الواجبات في الصلاة

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
239 /
57

و توهّم: أنّه ربّما كان مشغولًا بالمغرب القضائيّ، غير تمام؛ لأنّ الآتي بها لا يقصد إلّا قضاء الفائت، و بعد ذلك يشتغل بصلاة المغرب، و لا يجيب إذا سأله سائل: «ما تفعل؟» إلّا بأنّه: «يقضي الفائت» بخلافه في الأوّل، فإنّه يجيبه: ب‍ «صلاة المغرب».

فهنا أمران:

أحدهما: متعلّق بعنوان «صلاة المغرب الحادثة في وقته».

و ثانيهما: متعلّق بعنوان «قضاء الفائت».

و حينما اشتغل بالمغرب، فإن كان من قصده الإتيان بالمغرب، فهي صلاة أدائيّة، و إن كان من قصده قضاء الفائت فاشتغل بالمغرب، فهي صلاة قضائيّة و استدراك للفائتة. و قد مرّ ما يتعلّق بصورة الشكّ في النيّة بعد الفراغ (1).

بيان المسامحة في التقسيم إلى الأدائيّة و القضائيّة

و بناءً علىٰ هذا يظهر: أنّ تقسيم الصلوات إلى الأدائيّة و القضائية، لا يخلو من المسامحة؛ ضرورة أنّ واقع الأمر ليس كذلك، بل صلاة المغرب مثلًا، إمّا تجب شرعاً فهي الأدائيّة، أو تجب عقلًا فهي تدارك الفائتة، و ليست تلك الصلاة في الصورة الثانية من الواجبات الشرعيّة، بل الواجب هو قضاء الفائت، و مقتضى وجوبه لزوم الإتيان بصلاة المغرب.

و لو كانت الأدائيّة من القيود المعتبرة في الطبيعة، يلزم بمقتضىٰ لزوم الاتحاد بين القضاء و الأداء الإتيان بها بعنوان «الأداء» فيعلم من ذلك‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 49 50.

58

أنّ العنوان المذكور ليس إلّا أمراً انتزاعيّاً، و غير دخيل في حدود المأمور به شرعاً، و خطاباً، و ملاكاً.

تذنيب: في نيّة صلاة الوليّ و الأجير

ممّا ذكرناه ظهر حال قصد النفسيّة و الغيريّة، كما في صلاة الوليّ و الأجير، فإنّه بدون النيّة لا يتمكّن من إتيان المأمور به، و لا من إسقاط أمر الإجارة. و لكنّ الذي يجب، هو قصد القضاء على الوليّ، و قصد الوفاء بعقد الإجارة على الأجير.

و انقسام الواجب إلى الواجب المباشريّ، و الواجب غير المباشريّ علىٰ ما تحرّر منّا في أقسام الواجبات؛ و أنّه غير التقاسيم المعروفة (1) لا يستلزم تقييد المأمور به بالنيّة في الأقسام، علىٰ ما عرفت سابقاً (2)، و يأتيك تفصيله في مبحث الواجبات العباديّة (3)، فلا يجب عليهما قصد صلاة نفسه قبال صلاة الغير، بل الواجب عليه قصد صلاة المغرب تارة، و قصد القضاء عن الولي أُخرى، أو الوفاء بالإجارة.

و توهّم اكتشاف العقل قيداً في المأمور به في تلك الصورة، أو اقتضاء الأمر الإجاريّ قيداً في متعلّق الإجارة و الصلوات، في غير مقامه؛ لأنّ الثاني ممتنع، لعدم الارتباط بين المسألتين، كما هو المحرّر.

____________

(1) تحريرات في الأُصول 4: 50 52.

(2) تقدّم في الصفحة 21 22.

(3) يأتي في الصفحة 77 78.

59

و الأوّل و إن أمكن، إلّا أنّه لا حاجة إليه؛ ضرورة أنّ الواجب عليه، ليس صلاة المغرب مرّة عن نفسه، و مرّة عن أبيه، حتّى يقال: «بلزوم تلك النيّة» لامتناع تعلّق الأمرين التأسيسيين بالمعنى الواحد، و حيث يكون هناك أمران، فلا بدّ من كشف القيد في المتعلّق، و إلّا يلزم التداخل و سقوط الأمرين بصلاة المغرب مرّة، بناءً علىٰ إمكان الجعلَيْن تأسيساً.

بل الواجب عليه صلاة المغرب شرعاً، و القضاء عن المولّى عليه شرعاً. و الإتيان بصلاة المغرب حينئذٍ يكون بحكم العقل؛ لأنّه بدونه لا يسقط الأمر المذكور، فلو كان مشغولًا بصلاة المغرب، فهي صلاته، و إن كان مشغولًا بالقضاء أو العمل بالوفاء بالعقد، فهي صلاة الغير.

و لو شكّ فيما بيده؛ أنّها الواجب الشرعيّ أو العقليّ، فإن قلنا: بكفاية استصحاب عدم نيّة القضاء عن الغير مثلًا، فهي صلاة نفسه؛ لأنّه لا يجب عليه إلّا صلاة المغرب، و إلّا فعليه الإتيان بالمغرب الأُخرىٰ بقصد ما في الذمّة، المردّد بين الأمر العباديّ و الأمر التوصّلي. و لقد تحرّر منّا في كتاب قضاء الوليّ ما ينفعك هنا، فراجع (1).

فرع: في كفاية القصد الإجمالي

يكفي القصد الإجماليّ؛ و ذلك لأنّ الأُمور القصديّة تحصل به، و المدار على تعيّن الطبيعة بتلك الصورة المخصوصة و العنوان المحصِّل لها، و لا دليل علىٰ لزوم التفصيل أو ممنوعيّة الإجمال، بل‌

____________

(1) مباحث القضاء من كتاب الصلاة، للمؤلف (قدّس سرّه) (مفقودة).

60

ارتكازيّة صورة العمل و الاغتراس المغفول عنه حين العمل، ممّا يحصل به الغرض.

و من النيّة و القصد الإجماليّ، العناوين المشيرة بها إلى المأمور به عند الجهل، و إن كان قادراً على التعيين أو الاحتياط.

و توهّم: أنّه غير كافٍ؛ لأنّ العنوان المقوّم «كالظهريّة و العصريّة و القضائيّة» و أمثالها لا يحصل بتلك النيّة المجملة؛ ضرورة أنّ بقوله حين العمل: «إنّي قاصد ما هو المأمور به الفعليّ» لا يحصل عنوان «الظهريّة» الذي من الأُمور القصديّة المتقوّمة بالقصد و النيّة، فلا بدّ إمّا من تحصيلها تفصيلًا، أو إجمالًا بوجودها في خزانة نفسه و محفظته (1).

ممنوع؛ لأنّه ليس معنى العنوان المشير، إلّا أنّه يقصد على الترديد عنوان المأمور به. و لزوم الجزم في حصول ذلك غير تمام، فمن يقصد ما في ذمّته، لا يريد به إلّا أنّه إن كان في ذمّته الظهر، فهو ظهر، و إلّا فهو عصر.

وجه بناء المتأخّرين علىٰ كفاية النيّة الإجماليّة

فبالجملة: لا يعتبر الجزم في النيّة، و لا التفصيل، فضلًا عن التقوّل، و ما اشتهر من اعتبار الجزم (2)، غير مقبول لدى المتأخّرين (3).

____________

(1) انظر جامع المقاصد 3: 218 219.

(2) الكافي، أبو الصلاح الحلبي: 150، المبسوط 1: 24، ذكرى الشيعة: 98/ السطر 35.

(3) مصباح الفقيه، الطهارة: 103 104، العروة الوثقى 1: 98، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 7، الصلاة (تقريرات المحقّق النائيني) الآملي 2: 35 36، نهاية الأُصول: 430 431، تهذيب الأُصول 2: 317 و 413.

61

و السرّ كلّه: أنّ المقصود يحصل بلا جزم، و لا دليل على العنوان المذكور، فمن صلّىٰ، ثمّ شكّ في أنّه كان ظهراً أو عصراً، فعليه الأربع الأُخر، و يأتي بها بقصد ما في ذمّته، إن لم يكن في ذمّته شي‌ء آخر، و هو كافٍ حينئذٍ؛ لأنّها إمّا ظهر أو عصر، بناءً علىٰ عدم اعتبار الترتيب في هذه الصورة.

و ممّا يدلّ علىٰ ذلك، المآثير الآمِرة بإتيان الأربع ركعات؛ فيما إذا علم بترك إحدى الصلوات اليوميّة (1)، فإنّه لو كان يكفي نفس الأربع ركعات، فيلزم سقوط أمره بإتيان الأربع القضائيّ.

مع أنّه قد عرفت: أنّ تشريع مثل ذلك ممتنع (2)، فيما لو كان الواجب عليه الأربع الأُخر؛ لأنّ المباينة بين المسألتين، شرط في حصول الإرادتين التأسيسيّتين، فيعلم منه أنّ القصد الترديديّ و الإجماليّ، كافٍ في حصول المعنى المقصود و العنوان المحصّل و المقوّم، فلاحظ و تدبّر جيّداً.

هذا كلّه حال المسألة على المعروف بين المتأخّرين.

الأرجح وجوب العلم بالمأمور به لا الجزم

و الّذي يخطر بالبال: هو أنّ المأمور به، مركّب من الأمر الخارجيّ و الصورة العينيّة، و الأمر الذهنيّ و المعنى القلبيّ.

مثلًا: صلاة الغداة عبارة عن الحركات الخارجيّة المعنونة بعنوان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 275، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 11.

(2) تقدّم في الصفحة 52.

62

«الغداة» و إن لم تكن في الغداة، كما يأتي بها في اللّيل قضاءً، و هذا الجزء الثاني، لا يكون من الأُمور الواقعيّة القابلة للإشارة إليها، و ما هو مورد الأمر ليس إلّا عنوان «الغداة» و أمّا اللّازم فهو الغداة بالحمل الشائع، و هو ليس إلّا في النفس و القلب.

و الذي تقرّر في مقامه: أنّ الأُمور الوجوديّة، لا تحصل إلّا بالمبادئ المخصوصة بها الحاصلة منها، و هي معلولتها، و تلك علّتها (1)، و عندئذٍ هل يعقل حصول عنوان «الغداة» مع القصد الإجماليّ بالمعنى الثاني دون الأوّل؟! و لعمري، إنّه غير معقولٍ؛ ضرورة أنّ القصد الإجماليّ بمعنى عدم حضور العنوان تفصيلًا، و عدم خطوره بالبال حين الشروع ممّا يكفي لحصول الجزء القلبيّ بالضرورة، بخلاف الترديد و الجهل؛ فإنّه ليس من الحقائق و المعاني القابلة لاستناد الموجود إليه، و لا شبهة في لزوم وجود العنوان، الذي هو أمر ذهنيّ، و جزء مقوّم للطبيعة المأمور بها.

فإذا كان ذلك لازماً و لو بوجود ما في خزانة الخيال، فهو يحتاج في تحقّقه إلى العلم بالواقعة؛ بمعنى أنّ المكلّف إذا علم بأنّ المطلوب هو صلاة الغداة، يتمكّن من تحصيل العنوان و إيجاده في النفس حين العمل، و إذا كان جاهلًا لا يقدر علىٰ تحصيل المطلوب بكلا جزءيه.

و قصدُ الأمر الفعليّ و المطلوب الذي ليس مشروعاً إلّا في هذا الوقت، أو هذا الوقت ظرف وجوده، أو وجوبه، يكفي لو كان للجزء‌

____________

(1) انظر شرح المنظومة (قسم الحكمة): 132.

63

المذكور واقعيّة يُشار إليها بتلك العناوين، و ما يشار إليها هو الذي يطلبه المولى، و هو ليس إلّا صلاة الغداة، إلّا أنّ عنوان «الغداة» لا يوجد بذلك، مع لزوم وجوده بالضرورة.

فَعلىٰ هذا تحصّل: أنّ الجزم بالنيّة في مواقف يحصل المأمور به مع الترديد، ليس شرطاً عقليّاً، و في غيرها يلزم؛ للزوم الإخلال بالأمر الواجب المعتبر في الطبيعة، كما عرفت.

و لا يخفىٰ: أنّ القائلين باعتبار الجزم، كما يقولون به في هذه المواقف (1)، يقولون به فيما لو كان الأمر غير معلوم، و أنّه إذا تمكّن من العلم بالأمر يجب ذلك (2).

و هذا غير تمام؛ لأنّه مع احتمال الأمر، يتمكّن من قصد الظهريّة و العصريّة كما لا يخفى، فلا تخلط.

و ما أُورد: من أنّه لا يتمكّن من الامتثال مع الاحتمال؛ عند القدرة على العلم التفصيليّ بالمأمور به (3)، مندفع في محلّه (4). فالاحتياط بتكرار العمل غير ممنوعٍ؛ لأنّه يقصد وجه العمل.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 60، الهامش 2.

(2) انظر فرائد الأُصول 2: 519.

(3) فوائد الأُصول 3: 72.

(4) تحريرات في الأُصول 6: 195 و ما بعدها و 8: 204 و ما بعدها.

64

منافاة القصد الترديدي لقصد المأمور به بعنوانه

و لكن القصد الترديديّ في المسألة السابقة، لا يجامع اعتبار العنوان الذي لا يعقل تحقّقه إلّا بالعلم بالمأمور به، فلو شكّ بعد ما صلّىٰ أنّها الظهر أو العصر، يتعيّن عليه الإتيان بأربع بعنوان «الظهر» و الإتيان بأربع أُخر بعنوان «العصر» و ما مرّ منّا في المقام السابق؛ من كفاية النيّة المردّدة (1)، غير تمام.

إن قلت: تلك المآثير تشهد على الكفاية، و إلّا يلزم الامتناع العقليّ، علىٰ ما ذكر مراراً (2).

قلت: لا دلالة لها علىٰ أنّ الجهة المأمور بها، تحصل بالقصد المردّد بين الصلوات الثلاث: الظهرين و العشاء، لأنّه مسألة عقليّة لا تثبت بالرواية، و غاية ما يدلّ عليه أخبار تلك المسألة، أنّ الأربع ركعات تكفي، و حيث يلزم الامتناع العقليّ في بعض الصورتين، قُصِد الأمر الفعليّ علىٰ وجهٍ لا ينطبق إلّا عليه.

و هذا هو القيد المعتبر في الطبيعة شرعاً باستكشاف العقل، و لا خصوصيّة لذلك القيد، بل الذي يكشف به ما يُخرج المسألة من الشبهة السابقة، فإن شئت أخذت قصد الأمر المنجّز، أو الذي لا يشرع إلّا في هذا الوقت، أو غير ذلك؛ ممّا يتميّز الطبيعة عن الطبيعة الأُخرىٰ،

____________

(1) تقدّم في الصفحة 61.

(2) تقدّم في الصفحة 48 و 52 و 59 و 61.

65

اللّازم منه إمكان تعلّق الأمرين المولويّين بهما.

كلام الفقيه اليزدي و ما يرد عليه

و ممّا أسّسناه يظهر النظر فيما قاله الفقيه اليزدي في «العروة»: «يجب تعيين العمل إذا كان ما عليه فعلًا متعدّداً، و لكن يكفي التعيين الإجماليّ، كأن ينوي ما وجب عليه أوّلًا من الصلاتين مثلًا، أو ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلًا، أو ثانياً، و لا يجب مع الاتّحاد» (1) انتهىٰ.

فإنّ في كلامه مواضعَ نظر؛ ضرورة أنّ التعيين لا يعقل إلّا إذا كان المتعلّق مهملًا، و قد مضى أنّه لا بدّ من تعيّن المتعلّق ثبوتاً حتّى يتعدّد الأمر (2)، و لا يكفي التعيّن الإجماليّ لسقوط الأمر المتعلّق بالعمل المتوجّه بعنوان «الظهريّة و العصريّة» و لا يكفي ما قاله؛ لأنّ الصلاتين لو كانتا من قبيل الظهرين، تجبان معاً، و يجب مع الاتّحاد في مثل صلاة المغرب، و أمثالها من المعنونات الشرعيّة.

نعم، لو اتّحدت لا يكشف العقل شيئاً في سائر المواضع التي أسمعناكها، و اللّٰه العالم.

فرع آخر: حول الشكّ في الركعات في أماكن التخيير

يجوز قصد القصر و التمام، و لا يجوز ذلك بعنوان الوجوب و الندب،

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 614، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 1.

(2) تقدّم تخريجه في الصفحة 64، الهامش 2.

66

فلو نوى القصر في أماكن التخيير، ثمّ بعد إكمال السجدتين شكّ في الركعات، فهل تبطل صلاته؛ لأنّه من الشكّ في الثنائيّة؟

أو تصحّ، و يتخيّر بين الاستئناف، و العمل بوظيفة الشاكّ؛ لأنّه مقتضى الأدلّة، بعد عدم الدليل علىٰ وجوب حفظ العمل عن الفساد و لزوم تصحيحه؟

أو يجب عليه الإتمام؛ لقاعدة الشكّ و إطلاقها، و أنّ نيّة القصر لا تورث عدم شمولها لمثل الفرض، و لأنّ‌

الفقيه يحتال، و لا يعيد صلاته (1).

و يحتمل التفصيل في المسألة؛ بين ما لو شكّ في الفرض المذكور بعد إكمال السجدتين، و بين ما لو غفل و تجاوز عن الركوع الثالث، و شكّ بين الثلاث و الأربع، بعد ما توجّه إلى أنّه نوى القصر، و غفل عن التسليم بعد التشهّد الأوّل، فيكون بالخيار في الأوّل، و الإتمام في الثاني.

وجوه و احتمالات، بل و أقوال (2).

اختيار وجوب الإتمام

و الذي تقتضيه الصناعة علىٰ ما عرفت منّا (3) أنّ نيّة القصر‌

____________

(1) نصّ الخبر هكذا: ما أعاد الصلاة فقيه قطّ، يحتال لها و يدبّرها حتّى لا يعيدها. تهذيب الأحكام 2: 351/ 1455، وسائل الشيعة 8: 247، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 29، الحديث 1.

(2) جامع المقاصد 2: 510، مفتاح الكرامة 2: 494 و 3: 335، جواهر الكلام 12: 308 الخلل في الصلاة، الشيخ الأنصاري، الرسالة الاولىٰ: 216، المسألة 16، مصباح الفقيه، الصلاة: 555/ السطر 11، الصلاة، الحائري: 379.

(3) تقدّم في الصفحة 35 36.

67

و التمام ليست مورثة لشي‌ء، و لا موجبة لاختلاف الحكم في موقف، و عليه فإن قلنا: بحرمة إبطال العمل في مثل تلك الصورة، يتعيّن العمل بأخبار الشكوك (1)، إلّا أنّ حرمة الإبطال لا إطلاق لدليلها (2).

أو قلنا: بوجوب الإتمام عند إمكان التصحيح حسبَ «القواعدِ» الموضوعة لتصحيح الصلوات، و قولِه (عليه السّلام)

الفقيه يحتال، و لا يعيد الصلاة.

و هذا غير بعيد. و التدبّر فيما أُشير إليه، يشرف على الاطمئنان بأنّ الشرع يشرّع القواعد لإتمام العمل صحيحاً، فعندئذٍ يتعيّن ذلك.

و قد يشكل: بأنّ التصحيح غير ممكن؛ لأنّ قوله (عليه السّلام)

الفقيه يحتال

ليس من القواعد الشرعيّة، بل هو بعث الفقيه إلىٰ تفتيش حال القواعد الصحيحة، و التفحّص عن موضوعها في المسألة؛ حتّى لا يعيد، و أدلّة الشكوك لا تشمل المسألة؛ لأنّها مخصوصة بالرباعيّة، و هي لا تحقّق إلّا بالقصد؛ لأنّ الشكّ إن كان بعد الدخول في الثالثة، فيكون ما بيده رباعيّة، و أمّا بعد السجدة الثانية من الركعة الثانية، فليس هو رباعيّة، حتّى يمكن العمل بتلك الوظيفة المقرّرة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّ عموم قوله (عليه السّلام)

ابنِ على الأكثر متى شككت (3)

يقتضي لزوم البناء؛ لأنّ الخارج منه ليس إلّا الغداة و المغرب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 212، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 8.

(2) و هو الإجماع، لاحظ جواهر الكلام 11: 123 129، مستمسك العروة الوثقى 6: 609 611.

(3) نصّ الخبر هكذا: «متى ما شككت فخذ بالأكثر». الفقيه 1: 225/ 992، وسائل الشيعة 8: 212، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 8، الحديث 1.

68

و الأُوليين، و أمّا لو شكّ بين الثلاث و الأربع، يتعيّن عليه البناء، و هكذا لو شكّ بين الاثنتين و الثلاث، فيلزم البناء حينئذٍ على الأكثر.

و بعبارة اخرىٰ: التخيير في الأماكن استمراريّ إلىٰ هذه الحالة، فإنّه عندئذٍ مشمول دليل البناء على الأكثر، فيكون أمر التخيير منقطعاً.

الخدشة في التمسُّك بأخبار الشكوك لإثبات الإتمام

و ربّما يحتمل اختصاص قوله (عليه السّلام)

إذا شككت فابن على الأكثر

بالصلاة التي تكون الوظيفة فيها معلومة (1)؛ بأن تكون رباعيّة، و ليس مفاده تبيين الوظيفة.

و بعبارة اخرىٰ: لا يعقل أن يكون الدليل متكفّلًا لوجود موضوعه و إيجاده، و البناء على الأكثر من الأحكام المترتّبة على الموضوع، فلا بدّ و أن يثبت موضوعه من قبل شموله و لو قبليّته بالرتبة، و فيما نحن فيه يتعيّن الثلاث بالعمل به، و هو مستحيلٌ قطعاً.

و بعبارة ثالثة: تجري قاعدة الشكّ في مورد كانت الوظيفة رباعيّة، و لا معنىٰ لتعيينها الوظيفة رباعيّة، حتّى تجري فيها.

هذا مع أنّ عموم تلك الرواية، يشكل العمل به؛ لخروج قاطبة الصلوات عنه، و اختصاصها بالركعتين الأخيرتين من الرباعيّة. و جوازُ البناء على الأكثر في النافلة أحياناً، لا يكفي لرفع الشبهة، كما لا يخفى.

و الذي يسهّل الخطب: أنّ المختار في المسألة تعيّن القصر، و أنّ‌

____________

(1) الصلاة، الحائري: 380، مهذّب الأحكام 8: 288.

69

أماكن التخيير كغيرها، و التفصيل يطلب من كتاب صلاة المسافر (1).

و ممّا يشهد علىٰ أنّ شمول تلك الأدلّة، ينحصر بما إذا كانت الوظيفة رباعيّة؛ أنّ الركعتين الأخيرتين موضوعهما و هما، من الإضافات التي لا تحصل إلّا بالقصد، و إلّا فالأخيرتان بعد وقوعهما لا تكونان قابلتين للموضوعيّة.

و توهّم: أنّ هذا دليل على اعتبار قصد القصر و التمام فاسد، بل الأدلّة المتكفّلة لوظيفة الشاكّ، لا تجري إلّا في صورة تعيّن الوظيفة بالتمام، سواء كان قصد الأربع حين الشروع، أو قصد القصر، ثمّ تذكّر أنّ وظيفته التمام، أو تخيّل أنّ التمام خمس ركعات، فشكّ بين الثلاث و الأربع، و أتمّ على الأربع الواقعيّة، ثمّ تبيّن أنّه صلّى أربع ركعات، و غير ذلك من الفروع.

جواز الاكتفاء بالقصر عند الشكّ بين الاثنتين و الثلاث

و ربّما يمكن دعوى: أنّ مع الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و أمثاله، يجوز له القصر و الاكتفاء به؛ و ذلك لأنّ الدليل الموجب لبطلان الثنائيّة بالشكّ، ربّما كان منصرفاً عن مثل هذه الثنائيّة، أو كان لأجل أنّ الاستصحاب، يكفي لإحراز الركعتين الموصوفتين بالوصف العدميّ، و فيما نحن فيه لا تجب الثنائيّة بتلك الصفة؛ لأنّه لو اتّفق له الإتمام تصحّ صلاته، فلو كان التخيير بدويّاً كان لذلك وجه، و حيث هو استمراريّ، فلا يعقل أن يكون الواجب بشرط لا، و مع ذلك لو اتّفق الازدياد عليهما‌

____________

(1) مباحث صلاة المسافر، للمؤلف (قدّس سرّه) (مفقودة).

70

كان صحيحاً.

فعليه يعلم: أنّ استصحاب عدم الزيادة في أماكن التخيير لو شكّ بين الاثنتين و الأربع و غيره قابل لأن يعتمد عليه.

نعم، ربّما يشكل ذلك على الإطلاق؛ فإنّه ليس القصر لا بشرط بالنسبة إلى الركعة، بل هو لا بشرط بالنسبة إلى الركعتين، فلو شكّ بين الاثنتين و الأربع، يصحّ رفع الزيادة المحتملة بالأصل؛ لعدم الحاجة إلى أزيد من التعبّد بعدم الزيادة، بخلاف ما لو احتمل زيادة الركعة الواحدة، فإنّ الأصل غير كافٍ، و لا يحرز به الوصف اللّازم.

التحقيق في المقام

و الذي هو التحقيق: أنّ القصر و الإتمام، و الثنائيّة و الثلاثيّة، ليسا من العناوين اللّازمة في حصول الامتثال، و لكنّهما ربّما يلزمان؛ لشمول الدليل المتكفّل لحكم خاص.

و توهّم: أنّه إمّا يكونان متعلّق الأمر، أو لٰا:

فعلى الأوّل: يجب لحاظهما حال النيّة، كسائر العناوين المتعلّقة للأمر.

و على الثاني: لا يلزم مطلقاً، و لا يجب عقلًا ذلك؛ بمعنى اكتشاف القيد الشرعيّ بحكم العقل، ضرورة أنّ أدلّة الشكوك لا تختصّ بتلك المسألة، حتّى تلزم اللغويّة، فيحكم العقل بذلك فراراً منها، فلو وقع في مثل هذه الغائلة، يستأنف الصلاة.

71

في غير محلّه؛ بداهة أنّ العناوين المتعلّقة للأمر تارة: تكون واجبة «كالظهريّة و العصريّة» و أُخرى: تكون لأجل تمييز المتعلّق عن المتعلّق الآخر؛ ليتمكّن من الأمرين المولويّين، و لا تكون قابلة للتداخل بحسب الامتثال، كعنواني «الثنائيّة» و «الرباعيّة» فإنّهما لو تعلّق بهما الأمر، لا يلزم نيّتهما حين العمل بالضرورة، و إلّا يلزم ما لا يمكن الالتزام به.

نعم، لو كان حكم للرباعيّة، فلا منع من جواز قصده حتّى يثبت ذلك الحكم، و إن جاز له مع القصد التخلّف عنها.

و السرّ كلّ السرّ: هو أنّ الذي وجب بالدليل، هو صلاة الظهر مثلًا ليس إلّا، و الذي ثبت بالدليل الآخر، هو أنّه إن شاء قصّره أي يسلّم علىٰ ركعتين و إن شاء أتمّه؛ أي يسلّم على أربع ركعات، و هذا الدليل لا يرجع إلىٰ بيان المراد من الأوّل؛ لأنّ الواجب ليس تخييريّاً على المشهور بينهم، بل الواجب تعيينيّ، إلّا أنّه يخيّر بين الفرد القصير من المتعيّن، و الفرد الطويل منه (1).

فلو أمر المولى بإيجاد الخطّ، فما هو اللّازم هو الخطّ، و هو واجب معيّن، و لو كان في البين انصراف إلىٰ أنّه يكون علىٰ مقدار كذا أو مقدار كذا، فهو لا يورث التخيير الشرعيّ، بل هو تخيير من جانب عقل الشريعة، لا الشرع، و لا عقل الناس و إدراكهم، فافهم و اغتنم جدّاً.

فتوهّم: أن القصر و التمام بعنوانيهما متعلّقا الأمر في أماكن التخيير،

____________

(1) لاحظ مفتاح الكرامة 2: 335/ السطر 19، جواهر الكلام 14: 341، مستمسك العروة الوثقى 8: 190، مستند العروة الوثقى 8: 426 427.

72

و يعاقب التارك علىٰ ترك الواجب التخييريّ، فاسد جدّاً.

نعم، لا منع من قصد الرباعيّة من أوّل الأمر، إلّا إذا كان يأتي به بعنوان الجزء الشرعيّ للمأمور به.

ثمّ إنّه لو كان من قصده الإتمام، ثمّ بعد ما فرغ من السجدة الثانية يشكّ، فجواز التقصير مرهون جريان الأصل السابق، فليتدبّر.

فتحصّل: أنّ التخيير في الأماكن الأربعة، ليس شرعيّاً، و لا عقليّاً، بل هو من جانب الشرع لا بعنوان الشرع، و ذلك لا يستلزم التخيير بين الأقلّ و الأكثر، بل القصر ما دام لم يلتحق به السلام ليس قصراً، و إذا تجاوز فعليه الإتمام، و المسألة تطلب بفروعها من مقامها (1).

____________

(1) مباحث صلاة المسافر، للمؤلّف (قدّس سرّه) (مفقودة).

73

المقام الخامس في عدم اعتبار عنوان الامتثال و الطاعة

لا يعتبر عنوان «الامتثال و الإطاعة» في سقوط أوامر العبادات، و لا يلزم أن يكون العبد ممتثلًا، أو العمل صادقاً عليه عنوان «الطاعة و الإطاعة» زائداً علىٰ عنوان «الصلاة و الظهريّة» فلو تخيّل محبوبيّته للمولىٰ، غافلًا عن الأمر؛ لما يرىٰ خلف الإمام العادل، يصلّون الناس، فَصلّى بهم مع الشرائط و الأجزاء، صحّت صلاته؛ لأنّ الأمر لا خصوصيّة له في حدّ ذاته إلّا البعث إلى المتعلّقات.

نعم، مع سقوطه فهل يثاب أم لا؟

فإن قلنا: بثواب أصحاب المعرفة، فلا بحث فيه.

و إن قلنا: بمقالة المتشرّعين (1) فقد يشكل؛ لأنّ طلب الثواب‌

____________

(1) لاحظ في كيفيّة الثواب و العقاب و اختلاف الآراء و الأنظار فيها إلى تهذيب الأُصول 1: 247، تحريرات في الأُصول 3: 163.

74

و استحقاق الأجر منوط بالأمر، كما في باب الضمانات، و مجرّد القيام بمطلوب المولى، لا يوجب استحقاقه الأُجرة، و لا تلازم بين سقوط الأمر و الاستحقاق، و بقائه و عدم الاستحقاق.

هذا مع أنّه لا دليل شرعيّ علىٰ ذلك، و ما ورد من الأمر بإطاعة اللّٰه تعالىٰ (1)، ليس مولويّاً، و العقل الحاكم بلزوم الإطاعة، ليس معناه لزوم الانبعاث عن أمره و الامتثال و الإطاعة؛ فإنّ الذي يعبد اللّٰه تعالىٰ على استحقاقه، لا ينبعث عن أمره.

و حصول تلك العناوين القهريّة، لا يستلزم وجوب رعايتها في المأمور به، و قد أفتى الأعلام بكفاية الحسن الذاتيّ الثابت من الأمر الساقط للتزاحم لصحّة العبادات (2)، و أنت خبيرٌ بأنّ هذه العناوين متقوّمة بالأمر.

و الذي تحرّر منّي في بعض المقامات: أنّ الأوامر الشرعيّة الإلهيّة، لا يعقل أن تكون مولويّة (3)، و عليه يسقط البحث رأساً.

فتحصّل: أنّ سقوط الأمر العباديّ و مطلق الأمر، لا يتقوّم بأن يؤتىٰ بالمتعلّق لأجل أنّه تعالىٰ أمر بذلك، بل ربّما يسقط الأمر تارة: لمبادئ عالية عنه، و أُخرى: يسقط لمبادئ دانية منه، و الأكثر لا يأتونه لأمره، و إلّا يلزم إتيانهم به و إن علموا بأنّ عاقبته النار، و سيأتي زيادة توضيح حول تلك‌

____________

(1) كقوله تعالىٰ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ .. المائدة (5): 92.

(2) كفاية الأُصول: 166، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 138، نهاية الدراية: 126، نهاية الأُصول: 212، نهاية التقرير 1: 302، راجع تحريرات في الأُصول 4: 345.

(3) لاحظ تحريرات في الأُصول 3: 152.

75

الجهة في المقام الآتي (1).

هذا كلّه حال عنوان «الامتثال».

و أمّا عنوان «العبوديّة» فهي ممّا لا بدّ منها في العبادات الشرعيّة عقلًا و شرعاً، و قد مضى بعض الكلام فيه سابقاً (2)، و يأتي من ذي قبل إن شاء اللّٰه تعالىٰ (3).

____________

(1) يأتي في الصفحة 81.

(2) تقدّم في الصفحة 13 15.

(3) يأتي في الصفحة 79.

77

المقام السادس في بطلان الصلاة و نحوها إذا لم تكن عبادة له تعالىٰ

تمتاز العبادات عن غيرها باعتبار قصد القربة فيها، و الخلوص من الرياء، و الإتيان بها مريداً بها وجه اللّٰه؛ و ذلك للإجماع (1) و الأخبار (2).

و حيث تحتاج المسألة إلى مزيد توضيح، لا بدّ من الإشارة الإجماليّة إليها.

فاعلم: أنّ الأمر لا ينقسم إلى التعبّدي و التوصّلي، بل الأمر موضوع للبعث إلى المشتهيات، و تحريك نحوها، و كاشف عقلائيّ عن الإرادة الجدّية الإلزاميّة ما لم تكن القرينة، علىٰ ما تقرّر منّا تفصيله و برهانه‌

____________

(1) مفتاح الكرامة 2: 330 331، جواهر الكلام 9: 187، مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 20 21.

(2) وسائل الشيعة 1: 46 و 59 و 64 و 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، أبواب 5 و 8 و 11 و 12.

78

في الأُصول (1).

فما اشتهر: من أنّ الأوامر تعبّدية أو توصّلية، غلط، بل الواجبات تعبّدية و توصّلية.

ثمّ إنّ الطبائع مختلفة بحسب الذات:

فمنها: ما هي الموضوعة عند العرف و العقلاء للعبوديّة، و يعبدون اللّٰه و غيره بها، كالصلاة و نحوها، و لا حاجة عرفاً إلى اعتبار قصد التقرّب فيها شرعاً.

و منها: ما لا تكون كذلك، كالأخماس و الزكوات و الكفّارات، فإنّها تعتبر فيها القربة، إلّا أنّه بإلزام من الشرع.

و منها: ما ليس يعتبر فيه القربة شرعاً، و يكون غير مناسب لاعتباره، كالختان و نحوه.

و الأوامر المتعلّقة بها، لا تدعو إلّا إلىٰ ما هي المبنيّة عليها بطبعها، و اعتبار القيد الزائد يحتاج إلى الدليل، كما أنّ سلب القيد المعلوم عند العرف، يحتاج إلى الدليل، فالأوامر المتعلّقة بالعبادات العرفيّة، تدعو إليها، و عند الإخلال بشي‌ء من مقوّماتها تبقىٰ علىٰ حالها.

فالصلاة الموضوعة للعبوديّة عند العرف، إذا كانت متعلّقة للأمر الباعث إلىٰ إتيانها عبوديّة للّٰه تعالىٰ، لا يكون بطلانها بالرياء و نحوه؛ إلّا لأجل الإخلال بالشرط فيها.

____________

(1) تحريرات في الأُصول 2: 109 و ما بعدها.

79

توضيح لبطلان الصلاة الفاقدة لوصف العبودية

و لتوضيح ذلك نقول: مقتضى الأدلّة الشرعيّة الآمِرة بالعبادة، و الباعثة نحو عبوديّة اللّٰه تعالىٰ (1)، أنّ العبادة من الواجبات الشرعيّة، و حيث هي لا إطلاق لها، أو لا عمل بإطلاقها، يكون العمل بها منحصراً بالطريقة المعيّنة في الشرع للعبادة، كالصلاة و نحوها، فالصلاة إذا كانت مصداق العبادة، توجب سقوط أمرها، و إذا كانت العبادة المأمور بها، ليس عبادة الأصنام، بل هي عبادة اللّٰه، فلا بدّ من اتصافها بعبوديّة اللّٰه تعالىٰ؛ حسب النظر العرفيّ و الشرعيّ.

و معنى «عبوديّة اللّٰه تعالىٰ» واضح لدى اللّغة و العرف، و هي القيام حذاءه تعالىٰ، دون حذاء غيره و لو بالشركة؛ فإنّه ليس عبادة اللّٰه تعالىٰ، بل هي عبادة الجهة الجامعة المنطبقة عليه تعالىٰ.

و لو سلّمنا ذلك، فظاهر تلك الأدلّة اشتراط العبادة بالانحصار، بل لا تعارف بين الناس العابدين، الشركة في العبادة.

فعلى هذا، مع الإخلال بتلك الجهة يكون عمله باطلًا؛ للإخلال بالشرط المعتبر في المأمور به، فلو اخترنا أنّ أدلّة الرياء تقصر عن إثبات الإبطال، فلا يلزم منه صحّة العبادة التي روئي فيها، كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ مقتضى الصناعة مع قطع النظر عن أخبار حرمة‌

____________

(1) كقوله تعالىٰ وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ البيّنة (98): 5.

80

الرياء و إحراقها العمل (1) بطلان العمل الذي لم يكن عبادة للّٰه تعالىٰ، بعد كونه موضوعاً بحسب الأدلّة للعبادة.

عدم اشتراط عبادية الدواعي المتأخّرة

و أمّا الدواعي المتأخّرة التي هي الداعي إلىٰ عبادة اللّٰه، فلا يلزم أن تكون من شؤون اللّٰه تعالىٰ أيضاً، كما في باب الاستئجار على الأعمال العباديّة، بل الحلقة الاولى القريبة من العمل، إذا كانت للّٰه تعالىٰ تكفي، و لا حاجة لصحّة العبادة إلىٰ قربيّة الحلقات المتأخّرة البعيدة.

نعم، لو دلّ الدليل علىٰ ذلك فهو المتّبع، مثل أدلّة الرياء (2) المستفاد منها على المشهور (3) بطلان العمل و لو كان لإراءة الغير أي عبادة اللّٰه تعالىٰ لإراءة الغير باطلة خلافاً لما ظهر منهم أنّهم قالوا: «عبادة اللّٰه تعالىٰ لأخذ الأُجرة صحيحة» (4) مع أنّ الجهة غير القربيّة في المسألتين، من قبيل الداعي على الداعي، و سيأتي في المقام الآتي تحرير المسألة (5) إن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 64 و 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، أبواب 11 و 12.

(2) نفس المصدر.

(3) جامع المقاصد 2: 226، مدارك الأحكام 3: 315، الحدائق الناضرة 2: 180، جواهر الكلام 9: 187، العروة الوثقىٰ 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 8. و في مقابل المشهور قول السيّد المرتضى في الانتصار: 17، من عدم بطلان العبادة بالرياء.

(4) إيضاح الفوائد 2: 257، ذكرى الشيعة: 75، السطر 30. جامع المقاصد 7: 152، الحدائق الناضرة 11: 44، الرسائل الفقهيّة، رسالة القضاء عن الميّت، الشيخ الأنصاري: 238 و 241، العروة الوثقى 1: 742، كتاب الصلاة، فصل في صلاة الاستئجار.

(5) يأتي في الصفحة 83 85.

81

شاء اللّٰه تعالىٰ.

بيان آخر: لاعتبار كون الصلاة و نحوها عبادة له تعالىٰ

ثمّ إنّه قد يخطر بالبال أن يقال: بأنّ الواجب على العباد بعنوانه، هو عبادة اللّٰه تعالىٰ حسب الأوامر الظاهرة في المولويّة، و الأمر بالصلاة و الصوم و الحجّ و أمثال ذلك من العبادات التي تكون عبادة عرفيّة ليس إلّا لبيان الطريقة التي يعبد اللّٰه تعالىٰ عليها؛ و ذلك لأنّ الالتزام بوجوب الصلاة و العبادة مولويّاً، غير ممكن؛ ضرورة أنّ العبادة ليست في الشريعة واجبة، و يكون اختيارها بيد المكلّفين، بل هي موقوفة علىٰ بيان الشرع، فالنسبة بين أدلّة الصلاة و العبادة عموم مطلق، لا العموم من وجه.

و قد تقرّر: أنّ تعلّق الإرادتين الجدّيتين المولويّتين المتعلّقتين بالعنوانين، اللتين تكون نسبتهما ذلك، ممتنع عقلًا (1)، فلا بدّ إمّا من اختيار كون أوامر العبادة، إرشاداً إلىٰ شرطيّة كون الصلاة علىٰ وجه تكون عبادة اللّٰه، و لا تصحّ الصلاة للصنم، و لا له تعالىٰ و له معاً.

و إمّا من اختيار مولويّة تلك الأوامر، و إرشاد أوامر الصلاة إلىٰ تعيين ما يعبد به اللّٰه تعالىٰ:

مقتضىٰ فهم المشهور هو الأوّل، و مقتضى الذوق الشرعيّ و مناسبة الحكم و الموضوع، هو الثاني.

و عندئذٍ يقال: تجب شرعاً عبادة اللّٰه تعالىٰ بالصلاة و نحوها، فلا بدّ من‌

____________

(1) لاحظ تحريرات في الأُصول 4: 142 144 و 5: 465.

82

أن تكون الصلاة بحيث تعدّ عبادة للّٰه تعالىٰ، و هكذا الصوم و الحجّ. و أمّا ما اعتبر الشرع القربة في سقوط أمره، و لم يكن عبادة عرفيّة، فهو خارج عن عمومات وجوب العبادة.

نعم، لو ادعى الشرع عباديّة شي‌ء بعنوانها، يثبت أحكامها، و مقتضى ذلك وجوب الاحتياط عند الشكّ في واجبات الصلاة؛ لأنّ المسألة تندرج في كبرى الشكّ في الأسباب و المحصِّلات.

نعم، علىٰ ما تقرّر منّا من البراءة في المحصِّلات الشرعيّة (1)، تكون المسألة مجرى البراءة أيضاً، فلا تغفل.

____________

(1) لاحظ تحريرات في الأُصول 8: 66 68.

83

المقام السابع في لزوم الإخلاص و مبطلية الرياء

لا شبهة في لزوم كون الصلاة للّٰه تعالىٰ، و العبادة له لا لغيره؛ بأن يعبده بصلاته، أو تكون صلاته عبادته لا غيره، حسب ما عرفت من أوامر الكتاب الكريم (1).

و الكلام هنا في أنّ عبادة اللّٰه تعالىٰ، لا بدّ و أن تكون للّٰه تعالىٰ أيضاً، فيعبد اللّٰه للّٰه، و أن تكون صلاته للّٰه تعالىٰ للّٰه أيضاً، أم لا؟

و بعبارة اخرىٰ: يشترط الخلوص زائداً على العبوديّة، و أن تكون جميع الحلقات المرتبطة بالعمل الدخيلة في تحقّقه، وجهَ اللّٰه و شؤونه، و يكون العمل غير الخالص باطلًا، كما لو عبد الشيطان، أو صلّىٰ بلا طهور و لا نيّة، أم ليس الأمر كذلك؟

____________

(1) تقدّم في الصفحة 81.

84

تحرير محلّ النزاع

و الذي ينبغي أن يعلم: هو أنّ محلّ البحث هنا هو ذلك، لا الأمر السابق؛ بداهة أنّ السيّد المرتضى (رحمه اللّٰه) علىٰ ما ببالي قال: «بأنّ العمل الريائي ليس باطلًا، و يكون غير مقبول» (1) فالخلوص من الرياء من شرائط القبول، كالولاية و غيرها حسب بعض الآراء عنده، و ليس هو يقول بصحّة عبادة الأصنام و الصلاة لغير اللّٰه تعالىٰ بالضرورة و البداهة.

فعلى هذا، مسألة اشتراط الصلاة بكونها عبادة اللّٰه تعالىٰ، غير مسألة أنّ عبادة اللّٰه تعالىٰ لا بدّ و أن تكون للّٰه تعالىٰ.

و المراد من «الرياء» ليس العمل الخالي من عبادة اللّٰه، و الصلاةَ الآتي بها عبادة للشيطان و الصنم، أو شركةً بينه تعالىٰ و بينهم، بل الرياء من تبعات الحلقة الثانية و الثالثة، و من مزاحِمات الإخلاص و منافيات الخلوص.

و بعبارة اخرىٰ: الأدلّة المتكفّلة لاعتبار كون الصلاة عبادة اللّٰه تعالىٰ، لا تفي باعتبار الخلوص و بطلانها بالرياء، بل هو يحتاج إلى الأدلّة الأُخرىٰ، بإفادتها مانعيّة شي‌ء أو شرطيّته، حتّى يلزم بطلانها، فتوهّم أنّ من الرياء أن يصلّي للصنم، و يعبد الشيطان (2)، ناشئ من قلّة التدبّر في‌

____________

(1) الانتصار: 17، الحدائق الناضرة 2: 180، جواهر الكلام 9: 187.

(2) انظر جواهر الكلام 9: 189، العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، ذيل المسألة 8 في وجه الأوّل، مهذّب الأحكام 6: 131.

85

المسألة، و مخالفة مثل السيّد (رحمه اللّٰه) و قلّة التأمّل في معنى «الرياء» لغة و في مفاد الأخبار الواردة.

المآثير الواردة في الرياء

إذا عرفت المسألة، فالمآثير الواصلة من النواحي المقدّسة علىٰ طوائف:

الطائفة الأُولىٰ: ما تدلّ علىٰ حرمة الرياء تكليفاً

و هي كثيرة:

فمنها: معتبرة السَّكوني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال‌

قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم، و تحسن فيه علانيّتهم؛ طمعاً في الدُّنيا، لا يريدون به ما عند ربّهم، يكون دينهم رياءً، لا يخالطهم خوف، يعمّهم اللّٰه بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق، فلا يستجيب لهم (1).

و ربّما يشكل دلالتها على المقصود.

و منها: معتبرة مَسْعدة بن زياد، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه (عليهم السّلام)

أنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سُئل: فيما النجاة غداً؟

فقال: إنّما النجاة في أن لا تخادعوا اللّٰه عزّ و جلّ فيخدعكم؛ فإنّه من يخادع اللّٰه يخدعه، و يخلع منه الإيمان، و نفسه يخدع لو يشعر.

____________

(1) الكافي 2: 224/ 14، وسائل الشيعة 1: 65، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 11، الحديث 4.

86

قيل له: كيف، فكيف يخادع اللّٰه؟

قال: يعمل بما أمره اللّٰه، ثمّ يريد به غيره، فاتّقوا اللّٰه في الرياء؛ فإنّه الشرك باللّٰه، إنّ المرائي يُدعىٰ يوم القيامة بأربعة أسماء: يا فاجر، يا كافر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، و بطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له (1).

و توهّم: أنّها لا تدلّ على الحرمة التكليفيّة زائداً على الابتلاء بترك العمل الواجب؛ لشهادة ذيلها بذلك، ممنوع فإنّ التعبير ب‍ «الشرك و الكفر» لا يناسب إلّا حرمة ذلك العنوان، فحرمة الرياء حسب المآثير و الفتاوىٰ ممّا لا يشكّ فيها بعد موافقة بعض الموازين لها.

تحريم الرياء في مطلق الأعمال

و الظاهر أنّ الحرمة لا تختصّ بالأعمال العباديّة و القربيّة، بل هي من المحرّمات الشرعيّة على الإطلاق، و هذا هو مقتضىٰ إطلاق أخبارها، و مساعدةِ الحكم و الموضوع لها، فلو أدّى دينه أو ترك المحرّم؛ رئاء الناس، فقد أشرك.

و هذا هو ظاهر فتوى الأصحاب أيضاً؛ فإنّ الفقيه اليزديّ قال بعد بيان اشتراط الخلوص من الرياء: «بل هو من المعاصي الكبيرة؛ لأنّه‌

____________

(1) عقاب الأعمال: 303/ 1، وسائل الشيعة 1: 69، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 11، الحديث 16.

87

شرك باللّٰه تعالىٰ» (1).

و ربّما يمكن دعوى: أنّ التوصّليّات لا يتصوّر فيها الشرك باللّٰه تعالىٰ.

و فيه: أنّ حقيقة الرياء، لا تتصوّر إلّا بأن يرائي الناس بأنّه يعبد اللّٰه تعالىٰ، أو يطيعه و يمتثل أوامره، و حينئذٍ و إن لم يكن لحاظ وجه اللّٰه شرطاً في أداء الدَّين و ردّ السلام، و لكنّه لا يتمكّن من الرياء إلّا بإدخال وجه اللّٰه في عمله، حتّى يستثمر من قصده، و يصل إلىٰ مرامه و غرضه.

و إن شئت قلت: حقيقة الرياء ذلك، إلّا أنّها لا تتقوّم بلحاظ وجه اللّٰه في عمله؛ فإنّه لو أمر المولى عبده و هو يطيعه لإراءة الناس بأنّه عبد مطيع لمولاه، و هكذا الابن و الزوجة، فإنّه مراءٍ، و لكنّه ليس محرّماً؛ لأنّ الظاهر من أدلّته، هو الرياء الذي لاحظ فيه اللّٰه تعالىٰ؛ ضرورة أنّه بذلك يعدّ شركاً، و العبد و الابن ليسا مشركين بالمعنى المقصود منه في أدلّة حرمة الشرك.

و بالجملة: حقيقة الرياء أعمّ من المحرّم منه؛ لظهور أدلّته في حرمته حينما كان شركاً، و ذلك يخصّ بما إذا لاحظ وجه اللّٰه.

و يمكن دعوى: أنّ المراد من «الشرك» ليس الشرك في العبادة فقط و الطاعة، بل هو الشرك في التأثير و مطلق الشرك، فتكون جميع الأعمال الراجعة إلىٰ توهّم تأثير الغير في مقاصده شركاً، و إراءة ذلك في الظاهر لكسب الاعتبار و غيره رياءً.

و قد ورد في الحديث‌

إنّ أدنى الشرك أن تحفظ الشي‌ء في القرطاس

____________

(1) العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 8.

88

لئلّا يمحو (1).

و في روايات الرياء، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال‌

سُئل رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عن تفسير قول اللّٰه تعالىٰ فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (2).

إلى أن قال: و من عمل عملًا ممّا أمر اللّٰه به مراءاة الناس، فهو مشرك، و لا يقبل اللّٰه عمل مراءٍ (3).

و لا شبهة في أنّ الأعمال التي يراءىٰ فيها: إمّا من الواجبات، أو من المستحبّات، و تكون مأمور اللّٰه عزّ و جلّ، فتأمّل.

الطائفة الثانية: ما تدلّ علىٰ صحّة العمل الذي وقع فيه الرياء

و هي كثيرة:

فمنها: رواية يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام)

ما علىٰ أحدكم لو كان علىٰ قُلّة جبل حتّى ينتهي إليه أجله؟! أ تريدون تراؤون الناس؟! إنّ من عمل للناس كان ثوابه على الناس، و من عمل للّٰه كان ثوابه على اللّٰه، إنّ كلّ رياء شرك (4).

____________

(1) لم نعثر عليه في الجوامع الروائية.

(2) الكهف (18): 110.

(3) تفسير القمّي 2: 47، وسائل الشيعة 1: 68، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 11، الحديث 13.

(4) علل الشرائع: 560/ 4، وسائل الشيعة 1: 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 2.

89

و منها: رواية ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن أبيه (عليه السّلام) قال‌

قال عليّ (عليه السّلام): اخشوا اللّٰه خشية ليست بتعذير، و اعملوا للّٰه في غير رياء و لا سمعة؛ فإنّه من عمل لغير اللّٰه، وكله اللّٰه إلىٰ عمله يوم القيامة (1).

و منها: رواية أبي الجارود في «تفسير القمّي» المذكورة سابقاً، و في ذيلها‌

و لا يقبل اللّٰه عمل مراءٍ.

و منها: معتبرة السَّكوني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال‌

قال النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): إنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به، فإذا صعد بحسناته يقول اللّٰه عزّ و جلّ: اجعلوها في سجّين؛ إنّه ليس إيّاي أراد به (2).

و منها: معتبرة عقبة بن خالد قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) يقول‌

اجعلوا أمركم هذا للّٰه، و لا تجعلوه للناس؛ فإنّه ما كان للّٰه فهو للّٰه، و ما كان للناس فلا يصعد إلى اللّٰه (3).

و من هذه الطائفة معتبرة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال‌

يقول اللّٰه عزّ و جلّ: أنا خير شريك، فمن عمل لي و لغيري فهو لمن عمله غيري (4).

____________

(1) الكافي 2: 225/ 17، المحاسن: 254/ 282، وسائل الشيعة 1: 66، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 11، الحديث 10.

(2) الكافي 2: 223/ 7، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 3.

(3) الكافي 2: 222/ 2، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 5.

(4) المحاسن: 252/ 271. وسائل الشيعة 1: 72، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 7.

90

و منها: رواية عليّ بن سالم قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) يقول‌

قال اللّٰه تعالىٰ: أنا أغنى الأغنياء عن الشريك، فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله، إلّا ما كان لي خالصاً (1)

و غير ذلك ممّا هو المزبور في كتب الأخبار (2).

تقريب دلالة الطائفة الثانية

و تقريب الاستدلال بهذه الطائفة على الصحّة، لا يحتاج إلىٰ بيان؛ لعدم خفاء فيها، ضرورة أنّ الأعمال الواجبة، إذا عمل بها المكلّف، يترتّب عليها الأمران: الخلاص من العقاب، و الفوز بالثواب، و إذا تركها يدخل النار، و لا يدرك المقام المخصوص بها.

و هنا بعض من الأعمال لا عقاب عليه، و لا ثواب:

أمّا الأوّل: فلأنّ الأمر الباعث نحوه سقط؛ لتماميّة متعلّقه.

و أمّا الثاني: فلأنّ استحقاق الأجر يتبع نحو الجعل، و الذي هو المجعول له الثواب هي عبادة اللّٰه للّٰه، و القيام بمطلوب اللّٰه له تعالىٰ، و يكون الانبعاث إلى المتعلّق لبعثه و أمره، حسب هذه المآثير.

فمن عَبَدَ اللّٰه تعالىٰ و إن أتى بمحبوبه لأنّه لا يعبد غيره إلّا أنّه في الحلقة الثانية يريد وجه الناس، و المدار علىٰ استحقاق الأجر هو الثاني، كما هو الأمر في الأُمور العرفيّة؛ فإنّ القيام بمطلوب الغير،

____________

(1) المحاسن: 252/ 270، وسائل الشيعة 1: 73، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 11.

(2) لاحظ بحار الأنوار 67: 213 250.

91

لا يورث استحقاق الأُجرة، بخلاف ما لو أتى به لأمره، فإنّه يورث الضمان.

فعدم القبول نصّ في الصحّة، و إيكال الثواب على الناس ظاهر فيه، بل هو كالنصّ.

و أمّا دخوله النار، فهو ليس للصلاة بما هي صحيحة؛ مسقطة للأمر، محبوبة للمولىٰ، بل هو لأجل الرياء الذي فيها؛ فإنّه من المحرّمات، و هذا هو المناسب للاعتبار، و إلّا يلزم تعدّد العقاب؛ لأنّه مرّة يعاقب على الرياء، و مرّة علىٰ ترك الصلاة، بل و مرّة علىٰ إبطال العمل، و هو غير مناسب لظواهر الأخبار، كيف و إن حسناته تجعل في سجّين؟! فهي مع كونها حسنات تكون قابلة لذلك، فلا يستبعد كون العمل صحيحاً، و مع ذلك يعاقب على الجهة الملتحقة به، و لا يثاب أصلًا.

و قوله‌

إنّه ليس إيّاي أراد به (1)

كالنصّ في أنّ المسألة، تدور مدار الإرادات المتأخّرة، و ليس هو و غيره ناظراً إلىٰ أنّه عبد الشيطان، أو عبد الأصنام، أو عبد غير اللّٰه تعالىٰ؛ ممّا يرتبط بالإرادة المقارنة و هي إرادة العبوديّة؛ فإنّه فيها لا يريد غيره، فلا يخفى.

الطائفة الثالثة: ما تدلّ علىٰ بطلان العمل الريائيّ

فمنها: معتبرة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السّلام) قال‌

قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): يؤمر برجال إلى النار ..

إلى أن قال‌

فيقول لهم خازن النار: يا أشقياء، ما كان حالكم؟ قالوا: كنّا نعمل لغير

____________

(1) تقدّم في الصفحة 89، الهامش 3.

92

اللّٰه، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممّن عملتم له (1).

و منها: قوله (عليه السّلام) في رواية مَسْعدة بن زياد الماضية في الطائفة الأُولىٰ، عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)

إنّ المرائي يُدعىٰ يوم القيامة بأربعة أسماء: يا فاجر، يا كافر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، و بطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له (2).

و دلالة هاتين الروايتين على البطلان؛ لأجل قوله‌

حبط عملك

و قوله‌

يا خاسر

و قول الخازن‌

يا أشقياء

فإنّ جوابهم لا يناسب إلّا بطلان عملهم؛ فإنّ الظاهر أنّ العقاب من تبعات الأمر بأخذ ثوابهم ممّن عملوا له، و ذلك يشهد علىٰ بطلان عملهم، و تكون النتيجة اشتراط العبادة بالإخلاص و التزكية من الشرك في الحلقة الثانية أيضاً.

أو يرجع إلىٰ أنّ الرياء، مبطل العمل بصورته البرزخيّة المحشور عليها يوم القيامة، و يعدّ مانعاً بناءً علىٰ تصويره؛ فإنّ لكلّ حركة صادرة من الإنسان في النشأة الآخرة، صورة من سنخها، سواء كانت صحيحة أو فاسدة، و الرياء موجب لانقلاب الصورة الصحيحة لو وجدت صحيحة، أو حدوثها باطلة و سقيمة و ظلمانيّة و حابطة، و اللّٰه العالم.

و منها: معتبرة عبد اللّٰه بن مُسْكان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في قول اللّٰه عزّ و جلّ حَنِيفاً مُسْلِماً (3)، قال‌

خالصاً مخلصاً؛ ليس فيه شي‌ء من عبادة

____________

(1) عقاب الأعمال: 266/ 1، علل الشرائع: 466/ 18، وسائل الشيعة 1: 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 1.

(2) تقدّم في الصفحة 86، الهامش 1.

(3) آل عمران (3): 67.

93

الأوثان (1).

و منها: معتبرة السَّكوني عنه (عليه السّلام) قال‌

قال أمير المؤمنين (عليه السّلام)

في حديث‌

و بالإخلاص يكون الخلاص (2).

و منها: رواية يونس، عن ابن مُسْكان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في قول اللّٰه حَنِيفاً مُسْلِماً (3) قال‌

خالصاً مخلصاً، لا يشوبه شي‌ء (4)

و غير ذلك.

الإشكال في دلالة الطائفة الثالثة على الإخلاص

و دلالة هذه الطائفة على اشتراط الإخلاص في العبادة بأن يعبد اللّٰه تعالىٰ لوجه اللّٰه، و أن يريد بها اللّٰه عزّ و جلّ مشكلة؛ و ذلك لأنّ الإخلاص و كون الداعي على الداعي اللّٰه تعالىٰ أيضاً على ما في بعض الروايات الشريفة الأُخر في تفسيره يناسب كمال العبوديّة و قرب العبد منه بأعلاه:

ففي رواية عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام)

أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان يقول: طوبىٰ لمن أخلص للّٰه العبادة و الدعاء، و لم يشغل قلبه بما ترى عيناه، و لم ينس ذكر اللّٰه بما تسمع أُذناه، و لم يحزن صدره بما

____________

(1) الكافي 2: 13/ 1، وسائل الشيعة 1: 59، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 1.

(2) الكافي 2: 340/ 2، وسائل الشيعة 1: 59، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 2.

(3) آل عمران (3): 67.

(4) المحاسن: 251/ 269، وسائل الشيعة 1: 60، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 7.

94

اعطي غيره (1).

و رواية سفيان بن عُيَيْنة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في حديث قال‌

الإبقاء على العمل حتّى يخلص، أشدّ من العمل، و العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللّٰه عزّ و جلّ (2).

فإنّ هاتين الروايتين، تفسّران الموضوع في الروايات السابقة، مع أنّ فيها ما يفسّر الإخلاص، فإبطال العمل العباديّ غير الخالص بها، في غاية الإشكال.

و في قوله (عليه السّلام)

طوبىٰ لمن أخلص للّٰه العبادة

دلالة علىٰ أنّ العبادة تتحقّق مع الإخلاص و عدمه.

و توهّم دلالة الكتاب (3) على اعتبار الإخلاص (4) ممنوع؛ لأنّ الأوامر فيه تدعو إلى العبادة، و ما يدلّ منها على الإخلاص ليس محمولًا إلّا علىٰ ما في هذه المآثير، و إن كان مقتضى الصناعة حمل المطلق على المقيّد لو قلنا باتحاد المطلوب، و لكنّه ممنوع، فيحمل دليل المقيّد على الاستحباب؛ لامتناع وجوب المطلق و المقيّد معاً وجوبين مستقلّين، كما تقرّر في مقامه (5).

____________

(1) الكافي 2: 13/ 3، وسائل الشيعة 1: 59، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 3.

(2) الكافي 2: 13/ 4، وسائل الشيعة 1: 60، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 4.

(3) البيّنة (98): 5 قوله تعالىٰ وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

(4) لاحظ كنز العرفان 1: 32.

(5) لاحظ تحريرات في الأُصول 5: 464 466.

95

منافاة اشتراط الإخلاص لاستئجار العبد للحجّ

ثمّ إنّه لو كان الإخلاص شرط صحّة العبادة، فهو ينافي ما ورد من الأخبار الواردة في استئجار العبد للحجّ (1) و فيه الصلاة. مع أنّه بنفسه عبادة؛ فإنّ الأجير يعبد اللّٰه للدنيا، و عبادة اللّٰه للآخرة أو عبادته له، غير ميسورة منه؛ بشهادة الوجدان فيما تعارف الآن بين أبناء الزمان.

و توهّم: أنّ الأجير يعبد اللّٰه للّٰه؛ لأنّ معنىٰ إرادة اللّٰه في العمل، هو إرادة وجهه و قصد مطلوبه الآخر؛ من الوفاء بالعقد، و من كسب الرزق لعياله، و بسط المعيشة عليهم، و غير ذلك ممّا يعدّ من وجوه اللّٰه و شؤونه تعالىٰ (2)، في محلّه، إلّا أنّ ذلك غير لازم في صحّة الحجّ المذكور عند أرباب الفتوىٰ (3)، و دائرة النزاع أوسع من تلك الصورة.

عدم وفاء الطائفة الأُولى ببطلان العمل الريائيّ

إن قلت: الطائفة الأُولىٰ تكفي لبطلان العمل الريائيّ؛ فإنّ الرياء المحرّم يرجع إلىٰ محرّمية العمل، و العبادة المحرّمة باطلة قطعاً.

قلت: أوّلًا: تلك الأدلّة تدلّ علىٰ حرمة الرياء، من غير فرق بين‌

____________

(1) وسائل الشيعة 11: 179 184، كتاب الحجّ، أبواب النيابة في الحجّ، الباب 10 و 11 و 12 و 13 و 14.

(2) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 62/ السطر 18.

(3) لاحظ جواهر الكلام 17: 356، العروة الوثقىٰ 2: 503، كتاب الحجّ، فصل في النيابة.

96

الرياء في العبادات و الإطاعات، و الحرمة التكليفيّة لا تورث الحكم الوضعيّ بذاتها؛ لأنّ البطلان من توابع عدم تطابق المأتيّ به مع المأمور به، فإذا كانت العبادة باطلة، فلا بدّ من اكتشاف قيد فيه؛ وجوديّاً أو عدميّاً، أو مانع، أو اكتشاف عدم الأمر الراجع إلى البطلان بالمعنى الآخر، و النهي عن الرياء لا يفيد إلّا حرمته تكليفاً، و الدليل الواحد لا يتمكّن من إفادة الجهتين.

و ثانياً: الرياء من العناوين المستقلّة، و لا يسري الحكم منها إلىٰ ما لحقها من الأعمال الأُخر إلّا بالعرض و المجاز، فالعمل الريائيّ ليس محرّماً؛ لعدم الدليل عليه، و المحرّم هو الرياء، فكما أنّه مورد جواب السلام؛ لإظهار أنّه العبد المطيع للّٰه تعالىٰ، حتّى يتوجّه الناس إليه، و يتمكّن من الارتزاق من قبلهم بنحو يشتهيه، يقع جواباً، و يسقط أمر الشرع قطعاً، و مع ذلك يعاقب على اللّاحق به و هو الرياء، كذلك لو عبد اللّٰه تعالىٰ، و لا معنىٰ لإفادة الدليل الواحد شرطاً في حصّة من الملتحقات بمتعلّقه كالعباديّات، بل هو إمّا يفيد شرطاً، أو لا يفيد، و حيث لا سبيل إلى الأوّل يتعيّن الثاني.

فتحصّل: أنّ مسائل الرياء، من قبيل الدواعي علىٰ عبادة اللّٰه تعالىٰ، و حيث قد تقرّر أنّ العبادة لا يشترط فيها شي‌ء زائداً عليها (1)، فبطلانها بالرياء ممنوع.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 79 80.

97

عدم قبول العمل الريائيّ

نعم، المرائي يدخل النار لريائه، و لا يثاب علىٰ عمله الصحيح؛ لأنّه أتى به لغير اللّٰه.

و مقتضى طائفة من الروايات الشريفة، أنّ المقبوليّة مشروطة بالإخلاص، و عدمِ شركة الغير معه تعالىٰ في إرادة العبد، فلو عبد اللّٰه تعالىٰ لأمره، و لأن يحمد عليه، أو لأمره، و لأن يحصل الغرض الآخر، فلا تقبل تلك العبادة؛ لقوله‌

لا يقبل اللّٰه عمل مراءٍ (1).

و لقوله‌

أنا خير شريك، فمن عمل لي و لغيري فهو لمن عمل له (2).

و لقوله‌

من أشرك معي غيري في عمل لم أقبله، إلّا ما كان لي خالصاً (3).

و توهّم: أنّ هذه المآثير ناظرة إلى الشرك في العبادة؛ بأن يعبد اللّٰه و غيره، أو يعبد غيره، في غاية الفساد، مع أنّه يخرج عن موضوع الرياء، كما لا يخفى.

____________

(1) تفسير القمّي 2: 47، وسائل الشيعة 1: 68، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 11، الحديث 13.

(2) المحاسن: 252/ 271، وسائل الشيعة 1: 72، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 7.

(3) المحاسن: 252/ 270، الكافي 2: 223/ 9، وسائل الشيعة 1: 61، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 9.

98

وجهان لبطلان العمل الريائي

و ربّما يمكن دعوى بطلان العبادة، لا لأجل كشف القيد فيها بهذه الأخبار، بل لأجل كشف العرف عدم الأمر بها، و هو كافٍ لعدم صحّة الاجتزاء بها عن المأمور به الواقعيّ.

و لو استشكل أيضاً: بأنّ ذلك غير ممكن؛ لأنّ النهي عن العمل الريائيّ المورث لحرمته، كاشف عن اشتراط المكلّف به بعدمه، فإليك رواية أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) يقول‌

يجاء بالعبد يوم القيامة قد صلّىٰ، فيقول: يا ربّ، قد صلّيت ابتغاء وجهك.

فيقال له: بل صلّيت ليقال: ما أحسن صلاة فلان!! اذهبوا به إلى النار.

ثمّ ذكر مثل ذلك في القتال و قراءة القرآن و الصدقة (1).

فإنّها تدلّ علىٰ أنّ العبادة تورث استحقاقه العقاب، فهي محرّمة، و عليه تكون باطلة، و ليس وجه لتوهّم تأكّد الصحّة بالنهي هنا (2).

و أنت خبير: بأنّها من الصدر إلى الذيل، دليل علىٰ صحّة صلاته، و لكنّه للجهة العرضيّة الملتحقة بها يعاقب، و لا دلالة لها علىٰ أنّ العقاب للصلاة الكذائيّة، بل هي على العكس أدلّ، فليتدبّر جيّداً.

فبالجملة: الناظر في المسألة غافلًا عن مقالة المشهور، لا يخرج منها إلّا ذاهباً إلىٰ هذه المقالة. و لكن مخالفة الشهرة أيضاً مشكلة.

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 72، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 10.

(2) لاحظ تحريرات في الأُصول 4: 350 351 و 393 394.

99

حمل الروايات علىٰ مبطلية مراءاة الناس لا أخذ الأُجرة

إن قيل: في روايات الحجّ؛ أنّ ثواب الأجير أضعاف ثواب المستأجر و المنوب عنه (1)، و مقتضى هذه الأخبار عدم مقبوليّة العمل غير الخالص، فيعلم أنّ تلك الأخبار ناظرة إلىٰ بيان شرطيّة الخلوص من الرياء، و هو العبادة لإراءة الناس، دون العبادة لأخذ الأُجرة؛ فإنّ الظاهر من قوله‌

فمن عمل لي و لغيري (2)

أنّ الغير هو الناس، لا الجهات الأُخر، كأخذ الأُجرة.

بل هذا صريح روايات كثيرة مضت طائفة منها، المشتملة على أنّ العامل للناس يحال عليهم، و لا يثاب من قبل اللّٰه تعالىٰ (3).

فالجمع بين هذه الشتات يقتضي أن يقال: بأنّ الإخلاص شرط؛ بمعنى عدم شركة الناس في العمل، لا بمعنى عدم شركة الجهات الدنيويّة، بل بعض الأصحاب قال بصحّة العبادة؛ لبسط الرزق و الأُمور الدنيويّة الحاصلة من تلك العبادة (4) حسب الروايات (5)، و لعلّه المعروف بينهم (6)،

____________

(1) وسائل الشيعة 11: 163، كتاب الحجّ، أبواب النيابة في الحجّ، الباب 1.

(2) تقدّم في الصفحة 97، الهامش 2.

(3) تقدّم في الصفحة 86، الهامش 1، و في الصفحة 88، الهامش 4، وسائل الشيعة 1: 64 73، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 11 و 12، وسائل الشيعة 11: 109، كتاب الحجّ، أبواب وجوب الحجّ و شرائطه، الباب 40.

(4) مشارق الشموس: 89/ السطر 14.

(5) وسائل الشيعة 8: 116 139، كتاب الصلاة، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، الباب 15 و 18 و 19 و 22 و 23 و 24 و 25 و 26 و 30 و 31.

(6) القواعد و الفوائد 1: 77، الحدائق الناضرة 2: 177 180، رياض المسائل 1: 219 220، مستند الشيعة 2: 48 52.

100

و إن خالفهم بعضهم (1).

و ممّا يؤيّد ذلك: أنّ الجهات الخارجة عن وجه اللّٰه تعالىٰ و القرب منه كنيل الدرجات العاليات من الجنّة أيضاً ممّا تصحّ معها العبادة حسب الأخبار و الأحاديث (2)، التي ربّما يأتي بعض الكلام فيها في المقام الآتي (3).

بل العبادة للّٰه و للملائكة بمعنى عدم الخلوص من تلك الجهة ربّما تكون عندهم صحيحة؛ بأن يعبد اللّٰه تعالىٰ لأن يعدّه الملائكة من المقرّبين، و يحمدوه عليها، و كلّ ذلك لأجل أنّ هذه الروايات ناظرة إلى الجهة الخاصّة؛ و هي الخلوص من الأُمور الراجعة إلى الناس فقط.

الجواب عن الحمل السابق

قلنا: كلّ ذلك لا ينافي مقالتنا في المسألة من جهة الحكم الوضعيّ؛ و هي صحّة تلك العبادة؛ و سقوط أمرها، بل أخبار الحجّ تؤيّد و تدلّ علىٰ ذلك (4).

و توهّم انصراف هذه المآثير عن مورد المسألة في أخبار الحجّ،

____________

(1) المسائل المهنّائية: 89.

(2) وسائل الشيعة 1: 62، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 9.

(3) يأتي في الصفحة 110، الهامش 1.

(4) وسائل الشيعة 11: 163، كتاب الحجّ، أبواب النيابة في الحجّ، الباب 1.

101

فاسد جدّاً؛ بداهة أنّ الروايات ناظرة إلى اختصاص إرادة العبد في عمله باللّٰه تعالىٰ، لا قطعها من الناس و تشريك الجهات للّٰه تعالىٰ و الملائكة، أ فما سمعت فيها قوله‌

اجعلوها في سجّين؛ إنّه ليس إيّاي أراد به (1)

؟! و قوله‌

لم أقبله، إلّا ما كان لي خالصاً (2)

؟! فإنّ هذه التعابير، تشهد علىٰ أنّ المقبوليّة مشروطة بذلك.

و قوله‌

.. حتّى يخلص أشدّ من العمل، و العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللّٰه عزّ و جلّ (3)

؟! فإرادة محمدة الملائكة، كإرادة محمدة الأموات و آبائه و سائر الموجودين في الدار الآخرة، كالأنبياء و الأولياء، أو في البرزخ كسائر الناس، فإنّه لو صلّىٰ لأن يعدّوه عبداً محسناً مطيعاً، و لأن يتقرّب إلى الملائكة و الأنبياء و الأولياء في الجنّة، فإنّ كلّ ذلك مانع عن مقبوليّة العمل، و الدخولِ في الجنّة، و نيلِ الجزاء المقرّر له.

نعم، في الحجّ للروايات الخاصّة المبنيّة علىٰ مصالح عالية من أداء الوظيفة و أمثالها؛ ممّا ابتلي به الميّت و غير ذلك لا يكون الأمر كذلك، و لعلّ مسألة النائب في الحجّ، تشتمل علىٰ نكتة تفصيلها خارج عن‌

____________

(1) الكافي 2: 223/ 7، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 3.

(2) المحاسن: 252/ 270، الكافي 2: 223/ 9، وسائل الشيعة 1: 61 و 73، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8 و 12، الحديث 9 و 11.

(3) الكافي 2: 13/ 4، وسائل الشيعة 1: 60، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 4.

102

الكتاب، و موقوفة علىٰ مباحث أُخر.

حرمة مراءاة الأنبياء و الملائكة و الأموات

لا يقال: بناءً على ما أفدتم، يلزم حرمة الرياء و لو كان المراءى له من الأنبياء و الملائكة و الأموات، مع أنّ الالتزام به مشكل.

لأنّا نقول: أوّلًا: لا إشكال فيه بعد مساعدة الدليل، و العقل، و مناسبة الحكم و الموضوع، و الاعتبار السليم، و الفهم المستقيم.

و ثانياً: ربّما يمكن دعوى انصراف الأدلّة في الحرمة التكليفيّة عن ذلك المورد؛ لقلّة ذلك و ندرة الابتلاء به، و إن يتّفق الرياء في مثل ذلك لا يمكن إلّا مع الاعتقاد باطلاعهم علىٰ حاله و أعماله، و ذلك قلّما يتّفق لأحد و إن اقتضاه المآثير، بل و العقل، فتأمّل.

و هذه الدعوىٰ لا تأتي في المسألة السابقة؛ لأنّ الأدلّة المتكفّلة لاشتراط المقبوليّة بالإخلاص، ظاهرة في الاختصاص، و الأدلّة المتكفّلة لتحريم الرياء ليست كذلك. هذا تمام الكلام في المسألة.

مواقع النظر في مقالة المشهور

و يظهر ممّا أسّسناه مواقف النظر في مقالة القوم: من إبطالهم العمل الريائي (1)، و من قولهم باستحقاق الثواب لو انبعث عن البواعث الأُخر غير‌

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 69، تذكرة الفقهاء 3: 110، المسألة 207، جواهر الكلام 9: 187، العروة الوثقىٰ 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 8.

103

بعث اللّٰه و بعث الناس (1)، و من إدخالهم الرياء موضوعاً في الشرك في العبادة (2)؛ بأن تكون عبادة الصنم و الشيطان رياءً، و التقرّب إلى الناس و غير اللّٰه منها أيضاً، مع أنّ الأمر علىٰ ما عرفت (3) ليس كذلك.

كلام الفقيه اليزدي و نقده

و من عجيب الكلام قول الفقيه اليزديّ: «إنّ من وجوه الرياء أن يأتي بالعمل لمجرّد إراءة الناس، من دون أن يقصد به امتثال أمر اللّٰه تعالىٰ، و هذا باطل بلا إشكال؛ لأنّه فاقد لقصد القربة أيضاً» (4) انتهىٰ!! فإنّ لازمه اشتراط الأُمور الثلاثة: عبوديّة اللّٰه، و قصد القربة، و الخلوص، و الخلط بين الجهات و عدم نيل حقيقة المسألة، أوقعهم في أمثال ذلك؛ فإنّ المعتبر أن يعبد اللّٰه بصلاته و إن كان جاهلًا بالأمر و غير منبعث عنه، كما مضى مثاله (5)، فلو قصد بعبادة اللّٰه تعالىٰ، امتثالَ الأمر التوصّلي منه تعالىٰ، أو من الأب و السيّد، فإنّها تصحّ عبادته؛ لأنّه عبد‌

____________

(1) رياض المسائل 1: 219 220، مستند الشيعة 2: 48 52، العروة الوثقىٰ 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، الصلاة (تقريرات المحقّق الداماد) الآملي 3: 264.

(2) لاحظ جواهر الكلام 9: 188، العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، ذيل المسألة 8، الوجه الأوّل من وجوه الرياء، الصلاة (تقريرات المحقّق الداماد) الآملي 3: 280. مهذّب الأحكام 6: 131.

(3) تقدّم في الصفحة 84.

(4) العروة الوثقىٰ 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، ذيل المسألة 8، الوجه الأوّل من وجوه الرياء.

(5) تقدّم في الصفحة 73.

104

اللّٰه، و لم يشرك في عبادته أحداً، و ليس التقرّب المعتبر في العبادة، أزيد من ذلك الحاصل قهراً، و المقصود جدّاً.

نعم، التقرّب الحاصل من امتثال أمر الأب و الزوج و العالم و الرسول و غير ذلك، أيضاً حاصل، و لكنّه لا يضرّ بصحّة العبادة، فلو أمر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أعرابيّاً بالعبادة للّٰه تعالىٰ، فعبد اللّٰه تعالىٰ لأمره (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فقد صحّت صلاته، و أطاع الرسول؛ لأنّ إطاعته واجبة أيضاً، كإطاعته تعالىٰ.

بل المسألة كذلك في المأمورين بالمعروف، فإنّهم ينبعثون نحو الصلاة للّٰه؛ بأمر الآمر بالمعروف كما لا يخفى، و هذا غير الصلاة لإراءة الناس بأنّه يعبد اللّٰه، و يكون كذا و كذا، فإنّه من المحرّمات، و من المعاصي الكبيرة.

و لو شئنا رفع حجاب الشبهات عن كلماتهم رضي اللّٰه عنهم لطال الكلام، فلا ينبغي الخلط بين مسألة الانبعاث و العبادة و التقرّب و الخلوص و أحكامها، و بين مسألة الرياء و موضوعها و حكمها.

فبالجملة: الانبعاث عن أمر اللّٰه تعالىٰ، ليس من الشرائط المعتبرة في الصحّة قطعاً؛ لأنّ الخلوص و لو كان شرطاً، لا يقتضي أن يكون العبد متحرّكاً بأمره في صحّة عبادته؛ ضرورة أنّ ذلك غير الرياء، و أدلّتها لا توجب شرطيّة مثله، و قد عرفت أنّ الأمر لا حاجة إليه في صحّتها (1)، فضلًا عن الامتثال و الانبعاث.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 73 74.

105

مع أنّ الامتثال، ربّما يكون من العناوين القهريّة الوجود؛ فإنّ المأتيّ به العباديّ، لو كان مطابقاً مع المأمور به، فقد امتثل الأمر. و كون متعلّق الأمر قصديّاً و تقرّبيّاً، ليس معناه لزوم قصد الأمر و العلم به بعد وفائه بغرض.

107

المقام الثامن في بعض الفروع المتعلّقة بالمقام

تمهيد: و فيه أُمور:

الأوّل: في أنّ مقتضىٰ اعتبار العبادية ترك المنافيات

مقتضىٰ ما تحرّر: أنّ المعتبر شرطاً للصحّة، أن تكون الصلاة عبادة للّٰه تعالىٰ محضاً، و لا يشترط الخلوص في الصحّة، و كلّ ما كان مخلّاً بالثاني لا يورث بطلانها، بخلاف الأوّل.

و مقتضى اعتبار كونها كذلك، ترك ما ينافيها عرفاً، كما مرّ الإيماء إليه (1)؛ فإنّ المشغول بمعصية اللّٰه بحواسّه الخمس، و يكون بطنه مملوءاً من محرّم اللّٰه تعالىٰ حين العبادة، لا يعدّ عمله «عبادة للّٰه تعالىٰ».

____________

(1) تقدّم في الصفحة 13 15.

108

بل عن بعض السادة الأجلّة (1) حكي: أنّ حين الصلاة لو نظر إلى الأجنبيّة، و اشتغل بنظره إليها بالمعصية، لا يعدّ عمله عبادة له تعالىٰ، و تكون صلاته باطلة، فما يظهر من أصحاب الصناعة من صحّتها (2)، في غير محلّه إنصافاً.

و لعلّهم لا يشترطون اعتبار انتزاع «العبادة» من الصلاة، و إلّا فإنّ من يعصي اللّٰه حينها بلمسه و بصره و ذوقه و سمعه و شمّه، كيف يقال: «هو يعبد اللّٰه تعالىٰ»؟! و علىٰ كلّ حال: المسألة معلومة، و لا سترة فيها.

و من المنافيات لها، الأعمال الكثيرة و الأفعال اليسيرة، كالترقّص حينما يركع و يسجد، مع أنّ مقتضىٰ صناعة الأصحاب صحّتها؛ لعدم اشتراط الأزيد من «الصلاة».

و لعمري، إنّه كيف يصحّ أن يقال: بأنّ بعضاً من الترقّص حينها ينافي اسمها (3)، و تلك الاشتغالات الباطلة المنهيّة، لا تنافي كونها عبادة له تعالىٰ؟!

____________

(1) لاحظ تحريرات في الأُصول 8: 91.

(2) لم يذكر في مبطلات الصلاة هذا الشرط، لاحظ العروة الوثقىٰ 1: 715، كتاب الصلاة، فصل في مبطلات الصلاة.

(3) لاحظ العروة الوثقىٰ 1: 718، كتاب الصلاة، فصل في مبطلات الصلاة، الثامن.