الفقه، الرأي العام و الإعلام

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
632 /
205

المحرضين عليه عمرو بن العاص (1)، فقد نقل ابنه عنه بأنه قال له: أنا أبوك‌

____________

خراسان و الوليد بن عقبة على الكوفة. قال ابن قتيبة في المعارف: و كان مما نقموا على عثمان أنه آوى الحكم بن أبي العاص و أعطاه مائة الف درهم و قد سيّره رسول اللّه ثم لم يؤوه أبو بكر و لا عمر. ج‍- إعطاؤه فدك لمروان بن الحكم و هي صدقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و في هذا يقول العلامة الأميني في كتابه الغدير: «ج 8 ص 237»: أنا لا أعرف كنه هذا الإقطاع و حقيقة هذا العمل، فإن فدك إن كان في‌ء للمسلمين كما ادعاه أبو بكر، فما وجه تخصيصه بمروان، و إن كان ميراثا لآل رسول اللّه كما احتجت له الصديقة الطاهرة في خطبتها و احتج له أئمة الهدى من العترة الطاهرة و في مقدمهم سيدهم أمير المؤمنين عليه و (عليهم السّلام). فليس مروان منهم و لا كان للخليفة فيه رفع و وضع و إن كان نحلة من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لبضعته الطاهرة فاطمة المعصومة (عليها السّلام) كما ادعته و شهد لها أمير المؤمنين و ابناها الإمامان السبطان و أمّ أيمن المشهود لها بالجنة فردت شهادتهم بما لا يرضى اللّه و لا رسوله، و إذا ردت شهادة أهل آية التطهير فبأي شي‌ء يعتمد؟ و على أي حجة يعوّل؟.

د- بعد فتح إفريقيا أعطى خمسها إلى مروان. ه‍- نفيه للصحابي أبي ذر الغفاري- الذي كان ينكر على الولاة و بطانة عثمان استئثارهم بأموال المسلمين و عدم إنفاقها في وجوهها الشرعية- إلى الشام ثم استقدمه إلى المدينة لما اشتكى منه معاوية، ثم نفاه الى الربذة. و- يعد أول من أقطع الإقطاعات في الإسلام كما ذكر السيوطي في تاريخه: ص 18.

س- كل أرض تركها أهلها كان يعطيها للعرب دون غيرهم كما ذكر ذلك الزركلي في كتابه الأعلام: ج 4 ص 371.

و نتيجة لفساد ولاته سارت إلى عثمان الوفود من مصر و البصرة و الكوفة و معهم أهل المدينة يطلبون منه أن يردّ المظالم و يعزل كل عامل كرهوه، فأعطاهم الرضى، فانصرف القوم، فلمّا كان المصريون ببعض الطريق وجدوا كتابا مع غلام عثمان إلى عامله على مصر عبد اللّه بن أبي سرح أن يضرب أعناق رؤساء المصريين، فرجعوا إلى المدينة و حاصروه مدّة أربعين يوما ثم قتلوه، و كان ذلك في ذي الحجة سنة 35 ه‍ (655 م) و دفن في مقابر اليهود. راجع تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 162- 177، الاستيعاب: القسم الثالث ص 1044، أسد الغابة: ج 3 ص 376، الكامل في التاريخ: ج 3 ص 168، النجوم الزاهرة: ج 1 ص 92، شذرات الذهب: ج 1 ص 40، الإصابة: ج 4 ص 377 و ص 379، أعيان الشيعة: ج 1 ص 437، الأعلام للزركلي: ج 4 ص 371، موسوعة طبقات الفقهاء للسبحاني: ج 1 ص 196، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 118، تهذيب التهذيب: ج 7 ص 127، النص و الاجتهاد: ص 284، العقد الفريد: ج 4 ص 283، مجالس المؤمنين للتستري: ص 56 المجلس الرابع.

(1) عمرو بن العاص، و العاص قد استلحقه وائل السهمي- الأبتر شانئ رسول اللّه-، ولد قبل الهجرة و بالتحديد سنة (573 م) و مات سنة 43 ه‍ (663 م) و دفن في المقطم من ناحية الفج

عن عمر يناهز التسعين سنة. اشتهرت أمّه، نابغة بنت حرملة بالغناء و البغاء؛ فقد زنا بها أبو لهب و أمية بن خلف الذي نزلت في حقه وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ و هشام بن المغيرة والد أبو جهل و أبو سفيان بن حرب و العاص بن وائل و كلهم في طهر واحد؛ فحملت بعمرو فتنافسوا جميعا على مولودها و أرجعوا الحكم إليها، فاختارت العاص، فقالوا لها: ابنك أشبه بأبي سفيان فلما ذا اخترت العاص؟ فقالت: بخل أبي سفيان، و العاص أقدر على دفع النفقة.

و قد قال له الإمام الحسن (عليه السّلام) تعريضا به: (تحاكمت فيك رجال قريش، فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسبا، و أعظمهم لؤما، فإياك عني فإنك رجس). راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 28 و نظير ذلك في كتاب الاحتجاج: ج 1 ص 269- 275.

و قد هجاه حسان بن ثابت قائلا:

أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * * * لنا فيك منه بينات الدلائل

ففاخر به أما فخرت و لا تكن * * *تفاخر بالعاص الهجين ابن وائل

و إن التي في ذاك يا عمرو حكمت * * *فقالت رجاء عند ذلك لنائل

من العاص عمرو تخبر الناس كلما * * *تجمعت الأقوام عند المحافل

عرف بالمكر و الدهاء و الخديعة و الغدر حتى ضرب به المثل، عادى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و كان يؤذيه و يضع في طريقه الحجارة، و قد هجاه بسبعين بيتا و كان يعلمها للصبيان فإذا مرّ بهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) رفعوا أصواتهم، فلعنه الرسول بعدد كل بيت لعنة بعد صلاته في الحجر، و في مكان آخر لعنه الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قائلا: «اللهم العن عمرو بن العاص». روّع زينب بنت الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عند ما خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة و أسقط جنينها. و كان مبعوث قريش إلى الحبشة لتحريض النجاشي على قتل المسلمين و طردهم منها أو تسليمهم لقريش. قاتل المسلمين في بدر و أحد و الخندق، أسلم سنة 8 ه‍ (629 م) مع خالد بن الوليد، شهد فتح الشام، ولّاه عمر بن الخطاب فلسطين ثم مصر، عزله عثمان عن مصر و عين مكانه أخوه بالرضاعة عبد اللّه بن سعد، و أضحى يؤلب الناس في مصر على عثمان، و عند ما قتل عثمان قال ابن العاص: «أنا أبو عبد اللّه إذا نكأت قرحة أدميتها، قتلته و أنا بوادي السباع».

و قال لولده: «لقد حرّضت على عثمان حتى الراعي في الصحراء»، و لكنه شارك معاوية في الطلب بدم عثمان. و في حكومة معاوية أضحى من المقربين و المناصرين له، و قد ناصره في حروبه ضد الإمام علي (عليه السّلام) كحرب صفين و التي نجى منها بكشف عورته، ولاه معاوية مصر و أطلق له خراجها ست سنين. و قال لابنه حين وفاته: «أصلحت لمعاوية دنياه، و أفسدت ديني، آثرت دنياي و تركت آخرتي، عمّي عليّ رشدي حتى حضرني أجلي، كأني بمعاوية قد حوى مالي و أساء فيكم خلافتي»، ذكر أبو العباس المبرّد في كتاب الكامل: ج 1

206

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

207

لقد كنت أحرّض عليه حتى الراعي في الصحراء، فكنت أمرّ عليه و أقول له كيف خليفتك فإذا مدحه قلت له: ليس هكذا. و إنّما هو خليفة جائر يضع الأموال و المناصب في أيدي أقربائه و يحرمهما عن المسلمين الأكفاء، و إنّه لو لم يكن هكذا لكنت أنت الراعي أحسن حظّا بهذا المال.

بهذه الأساليب و الطرق كان عمرو بن العاص و غيره من المناوئين لحكم عثمان، يحاربون هذا الحكم، فكانوا يستغلون نقاط ضعفه و يثيرون ضدّه حتّى الراعي في الصحراء، كما كانت عائشة تفعل ذلك و هي عدوّة لعثمان أيضا.

فقد شهرت بوجهه الحرب الدعائية و كانت تقول: «اقتلوا نعثلا فقد كفر» (1)،

____________

ص 267، أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة دخل عليه ابن عباس فقال له:

يا أبا عبد اللّه كنت أسمعك كثيرا ما تقول وددت لو رأيت رجلا عاقلا حضرته الوفاة حتى أسأله عما يجد، فكيف تجد؟ فقال: أجد كأنّ السماء مطبقة على الأرض و كأني بينهما، و كأنّما أتنفس من خرّت ابرة. و خلّف عند موته ثلاثمائة ألف دينار و خمسة و عشرين ألف دينار و من الورق ألف درهم. و غلة مائتي ألف دينار بمصر وضيعة قيمتها عشرة ألاف ألف درهم،

و من جرائمه أنه شارك في قتل العبد الصالح محمد بن أبي بكر والي الإمام علي (عليه السّلام) على مصر، بعد أن جعل جثته في جيفة حمار و أحرقها في النار، و هذا الأسلوب البشع يدل على انسلاخه من أبسط المعاني الإنسانية.

راجع شذرات الذهب: ج 1 ص 53، تهذيب التهذيب: ج 8 ص 49، أسد الغابة: ج 4 ص 115، سير أعلام النبلاء: ج 3 ص 54، مروج الذهب: ج 3 ص 32، تذكرة الخواص: ص 186، تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 221- 222، السيرة النبوية: ج 3 ص 270، وقائع الأيام: ص 69، تاريخ مدينة دمشق: ج 46 ص 108- 202، وفيات الأعيان: ج 7 ص 215، الأعلام للزركلي: ج 5 ص 248، ربيع الأبرار: ج 4 ص 275.

(1) كان ذلك أيام خلافة عثمان، إذ كانت تخرج قميص الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مؤلبة على عثمان قائلة: هذا قميصه و شعره لم يبل، و كذلك كانت تقول: هذا ثوب رسول اللّه لم يبل و عثمان قد أبلى. راجع الكامل في التاريخ: ج 3 ص 206، بحار الأنوار: ج 32 ص 142 ب 1 ح 116، الفتوح لابن الأعثم: ج 2 ص 248 و ص 282، تاريخ الطبري: ج 3 ص 477، المختصر في أخبار

208

و نعثل هو شخصية يهودية له لحية طويلة تشبه لحية عثمان بن عفّان، و كان لهذا التحريض أثر حاسم في مقتل عثمان (1).

____________

البشر: ج 1 ص 172، الغدير للأميني: ج 9 ص 80، النص و الاجتهاد: ص 293 المورد 83 و ص 298.

(1) و قيل أن نعثل هو لقب أطلقته أم عثمان عليه لكثرة الشعر في وجهه و جسمه.

209

الظاهرة الإعلامية و الرأي العام

مسألة: للإعلام و بكافة وسائله أثر بالغ في تكوين الرأي العام و في التأثير على الآراء و الأفكار و تشكيلها و في توجيه المجتمع، و قد لخّص بعض علماء الغرب (1) ذلك قائلا: «إنّ عادات تكوين الرأي العام هي أعنف العادات و أصلبها عودا، فهي تصبح طبيعة ثانية، فإذا افترضنا أنّنا قد قذفنا بها من النافذة فإنّها تزحف إلينا ثانية متلصصة كما تزحف الطبيعة الأولى، و إذا عدّلناها فإنّ التغيير يكشف عن نفسه أوّلا بصورة سالبة في تفكّك معتقداتنا، لتحلّ محلّها آراء عائمة طائرة، مخطوفة عرضا من هنا و هناك. صحيح أنّه حدثت زيادة ضخمة في مقدار المعرفة التي اكتسبها الإنسان، لكن هذه الزيادة قد لا تعدل الزيادة التي حدثت في مقدار الأخطاء و أنصاف الحقائق التي تداولها بين الناس .. ففي المسائل الاجتماعية و الإنسانية بصفة خاصّة، كان نمو الشعور بالنقد و أساليب الحكم غير المتميّز أبطأ من نمو الإعلام غير المسئول، و من نمو الدوافع لتشويه الحقائق قصدا».

أقول: من الضروري لمن يريد إثارة الرأي العام أن يكون له راصد يعرف به‌

____________

(1) و هو: جون ديوي، المولود في مدينة فرمونت الأمريكية سنة 1859 م، و حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة سنة 1883 م. يعد أحد مؤسسي اتحاد الحريات المدنية في أمريكا، و أحد مؤسسي جمعية أساتذة الجامعات. توفي سنة 1952 م. من مؤلفاته: الطبيعة البشرية و السلوك الانساني، و الذي ترجمه للعربية محمد لبيب النجمي، و طبع في القاهرة سنة 1963 م.

210

مدى تأثيره في الرأي العام، سلبا و إيجابا، سعة و ضيقا، صحة و خطا، فإنّه ربّما يكون الطريق غير صحيح و لم ينجز الأثر الذي يريده، فإذا وجّه الرأي العام لجهة ما و لموضوع ما، فيجب على خصمه في الجهة الأخرى أن يواجه تلك الأجهزة في طرف خصمه و إلّا وقع ضحية الرأي العام الذي يثار عليه من طرف خصمه، و كلّما كثرت الكمية في جانب و تحسّنت النوعية يجب على الطرف الآخر سلوك نفس الطريقين و إلّا وقع ضحية من حيث لا يشعر (1)، و من الواضح أنّ الإثارة تحتاج إلى الاستمرار، فإنّه بدون الاستمرار لا تحصل الإثارة الكافية.

____________

(1) و مثال ذلك أن إسرائيل استغلت حظر البترول الذي مارسته بعض الدول العربية بعد حرب تشرين سنة 1973 م لتحميل العرب تبعات أزمة الطاقة و أزمة التضخم المالي الذي أعقب الحظر، و كذا ما تفعله الدول الغربية حاليا بتحميل الدول المصدرة للبترول أزمة ارتفاع أسعار الوقود في الغرب.

211

التعرّف إلى الرأي العام

مسألة: يجب التعرّف إلى الرأي العام حتّى يتّبع الحاكمون ذلك الرأي لئلّا يقعوا في سخط الشعب ممّا يسبّب تمرّدهم على الحاكم و بالتالي عزله عن السلطة أو إسقاطه بالقوّة، و قد ذكر بعض الغربيين (1): «إنّ المسئولين عن الحكم يتّبعون نفس اتجاهات الرأي في الصحف اليومية، فهم يطالعون رسائل الشكاوى و الطروحات و التأييدات التي تصل كلّ يوم إلى مكاتبهم و يصغون لأقوال مستشاريهم الذين يطوفون بهم، كما يصغون أيضا لأعضاء الهيئات التشريعية و ممثلي أصحاب المصالح الخاصّة ثمّ يتمسّكون بآرائهم اعتقادا منهم بأنهم قد نشئوا من الشعب و يعرفون ما يريده الشعب».

أقول: و على هذا فالمهم أوّلا أن يتبعوا ما عاهدوا الناس عليه قبل وصولهم إلى الحكم من العمل وفق آراء الشعب في صغائر الأمور و كبائرها، و لا يراد بذلك الأفراد، و إنّما الغالب أنّ الشعوب تشكل تجمّعات سياسية و اقتصادية و اجتماعية و دينية و تربوية و عسكرية و غيرها، فإذا اطّلعوا على أغلب هذه الآراء فهم مطّلعون على رأي الشعب ممّا ينبغي أن يفعل أو يترك، هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من الوسائل السمعية و البصرية التي تقوم مكاتبهم باكتسابها. و أحيانا يكون للشعب رأيان و لا يمكن الجمع بينهما، فاللازم أن يكون الفيصل في ذلك أهل الحل و العقد أو الهيئات القضائية العليا، أمّا إذا أمكن التصالح بين‌

____________

(1) و هو ديفيد ترومان.

212

الرأيين في الأخذ بأحدهما في هذا الجانب من الحياة و الأخذ بالآخر في اليوم الآخر و الأخذ بأحدهما في هذا الزمان و الأخذ بأحدهما الآخر في زمان آخر، كان تلفيقا حسنا، و لكن هذه الأمور إنّما تتحقّق في الحكومات الديمقراطية، أمّا الحكومات الاستبدادية فهي تفعل حسب ما تشاء بدون الرجوع إلى الشعب أو بدون استشارة منه، و من الواضح أنّ فهم المواطنين تابع لاختلاف أمزجتهم، كما أنّ فهم رأيهم في السياسات الحكومية في مختلف مناحيها و أبعادها ضروريان للعملية الإدارية تماما و إلّا لم يكن الحاكم شعبيا، و حتّى إذا كان شعبيا ثمّ لم يأخذ بذلك سقط كسقوطه نتيجة جرم أو جنحة كما سقط نيكسون (1) في فضيحة و و ترغيت (2).

____________

(1) ريتشارد ميلهوس نيكسون، ولد في كاليفورنيا سنة 1913 م، و مات في نيويورك سنة 1994 م.

سياسي أمريكي، تزعم الحزب الجمهوري، و أصبح نائب رئيس الجمهورية سنة 1953 م- 1961 م، ثم رئيسا للجمهورية سنة 1968 م، و يعدّ الرئيس رقم 37. أعيد انتخابه سنة 1972 م. أنهى حرب فيتنام سنة 1973 م. استقال في 9 آب سنة 1974 م؛ إثر فضيحة ووترغيت السياسية، فخلفه نائبه جير الدفورد. له عدة مؤلفات كتبها خلال الثمانينات من القرن العشرين، و نشر مذكراته سنة 1978 م.

(2) و و ترغيت: فضيحة سياسية أمريكية، حدثت عند قيام الحزب الجمهوري بالتجسس على الحزب الديمقراطي المناوئ بواسطة تسلل خمسة رجال لمبنى و و ترغيت مقر اللجنة القومية للحزب الديمقراطي في واشنطن سنة 1972 م إبان الحملة الانتخابية الرئاسية و انكشاف أمر هذه المحاولة.

إن جريدة واشنطن بوست و عبر الصحفي بوب و ودورد الذي عثر على مصدر معلومات داخل البيت الابيض و هو «ماك فلت» الذي كان يشغل منصب نائب مدير MBF . نشرت هذه الفضيحة و أثارت الشكوك حول البيت الأبيض و الرئيس الامريكي نيكسون، و في البداية حاول نيكسون تغطية المسألة على أنها حادث بسيط، و لكن بعد فترة اضطر إلى الإعلان عن تورط مساعديه في الفضيحة ثم عمد الى إقالة عدد من كبار مستشاريه في البيت الأبيض كالكاتب العام للبيت الأبيض و المستشار القانوني للرئيس و وزير العدل و المدير العام للجنة اعادة انتخاب الرئيس في الحزب الجمهوري كوسيلة للتنصل من مسئوليته الشخصية و لاحتواء الأزمة و لكن الاستقالة طالته. عند ما اعترف رسميا بتورطه

213

إنّ عدم أخذ الحكومة للرأي العام سواء كان عن عمد أو عن اشتباه يوجب تخدش السمعة و سقوط الشخصية، فالشعوب تمثل تيارا واسعا كالنهر الجاري، بينما الحكومات لا تمثل إلّا جزءا صغيرا، فمهما كانت الحكومات قويّة فإنّها لا تصل لمستوى الشعوب في قوّتها، فإذا تعارض الأمران كان السقوط من نصيب الحكومة؛ و لذا نشاهد حتّى الحكومات الديكتاتورية مهما كانت انحرافاتها فإنها تسعى ليل نهار إلى اكتساب رضى الشعوب من كلّ قلوبها، أمّا إذا كان تحصيلها بالقوّة فيصعب الاحتفاظ بها في الظروف المعاصرة؛ لأنّ الظروف المعاصرة هي ظروف الشعوب، و لذا نشاهد أنّ الحكومات الديكتاتورية تتساقط الواحدة تلو الأخرى، مثلا سقطت حكومة الاتّحاد السوفيتي على سعتها و قوّتها و كثرة تجاربها و شدّة أجهزة المخابرات فيها؛ لأنّ شعوبها لم تكن راضية عنها، و هكذا سقط من قبل نوري السعيد (1)

____________

بالقضية، و قدم استقالته في آب 1974 م خوفا من مسائلته القانونية. و مجريات الفضيحة كالتالي: في البداية اعتقل خمسة أشخاص بتهمة سرقة وثائق و وضع آلات تنصت هاتفية لصالح الحزب الجمهوري، حيث دخل هؤلاء الأشخاص بحجة إصلاح مجاري المياه، و هم من عناصر المخابرات الداخلية IBF و المركزية AIC . و في التحقيق اعترف بعضهم، بأنه قبض اموالا من الحزب الجمهوري للقيام بذلك العمل.

(1) نوري سعيد صالح السعيد، من تلاميذ لورنس، ضابط في الأركان البريطانية، حيث كان معه منذ صباه و اشترك معه في الحرب ضد العثمانيين، بعد أن كان ضابطا في الجيش العثماني، و يعد من ركائز بريطانيا في الشرق الأوسط كما وصفه الرئيس المصري جمال عبد الناصر بذلك، و مؤيدا و مخلصا للعلاقات مع بريطانيا؛ كما وصفه السير موريس بيترس السفير البريطاني في العراق بين عام 1938- 1939 م في كتابه «جانبا الستار»، ولد في بغداد سنة 1306 ه‍ (1888 م) و قتل سنة 1377 ه‍ (1958 م)، درس في المدرسة الإعدادية العسكرية و التي تخرّج منها سنة 1902 م، ثم سافر إلى اسطنبول للدراسة في الكلية الحربية. و في سنة 1906 م عين ملازما ثانيا في الجيش العثماني، و في سنة 1911 م عين في كلية الأركان في اسطنبول و تخرج منها بعد سنتين، و نقل إلى المشاركة في حرب البلقان في منطقة اسكوبيا اليوغسلافية. شارك مع الشريف حسين بعد أن ذهب إلى جدة، حيث عينه

214

____________

وكيلا للقائد العام للجيش العربي ثم رئيسا للأركان. و في سنة 1917 م سافر إلى القاهرة للعلاج من إصابة قدمه خلال إحدى المعارك ضد العثمانيين ثم ذهب إلى العقبة للاتصال بفيصل الذي كان قائدا للقوات النظامية في تلك المنطقة. و أصبح معاونا له. و قبل الحرب العالمية الأولى بقليل تولى نوري السعيد قيادة جيش فيصل و دخل الشام منتصرا سنة 1918 م. ثم عين بعد ذلك بمنصب رئيس مرافقي فيصل. و في الثاني و العشرين من تشرين الثاني بعد معركة ميسلون و تقدم الجيش الفرنسي على بلاد الشام انهزم الملك فيصل و جيشه إلى خارج الشام. ثم بعد ذلك سافر إلى العراق برفقة فيصل الذي عينه الإنجليز حاكما على العراق. أصبح رئيسا للوزراء بين سنة 1349 ه‍- 1377 ه‍ (1930 م- 1958 م) لأربع عشرة دورة و وزيرا للدفاع لخمس عشرة دورة و وزيرا للخارجية في إحدى عشرة دورة و وزيرا للداخلية في دورتين، وضع إمكانات العراق و قدراته تحت تصرف البريطانيين عبر التحالف معهم، و قد جعل العراق ضمن التكتلات الدولية و التبعية الاقتصادية و سوقا لمنتجات الدول الاستعمارية، يقول عنه فيصل الأول: «إن نوري السعيد كان يعتمد على الوحي الذي يأتيه من الخارج أكثر من اعتماده على رأيه أو رأي إخوانه». و يقول أحمد مختار بابان آخر رئيس وزراء في العهد الملكي في مذكراته ص 55: «كان- نوري- متمسكا بصداقة الإنجليز اعتقادا منه بأن بلادهم هي الدولة الوحيدة التي يجب أن يركن لها العراق». و يقول ولدمار غولمان السفير الإمريكي في العراق من سنة 1954- 1959 م في كتابه «العراق في عهد الجنرال نوري» عن علاقة نوري بإسرائيل: «إن تصريحات نوري السعيد العلنية عن إسرائيل كانت تختلف اختلافا شديدا عما كان يقوله في مجالسه الخاصة. كان نوري يقول في مجالسه الخاصة: «إن وجود دولة إسرائيل حقيقة يجب أن تقبل».

و كان نوري السعيد يكره المعارضة و لا يتحمل تأسيس الأحزاب، يقول بابان في مذكراته ص 58 في هذا الصدد: «يكره المعارضة ... و لا يتحمل تأسيس الأحزاب المعارضة ... و ما كان يميل إلى حرية الصحافة».

و في مكان آخر من نفس الصفحة يقول: «عليّ أن أقر أيضا كان نوري السعيد ارتكب خطأ سياسيا آخر حين أقدم على غلق الأحزاب السياسية فإن الأحزاب المذكورة بقيت تمارس أعمالها في الخفاء، فيما كان وجودها العلني أضمن لصيانة الأمن و النظام». و يقول الدكتور صالح البصّام عن نوري السعيد في كتابه مذكرات و أسرار هروب نوري السعيد: ص 144:

«كان شديد الحساسية، سريع الانفعال، بل إنّ البعض وصفه بعصبية المزاج»

راجع «للحيطان آذان و للشوارع ألسنة» للنشاشيبي ص 18، «العراق صفحات من التاريخ السياسي» للدكتور كاظم الموسوي ص 15، «مذكرات أحمد بابان» لأحمد بابان ص 55، 58.

و «أعمدة الحكمة السبعة» للورنس، «العراق في مذكرات الدبلوماسيين الأجانب» لنجدة فتحي صفوة، «أسرار هروب نور السعيد» للدكتور صالح البصّام.

215

و بعده سقط عبد الكريم قاسم و بعده سقط عبد السّلام عارف (1) و بعده سقط عبد الرحمن عارف (2) ثم أحمد حسن البكر (3)، في مدّة لا تتجاوز العقد و نصف العقد من الزمن، و الآن آل الدور لصدام الذي هو الآن على وشك السقوط (4)، هذا ما جرى في العراق.

أمّا ما جرى في مصر؛ فقد سقطت حكومة فاروق (5) و حكومة‌

____________

(1) عبد السلام عارف: ولد سنة 1339 ه‍ (1921 م)، شارك مع عبد الكريم قاسم في انقلاب 1958 م، و أذاع البلاغ الأول للانقلاب بنفسه، و كان آنذاك برتبة ضابط ركن. عين نائبا لرئيس الوزراء و وزير للداخلية، و نحي من منصبه بعد شهرين، و قدّم للمحاكمة و حكم عليه بالإعدام و لكن الحكم لم ينفذ و أطلق سراحه سنة 1961 م. تسلم الحكم في العراق إثر انقلاب عسكري في 14 رمضان سنة 1382 ه‍ (8 شباط 1963 م)، قتل مع عدد من وزرائه في 23 ذي الحجة سنة 1385 ه‍ (13 نيسان 1966 م) إثر سقوط طائرته في جنوب العراق، و في عهده اشتدت اللعبة الطائفية في العراق و استهدف إفراغ العراق من أبنائه من المسلمين الشيعة قدر الإمكان. اتسم حكمه بالديكتاتورية و الكبت و الإرهاب و إسناد المناصب الحكومية لأقربائه و أبناء عشيرته و قريته بغض النظر عن المؤهلات و الكفاءات.

(2) عبد الرحمن عارف: ولد سنة 1334 ه‍ (1916 م)، عين قائدا للفرقة الخامسة سنة 1963 م بعد تولي أخيه منصب الرئاسة، ثم عين رئيسا للأركان، و أصبح رئيسا للعراق سنة 1385 ه‍ (1966 م)، بعد مقتل أخيه عبد السلام في 13 نيسان 1966 م، نحي عن السلطة سنة 1388 ه‍ (1968 م)؛ إثر انقلاب دبّره أحمد حسن البكر، و نفي إلى تركيا.

(3) أحمد حسن البكر: ولد في تكريت سنة 1333 ه‍ (1914 م)، تسلم الحكم في العراق 1388 ه‍ (1968 م)؛ إثر انقلاب عسكري دبّره ضد عبد الرحمن عارف، و استمر في الحكم إحدى عشرة سنة، و أقصي سنة 1399 ه‍ (1979 م)؛ إثر انقلاب دبّره صدام التكريتي.

و قتله صدام سنة 1402 ه‍ (1982 م) بحقنة سبّبت ارتفاع نسبة السّكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش. و قيل الدكتور فاروق كما عن كتاب جمهورية العراق الديكتاتوري:

ص 145.

(4) و قد تحققت نبوءة الإمام المؤلف (قدّس سره) في 9/ 4/ 2003 عند ما أطيح بنظامه من قبل أسياده الأمريكيين.

(5) فاروق بن فؤاد بن اسماعيل الخديوي، ولد سنة 1920 م، و مات في روما سنة 1965 م.

أرسله أبوه في صباه إلى فرنسا و إنجلترا للتعلّم، و عاد إلى مصر بعد وفاة أبيه سنة 1936 م، حكم مصر بين 1937 م- 1952 م، أطيح به إثر انقلاب عسكري قاده الضباط

216

عبد الناصر (1) و حكومة السادات (2)، و هكذا بقية الحكومات و الأنظمة في البلاد الديكتاتورية التي كتبت عليها سنة السقوط.

و بعض الحكام سقطوا بصورة مشينة و ذليلة؛ فنوري السعيد سحبوه في الطرقات و الشوارع بعد أن قتلوه شر قتلة، و شاه إيران- محمد رضا- أخرج من البلاد بصورة مهينة، و لم يجد من يقبل إيواءه على الرغم من كثرة أصدقائه و من أغدق عليهم الأموال الطائلة ثم آل أمره إلى القتل.

هذه دروس و عبر لكلّ الحكام، بأنّ مصير الاستبداد و الظلم أوّل من ينال منه الحاكم نفسه. ثم إنّ الاستقرار لا يتحقّق في ظل الحكام المستبدّين، بل طريق الاستقرار هو وجود الحكم الصالح من جانب و وجود تفاعل من قبل الشعب من جانب آخر. قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): (من استبدّ برأيه هلك) (3)، و لم يأت‌

____________

الأحرار في 23 تموز سنة 1952 م، حيث أجبر على التنحي عن العرش، و بذلك أطيح بالملكية في مصر و قيام الجمهورية.

(1) جمال عبد الناصر، ولد في الإسكندرية سنة 1336 ه‍ (1918 م)، و توفي سنة 1390 ه‍ (1970 م)، التحق بالكلية الحربية سنة 1937 م، و عين أستاذا فيها بعد ذلك، قادة انقلاب 23 تموز 1952 م، تولّى رئاسة الوزراء سنة 1373 ه‍ (1954 م)، و اتّخذ الاشتراكية كنظام لإدارة البلد، و تولّى رئاسة الجمهورية سنة 1375 ه‍ (1956 م)، و استمر حكمه إلى سنة 1390 ه‍ (1970 م)، من مؤلفاته: فلسفة الثورة.

(2) محمد أنور السادات، ولد سنة 1918 م في المنوفية المصرية، و تخرّج من الكلية العسكرية سنة 1938 م. شارك في الانقلاب على الملك فاروق سنة 1952 م مع الضباط الأحرار حيث اسندت إليه مهمة قطع الاتصالات الهاتفية و احتلال دار الاذاعة. أصبح عضوا في مجلس قيادة الثورة الذي تولى السلطة بعد طرد الملك فاروق، و عين سنة 1954 م عضوا في محكمة الشعب التي تولت محاكمة أعضاء حركة الإخوان المسلمين. اصبح رئيسا لمجلس الأمة المصري بين سنة 1961- 1968 م و نائبا لرئيس الجمهورية سنة 1969 م و رئيسا للجمهورية سنة 1970 م. اغتيل في السادس من تشرين الأول سنة 1981 م من قبل الشعب المصري إثر توقيعه هزيمة العار و المصالحة مع إسرائيل.

(3) نهج البلاغة: ص 500 قصار الحكم، الحكمة 161، غرر الحكم و درر الكلم: ص 443 القسم

217

النص ب‍ «و أهلك»؛ لوضوح أنّ فاقد الشي‌ء لا يعطيه.

و الادّعاء بأنّ الحاكم الفلاني مؤيّد من قبل الشعب مائة بالمائة هو نوع من الخداع، و هو خداع للحاكم نفسه قبل أن يكون خداعا للشعب.

و إذا زعم الحاكم أنّه يستند إلى الرأي العام ثمّ تبيّن له أنّه لم يكن كذلك، فلا بدّ له أن يرجع عن الطريق الذي سلكه، فالسير بعد الوضوح يكون سببا لقرب السقوط أو السقوط الحتمي، و لذا اشتهر المثل القائل: «الرجوع عن الباطل حق، و الرجوع عن الخطأ فضيلة»، و سابقا كان الحكام من فرط إنسانيتهم يتجوّلون متخفّين بين رعاياهم ليتعرّفوا على مشاكلهم و ليعرفوا سيرة موظّفيهم و جنودهم مع الشعب. فقد كان رسول الله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) يتفقدان الرعية في النهار و الليل، و كان الإمام علي (عليه السّلام) على استعداد دائم لسماع الشكاوى، فكان بيته مفتوحا للشارد و الوارد بل لم يكن لبيته في الكوفة- حسب ما ذكره بعض المؤرخين- بواب و حجّاب مما اعتاد عليه الحكام و الملوك و القياصرة حتّى يسهل الدخول إليه. و كان يتجوّل في الأسواق و الأزقّة يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.

و في إحدى المرّات دخلت عليه امرأة، و قالت له: «أنصفني من زوجي» فأخذها إلى بيتها و طرق الباب على الزوج و أخذ ينصح الزوج، و كاد الزوج يهين الإمام عليا (عليه السّلام) لتدخّله بينه و بين زوجته لو لا سماعه طارقا يسلّم على الإمام بإمرة المؤمنين، فعرف أن ذلك الشخص هو أمير المؤمنين (عليه السّلام) (1).

____________

السادس ب 4 الفصل الأول ح 10111، خصائص الأئمة: ص 108، وسائل الشيعة: ج 12 ص 40 ب 21 ح 15587، بحار الأنوار: ج 72 ص 104 ب 48 ح 38 ط بيروت، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 18 ص 382.

(1) عن سيرة الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الإمام علي (عليه السّلام). راجع كتاب: و لأول مرة في تاريخ العالم، الفقه السياسة، باقة عطرة، السبيل إلى إنهاض المسلمين، حكومة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الإمام

218

و على الحاكم أن يكتشف رغبات الناس أو باصطلاح اليوم: الرأي العام.

و في البلدان المتقدمة يجرون عمليّات استطلاع للآراء، فهي الوسيلة المثلى لمعرفة رغبات الشعوب، فقد قال إبراهام لنكولن: «إن ما أريده هو ما يريده الناس، لكن لا أعلم كيف أعرف ما يريدون على وجه الدقة؟» (1).

أقول: كان صادقا في قوله و كان زعيما مخلصا لشعبه، لكنّ عصره لم يكن عصر تقدّم حتّى يكتشفوا طرق الاستطلاع، و من أجل معرفة الرأي العام بدقّة لا بدّ من وضع رقابة على أجهزة الاستخبارات، فلا بدّ من وجود جهاز ضدّ الاستخبارات لمراقبة أعمال أجهزة الاستخبارات، و هذه هي الوسيلة المثلى لتقصي الحقيقة، و قد نقل لي أحد الأشخاص الذين كانوا معتقلين في سجون أحد الحكام المستبدّين أن أمره كان على و شكّ الحكم عليه بالإعدام فكتب رسالة إلى الملك يوضح فيه حكايته، و لم تمض إلّا أيّام حتّى وصل مبعوث الملك و هو يطلب منه أن يرتدي ملابسه لإطلاق سراحه من السجن، لم يكن ليمر بخلده ذلك لأنّ أقصى ما كان يتوقّعه هو الحكم عليه بالمؤبّد. و بعد استقصائه عرف أنّ الملك بعث عنصرا من استخباراته الخاصّة للتحقيق في أمر السجين و بعد التدقيق في ملفاته تبيّن له أنّه إنسان بري‌ء فقام بإطلاق سراحه من السجن.

و مشكلة الحاكم المستبدّ أنّه لا يستطيع التوصل إلى الحقائق و معرفة الرأي العام؛ لأنّ الأجهزة المرتبطة به كلّها مصبوغة بصبغة الديكتاتورية و الاستبداد،

____________

علي (عليه السّلام) للإمام الراحل (قدّس سره).

(1) و قد ذكرت العبارة بصيغة أخرى، و هي: «إن ما أريده هو إنجاز ما يرغب الشعب في إنجازه، و تتمثل المسألة بالنسبة لي في كيفية التعرف على وجه الدقة» راجع كتاب الرأي العام، استطلاعات الرأي و الديمقراطية: ص 11 للمؤلف إيرفنغ كرسبي.

219

فلا يقدر أن يصل إلى الحقائق من خلال هذه الأجهزة، فأجهزة الإعلام لا تنقل إلّا ما يريده الحاكم المستبدّ المتسلّط على الرقاب.

220

كيف نحصل على الرأي العام؟

مسألة: بما أن الرأي العام أمر اكتسابي، فيجب أن نعرف كيفية تحصيله (1)؟

فالرأي العام ليس خاصا بالمدن و لا بالشخصيات الكبار و لا بذوي النفوذ أو من أشبه. و إنّما يعم القرى أيضا و الأشخاص المتوسّطين و الدرجة الثالثة في المرتبة الاجتماعية، فالرأي العام إنّما يكون بأخذ آراء هؤلاء جميعا، فمن الواضح أنّ ذوي النفوذ و الحلّ و العقد و من أشبههم تعرف آراؤهم بسرعة، و إذا تمكن الإنسان من الوصول إلى جميع طبقات الشعب، فليس المعيار هو أهل الحلّ و العقد فقط؛ فإنّ أهل الحل و العقد إنّما كان لهم اعتبار، لأنّ رأي الناس إلى جانب آرائهم، مثل شيخ العشيرة؛ فهو الذي يعطي الرأي لعشيرته و يكون أفراد العشيرة تابعين لرأيه، أمّا في الوقت الحاضر فالإنسان يتمكّن من الوصول‌

____________

(1) يرى البعض أنّ تحصيل الرأي العام يتم عبر: 1- إثارة المشكلة أو الموضوع. 2- مناقشة المشكلة أو الموضوع. 3- الوصول إلى الاتفاق الجماعي حول الحل. بمعنى إثارة المشكلة أو الموضوع و إيصالها إلى عامة الناس عبر وسائل الاتصال ثم يتبلور رأي الناس عبر المقترحات، فيحدث عندهم ردّ فعل يكون بمثابة التعبير عن موقفهم.

و يرى الإمام المؤلف (قدّس سره) أن تحصيل الرأي العام لإقامة حكومة دينية يحتاج الى أربعة أمور:

1- طبع مئات الملايين من الكتب التوعوية الداعية إلى الشورى و التعددية الحزبية و إطلاق الحريات الإسلامية و الداعية إلى الأخوة و إلى إزالة الحدود الجغرافية و ما أشبه.

2- التمسك بالأخلاق الحميدة التي دعى و عمل بها الأنبياء (عليهم السّلام).

3- قضاء حوائج الناس ماديا و معنويا عبر إنشاء مؤسسات تقوم بهذا الغرض.

4- دخول رجال الدين في كل مرافق الحياة كما كان إبّان الحكم الإسلامي. راجع كتاب الحرية الإسلامية: ص 32- 34 للمؤلف (قدّس سره) «باختصار».

221

إلى جميع الآراء بسهولة، فلا مورد للعمل برأي أهل الحل و العقد دون سائر الآراء، لأنّ العمل وفق رأي الحل و العقد في ظرف يمكن الوصول فيه إلى جميع الآراء يكون انحرافا عن الرأي العام.

و من الواضح أنّ الوسائل السمعية و البصرية بل و اللمسية لفاقدي البصر و من أشبههم إنّما تعطي جملة من الرأي لا الرأي كلّه؛ فلذا من عادة البلاد الديمقراطية أنّ كثيرا من الصحافيين و الإذاعيين و من أشبههم، يتّصلون بالفرد في الشارع سواء كان بقالا أو عطارا أو حمالا أو رجلا أو امرأة؛ صغيرا و كبيرا، ممّا يكوّن عينة من عينات الرأي العام.

ثم يدرجون ذلك في إذاعاتهم و تلفزيوناتهم و صحفهم و ما أشبه ذلك، فاللازم أخذ الرأي العام أوّلا ثم صبّه ثانيا، لأنّ أخذ الرأي العام لا يحكمه اتجاه واحد أو كيفية واحدة حتّى يكون أخذ الرأي العام كافيا.

مثلا: البلاد الشيوعية تحوّلت من الشيوعية لكنّها لا تعلم أنّ الاقتصاد الصحيح هو الاقتصاد الإسلامي، فالمفترض أن يتعرّف المنظّرون و الموجّهون من المخطّطين و المنفذين على الاقتصاد الإسلامي ليتمكّنوا من تحقيق أماني شعوبهم و ما يطمحون إليه في الاقتصاد السليم.

و ربّما كان هناك اقتصادان تحت جامع واحد لكن أحدهما أفضل من الآخر؛ إذ الحقّ إذا كان في الجامع كان كل جزئياته داخلا في الحقّ، لكنّه هل يرجح هذا الحقّ على ذلك أو ذلك على هذا، كما ذكرناه في كتاب القضاء؛ حيث قال سبحانه و تعالى: وَ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ إِذْ يَحْكُمٰانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنّٰا

222

لِحُكْمِهِمْ شٰاهِدِينَ. فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ وَ كُلًّا آتَيْنٰا حُكْماً وَ عِلْماً (1)، فلم يكن الأمر على سبيل التناقض و التضاد، و إنّما كان على سبيل جزءين داخلين تحت كلّي واحد، لكن كان رأي سليمان أفضل؛ و لذا قال سبحانه و تعالى: فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ (2)، على قصة مذكورة في التفاسير و التواريخ و كتب الأحاديث.

و على كلّ حال: ففي المرتبة الثانية يحتاج الرأي العام إلى التخطيط، و في المرتبة الثالثة يحتاج إلى التطبيق و التنفيذ؛ لأنّه لا يكفي التخطيط فقط و إنما ينبغي معرفة سبل التنفيذ؟.

فلو كان الرأي العام إلى جانب الصناعات الثقيلة، يكون السؤال كيف يتم تنفيذ الصناعات الثقيلة في هذه المدينة أو تلك أو كيف يتمّ التقسيم بينهما.

و من الأمثلة على الصناعات الثقيلة: سباكة الحديد و استخراج المعادن، و الجامع أنّه يجب أوّلا أن يعرف الكلّي ثمّ يجب أن يعرف الجزئي الذي تحت هذا الكلّي، و أنّه ما هو الأفضل هل هذا الجزئي أم ذاك؟ و إلى ذلك أشار أحد العلماء الذين عالجوا الأمر من هذه الناحية قائلا: «على الحاكم الذي يضع برنامجا من أي نوع كان؛ سواء كان إعلاميا أو تنمويا أو استثماريا، عليه أن يفتح عينيه على الجمهور أثناء تنفيذ البرنامج، فهو لا يستطيع أن يستخدم أجهزة الاتّصال القوية دون أن يفتح عينيه على استجابات الجمهور، فكل فرد من هذا الجمهور يريد أن يتحدّث عبر وسائل الاتّصال، فعلى المسئولين على الإعلام أن يراعوا هذه الحقيقة؛ لأنّ الجمهور مستعدّ لأن يسمع الوسيلة المعنية بمشكلاته، ذلك أنّ قليلا من المسئولين عن الإعلام هم الذين يزورون‌

____________

(1) سورة الأنبياء: الآيتان 78- 79.

(2) سورة الأنبياء: الآية 79.

223

القرى و التجمّعات السكانية النائية في محاولة للتعرّف على مشاكل المواطنين أو لالتقاط أفلام عمّا يجري في تلك المناطق النائية، و جمع الآراء من رجل الشارع، و لئن كانت هذه اللقاءات السريعة كافية لمعرفة بعض الآراء لكنها ليست كافية للتقييم العلمي»، ثمّ لما كانت الدنيا في تطوّر دائم من الحسن إلى الأحسن، فالمفترض مراعاة هذه الجهة أيضا بالنسبة إلى المعنيين في الأمر، فالأمر ليس على وتيرة واحدة حتى تبقى إذا وضعت صحيحة؛ لأنّ الجمهور قد يتحوّل من حال إلى حال، فإذا لم يؤدّ المسئول وظيفته حسب نظر الجمهور سقط عن الاعتبار بالإضافة إلى أنه لم يتمكّن أن يخدم الشعب خدمة صحيحة، و إلى هذا أشار أحد الغربيين (1) من الذين اهتمّوا بهذا الأمر و قال: «لقد وجد الحاكم في دراسة الرأي العام وسيلة ممتازة لاتّصاله بالشعب، فالإحصاءات هي التي تساعد الحكّام على التعرّف إلى احتياجات البرامج الناشئة عن احتياجات الشعب، و من ثمّ فإنّهم يجرون تغييرات في البرامج تبعا للتغيرات في سلوك الجماهير، كما يتعلّمون على الفرص المناسبة لوضع إجراءات أفضل نتيجة فهم أكبر للجمهور».

لقد أشار هذا العالم إلى جزئي واحد من جزئيات الأمر؛ لأنّ تغيير الأجزاء قد يكون نتيجة فهم أفضل للجمهور، و قد يكون نتيجة تحوّل الجمهور من حال إلى حال مثل حال الفقر إلى الغنى أو حال الضعف إلى القوّة أو حال المرض إلى الصحّة أو بالعكس أو حال فقدان العداء للحاكم إلى حال وجود العداء للحاكم، و لعلّه تبعا لهذا الواقع الخارجي، قال سبحانه و تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي

____________

(1) و هو مارتن كرايز برج.

224

شَأْنٍ (1)، و إن كان قوله سبحانه و تعالى أعم مما ذكرناه؛ لأنّه يشمل سائر الشئون التي نحن لسنا بصددها الآن، و لعل الحديث المروي عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم) (2)، و هذا ليس من جهة تغيير علم الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و إنّما من جهة تغيير المتعلّق؛ إذ التغيير قد يكون في العلم، و قد يكون في المتعلّق، مثلا: قد يكون لدينا نور لكن الإنسان لا يستطيع رؤيته فيحكم على حسب وجود الظلام ثم يرى النور، و هذا من تغيير العلم، و قد يكون من تغيير المعلوم مثلا: لم يكن هنا نور، فإذا تغيّر الظلام إلى النور كان له حكم آخر، و في وجود النور قد يكون شيئا منوّرا بهذا النور ثمّ يذهب ذلك الشي‌ء و يجي‌ء شي‌ء آخر فيكون منوّرا بهذا النور، فالتغيير لم يحصل في النور، و إنّما حصل في متعلّق النور ممّا ذكره الفلاسفة و الحكماء و المتكلّمون في باب علم الله سبحانه و تعالى.

____________

(1) سورة الرحمن: الآية 29.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 236 ح 2288، الكافي (فروع): ج 4 ص 249 ح 6، وسائل الشيعة: ج 11 ص 222 ب 2 ح 14657، و قريب منه في الكافي (فروع): ج 4 ص 246 ح 4، تهذيب الأحكام: ج 5 ص 25 ب 4 ح 3، و ص 454 ب 26 ح 234، وسائل الشيعة: ج 11 ص 214 ب 2 ح 14647.

225

الرأي العام و مختلف القوى

مسألة: لا شكّ أنّ في الاجتماع قوى مختلفة سياسية و اقتصادية و اجتماعية و مالية و زراعية و غيرها، و هذه القوى غالبا ما تتعارض مصالح بعضها مع البعض الآخر، و الرأي العام إنّما يتضح عند ما يعرف الإنسان نسبة هذه القوى بعضها ببعض، و يستنتج آراء هذه القوى فمثلا القطاع الزراعي يريد تخصيص أكثر ميزانية الدولة للزراعة بينما يعمل القطاع الصناعي على إحلال أكثر هذه التخصيصات للصناعة، كما أنّ المشرّعين ينظرون إلى صحّة و سلامة القانون حسب عقولهم و دراساتهم الحقوقية و القانونية، بينما الاقتصاديون يرون ما ينفعهم في عالم الاقتصاد سواء روعيت الموازين القانونية و الحقوقية أم لم تراع، و لذا فالرأي العام يجب أن يكون مستوعبا للجميع حتّى لرجال القانون و للقواعد الفقهية العامّة و الحقوق و ما أشبه ذلك لكي يكون الرأي العام شيئا معتدلا بين جميع القوى و أقرب إلى الأكثرية، و مع ذلك فالإنسان الذي يستطلع الرأي العام بحاجة إلى إرضاء الجميع، فهناك ثلاثة أمور لا بدّ من ملاحظتها:

1- آراء كل فئة.

2- النسبة بين هذه الآراء.

3- إمكانية إرضاء الجميع أو قريب منه.

و هي ضرورية لمن يريد أخذ زمام المجتمع، و لذا فاللازم في التوجيه السياسي التوجه الكافي نحو الحاجات و إلى جمع الأفكار و المفاضلة بينها، و لذا قال أحد الساسة الغربيين في الحملة الانتخابية لسنة ألف و تسعمائة‌

226

و اثنتين و ستين: «يبدو أن أكثر من ثلثي المرشحين لمجلس الشيوخ الأمريكي كلفوا من يستطلع لهم الرأي العام، و واحد من كل عشرة مرشحين، استخدم مسحا إحصائيا في حملته الانتخابية. على أن التباين بين استخدام مرشحي الشيوخ و بين استخدام مرشحي الكونغرس راجع إلى القدرات المالية أكثر من الرغبة».

و يضيف هذا السياسي: «و في نفس العام تجاوز عدد الاستعلامات التي تلقيناها من مرشحي الكونغرس عن الاستفتاء لهم، جملة من الاستفتاءات التي قمنا بها للمرشحين طوال مدّة عملنا في ميدان الاستفتاء» (1).

أقول: من هنا يتبيّن لنا أنّ الرأي العام المعتدل الذي هو معيار الانحطاط و الارتفاع بحاجة إلى مهارة و دقّة في الاستطلاع و المسح. هذا، و بعد ذلك، يجب أن يعلم أنّ كلّ سنة تختلف الأمور فيها عن السنة السابقة بالنسبة إلى الرأي العام؛ ارتفاعا أو انخفاضا، و أحيانا يؤدي خطا واحد من الرئيس إلى ارتفاع كفّة الطرف الآخر كما حدثت حوادث كثيرة في هذا المضمار (2)، و على اصطلاح الأصوليين: «الاستصحاب غير مساغ في أمثال هذه الأمور»، و إن كان الأصحّ أنّه لا وحدة للموضوع في الحالين السابق و اللاحق، بينما يشترط في الاستصحاب وحدة الموضوع عرفا، فالمهم ملاحظة الرأي العام بالقياس إلى ما ذكرناه.

____________

(1) راجع كتاب: الرأي العام و تأثره بالإعلام و الدعاية: الكتاب الأول: ص 279 للدكتور محمد عبد القادر حاتم.

(2) أمثال فضيحة و و ترغيت في أمريكا، التي كونت رأيا عاما ضاغطا على الساحة السياسية، و أدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي نيكسون عن الحكم سنة 1973 م، و كذا مساءلة الرئيس بيل كلنتون عن علاقته غير المشروعة مع الموظفة السابقة في البيت الأبيض مونيكا لونيسكي.

227

الرأي العام في الدول الديكتاتورية

مسألة: لا يمكن تحصيل الرأي العام الواقعي في الدول الديكتاتورية إطلاقا؛ لأنّ الديكتاتور يحاول أن يجير كل شي‌ء لصالحه، و قد رأينا في بعض أنظمة الحكم كيف أنّ أجهزة الاستخبارات كانت توجّه الرأي العام لانتخاب الحاكم المفروض على الشعب.

و من كان يخالف ذلك كان جزاؤه السجن و التعذيب و الإعدام و مصادرة الأموال و التشريد و هتك الأعراض و ما أشبه ذلك.

و أذكر في هذا الصدد ما كتبته مجلة البعث الإسلامي، التابعة لجمعية العلماء في الهند، في أحد أعدادها: «أنّ جمال عبد الناصر و جماعته قرروا أنواعا من التعذيب و التي منها هتك العرض لكلّ من لا يؤيّد الثورة»، و معنى من لا يؤيّد الثورة هو من لا يؤيّد عبد الناصر بالذات.

و هكذا كان في عهد تشاوشسكو (1) في رومانيا المثل المشهور عند الناس:

«التفكير ممنوع و النطق يساوي الإعدام».

و في عهد عبد الكريم قاسم سنّ قانونا أنّ من يتطاول على المقدّسات‌

____________

(1) نيقولاي تشاو تشاوشسكو: سياسي روماني، ولد سنة 1918 م في سكورنيسشتي، أصبح أمينا عاما للحزب الشيوعي الروماني سنة 1965 م، و رئيسا للدولة سنة 1967 م، و رئيسا للجمهورية سنة 1974 م. عرف باستبداده و بطشه و قتله للناس. تخلّص منه الشعب الروماني سنة 1989 م حيث أطيح بحكمه، و قتل مع زوجته في تيرغوفيشتي. راجع ملحق موسوعة السياسة: ص 253.

228

الإسلامية بالسب و ينال من الخالق المتعالي أو من الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فإنّ عقوبته هي ربع دينار، أما من يسب عبد الكريم قاسم فجزاؤه السجن عشر سنوات، و هذا الأمر نجده في أكثر بلدان العالم الثالث.

و من الطبيعي في مثل هذه الأوضاع الاستبدادية لا ينمو الرأي العام و لا يزدهر. بعكس ما هو الحال إذا كانت الدولة تعيش نظاما ديمقراطيا (1)- في الاصطلاح الغربي-، أو نظاما استشاريا- حسب الاصطلاح الإسلامي- على ما هو موجود من فروق بينهما (2)؛

____________

(1) الديمقراطية: كلمة يونانية مركبة من: «ديمس» و «قراطيس» أي حكم الشعب لصالح الشعب، و هو نظام سياسي يحكم الشعب فيه نفسه بنفسه، و قوامه الحرية و المساواة و المشاركة الجماعية في الحكم عبر التمثيل و إبداء الرأي و المعارضة و فصل الدين عن الدولة و غيرها، بصورة رسمية او غير رسمية. و الديمقراطية لدى اللاتين: امحاء الإرادة و حسن المبادرة لدى الفرد لكي يصبح تابعا للدولة، فالدولة هي المسئولة عن القيادة و تطبيق المركزية و احتكار تيسير الأمور و التصنيع. و الديمقراطية لدى الأمريكان: بمعنى التنمية المكثّفة للإرادة و للفرد أي امحاء الدولة و ضعف دورها في تيسير الأمور ما عدا الجيش و الدبلوماسية. راجع الموسوعة العربية الميسرة و الموسعة: ج 4 ص 1755.

(2) إنّ المؤلف (قدّس سره) ذكر الديمقراطية و جعلها مرادفة للاستشارية من باب التماشي مع البحث أو للاشتراك الإجمالي، و إلّا فإنه يرى وجود فوارق عديدة ذكرها في كتابه الشورى في الإسلام: ص 77، و الفقه- السياسة، و الفقه- فلسفة التاريخ: ص 190. و من جملة الفروق الأخرى:

1- السيادة في النظام الديمقراطي هي للشعب، بمعنى أن الشعب هو سيد نفسه و ليس هناك قوة أعلى من الشعب. بينما السيادة في نظام الشورى للقانون: «القرآن الكريم و السنة النبوية» فحتى الحاكم لا بد أن يخضع للقانون الإلهي: بل و حتى الأنبياء و الأئمة عليهم التقيّد بهذه القوانين.

2- الشعب هو الذي يسن القوانين في النظام الديمقراطي، بينما في الإسلام لا حق لأحد في سن القوانين، فالأحكام هي من اللّه سبحانه، و اللّه كشف عنها في كتابه أو جعلها مخفية لحكمة، و طلب من العلماء الكشف عنها و استنباطها.

3- يأخذ النظام الديمقراطي بالأكثرية على أنه الحق بينما يأخذ الإسلام بهذا المبدأ من باب الترجيح فقط، فرأي الأكثرية لا يمثل الحق في النظام الإسلامي، فقد يكون الحق مع

229

حيث إنّ الحريات الإسلامية أكثر من الحريات الغربية على ما ذكرنا ذلك في كتاب «ممارسة التغيير» و كتاب «الصياغة الجديدة» و غيرهما.

____________

الأقلية.

و مما يؤخذ على الديمقراطية فقدان الارتباط بين الحرية الفردية و الحكم الديمقراطي، و هذا ما تجلى بوضوح في روسيا في عهد فردريك الأكبر، حيث وجدت الحريات الفردية و انعدمت الديمقراطية، و كذا في عهد جوزيف الثاني في النمسا حيث حافظت على الحرية الفردية و الحقوق الذاتية أكثر من الديمقراطية الفعلية، و مما يؤخذ كذلك ان الديمقراطية الأمريكية قائمة على التصويت الانتخابي دون التصويت الشعبي.

230

من معوقات الرأي العام

مسألة: ينبغي التوجه للعوامل التي تتدخل سلبا في صنع الرأي العام، و من هذه العوامل عدم المسح الجغرافي للمدن و القرى و عدم وجود الاستشارية و انتشار الأمّية، فالأمية مؤداها إعاقة حرية التعبير و بالتالي أفول الرأي العام. فإنّ الناس في تلك الحالة يتحولون إلى إمّعات لا يجعلون لأنفسهم قدرا و لا وزنا، و إنّما يقول أحدهم: أنّا مع رئيس العشيرة الفلانية، و إنا مع رئيس الحزب الفلاني، أو مع القوم الفلاني، أو أنا مع القوي، هؤلاء الذين شعارهم «حشر مع الناس عيد»، و الذين قال فيهم أمير المؤمنين (عليه السّلام): (همج رعاع أتباع كل ناعق) (1).

و كذا من العوامل التي تتدخّل في الرأي العام سلبا أو إيجابا: العادات المحلّية و أنظمة العائلة و التقاليد العشائرية أو ما أشبه ذلك، فلا بدّ أن يعي مهندسو الرأي العام هذه العادات و التقاليد؛ حتى لا يصطدموا بها.

____________

(1) نهج البلاغة: ص 495 قصار الحكم، الحكمة 147، الإرشاد: ج 1 ص 227، اعلام الدين:

ص 85، الأمالي للطوسي: ص 20 المجلس الأول ح 23، الأمالي للمفيد: ص 247 المجلس التاسع و العشرون ح 3، الخصال: ج 1 ص 186 ح 257، روضة الواعظين: ج 1 ص 10، الغارات:

ج 1 ص 89، كمال الدين: ج 1 ص 293 ب 26 ح 2.

231

المواقف و علاقتها بالرأي العام

مسألة: الموقف عبارة عن مجموعة أنماط من الاستجابات على شكل سلوك أو قول حول حادثة معيّنة. مثلا: موقف الشخص الفلاني من الاعتداء على صديقه، أو موقف الحكومة المعيّنة من حرب البوسنة و الهرسك، أو موقف الحزب الفلاني من التصالح و التحارب مع الجماعة الفلانية، أو الحكومة الفلانية (1).

و بالمواقف المشتركة بين الأفراد يصنع الرأي العام، ثم إنّ الموقف قد يحرّكه عامل واحد أو عدة عوامل، كأن يقف زيد من عمرو موقفا عدائيا؛ و ذلك لأنّ عمرا في المكان المعيّن أقدم على الاستهانة بزيد فولّد عند زيد ردّ فعل معيّنا؛ إمّا حبّا أو بغضا أو خوفا أو اطمئنان أو ما أشبه ذلك، سواء كان العامل واحدا كعامل الحبّ أو بسبب متعدّد كعامل الحبّ و الخوف مما سبب هذا الموقف لهذا الإنسان أو لهذه المنظّمة أو لهذا الحزب أو لهذه الحكومة.

و الموقف إنّما يقال له: موقف، إذا كان نابعا عن الحقيقة لا عن الصورة؛ لأنّه قد يكون موقف فلان من فلان موقف الحب لكنّه لا يظهر هذا الحب بل أحيانا يظهر الكره و البراءة لجهة أهم، فيكون موقفه الظاهري مخالفا لموقفه‌

____________

(1) و عرفه بعضهم على أنه: عملية وعي الفرد الذي يحدد النشاط الحقيقي أو المحتمل لنظره في القيمة الاجتماعية و التصرف بأي شكل من الأشكال هو الرباط الذي يربط بينهما.

232

الباطني، و الموقف الموحّد من جماعة لا يلزم أن يكون وراءه شي‌ء واحد بل يمكن أن يكون وراءه أشياء مختلفة، مثلا: هناك عدد كبير يذهب إلى البحر لكن البعض يذهب لصيد الأسماك و البعض الآخر يذهب للسباحة و واحد يذهب للاستفادة من ملح البحر أو ما أشبه ذلك، فالموقف واحد بالنسبة إلى الذهاب إلى البحر لكن ما وراء الموقف يكون مختلفا.

كما و أنّ الموقف الواحد لا يلزم أن يكون متساويا كما و لا كيفا؛ إذ قد تختلف المواقف في الكم و الكيف على حسب الظروف الداخلية و العوامل الخارجية، فإنّ الذين حضروا كربلاء لقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) كانت دوافعهم مختلفة من طلب المال أو الجاه أو المنصب، و بعض من حضر كان إمّعة أو همجا رعاعا أتباع كلّ ناعق- على المثل الذي ذكرناه- «حشر مع الناس عيد»، و إن اختلفت الأهداف و الغايات و الدوافع فإنّ الموقف واحد في جميع هؤلاء.

و المواقف بطبيعتها متحرّكة غير جامدة، بل أحيانا تنمو كنمو الشجر، و أحيانا تتأثّر و تتغيّر بصورة بطيئة أو بصورة سريعة، أو يظهر التغيير بدون هذه الأمور بل لعامل هام هو أنّ الأمّة عند ما تتحوّل إلى «إمّعة»، يتغيّر رأيها بتغيّر رأي قادتها، فمثلا: نجد أن سوريا و مصر اتّحدتا في عهد جمال عبد الناصر حتّى انبثقت الجمهورية العربية المتّحدة، لكن لم يمض وقت طويل حتّى تغيّر هذا الموقف فوقف جمال عبد الناصر و خطب في إحدى المرات منددا بسوريا و حكامها و مطالبا بضربهم و قتلهم، و أخذت الجماهير المليونية المحتشدة تقول: «اقتل اقتل. اضرب اضرب. حق حق»، و يقولون بأنّ جمال عبد الناصر هو رجل الحرب و رجل الإنقاذ و ما أشبه ذلك من الألفاظ، و لم يمر على هذا الكلام وقت طويل حتّى أعلن جمال عبد الناصر قائلا: «إنّي فكرت أن‌

233

لا أضرب الدم العربي بالدم العربي و لذا أفضل أن أتريث فأكون رجل السّلام حتّى يتبين الموقف الصحيح». و إذا بالجماهير المليونية تغيّر موقفها تبعا لذلك و أخذت تردّد بدل «القتال القتال»، «السّلام السّلام، الأخوة الأخوة» و ما أشبه ذلك. فالموقف قد تغيّر رأسا على عقب بعد فترة وجيزة؛ لأنّهم إمّعات لا يفكّرون بالاستقلال.

إنّ مثل هذه الأمور تحدث في الدول الديكتاتورية، أمّا الدول الديمقراطية فلا تحدث فيها مثل هذه الأمور إطلاقا، نعم يمكن تغيير المواقف بسبب تغيير الأسباب الواقعية أو بسبب نمو المواقف أو ما أشبه ذلك، و المجتمعات الراكدة المنعزلة يكون عدد المسائل الخلافية فيها قليل جدّا، أمّا في المجتمعات الديمقراطية و المتحرّكة المواقف؛ فكثيرا ما تتغيّر لتغيّر أسبابها فتتغيّر فيها المواقف كما يتغيّر الطقس من البرودة إلى الحرارة أو بالعكس، و من الرطوبة إلى اليبوسة أو بالعكس حسب تغيير الأسباب التكوينية، فإنّ الأسباب التشريعية كالأسباب التكوينية في التغيّر و النمو و أيضا في الجمود.

و من هنا يتبيّن أنّ رأي أفلاطون في مسألة التغيير ليس على نحو الموجبة الكلّية و إنّما على نحو بعض الجزئيّات، فإنّ رأيه هو «أنّ التغييرات في الرأي تفرض بالقوّة تحت تأثير شدّة الألم أو الحزن الجسمي أو النفسي، فالبسطاء هم الذين يغيّرون آراءهم تحت تأثير السرور أو تحت تأثير الخوف الحاد أو تحت تأثير اللذّة المترقّبة».

أسباب التغيير في الرأي العام

و قد ذكر أحد علماء الغرب (1) أنّ التغيير المفاجئ في الرأي لدى الجماهير‌

____________

(1) و هو العالم أ. ه‍. باجيت.

234

الكبيرة، يكون للأسباب التالية:

1- أنّ رأي الجماعة، الذي لا يقوم على أساس من الفهم الدقيق بنقاط البحث، و لا تدعمه ارتباطات قوية بحكم مسبق ثابت، هو رأي سهل التقلّب أو التفكك.

2- أنّ كثيرا من تعبيرات الرأي العام ليست إلّا تمسّكا فارغا بالشكليات، و قد يبدو أنّ التغيّرات في الرأي قد تحدث عرضا عند تغيير الخطاب من أسلوب إلى آخر.

3- قد يتغيّر رأي الجماعة بسرعة بسبب عدم الحكمة و سوء التصرف عند أولئك الذين يحاولون توجيه الرأي، فالقادة قد يغالون في ثقة الشعب فيهم و مسايرتهم لهم و من ثمّ يحاولون المغالاة في إحداث التغييرات.

4- أنّ الرغبة العامّة عند أعضاء الجمهور الكبير في الاستجابة إيجابيا، عبر التصويت بنعم على المقترحات، في حين أنهم يظلّون محتفظين بشكوكهم، و من ثمّ قد تغيّر الغالبية رأيها بسرعة كبيرة، و قد تأكّد ذلك الأمر بالتجربة.

5- أنّ الجمهور عامّة يعترض على المواقف لا على المبادئ، و من ثمّ قد تحدث التغييرات الفجائية في الرأي إذا تعدّل الموقف.

6- أنّ دخول قوّة شخصية جديدة تمثل بوضوح مسألة من المسائل، هو مما قد يحدث تغيّرا مفاجئا في الرأي، أمّا الحقائق و الأسباب و البراهين فقلّما كان لها سيطرة ثابتة على عقول معظم الناس.

إذا التغيير في الرأي إنّما يكون بسبب ما يطرأ على الرأي السابق شكليا أو واقعيا، فشكليا هو أن يكون الإنسان إمّعة يتّبع من فوقه بلا مناقشة، و إنّما يكون كذلك إمّا من خوف أو رغبة أو حبّ أو ما أشبه ذلك، أمّا إذا كان عن واقعية؛ إنّما يكون كذلك لأنّه إذا اشتهى الإنسان شيئا غير الشي‌ء الذي يرغب‌

235

فيه، تكوّن لديه في الأوّل الرؤية ثمّ العاطفة ثمّ الشكّ ثمّ الظنّ ثمّ اليقين حتّى ينقلب الرأي السابق إلى رأي لاحق، و هكذا يكون حال جميع الأمور حتّى الدين. مثلا: الولد الجاهلي الذي يولد في مجتمع يعبد الأصنام، أولا يرى هذا الولد الصنم و بعد ذلك يعطف عليه ثم يدخل مرحلة الشك و إثارة الأسئلة، هل هو صحيح أو غير صحيح؟ و بعد ذلك يصل شكّه إلى الظن بصحّته، و من ثم يتيقّن، و لذا جاء الأنبياء ليمهدوا للإنسان خطو هذه الخطوات للمضي في هذه المراحل حتّى تتبدّل نظرتهم و تتغيّر آراؤهم. و هكذا حتّى بالنسبة إلى المفردات، و لذا اشتهر بين المفسّرين أنّ الخمر منع على شكل ثلاث مراحل لتجذّره في أعماق المجتمع، و قد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في آيات ثلاث (1).

و أحيانا يغيّر الناس مواقفهم تحت ضغط عامل خارجي، ثمّ إذا ارتفع ذلك العامل رجع الناس إلى مواقفهم السابقة، و لا يلزم أن يكون التغيّر من رأي إلى رأى كلّيا؛ لأنّه من الممكن أن يكون التغيّر جزئيا على نحو العموم المطلق أو على نحو العموم من وجه على اصطلاح المنطقيين. ثمّ إنّه كلّما كثرت اتّصالات بعض الناس ببعضهم كثر تغيّر المواقف كلّيا أو جزئيا؛ لأنّ الرأي الجديد الآتي من مكان غير مكان الجماهير قد يكون له من القوة و الواقعية ما يسبب التغيير، و لهذا نشاهد أنّ الذين يسافرون من البلاد الصغيرة إلى البلاد الكبيرة يغيّرون آراءهم، و كذلك العكس؛ المسافر من البلد الكبير إلى البلد‌

____________

(1) و هكذا في إتيان الواجبات، مثلا أن اللّه سبحانه و تعالى أخّر وجوب الصلاة إلى ليلة الإسراء لأنه لو أوجبها في ابتداء الإسلام لنفروا من ثقلها عليهم، و أخّر وجوب الزكاة إلى ما بعد الهجرة النبوية الشريفة. للتفصيل عن هذا الموضوع راجع كتاب: لما ذا تأخر المسلمون؟: ص 144 و كتاب الوصول إلى حكومة واحدة اسلامية للإمام المؤلف (قدّس سره).

236

الصغير يتغيّر رأيه بحسب مفاهيم البلد المنقول إليه، و يشير إلى هذا ما ورد عن أفلاطون من أنه عرّف حدود المدينة بأنّها مقدار ما يصل إليه صوت الإنسان، و هذه إشارة إلى أهمّية الاتصال في بناء المدينة و المجتمع.

و كما أنّ الرأي الجديد يسبّب تغيير الرأي السابق و تبعا لذلك يتغيّر الموقف، كذلك البيئة و الحالات الاقتصادية و الحالات الاجتماعية، مثلا البيئة الحارّة تفرز آراء ليست كذلك فيما إذا كان هؤلاء في البيئة الباردة، و كذلك البيئة ذات الدخل الاقتصادي المرتفع تختلف عن البيئة ذات الدخل الاقتصادي المنخفض.

و بناء على هذا، فالرأي العام أيضا ظاهرة من ظواهر الإنسان، حاله حال اللغة و التشبيهات و الاستعارات و الكنايات و المحسنات اللفظية و البديعية و ما أشبه ذلك، كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث حول الحقائق الفطرية الثابتة في أية بيئة أو مكان أو زمان أو اقتصاد أو ارتفاع أو انخفاض أو جبل أو سهل، أمّا غيرها فتتأثّر بمختلف البيئات و الاجتماعات، و قد ذكر علماء الكلام أنّ المعاجز أيضا كذلك، فنبي الله موسى (عليه السّلام) لما كان في عصر السحرة أتى بشي‌ء من المعجزات التي تشابه عمل السحرة، حيث إنهم كانوا يصنعون الحبال و العصي ليخيّل للناس أنّها تسعى، و موسى جاء بالعصا التي تنقلب حيّة بإذن الله سبحانه و تعالى حقيقة، فهم يسحرون أعين الناس، أمّا موسى فيعمل الحقيقة.

و نبي الله عيسى (عليه السّلام) كان في زمن انتشر فيه الطبّ و الأطبّاء المهرة الذين يعالجون الأمراض المميتة و يدفعون الموت مهما أمكن عن المريض الذي يشرف على الموت، و لذا جاء بمعجزات إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى و ما أشبه ذلك. و رسول الإسلام (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و إن كثرت معاجزه كما ورد في كتب‌

237

السير (1) إلّا إن أهمّ معجزاته القرآن الحكيم الذي هو من جنس الفصاحة و البلاغة التي كانت دارجة عند عرب الجاهلية، و ليس معنى ذلك أنّ إعجاز القرآن خاص في هذه الناحية، بل هذه هي الناحية البارزة من إعجاز القرآن و إلّا فإعجاز القرآن بأسباب متنوّعة؛ و لذا يعتقد بإعجازه حتّى في عالم الذرّة بل و ما بعد الذرّة و إلى يوم يبعثون، و إلى هذا أيضا يشير قوله سبحانه و تعالى: كٰانَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّٰهُ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ (2)، قوله «اختلفوا» بسبب أنّ جماعة منهم يظنّون أنّه ليس بحق من جهة إما تقليدا أو عدم التفات أو ما أشبه ذلك، فيبتعدون عنه و إلّا فقبل ذلك كان الناس أمّة واحدة، لها شأنها و خصوصيّاتها الجامعة المشتركة.

____________

(1) أمثال انشقاق القمر، و نبوع الماء بين أصابعه، و إشباع أربعين شخصا من بني هاشم من الطعام القليل عند نزول آية: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، و تسبيح الحصى في كفّه، و حنين الجذع، و إقبال الشجرة إليه، و عبوره مع الجيش على الماء، و تكليمه الذئب و الثعبان و الجانّ و الضّب و الظبية و الطير و الناقة و الحمار، و التصاق الحجر بيد أبي جهل حين هم أن يرمي الرسول بها، و شهادة الحجر و المدر برسالته، و تسليم الركن المغربي عليه، و إدرار شاة أم معبد حين مسّها بيده و لم تكن قبله بسنة قد درّت. و قد أحصى بعض العلماء معاجز الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فبلغت أربعة آلاف معجزة.

(2) سورة البقرة: الآية 213.

238

مظاهر الرأي العام

مسألة: من الأركان المهمة في تجميع الرأي العام هو استخدام اللغة و التي تتجسد عبر الإيماء و الكلام و اللمس المثبتين و الصورة، و إليك تفصيل هذه الأمور:

الإيماء

و هي إيماء الحركات البدنية من اليد و الرجل و العين و الرأس بإشارة نعم أو لا أو ما أشبه ذلك، و كل ما يطلق عليه «الإيماء» هو شكل من أشكال التعبير عن الآراء، و للدلالة على موقف الإنسان سواء كانت مطابقة للواقع أو لم تكن مطابقة للواقع، و المطابقية و عدمها ليستا من بحثنا الآن، و إنّما البحث في المظهر، فهي لغة الإشارة الصامتة، و الغالب أنّه يستعملها عمّال السكك الحديدية و عمّال البناء و طلبة الكشافة و الاستخبارات و رجال الجيش في حال الحرب و غيرهم، و قد تكون تلك الإشارات طبيعية في اتّصالات الأطفال أو حركات وجوههم، و قد لا تكون طبيعية بل بالتعليم عبر الإشارات، و قد تكون من دلالات الجماعات الثقافية المشتركة.

الكلام

ممّا يدلّ على الرأي العام أيضا هو الكلام، و الكلام هو التلفظ سواء كان‌

239

كلاما اصطلاحيا بين نفرين أو جماعة أو كلاما عاما بين قطاعات كبيرة ممّا يسمّى باللغة، و اللغات جزء من ثقافات كلّ الشعوب سواء كانت شعوبا بدوية أو شعوبا حضرية.

و الطفل أوّل ما يولد يكون مزوّدا بالإشارات الطبيعية ثمّ يتعلّم اللغة تدريجا لفظا و معنى، بأن يعرف أنّ هذا اللفظ لهذا المعنى، و هذا اللفظ لذاك المعنى.

و الكلام كالإيماء يدلّ على الرأي إذا كان إنشائيا، أمّا الكلام المقروء فلا يدلّ على الرأي العام.

و لا يخفى أنّ المحسنات البديعية ممّا ذكرها علماء البلاغة إنّما هي لكثرة تمكن المتمكّن من جمال الكلام ليؤثّر في السامع أحسن تأثير سواء كان المقصود منه تفهما مباشرا و لو بالملازمة، و مما يذكر أنّ رجلا أراد قتل رجل في الصحراء، فقال له الرجل المقتول: إذا قتلتني فإنّي أرجو منك رجاء واحدا هو أن تذهب إلى بيتنا و تقرأ هذا الشطر من البيت الشعري على ابنتي:

ألا أيّها البنتان إنّ أباكما‌

و بعد أن ارتكب الرجل جريمة القتل ذهب فعلا إلى بيت الرجل المقتول، و أنشد شطر البيت، فلمّا سمعتا البنتان منه ذلك أخذتا بتلابيبه و قلن له: أنت القاتل. لأنّهما أدركا مراد والدهما من شطر البيت:

ألا أيّها البنتان إنّ أباكما * * *قتيل، خذا بالثأر ممّن أتاكما (1)

____________

(1) راجع المستطرف: ج 1 ص 126، كشكول البهائي: ج 2 ص 90، و نظير هذا الشعر جاء في موت الشاعر أبو ليلى عديّ بن ربيعة التغلبي المشهور بالمهلهل:

حيث كان مريضا و له عبدان يخدمانه فملّا منه، فلمّا أحسّ أنّ العبدين يريدان قتله أوصاهما أن ينشدا ابنته سلمى بيتا من الشعر، و هو:

من مبلغ الأقوام أنّ مهلهلا * * * للّه درّكما و درّ أبيكما

فلمّا أنشداها البيت أوثقت العبدين و قالت: ما أراد أبي إلّا أن يقول:

240

و لا فرق بين القراءة و الكلام في إظهار الرأي سواء كان مثيرا أو غير مثير كما يستعمله دعاة الحروب و السّلام و ما أشبه ذلك، كما أنّ اختلاف اللغات و اللهجات يحول دون جمع الناس في نسق واحد؛ لذا اتفق عقلاء العالم على توحيد اللغة بين الأقوام المختلفة، و من هذا المنطلق جعل القرآن الحكيم اللغة العربية هي لغة المسلمين بصورة عامّة في صلاتهم و غير ذلك، و قد اندفع المسلمون من غير العرب على تعلّم اللغة العربية تحت لواء الإسلام فجعلوها لغتهم الرئيسية، و البعض جعلها لغته الثانية بعد لغته الأمّ، فشعوب العراق و مصر و سوريا و بلاد الخليج و المغرب و السودان و ليبيا جعلوا اللغة العربية لغة الأم، أمّا في إيران و تركيا و باكستان فقد جعلوها اللغة الثانية بالإضافة إلى لغتهم الأصلية.

اللّمس

و اللّمس يقوم مقام الكتابة عند فاقدي البصر و نحوهم، فالحواس الخمس هي الطريق إلى الذهن الباطن، و الطريق إذا سدّت تعوّض بطريق أخرى كالعين و اللّمس، و قد لا يكون كذلك الذوق فإنّه لا يمكن تبديله إلى شي‌ء آخر بحيث يؤدّي الرسالة نفسها، و اللمس هو وسيلة الاتّصال الطبيعية عند طبقة واسعة من المجتمع، و بالتالي هو إحدى وسائل تكوين الرأي العام.

____________

من مبلغ الأقوام أنّ مهلهلا * * * أضحى قتيلا في الفلاة مجدّلا

للّه درّكما و درّ أبيكما * * *لا يبرح العبدان حتى يقتلا

راجع: أدباء العرب: ج 1 ص 90.

241

الصورة

تساهم الصورة مساهمة كبيرة في الترويج للرأي العام، فهي خير معبّر عمّا يريد صنّاع الرأي العام (1)، و اليوم أصبحت الأفلام السينمائية هي الوسيلة المثلى للترويج و الدعاية و تكوين الرأي العام، و لأهمّية الأفلام و أثرها الحاسم قام بعض الإيرانيين في أيّام رضا بهلوي بصنع فيلم عن ملوك إيران السابقين الذين نشروا في طول البلاد و عرضها اللوعة و الأسى. و قد أثّر هذا الفيلم تأثيرا كبيرا في الجماهير الإيرانية؛ حيث أظهر ارتباط الشاه بالدوائر الاستعمارية، فأمر رضا بهلوي بإعدام من كان وراء الفيلم، فأعدم العديد من صناع الفيلم جراء عملهم المؤثّر.

و في مثال آخر قام الجيش الأمريكي بصنع مجموعة من الأفلام تحت عنوان «لما ذا نحارب؟» برّر فيها دوافع الجيش الأمريكي في شن القتال، الأمر الذي أقنع الشعب الأمريكي بالأهداف الحربية، و قد قام فريق بدراسة نتائج هذه الأفلام فتوصّل إلى النتيجة التالية: إنّ هذه الأفلام كانت فعالة في تغيير الآراء في بعض الموارد؛ لأنّها أعطت تفسيرا خاصا لبعض الحقائق.

و اليوم تقوم الولايات المتّحدة بشن هجماتها على الدول و الشعوب تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، فهي ترتكب الإرهاب تحت هذه التسمية، و هي تستخدم في هذا الأمر كافّة وسائلها الإعلامية، و منها بالطبع التصوير السينمائي و التلفازي.

و لا ريب أنّ الصهاينة تفنّنوا كثيرا في توجيه الرأي العام نحو مصالحهم‌

____________

(1) فالصورة تقوم بوظيفة: 1- التأطير بإظهار الحجة و العاطفة 2- التحرير بالتلبيس و المغالطة 3- التوصيل لأجل الاستشهاد و الإثبات.

242

الخاصّة عند ما استخدموا الشريط السينمائي (1) في بث الدعاية الصهيونية، و قد حقّقوا إنجازات إعلامية كبيرة عند ما استطاعوا تغيير الصورة عن أنفسهم و الظهور بمظهر المظلوم، بينما هم الذين غصبوا الأراضي الفلسطينية. فقد ركّزوا على قتل اليهود بيد النازيين في معسكرات الأسر و صنعوا كثيرا من الأفلام في هذا المضمار و استطاعوا تغيير النظرة العامّة إلى اليهود من الكراهية إلى الحيادية أو الإيجابية، لأنّ من طبيعة الإنسان الوقوف إلى جانب المظلوم، ففي أعماق الإنسان شحنة كبيرة من العواطف، تنجذب نحو المظلوم، و قد استطاع اليهود استدرار عواطف العالم إلى جانبهم، و أخذوا يروّجون لقصص كاذبة لا أساس لها امثال محرقة اليهود (2).

____________

(1) و من تلك الأفلام: ليل و ضباب، لا ترمان، المحرقة، الموت مهنتي، الشواه الحديدي و الذي خصّص مناحيم بيغن 850 ألف دولار من أجله.

(2) و قد فضح تلك الأكاذيب الكاتب و المفكر الفرنسي روجيه غارودي في كتابه الأساطير المؤسّسة للسياسة الإسرائيلية. حيث كشف فيه ما فعلته الصهيونية العالمية و لسنوات طوال من الهرطقة السياسية و احتلال العقول و المصادرة للمفاهيم.

و ذكر غارودي في كتابه: إن ما أشاعه اليهود من الإبادة الجماعية في معسكرات الاعتقال في زمن هتلر لا يستند إلى حقائق واقعية، و ذلك للأسباب التالية: أ- إن الأرقام التي ذكروها لا تستند الى تحقيق تاريخي، حيث ذكروا ستة ملايين- استنادا إلى أقوال شخصين فقط هما ولهام هوثل و فيليسني- ثم تراجعوا إلى أربعة ملايين ثم إلى مليون و ربع المليون ثم إلى أقل من مليون. علما أن عدد اليهود الذين كانوا يعيشون في ألمانيا لم يتجاوز نصف العدد الذي ذكروه، لأن حق المواطنة يشترط فيه عنصر الدم الألماني. ب- أن الأرقام التي ذكروها لا تستند إلى تحقيق علمي، فإنه لا توجد أي وثيقة موقّعة من قبل هتلر أو أحد اعضاء حكومته بإبادة اليهود، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار المدة التي حكم فيها هتلر، و هي عشر سنوات، أربع منها لجميع أوربا. بل العكس أن اليهود ظلّوا يعيشون في أوربا و أن بعضهم تعاون مع هتلر ضد بريطانيا بما فيهم منظمة مجموعة ليحي- المحاربين من أجل إسرائيل- التي كان يرأسها لجنة ثلاثية من بينهم إسحاق شامير، و التاريخ يحدّثنا عن ذلك التعاون عبر اتفاقات الهعفراه- التي تسمح بموجبها لليهود و أصحاب الرساميل بنقل رءوس أموالهم من ألمانيا إلى فلسطين، و عبر مقترحات التعاون العسكري، و هي

243

و الأفلام التي من هذا القبيل قد تؤثّر بصورة سريعة أو قد لا تؤثّر بتلك السرعة. و عمل الصور كعمل النبتة، فبعض النباتات تثمر بعد ثلاثة أشهر، و بعضها يثمر بعد ستة أشهر، و بعضها يثمر بعد سنة أو أكثر.

و لا فرق هنا بين كون الصورة على شكل تمثيلية أو فلم أو لوحة أو بوستر، و قد ذكر في التاريخ أنّ الصينيين اشتهروا بمقولة: «صورة واحدة خير من ألف كتاب».

و الغالب أنّ الرأي العام يكون تجميعا كميا للآراء المرتبطة، مع وضوح أنّ التجمّع في الآراء المختلفة للأفراد المختلفين لا يمثّل إلّا الكم، و ليس المهم في هذا الباب الكم فقط، بل لا بدّ من رعاية الكيف أيضا.

و الإحصاء الكيفي أمر يحتاج إلى المزيد من الدقّة و الملاحظة، مثلا أساتذة الجامعات و علماء الدين و المفكرون و أمثالهم من الشخصيات المتفوقة فكريا لا يمكن أن يعدّ رأيهم مثل رأي البقّالين و الحمّالين و طلاب المدارس الثانوية‌

____________

مقترحات قدّمها إسحاق شامير للسلطات الهتلرية سنة 1941 م، و عبر مقترحات الوكالة اليهودية من أجل تقديم عشرة آلاف شاحنة لهتلر بشرط أن تستخدم ضد السوفيات-. ج- أن المعلومات التي اعتمد عليها خلافا للقواعد المتّبعة في المحاكم، حيث لم يتحقق أحد من سلامة النصوص و الشهود- خصوصا بناء شهادتهم على السماع دون المشاهدة و الاعترافات تحت التعذيب- و لا نوع سلاح الجريمة- أ هي ناقلات خانقة أم غرف غاز-. د- لم يتوصل الخبراء و المحققين إلى غرف الغاز في معسكرات الاعتقال، إذ أعلنوا أن الإبادة غير ممكنة تقنيا، هذا إضافة إلى أن بعض المعسكرات التي ذكرها اليهود لم يكن لها وجود أصلا. ه‍- أن الاكثرية الساحقة من المنفيين في معسكرات الاعتقال لم يكونوا من اليهود، فقد كان هناك أربعمائة ألف جندي سوفيتي و مائة و خمسون ألف مجري و ما بين ستمائة ألف إلى سبعمائة ألف بولوني و مائتان و خمسون ألف فرنسي، و من بين هؤلاء الفرنسيين خمسة و عشرون ألف جندي يهودي، فقد عاد من الجنود الفرنسيين بين ثمانين ألف إلى مائة ألف- بما فيهم خمسة عشر الف يهودي- فلو كان هناك معسكرات إبادة لذكروا هؤلاء.

244

و ما أشبه ذلك، لأن الرأي الحصيف لا يقاس بغيره.

و قد يعترض معترض على هذا الكلام بقوله: إنّ الإسلام ينظر إلى البشرية نظرة متساوية في الحدود و القصاص و الديات، و هو ينظر إلى المجاهدين نظرة متساوية في أمر تقسيم الغنائم إلى غير ذلك من الأمثلة، فكيف لا تقبلون بتساوي الآراء؟

و في الجواب نقول: هذا أمر صحيح لا نقاش فيه لكن تقسيمات المجتمع على أساس التقوى و العلم أمر موضوعي لا يقبل النقاش أيضا، كما ليس هناك منافاة بين الأمرين بين موضوع الديات و الحدود و القصاص و بين موضوع التقسيم الطبيعي للمجتمع. فالإسلام يقرّ باختلاف المراتب بناء على التقوى و العلم، كما أنّه يقرّ بالمساواة أيضا، و قد ورد الدليل في الدعاء الشريف: (يا من في الميزان قضاؤه) (1)، فإنّ القضاء العادل لا يمكن تحقّقه في هذه الدنيا؛ حيث لا توجد موازين دقيقة للمفاضلة، و حتّى في القوانين الغربية التي تفرّق بين فرد و فرد في العمد أو الخطأ، فإنّ ذلك جزئي من جزئيات القوانين؛ حيث إنّ أكثر القوانين لا تتمكّن من الفروق، و منها عدّ الآراء في مسألة الديمقراطية، فالغرب يعطي الحكم لمن له أكثر الآراء مع وضوح أنّ الآراء مرتبطة كيفا لا كما فحسب؛ و لذا يقول غاندي: «نحن لا نعرف أحسن من الديمقراطية في الحكم لا لأنّ الديمقراطية هي الصيغة الحسنة فحسب بل في التفكير صيغ أحسن منها لكن لا علاج لنا إلّا بها».

و يقول أحد علماء الغرب إشارة إلى ذلك: «إنّ القصور الكامن في استقصاء‌

____________

(1) البلد الأمين: ص 406 دعاء الجوشن الكبير، مصباح الكفعمي: ص 252 الفصل الثامن و العشرون، بحار الأنوار: ج 91 ص 389 ب 52 ح 3 ط بيروت، الدعاء و الزيارة: ص 196 للمؤلف (قدّس سره).

245

الرأي العام كما يحدث الآن إنّما يقع في طريقة أخذ العينات، فطريقة أخذه للعينات حاليا تضطره إلى التعامل مع المجتمع كأنّه مجتمع متكوّن من أفراد متنافرين، و بالتالي فإنّ الرأي العام بدوره يعتبر حصيلة كمية لآراء المجتمع بأسره، و هذا الأسلوب في الواقع لا يمكن الركون إليه؛ لأنّ رأي أفراد محدودين لا يمثل رأي المجتمع بأسره، فأفراد العينة لا يمكن أن يمثلوا إلّا ذلك الجزء من المجتمع و لا يمثلون المجتمع المتماسك في هيكل واحد و الذي يشكل الجزء المكوّن للرأي العام حول مسألة معيّنة.

و كون العينة تضم عددا منهم أو حتّى عددا كبيرا منهم أمر محتمل جدّا، لكن في مدى لا يمكن تحديده، و ليس في استقصاء الرأي العام في الطريقة التي يجري بها حاليا ما يفيد بشي‌ء في هذا الشأن، و هناك ما هو أهم، فحتى مع فرض أنّ العينة تضمّ أفرادا يشتركون في تكوين رأي عام معيّن فليس لدينا بيانات عن دورهم في العملية، فإنّنا باختصار لا نعرف شيئا عن قيمة أو أهمّية الفرد في العينة أو أهمّية رأيه في الرأي العام الذي يتجمع أو الذي يعبّر عن نفسه في عمليّة المجتمع».

و الحاصل: لا موازين دقيقة عندنا في هذا العالم حسب ما نفهمه؛ للفرق بين الأفراد سواء في الأمور الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو ما أشبه ذلك. في الامتحانات- مثلا- يكون ميزان الإجابة عن عشرة أسئلة من عشرين سؤالا؛ ليعبر هذا الشخص اختبار النجاح، لكن من الواضح أنّ الأفراد مختلفون و إن أجاب كلهم على الأسئلة العشرة لا أنّهم مختلفون في مقدار الذكاء و القدرة على الحفظ فقط، بل لأنهم مختلفون في سائر الخصوصيات كحدّة الذهن أو تقديم المجتمع إلى الأمام إذا وصل إلى مرحلة الإنتاج و غير ذلك، فالإنسان كما هو مجهول في ذاته؛ كما يقول ألكسيس كارل صاحب‌

246

كتاب «الإنسان ذلك المجهول»، كذلك مجهول في مقاييسه و موازينه و سائر خصوصياته، و إنّما الموازين المجعولة تكون مشتركة في الغالب و هي على الاصطلاح «جهة المقل» لا أكثر من ذلك، و حتّى إذا فرضنا أنّنا ميّزنا بين الطبقات بمختلف الامتيازات- مثلا في الإرث ميّزنا بين العالم و الجاهل- فهل العلماء كلّهم متساوون و الجهال كلهم متساوون؟!، أو فرضا أنّا ميّزنا في العدول بين عدول العلماء و عدول الجهّال، فهل عدول العلماء في مرتبة واحدة و عدول الجهّال في مرتبة واحدة حتّى نقول مثلا العادل إذا كان عالما كان له ضعف رأي العادل الجاهل؛ و لذا قال أحد علماء الغرب: «إنّ الرأي العام له وضع في المجتمع و هو وظيفة من وظائف هذا المجتمع في سيره، هذا أوّلا.

و ثانيا: إنّ المجتمع له نظامه و تنظيمه و ليس مجرّد تجمّع من أفراد متنافرين.

و ثالثا: إنّ الجماعات الوظيفية تعمل بالطرق المسموحة في المجتمع.

و رابعا: إنّ الأفراد الذين يتّخذون القرارات يواجهون ضرورة تقدير مختلف المؤثّرات و المزاعم و الطلبات و الإلحاحات و الظروف التي تعترضهم.

و خامسا: إنّ تكوين الرأي العام يحدث بقدر كبير عن طريق التفاعل بين الجماعات.

و سادسا: إنّ الرأي العام بالمعنى الحقيقي يتكون من نمط الآراء المختلفة و المواقف بالنسبة للمسائل التي تعرض للأفراد الذين عليهم أن يتصرّفوا استجابة للرأي العام».

و النتيجة: لا علاج إلّا من التساوي بين الآراء من غير فرق بين آراء أهل المدينة و أهل البادية و القرية و بين آراء العلماء و الجهلاء و بين آراء الخبراء من العلماء و غير الخبراء منهم، و هكذا إلى فروق كثيرة، و لعلّه إلى هذا كان يشير رسول الله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في القسم بين زوجاته؛ حيث كان يقول: (اللهم هذا قسمي‌

247

فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك و لا أملك) (1).

الدقة في استخدام اللغة

و يأتي الكلام أخيرا في الألفاظ التي تكون بين السائل و المجيب ممّن يريد جمع الرأي العام، فيجب أن يكون ذا دلالات قاطعة لا اختلاف فيها بين السائل و المجيب، بأن يفهم المجيب من السؤال القصد نفسه الذي يكون عند السائل و إلّا سأل شيئا و أجيب بشي‌ء آخر، مما لا تتطابق الأجوبة مع الأسئلة تطابقا تماما، و قد تعرّض الأصوليون و الفقهاء إلى أمثال هذه المباحث في مثل مبحث الإنشاء و الإخبار، و من باب المثال لا من باب التطبيق على محلّ الكلام أنّ ما ذكروه في بحث الإنشاء و الإخبار من جواب المصلّي للسّلام عليه، فإنّ بعضهم قال: «يجيب المصلّي إجابة قرآنية لا إجابة إنشائية؛ فرارا من المحذور، كون جواب الكلام كلاما من آدمي في الصلاة و هو مبطل»، و البعض قال: «إنّ الشارع هو الذي خصّص مبطلية كلام الآدمي في الصلاة بالجواب عن السّلام فلا محذور في قصد الإنشاء»، هذا بالإضافة إلى أنه كثيرا ما يختلط الجدّ بالتهكّم و التورية باللغز، و لذا نشاهد أنّ كثيرا من الناس يقولون شيئا ثمّ يقولون: إنّي أعني ما أقول، يريدون بذلك تأكيد أنّه على نحو الجدّ لا على نحو التهكّم و اللغز و الكتابة و الإشارة و ما أشبه ذلك.

و الحاصل: أنّ الرأي العام إنّما يكون رأيا عاما واقعيا في هذا الموضوع الذي ذكرناه أخيرا فيما إذا كان السائل و المجيب يفهمان الألفاظ على نحو فهم واحد لا على نحو أفهام مختلفة من الجدّ و غير الجد، و حتّى أفهام مختلفة على نحو‌

____________

(1) غوالي اللآلي: ج 2 ص 134 ح 364. و نظير ذلك في المبسوط: ج 4 ص 155، مسالك الأفهام:

ج 12 ص 429، السنن الكبرى للبيهقي: ج 7 ص 298.

248

العموم و الخصوص المطلق أو العموم و الخصوص من وجه.

و قد ورد في السنة المطهّرة أنّ فقيرا تكفّف من النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال لأحد أصحابه: قم و اقطع لسانه، فأخذ بيده الصحابي؛ حيث لم يفهم كلام رسول الله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و حمله على معناه اللغوي، فأراد قطع لسانه، لكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) تدارك الموقف، و قال: إنّ كلام الرسول كناية عن إعطائه شيئا حتّى لا يتكلّم، لا أن تقطع لسانه بالسكين (1).

قال بعض الكتّاب: «قد ثبت أنّ عددا كبيرا من الناس الناطقين باللغة الإنجليزية ينطقون باللفظ الإنجليزي بعكس ما يعنون، كأن: يتلفّظون بلفظ‌

____________

(1) عند ما رجع الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من غزوة الطائف سنة ثمان الى الجعرانة، بمن معه من الناس و تقسيم ما أصاب من الغنائم يوم حنين بها في المؤلّفة قلوبهم، و لم يكن في الأنصار منها قليل و لا كثير، قال: و قد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) اعطى العباس بن مرداس بن أبي عامر أربعة من الإبل، فسخطها و اراد أن يكون عطاءه بمقدار الأقرع بن حابس و عيينة بن حصن و هو مائة من الإبل و أنشأ يقول:

أ تجعل نهبي و نهب العبيد * * * بين عيينة و الأقرع

فما كان حصن و لا حابس * * *يفوقان شيخي في المجمع

و ما كنت دون امرئ منهما * * *و من تضع اليوم لا يرفع

فبلغ الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قوله هذا. فقال الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السّلام): قم يا علي و اقطع لسانه.

قال العباس بن مرداس: فو اللّه لهذه الكلمة كانت أشدّ عليّ من يوم خثعم حين أتونا في ديارنا، فأخذ بيدي علي بن ابي طالب، فانطلق بي و لو ادري أن أحدا يخلصني منه لدعوته.

فقلت: يا علي إنّك لقاطع لساني. قال: إني لممض فيك ما أمرت، فما زال بي حتى أدخلني الحظائر، فقال لي: اعتد ما بين أربع إلى مائة، فقلت بأبي أنت و أمي ما أكرمكم و أحكمكم و أعلمكم. فقال علي (عليه السّلام): إن رسول اللّه أعطاك أربعا و جعلك من المهاجرين، فإن شئت فخذها، و إن شئت فخذ المائة و كن مع أهل المائة. قلت: أشر عليّ. قال: فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و ترضى. قلت فإني أفعل. راجع الإرشاد للمفيد: ج 1 ص 146، سفينة البحار: ج 6 ص 135، أعلام الورى: ص 118 ب 4، كشف الغمة: ج 1 ص 225، بحار الأنوار: ج 21 ص 160 ب 28 ح 6، الإمام جعفر الصادق: ص 29 ب 1.

249

جميل و هم يقصدون العكس أو يتلفّظون بلفظ حسن و هم يقصدون الردي‌ء، و هو نوع من الكلام يسمح للصديق أو أحد الأقرباء بأن يعرف العاطفة التي يعبّر عنها، لكنّه يمنع الشخص الغريب من أن يعرف ما يعتقده المتكلّم فعلا، هذا إضافة إلى أنه يسمح بقلب الوضع دون حاجة إلى عكس اللغة».

أقول: إنّي لا أعلم هل هذا الكلام المنسوب إلى هذا الكاتب صحيح أو ليس بصحيح، و لعلّ أولئك الذين يتلفظون ببعض الكلمات الإنجليزية على عكس معانيها يكونون من قبيل ما نصطلح عليه من تسمية المكفوف بصيرا، أو الزنجي كافورا، أو ما أشبه ذلك. فالدقّة في استخدام اللغة من الأركان المهمّة في تجميع الرأي العام، و هذا باب واسع، يرتبط بعلم البلاغة و التحسينات اللفظية، و إنّما كان قصدنا فقط الإشارة إلى هذه الملاحظة في تجميع الرأي العام.

و من هذا القبيل الاستقصاء في جوانب السؤال و الدقّة أثناء طرح الأسئلة؛ لأنّ الإنسان كثيرا ما يكون لفظه غير واقع لإرادته، كأن يقول: «جئني بإنسان» و هو يريد إنسانا أبيض لا مطلق الإنسان ممّا يعرف ذلك بالقرائن، أو يقول: «اشتر لحما» و لا يريد إلّا لحم الغنم، فيقول العام و هو يريد الخاصّ، كما أنّه قد يكون العكس؛ بأن يقول الخاصّ و هو يريد العام، كأن يقول الطبيب للمريض:

«يجب عليك أن تأكل الحامض»، و حيث لا يعرف أنّ الحامض أعم من الليمون الحامض، فيقول: «أعطني الليمون الحامض»؛ و هو يريد مطلق الحامض و إن كان رمّانا.

ثمّ لا يخفى أنّ الرأي العام المجموع نافذ و إن كان بين الرأي العام و بين نتيجة الانتخابات فاصلة زمنية، بحيث يصبح من الممكن أنّ بعض المدلين بآرائهم تتغيّر آراؤهم في هذه الفترة، مثلا: قبل ستة أشهر أعطوا رأيهم لزيد،

250

بينما في هذه الأشهر الستة تغير رأيهم من زيد إلى عمرو، إلى غير ذلك من الأمثلة.

و قد قال الفقهاء في باب الوكالة: إنّه لو أعطى إنسان لإنسان و كالة في نكاح أو طلاق أو بيع أو ما أشبه ذلك من المعاملات أو الإيقاعات فإنّ هذه الوكالة نافذة و سارية، فإذا وكّله شخص في أن يبرئ مديونيته أو يعتق عبده أو نحو ذلك ثمّ تغيّر رأي الموكّل إلى خلاف ذلك أصلا أو شرطا بأن زاد شرطا في النكاح أو أنقص شرطا من النكاح أو ما أشبه ذلك و لم يصل إلى الوكيل الرأي المغيّر فأجرى الوكيل العقد أو الإيقاع على طبق الوكالة التي سمعها، فإنّ ذلك لا يوجب بطلان العقد أو الإيقاع مع أنّ رأي الموكّل لم يكن حين الإجراء مطابقا و لم يكن له مرضيا بل لعلّه أشدّ كرها، لكن ذلك من باب الدليل الخاصّ الشرعي و إلّا فمقتضى القاعدة الأوّلية أنّ الرضى يجب أن يكون مقارنا بالعقد أو الإيقاع، و إنّما ذكرنا هذا كمثال للمسألة التي نحن فيها لا أنّ المسألة من صغريات ما ذكرناه.

كيف نفهم المواقف؟

ثمّ إنّ بعض العلماء جعل من مبادئ قياس الرأي العام أساسا في فهم المواقف، و يرى بعض العلماء أنّ جمع الضدّين في الوعي الباطن ممكن كقوانين الجاذبية إلّا أنّه لا ضرورة لاقتصاره على الوعي الباطن، فليس هناك عواطف غير مشحونة و خاصّة في مجاري العلاقات الاجتماعية، فمواقفنا تكون أحيانا مركبة تركيبا قريبا من مشاعر متناقضة.

أقول: لكن هذا الكلام خلط بين التردّد و بين الجمع، فالإنسان كثيرا ما يتردّد بين الجمع بين الضدّين أو النقيضين، لكنّه لا يعقل الجمع بينهما و إن‌

251

أمكن عدمهما في الضدّين على ما قرّر في المنطق. نعم، الموقف إنّما يكون تابعا لأحدهما، أي موقفا سلبيا أو إيجابيا، أي موقف هذا الضدّ أو موقف ذاك الضدّ، أو موقف هذا النقيض أو موقف ذاك النقيض إلى غير ذلك، لكن من الممكن أن يكون موقف الإنسان في يوم مثلا مع زيد و في يوم آخر ليس معه أو مع عمرو، و في يوم تجده مع الوجود و في يوم آخر مع العدم، أمّا الجمع بينهما في آن واحد مع اجتماع شرائط التناقض المشهورة، فليس ذلك بممكن.

و في الأضداد يمكن أن ينحو الإنسان نحوا ثالثا، يختلف عن المنحى الأوّل و الثاني.

و تقوم الدول الغربية بتقويم المواقف الجديدة في ضوء الخبرة الماضية، و تتوقّع أن تكون استجابة مناسبة قبل أن يسلك سلوكا صريحا، و هذا ما ذكرناه من أنّ الإنسان يسير في مواقفه من اليمين إلى اليسار و من اليسار إلى اليمين و من أحدهما إلى الوسط، و المواقف ليست كالجاذبية الدائمة في المدار الداخلي و لا الجاذبية في المدار الخارجي، و إنّما يتردّد الإنسان ليرجح هذا على ذاك تارة، و يرجح ذاك على هذا تارة أخرى، و تارة الشي‌ء الثالث إذا كانت هناك ثلاثة أشياء، و لا فرق فيما ذكرناه أن تكون أسباب المواقف و القرارات من الخارج أو من الداخل أو من الخليط بينهما، فهو مثل ما ذكره أطبّاء البدن من أنّ المرض قد يكون مرضا من الداخل كالتعفّن، و قد يكون مرضا من الخارج كضربة الشمس أو نزلة البرد أو ما أشبه ذلك، فعلى هذا قال بعض العلماء: «إنّ المجتمع لا يتسع إلّا بمقدار انتشار الإعلام فعلا، و من الممكن في هذا الصدد وضع نوع مختصّ بهذا الأمر عن طريق مقارنة حدود القرارات التي تنفذ إلى جماعة من الخارج بعدد القرارات التي يضعها المجتمع داخل ذاته، و بذلك نستطيع قياس ذاتية المجتمع أو ذاتيته، و قياس الحجم الفعّال للمجتمع و هو‌

252

ما يمكن أن يستنبطه من الحجم الذي يصل إلى المجتمع عند درجة معيّنة من الشخصية الذاتية».

و من الواضح أنّ الرأي العام إنّما يتكون من أفراد متعدّدين، و أنه كثيرا ما يكون معلوم الأفراد المتعددين أكثر من معلوم الفرد الواحد. نعم، اللهم إلّا في أمثال النار؛ حيث يكون رأي فرد أكثر من رأي مجتمع، و الكلام الآن في الغالب، فاللازم أن يلاحظ في الرأي العام الغالب من الأفراد و إن كان من اللازم أن لا يترك رأي الفرد، لكن من اللازم ملاحظة عدم تغلب القلّة أو الفرد أو الأجهزة على الرأي العام الموجب لإفساد الرأي العام بما يمتلكه من الأجهزة، و لذا يقول بعض علماء الغرب: إنّ جماعة ما قد يكون لديها من المعلومات أكثر أو أقلّ ممّا يكون لدى فرد معيّن من أعضائها، لكنّ المجتمع الإنساني يتضمّن- دون شكّ- معلومات أكثر ممّا لدى أي فرد فيه، عبر طريق السيطرة على أجهزة الاتّصال كالصحافة و الإذاعة و السينما و الوسائل الإعلامية الأخرى من جانب القلّة من أصحاب المصالح باحتكار مصادر المعرفة و إبعاد الجمهور عنها، و ذلك بجعل أجهزة الاتّصال في يد أعداء المجتمع، حيث يقومون في استخدامها ضدّ مصالح الأمّة، فالديكتاتوريون على قلّتهم يحتكرون القسم الأعظم من وسائل الإعلام، و يقومون بتحريف الرأي العام إمّا خوفا أو طمعا و بالتالي يفسدون المجتمع، و كذا حال الرأسماليين القلّة في المجتمع الواسع؛ حيث يسيطرون على أجهزة الاتّصالات و الإعلام، و يحرفون القوانين و المجتمع نحو مصالحهم الشخصية، و قد تبدو هذه الظواهر أيضا في الدول الديمقراطية أو الحكومات الديكتاتورية المتلبّسة بلباس الديمقراطية.

و من المفترض أن يكون الرأي العام في مواجهة الديكتاتورية بكافة صنوفها‌

253

و أنواعها و أن يعمل على التصدّي لأيّ شكل من أشكال السيطرة و الاستبداد، و أن يفضح الديكتاتورية المتلبّسة بلباس الديمقراطية. لذا جاء اهتمام الحكومات المستبدّة بوسائل الاتّصال للسيطرة على الرأي العام و توجيه الجمهور بواسطة هذه الوسائل الإعلامية إلى ما ترنو إليه، فيصبح أمر الجمهور كالطيور المحبوسة في الأقفاص.

و هذا نوع من أنواع الإكراه، و قد ذكرنا هذا النوع- و هو الإكراه الأجوائي في بحوثنا الاقتصادية و غيرها ضمن سلسلة الفقه و غيره، فإنّ الإكراه قد يكون طرديا- أي بسلب الإرادة- و قد يكون أجوائيا، و كلا القسمين يعدّ من التلاعب و التحايل على القانون من غير فرق في ذلك بين السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو التربية أو غير ذلك، و هذا ما فعله الغربيون الذين يخضعون لسيطرة قوى رأس المال، أمّا الديمقراطية التي يتبجّحون بها فهي وسيلة من وسائل حفظ المصالح و ليست حبا في الرأي العام.

من هنا، فالرأي العام قد يكون سليما، و قد يكون مريضا إلى حدّ الموت، و قد يكون مريضا بنسب متفاوتة في المرض.

و من مسئولية مراكز الدراسات و المحقّقين و حقوق الإنسان و أهل الإنصاف أن يزيلوا الموت و يبدلوه بالحياة و أن يقلبوا المرض إلى صحّة أو يخففوا من المرض حتّى يكون الرأي العام واقعيا لا صوريا، فإنّ مراكز التحقيق و أمثالها تميّز بين الواقع و غيره.

254

الاستطلاع و الرأي العام

مسألة: تتوقّف معرفة الرأي العام سواء في النظم الديمقراطية أو في النظام الإسلامي على البيانات و التحقيقات و المقابلات الشخصية مع أكبر قدر من الجماهير رجالا و نساء، مثقّفين و غير مثقّفين؛ ليعرفوا كم هي الآراء التي تقول في الاستفتاء: نعم؟ و كم هي الآراء التي تقول: لا؟ و كم هي الآراء التي تقع بين الأمرين فيما إذا لم يكن هناك تناقض في شي‌ء؟، و تسمى هذه العملية بالاستطلاع (1). فإذا كانت هناك احتمالات، و قال الحاكم لشعبه: قولوا لهذا‌

____________

(1) الاستطلاع: مأخوذة من كلمة انجليزية قديمة هي: LOP أو elloP و معناها «رأس»، ففي العصور الوسطى كان الإنجليز يجرون الانتخابات بعدّ الرءوس. عن كتاب «دليل الصحفي إلى استطلاعات الرأي العام» ص 33 للمؤلفين شيلدون آرحاوايزر، و جي إيفانزويت.

و يعرّف الاستطلاع بعدة تعريفات، منها:

1- قيام مجموعة متخصصة بطرح أسئلة معينة على مجموعة مختارة من الناس باستخدام أسس علمية سواء في اختيار الناس أو في كتابة الأسئلة لأجل الحصول على معلومات نافعة أو دفع قضية معيّنة أو خدمة عمل معيّن.

2- عبارة عن وضع قائمة من الأسئلة وفق طريقة خاصة، و من قبل أفراد لهم مهارات فنية معينة و مطلعين على علم الإحصاء و النفس و السياسة و الأحداث الجارية ثم توجيه هذه الأسئلة إلى عدد من الناس يتم انتخابهم بطريقة خاصة ثم القيام بتفريغ الإجابات على هيئة جداول لاستخلاص النتائج.

3- مجموعة التدابير التي تتخذ لجمع المعلومات الدقيقة عن تحركات العدو و اكتشاف مواقعه المتقدّمة و الخلفية بقصد مساعدة القائد على اتخاذ قرار سليم بناء على معلومات دقيقة ما أمكن، و تجنيب قواته خطر التعرّض لمفاجأة ما من قبل العدو.

و الاستطلاع في البعد السياسي يعتبر سلاحا استراتيجيا و تكتيكيا للسياسيين حيث يساعدهم على فهم ما يحفّز الناخبين و ما يبغضهم و ما يرضيهم.

و قد ذكر بعض المتخصصين في الاستطلاع: أن بداية نشوئه يرجع لأجل الحصول على المعلومات عما يجول في أذهان الناس، حيث كانت تطرح أسئلة معينة و بطريقة نسقية على مجموعة مختارة من الناس. و قيل أنّ بدايته ترجع لأبحاث السوق. عبر تطوير الوسائل و تدريب الرواد لطرق أبحاث السوق، و كانت تجرى نتيجة ردود الفعل على عينات من المنتجات لمعرفة إمكانية تسويقها، فبيع المنتجات يدفع إلى إنتاجها، و التجار يشترون ما يمكن بيعه. ثم تطور إلى الجانب السياسي لأجل التنبؤ بالانتخابات.

و بدأت عمليات الاستطلاع في أمريكا سنة 1824 م، عشية انتخاب الجنرال اندزو جاكسون للرئاسة الأمريكية، و استمرت بمسيرتها عبر الجرائد و المجلات التي كانت تقوم بمقابلات تتم على قارعة الطرق مع أشخاص يتم اختيارهم عشوائيا أو كانت تقوم بعمليات مسح بريدية لقوائم متيسرة من الناس كالمشتركين في المجلات لتكملة التغطية الإخبارية التقليدية للانتخابات، ثم توسعت في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي عند ما قام جورج غالوب- و هو أستاذ جامعي سابق للصحافة في أيوا سنة 1935 م- بتأسيس برنامج الرأي العام «استطلاعات غالوب» و هو أحد الأبواب التي تباع للصحف لنشرها بصورة متزامنة.

و يقوم على جمع عينات دورية للرأي العام الوطني، و قد قام غالوب باستطلاع سنة 1936 م حول انتخاب فرانكلين روزفلت للرئاسة الأمريكية-.

و تقوم بعمليات الاستطلاع الوكالات الحكومية و جماعات المصالح الخاصة- كالنقابات المهنية و المؤسسات الفردية و مجموعات العمل السياسي لأغراض الاستخبارات و معرفة المعلومات- و المجالس البلدية و وسائل الإعلام و منظمات دراسات مسحية تجارية. و هناك المئات من مراكز الاستطلاع في أمريكا من أهمها: غالوب، هاريس، نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، لوس‌آنجلس تايمز روبر، غوردن بلاك. و تنفق هذه المراكز مئات الملايين من الدولارات سنويا.

و هناك أنواع كثيرة من الاستطلاعات بعضها يسبق الانتخابات و في أثنائها، قسمه البعض إلى ثلاثة اقسام باعتبار القائمين به: 1- استطلاع بحري. 2- استطلاع جوي. 3- استطلاع إلكتروني.

و باعتبار الهدف إلى: 1- استطلاع تكتيكي 2- استطلاع استراتيجي. راجع الموسوعة العربية الميسرة و الموسعة: ج 1 ص 404.

و أول من استخدم الاستطلاعات في رصد الدعم الجماهيري الرئيس الأميركي روزفلت لتتبع رد فعل الناس إزاء سياسته الرامية إلى تقديم معونة لبريطانيا بموجب قانون الإعارة و التأجير قبل أن تدخل الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. و أصبح لكل رئيس أمريكي