المآثم و يهتك المحارم. من آثاره: ديوانه «الندى» الذي يتضمن 12 ألف بيت من الشعر في الخمر و المجون و الغزل و المدح و الرثاء و الهجاء. راجع: أدباء العرب: ج 2 ص 60، تاريخ الآدب العربي لحنّا فاخوري: ص 387، روضات الجنات: ج 3 ص 38، شذرات الذهب: ج 1 ص 345، خزانة الأدب: ج 1 ص 168، تاريخ

129

حيث فسّر أحد المعلمين هذا الشعر لتلاميذه قائلا: «إنّ الشاعر كان في غاية المعرفة فأراد أن يستفيد من الخمر بحواسه الخمسة؛ حيث إنّه يأخذ كأس الخمر فيلمسه بيده و يتذوقه بلسانه و يشمّه بأنفه و يسمعه بأذنه حيث قال: قل لي هي الخمر. أمّا العين فإذا كانت في النور فترى الخمر و تلتذ، و إذا لم تكن في النور لم تلتذ برؤيته، و لذا قال و لا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر، و المراد بالجهر و السرّ: النور و الظلام».

و قد قال الشاعر حين سمع هذا المعلّم يعلق بهذا التعليق على شعره: بأنّه لم يقصد هذا الأمر الجميل الذي قاله المعلم و إنّما أضاف المعلّم جمالا إلى الشعر بذلك التفسير.

و كيفما كان: فالمقصود الآن من كلام العقل و العاطفة أنّ هذين الأمرين صانعان للرأي العام، لأنّ الرأي العام إنّما يؤخذ من العقل و العاطفة معا، فإذا استعمل العقل في موضعه في ألوف المواقع، و استعملت العاطفة في موضعها في ألوف المواقع تكونان الرأي العام الصحيح، أمّا إذا زاد أحدهما على الآخر كان فيه الخبال و الانحراف، فالواضح أنّه كلما تقدّم العمر و كثرت التجارب و نضجت كفاءات الإنسان، أصبح أقل عاطفة و أكثر تعقّلا، و لذا قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) (رأي الشيخ أحب إليّ من جلد الغلام) (1)، فمواقف الشباب‌

____________

الأدب العربي لكارل بروكلمان: ج 2 ص 24، تاريخ بغداد: ج 7 ص 436، الشعر و الشعراء لابن قتيبة: ص 501، مرآة الجنان لليافعي: ج 1 ص 449، تاريخ دمشق: ج 13 ص 411، أعيان الشيعة: ج 5 ص 331، مستدركات أعيان الشيعة: ج 1 ص 29، نوابغ الروات في رابعة المئات: ص 103، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ص 198، الأعلام للزركلي: ج 2 ص 240.

(1) نهج البلاغة: ص 482 قصار الحكم، الحكمة 86، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 18 ص 327، غرر الحكم و درر الكلم: ص 41 القسم الأول ب 1 الفصل الأول ح 14، خصائص الأئمة: ص 95، بحار الأنوار: ج 71 ص 178 ب 11 ح 19، ط بيروت.

130

و مكوناتها العاطفية تتكرس بسبب التجارب و النضج و التقدّم، و لذا نرى الفرق الكبير بين الشباب و الشيوخ في مختلف المواقف، مثل الرغبة في الأمن و حبّ المال و إسقاط الامتيازات الطبقية و العنف في حلّ المنازعات و التعصّب العنصري و غير ذلك، فالشباب أكثر حدّة و نشاطا و اندفاعا في هذا الأمور من الشيوخ الذين أنضجتهم التجارب.

بين الخوف و الأمن

ثمّ من العواطف المؤثّرة في الرأي العام عاطفة الخوف، فالخوف يدفع بالإنسان إلى أن يبادر إلى أي شي‌ء يزيله، و حيث يسيطر الخوف على الناس يتكون الرأي العام بفعل شي‌ء يزيل ذلك الخوف من غير فرق بين الخوف من الآخرة أو من أمور الدنيا؛ كالخوف من الفقر و الخوف من المرض و الخوف من العدوّ و الخوف من السيل و الخوف من الزلازل و من المستقبل و الشيخوخة و ألف شي‌ء و شي‌ء.

و لذا يعرف أصحاب الإعلانات كيف يتصيّدون في الماء العكر لتأميم سفينة أو طائرة أو سيارة أو أمتعة البيوت و حتّى الخوف على أسنانهم من معاجين خاصّة أو مساحيق الأطفال أو المضادات الحيوية للأمراض المحتملة مثل تساقط الشعر و الإيدز و ما أشبه ذلك.

و مع تعدّد نواحي الحياة انتشرت المخاوف الشخصية في الولايات المتّحدة في نهاية الخمسينيات، و قد وجد أساتذة علم النفس في بعض المعاهد أنّ ثمانين بالمائة من الناس يعانون من مخاوف المتاعب المالية، و أربعا سبعين يعانون من مشاكل الأمن على أعمالهم، و تسعا و ستين يعانون من مشكلات صحّية حقيقية و مشكلات صحّية متوهّمة، و تسعا و خمسين يعانون من‌

131

مظهرهم الشخصي، و أربعا و أربعين يعانون من متاعبهم الزوجية، و سبعا و ثلاثين يعانون من مشكلات دينية، و أربعا و ثلاثين يعانون من سلوكهم الجنسي، و ستا و خمسين يعانون من حالات الخوف و الهلع على سياسة الدولة، و ثلاثا و ثلاثين يعانون من القلق على أقربائهم.

كما إنّ الخوف قد يكون من جهة من الجهات المرتبطة بالإنسان نفسه، و قد يكون من جهة غير مرتبطة بالإنسان مثل معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفيتي سابقا، و التعذيب في العراق في العهد الجمهوري، و غسل الدماغ في الحكومات الديكتاتورية، حيث توجب تلك الأمور ألم الإنسان، فالإنسان بالمشاركة الوجدانية مع الأفراد الآخرين يسري إليهم خوفهم لأنّ العالم أصبح قرية واحدة (1)، بعضها قرب بعض، و يسري الخوف من مكان إلى آخر، و لذا يدفع الخوف وسائل الإعلام و رجال السياسة و مختلف الزعماء لركوب الموجة تمهيدا لوصولهم إلى ما يريدون، فمن الواضح أنّ المضاد للخوف هو الأمن، و الأمن قد يحصله الإنسان بقوّته الشخصية و هو قليل، و قد تحصله الجماهير بسبب إيمانها بالله و اليوم الآخر؛ حيث قال سبحانه و تعالى: أَلٰا إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اللّٰهِ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ (2)، و قد يحصل الإنسان على الأمن نتيجة عامل مزيل لذلك الخوف كشركات التأمين و وسائل العلاج.

____________

(1) القرية الواحدة اصطلاح صاغه عالم الاجتماع الكندي ماك لوهان أثناء الحرب الأمريكية- الفيتنامية، عند ما تنبأ بخسارة أمريكا للحرب قائلا: «ستخسر أمريكا الحرب، لأنّ هذه الحرب تحوّلت إلى حرب تلفزيونية، و التلفزيون بدوره قد حوّل العالم إلى قرية عالمية، و سكان هذه القرية لن يسمحوا للولايات المتحدة في مواصلة قصف فيتنام إلى ما لا نهاية».

(2) سورة يونس: الآية 62.

132

الرأي العام و قداسته

مسألة: إنّ الرأي العام ليس مقدسا إلى ذلك الحدّ الذي يقدسه البعض، إذ المقدّس هو الموازين المنطقية العقلية ممّا ذكره المنطقيون من الأشكال الأربعة و الصناعات الخمس (1)، أمّا الرأي العام فيدلّ على عدم قدسيته ما نشاهده من رأيين عامين على طرفي نقيض في بلدين مثل بلاد الشيوعية و بلاد الرأسمالية، كما نشاهد من تبدّل الرأي العام إلى رأي عام مخالف، بينما التناقض لا يمكن تحقّقه إطلاقا، و كذلك الرياضيات؛ لأنّ الرياضيات أيضا مبتنية على قواعد المنطق كالتناقض في استحالة جمع و رفع و تضاد، و استحالة أن يكون الجزء مساويا للكلّ أو أعظم منه، و استحالة الكيف، إلى غير ذلك مما ذكر في المنطق، كما و أنّه لا يمكن للرأي العام أيضا أن يقدّم الحلول لجميع المشكلات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و ما أشبه ذلك و إن زعم بعض الناس ذلك.

و هكذا حال الإحصائيات التي تعارفنا عليها في هذا الزمان، فإنّ الإحصائيات غالبية لا دائمية، مثلا يحقّق صحافي عن ألف إنسان حول أنّ فلانا أفضل من فلان حتى يرشح للانتخابات و يعطى زمام البلاد، بينما نشاهد‌

____________

(1) ملكة نفسانية و قدرة مكتسبة، يستطيع عبرها استعمال الأمور لغرض من الأغراض صادرا ذلك الاستعمال عن بصيرة بحسب الإمكان، و هذه الأمور هي: البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر، المغالطة.

133

أنّه بعد ذلك إذا وصل إلى الحكم كان أسوأ النفرين، بدليل أنّه يرشح بعد ذلك النفر الثاني و يكون أفضل للحكم، و ذلك نتيجة لما ذكرناه سابقا من وجود عوامل كثيرة تصل إلى الهدف لا عامل واحد أو عاملان أو ثلاثة، و مع ذلك فإنّ العامل العاطفي عامل بالغ القوّة و التأثير سواء من الفرد أو الجماعة، و الغالب أنّ الفرد و الجماعة و الأمّة يحاولون الدفاع عن آرائهم الداخلية التي تكوّنت بسبب عوامل زمنية أو مكانية أو تقليدية أو ما أشبه ذلك، و لهذا فالرأي العام محتاج إلى عدة دراسات من نواح مختلفة، و هذه الدراسات تنتج معلومات قريبة إلى الهدف.

أقسام التجمعات

جماعة من العلماء قسّم التجمّعات إلى أقسام، فقالوا: إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي المبادئ السياسية و الكفاح من أجل تطبيقها، فإنّ هذه الجماعة تسمى حزبا.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي اللغة المختلفة عن لغة غالبية الشعب، فإنّ هذه الجماعة تسمى جالية.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي الدين المختلف عن دين غالبية الشعب، فإنّ هذه الجماعة تسمى طائفة.

أقول: لكن بشرط أن لا يطلق لفظ الطائفة على المعنى الأعم من ذلك، و إلّا فالطائفة تطلق على لون خاصّ من الدين مثل الطائفة الإسلامية الشيعية أو الطائفة الإسلامية السنية.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي النشاط المؤقت، فإنّ هذه الجماعة تسمى فريقا، مثل قولهم: فريق الكشافة أو فريق‌

134

الجوالة أو فريق كرة القدم و ما أشبه ذلك.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي المهنة، فإنّ هذه الجماعة تسمى قطاعا، مثل قولهم: قطاع العمال و قطاع الموظّفين و قطاع الطلاب المهنيين و ما أشبه ذلك.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي مجرّد التجمّع في مكان واحد، مع اختلاف الميول و الاتجاهات و المواقف، فهذه الجماعة تسمى شرذمة أو جمهرة.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي التخصص في خبرة معينة تندرج تحت مهنة واحدة، فتسمى فئة.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي الخروج عن القانون، فإن هذه الجماعة تسمى بالعصابة.

و إذا كانت الروابط المشتركة التي تربط بين جماعة من الناس هي الولاء المشترك للدولة و ما أشبه ذلك سمي شعبا أو جمهورا عاما (1).

أقول: و هذا التبويب مع أنّ صحته بالجملة لكنّه ليس بصحيح كليّة، و إنّما هي اصطلاحات خاصّة لبعض الجماعات و إلّا فالألفاظ تشمل ذلك و غير ذلك، بالإضافة إلى أن ما ذكرناه إنّما هو اصطلاح، و الاصطلاح لا يسأل عنه؛ كما قال البلاغيون: «لا مشاحة في الاصطلاح»، و إلّا فإنّ الفواصل بين هذه الجماعات ليست فواصل ثابتة، و بالتالي فإنّ جماعة صغيرة قد تتحوّل إلى جماعة كبيرة في ظرف معيّن أو نتيجة تغييرات كمية و كيفية تطرأ عليها، بل كلّ المراتب هكذا، و لذا قال‌

____________

(1) راجع كتاب الرأي العام و تأثره بالإعلام و الدعاية: الكتاب الأول: ص 157 للدكتور محمد عبد القادر حاتم.

135

الحاج السبزواري (1):

كون المراتب في الاشتداد * * *أنواعا استنار للمراد (2)

لأنّ الاشتداد دائمي، بل قد يكون من الضعيف إلى القوي و الأقوى، بل و قد يكون من الأقوى إلى القوي إلى الضعيف، و قد يكون من المماثل إلى المماثل، فكما أنّ الجماعات تتحوّل من جماعة إلى جماعة، كذلك الأفراد قد يتحوّلون من جماعة إلى جماعة، و هكذا قد يقع الانشقاق في جماعة إلى شقين، لكلّ فلسفته الخاصّة في مداركه و سائر خصوصياته (3).

____________

(1) الشيخ هادي بن مهدي السبزواري، حكيم و فيلسوف و فقيه و شاعر و عارف، ولد في مدينة سبزوار الإيرانية سنة 1212 ه‍، ثم هاجر منها إلى أصفهان للدراسة و بقي فيها عشر سنوات، تتلمذ عند الشيخ محمد تقي؛ صاحب «هداية المسترشدين» و الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي؛ صاحب «إشارات الأصول»، و الملّا إسماعيل الأصفهاني، و الملّا علي نوري، ثم انتقل إلى مدينة مشهد الرضا سنة 1242 ه‍؛ و أخذ يدرس فيها، ثم انتقل إلى سبزوار سنة 1252 ه‍ و طفق يدرّس فيها الفلسفة و العلوم الإلهية 37 سنة، و كان درسه عامرا بالطلاب و الفضلاء و العلماء، توفي سنة 1289 ه‍ و دفن في مسقط رأسه، و من تلامذته الشيخ محمد كاظم الخراساني؛ صاحب «كفاية الأصول»، و الملّا عبد الكريم القوجاني، و له أكثر من عشرين مؤلفا، منها: «شرح المنظومة» و هي على قسمين: في المنطق و الفلسفة، و كتاب «شرح الأسماء الحسنى» و «شرح على المثنوي»؛ لجلال الدين الرومي، و «تعليقات على كتاب الأسفار الأربعة» و «حاشية على الشواهد الربوبية» و «حواش على رسالة المبدأ و المعاد، و مفاتيح الغيب»؛ لصدر المتألهين، و «مجموعة رسائل» و «أرجوزة في الفقه»؛ سماها «النبراس في أسرار الأساس» و «الجبر و الاختيار» و «شرح دعاء الصباح» و «غرر الفوائد» في الحكمة. ترجمه المآثر و الآثار: ص 147، أعيان الشيعة: ج 10، مستدركات أعيان الشيعة: ج 7 ص 332.

(2) شرح منظومة السبزواري قسم الفلسفة: بحث أصالة الوجود: ص 172 للمؤلف (قدّس سره).

و الشعر من بحر الرجز.

(3) اختلفت وجهة نظر علماء الاجتماع للجماعات، فمنهم من قسمها الى أولية و ثانوية و آخر داخلية و خارجية و ثالث بسيطة و مركبة و رابع منظمة و غير منظمة و خامس طوعية و تلقائية و سادس الى التدرج الاجتماعي. للتفصيل راجع: كتاب العلاقات العامة و الاعلام من منظور علم الاجتماع: ص 330- 334 للدكتور حسين عبد الحميد.

136

سلوكيات الرأي العام

مسألة: سلوكيات الرأي العام تختلف حسب اختلاف علماء الغرب في الخصوصيات و الزيادة و النقيصة، فإنّ الرأي العام أيضا نوع من الظاهرة المرتبطة بين النفس و الخارج المرتبطة بالمصالح التي يرى أغلب الناس أنها في صالحهم، و قد وضع بعضهم قواعد و سلوكيات للرأي العام لكن تلك القواعد ليس لها كلية و شمول، و لهذا وقعت موقع النقد و التجريح من علماء آخرين، و نحن إشارة إلى ذلك نلخصها فيما ذكره بعض العلماء بقولهم: إنّ القوانين التي تتعلّق بسلوكيات الرأي العام هي:

أولا: يكون الرأي العام في أقصى درجات الحسّاسية بالنسبة إلى الأهداف العامة.

ثانيا: من المحتمل أن تؤدّي الأحداث ذات الجسامة غير العادية إلى تحويل الرأي العام من الطرف النقيض إلى الطرف الآخر و ذلك بصفة مؤقّتة، و لا يصبح الرأي العام مستقرا إلّا إذا نظر إلى ما يتعلّق بهذه الأحداث نظرة فاحصة و دقيقة.

ثالثا: من الناحية العامة فإنّ الرأي العام يتقرّر و يتحدّد نتيجة للأحداث أكثر ممّا يتقرّر و يتحدّد نتيجة للأقوال، اللهم إلّا إذا فسرت الأقوال على أنّها أحداث.

رابعا: تكون القضايا و المقولات الكلامية و كذا الآثار العامة للأحداث متمتّعة بأقصى قدر من الأهمّية عند ما يكون الناس على استعداد لتفصيل ما يوحى‌

137

إليهم من مصدر مطلع موثوق به يسعون إليه ليفسّر لهم ما يغمض عليهم.

خامسا: لا يتوقّع الرأي العام سلفا الأحداث الطارئة بل يقتصر دوره على إحداث ردّ الفعل.

سادسا: نظرا للبعد النفسي، فإنّ الرأي بصفة أساسية يتقرّر نتيجة لقوّة الصالح الخاصّ، فالأحداث و الأقوال و غير ذلك من المنبهات، تؤثّر في الرأي بقدر العلاقة المتبادلة بينها و بين الصالح الخاصّ.

سابعا: ما دام الصالح الخاصّ مرتبطا بالموضوع، فإنّ الرأي لا يمكن تغييره بسهولة.

ثامنا: عند ما يكون الصالح الخاصّ مرتبطا بالموضوع في تولي ذات النظم الديمقراطية، فإنّه يكون من المحتمل أن يسبق الرأي العام السياسة الرسمية.

تاسعا: عند ما يكون الرأي متمتعا بغالبية بسيطة أو عند ما لا يكون واضحا في معالمه و راسخا في جذوره، فإن من شأن أي حدث هام ينطوي على حقيقة واقعة، أن يحوّل الرأي إلى جانب الموافقة.

عاشرا: في الأوقات الحرجة يصبح الناس أكثر حساسية بالنسبة لكفاءة و قدرة قادتهم، فإذا كانوا يثقون بهؤلاء القادة فإنّهم يصبحون أكثر استعدادا للاعتماد عليهم في تحمّل المسئولية، أمّا إذا كانوا لا يثقون فيهم فإنّهم يصبحون أقلّ تسامحا إزاءهم، و من الفشل أن يكون الناس أقل اعتراضا على قيام قادتهم باتّخاذ القرارات الهامّة؛ حيث يشعرون بشكل ما أنّهم يجبرون على اتّخاذ هذه القرارات.

حادي عشر: يحتفظ الناس بآراء كثيرة و يقدرون على تكوين الآراء بسهولة أكثر فيما يتعلّق بالأهداف، لا الأساليب الضرورية لبلوغ هذه الأهداف.

ثاني عشر: تقوم الرغبة بتدوين الرأي العام، و شأن ذلك مثل شأن الرأي‌

138

الخاص، و حين يكون الرأي مؤسّسا بشكل رئيسي على الرغبة أكثر من تأسيسه على المعرفة و الإعلام، فمن المحتمل أن يتأرجح هذا الرأي تأرجحا كبيرا و خاصّة بالنسبة إلى الأحداث.

ثالث عشر: إنّ الأبعاد النفسية المتعلقة بالرأي هي الاتجاه و الصلابة و الاتساع و العمق.

رابع عشر: بالرغم من أنّ الرأي العام لا يتّصف دائما بالثبات إلّا أن كثيرا من ضروب عدم الثبات تكون أكثر وضوحا مما هي عليه في الحقيقة. عند ما يتمّ إدراك الآثار العامّة للمرجع و عند ما يتمّ اكتشاف المستويات الأساسية للحكم و تمييزها عن تلك التي استمدت منها الآراء.

خامس عشر: حين يكون الناس في الدول ذات النظم الديمقراطية حاصلين على فرص التعليم و الحصول على المعلومات، فإنّ الرأي العام يكشف عن حسّ عام صلب المراس، و كلّما زاد الناس إدراكا لمغزى الأفكار و المقترحات المتصلة بالصالح الخاص، ازداد احتمال موافقتهم على الآراء الموضوعية التي تصدر من قادة واقعيين.

مناقشة الآراء

تلك هي المجموعة التي ذكرها بعض علماء الغرب بالنسبة إلى سلوكيات الرأي العام، لكن الظاهر أنّها غالبا موضع نقد و إشكال، فإنّ في البند الثاني الذي يقول: «تحويل الرأي العام من طرف النقيض إلى الطرف الآخر» ليس ذلك كليا و إنّما هذا يكون قليلا دائما، و إلّا فالناس غالبا يميلون من شي‌ء إلى درجة أرفع منه أو أنزل لا إلى الطرف النقيض.

فإذا قال الرأي العام أنّ سواد الليل سواد غليظ، لا ينقلب الرأي العام بعد‌

139

ذلك إلى أنه ليس بسواد بل هو بياض، بل إذا انقلب انقلب إلى أكثر غلظة أو أقل غلظة، و كذا الحال في الحركة السريعة أو ما أشبه ذلك، فإنّها لا تنقلب إلى سكون.

و كذا الحال بالنسبة إلى البند الثالث فإنّ كلّ شي‌ء يثير الناس سواء كان قولا أو كان حدثا، فإنّه من أسباب الرأي العام، و كون الرأي العام مستندا إلى أحد هذين، مرتبط بقوّة هذا أو بقوّة ذاك من غير فرق بين الأحداث و الأقوال.

و في البند الرابع لا يحتاج الأمر إلى أقصى قدر من الأهمّية، بل الناس ينساقون إلى مصدر متّبع موثوق به يسعون إليه ليفسر لهم ما غمض عليهم سواء كان ذا أهمّية أم لا.

و بالنسبة إلى البند الخامس فإنّ الرأي العام على قسمين: الرأي العام الذي لا يتوقّع حدثا، و الرأي العام الذي يتوقّع الحدث كما هو المشاهد، فالرأي العام إذا رأى مقدّمات أمر مهم من الأحداث الطارئة فلا يقتصر دوره على إحداث ردّ الفعل و إرجاعها عند ما تقع، بل يكون له الدور قبل الوقوع.

و بالنسبة إلى البند السادس فالرأي العام دائما يرتبط بالصالح الخاص و لا يحتاج إلى قوّة الصالح الخاصّ من أنّ الناس يريدون مصالحهم، فكلّما وجدت المصالح في زعمهم أرادوا التوصّل إليه بالرأي العام، إلى غير ذلك من الإشكالات و الانتقادات التي تتوجّه إلى ما ذكره بعض العلماء مما عددناه إلى خمسة عشر.

140

الدوافع الأساسية

مسألة: الدوافع الأساسية التي تكوّن الرأي العام هي دوافع مشتركة موجودة في عامة الناس، و هي توجب أن يحصل الإنسان على رأي عام متساو مع سائر الأفراد سواء كانوا من ثقافات أو أديان أو مدن أو حضارات مختلفة بدائية أو متحضرة، فالكلّ مشتركون في هذه الدوافع التي إذا لم يحصلوا عليها تمسكوا بالرأي العام لتحصيلها و هي عبارة عن استنشاق الهواء و تناول الطعام لدفع الجوع، و تناول الماء لدفع العطش، و الجماع لدفع الشهوة الجنسية، و الاستراحة لدفع تعب الحياة اليومية، و الحاجة إلى الإفراغ الذي يدفع إلى التبول و التبرّز، و الخوف الذي يسبّب الابتعاد عن الخطر، و الألم الذي يدفع الإنسان إلى الابتعاد عن مصدره.

و الإنسان بحاجة إلى المأوى المناسب لضمان الراحة و الحفاظ على النسل و الحصول على الأمان من الشرور.

و الحركة هي ضد السكون، فالإنسان يحتاج إلى الحركة في وقت الحركة، و للسكون في وقت السكون.

و النمو الطبيعي الذي هو بحاجة إلى جري الإنسان في مجراه الطبيعي، و الصحّة التي يحتاج إليها الإنسان دائما حتى لا يمرض، و لترجع صحته إلى الحالة الطبيعية إذا مرض.

بالطبع إنّ هذه الأمور كثيرة، و لا يمكن للإنسان توفير حاجاته في هذه الأمور إلّا في حدود خاصّة في الهواء النقي و مقدار من الحرارة و الرطوبة في‌

141

الهواء، و قيام أجهزته بالعمل بسلام، و إذا تسارع النسل البشري في التزايد بصورة سريعة، فاللازم على الإنسان أن يهيئ الغذاء و الدواء و ما أشبه ذلك بالنسبة إلى مضاعفة النسل إلى أرقام مضاعفة.

تحديد النسل

و من الناس من يرى لزوم تحديد النسل (1)، لكن هذا أمر غير سليم لأنه يتناقض مع رغبات المسلمين و تقاليدهم و علاقاتهم الاجتماعية و أسسهم الدينية، و ما دامت الظروف الحياتية لا تحتم ذلك فلما ذا هذا التحديد؟!.

و يمكن للخبراء أن يضعوا حسابا لهذا الأمر فيحسبوا مقدار الموارد الغذائية التي يجب إنتاجها عند زيادة السكان. ففي اليابان لا تزيد المساحة عن مساحة محافظتين من محافظات إيران و هما كيلان و مازندران و مع ذلك فإنّ عدد السكان في اليابان ضعف عدد السكان في إيران، و الدخل اليومي في اليابان هو أكثر بكثير ممّا هو في إيران، كما أنّ معدّل العمر هناك أكبر من معدّل العمر في إيران، بالرغم من أنّ الأراضي الإيرانية أصلح للإنتاج لأنّها أراض متّصلة على عكس الأراضي اليابانية التي هي على شكل جزر، و هذا يعني أن لإيران القدرة على استيعاب عدد من السكان يزيد على عدد سكان اليابان لو أخذ الإيرانيون بالأساليب نفسها التي عمل بها‌

____________

(1) تحديد النسل: اصطلاح شائع للتحديد الإرادي للمواليد، و يشمل تحديد الاتصال الجنسي الذي يمارس في بعض المجتمعات البدائية، باتّباع وسائل طبيعية أو اصطناعية لتحديد عدد أطفال الأسرة، و عادة ما تقوم بذلك الحكومات الجائرة بوسائل متنوعة و حوافز مباشرة أو غير مباشرة، بدءا بتوفير المعلومات و انتهاء بالتعقيم الإجباري. و انتشر تحديد النسل في البلاد الغربية في بداية القرن العشرين، و قد عارضه العلماء و المفكرون باعتباره انتهاكا لنظام الطبيعة. عن هذا الموضوع راجع كتاب: «العائلة» للإمام المؤلف (قدّس سره).

142

اليابانيون (1).

و كذا الحال بالنسبة إلى كلّ العالم، و لربّما لم يستغل اليابانيون كلّ ما عندهم من الأراضي و الموارد، و معنى ذلك أنّ الفرص ستزداد أكثر و أكثر.

و لربّما سأل البعض أو شكك في فرضية أن الإنسان لو وصل إلى حد لا يتمكّن من الزيادة بالنسبة إلى الموارد الكونية، كأن يقال: الكون لا يستوعب مائة مليار من البشر حتّى إذا استخرجنا كلّ إمكاناته فلما ذا الإنتاج يكون بالنسبة إلى النسل الإنساني مستمرا مع أنّ الإله العليم القدير لا يخلق شيئا اعتباطا و عبثا.

و في الجواب نقول: إنّ الإنسان لم يخلق لهذه الحياة الدنيا فقط، و إنما لما وراء الحياة الدنيا أيضا من الحياة العظمى التي عرضها كعرض السماوات و الأرض في مثال طبيعي لا يريد التحقيق، أو المراد بالسماوات الفضاء اللامتناهي فيكون الأمر على نحو التحقيق، و إذا كان الأمر هكذا فلا مانع أن يكون الإنتاج ظاهرا هنالك، أي مثلا أن الانتاج الطبيعي يكون بمقدار ألف مليار من البشر، فإنّ مائة مليار من البشر يكون في هذه الحياة الدنيا و البقية الباقية تكون في الدار الآخرة حيث تظهر الكفاءات، و المثال الآن ما يقوله العلماء من أنّ كل طفل يولد في هذه الحياة الدنيا يكون أخا لمائة مليون طفل‌

____________

(1) و قد ذكرت الإحصاءات أن بلدا كالسودان لو استثمر زراعيا فإنّ إنتاجه الزراعي و الحيواني يكفي للوطن العربي و بعض الدول الإسلامية و الأوربية، و هكذا فإنّ ولاية تكساس الأمريكية تكفي لسكنى خمسة مليارات إنسان؛ كما قال ذلك الخبراء الأمريكيون.

ثم إنّ المشكلة ليست في تحديد النسل و إنمّا في عدم تحويل الطاقات البشرية إلى عامل إنتاج و عامل قوة، و كذلك في سوء توزيع مصادر الثروة و عدم الاستفادة الصحيحة منها، و كذلك في السياسات التنموية الخاطئة و في ضياع الفوائد و الإيداعات البترولية في البنوك الرأسمالية و في شيوع قيم الاستهلاك و تحويل المجتمع إلى مجتمع استهلاكي. و قد تطرق المؤلف (قدّس سره) إلى مشكلة تحديد النسل في كتابه «العائلة».

143

آخر تتضمّنهم قطرة المني التي تتدفّق من الإنسان في دفعة واحدة، و كلّ أولئك يذهبون إلى الفناء بينما الطفل الواحد يأتي إلى الحياة الدنيا.

فلا يقال: لما ذا هذا الإسراف الكبير في الطبيعة مع أنّها تجري وفق سنن الله سبحانه و تعالى الذي قدّر كلّ شي‌ء تقديرا دقيقا.

لأنّنا نقول: إنّ الحيا من التي لم تفلح و تخرج إلى الحياة ستكون إخوة للطفل الذي ولد، فمن الممكن أن يكون أولئك من رعية هذا الطفل الذي جاء إلى الحياة الدنيا مع كمال الرضى منهم؛ حيث ورد أن كلّ إنسان في هذه الحياة الدنيا يذهب إلى الجنة يكون هناك ملكا و له أملاك و رعايا ما شاء الله.

144

علاقة البيئة بالرأي العام

مسألة: يجب مراعاة الظروف البيئية (1) المحيطة بالإنسان في تهيئة الرأي العام، فإن الحضارات تعتمد على المناخ في تحصيل مقوّمات النجاح أو الفشل، سواء كان النجاح مائة في مائة أو خمسين في المائة، فإن الإنسان يستطيع أن يعيش في أي مكان يمكن أن يحصل فيه على الطعام و الشراب و الجو غير الخانق؛ لأنّ النشاطات البدنية و النسلية و العقلية لا تبلغ درجة عالية من النمو المترقب إلّا في مناطق قليلة تتوفّر فيها كلّ الإمكانات، فحال الإنسان في حرارته أو بيئته حال الحيوانات و الأشجار؛ فإنّها لا تتمكّن أن تعيش إلّا في بيئات صالحة لعيشها، و لذا كانت حركة هجرة الطيور من مناخ إلى مناخ بحثا عن المكان المناسب عند ما لا تجد البيئة الصحيحة في محلها الأوّل.

و الإنسان بالإضافة إلى ما يحتاجه من الأشجار و الحيوانات لا يستغني عن الحضارة و التعقّل و الأخذ و العطاء و المعاملة و ما أشبه ذلك. و لذا فبيئة الإنسان هي أصعب بكثير من بيئة الحيوان، و بيئة الحيوان أسهل من بيئة الأشجار؛ إذ الشجر لا يتمكّن أن ينتقل من مكان إلى مكان، بينما الحيوان يتمكّن من ذلك،

____________

(1) مفهوم البيئة يشمل معا الوسط الكوني، الجغرافي، الفيزيائي، و الوسط الاجتماعي، بمؤسساته، و ثقافته، و قيمه، و يؤلف هذا المجموع منظومة من القوى تمارس تأثيرها على الفرد الذي يستجيب لها على نحو خاص، وفق اهتماماته و قدراته. و قد ذكر الدكتور ممدوح حامد عطية في كتابه إنهم يقتلون البيئة: ص 17- 18 عدّة مفاهيم و تعاريف. و قد تحدّث الإمام المؤلف (قدّس سره) عن الامور التي تتعلق بالبيئة في موسوعة الفقه كتاب البيئة. علما أن نسبة 25% من الوفيات في العالم ناشئة عن التلوث البيئي.

145

و هكذا بالنسبة إلى سرعة النمو و بطئه فإنه يتوقّف كثيرا على طبيعة البيئة، فالإنسان في المناطق الحارّة يبلغ أسرع من الإنسان في المناطق الباردة.

و نستطيع أن نعتبر الاستعمار مفسدا للبيئة سواء كان سببه جهل الشعوب أو سببه خبث الاستعمار و أطماعه، فالاستعمار ينهب موارد الشعوب، فهو بالنتيجة يعبث بالبيئة فيجعلها بيئة غير صالحة للعيش من حيث الموارد، و من جانب آخر غير صالحة للعيش من حيث المناخ السياسي.

إن البيئة تتدخل في تكوين الرأي العام سواء كان الرأي العام سديدا أو غير سديد، و مثال ذلك: البيئة الجافة تدفع بالرأي العام لأجل تحسين البيئة و إنقاذها من الجفاف، و البيئة الحارّة تدفع بالرأي العام إلى تشجيع عمليات التشجير حتّى تصبح بيئة صالحة لبقاء الإنسان فيها في حالة مريحة إلى غير ذلك من الآراء العامّة التي تتولّد من البيئة، و كذلك بالنسبة إلى سائر الشئون، و من ذلك: البيئة الحارة جدّا فهي لا تصلح لتحصيل العلوم، لذا نرى في كثير من البلاد ذات الحرارة العالية هبوط مستوى التعليم فيها، بينما المناطق المعتدلة يزدهر فيها العلم و التعليم.

و إذا أردنا أن نعيش بسلام و أمان فلا بدّ من تبديل جهل الجاهلين إلى العلم و الرشد، و أنّ نبدّل خبث الخبيثين إلى الصلاح، إمّا بتبديلهم إلى الصلاح، أو بعزلهم عن الحياة، حتّى تتحوّل القيادة إلى أناس صالحين لا خبث فيهم.

146

علاقة العقل بالرأي العام

مسألة: و مما يكوّن الرأي العام: العقل، فالعقل جوهرة لم تعرف حقيقتها إلى الآن، و لعلّها لا تعرف إلى أن يزول الإنسان من الكرّة الأرضية، أو أنّها ستعرف في العالم الآخر، فإنّ كثيرا من قوتنا تتكشف هناك كما دلّ على ذلك بعض الأدلّة الواردة عن أهل البيت (عليهم السّلام).

فالعقل يكوّن الرأي العام، لأنّه مصدر للخير و الشر، و نتيجة لهذا الخير و الشر يتكوّن الرأي العام في التوجه إلى الخيرات و الدفع للشرور.

و لا يخفى أنّ هذه الفائدة للعقل إنّما هي فائدة طريقية لا فائدة هدفية، إذ أن الفائدة الهدفية هي عبارة عن توجيه الإنسان إلى طاعة الله سبحانه و تعالى حتّى يكون في الآخرة في خير و سلام دائميين، و لذا ورد في الحديث الشريف: (العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان) (1).

و في حديث آخر: إنّ الله سبحانه و تعالى خاطب العقل بقوله (ما خلقت خلقا أحبّ إليّ منك، بك أعطي و بك أمنع و بك أثيب و بك أعاقب) (2)، فالظاهر أنّ العقاب و الثواب سيكونان في الآخرة، أمّا الثواب و العقاب في الدنيا فهما طريقيان‌

____________

(1) المحاسن: ج 1 ص 195 ب 1 ح 15، الكافي (أصول): ج 1 ص 11 ح 3، معاني الأخبار: ص 239 ح 1، وسائل الشيعة: ج 15 ص 205 ب 8 ح 20288.

(2) أعلام الدين: ص 172، كنز الفوائد: ج 1 ص 57.

147

فقط؛ و لذا ورد عن علي (عليه السّلام): (الدنيا دار ممر لا دار مقر) (1)، و قال عيسى (عليه السّلام): (إنما الدنيا قنطرة فاعبروها و لا تعمروها) (2)، و المراد ب‍ «لا تعمروها» عمارة مريد البقاء و إلّا فالعمارة ضرورية للإنسان، و قد قال سبحانه و تعالى:

وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهٰا (3) أي طلب منكم عمرانها.

نعم، يمكن أن يكون المراد: «بك أثيب و بك أعاقب» حتّى في هذه الدنيا، فإنّ الثواب و العقاب في هذه الدنيا بانتشار الخير و الشر، و هما من نتائج العقل كما قال سبحانه و تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرىٰ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ (4) و من تلك البركات العقل.

أقسام العقل

و العقل ينقسم إلى قسمين: الأول طبيعي، و الثاني غير طبيعي. و الطبيعي كالأرض التي هي قابلة للإنبات فإذا أنبتنا فيها أتت بكلّ زوج بهيج، و كذلك إذا علّمنا العقل و وجهناه الوجهة الصحيحة ينتج نتائج باهرة لا نعرف منها إلّا جزءا صغيرا جدّا، كما و أنّ للإنسان صفات باطنة لم نعرف أيّا منها حتّى الآن و نعبّر عنها بالعقل و النفس و الروح، و حالات طارئة مثل الغضب و الفرح و الألم‌

____________

(1) نهج البلاغة: ص 493 قصار الحكم، الحكمة 133. و ورد نظيره في إرشاد القلوب: ج 1 ص 19 ب 2، غرر الحكم و درر الكلم: ص 149 القسم الأول ب 6 الفصل الثالث ح 2718، مجموعة ورام: ج 2 ص 218.

(2) الخصال: ج 1 ص 65 ح 95، الأمالي للمفيد: ص 43 المجلس السادس ح 1، التحصين لابن فهد: ص 30، روضة الواعظين: ج 2 ص 441، مجموعة ورام: ج 1 ص 147، بحار الأنوار: ج 70 ص 119 ب 122 ح 111.

(3) سورة هود: الآية 61.

(4) سورة الأعراف: الآية 96.

148

و الشدّة لا نعرف كنهها. و قد قال بعض العلماء بأنّ من أسباب العقل الذي هو مخفيّ على الإنسان غاية الاختفاء ما نشاهده في المنام؛ حيث أنّه جانبا من جوانب العقل و يسمّى بالعقل الباطن (1).

فما هو المنام و ما حقيقته؟. إن ما قاله فرويد (2) و غيره من السيكولوجيين لا‌

____________

(1) قسّم البعض الرؤيا إلى أربعة أقسام: أ- انها حديث النفس بالشي‌ء و التفكّر فيه. ب- أنها ألطاف من اللّه لبعض خلقه من تنبيه و تيسير و إعذار و إنذار ج‍- وسوسة الشيطان يفعلها للانسان و يذكّره بها د- أضغاث أحلام الذي لا تأويل له و لا خير فيه. و قد أشار الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لأقسام ثلاثة بحديث: (الرؤيا ثلاثة: رؤيا بشرى من اللّه، و رؤيا مما يحدّث به الرجل نفسه، و رؤيا من تخزين الشيطان).

و ذكر الشيخ عباس القمي في سفينة البحار: ج 3 ص 245: إن الرؤيا على أربعة أقسام: رؤيا من اللّه تعالى و لها تأويل، و رؤيا من وساوس الشيطان، و رؤيا من غلبة الأخلاط، و رؤيا من الأفكار، و كلها أضغاث أحلام إلّا الأولى منها.

للتفصيل عن المنامات راجع: روضات الجنات: ج 6 ص 171- 173.

(2) سيغموند فرويد، طبيب أعصاب و عالم نفساني، يهودي الأصل، ولد في النمسا سنة 1856 م، و مات في لندن إثر مرض السرطان سنة 1939 م عن عمر يناهز 83 سنة، تخرج من كلية الطب سنة 1881 م، له نظرية في التحليل النفسي عرضها في كتابه «عالم الأحلام». اشترك مع جوزيف بروير في علاج الهستيريا بالنوام او الاسترخاء، مفسرا أعراضها بأنها تعبيرات عضوية عن صدمات مكبوتة، و صراعات نفسية لا شعورية ترجع إلى الطفولة. ثم عمل بمفرده، و ترك النوام مستعيضا عنه بالتداعب الحر، مؤكدا أن الطاقة المسببة لأعراض الهستيريا التحولية طاقة جنسية.

أثارت نظريته في تطور الغريزة الجنسية منذ الطفولة الاولى، و في عقدة أوديب ضجة في الوسط العلمي.

اسس سنة 1910 م جمعية عالمية للتحليل النفسي، مارس التنويم المغناطيسي و الايحاء في فيينا. له عدة مؤلفات، منها: المدخل إلى التحليل النفسي، ثلاث محاولات في نظرية الجنس، محاولات في التحليل النفسي، مقدمة عامة للتحليل النفساني، حياتي، الذات و الغرائز، موسى و التوحيد. و لا يخفى أن فرويد يرجع كل الميول و الآداب الدينية و الخلقية و الأسرية إلى الغريزة الجنسية؛ كي يبطل قداستها و يخجل الإنسان منها و يسلبه إيمانه بسموها ما دامت راجعة إلى أدنى ما يرى في نفسه. و قد ردّ الإمام المؤلف (قدّس سره) نظريات فرويد في كتابه الموسوم: نقد نظريات فرويد.

149

دليل عليه (1).

آثار العقل

و من آثار العقل التنويم المغناطيسي (2) حيث بإمكان المنوّم أن يكتشف‌

____________

(1) و يقوم تفسير فرويد للحلم على ما يلي: إننا نستطيع أن نملك الدوافع و الأحاسيس و الرغبات التي تحرّض أفعالنا، و مع ذلك لا نملك ادراكا لها. و قد سمّى هذه الدوافع «اللاشعور» و به لم يقصد أننا غير مدركين لها و حسب بل كذلك أن «رقيبا» قويا يحمينا من أن نصبح مدركين لها. و لأيّ عدد من الأسباب، التي أهمها خشية فقدان الاستحسان من أهلنا و أصدقائنا. نحن نكبت هذه الدوافع، التي يجعلنا ادراكنا لها نشعر بالذنب أو نخاف من العقاب. و مهما يكن، فإن كبتنا لهذه الدوافع عن ادراكنا لا يعني أنها لم تعد موجودة.

فالحقيقة أنها تظل موجودة بقوة و تجد تعبيرها في أشكال متعددة، و لكن في مثل هذه الحال لا ندرك أنّها دخلت من الباب الخلفي، إن جاز التعبير. و يعتقد نظامنا الشعوري أنه قد تخلّص من مثل هذه المشاعر و الرغبات غير المستحبة و ترهبه فكرة أنها قد تكون في داخلنا، و حين تعود و تظهر حضورها، تكون محرّفة و متنكّرة إلى حدّ أنّ تفكيرنا الشعوري يخفق في أن يتبين ما هي.

نقلا عن كتاب اللغة المنسية: ص 78 للمؤلف إريك فروم. ترجمة محمود منقذ الهاشمي الصادر عن اتحاد الكتّاب العرب.

ثم إنّ الإمام المؤلف (قدّس سره) رأى تفسيرا آخر لكلام فرويد. يقول في هذا الصدد: «فإنّ فرويد يرى أنّ الأحلام بقية وراثة في النفس، كما أن الزائدة الدودية بقية وراثة في الجسم. يقول في هذا الصدد أنّ أسلافنا القردة كانت تعيش فوق الأشجار، فكانت تخاف السقوط، كما كان يتفق أن يسقط أطفالنا من أعلى الشجرة، و هذا الخوف هو الذي ورثه أطفالنا، و لذا كثيرا ما يرى الطفل في المنام أنه يسقط من مكان عال أو هو مشرف على السقوط ..

فالطفل ورث الأفكار، و تظهر الوراثة في المنام. راجع كتاب نقد نظريات فرويد: ص 49 للإمام المؤلف (قدّس سره). كما فصل المؤلف (قدّس سره) الحديث عن ذلك في موسوعة الفقه كتاب علم النفس.

(2) يعرف التنويم المغناطيسي: بانه حالة من النوم الجزئي يثار اصطناعيا، يظل الفرد خلاله قادرا على ان يطيع بعض الايحاءات التي يصنعها المنوّم المغناطيسي. و يعرف كذلك: انه شلل الإرادة او ضرب من خدر الشعور.

في التنويم المغناطيسي يصبح الدماغ و وعيه مشلول الحركة، فالمريض يصبح مطيعا لكل

150

عوالم غريبة لا توجد فيها المسافات و لا يلاحظ فيها الألم و لا اللذّة المادية.

كما و أنّ التنويم المغناطيسي باستطاعته أن يكشف للإنسان عن أشياء لا سابقة لها و لا لا حقة له بها، فيكتشف أمورا لا يعلمها في السابق و لا في اللاحق.

و البحث في كون التنويم المغناطيسي هو جزء من العقل أو سلطة أعلى من سلطة العقل: فهو خارج عن مجال بحثنا. و قد قال سبحانه و تعالى: وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا (1).

____________

فعالياته اللاواعية التي يوجهها المنوّم المغناطيسي، و عندئذ تصبح عواطف المنوّم و أفكاره موجهة في الاتجاه الذي يحدده المنوّم. راجع الموسوعة العربية الميسرة و الموسعة: ج 3 ص 1227، معجم علم النفس: ج 6 ص 2640.

(1) سورة الإسراء: الآية 85.

151

الإدراك و الرأي العام

مسألة: الرأي العام تابع للإدراك، فالإدراك الذي يبلغه الإنسان هو الذي يسيّره على شاكلته، سواء كان واقعا أو غير واقع، فإذا أدرك الناس أنّ فلانا عدو لهم و إن كان في الواقع صديقا لهم، عملوا حسب عداوته المزعومة بمحاربته، و إن أدركوا أنّه صديق لهم، عملوا حسب صداقته، سواء كانت واقعا أو غير واقع، فكذلك بالنسبة إلى إدراكهم أنّ الشي‌ء الفلاني يضرّ اقتصادهم أو ينفعه، أو يضرّ سياستهم أو ينفعها، أو له ضرر في جهة من الجهات أو نفع من جهة من الجهات، فإنّهم يمشون وراء ذلك الإدراك إذا كان بحدّ المنع من النقيض؛ لأنّ الإدراك قد يكون بحدّ المنع من النقيض و قد لا يكون بذلك الحدّ، فإذا كان بحد المنع من النقيض سلكوا سلوكا واجبا في نظرهم، و إذا لم يكن بحد المنع من النقيض أمكن أن يسلكوا إلى ذلك المدرك لكن على سبيل الفضيلة و الاستحباب عندهم، أما من زعم من الغربيين ك‍ (فرويد)؛ حيث اعتبر العامل الجنسي هو الأساس في أفعال الإنسان و تصرفاته (1)، و ك‍ (ماركس) (2) الذي اعتبر الاقتصاد هو الأساس في الحياة،

____________

(1) و لذا استشكل بعض العلماء على النظرية التجزيئية التي دعى إليها فرويد و غيره في مجال التحليل النفسي و اعتبروها أضافت إلى المشكلة مشكلة أخرى و أنهم بكلامهم قد تجاوزوا الحدود و القيم العلمية.

(2) كارل ماركس الألماني، مؤسس الحركة الاشتراكية و فيلسوف الشيوعية، ولد بمدينة «ترير» سنة 1818 م، من أبوين يهوديين، و مات في لندن سنة 1883 م، دخل العمل السياسي و الاجتماعي سنة 1841 م؛ فأبعد من ألمانيا إلى فرنسا و منها إلى لندن؛ فعمل بالصحافة

152

و هكذا من زعم غير ذلك من المزاعم، فإنّ جميعهم أخذوا بشي‌ء من خلفيات الإدراك؛ لوضوح أنّ الإدراك إنّما يكون عن مجموع أشياء كالسياسة و الثقافة و الاقتصاد و التربية و الجنس و الفردية و ما أشبه ذلك.

و على أي حال: فالإدراك ملخصا يكون هو المسيّر للناس و المكوّن لآرائهم العامّة، لكن من الواضح أنّ الإدراك إنّما يراد به في هذا المقام الإدراك المعدّل (1) أي مع ملاحظة التناقضات و المضادات و الزوائد و النقائص و ملاحظة الأهمّ و المهم و الضرر و الإضرار و غير ذلك من الأمور.

و من هذه النقطة تبيّن لنا وهن نظرية ديكارت (2)؛ حيث نشر مقالا عن‌

____________

فيها سنة 1848 م، و كتب مع فردريك إنجلز البيان الشيوعي في نفس السنة، و الذي حددا فيه مبادئ الشيوعية الحديثة و وجها فيه نداء إلى عمال العالم يدعوهم إلى الاتحاد و التعاون. و قد أصبح هذا البيان أحد الركائز الرئيسية التي قامت عليها الأحزاب الاشتراكية و الشيوعية، و خلال تواجده في لندن دوّن الكتب التالية: «الصراع الطبقي في فرنسا/ 1850 م» و كتاب «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي/ سنة 1859 م»، و كتاب «نداء إلى الطبقات العاملة في أوربا/ سنة 1864 م»، و كتاب «رأس المال/ سنة 1867 م». راجع موسوعة السياسة: ج 5 ص 635، الموسوعة العربية الميسرة و الموسعة: ج 7 ص 3088.

(1) غير المتساوي.

(2) رينيه ديكارت، فيلسوف و عالم الرياضيات و الهندسة التحليلية و الطبيعيات الفرنسي، ولد في لاهاي سنة 1596 م، و مات بمرض التهاب الرئة سنة 1650 م. حصل على الحقوق سنة 1616 م. يعد مؤسس العقلانية ذات التوجه العلمي، كما أنه رفض الأخذ بالتقليد المدرسي، فأقام فلسفته على الشك المنهجي، فشك في معارفه جميعا، حسية كانت أو عقلية، لاحتمال أن يكون مخدوعا فيها، لكنّه وجد ثمة شيئا لا يقبل الشك، و هو حقيقة كونه يشك.

و لم يكن ليستطيع الشك لو لم يكن موجودا. اذن فهو موجود لأنه يشك. و لما كان الشك تفكيرا. فهو موجود لأنّه يفكر. و بهذا انتهى إلى مقولته المأثورة: «أنا أفكر. إذن فأنا موجود». و من هذه البداية اليقينية، انتقل إلى اثبات وجود اللّه، ثم إثبات وجود العالم.

اخترع المحاور الكارتيزية في الهندسة التحليلية و التي تستخدم في التمثيل البياني، و استطاع أن يعالج الجذور السالبة، و أن ينسق رموز الجبر، و ان ينشئ الإحداثيات المعروفة باسمه، و حاول تطبيق المنهج الرياضي على الفلسفة. من مؤلفاته: انفعالات

153

المنهج، فكتب قائلا: «إنّ الإدراك السليم موزّع توزيعا متساويا بين الناس، فكلّ إنسان يعتقد أنّه مزوّد بقدر كبير من الإدراك الصحيح، إلى حدّ أنّ أشدّ الناس صعوبة في كسب رضاهم حول أي شي‌ء لا يرغبون في زيادة ما لديهم من إدراك».

أقول: من الواضح أن هذا غير تام؛ لأنّ الناس قد يكونون على طرفي نقيض، فهل من الممكن أن يكون الشي‌ء الواحد موجودا أو معدوما؟! كما أنّ من الناس من يكون على طرفي نقيض و أن من الممكن أن يكون الشي‌ء أبيض و أسود، و هذا في الحقيقة ناشئ من عدم إدراك موازين التناقض، و التضاد، و الخلف، و الدور، و فساد تساوي الكلّ و الجزء، و ما أشبه ذلك؛ ممّا أشرنا إليه سابقا.

ثم إنّ أصحاب هذه النظريات (1) فسروا بياناتهم في صورة مفاهيم مفكّكة غير متماسكة أحيانا، و في صورة غامضة و فجة أحيانا أخرى، و في كلّ الحالات فإنّهم يرجعون نزعة الشذوذ إلى فترات الطفولة و يعتقدون بأشياء تخالف الفطرة البشرية، و يعتقدون بالعلاج من هذا الأساس المتهافت.

و نحن لا ننكر قيمة التحليل النفسي في الكشف عن بعض الأمراض النفسية لكن لا نرى أنّه قادر على إعطاء العلاج الشافي و الكامل للمرضى.

و نحن لا ننكر أنّ خبرات الطفولة ذات أثر كبير في حياة الناس، لكن أن تكون هي الأساس في بناء الشخصية الإنسانية فهذا ما لا يتّفق و النظرة الواقعية.

و قد أثبت العلماء- فيما بعد- بعض المصاديق الجزئية لنظرية فرويد‌

____________

النفس، علم انكسار الأشعة، تأملات في الفلسفة الأولى. راجع موسوعة السياسة: ج 2 ص 747، الموسوعة العربية الميسرة و الموسعة: ج 4 ص 1750.

(1) كفرويد و ماركس و آدمز و يونج و غيرهم.

154

و ماركس، لكن في الجملة استمرت هذه النظريات عرضة للنقد العلمي.

و على أي حال: فللإدراك الإنساني دخل في تكوّن الرأي العام لأفراد كثيرين، يشكّلون الرأي العام إمّا لهذا الجانب أو لجانب آخر أو إلى أحد الجانبين.

و لذا يقول أحد العلماء (1): «لقد كثر اعتماد الباحثين على جمع المعلومات عما يعتقدها الناس أو يتصورون أنه لا بد من الاعتقاد بها بدلا من دراسة العوامل العاطفية من وراء تفكيرهم و مع أن استطلاعات الرأي لها قيمتها في بعض الأعراض. و إنّنا بحاجة لأن نعرف أكثر؛ لأنّ الاستطلاعات ليست الأداة الفاعلة لفهم العوامل التي تعمل تحت سقف الرأي، و بدون معرفة هذه العوامل لا نستطيع التكهن بالطريقة التي يتصرّف بها الأفراد في المواقف الحرجة، و في الآراء التي يعترفون بأنّهم يؤمنون بها، و في المذاهب و الإيديولوجيات الجديدة التي يرفضونها، فمن ناحية القوى المحرّكة للمجتمع يكون لكلّ رأي قيمته بمقدار الرصيد العاطفي الذي تمتد جذور هذا الرأي فيه».

أقول: إنّ للعاطفة مدخلية كبرى في صناعة الرأي العام، كما و أنّ للعقل مدخلية أيضا، و كلّ من العقل و العاطفة له جذوره في البناء الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي و التربوي و العائلي و الجغرافي و ما أشبه ذلك، و من هذا المجموع يتكوّن العقل و العاطفة، و منهما يتكوّن الرأي العام.

كما و أنّ للوراثة مدخلية لا على نحو الكليّة و إنّما على نحو الجزئية، فلو فرضنا أنّ إنسانا ولد في بغداد لأبوين بغداديين ثمّ انتقل إلى النجف الأشرف، فإنّه بعد كبره يصبح متّصفا بصفات النجفيين، و إن كان لولادته في بغداد تأثير وارد في التفكير و السلوك أيضا.

____________

(1) و هو عالم النفس الأمريكي الألماني الاصل إريك فروم.