الواجبات في الصلاة

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
239 /
109

الثاني: في أصالة التوصّليّة

و مقتضى ما تحرّر منّا في الأُصول (1): أنّ تقسيم الواجب إلى التعبّدي و التوصّلي، و البحثَ عن أصالة التعبّدية و التوصّلية، لا يورث شيئاً معتدّاً به، و أنّ الحقّ صحّة التمسّك بالمطلقات لرفع كلّية القيود؛ حتّى الجائية من قبل الأمر، و أنّ النتيجة ليست أصالة التوصّلية بالعنوان المأخوذ في التقسيم؛ لأنّ «التوصّلي» في الأقسام مقيّد بعدم النيّة المخصوصة و التقرّب و العبوديّة، و هذا القيد ليس ملحوظاً في المأمور به التوصّلي، فيكون الحاصل من المسألة أصالة التوصّلية نتيجةً، لا عنواناً، و الأمر سهل، و التفصيل في محلّه (2).

الثالث: في أقسام العبادة و أشرفها قسماً

ثمّ إنّ عبادة اللّٰه تعالىٰ ذات مراتب شتّىٰ؛ حسب تفاوت معرفة اللّٰه تعالىٰ و العشق به و الحبّ فيه، و إليها يشير ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) (3)، و ما في معتبرة هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال‌

العبادة ثلاثة: قوم عبدوا اللّٰه عزّ و جلّ خوفاً، فتلك عبادة العبيد، و قوم

____________

(1) لاحظ تحريرات في الأُصول 2: 146 147.

(2) لاحظ تحريرات في الأُصول 2: 114 118.

(3) إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك و لا طمعاً في جنّتك لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك. الوافي 4: 361، مرآة العقول 8: 89، بحار الأنوار 67: 186.

110

عبدوا اللّٰه تبارك و تعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الأُجراء، و قوم عبدوا اللّٰه عزّ و جلّ حبّا له، فتلك عبادة الأحرار، و هي أفضل العبادة (1).

و هي أيضاً تدلّ علىٰ أنّ مسألة امتثال أمر اللّٰه و الانبعاث عنه، أمر مغفول عنه، لإدخاله له في التحريك، بل المتحرّك كلا يتحرّك من المبادئ الكامنة في نفسه؛ حسب اختلاف معارفهم باللّٰه العظيم العزيز، فلا ينبغي الخلط جدّاً.

ثمّ إنّ أعلىٰ مراتب العبادة، هو أنّ العابد لو أدرك وجوب وجوده يعبده، و ليس مقصورة عبادته بحال إمكانه، و لهذه المسألة باب آخر و مفتاح علىٰ حدة.

و قد تقرّر منّا في «العوائد و الفوائد»: أنّ العبودية بذاتها قبيحة، و تكون حسنة؛ لتوقّف نيل الكمالات الراقية عليها، و لا يعقل أن يكون العنوان الواحد ذا ذاتين: حسناً بالإضافة إليه تعالىٰ، قبيحاً بالإضافة إلىٰ غيره، مع لزوم كون ذاته من الإضافتين (2).

و بناءً على ما حصّلناه، لا حاجة إلىٰ ذكر الفروع الكثيرة المذكورة في المتون، المبنيّة علىٰ مبنى المشهور، إلّا بعض منها:

الفرع الأوّل؛ في أنّ فوات عباديّة بعض الأجزاء هل يوجب بطلان الصلاة؟

لا شبهة في اشتراط الصلاة بكونها عبادته؛ في جميع الأفعال‌

____________

(1) الكافي 2: 68/ 5، وسائل الشيعة 1: 62، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 9، الحديث 1.

(2) العوائد و الفوائد: 51، العائدة 6.

111

و الأقوال، و أنّه لا بدّ و أن يكون قاصداً بها عبادته أوّلًا و استدامةً، و هكذا في الأجزاء المستحبّة، كالقنوت و نحوه، فإنّه يبطل.

و لكنّ الكلام هنا، في أنّ الصلاة تبطل ببطلانه، أم لا؟ و على الثاني، فربّما لا بحث في جواز تداركه بعد بقاء المحلّ.

و هكذا لو أخلّ بالشرط المذكور في بعض الأجزاء الواجبة القابلة للتدارك.

بل يمكن دعوى جريان النزاع في الأجزاء الركنيّة؛ لأنّ ذلك ليس من زيادة الركن، فإنّ الركن الذي أتى به قد بطل، و هو يتمكّن من تداركه، و ما هو يورث البطلان، هو زيادة الركن المخصوص بالركوع الثاني، و أمّا الإتيان بالركوع الباطل سهواً و تداركه، فهو غير معلوم إبطاله لها.

محتملات المسألة و وجوهها و نقدها

فبالجملة: في المسألة احتمالات:

قال الفقيه اليزدي: «الثالث: أن يقصد ببعض الأجزاء الواجبة الرياء، و هذا أيضاً باطل و إن كان محلّ التدارك باقياً» (1).

و احتاط بعض السادة المعاصرين: بأنّ «الأحوط فيه التدارك و الإعادة» (2).

____________

(1) العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 8، الوجه الثالث من وجوه الرياء.

(2) الظاهر هو السيّد الگلبايگاني (قدّس سرّه) لاحظ العروة الوثقى 1: 617، التعليقة 3.

112

و قال السيّد في موضع آخر: «الرابع: أن يقصد ببعض الأجزاء المستحبّة، الرياء، كالقنوت في الصلاة، و هذا أيضاً باطل على الأقوىٰ» (1).

و قال بعض سادة العصر: «لأنّها زيادة و إن لم يأتِ بالآخر» (2).

و يستفاد من السيّد أيضاً، أنّ الوجه للبطلان هي الزيادة، حيث قال: «نعم، في مثل الأعمال التي لا يرتبط بعضها ببعض، أو لا ينافيها الزيادة، كقراءة القرآن و الأذان و الإقامة، إذا أتى ببعض الآيات أو الفصول من الأذان، اختصّ البطلان به، فلو تدارك بالإعادة صحّ» (3) انتهىٰ.

و قد يشكل استدلالهم (4)؛ لأنّ قوله (عليه السّلام)

من زاد في صلاته فعليه الإعادة (5)

لا يشمل الزيادة المطلقة؛ إمّا انصرافاً، أو تقييداً، و تلك الزيادة ليست عمديّة قطعاً؛ فإنّ من أخلّ بالشرط المعتبر في الطبيعة، لم يخلّ عمداً بالجزء، و لم يزد في صلاته ذلك الجزء عمداً.

و لذلك نقول: يدور الوجه مدار أنّ الشرط و هو كونها عبادة اللّٰه‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 8، الوجه الرابع من وجوه الرياء.

(2) هو السيّد الشاهرودي، راجع العروة الوثقى 1: 617، التعليقة 6.

(3) العروة الوثقىٰ 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 8، الوجه الثالث من وجوه الرياء.

(4) مصباح الفقيه، الصلاة: 238/ السطر 10 و 540/ السطر 14، الصلاة، الحائري: 136 و 312، نهاية التقرير 2: 58 و 59.

(5) تهذيب الأحكام 2: 194/ 764، الإستبصار 1: 376/ 1429، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 19، الحديث 2.

113

تعالىٰ، أو كونها خالصة من الرياء إن كان ركناً، و يكون شرط الطبيعة، لا الأجزاء بالتفصيل، يورث الإخلال به البطلان؛ لأنّ الإخلال بالعبادة في بعض الأجزاء، إخلال بشرط الطبيعة، و حينئذٍ لا يتمكّن من التدارك، و إذا كان ركناً تبطل الصلاة بالإخلال به، و عند فقد أحد القيدين لا يمكن إبطالها به؛ لأنّه إن كان غير ركن فيشمله قاعدة‌

لا تعاد ..

و إن كان ركناً، و لكنّه شرط الجزء، فهو يتمكّن من الإتيان به كذلك.

نعم، بناءً علىٰ عدم جريان القاعدة في الأثناء يشكل، و لكنّ الحقّ جريانها.

و هكذا لو كان شرطاً للجزء ركناً، و تذكّر بعد ما تجاوز محلّ التدارك، فإنّه أيضاً تبطل الصلاة. و لقد فصّلنا الكلام ثبوتاً في مباحث الخلل؛ حول مسألة شرطيّة الاستقرار، و أنّ المحتملات تقرب من الثمانية، و تختلف أحكامها و آثارها (1).

عدم الفرق في البطلان من ناحية الأجزاء و المحلّ

و الذي هو الظاهر من الأدلّة: أنّ العبادة من شرائطها الركنيّة؛ و أنّ قاعدة‌

لا تعاد ..

لا تشمل الصلاة للشيطان، بل هي تجري بعد الفراغ عن كونها عبادة، و حيث تكون الأجزاء المستحبّة من الصلاة، فالإخلال بالشرط حال الإتيان بها إخلال بشرط الصلاة؛ ضرورة أنّ الطبيعة و الأجزاء‌

____________

(1) رسالة الخلل المذكورة هنا هي ما كتبه (قدّس سرّه) في قم المقدّسة و هي مفقودة، و مباحث الخلل من كتب الصلاة الموجودة لدينا لم نجد فيها التفصيل المذكور.

114

مختلفان بالاعتبار، و مقتضى ظاهر الأدلّة أيضاً، أنّ الصلاة لا بدّ و أن تكون عبادة للّٰه تعالىٰ، لا الأجزاء بالتفصيل الفاقدة لعنوان إجماليّ، حتّى يتوهّم صحّة بقيّة الأجزاء و إن بطل بعضها (1).

فعلى هذا، لا فرق بين صور المسألة من حيث الأجزاء، و من حيث بقاء المحلّ و عدمه.

و تفصيل الكلام من جهة محتملات المسألة و أنّ شرطيّة كونها عبادة، ترجع إلى اشتراط الأجزاء محضاً، أو الطبيعة محضاً، أو هما معاً، أو اشتراط كون المصلّي عابداً، كما قيل في بعض الشرائط (2)، و هكذا أنّه شرط ركنيّ قابل للتدارك، أو شرط علىٰ نحو القضيّة الحينيّة، أو ليس ركناً يطلب من المسألة التي أشرنا إليها.

مفاد أخبار الرياء باعتبار الإخلال بالإخلاص

و أيضاً: الذي يظهر من أخبار الرياء على القول بشرطيّة الخلوص في صحّة الصلاة عدم الركنيّة؛ لحكومة قاعدة‌

لا تعاد ..

على إطلاق أدلّته (3).

و توهّم حكومة أدلّتها عليها (4)، في غير محلّه؛ لعدم دلالتها علىٰ نفي‌

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى 6: 23.

(2) وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، باب 1، الحديث 14.

(3) تقدّم في الصفحة 83.

(4) يأتي في الصفحة 117.

115

الاسم، و الأمر بالجعل في سجّين (1)، لا يدلّ علىٰ أنّه بدون الخلوص، ليس مورد القاعدة، و حبط العمل معناه سقوط أجره، لا فساده من حيث عدم سقوط الأمر، أ فلا ترى أنّ العمل الريائيّ غير العباديّ، مع كونه مسقط الأمر، و لكنّه يجعل في سجّين؟! فلا ينبغي الخلط بين المسائل و الشروط.

فالإخلال بالجزء المستحبّي إن كان عن عمدٍ، فهو يورث البطلان؛ لأنّ من شرائط الصلاة الخلوص، و ذلك الجزء صلاة في لحاظ بقيّة الأجزاء، فيكون إخلالًا عمديّاً بشرط الطبيعة.

و لو كان سهويّاً فلا تبطل؛ لعدم إعادة الصلاة بتلك القاعدة.

و أمّا وجوب التدارك فيما كان الجزء الباطل واجباً، فهو ممنوع؛ لأنّه بعد ما كانت الصلاة صحيحة، فهو ملازم عرفاً لصحّة ذلك الجزء أيضاً، فافهم و تدبّر.

بطلان التفصيل بين الجزء الواجب و المستحبّ

و قد يتوهّم: أنّ شرط الخلوص، يتبع العمل الذي يراءىٰ فيه، فإن كان واجباً فهو واجب، و إن كان مستحبّاً فهو المستحبّ.

و هو مدفوع بأدلّته؛ ضرورة أنّ أخباره ناظرة إلىٰ شرطيّة الصلاة بالخلوص، من غير النظر فيها إلى أجزائها و تفصيلها.

____________

(1) الكافي 2: 223/ 7، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 12، الحديث 3.

116

شبهة ناشئة من لحاظ الجزء مستقلا و لحاظه تبعاً

نعم، قد يشكل ذلك؛ لأجل أنّ شرط الطبيعة إن كان شرطاً لها بما هي هي، فخلوصها من الرياء إجمالًا لا يكفي لصحّتها؛ لحصول ما هو المشروط.

و إن كان شرط الأجزاء، فبطلان الجزء لا يستلزم بطلان الكلّ و لو كان واجباً؛ لتداركه في المحلّ، أو لقضائه خارج الصلاة.

نعم، الجزء الركنيّ يورث بطلانُه بطلانَها.

فعليه لا بدّ و أن يكون شرطَ الطبيعة، و شرطَ الأجزاء معاً، حتّى يجب الخلوص في جميع الأجزاء، و تبطل الصلاة بالإخلال به في بعضها، و هذا ممّا لا شاهد له في أدلّة المسألة.

أقول: الخلط بين لحاظ الجزء مستقلا و لحاظِه تبعاً، أوجب الشبهة؛ فإنّه ليس الخلوص شرط الأجزاء؛ بمعنى أن يلاحظ أجزاءها واحداً بعد واحد، و اعتبر فيها ذلك، بل هو شرط الأجزاء في لحاظ الاجتماع، لأنّها ليست إلّا الكلّ و الطبيعة الإجماليّة، فما هو شرط الطبيعة شرط الأجزاء، و ما هو شرط الجزء في لحاظ بقيّة الأجزاء، هو شرط الطبيعة على الإجمال.

فلو أخلّ بالخلوص في جزء، أخلّ بشرط الطبيعة؛ لأنّه لم يعتبر ذلك الجزء مستقلا، حتّى يكون هو باطلًا بالاستقلال، و ما هو شرط الطبيعة، لا بدّ و أن يلاحظ في جميع أجزاء الطبيعة؛ لأنّها ليست إلّا هي.

فمن الجزء ما هو بحيال الكلّ، و من الجزء ما هو في لحاظ البقيّة‌

117

عين الكلّ، فلا تخلط.

و توهّم جريان القاعدة فيما لو أخلّ بشرط العبوديّة أيضاً؛ بأن تكون صلاته صحيحة لو عبد البيت بعد أمر الرسول؛ توهّماً أنّه يأمر بعبادته، فاسد؛ لأنّ «العبوديّة» من العناوين المقوّمة لموضوع‌

لا تعاد ..

بخلاف الخلوص من الرياء، خصوصاً بعض مراتبه المخفيّة.

و لم يتعرّض السيّد اليزديّ في «العروة» و الأصفهاني في «الوسيلة» لهذه المسألة؛ و هو الإخلال غير العمديّ بشرط الإخلاص خصوصاً.

نعم، مقتضىٰ عموم فتواهم، صحّة العبادة الفاقدة لهذا الشرط، إلّا عن عمدٍ، أو في بعض صور الجهل بالمسألة.

مختار الوالد المحقّق في مسألة الإخلال غير العمدي بشرط الإخلاص

و إنّي بعد ما عنونت المسألة عند الوالد المحقّق مدّ ظلّه أجابني: «بأنّ أدلّة الرياء، ربّما تكون حاكمة على القاعدة؛ لظهور مآثيرها في أنّ العمل الريائيّ ليس بشي‌ء، و ما كانت حاله كذلك، فليس صحيحاً معه و لو كان عن الجهل أو الغفلة و السهو» فتأمّل.

118

ذنابة: و فيها أُمور:

الأوّل: في توقّف الأجر على قصد الامتثال و الإخلاص

قد مرّ سابقاً (1): أنّ الموضوعات مختلفة:

فمنها: ما يكون موضوعة للعبادة، و ما كان كذلك تحصل القربة بها بأنفسها، بعد الإتيان بها عبادة له تعالىٰ. و لنعم العبد يخلّص عمله من الشوائب و الكدورات، و انضمام المحرّمات إليه.

و منها: ما لا يكون بنفس ذاتها العرفيّة، عباديّة عرفاً و اعتباراً، فالقرب بها لا يحصل بنفس الإتيان بالمتعلّقات، و إن كانت أوامرها تسقط به، و عليه لا بدّ من نيّة الجهات المحسّنة المقرّبة، حتّى يستحقّ الثواب؛ بناءً علىٰ عموم يدلّ علىٰ ثوابه تعالىٰ علىٰ كلّ ما كان كذلك.

و من تلك الجهات قصد امتثال أمره، و الانبعاث نحو المطلوب التوصّلي ببعثه و تحريكه. و لو راءى هنا فقد حبط عمله، و لا خير له فيه.

مضافاً إلى شرّ الشرك و الرياء؛ فإنّ الانبعاث و التحرّك نحو مطلوبه بتحريكه و بعثه، و بالأُمور الراجعة إليه تعالىٰ الموجودة في نفسه، و الكامنة في خزانة خياله، لا يجتمع معها إلّا بالشركة، و إن كان أمره على التعليق كافياً لبعثه؛ و أنّه تمام العلّة عند فقد الجهة الأُخرىٰ‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 78 79.

119

غير الإلهيّة.

و مقتضى أدلّة اختصاص الأجر بالتحرّك بتحريكه، انحصاره به أيضاً، بل بعضها صريح في ذلك (1). و المسألة ليست فقهيّة، فتكون محوّلة إلىٰ محلّ آخر (2).

الثاني: في بطلان العمل بالرياء المحرّم

و قد يتوهّم: أنّ الرياء المحرّم يورث البطلان (3)؛ لأجل منافاته للعبوديّة، كالضمائم المحرّمة حين الصلاة، علىٰ ما عرفت منّا تقريره (4).

و فيه: أنّ مقتضىٰ أخباره صحّة الأعمال الريائيّة (5)، و منها يعلم تناسبه مع العبوديّة و اجتماعه معها.

هذا مع أنّ ما ذكرنا من الضمائم المحرّمة المنافية لصدق «العبادة» هو فيما كانت كثيرة مجتمعة، دون الاشتغال بواحدة منها، و هذا ممّا لا بأس بالالتزام به مع الرياء أيضاً؛ فإنّ الشاغل بجوارحه و حواسّه و قلبه بالمعصية حال العبادة، ربّما لا يعدّ عابد اللّٰه تعالىٰ، و عمله عبادةً و مقرّباً عرفاً، و إن أمكن ذلك عقلًا.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 88 90.

(2) لاحظ تحريرات في الأُصول 2: 152 161.

(3) الصلاة، الحائري: 133.

(4) تقدّم في الصفحة 107.

(5) تقدّم في الصفحة 84.

120

الثالث: في أنّ الرياء في العبادة قد يكون حلالًا

ثمّ اعلم: أنّ الرياء المحرّم أو المبطل، هو الذي لم يكن موجّهاً بوجهة اللّٰه تعالىٰ، فلو كان في إراءته عبادتَه للناس، حُسناً و وجهاً إلهيّاً، فهي المحلّلة غير المبطلة، كما لو أراد بها أن يعلِّم الناس أنّه يعبده، فهم تبعاً له يعبدونه؛ لعظمة منه في قلوبهم، و اعتقادهم به، و تكون عبادته برهاناً لهم علىٰ وجوده تعالىٰ، و لزوم الخضوع لديه.

فهو يعبد اللّٰه تعالىٰ؛ لإراءة الناس، حتّى يعلموا أنّه يعبده تعالىٰ، و لكن في ذلك و جهة إلهيّة مطلوبة؛ و هي أنّهم يعتقدون به و يعبدونه. و لا أظنّ التزام القائلين باشتراط الخلوص، بطلانَ مثلها.

و بعبارة اخرىٰ: لو كان الرياء في العبادة؛ للعمل بالوظيفة الأُخرىٰ الإلهيّة، فهو مضافاً إلى أنّه ليس محرّماً ليس مبطلًا.

و دعوى التفصيل بين الوظائف المترتّبة عليها؛ فما كان مثل المثال السابق فالأمر كما قيل، و أمّا لو راءى لرزق عياله الواجب عليه، أو للواجب الآخر المقارن له فلا؛ لظهور بعض الروايات في المنع عنه؛ و أنّه إذا أخلص عمله للّٰه تعالىٰ، يُسرّح عنه فيما يرجوه و يريده (1).

غير مسموعة؛ لعدم دلالتها على الأزيد من الرجحان و المحبوبيّة، و إطلاق أخبارها منصرف عن مثل ما لو كان في ريائه وجه اللّٰه؛ فإنّ ذلك‌

____________

(1) المحاسن: 254/ 280، الكافي 1: 21/ 33، وسائل الشيعة 1: 61، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 8، الحديث 11.

121

يرجع إلىٰ حفظ حدود اللّٰه، و ما هو المحرّم المبطل المستفاد منها، هو ما كان الغير شريكاً، بخلاف ما لو كان العمل بجوانبه له تعالىٰ، و إدخال الغير للوصول إلى الغرض الآخر منه، و الوظيفة الأُخرىٰ، فلاحظ و تدبّر جيّداً.

و لعمري، إنّه بعد التأمّل فيما ذكرناه، يظهر أنّ إطلاق كلامهم في إبطال مطلق الرياء، في غير محلّه، و لا أظنّ التزامهم ببطلان عمل الذي لو لم يعبد اللّٰه في المسجد، لا يعطيه أحد شيئاً ليداوي به مرضه الواجب شرعاً تداويه، أو لو قال له بعض أهل الخير و الآمر بالمعروف: «بأنّه إن حضر الجماعة يعطه ما يعيش به» لعدم تمكّنه من الإعاشة يكون عمله محرّماً، بل و عمل الجاعل و الآمر بالمعروف أيضاً محرّماً.

و توهّم: أنّ ذلك للعناوين العرضيّة الحاكمة على إطلاق أدلّة الشروط و الأجزاء، فاسد لشبهة أحياناً في صغراها؛ لأنّ تلك الأدلّة لا ترخّص الشرك، فالذي هو الأصحّ أنّ أدلّته تقصر عن تحريم مثل ذلك؛ و أنّ مثلها ليس شركاً كما لا يخفى.

الرابع: في حكم الجزء المقصود به عبادته تعالى و تعظيم الغير

ثمّ إنّه ظهر لك حال المسائل الكثيرة في المقام؛ و أنّ البطلان في الفروع السابقة، لا يستند إلى الزيادة العمديّة، بل هو مستند إلى الإخلال بشرط الطبيعة، على الوجه الذي مضى سبيله (1)، فلو أتى ببعض أجزاء الصلاة بقصد الصلاة و غيرها بمعنى أن يعبد بها اللّٰه و غيره-

____________

(1) تقدّم في الصفحة 112 113.

122

فهي باطلة، و إن كان في الجزء المستحبّي.

و أمّا لو قصد بركوعه تعظيم الغير و الركوعَ الصلاتيّ، فإن قلنا: بأنّ الركوع موضوع لعبادة اللّٰه تعالىٰ، فالتعظيم به عبادة، و ليست العباديّة به قصديّة، بل هي منتزعة قهراً منه؛ لأنّه لا يصنع به إلّا تعظيم اللّٰه تعالىٰ، فهي باطلة لما عرفت.

و إلّا ففي هذه الصورة و الصور الأُخرىٰ المشترك فيها قصد الصلاة و قصد غيرها البطلان غير معلوم؛ و ذلك لأنّ في قصد الصلاة لا يعتبر الإخلاص، و قصدها يتحقّق مع شركة الغير، فكأنّه يعبد اللّٰه بصلاته و ركوعه، و يعظّم غيره، و هذا ليس رياءً حتّى يكون باطلًا و مبطلًا، و لا عبوديّة له حتّى يلزم الشرك، فلا وجه لبطلانه.

خلافاً لما ظهر من القوم، فإنّهم مع قولهم: «بأنّ عباديّة الركوع قصديّة» (1) و تصريحهم: «بأنّ الشركة في القصد ليست رياءً، إذا كانت بذلك المعنىٰ» (2) قالوا بالبطلان (3)، و اختلفوا في بطلان مجموع العمل على أقوال (4)، و لكنّك عرفت أنّ ذلك ممّا لا وجه له؛ لانحصار الوجه بما‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 619 كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 12. مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 32، مهذّب الأحكام 6: 145، الصلاة (تقريرات المحقّق الداماد) الآملي 3: 321.

(2) الحدائق الناضرة 2: 177، مستند الشيعة 2: 48، مستمسك العروة الوثقىٰ 2: 418 و 6: 30 و 31.

(3) لاحظ مفتاح الكرامة 2: 331، جواهر الكلام 9: 187، العروة الوثقىٰ 1: 618 و 619، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، ذيل المسألة 11 و 12.

(4) نفس المصدر.

123

أُشير إليه.

و لكنّها باطلة على التحقيق؛ لأنّ الركوع و الصلاة موضوعان للعبادة، فالإتيان بهما حمداً للغير و تعظيماً، إمّا يرجع إلىٰ سلب اسم «الصلاة» أو يرجع إلىٰ عبوديّته لغير اللّٰه تعالىٰ، و حيث أنّه قاصد الصلاة، فتكون تلك الأعمال عبادة للغير قهراً.

و لكن الالتزام بأنّ العبوديّة ليست من العناوين القصديّة، أيضاً مشكل، بل ممنوع، فبطلان الجزء المقصود به تعظيم الغير و الركوع الصلاتيّ، غير مبرهن حتّى يكون الكلّ باطلًا.

الخامس: في أن فساد الجزء مبطل للكلّ

ثمّ علىٰ فرض بطلان الجزء، فهو يورث بطلان الكلّ؛ لما مضى من أنّ ذلك إخلال بشرط الطبيعة، و ليس من الزيادة العمديّة حتّى يتدارك الجزء الباطل، و الإخلال بشرطها إن كان عمديّاً تبطل الصلاة به، و إن كان عن غير عمد فمقتضىٰ عموم‌

لا تعاد ..

عدم بطلان الجزء، و لا الكلّ.

نعم، لو اختصّت القاعدة بالفراغ منها، فمقتضىٰ إطلاق دليل الشرط لزوم الإعادة. و البحث عن الأُصول العمليّة موكول إلىٰ مباحث الخلل (1).

فما قد يقال: بأنّ الأجزاء الباطلة، لا تورث بطلانها و إن كانت واجبة؛ لأنّها إن كان في المحلّ يتداركها، و إن مضى محلّها فلا شي‌ء عليه إلّا القضاء،

____________

(1) مباحث الخلل في الصلاة الموجودة لدينا خلي عن تلكم المباحث.

124

لو كان من قبيل التشهّد و السجدة (1).

أو يقال: بصحّتها و إن كانت من الأركان؛ لأنّ بطلان الركن لا يورث بطلان الصلاة، إلّا إذا مضى محلّ تداركه.

أو يقال: بالتفصيل بين الأجزاء و بينما يأتي فيها، كالقرآن و الذكر؛ لأنّ ذلك ليس من الزيادة المبطلة (2).

كلّه خالٍ عن التحصيل، و غفلةٌ عن وجه المسألة، كما لا يخفى.

الفرع الثاني: في اشتراط استدامة النيّة

كما يجب قصد عنوان المأمور به بدواً، كذلك يجب كونه منويّة في جميع الأفعال و الأقوال إلى آخر الصلاة؛ بأن يكون شاغلًا بها و إن كان غافلًا عنها، و الإجمال كافٍ؛ لعدم الاحتياج إلى الأزيد منه، كما مضى تقريره (3).

و كما يجب أن يأتي بها عبادة للّٰه تعالىٰ بدواً، كذلك يجب استدامته، و الاستدامة الحكميّة على القول بلزوم الإخطار كافية؛ لأنّها باقية موضوعاً في خزانة النفس.

و على القول المنصور غير كافية؛ لأنّ معنى الاستدامة حكماً، هو الذهول الفعليّ عمّا بيده من صورة العمل و عنوانه، و هو بلا شبهة مضرّ بها؛ لتقوّم المأمور به بالعنوان المأخوذ في الدليل، علىٰ ما مضى بيانه (4).

____________

(1) لاحظ مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 23.

(2) لاحظ الصلاة (تقريرات المحقّق النائيني) الآملي 2: 18.

(3) تقدّم في الصفحة 59 60.

(4) تقدّم في الصفحة 17 و 21 22.

125

و قد يخطر بالبال أن يقال: بأنّه تارة: يتذكّر حين الصلاة، و يشكّ في أنّ ما بيده صلاة أو غير صلاة، فإنّه لا معنى لإيجاب الإتمام، و لا دليل علىٰ إحراز موضوع المسألة؛ لأنّه الغافل عن حاله السابقة، فعليه يجب الاستئناف.

و أُخرى: يتذكّر بعد الصلاة أنّه نوى الصلاة، ثمّ غفل بحيث كان لو سئل: «ما تفعل؟» لما كان يقتدر على الجواب، و لكنّه أتمّ ما كان في يده، ثمّ تذكّر أنّه افتتح صلاة الظهر، و غفل عنها بنحو قريب من المحو عن خزانة النفس، و أتمّها غير شاعر بها، ثمّ بعد الفراغ من العمل، توجّه إلىٰ أنّه كان يصلّي الظهر مثلًا، فإنّه حينئذٍ بمقتضىٰ قوله (عليه السّلام) علىٰ ما في بعض الروايات-

إنّ الصلاة علىٰ ما افتتحت (1)، و إنّما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أوّل صلاته (2)

و مقتضى عموم‌

لا تعاد .. (3)

لا تجب الإعادة عليه.

توهّم عدم مبطليّة الغفلة عن عنوان الفعل و وجهه

و لو قيل: مقتضىٰ بعض المآثير مثل معتبرة عبد اللّٰه بن المغيرة قال‌

____________

(1) نص الخبر هكذا: «هي على ما افتتح الصلاة عليه» تهذيب الأحكام 2: 197/ 776، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 2.

(2) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2 الحديث 3.

(3) الخصال: 284/ 35، وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1 الحديث 14.

126

في «كتاب حريز» أنّه قال: إنّي نسيت أنّي في صلاة فريضة حتّى ركعت، و أنا أنويها تطوّعاً. قال فقال‌

هي التي قمت فيها، إن كنت قمت و أنت تنوي فريضة، ثمّ دخلك الشكّ، فأنت في الفريضة، و إن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة، فأنت في النافلة، و إن كنت دخلت في فريضة، ثمّ ذكرت نافلة كانت عليك، فأمض في الفريضة (1)

هو أنّ الغفلة حين العمل عن عنوان الفعل، غير مضرّة، فضلًا عن لزوم التوجّه التفصيليّ به.

بل الطبيعة بعد ما افتتحت بعنوان الفريضة، فهي علىٰ ما افتتحت، و إن أتمّها بعنوان الفريضة الأُخرىٰ أو نافلة، و كان غافلًا حينها بحيث لا يقتدر على الجواب لو سئل عن فعله، و يبقى متحيّراً، بل و لو أجاب بشي‌ء آخر مضادّ لما نواه فإنّ ظاهرها و ظاهر بعض آخر، أنّ الميزان افتتاحها، و عروض العناوين المضادّة، و خلوّها عن عنوان العمل كلّه، لا يضرّ بحصول المطلوب.

و من هذه المآثير، رواية عبد اللّٰه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال: سألته عن رجل ..

إلى أن قال‌

و إنّما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أوّل صلاته (2).

فإنّها كالنصّ، في أنّ المدار علىٰ ذلك، و إن لم يلتزم به الأصحاب‌

____________

(1) الكافي 3: 363/ 5، تهذيب الأحكام 2: 342/ 1418، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 1.

(2) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 3.

127

- (رضوان اللّٰه تعالىٰ عليهم).

جواب التوهّم السابق

قلنا: هذه الطائفة من المعاصير تحتمل وجوهاً:

منها: أنّها تكون ناظرة إلىٰ سلب اعتبار النيّة التفصيليّة حال الصلاة؛ و أنّ توهّم العنوان الآخر، و نيّة الصلاة الأُخرىٰ بنحو الخطور بالبال، مع التوجّه إلىٰ عنوان صلاته بدواً، لا يضرّ بتلك النيّة و العمل.

و منها: أنّها ناظرة إلىٰ نفي جواز العدول من الصلاة إلىٰ صلاة أُخرى؛ و أنّه بعد ما افتتح الصلاة لا يجوز له العدول، و إنّما يحسب له ما افتتح عليه.

و منها: أنّها ناظرة إلىٰ مقام الثبوت؛ و أنّ الصلاة المفتتحة علىٰ عنوان، فهي باقية عليه و إن ذهل عن ذلك العنوان، أو طرأ العنوان المضادّ له، و تحسب له تلك الصلاة، و لكنّها في مقام الامتثال، هل يجوز الاكتفاء بمثلها؟ فهي ساكتة عنه، و المسألة ترجع إلىٰ حكم العقل؛ و هو الاشتغال.

و منها: أنّها ناظرة إلىٰ أنّ القيام للصلاة الخاصّة، كافٍ عن النيّة، و لعلّه لكونه أمارة ظنّية علىٰ تلك النيّة المعتبرة المقارنة للعمل، و هو مختار بعض الأصحاب حيث قال: «بأنّ في صورة الشكّ في أنّ ما بيده ظهر أو عصر، يبني علىٰ ما قام إليها» (1).

____________

(1) البيان: 154، ذكرى الشيعة: 178/ السطر 12، مسالك الأفهام 1: 293، جامع المقاصد 2: 230.

128

و هذا هو مقتضىٰ صدر رواية ابن أبي يعفور، عنه (عليه السّلام) قال: سألته عن رجل قام في صلاة فريضة، فصلّى ركعة، و هو ينوي أنّها نافلة.

فقال‌

هي التي قمت فيها و لها.

و قال‌

إذا قمت و أنت تنوي الفريضة، فدخلك الشكّ بعدُ، فأنت في الفريضة على الذي قمت له، و إن كنت دخلت فيها و أنت تنوي نافلة، ثمّ إنّك تنويها بعد فريضة، فأنت في النافلة، و إنّما يحسب للعبد .. (1).

فبالجملة: مقتضىٰ هذا الاحتمال، هو أنّ القيام للصلاة المعيّنة، في حكم الأمارة الظنّية علىٰ عنوان الطبيعة، و الافتتاح علىٰ ذلك تمام الموضوع؛ لكفاية النيّة بحدوثها، و لا حاجة إلىٰ بقائها حتّى بوجودها الواقعيّ الإجماليّ، فضلًا عن وجودها التفصيليّ.

نعم، لو لم يعلم لماذا قام، فهي باطلة؛ أي لا يصحّ الاجتزاء بما في يده أو ما فرغ عنه؛ لعدم الأمارة على النيّة المعتبرة في سقوط الأمر.

و هذا الاحتمال هو الأقرب من الاخريات، و الأوفق بظواهر الروايات مجموعاً، و إن كان مفاد بعض منها، أقرب إلى البعض منها، و من تلك الروايات رواية معاوية قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة، فسها فظنّ أنّها نافلة، أو قام في النافلة فظنّ أنّها مكتوبة.

قال‌

هي على ما افتتح الصلاة عليه (2).

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 3.

(2) تهذيب الأحكام 2: 197/ 776 و 343/ 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 2.

129

و لعلّها ناظرة إلى أنّ الظنّ بالخلاف، لم يكن إلىٰ حدّ لو يُسأل عنه عن فعله، لما كان يقتدر على الجواب، بل كان بحيث يتذكّر العنوان المفتتح به لو سُئل عنه.

و عليه يحمل قولهم: «لو دخل في فريضة، فأتمّها بزعم أنّها نافلة غفلةً، أو بالعكس، صحّت علىٰ ما افتتحت عليه» (1) و إلّا فإطلاقه ممنوع؛ لما أنّ الغفلة لو كانت إلىٰ حدّ التحيّر و نسيان صورة العمل و عنوانه، تضرّ بالصحّة؛ للإخلال بالشرط، علىٰ ما صرّحوا به: من «أنّ استدامة النيّة واجبة إلىٰ آخر الصلاة؛ بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرّة» (2) فراجع و تدبّر.

فبالجملة: مقتضى القاعدة اشتراط النيّة استدامةً.

هل تدلّ الروايات علىٰ كفاية بعض الأُمور عن الاستدامة؟

و لكنّ الكلام هنا، في أنّ هذه المآثير، تدلّ على أنّ افتتاح العمل بعنوان يكفي، و لا تلزم الاستدامة.

أو تدلّ علىٰ أنّ القيام له كافٍ، و إن لم يعلم النيّة حين التكبيرة.

أو تدلّ علىٰ مقالة المشهور؛ و أنّ المراد من «القيام للعمل» هو الشروع فيه، أو القيام المتّصل به الملازم نوعاً للنيّة، و أنّ المفروض فيها هو العارف بأنّه افتتح صلاته بعنوان الفريضة مثلًا، ثمّ شكّ في أنّها‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 18.

(2) العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 15.

130

نافلة، بعد العلم بأنّها مفتتحة على الفرض، فإنّها تدلّ علىٰ لزوم البناء على الفرض، و ذلك ليس إلّا لتوجّهه إلى الفرض، و غفلتِه عنه برهة من العمل، و ذلك ليس يضرّ بصحّته، إلّا على القول بلزوم التوجّه التفصيليّ في جميع الآنات و الأحيان، و هو ممنوع بالإجماع المركّب، و بمقتضىٰ هذه الروايات الشريفة.

و قد يحتمل أن يكون المفروض فيها، هو العارف بافتتاح العمل بعنوان كذا، و إذا سها و ظنّ أنّها نافلة، لا يتوجّه ثانياً إلىٰ عمله؛ لاحتمال فراغه منها و شروطه في النفل، و حينئذٍ لو قلنا بصحّة ذلك العمل، و لزوم إتمامه فرضاً، فهو علىٰ خلاف القواعد. و لكنّه بعيد إنصافاً.

حدود دلالة رواية معاوية المتقدّمة

و الذي يظهر لي: أنّ هذه المآثير مختلفة المضمون و المفاد؛ فإنّ رواية معاوية (1) مضافاً إلى ضعف سندها (2) تقصر عن إثبات حكم علىٰ‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 197/ 776 و 343/ 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 2.

(2) لأنّ في السند محمّد بن عيسى (بن عبيد) عن يونس قال فيه النجاشي: ذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنّه قال: ما تفرّد به محمّد بن عيسىٰ من كتب يونس لا تعتمد عليه، و ضعّفه الشيخ أيضاً، انظر رجال النجاشي: 333/ 896، الفهرست، الشيخ الطوسي: 140/ 601، معجم رجال الحديث 17: 113/ 11509 مضافاً إلى ضعف طريق الشيخ إلى العيّاشي لوقوع أبي المفضّل الشيباني فيه، لاحظ رجال النجاشي: 396/ 1059، الفهرست: 136/ 593.

131

خلاف القاعدة؛ للاحتمال الذي مرّ منّا (1)، و لا إطلاق للجملة السؤاليّة، حتّى يتمسّك بالقول بعدم التفصيل؛ لإثبات الإطلاق في المرام.

مع أنّ الجهة المسئول عنها غير معلومة؛ لأنّه لا يتمّ سؤاله بما ذكره، للزوم بيان أنّه بعد ما سها، فهل يتمّ نافلة، أو فريضة؟ إن كان المقصود في الأثناء، أو أنّه بعد ما سها و أتمّ، فهل يكتفي به أم لا؟ فعليه ربّما كان المقصود هو السهو الآنيّ العارض نوعاً على المصلّين، فتأمّل جيّداً.

التعرّض لمفاد رواية ابن أبي يعفور

و رواية ابن أبي يعفور المعتبرة (2)، تدلّ بصدرها علىٰ ممنوعيّة العدول، و هكذا بذيلها.

نعم، الجملة المتوسّطة المتعرّضة لحال الشكّ، تدلّ علىٰ أنّ الشكّ و النيّة المخالفة لا يضرّان بالنيّة الأُولىٰ.

و أمّا فرض ذهوله عن النيّة الأُولىٰ، فهو خلاف المفروض فيها؛ لأنّ الكلام مسوق لبيان المسألة علىٰ أنّه يدري افتتاح الصلاة بعنوان الفريضة.

و هذه الرواية و سابقتها، ربّما تدلّان على أنّ المراد من «القيام» هو‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 128 129.

(2) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 3.

132

الشروع في العمل؛ لقوله (عليه السّلام) فيها‌

و إن كنت دخلت فيها

و لقوله: «قام في الصلاة» مثلًا، و لا ظهور لها في أنّ المقصود، هو القيام للصلاة، و يكون ظرف النيّة موسّعاً، حتّى تصحّ صلاة الذاهل حين الشروع.

بل الجملتان المتعرّضتان لبيان الأصل في المسألة و هو أنّ المدار علىٰ ما افتتحت الصلاة عليه تدلّان علىٰ لزوم النيّة حال الافتتاح.

نعم، لو فرضنا دلالتها علىٰ كفايتها حين القيام للصلاة، فهو لأجل أنّ القيام لها، ملازم للعنوان حينها، و تكون من الأمارات العقلائيّة علىٰ وجود اللّزوم، مع جريان أصالة عدم السهو و الغفلة عمّا قام له و نهض، فليتدبّر.

مفاد رواية ابن المغيرة

و إنّ رواية ابن المغيرة (1) كالنصّ، في أنّ المقصود هو الغفلة عن افتتاح الصلاة؛ و الإتيان بها في الأثناء نافلة، ثمّ تذكّره و تردّده في لزوم الإتمام فرضاً، أو ندباً و نفلًا، فقال (عليه السّلام): «إنّ الميزان هو النيّة الأُولىٰ، و الثانية لا تضرّ».

نعم، مقتضىٰ إطلاقها عدم مضرّيتها حتّى لو كان يعلم: أنّه لو يسأل لما أجاب في تلك الحال إلّا بالنفل، و هذا خلاف القاعدة، إلّا أنّ الإفتاء بمثلها‌

____________

(1) الكافي 3: 363/ 5، تهذيب الأحكام 2: 342/ 1418، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 1.

133

غير ممنوع جدّاً، بعد اقتضاء عموم‌

لا تعاد .. (1)

ذلك أيضاً.

صور الشكّ في نيّة الصلاة

فتحصّل: أنّه تارة: يتذكّر حين الصلاة، و أُخرى: يتذكّر بعد الصلاة.

و على الأوّل تارة: يتذكّر أنّه افتتح الصلاة فريضة، ثمّ أتى ببعض منها نافلة، و لم يكن غافلًا بالمرّة، فإنّها صحيحة على المعروف (2)، و يتمّ صلاته.

و أُخرى: يتذكّر و لا يكون كذلك، فهو أيضاً يتمّ علىٰ ما استخرجناه من الرواية.

و ثالثة: يكون شاكّاً في أنّ ما بيده صلاة، أو غير صلاة، و يعلم بشروعه في الصلاة، و لكن يحتمل تماميّتها، و هذا عمل غير الصلاة، و يحتمل صلاتيّة هذا العمل أيضاً، فإنّه حينئذٍ يستأنف بلا شبهة، و إن كان احتمال كفايته لو أتمّها فرضاً، غيرَ بعيد بحسب الثبوت، و لكنّه لا يجتزئ به إثباتاً، بل عليه الإعادة.

و على الثاني: ربّما تتمّ صلاته مطلقاً؛ لعموم القاعدة، و لافتتاحها بعنوانها المعتبر فيها.

و لو دلّ الدليل على اشتراط الاستدامة، فهو محكوم بعموم القاعدة، و لا يشترط في شمول القاعدة، تصويرُ إمكان الإخلال العمديّ.

____________

(1) الخصال: 284/ 35، وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14.

(2) لاحظ العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 18.

134

و لو سلّمنا شرطيّته؛ للزوم لغويّة جعل الحكم الوضعيّ من غير ترتّب الأثر عليه، فيكفي أن يكون الأثر بطلان الصلاة بالإخلال السهويّ، دون الجهليّ.

كما يمكن دعوى: أنّ دليل اشتراط النيّة استدامةً، ليس إلّا حكم العقل (1)؛ ضرورة أنّه بدونها لا يتمكّن من إتيان المأمور به بعنوانه، و كونُه معنوناً في ابتداء العمل، لا يكفي استدامةً، و لكن للشرع سلب اعتباره استدامةً، فلو افتتح الصلاة بعنوان الظهر فأتمّ، ثمّ تذكّر غفلته حينها؛ بذهوله عن العنوان كلّاً، و تحيّرِه في الجواب لو يُسأل عنه، تصحّ صلاته.

و تفصيل المسألة من جهة القاعدة، و ما أبدعنا هنا، يطلب من رسالتنا المعمولة في حدودها و إفاداتها فليراجع (2)؛ فإنّ المسألة تحتاج إلى التفصيل، و إن قلت قلتات كما لا يخفى.

الفرع الثالث: حول اشتراط الجزم بإتمام العمل

المشهور اشتراط الجزم بالإتمام، و البناءِ علىٰ أن يتمّ الصلاة التي شرع فيها (3)، فلا يجوز الشروع في الصلاة مع البناء علىٰ قطعها في الأثناء، و هكذا مع الشكّ في إمكان الإتمام، و البناء علىٰ قطعها لو طرأ عارض، كمجي‌ء زيد و أمثال ذلك.

____________

(1) انظر مستند العروة الوثقىٰ 3: 58، مهذّب الأحكام 6: 150.

(2) رسالة في «قاعدة لا تعاد» للمؤلف (قدّس سرّه) (مفقودة).

(3) جامع المقاصد 2: 222 225، جواهر الكلام 9: 177 186، مصباح الفقيه، الصلاة: 237/ السطر 17، الصلاة (تقريرات المحقّق النائيني) الآملي 2: 35 و 36.

135

نعم، لو كان احتمال الطارئ المانع عن الإتمام، غيرَ عقلائيّ، أو احتمال مجي‌ء زيد بعيداً غايته، فربّما يكفي لحصول الاطمئنان به.

و هكذا لو نوىٰ في أثناء العمل قطعها، أو قطعَها بعد ذلك، أو نوى القاطع و المنافي فعلًا، أو بعد ذلك، فإنّ السيّد الفقيه اليزديّ اختار البطلان، إلّا إذا عاد إلى النيّة الأُولىٰ، و لم يأت ببعض الأجزاء بعنوان الجزئيّة، و لم يكن ما يأتي به فعلًا كثيراً ممّا تبطل الصلاة به (1)، و في المسألة أقوال أُخر أيضاً (2).

الحقّ عدم اشتراط الجزم و الخلو من نيّة القطع و القاطع

و الذي يقتضيه النظر، أنّ اللّازم بحكم العقل و اقتضاء الشرع، قصد عنوان الصلاة و سائر العناوين المعتبرة، و لا يتقوّم حصول ذلك بالقطع و الجزم المذكور، فلو شرع صلاته في مسيل، و احتمل وجود المانع، و لكنّه أتى بها و أتمّها، فقد أتى بالوظيفة الشرعيّة، و لا دليل على اشتراط الأزيد ممّا أتى به؛ فإنّ الجزم بالإتمام غير الجزم بالنيّة. و لو قلنا بشرطيّته لعدم إمكان تحقّقها بدونه علىٰ ما عرفت (3) فلا نقول بشرطيّة ذاك؛ لحصول جميع الجهات المعتبرة في الصلاة.

و علىٰ هذا، لا وجه لمنعهم في مسائل الجماعة، الاقتداء مع الشكّ‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 16.

(2) لاحظ جواهر الكلام 9: 177 186، مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 36.

(3) تقدّم في الصفحة 61 62.

136

في درك الإمام، مع أنّه لا يعلم بتمكّنه من إتمام الصلاة صحيحة؛ لاحتمال عدم دركه، و تكون الصلاة باطلة (1)، فتأمّل.

فبالجملة: نيّة القطع و القاطع و الإتيان بالعمل بعنوانه، لا تضرّ بالصحّة؛ لأنّ ذلك لا يرجع إلى الإخلال بنيّة العمل، و لا بقربته.

نعم، لو نوىٰ في الأثناء العمل الآخر، فهو مورث للبطلان علىٰ إشكال يأتي في المقام الآتي (2) لأنّ ذلك إخلال بالنيّة المعتبرة على الاستدامة، فلو دخل في الظهر، ثمّ نوى العصر و أتمّ عصراً، فربّما تكون صلاته باطلة؛ لأجل الإخلال بالشرط الركنيّ المقوّم للطبيعة و المحصّل لها، بخلاف ما لو نوىٰ قطع الظهر في الركعة الرابعة، أو كان متردّداً في إتمامها أو قطعها، فإنّه لم يخلّ بالشرط فيها.

فتحصّل: أنّ كبرى المسألة غير مبرهنة، فضلًا عن فروعها، و لا نحتاج بعد ذلك إلى الغور في المسائل المترتّبة عليها، فلاحظ و تدبّر.

هذا كلّه حال اعتبار البناء على الإتمام و الجزم به، و هو مقالة القدماء (3).

حول مختار المتأخّرين من كفاية الإتمام رجاءً

و أمّا المعروف بين المتأخّرين، عدم اشتراط ذلك، و يكفي عندهم‌

____________

(1) راجع العروة الوثقىٰ 1: 774، كتاب الصلاة، فصل في الجماعة، المسألة 25 و 26.

(2) يأتي في الصفحة 157.

(3) الكافي، أبو الصلاح الحلبي: 150، المبسوط 1: 24، ذكرى الشيعة: 98/ السطر 35.

137

الإتمام رجاءً (1)، فلو شرع في الصلاة مع التردّد في تمكّنه من الإتمام، أو مع البناء علىٰ قطعها لو دعاه الناس، و لكنّه اتفق له إتمامها، فهي صحيحة، بخلاف ما لو قصد الخلاف؛ من نيّة قطع العمل أو القاطع، فإنّها تضرّ، على التفصيل المذكور من الفقيه اليزديّ (رحمه اللّٰه) (2) و ذلك لأنّه يرجع إلىٰ عدم قصد الصلاة، أو عدم قصد المأمور به و ما يطلبه المولى.

نعم، فيما لم تكن تلك النيّة الثانية مضرّة كما لو حصلت له في الأثناء آناً ما فهي صحيحة؛ لعدم الدليل على اشتراط الأزيد من ذلك، بعد عدم تنافيها للصلاة و نيّتها.

نعم، لو أتى ببعض الصلاة حال النيّة الثانية، فقد زاد في صلاته عمداً؛ لأنّ ما أتى به لا يقع منها، و إمكانُ تداركها لا يكفي بعد الازدياد فيها عمداً.

و الذي هو التحقيق: أنّ قصد المأمور به ليس شرطاً، و قصدَ الصلاة بناءً علىٰ وضعها للأعمّ حاصل، فتوهّم أنّ قصد الخلاف يضرّ بقصد الصلاة (3)، في غير محلّه.

نعم، ربّما يكون بعض المقاصد، مضرّاً بالعبوديّة و القربة، فإنّه لو قصد أن يضحك في أثناء الصلاة، فإنّه لا يتمكّن من عبوديّته تعالىٰ بذلك‌

____________

(1) مصباح الفقيه، الطهارة: 103 و 104، العروة الوثقىٰ 1: 98، كتاب الطهارة، فصل إذا صلّى في النجس، المسألة 7. الصلاة (تقريرات المحقّق النائيني) الآملي 2: 35 و 36، نهاية الأُصول: 430 و 431، تهذيب الأُصول 2: 317 و 413.

(2) العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 16.

(3) الصلاة (تقريرات المحقّق النائيني) الآملي 2: 44.

138

العمل، إذا كان عالماً بأنّ القهقهة ممنوعة في الصلاة و مبطلة لها.

و أمّا قصد قطعها، فإن كان ذلك من الأوّل، فهو أيضاً يضرّ بشرط الطبيعة؛ و هي إتيانها عبادة للّٰه تعالىٰ، و ليست صورة العبادة اختياريّة علىٰ ما تقرّر (1)، حتّى يتوهّم تمكّنه منها و إن كان قاصداً لقطع صلاته في الأثناء.

و لو طرأ قصد القطع في الأثناء، ثمّ زال فوراً، و عاد إلى النيّة الأُولىٰ، فلا تبعد الصحّة.

و أمّا لو طرأ، و أتى بمقدار من الطبيعة، فاختار السيّد البطلان (2).

و لكنّه ربّما يشكل إمكانه (3)؛ لأنّه مع توجّهه إلىٰ قصد قطع النيّة الأُولىٰ، كيف يتمكّن من قصد الإتيان بمقدار من الطبيعة و أجزائها بعنوان الجزئيّة، إلّا هزلًا و غلطاً؟! فتلك الأجزاء المأتيّ بها بعنوان الجزئيّة، لا تضرّ زيادتها.

بطلان الصلاة مطلقاً إلّا بالعود الفوري أو الجهل بالمنافاة

نعم، يمكن دعوى بطلان العمل في جميع الصور؛ لأنّه إعراض عن صورة العمل، و اشتغال بالعمل الآخر المقابل له، فكأنّه ترك الصلاة، و اشتغل بعمل آخر، و تركُ الصلاة في الأثناء، مضرٌّ بالنيّة المشروطة فيها بدواً و استدامةً.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 81.

(2) العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 16.

(3) لاحظ مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 39.

139

و إن شئت قلت: لو عاد بعد ذلك إلى النيّة الأُولىٰ، يعدّ من إضافة النيّة و تكرارها، و تصير الطبيعة لزيادة الركن باطلة.

و بعبارة اخرىٰ: الإعراض عن النيّة الأُولىٰ، و العود إليها، تارة: يتّفق في زمان يعدّ عرفاً من إعادة المعدوم، و أُخرى: يكون في زمان لا يكون كذلك، بل يعدّ خروجاً من الصلاة بذلك العمل المقصود به غير الصلاة، و لو عاد إلى النيّة الأُولىٰ فهي زيادة فيها؛ أي نيّة مستقلّة للصلاة بمقدار الباقي منها، فكأنّه أتى بمقدار من الطبيعة بالنيّة الأُولىٰ، و بمقدارها الآخر بالنيّة الثانية.

و توهّم عدم الدليل علىٰ بطلان العمل بزيادة النيّة لو أمكنت (1) فاسد؛ لرجوع ذلك إلىٰ أنّ الصلاة أعمال متعدّدة متعاقبة، و يستقلّ كلّ بعنوان مقابل للآخر، و يحتاج إلى النيّة المستقلّة، و هو باطل بالضرورة كما لا يخفى.

فما أفاده القوم: من صحّة الصلاة الكذائيّة (2) خصوصاً لو كان ما اشتغل به بعد الإعراض، القرآن و الذكر في غاية السقوط، بل الصلاة في جميع الفروض باطلة، إلّا في الفرضين:

أحدهما: نيّة القطع و العود فوراً.

ثانيهما: نيّة القاطع مع الجهل بأنّه منافٍ للصلاة.

بل البطلان فيما لو اشتغل بالأعمال الأُخر بعنوان غير الصلاة‌

____________

(1) انظر جواهر الكلام 9: 154، مصباح الفقيه، الصلاة: 233/ السطر 24.

(2) الخلاف 1: 307، جواهر الكلام 9: 177، العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 16.

140

- كالقرآن و الذكر أقوى و أظهر ممّا لو اشتغل بأجزاء الصلاة بعنوانها، خلافاً لما يظهر من السيّد (1)؛ ضرورة أنّه اشتغال بالصلاة، و ليس من الزيادة فيها عرفاً لو تمكّن من قصد الجزئيّة، بل هو من قبيل الإخلال بالنيّة.

دليل وجداني علىٰ بطلان مقالة المتأخّرين

و ممّا يتوجّه إليهم: أنّ حال النيّة الثانية و هي نيّة القطع مثلًا، لو كانت بعد الإعراض عن النيّة الأُولىٰ و هي نيّة الصلاة حال الصلاة لكان يحرم عليه بعد ذلك المنافيات و القواطع، فلو اشتغل حال الاشتغال بالقرآن، ببعض المنافيات كالأكل و الشرب، يكون آثماً و عاصياً، مع أنّ وجدان كلّ ذي وجدان، يجد جوازها لنفسه معلّلًا: «بأنّه خارج عن الصلاة، و أبطل عمله بالقطع، و أعرض عنه» من غير كونه مراعى بمضيّ زمان طويل، أو اشتغال بالمضادّات و الأفعال الكثيرة، فلاحظ و تدبّر جيّداً.

تنبيه: في تصوير زيادة النيّة و حكمها

المشهور عدم تصوير الزيادة في النيّة (2).

و هو إن كان يرجع إلىٰ عدمها بالنسبة إلىٰ مجموع العمل، فكذلك إلّا على القول بالإخطار.

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 16.

(2) لاحظ جواهر الكلام 9: 154، مصباح الفقيه، الصلاة: 233/ السطر 24، العروة الوثقىٰ 1: 613، كتاب الصلاة، فصل في واجبات الصلاة.

141

و إن كان يرجع إلىٰ بعض العمل، فربّما يمكن أن يتصوّر كما عرفت آنفاً (1)؛ فإنّ النيّة الأُولىٰ، تزول بنيّة القطع مع تعلّقها بمجموع العمل، ثمّ بعد العود إلى النيّة الأُولىٰ، يتعلّق به النيّة الثانية؛ لامتناع إعادة المعدوم.

و توهّم: أنّها هي الأُولىٰ عرفاً، في غير محلّه مع الفصل الطويل، كقراءة سورة من القرآن كالتوحيد و نحوه، فما اشتهر من عدم التصوير، ممنوع بإطلاقه.

فهل هي مثل زيادة الركوع؛ فتكون باطلة بها؟

أو هي مثل زيادة تكبيرة الإحرام علىٰ قول (2)، فلا تكون باطلة؛ لعدم الدليل علىٰ ركنيّتها بالمعنى الأوّل؟ إلّا ما مضى سابقاً منّا تقريره (3)؛ و هو أنّ الصلاة عمل واحد في الاعتبار، و هو يحتاج إلى النيّة الواحدة، و لو كفت النيّة الثانية المتعلّقة ببقيّة الأجزاء، يلزم اعتبارها تفصيلًا في مورد الأمر و الإيجاب، و هو لو لم يمتنع، يكون خلاف الظاهر من الأدلّة، و خلافَ القواعد المتعارفة في كيفيّة اعتبار المركّبات (4).

هذا مع أنّ المسألة عندنا، لا تحتاج إلىٰ إثبات ركنيّتها المطلقة؛ لأنّ‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 139.

(2) لاحظ جواهر الكلام 9: 220، العروة الوثقىٰ 1: 613، كتاب الصلاة، فصل في واجبات الصلاة، التعليقة 4 و 5، العروة الوثقىٰ 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، التعليقة 4، مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 54، منهاج الصالحين 1: 158.

(3) تقدّم في الصفحة 139.

(4) لاحظ تحريرات في الأُصول 8: 34.

142

بالإخلال بالأُولىٰ تبطل الصلاة لما مرّ (1)، و مع العود إليها فوراً، ليس من تعدّد الركن عرفاً، حتّى تكون باطلة.

نعم، علىٰ مبناهم ربّما يشكل الأمر عليهم، كما لا يخفى.

و لا يخفىٰ أيضاً: أنّ النيّة في الصلاة الاحتياطيّة بناءً علىٰ أنّها تبديل الامتثال من الزيادة فيها احتمالًا، و بعد الكشف يقيناً، فتصويرها ممكن إجمالًا.

الفرع الرابع: في حكم الصلاة الفاقدة لعنوان الظهرية و نحوه

لو صلّىٰ في أوقات الصلوات، الركعات الواجبة فيها عليه، مع الغفلة أو الجهل أو النسيان؛ بأنّه يجب عليه الإتيان بثمان ركعات النهاريّة بعنوانين و هكذا، بل كان يعتقد بأنّه لا يجب إلّا ثمان ركعات بعد الزوال، و سبع بعد الغروب، و اثنتين في الغداة، من غير الزيادة عليها، و قد صلّىٰ سنوات، فهل عليه الإعادة أم لا؟

فيه وجهان، و المشهور علىٰ ما يستظهر منهم وجوبها (2).

و قد يمكن دعوى عدم الوجوب؛ لأنّ العناوين المقوّمة للطبيعة المأمور بها، دخيلة في جريان القواعد في الأثناء؛ ضرورة أنّ صورة العمل ما لم تكن محفوظة، لا تجري القاعدة، و إذا كانت محفوظة فلا شكّ في‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 138.

(2) مفتاح الكرامة 2: 319، جواهر الكلام 9: 158، العروة الوثقىٰ 2: 614، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 1.

143

الصورة، علىٰ ما مرّ تفصيله (1)، و أنّ أدلّة البناء علىٰ أحد طرفي الترديد، لا تشمل صورة الشكّ في العنوان؛ لعدم الوجه لاختيار أحد الطرفين تعييناً، و لا نصّ بالخصوص حتّى يكون هو المرجع.

و أمّا بعد ما فرغ من الصلاة غير المفتتحة علىٰ عنوان خاصّ، فمقتضىٰ قاعدة‌

لا تعاد ..

نفي وجوب الإعادة، و صحّة المأتيّ بها، و الاكتفاء بها؛ لمضيّ الشرع حسب دلالتها عن العناوين المقوّمة، و اكتفائه بنفس الركعات.

و توهّم: أنّ المكلّف المفروض نوى الواجب و المطلوب، في غير محلّه؛ لأنّ المفروض غير هذه الصورة.

مع أنّك قد أحطت خُبراً؛ بعدم كفاية ذلك لتحصيل العناوين القصديّة، التي لا وعاء لها إلّا الذهن (2).

فبالجملة: ربّما لا يستبعد صحّة التمسّك بها لنفي الإعادة، بعد ما كان يأتي بالركعات حسب اعتقاده في أوقاتها، و المسألة بعد تحتاج إلى التأمّل.

و ربّما يمكن دعوى، حكومة قوله (عليه السّلام) في معتبرة عبد اللّٰه بن أبي يعفور‌

إنّما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أوّل صلاته (3).

فلو كانت صلاته بلا افتتاح و بلا نيّة، فهي لا تحسب له، كقوله (عليه السّلام)

____________

(1) تقدّم في الصفحة 21 و ما بعدها.

(2) تقدّم في الصفحة 21.

(3) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 3.

144

لا صلاة لمن لم يقم صلبه (1)

و أمثاله.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الجملة المشار إليها، ليست في مقام بيان مسألتنا، بل هي ناظرة إلىٰ صلاة مفتتحة علىٰ نيّة؛ و أنّها عليها تحسب و إن أخلّ بها في الأثناء مثلًا.

و ممّا يمكن أن يستدلّ به علىٰ وجوب الإعادة، رواية مصدّق، عن عمّار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام): في الرجل يريد أن يصلّي ثماني ركعات، فيصلّي عشر ركعات، و يحتسب بالركعتين من صلاة عليه.

قال‌

لا، إلّا أن يصلّيها متعمّداً، فإن لم ينوِ ذلك فلا (2).

فإنّها كالنصّ في لزوم الإعادة، و عدم صحّة الاكتفاء بمجرّد الإتيان بالركعتين الموافقتين مع ما عليه، فلا تغفل.

____________

(1) الكافي 3: 320/ 4 و 6، تهذيب الأحكام 2: 78/ 290، وسائل الشيعة 6: 321، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 16، الحديث 2. و لاحظ أيضاً: وسائل الشيعة 5: 488، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 2.

(2) تهذيب الأحكام: 343/ 1421، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 3، الحديث 1.

145

المقام التاسع في حكم العدول من السابقة إلى اللّاحقة و بالعكس

لا شبهة في عدم صحّة العدول؛ حسب الموازين العقليّة و الصناعات العلميّة، لا من السابقة إلى اللّاحقة، و لا العكس.

و توهّم: أنّ هذه المسائل اعتباريّة قصديّة، و الطبيعة كما توصف ب‍ «الظهريّة» بالقصد، كذلك توصف ب‍ «العصريّة» بعد انقلاب النيّة، و الأدلّةُ الشرعيّة لا تصحّح الممتنعات العقليّة، فمن شرع في العصر، ثمّ تذكّر أنّه لم يأتِ بالأُولىٰ، فله أن ينويها ظهراً و أتمّها، و هذه كافية لحصول الوصف المقوّم للطبيعة بذلك (1).

فاسد؛ بداهة أنّ مقتضى الأدلّة اتصاف الطبيعة بأجزائها التي هي ليست إلّا هي بالأوصاف اللّازمة، لا الطبيعة المهملة، علىٰ ما مضى‌

____________

(1) انظر مهذّب الأحكام 6: 161 162.

146

سبيله (1)، و عندئذٍ يكون ما بيده فاقدة الصفة المعتبرة قيداً في المأمور به.

و اتصافها بعد ذلك و إن أمكن، إلّا أنّ ذلك لا يورث انقلاب ما أتى به عمّا كان عليه، و تلك الأوصاف ليست من الأُمور الاعتباريّة بالمعنى الحقيقيّ، بل هي من الحقائق الذهنيّة الموجودة في النفس، الموجبة لاتصاف الخارج ب‍ «الظهريّة» و «العصريّة» فلا يمكن سلبها بعد وجودها، بخلاف الأُمور الاعتباريّة، فلا تخلط.

ثمّ إنّ مقتضىٰ بعض الروايات السابقة (2)، ممنوعيّة العدول، ففي رواية معاوية قال (عليه السّلام)

هي علىٰ ما افتتح الصلاة عليه (3).

بل ربّما يمكن دعوى معارضة قوله (عليه السّلام) في معتبرة ابن أبي يعفور‌

إنّما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أوّل صلاته (4)

مع الأخبار المرخّصة للعدول (5)؛ لحجّيّة مفهوم الحصر، بل و إباء هذه الجملة عن التقييد.

فبالجملة: ممنوعيّة العدول حسب القواعد، و الأخبار، و الفتاوى بديهيّة.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 116.

(2) تقدّم في الصفحة 125 126.

(3) تهذيب الأحكام 2: 197/ 776 و 343/ 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 2.

(4) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 3.

(5) وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63.

147

توهّم دلالة الأخبار المرخصة على الجواز و جوابه

و ربّما يتوهّم، دلالة الأخبار المرخّصة على الجواز مطلقاً؛ لأنّها بترخيصها تدلّ على أنّ الشرط، ليس العنوان على الإطلاق، حتّى يلزم اتصاف الطبيعة به في جميع أجزائها، فعليه يكون مقتضى القاعدة جواز العدول؛ لأنّ وجه المنع ظهور الروايات الشريفة في لزوم اتصاف الطبيعة ب‍ «الظهريّة» و «العصريّة» حتّى تكون مسقطة لأمرها، و حيث سقط ظهورها بقرينيّة تلك الأخبار فيعلم جوازه على الإطلاق إلّا مع الدليل.

و قد يمنع ذلك؛ لأجل سقوط الروايات السابقة طرّاً، مع أنّ فيها المعتبرة، و عليها الفتوىٰ (1). و توهّم أنّها ساقطة بالمعارضة، غير معلوم؛ لاحتمال اختصاصها بمنع العدول من الفريضة إلى النافلة.

و ممّا يشهد لذلك: أنّ مورد تلك المآثير، نيّة الفريضة في النافلة و بالعكس.

و لو فرضنا سقوط العلّة عن الحجّية، لا يسقط الخبر عنها.

مع أنّ قوله (عليه السّلام)

هي علىٰ ما افتتح (2)

لا يعارض أخبار العدول (3)،

____________

(1) جواهر الكلام 5: 199 و 200، العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 18.

(2) تهذيب الأحكام 2: 197/ 776 و 343/ 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63.

148

فيجمع بينهما بالتقييد، فيبقىٰ دليل المنع في غير مورد أخبار ترخيص العدول بحاله.

و توهّم ضعف سند رواية معاوية (1)، في محلّه، إلّا أنّ انجباره بعملهم قويّ (2)، فتدبّر جدّاً.

هذا مع أنّ إفادة كلمة‌

إنّما

للحصر محلّ البحث، بل منعه جماعة (3)، و إباءَها عن التقييد ممنوع.

بل يمكن دعوى نظارة قوله (عليه السّلام)

إنّما يحسب للعبد ..

إلىٰ أنّ الصلاة الواقعة في محلّها و رتبتها، إذا افتتحت علىٰ نيّة، لا يجوز العدول منها إلىٰ غيرها، و أمّا الصلاة الواقعة في غير محلّها، فهي غير ناظرة إليها كما لا يخفى.

إذا عرفت قضيّة القواعد، و ممنوعيّة العدول، فالكلام في مباحثها يتمّ في ضمن جهات، و قبل الخوض فيها، لا بدّ من الإشارة إلىٰ أنّ مسائل العدول كثيرة؛ حسب الموارد التي يجوز فيها، و لا نتعرّض لها هنا، بل كلّ منها يحال إلى الكتاب المناسب لها، و قد تعرّضنا لها في كتاب القضاء، و التفصيل يطلب من هناك (4).

____________

(1) مستند العروة الوثقى 3: 69.

(2) الدروس الشرعيّة 1: 166، جواهر الكلام 9: 176 177، العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 18.

(3) مفاتيح الأُصول: 105/ 4، مناهج الأحكام و الأُصول: 134/ السطر 23 24، مطارح الأنظار: 188/ السطر 22، نهاية النهاية 1: 271 272، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 208، لاحظ تحريرات في الأُصول 5: 182 183.

(4) مباحث القضاء من كتاب الصلاة، للمؤلف (قدّس سرّه)، (مفقودة).

149

و الذي هو المناسب للمقام، مسألة جواز العدول من إحدى المرتّبتين بالأصالة إلى الأُخرىٰ.

الجهة الاولىٰ: في مشروعيّة العدول في الظهرين و العشاءين

لا شبهة في جواز العدول إجمالًا؛ حسب النصوص الكثيرة و الفتاوىٰ، فلو شرع في العصر قبل أن يأتي بالظهر، يعدل إلى الأُولىٰ و يتمّ ظهراً، ثمّ يأتي بالعصر، و لا شي‌ء عليه، و هكذا في صلاة المغرب و العشاء.

و تدلّ عليه معتبرة الحلبيّ، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل أمّ قوماً في العصر، فذكر و هو يصلّي بهم أنّه لم يكن صلّى الاولىٰ.

قال‌

فليجعلها الأُولى التي فاتته، و يستأنف العصر، و قد قضى القوم صلاتهم (1).

و معتبرة زرارة المفصّلة، و فيها‌

فإن كنت قد صلّيت العشاء الآخرة، و نسيت المغرب، فقم فصلّ المغرب، و إن كنت ذكرتها، و قد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين، أو قمت في الثالثة، فانوها المغرب، ثمّ سلّم، ثمّ قم فصلّ العشاء الآخرة .. (2).

____________

(1) الكافي 3: 294/ 7، تهذيب الأحكام 2: 197/ 777 و 269/ 1072، وسائل الشيعة 4: 292، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 3.

(2) الكافي 3: 291/ 1، وسائل الشيعة 4: 290 و 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1.

150

شبهة عدم جواز العدول من العشاء إلى المغرب و جوابها

و قد يشكل جواز العدول من العشاء إلى المغرب؛ لرواية ابن مُسْكان، عن الحسن بن زياد الصيقل، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل نسي الأُولىٰ، حتّى صلّىٰ ركعتين من العصر.

قال‌

فليجعلها الاولىٰ، و ليستأنف العصر.

قلت: فإنّه نسي المغرب حتّى صلّىٰ ركعتين من العشاء، ثمّ ذكر.

قال‌

فليتمّ صلاته، ثمّ ليقض بعد المغرب.

قال قلت له: جعلت فداك، قلت حين نسي الظهر، ثمّ ذكر و هو في العصر‌

يجعلها الاولىٰ ثمّ ليستأنف

و قلت لهذا‌

يتمّ صلاته

بعد المغرب؟! فقال‌

ليس هذا مثل هذا؛ إنّ العصر ليس بعدها صلاة، و العشاء بعدها صلاة (1).

و يؤيّد ذلك أنّ أكثر الروايات في المسألة، مشتملة علىٰ تجويز العدول من العصر إلى الظهر (2)، و لم أجد فيها ما يدلّ على العدول من العشاء إلى المغرب، إلّا رواية زرارة (3).

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 279/ 1075، وسائل الشيعة 4: 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 4: 292 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 3 و 4 و 6.

(3) وسائل الشيعة 4: 290 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1.

151

و قال في «الوسائل»: «هذا محمول علىٰ تضيّق وقت العشاء دون العصر؛ لما تقدّم، لأنّ ذلك أوضح دلالة، و أوثق و أكثر، و هو الموافق لعمل الأصحاب» (1)، انتهىٰ.

و فيه: أنّ الرواية بذيلها تأبىٰ عنه، و مقتضى التعليل عموميّة الحكم، و ممنوعيّة العدول مطلقاً.

و المقصود من الجملة المذكورة، هو أنّ إتمام العصر، و الإتيان بعدها بالظهر، خلاف المشروع؛ لأنّ بعد العصر ليست صلاة، فعليه يعدل منها إلى الظهر، بخلاف العشاء، فإنّ بعدها صلاة الغداة، أو صلاة الليل، فالإتيان بالمغرب بعدها ليس ممنوعاً.

و لعلّ الوجه، هو أنّ الصلوات الخمس، مبدأها المغرب، و آخرها العصر، كما أنّ ذلك يساعده اعتبار تقديم اللّيل على النهار.

فبالجملة: تعارضت الروايتان، و لا تقبلان الجمع العرفيّ.

و توهّم الشبهة في سندها؛ للإشكال في الحسن بن زياد (2)، في محلّه (3)، إلّا أنّ ابن مُسْكان من أصحاب الإجماع (4)، و إن كان في حجّية إجماع الكشّي علىٰ تصحيح ما صحّ عنهم (5)، شبهة بل منع.

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 293، ذيل الحديث 5.

(2) لاحظ مستمسك العروة الوثقىٰ 5: 89 و 90، التنقيح في شرح العروة الوثقى، الصلاة 1: 291.

(3) لعدم توثيقه، لاحظ معجم رجال الحديث 4: 331/ 2826.

(4) لاحظ اختيار معرفة الرجال 2: 673/ 705، تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام).

(5) لاحظ اختيار معرفة الرجال 2: 507/ 431 و ص 673/ 705 وص 830/ 1050.

152

و على التقديرين، تكون الرواية معرضاً عنها، غير مفتى بها، فلا تقاوم رواية زرارة (1)، حتّى تكون المسألة من صغريات تعارض الحجّتين، بل المسألة من صغريات معارضة الحجّة بلا حجّة، كما لا يخفى.

الجهة الثانية: في عدم وجوب العدول من اللّاحقة إلى السابقة

هل يجب العدول من اللّاحقة إلى السابقة، أو لا؟ فيه وجهان:

ظاهر الأصحاب هو الأوّل (2)، و هو صريح الفقيه اليزديّ (3)، و تبعه الآخرون (4).

و اختلفوا في مواضع الوجوب، بعد الاتفاق عليه في مسألتنا (5)؛ و هي المترتبان بالأصالة: أدائيّة كانت، أو قضائيّة.

و وجه اختلافهم في سائر مواقف العدول، اختلاف مبناهم في مسائل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 290 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1.

(2) شرائع الإسلام 1: 64 و 79 و 121، لاحظ مفتاح الكرامة 2: 47/ السطر 23، جواهر الكلام 13: 106.

(3) العروة الوثقىٰ 1: 623، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 20، الثالث من موارد العدول.

(4) العروة الوثقىٰ 1: 623، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 20، الثالث من موارد العدول، لاحظ أيضاً: تحرير الوسيلة 1: 159، المسألة 12، منهاج الصالحين، الخوئي (ره) 1: 156، المسألة 579.

(5) مدارك الأحكام 3: 317، جامع المقاصد 2: 33، مفتاح الكرامة 2: 47، جواهر الكلام 7: 314.

153

صلاة القضاء، و الترتيب بين الصلوات (1)، و وجه اختيارهم الوجوب هنا، ظهور الأوامر فيه.

و قد يشكل ذلك؛ لأجل منع الظهور، ضرورة أنّ الأوامر و النواهي في المركّبات و حدود الطبائع المركّبة، ناظرة إلى الإرشاد إلى الصحّة، و طريقُ التصحيح؛ و ما هو الدخيل في صحّة الطبيعة، و ما هو الموجب لفسادها، و نفس الموضوع في هذه المسائل، تقصر عن قبول الإيجاب و التحريم التكليفيّين إلّا مع النصّ.

و لأجل تلك النكتة قلنا: إنّ العمل بأدلّة الشكوك أيضاً، ليس من الواجبات الشرعيّة، و هكذا تبعيّة المأموم للإمام في الجماعة؛ فإنّ الأوامر الباعثة نحو التبعيّة، مرشدة إلىٰ أنّ الجماعة مبنيّة عليها، و المخالفةَ معها تضادّ بناءها، و لذلك اخترنا هناك، بطلانَ جماعة المتخلّف العامد و لو بعمل واحد؛ فإنّ ترك التبعيّة عمداً، يضادّ بناء الجماعة، و أدلّة العدول و الشكوك، أيضاً ناظرة إلىٰ تصحيح العمل.

نعم، لو كان إبطال العمل محرّماً، فترك العمل بتلك الأدلّة نوع إبطال.

و بعبارة اخرىٰ: لا وجوب شرعيّ للعدول حتّى يلزم التخلّف عقابان؛ لترك العدول، و لإبطال العمل القابل للتصحيح، مع عدم التزامهم بذلك عادة، فلو ترك العمل باختيار العدول، و رفع اليد عن صلاته التي بيده، و شرع في الأُولىٰ، فقد تخلّف النهي عن إبطال العمل، دون الأمر بالعدول؛

____________

(1) مدارك الأحكام 4: 303، جامع المقاصد 2: 495، جواهر الكلام 13: 106، مصباح الفقيه، الصلاة: 615/ السطر 24.

154

فإنّه ربّما يكون من مترشّحات تلك المسألة.

و توهّم عدم التزام الأصحاب بحرمة إبطال العمل القابل للتصحيح، في غير محلّه، و قد مرّ (1) أنّهم أوجبوا العمل بالشكوك في أماكن التخيير؛ فيما لو شرع في القصر، ثمّ بعد إكمال السجدتين شكّ بين الثلاث و الأربع (2)، و ليس ذلك إلّا لتلك الجهة، فتدبّر.

تقديم العدول علىٰ تتميم العصر و العشاء

ثمّ إنّ الهيئة في الأخبار الآمرة بالعدول (3)، إذا لوحظت مع الروايات الظاهرة في النهي عنه (4)، لا تكون قابلة لإفادة الإيجاب التكليفيّ، و هكذا بعد ملاحظتها مع المآثير المتعرّضة لمسائل النيّة؛ و أنّ‌

الأعمال بالنيّات (5)

و إمكانُ إتمام دلالتها، لا يكفي لصحّة الاستناد إليها.

فبالجملة: يدور الأمر بين العدول و الإتيان بالأُولىٰ، و إبطال العمل و الشروع فيها، فإن قلنا بحرمته يتعيّن الأوّل، و إلّا فهو بالخيار.

و أمّا توهّم جواز الإتمام بعنوان الثانية، و صحّتها عصراً؛ ظنّاً أنّ أوامر‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 65 66.

(2) مفتاح الكرامة 3: 494 495، جواهر الكلام 12: 308، الخلل في الصلاة، الشيخ الأنصاري: 281، الصلاة، الحائري: 379، تحرير الوسيلة 1: 158 فصل في النيّة، المسألة 7.

(3) وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63.

(4) تقدّم في الصفحة 146.

(5) وسائل الشيعة 1: 46، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 5.

155

العدول (1) مرخّصة له، و قولَه (عليه السّلام)

إنّما يحسب للعبد .. (2)

مرخّص لجواز الإتمام، و بذلك يجمع بين المتعارضات من الروايات، فهو ممنوع؛ للزوم الإخلال بالترتيب.

و توهّم: أنّ الترتيب واجب بين الطبيعتين دون الأجزاء وجوباً شرطيّاً ذكريّاً، في غير محلّه؛ لأنّ أخبار العدول المرخّصة له، ناظرة إلىٰ كيفيّة تصحيح العمل من جهة الإخلال بالترتيب، و لذلك رخّص العدول من اللّاحقة إلى السابقة، دون العكس، و حينئذٍ يعلم منها لزوم الترتيب بين الطبيعتين و الأجزاء، فالإتمام عصراً غير جائز.

بل التحقيق: أنّ أخبار الترتيب (3)، تفيد وجوبه بين الطبيعتين المطلقتين، لا المهملتين؛ أي الطبيعة التي ليست إلّا الأجزاء، لا الطبيعة التي تقابل الأجزاء، حتّى يمكن اختلافهما في الحكم.

و المسألة بوجهها العلميّ، تطلب من محالّها، و قد أوضحناها في رسالة‌

لا تعاد (4)

و قلنا هناك: شبهة أنّ الصلاة الواجدة للخمسة إجمالًا، تكون صحيحة؛ لأنّ الشرائط تقاس إلى الطبائع، و الطبيعة الواجدة بجزءٍ منها للشرط، تكون واجدة له، كما قيل به في شرط‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63.

(2) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 3.

(3) وسائل الشيعة 4: 125 131، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 4، الحديث 5 و 7 و 20 و 21.

(4) رسالة في «قاعدة لا تعاد»، للمؤلف (قدّس سرّه)، (مفقودة).

156

الترتيب، فلا تغفل.

فتحصّل: أنّ الإتمام عصراً، خلاف أوامر العدول على التقديرين؛ التكليفيّ و الوضعيّ، و قد عرفت أنّ قوله (عليه السّلام)

إنّما يحسب ..

لا إطلاق له بالنسبة إلى الصلاة الواقعة في غير مقامها (1)، كما لا يخفى.

و ربّما يمكن دعوى: أنّه لو كان وجوب العدول تكليفاً صرفاً، يلزم صحّة الثانية لو أتمّها بعنوانها، و حيث اختار الأصحاب ذلك، فعليه اختيار صحّتها لو عصىٰ و أتمّها عشاءً أو عصراً، مع عدم التزامهم بذلك قطعاً.

و هي مدفوعة؛ لعدم الملازمة، لأنّ من الممكن وجوب العدول، و إذا عدل صحّت الاولىٰ؛ لحصول الشرط، و إذا عصىٰ لم تصحّ الثانية؛ لفقده، بل إذا أتمّها بعنوانها عصىٰ ثانياً، فعليه إبطالها، بل هي باطلة.

نعم، هذا يورث ظهور تلك الأوامر؛ في الإرشاد إلى أنّ بالعدول يحصل الشرط، و لو كانت تلك الأوامر ناشئة من حصول الشرط بذلك؛ و أنّ ما هو الشرط ليس أزيد من تلبّس الطبيعة ابتداءً أو اختتاماً بالنيّة، يلزم جواز العدول في غير مواقف النصوص أيضاً، فليتدبّر جيّداً.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 148.

157

الجهة الثالثة: في الفروع المتعلّقة بمسألة العدول

الأوّل: فيمن عدل بتخيّل عدم الإتيان بالأُولى ثم بان خلافه

لو عدل بتخيّل أنّه لم يأتِ بالأُولىٰ فأتمّ، ثمّ تبيّن أنّه أتى بها، فهل يقع عصراً، أو تكون باطلة و عليه العصر؟ فيه وجوه:

بطلانها؛ للإخلال بالنيّة (1).

و الصحّة (2)؛ لأنّها‌

علىٰ ما افتتحت

و لا دليل على اشتراط الزائد عليه.

و التفصيل بينما لو كان تخيّله بحيث إذا سئل لأجاب: «بأنّه يصلّي العصر» و بين الغفلة المحضة، فعلى الأوّل تصحّ، دون الثاني.

أو التفصيل بينما لو تذكّر في الأثناء و بعدها، فعلى الثاني تكون باطلة، و على الأوّل يفصّل بينما إذا لم يأتِ بشي‌ء بعنوان الظهر، و ما لو أتى به بعنوانه، فيبطل على الثاني، دون الأوّل (3).

و قد يفصّل في هذه الصورة؛ بينما لو تذكّر بعد الدخول في الركن، و قبله، فعلى الأوّل تبطل، دون الثاني؛ لأنّه يتمكّن من تدارك ما أتى به-

____________

(1) مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 48.

(2) لاحظ جواهر الكلام 9: 199، العروة الوثقىٰ 1: 624، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 25.

(3) العروة الوثقىٰ 1: 625، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، التعليقة 1 و 2، للسيّد الميلاني و الشاهرودي و الگلبايگاني.

158

بعنوان الظهر ثانياً بعنوان العصر (1).

قال الفقيه اليزديّ: «لو عدل بزعم تحقّق موضع العدول، فبان الخلاف بعد الفراغ، أو في الأثناء، لا يبعد صحّتها على النيّة الأُولىٰ، كما إذا عدل بالعصر إلى الظهر، ثمّ بان أنّه صلّاها، فإنّها تصحّ عصراً» (2).

و هذا خلاف ما اختاره في المسائل السابقة، حيث قال: «يجب استدامة النيّة إلىٰ آخر الصلاة؛ بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرّة» (3).

اللّهمّ إلّا أن يحمل كلامه علىٰ بعض الوجوه السابقة، أو علىٰ أنّه يفصّل بين الصلاة بلا نيّة، أو الصلاة مع النيّة المخالفة، و فيه ما لا يخفىٰ.

التفصيل بين ترك نيّة الظهريّة و نيّة الصلاتيّة

و ربّما يمكن أن يقال: بالتفصيل بين الإخلال بالنيّة التي تكون من قبيل العصريّة و الظهريّة، و التي تكون من قبيل عنوان الطبيعة؛ و هي الصلاة، فلو تذكّر بعد الفراغ أو في الأثناء؛ أنّه افتتح صلاته عصراً و أتمّها ظهراً، فلا شي‌ء عليه؛ لقوله (عليه السّلام)

إنّما يحسب للعبد .. (4).

و أمّا لو تذكّر أنّه أتمّها بعنوان غير الصلاة، بعد الشروع فيها عصراً، فهي باطلة؛ لعدم شمول عموم الحديث مثلَ ذلك، مع عدم شمول عموم قاعدة‌

____________

(1) تحرير الوسيلة 1: 160، المسألة 13.

(2) العروة الوثقىٰ 1: 624، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 25.

(3) العروة الوثقىٰ 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النيّة، المسألة 15.

(4) تهذيب الأحكام 2: 343/ 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النيّة، الباب 2، الحديث 3.