الواجبات في الصلاة

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
239 /
212

المنافيات.

نعم، بعد تكبيرة الإحرام و هي السابعة مثلًا، يحرم عليه أُمور، فعلى هذا لا بدّ من القصد الخاصّ، و لا يكفي مجرّد التكبير بعنوان الافتتاح، كما لا يخفىٰ.

هل يتحقّق الدخول في الصلاة بالتكبيرة الأخيرة أم لا؟

و حيث أنّ المسألة موقوفة علىٰ ذكر الحقّ في بحث التكبيرات الافتتاحيّة، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلىٰ أخبارها، و الأقوال فيها، و هي كثيرة، و منشأ اختلافهم تشتّت النصوص، و لا جهة أُخرى فيها حتّى تكون هي المرجع بعدها:

فمنها: معتبرة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال‌

التكبير في الصلاة الفرض الخمس الصلوات، خمس و تسعون تكبيرة، منها تكبيرة القنوت خمسة (1).

و هي تدلّ على أنّها خارجة منها، و أنّ ما به يدخل فيها هي الأخيرة، و إلّا لو صحّ الدخول بغيرها، يلزم زيادتها عليه.

و مثلها رواية الصباح المزنيّ، عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) (2).

و على ما في رواية عبد اللّٰه بن المغيرة من زيادة قوله: و فسرهنّ‌

____________

(1) الكافي 3: 310/ 5، تهذيب الأحكام 2: 87/ 323، وسائل الشيعة 6: 18، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 5، الحديث 1.

(2) الخصال: 593/ 3، تهذيب الأحكام 2: 87/ 325، وسائل الشيعة 6: 18، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 5، الحديث 3.

213

في الظهر إحدىٰ و عشرين تكبيرة، و في العصر إحدىٰ و عشرين تكبيرة، و في المغرب ستّ عشرة تكبيرة، و في العشاء الآخرة إحدىٰ و عشرين تكبيرة، و في الفجر إحدى عشرة تكبيرة، و خمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات .. (1)

تكون دلالتها على أنّها خارجة عنها، و لا يصحّ الدخول فيها بغير الأخيرة؛ للزوم ازديادها عليها، و هذا هو الأحوط، و عليه البناء العمليّ، و هو المغروس.

و الدخول فيها بالأُولىٰ من غير كونها تكبيرة الإحرام ينافي ذلك؛ لاشتمالها على التكبيرة الواجبة و المندوبة.

نعم، هذا غير منافٍ لمقالة والد المجلسيّ التقيّ النقيّ (رحمه اللّٰه)، حيث اختار أنّها بمجموعها يحصل الدخول، و تكون أجزاؤها بمنزلة حروف التكبيرة الواحدة (2)، و قد كنّا في سالف الزمان نقوّي ذلك.

و منها: معتبرة حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال‌

إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) كان في الصلاة، و إلى جانبه الحسين بن عليّ، فكبّر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فلم يُحِر الحسين بالتكبير، ثمّ كبّر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فلم يُحِر الحسين بالتكبير، فلم يزل رسول اللّٰه يكبّر و يعالج الحسين (عليه السّلام) التكبير فلم يُحِر، حتّى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين (عليه السّلام) التكبيرَ في السابعة.

فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام)

فصارت سُنّة (3).

____________

(1) الكافي 3: 310/ 6، تهذيب الأحكام 2: 87/ 324، وسائل الشيعة 6: 18، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 5، الحديث 2.

(2) روضة المتّقين 2: 284، بحار الأنوار 81: 357.

(3) تهذيب الأحكام 2: 67/ 243، وسائل الشيعة 6: 20، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 1.

214

و قريب منها معتبرة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) (1) و ما فيهما من التهافت إجمالًا في نقل القضيّة، ربّما يمكن جمعهما كما لا يخفى.

و هي تدلّ علىٰ أنّ الاولىٰ تكبيرة الإحرام، و الستَّ الباقية بعد الدخول فيها؛ لما أنّ الظاهر من عمل الرسول، تكبيره للصلاة؛ لأنّه كان أوجزهم صلاة، و لمّا اتّفق ذلك كرّرها؛ ليعالج الحسين (عليه السّلام) فالاخريات وقعت فيها، فيعلم منها جواز الإتيان بالستّ بعد الدخول فيها، و هي خلاف مقالة المجلسي (رحمه اللّٰه) أيضاً؛ لما ترى من ظهورها في عوده (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

بل في رواية زرارة قال‌

فلمّا سمع رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) تكبيره عاد فكبّر، فكبّر الحسين (عليه السّلام) حتّى كبّر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سبعَ تكبيرات، و كبّر الحسين (عليه السّلام) فجرت السنّة بذلك (2).

فإنّها صريحة في أنّ الإحرام، يحصل بالأُولىٰ.

و لعمري، دعوى ظهورها في أنّ الإحرام يحصل بالوتر، و يبطل بالشفع، غير ممنوعة.

و ربّما كان المستحبّ، الافتتاح بالأُولىٰ، ثمّ إبطالها بالثانية، و الدخول بالثالثة و هكذا.

و إليه يومىٰ ما في «الخصال» بسنده المعتبر، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال‌

أدنىٰ ما يجزي من التكبير في التوجّه إلى الصلاة، تكبيرة

____________

(1) الفقيه 1: 199/ 918، علل الشرائع: 332/ 2، الباب 30، وسائل الشيعة 6: 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 4.

(2) المصدر السابق.

215

واحدة، و ثلاث تكبيرات، و خمس و سبع أفضل (1).

فإنّه لا وجه للإتيان بالأوتار دون الأشفاع، إلّا أنّ بالشفع يخرج منها، و بالوتر يدخل فيها. و هذا الخروج و الدخول لأجل التهيّؤ للتشرّف بالتوجّه التامّ.

و هذا الاحتمال و إن لم يقل به أحد، إلّا أنّه غير بعيد، و إن لم يساعده سائر النصوص و الأخبار.

و منها: رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال‌

إذا افتتحت الصلاة فكبّر؛ إن شئت واحدة، و إن شئت ثلاثاً، و إن شئت خمساً، و إن شئت سبعاً، و كلّ ذلك مجزٍ عنك، غير أنّك إذا كنت إماماً، لم تجهر إلّا بتكبيرة (2).

و هذه الرواية ظاهرة في مقالة المجلسي الأوّل (رحمه اللّٰه) (3) و أن بها يحصل الافتتاح، و لا شي‌ءٌ زائداً علىٰ قصد الافتتاح شرطاً.

بل قوله (عليه السّلام) علىٰ ما فيها-

لم تجهر إلّا بتكبيرة

يقتضي بإطلاقه عدم الفرق بين الإجهار بالأُولىٰ، أو الوسطىٰ، أو الآخرة، و هذا يشهد على استواء التكبيرات، و لا ينوي بالستّ منها أمراً، و بالأُخرى الدخولَ فيها كما لا يخفى.

و يؤيّده رواية ابن شاذان، عن الرضا (عليه السّلام) حيث قال‌

إنّما صارت

____________

(1) الخصال: 347/ 19، وسائل الشيعة 6: 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 9.

(2) تهذيب الأحكام 2: 66/ 239، وسائل الشيعة 6: 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 3.

(3) تقدّم تخريجه في الصفحة 90، الهامش 2.

216

التكبيرات في أوّل الصلاة سبعاً؛ لأنّ أصل الصلاة ركعتان، و استفتاحهما بسبع تكبيرات (1).

بل قوله (عليه السّلام)

في أوّل الصلاة

كالنصّ في أنّها منها؛ لأنّ أوّل الشي‌ء داخل فيه.

و لا يحضرني مرامه (رحمه اللّٰه) من أنّه هل اختار التخيير، و إمكانَ الإحرام بالمجموع، أو اختار أنّه يتبع الواقع؛ إن كبّر لها مرّة فهو يحصل بها، و إن كبّر أكثر فيه يدخل فيها، من غير دخالة القصد؟ و هذا هو الذي كنّا نعتقده في سالف الزمان.

و إن شئت قلت: يجب قصد الصلاة و الإتيان بالأجزاء بعنوانها، لا بالعناوين الخاصّة الأُخر، و لا يلزم قصد الجزئيّة أو قصد الجزء الواجب.

بل مقتضىٰ ما تحرّر منّا (2): أنّ قصد الجزئيّة يضرّ؛ لأنّها تباين الكلّ الذي هو المقصود ذاتاً و عنواناً، فلا يجب حين الشروع إلّا قصد الصلاة الخاصّة، فإذا كبّر لها و قرأ بعدها، فقد دخل في الصلاة بها، و لو كبّر مرّات و قرأ دخل فيها بها أيضاً؛ لأنّ ما هو الجزء ليس خصوصيّة الوحدة و الكثرة، بل هو التكبير ليس إلّا، أما ترى من نفسك أنّك لست فيها إلّا بعد الأخيرة، فهو لأجل اعتقادك الخلاف، و إلّا بعد مراجعة الأخبار، ربّما كانت هي ظاهرة في الدخول فيها بالشروع في التكبيرات، التي يأتي بها بعنوان الصلاة.

و توهّم اشتراط النيّة الأُخرىٰ بعنوان نيّة الإحرام- زائداً على الافتتاح‌

____________

(1) الفقيه 1: 200/ 920، وسائل الشيعة 6: 22، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 6.

(2) تقدّم في الصفحة 167.

217

كتوهّم اشتراط نيّة الافتتاح، فإنّهما غير لازمين، بل اللّازم اتصاف التكبيرة ب‍ «أنّها للصلاة الكذائيّة» و إن كان غافلًا عن عناوين «الافتتاح و الإحرام».

و السرّ في ذلك: أنّ «الاستفتاح» من العناوين القهريّة الحاصلة من الدخول في الصلاة، و أنّ الإحرام ليس شرطاً للزوم العلم الإجماليّ بالمنافيات، و أنّه لو أتى بها بدونها واقعاً، ليست صحيحة؛ لأنّ قصد الإحرام، لا يحصل إلّا بالعلم بأنّ بالصلاة تحرّم أشياء و أُموراً، و الالتزام به مشكل جدّاً.

و منها: الأخبار الكثيرة المشتملة على استفتاح الصلاة بالتكبيرات، و افتتاحِها بها، و تلك النصوص متفرّقة في الأبواب المختلفة (1). و لعلّ النظر فيها يؤدّي إلىٰ إجمالها من تلك الجهة؛ و أنّ تلك التكبيرات من الأجزاء أو لا.

و على الأوّل: من الأجزاء الواجبة بوجودها، أو لا من المستحبّات بإتيانها، كالتسليم الثاني، فإنّه عند وجوده يعدّ من الجزء المستحبّي.

و توهّم دلالتها علىٰ أنّ الكلّ داخل فيها، في غير محلّه، بل مفاد الافتتاح و الاستفتاح أنسب إلى الاشتغال بالأُمور الخارجة عن المفتوح كما لا يخفى من الاشتغال بالأُمور الداخلة فيه.

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 465، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 10، وسائل الشيعة 6: 21 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 2 و 6 و 7، وسائل الشيعة 6: 24، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 8، الحديث 1.

218

الأقوال و المحتملات في التكبيرات الافتتاحية

فبالجملة: إنّ في المسألة احتمالات و أقوالًا:

قال الفقيه اليزديّ: «يستحبّ الإتيان بستّ تكبيرات، مضافاً إلى تكبيرة الإحرام، فيكون المجموع سبعاً، و تسمّىٰ: التكبيرات الافتتاحيّة، و يجوز الاقتصار على الخمس، و على الثلاث، و لا يبعد التخيير في تعيين تكبيرة الإحرام في أيّتها شاء، بل نيّة الإحرام بالجميع أيضاً، لكنّ الأحوط اختيار الأخيرة. و لا يكفي قصد الافتتاح بأحدها المبهم من غير تعيين» (1).

ثمّ قال: «لمّا كان في مسألة تعيين تكبيرة الإحرام إذا أتى بالسبع أو الخمس أو الثلاث احتمالات، بل و أقوال: تعيين الأوّل، و تعيين الأخير، و التخيير، و الجميع، فالأولىٰ لمن أراد إحراز جميع الاحتمالات، و مراعاةَ الاحتياط من جميع الجهات، أن يأتي بها بقصد أنّه إن كان الحكم هو التخيير، فالافتتاح هو كذا، و يعيّن في قلبه ما شاء، و إلّا فهو ما عند اللّٰه من الأوّل، أو الأخير، أو الجميع» (2) انتهىٰ.

و أنت خبير بما فيه من جهات شتّىٰ:

أوّلًا: أنّ نيّة تكبيرة الإحرام بعنوانها، ممّا لا دليل عليها، كما مضى سبيله (3)، بل نيّة الصلاة و الإتيان بها بعنوانها، يكفي و إن كان جاهلًا‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 629، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، المسألة 10 و 11.

(2) نفس المصدر.

(3) تقدّم في الصفحة 216.

219

بمحرّمية شي‌ءٍ فيها؛ حتّى لا يتمشّى منه قصدها.

و ثانياً: اختصاص جواز الاقتصار بالأوتار، ممّا لا دليل عليه، و لا يكفي ما في الروايات من ذكر الأوتار لحصر المشروعيّة به؛ بعد ظهورها في الفضيلة، و احتمالِ كونها من باب‌

إنّ اللّٰه وتر يحبّ الوتر (1)

و لأجله لا يقصر الجواز في التسبيحات الثلاثة المتعارفة في الصلاة، فالإتيان بعنوانها أشفاعاً، ممّا لا بأس به على الأظهر.

و ثالثاً: التخيير في تعيين أيّها شاء تكبيرةَ الإحرام مع استلزام وقوع بعضها خارج الصلاة، و بعضها في الصلاة ممّا لا شاهد له في أخبار المسألة؛ لما عرفت أنّ الطوائف المختلفة منها، لا تشتمل علىٰ ما يكون ظاهراً في التخيير (2).

و توهّم دلالة رواية أبي بصير (3) عليه، في غير محلّه؛ فإنّها تدلّ علىٰ حصول الورود فيها قهراً بها، و لا تدلّ علىٰ أنّه بالخيار في اختيار ما يدخل بها في الصلاة، بل هي تدلّ علىٰ مقالة المجلسيّ (رحمه اللّٰه) و أنّه بما كبّر به افتتحت الصلاة عليه، فلا ينبغي توهّم دلالتها على التخيير بالمعنى المذكور.

و توهّم: أنّ التخيير مقتضى الجمع بين الأخبار ممنوع؛ لأنّ الطائفة الأُولىٰ تدلّ علىٰ أنّ تكبيرات الصلوات خمس و تسعون، و عليه يلزم ازديادها عليها. مع أنّ ظاهر عمل النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) هو العود إلى التكبيرة الأُولىٰ‌

____________

(1) الكافي 3: 25/ 4، وسائل الشيعة 1: 387، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 15، الحديث 2.

(2) تقدّم في الصفحة 212 216.

(3) تقدّم تخريجها في الصفحة 215.

220

و الاستئناف، و هذا أيضاً غير مناسب لاختيار التخيير.

و رابعاً: الاحتياط غير ممكن.

الأظهر هو الدخول بخصوص الأخيرة

و الّذي يظهر لي: أنّ الطائفة الأُولىٰ، أقوى دلالة على المسألة من الاخريات، و قضيّة الجمع بين الروايات، هو اختيار أنّ الستّ السابقة خارجة عن الصلاة، و ما يفتتح به الصلاة أي يقصد به عنوان «الصلاة» هي الأخيرة، و لا شي‌ء زائداً عليه شرطاً حال الإتيان بتكبيرة الإحرام.

و ما نسب (1) إلى المجلسيّ الأوّل (2) و هو المختار سابقاً مع الاختلاف في جهة كما عرفت (3) ربّما لا يمكن الالتزام به؛ لأنّ الأجزاء الداخلة في الطبيعة، لا بدّ من تقديرها فيها حين اختراعها، ثمّ بعد ذلك يتوجّه الأمر إليه، و يوجدها المأمور في الخارج، و ما اشتهر من تبعات الوجود دون الطبيعة في المسائل الاعتباريّة (4)، ممّا لا أساس له، و يكون من الخلط بين التكوين و التشريع.

فعلى هذا، التي هي جزء الطبيعة؛ إمّا نفس طبيعة التكبيرة، أو هي مع الخصوصيّة، لا سبيل إلى الأوّل.

فتلك الخصوصيّة إمّا خصوصيّة الوحدة، أو الكثرة، فإن كانت‌

____________

(1) مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 74.

(2) روضة المتّقين 2: 284. و لاحظ أيضاً بحار الأنوار 81: 357.

(3) تقدّم في الصفحة 215 216.

(4) لاحظ مصباح الفقيه، الصلاة: 245/ السطر 8، مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 75.

221

الأُولىٰ فالثانية خارجة، و إلّا فهي داخلة.

و على الفرض الثاني، إمّا اعتبرت علىٰ نعت الجزئيّة الوجوبيّة، أو الندبيّة، فلا يعقل كون الجزء تابعاً لإيجاد المكلّف؛ إن أتى به فهو جزء، و إلّا فلا، كما في الأبنية، فإنّ المأمور به فيها ليس مضيّقاً، بخلافه هنا.

و لو أمكن فرضاً ذلك، فهو في الأجزاء الندبيّة، دون الوجوبيّة. فتوهّم اتصاف السبع بالتكبيرة الواجبة و بالجزء الوجوبيّ، في غير محلّه، فتأمّل.

و بالجملة: رواية أبي بصير (1) لا تنافي ظهور الطائفة الأُولىٰ؛ لأنّه إن شاء كبّر واحدة، و إن شاء كبّر ثلاثاً، و هكذا ليس فيها: «أنّها من الصلاة».

و قوله (عليه السّلام) في جميع الرواية‌

إذا افتتحت الصلاة

أو‌

افتتاح الصلاة (2)

ليس معناه إلّا إرادة الصلاة، و الاشتغال بها و إتيانها، و إلّا يلزم علىٰ حسب رواية أبي بصير أن تكون التكبيرات ثمانياً؛ لما فيها أنّه (عليه السّلام) قال‌

إذا افتتحت الصلاة فكبّر إن شئت فواحدة ..

إلى آخره.

فالمراد من‌

الافتتاح

أمر أعمّ من الدخول في الصلاة، و لذلك عدّ الوضوء افتتاح الصلاة (3). و لعمري، إنّ منشأ اختلاف الأقوال، ربّما كان ذلك.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 66/ 239، وسائل الشيعة 6: 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 9.

(2) تقدّم في الصفحة 215 217.

(3) الكافي 3: 69/ 2، وسائل الشيعة 6: 11، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 1، الحديث 10.

222

حول ما ورد في تكبير رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)

و لو فرغنا عن هذه الطائفة، و روايةِ أبي بصير، تبقى الطائفة الثانية الحاكية لصنع رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) (1) و هي لا تدلّ علىٰ ما في قلبه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بل هي تدلّ علىٰ عمله الخارجيّ؛ و أنّه كبّر سبع مرّات، و أمّا أنّه كبّر للصلاة سبعاً، أو لأمر آخر، فهو غير مدلول عليه.

بل رواية حفص (2) تدلّ علىٰ أنّه كان يكبّر و يعالج الحسين (عليه السّلام) فيعلم منه أنّها ليست للصلاة، و إلّا يلزم ما لا يلتزم به كما لا يخفى. و الوجه لتوهّم دخوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في الصلاة، هو كلمة‌

الافتتاح

و قد مضى (3) أنّها لا دلالة لها على الدخول فيها، بعد كثرة استعمالها في الوضوء.

و قوله (عليه السّلام) في رواية ابن شاذان‌

إنّما صارت التكبيرات في أوّل الصلاة سبعاً (4)

لا شهادة له علىٰ أنّها منها؛ لأنّ أوّل الصلاة و إن كان داخلًا فيها، إلّا أنّ استعماله في مقدّماتها، ليس من الاستعمال البعيد، بعد ظهور الطائفة الاولىٰ في أنّها تشتمل علىٰ تكبيرات معلومة و معدودة فيها، فليراجعها.

فالإنصاف: أنّ الأخبار الأُخر، لا ظهور قويّ لها في المعنى الآخر المخالف لمفاد الطائفة الأُولىٰ، و مقتضى الصناعة و هو الأحوط أنّها‌

____________

(1) تقدّم تخريجها في الصفحة 213 214.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) تقدّم تخريجها في الصفحة 216.

223

خارجة عنها، و مثل الأذان و الإقامة من المستحبّات اللّاحقة بها، و لا يجوز الدخول بغير الأخيرة فيها.

نعم، الإتيان بألف تكبيرة في الصلاة حسن، و لكنّها ليست الافتتاحيّة المصطلحة.

و في توصيف التكبيرات ب‍ «الافتتاحيّات» شهادة علىٰ ما قوّيناه؛ فإنّ الحجب السبعة افتتحت بها، ثمّ صلّى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) (1) و لا يعقل فتح الباب الواحد مرّات، فما به يحصل الدخول في الصلاة هو الباب الأخير، و الستّ افتتاحيّة خارجة عنها.

و ممّا يشهد عليه قول الرضا عليه آلاف التحيّة و الثناء علىٰ ما في رواية ابن شاذان-

و استفتاحهما بسبع تكبيرات: تكبيرة الافتتاح، و تكبيرة الركوع .. (2)

فإنّ بعد الاستفتاح قال (عليه السّلام)

تكبيرة الافتتاح

فإنّه يعلم منه أنّ الستّ استفتاح، و الأخيرةَ افتتاح، فالستّ خارجة، و الأخيرة هي الافتتاحيّة واقعاً الداخلة فيها و المدخول بها، دون غيرها.

توهّم دلالة بعض الروايات على التخيير بين التكبيرات

و ربّما يخطر بالبال أن يقال: بأنّ في المسألة بعض روايات، يكون ظاهراً في التخيير بأيّهما شاء افتتح الصلاة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 22 و 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 5 و 7.

(2) الفقيه 1: 200/ 920، وسائل الشيعة 6: 22، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 6.

224

منها: ذيل رواية أبي بصير السابقة (1)، حيث قال‌

غير أنّك إذا كنت إماماً، لم تجهر إلّا بتكبيرة.

و منها: معتبرة الحلبي (رحمه اللّٰه)، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن أخفّ ما يكون من التكبير في الصلاة.

قال‌

ثلاث تكبيرات ..

إلىٰ أن قال‌

و إن كنت إماماً، فإنّه يجزيك أن تكبّر واحدة تجهر فيها، و تسرّ ستّاً (2).

و منها: غيرها ممّا يوافقها في المضمون (3).

و تقريب الاستدلال بها: هو أنّ التخيير في الجهر، يستلزم عادة التخيير في تكبيرة الإحرام؛ لتعارف الإتيان بها جهراً، مع استلزامه دخول المأموم في الجماعة لو اختار الجهر بغير تكبيرة الإحرام.

و فيه: أنّ هذه الروايات لا نظر لها إلىٰ تلك الجهة، و لعلّ رجحان اختيار الجهر بواحدة؛ لأجل الإتيان بتكبيرة الإحرام جهراً، و إلّا لو أجهر بالمجموع يلزم الإشكال المذكور، فافهم و تدبّر.

____________

(1) تقدّم تخريجها في الصفحة 215.

(2) تهذيب الأحكام 2: 287/ 1151، وسائل الشيعة 6: 33، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 12، الحديث 1.

(3) وسائل الشيعة 6: 33 و 34، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 12، الحديث 2 و 3 و 4.

225

الاستشكال في دلالة الطائفة الأُولىٰ على خروج التكبيرات الست

و ربّما يشكل دلالة الطائفة الأُولىٰ علىٰ خروج الستّ من الصلاة؛ لأنّها في مقام تعداد التكبيرات التي تكون من الصلاة من غير دخالة اختيار المكلّف؛ فإنّ للركوع تكبيرة سواء كبّر أو لم يكبّر، فهي لها بحسب التقدير، بخلاف الافتتاحيّة، فإنّها حسب الروايات الأُخر (1) باختيار المكلّف؛ إن شاء كبّر ثلاثاً، و إن شاء كبّر سبعاً، و عليه لا وجه لعدّها منها؛ لأنّه لو أتى بواحدة، تكون التكبيرات خمساً و تسعين، و لو أتى بسبع تزداد ثلاثين عليها، و حيث هو باختياره لا يعدّ منها.

نعم، هي تدلّ علىٰ أنّ الستّ الأُولىٰ، إذا أتى بها بعنوان الافتتاحيّة، ليست من الصلاة.

و بعبارة اخرىٰ: يعلم منها أنّ الافتتاحيّة، ليست من أجزاء الصلاة علىٰ جميع التقادير، و الرواية تعدّ ما هو منها علىٰ أيّ تقدير.

و فيه: أنّها و إن لا دلالة لها بحسب الفهم البدويّ إلّا على ما ذكر، و لكن بعد النظر في أخبارها، يعلم أنّها بصدد تعداد التكبيرات في الصلوات؛ و أنّها ليست أكثر من ذلك في حال من الحالات، و لذلك عدّ الصلاة التامّة من جميع الجهات؛ حتّى فرض التمام و الأربع ركعات، فلو كان من تقديره التعليقيّ ازديادها عليها؛ و أنّها ربّما تزداد عليها، لما كان أن يبيّن المسألة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 3.

226

بهذه الطريقة.

و بعبارة أُخرى: هي بإطلاقها تنفي إمكان ازديادها عليها، و تنفي التقدير التعليقيّ المستلزم لزيادتها عليها.

و ممّا يشهد على المختار، معتبرة زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام)

إذا كنت كبّرت في أوّل صلاتك بعد الاستفتاح بإحدى و عشرين تكبيرة، ثمّ نسيت التكبير كلّه و لم تكبّر، أجزأك التكبير الأوّل عن تكبير الصلاة كلّها (1).

فإنّها ظاهرة في الإتيان بها قبل الشروع في الصلاة، و الدخولِ فيها، فإنّ كلمة «الاستفتاح» هنا هو الوضوء، و ليس لك أن تقول: إنّها هي تكبيرة الإحرام؛ لقوله‌

أوّل صلاتك

كما لا يخفى.

فبالجملة: المفروغ عنه في الأخبار، أنّها يؤتىٰ بها قبل التي يدخل بها بعنوان الصلاة، و هذا هو المغروس في زماننا بين المتشرّعة، و هو المعمول به عند العاملين.

و منها: القيام

و هو على المشهور من أركانها (2)، فلو توجّه بعد الصلاة إلى أنّه كبّر جالساً، ثمّ قام و قرأ و ركع و أتى بجميع الأجزاء و الشرائط، يعيدها، و لم يحضرني المخالف فيه. و المسألة بتفصيلها تأتي في مسائل القيام إن شاء‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 144/ 564، وسائل الشيعة 6: 19، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 6، الحديث 1.

(2) لاحظ جواهر الكلام 9: 224، مصباح الفقيه، الصلاة: 250/ السطر 26، مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 63.

227

اللّٰه تعالىٰ.

و الذي يظهر لي الآن: أنّ القيام ليس من الواجبات المستقلّة كالركوع و القراءة، بل هو من واجبات الصلاة، كالتكبيرة و القراءة و الركوع، و لذلك لو أخلّ به، و أهوى إلى الأرض ليأخذ منها شيئاً، ثمّ رجع و أتى بالأجزاء حال القيام، صحّت صلاته. اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّ ذلك لأجل إهمال دليله، فليتدبّر.

فعدّ القيام من واجبات الصلاة، مع ترك الاستقرار في تعدادها، غير مبرهن؛ فإنّ الاستقرار لو كان من واجبات الأجزاء، فالقيام مثله، و مجرّد إمكان التفكيك لا يكفي، و التفصيل يأتي في محلّه.

و منها: الاستقرار

و قد ذهب الفقيه اليزديّ (رحمه اللّٰه) إلىٰ ركنيّته؛ و أنّ الإخلال به سهواً يورث الإعادة (1)، و استشكل الآخرون (2).

و غاية ما يمكن أن يقال لركنيّته: تقوّمها به، أو دعوى وجوبه حينها، و عدم جريان قاعدة‌

لا تعاد ..

بالنسبة إلىٰ مثلها، و عليه تبطل للإخلال. و الوجه لعدم جريانها، أنّ القاعدة ناظرة إلىٰ شرائط الصلاة و أجزائها، دون شرائط الأجزاء، و الاستقرار من شرائط التكبيرة، دون الصلاة، و إذا كان‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، المسألة 4.

(2) العروة الوثقىٰ 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، المسألة 4، لاحظ ما علّقه الأعلام على هذه المسألة، الصلاة (تقريرات المحقّق الداماد) الآملي 3: 403، مستمسك العروة الوثقىٰ 6: 62 و 63، مستند العروة الوثقىٰ 3: 130.

228

شرطاً واجباً على الإطلاق، تجب الإعادة.

و ربّما يخطر بالبال، دعوى التفصيل بينما لو تذكّر بعد التكبيرة الإخلال باستقرارها، و ما لو تذكّر بعد الفراغ أو في الأثناء؛ و ذلك لأنّه في الفرض الأوّل، ليس عوده إليها من إعادة الصلاة حتّى يُنفىٰ بها، بخلاف الصورتين الأخيرتين.

و الذي يظهر من الفقيه الأصفهانيّ، هو الشبهة في بطلانها بترك الاستقرار و لو عمداً (1)، فالمسألة علىٰ هذا، ذات أقوال و احتمالات.

و قد مرّ منّا تفصيل المحتملات في الاستقرار في مسائل الخلل (2)، و استظهرنا هناك بعد ذكر المحتملات الكثيرة البالغة إلىٰ سبعة أو ثمانية أنّه من شرائط الطبيعة دون الأجزاء، و مع الإخلال به في بعضها، فقد أخلّ بما لا يتمكّن من تداركه، فلو كان ركناً فعليه الإعادة، و إلّا فلا، و حيث لا دليل شرعاً علىٰ ركنيّته، و ما مرّ غير كافٍ، فلا تبطل الصلاة بإخلاله السهويّ.

نعم، الظاهر من مجموع الروايات في المسائل المربوطة بالصلاة في السفينة و غيرها (3)، أنّه شرط، لا بمعنى المقابل للمشي، حتّى يجوز عمداً حال الاضطراب، بل بالمعنى المقابل لهما. و التفصيل من جهة بحث الخلل، في محلّه.

____________

(1) وسيلة النجاة 1: 146، القول في تكبيرة الإحرام.

(2) الظاهر أنّ التفصيل مذكور في كتاب «الخلل في الصلاة» المكتوب بقم المشرّفة، و هو مفقود، و الذي يطبع في التراث هو الذي كتبه المصنف (رحمه اللّٰه) في النجف الأشرف.

(3) المرويّة في وسائل الشيعة 5: 504، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14.

229

عدم ركنية الاستقرار و إن أوجب تركه بطلان الصلاة أحياناً

و ربّما يمكن دعوى: أنّ الاضطراب الكثير، يخرج المصلّي عن صورة الصلاة، و اليسير منه غير مضرّ و لو عمداً، خصوصاً في مثل السفينة و نحوها الذي يكون لجهة طبيعيّة. و أمّا لو تعمّد إليه حال التكبيرة، فربّما لا تصحّ منها؛ لأنّه يعدّ لعباً بالصلاة.

و ربّما كان لأجل ذلك، وردت الروايات بجواز القعود في السفينة عند عدم استطاعة القيام (1)، مع أنّه فرض غير صحيح؛ لما ترى من الاستطاعة على القيام، فيعلم منه أنّ القيام المشوب بالاضطراب مضرّ؛ لما أنّه يلزم منه خروجه من صورة المصلّي.

و في رواية هارون بن حمزة الغنويّ: أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن الصلاة في السفينة.

فقال‌

إن كانت محمّلة ثقيلة إذا قمت فيها لم تتحرّك، فصلّ قائماً، و إن كانت خفيفة تكفّأ فصلّ قاعداً (2).

و هي صريحة في أنّ الاستقرار من شرائط الصلاة، و أنّ الاضطراب مضرّ، و هو شرط وجوبيّ لا وجه للاحتياط فيه. و أمّا ركنيّته فهي علىٰ ما سمعت واضحة، فليتدبّر.

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 504 و 505، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14، الحديث 1 و 2 و 10.

(2) الكافي 3: 442/ 4، الفقيه 1: 292/ 1329، وسائل الشيعة 5: 504، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14، الحديث 2.

230

و توهّم ضعف الرواية سنداً بيزيد بن إسحاق شعر (1)، في غير محلّه؛ لتوثيق الشهيد الثاني (2)، و تصحيح العلّامة (3) الطريق الذي هو فيه. مع أنّ الكشّي نقل دعاء الرضا (عليه السّلام) له، فانتقل من الوقف إلى الحقّ.

و توهّم: أنّها من أيّام وقفه احتمالًا، في محلّه، إلّا أنّه لا يضرّ؛ لأنّ دعاءه له يكشف عن حبّه (عليه السّلام) له، و هو يعلن عدالته، فضلًا عن وثاقته كما لا يخفى. فالشبهة في وجوب الاستقرار إجمالًا، في غير محلّها.

و أمّا كونه ركناً، فهو ممّا لا دليل عليه إلّا علىٰ رجوع تركه إلى الإخلال بصورتها اسماً عرفاً، و ما مرّ من الأقوال و المحتملات ممّا لا ترجع إلى المحصّل.

و توهّم: أنّ الاستقرار لو كان شرط الطبيعة دون الأجزاء، يلزم عدم جواز الإخلال به في الأكوان المتخلّلة، في غير مقامه؛ ضرورة أنّ الاستقرار شرطها، إلّا أنّه ربّما لا يكون إطلاق لدليله.

هذا مع أنّ الاضطراب العمديّ في تلك الأكوان، مبطل قطعاً، و ما ليس مبطلًا هو التقدّم بقدم و التأخّر، و هو ليس مضرّاً بالاستقرار؛ فإنّه مفهومه مقابل حركة المرتعش، دون أصل الحركة كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّه بنفسه ليس ركناً، إلّا أنّه بالإخلال به، ربّما تبطل الصلاة و لو كان سهواً؛ لانسلاب اسمها به، و هكذا مع العمد اليسير منه‌

____________

(1) انظر جامع الرواة 2: 542، مستند العروة الوثقىٰ 3: 129.

(2) الرعاية في علم الدراية: 377.

(3) رجال الحلّي: 279 فإنّه صحّح طريق الصدوق إلى هارون بن حمزة الغنوي و فيه يزيد بن إسحاق.

231

ربّما تبطل، و ربّما لا تبطل إذا كان لجهة عقلائيّة، لا طبيعيّة.

توهّم دلالة روايات الصلاة في السفينة علىٰ عدم وجوب الاستقرار

و دعوىٰ دلالة المآثير المشتملة علىٰ صحّة الصلاة في السفينة، و التحرّي للقبلة بجهده (1)، علىٰ عدم وجوب الاستقرار، غير مسموعة؛ لأنّها في مقام المزاحمة رجّحت جانب القبلة عليه.

مع أنّ الدور نحوها، ليس في الأماكن البعيدة بحيث يضرّ بالاستقرار؛ فإنّ السفينة الدائرة، تكون بوجه يتمكّن من الإتيان ببعض الصلاة نحو القبلة مستقرّاً غير دائر، ثمّ إذا دارت يدور، و هو أيضاً دفعيّ لا تدريجيّ، و ما هو المنافي للاستقرار هو التزلزل و الاضطراب و الدور التدريجيّ، دون الدفعيّ كما لا يخفى.

و منها: إظهارها و إيجادها من مخارج حروفها

أي على الوجه الصادق عليه قول: «اللّٰه أكبر» و أمّا سماع الغير و النفس- و لا سيّما استماعه من الاذن لا الحلق فهو غير مبرهن، و إن قال به الفقيه اليزديّ (رحمه اللّٰه)، و قال: «لو تكلّم بدون ذلك بأن لا يسمع نفسه تحقيقاً أو تقديراً لم يصحّ» (2).

نعم، من باب المقدّمة العلميّة، ربّما يجب ذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 506، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14، الحديث 9 و 10.

(2) العروة الوثقىٰ 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، المسألة 5.

232

و إن شئت قلت: لا يشترط صدق مفهوم «التكلّم و التلفّظ و النطق» بل اللّازم وجودها و إن لم يصدق العناوين المزبورة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّ بعضاً من الروايات الحاكية لصنع الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) تشتمل علىٰ حكايته بقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)

اللّٰه أكبر (1)

فربّما يعلم منه لزوم صدق النطق، فليتأمّل.

ثمّ إنّ ظاهره بطلانها مع الإخلال بالشرط المذكور، و هذا يستلزم ركنيّته؛ و أنّه لو تبيّن له بعد الصلاة، إتيانه بالتكبيرة فاقداً للشرط يعيد.

و فيه منع ظاهر؛ لأنّه إن أخلّ به بحيث ينكر وجودها فهو، و إلّا فلزوم الإعادة ممنوع؛ لأنّ عدم صدق «التلفّظ بها» لا يوجب فسادها ذاتاً، بل غايته يقتضي الإخلال بالوصف المذكور الواجب فرضاً فيها شرعاً. مع أنّك عرفت ما فيه.

فلو أتى بها فاقداً له، و تذكّر قبل الركوع، فالأحوط الأولى الإتيان ثانياً، و الإعراض عمّا أتى بها، و لا حاجة إلىٰ إحداث المنافي، كما مضى (2). هذا كلّه الشرائط الوجوبيّة المخصوصة بها.

و للصلاة شرائط أُخر تستند إليها، و قد خلط من قال باشتراط الاستقرار فيها (3)؛ فإنّها من شرائط الطبيعة. و أمّا الشرائط المستحبّة فلتطلب من الكتب المطوّلة، و يأتي بعض الشرائط الأُخر في الفروع الآتية.

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 20 و 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 7، الحديث 1 و 4.

(2) تقدّم في الصفحة 210.

(3) لاحظ العروة الوثقىٰ 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، المسألة 4.

233

الجهة الخامسة في الفروع المتعلّقة بها

الأوّل: في صحّة التكبيرة الثانية أحياناً

قد مضى أنّه لو كبّر للإحرام مثلًا، ثمّ زاد ثانياً للافتتاح، أنّ الثانية تصحّ، و لا يحتاج إلى الثالثة (1)؛ و ذلك لأنّ الإتيان بها بعنوانها الركنيّ، لا يعقل إلّا بالإعراض عن السابقة، أو الغفلة عن حاله، و على الأوّل يخرج من الصلاة بالإعراض القلبيّ.

و لو لم يكفِ ذلك، تكون الثانية مبطلة و صحيحة، و لا وجه لتوهّم عدم إمكان تعقّل الجمع بينهما؛ ضرورة أنّ الشي‌ء الواحد لا يكون صحيحاً و باطلًا، و لكنّه يمكن أن يكون مبطلًا و صحيحاً، و ليست التكبيرة الثانية مخرجة حتّى يتوهّم امتناعها؛ للزوم اتّحاد المُخرج و المُدخل، بل هي- كالقهقهة مبطلة، فكما أنّ الصلاة بالقهقهة تبطل، مع أنّ القهقهة ليست‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 208.

234

في الصلاة، بل هي تنعدم بوجودها، كذلك التكبيرة الثانية ليست في الصلاة، بل هي تنعدم بوجودها، فبها استفتح الصلاة ثانياً.

مع أنّ اتحاد الباطل و الصحيح مع اختلاف الجهة، و اتحاد المُخرج و المُدخل ممّا ليس بممنوع عند العقل.

المختار في التكبير لصلاة أُخرى حال الاشتغال بالصلاة

و لو كبّر لصلاة أُخرى في الصلاة التي بيده، فإن كانت الصلاة الثانية صحيحة في ذاتها، و لم تكن مشروطة بما كانت في يده كالعصر بالنسبة إلى الظهر، و العشاء بالنسبة إلى المغرب فهي أي الثانية، تصحّ فيما إذا أعرض عن الاولىٰ فكبّر لها؛ لما عرفت منّا أنّ الإعراض عن الصلاة يضرّ بها (1)، و لا يمكن مع طول المدّة و الاشتغال بالأمر الآخر بعنوان آخر، إتمامها صحيحاً.

و إن كبّر لها غافلًا عن حالها، فعلى القول ببطلان الاولىٰ بها لأنّها من زيادة الركن فربّما يصحّ له إتمامها، و لا وجه لبطلان التكبيرة الثانية و إن كانت مبطلة كما عرفت.

و أمّا على القول بعدم بطلان الصلاة بزيادتها، أو مثل هذه الزيادة كما قيل (2)، فربّما يتعيّن عليه إتمام الأُولىٰ.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 138 140 و 209.

(2) هو السيّد الشاهرودي، لاحظ العروة الوثقىٰ 1: 613، كتاب الصلاة، فصل في واجبات الصلاة، التعليقة 4 و 5. العروة الوثقىٰ 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، التعليقة 4.

235

و الظاهر هو التخيير؛ لأنّ وجه تعيّن الإتمام، بطلان التكبيرة الثانية، و حيث قد عرفت منعه (1)، فهو بالخيار بين إتمام الأُولىٰ و الثانية؛ لأنّه قد أتى بتكبيرتي الإحرام للصلاتين على الوجه الصحيح، فلا بدّ من الإتمام، فإن قلنا: بصحّة الاقتحام (2) فيتمّ إحداهما، ثمّ الأُخرىٰ، من غير الحاجة إلى التكبيرة الثانية، و إلّا فيتمّها، ثمّ يكبّر ثانياً للصلاة الأُخرىٰ.

هذا كلّه لو كانت الصلاة الثانية، صحيحة في نفسها، بدون الاولىٰ.

و أمّا لو كان في أثناء الظهر، فأعرض عنها، و شرع في العصر، ثمّ توجّه إلى الترتيب، فإنّه يعدل منها إلى الظهر، و يتمّها ظهراً.

و أمّا لو غفل فدخل في العصر، ثمّ تذكّر، فعلى القول ببطلانها بالزيادة مطلقاً، فيتمّ ما بيده ظهراً، من غير الحاجة إلى التكبيرة الثانية؛ لما أنّها وقعت صحيحة، ضرورة أنّ الشروع في العصر حال نسيان الترتيب، لا يورث بطلانها، و إلّا لم يصحّ العدول منها إليها مطلقاً، كما لا يخفى.

و على القول بصحّة الاولىٰ، فعليه إتمامها متعيّناً؛ لحفظ الترتيب.

نعم، على القول بعدم اعتبار الترتيب بين الأجزاء و أنّ أخبار العدول، لا إطلاق لها، فلا تعيّن لإتمام الأُولىٰ؛ لأنّ شرط الترتيب و هو تقدّم طبيعة الظهر على العصر حاصل، و شرطَ العدول من العصر إلى الظهر غير حاصل، فهو بالخيار بين إتمام الصلاة ظهراً ثمّ الإتيان بالعصر، و بالعكس. هذا كلّه ما عندي من القواعد و فهمها.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 208 209 و 234.

(2) تقدّم تخريجه في الصفحة 159، الهامش 2.

236

مختار الأصحاب في المقام

و لكنّ الأصحاب (قدّس سرّهم)، قالوا فيما لو كبّر لصلاة ثانية: «إنّ الأحوط إتمام الاولىٰ، ثمّ الإعادة» (1).

و قال جماعة منهم بصحّة الاولىٰ (2)؛ إمّا لأجل أنّ تكبيرة الإحرام ليست ركناً من جانب الزيادة، أو لأجل أنّ ما هو المبطل، منها زيادةً، هو ما لو كانت للصلاة التي بيده، دون الأُخرىٰ؛ لعدم الدليل على الأزيد منه، أو لأجل أنّ تلك الزيادة ليست من زيادة الركن.

و قالوا: «لو كبّر بقصد الافتتاح، و أتى بها على الوجه الصحيح، ثمّ كبّر بهذا القصد ثانياً بطلت، و احتاج إلىٰ ثالثة، فإن أبطلها بزيادة رابعة احتاج إلىٰ خامسة، و هكذا تبطل بالشفع، و تصحّ بالوتر» (3) انتهىٰ.

و أنت خبير بما في فتاويهم من الشبهات، فتأمّل جيّداً.

الثاني: من الشرائط العربيّة

و هذا من شرائط مطلق الذكر و الدعاء في الصلوات، و لا يجوز‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 627، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام.

(2) كالإمام الخميني و السيّد الميلاني و السيّد الخوئي (قدّس سرّهم) في حواشيهم على العروة الوثقىٰ 1: 627.

(3) العروة الوثقىٰ 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام. لاحظ أيضاً: وسيلة النجاة 1: 146، كتاب الصلاة، القول في تكبيرة الإحرام، تحرير الوسيلة 1: 161 القول في تكبيرة الإحرام.

237

ترجمتها بأيّ لسانٍ كان، كما لا يجوز ترجمة الأذكار الواجبة باللّغة العربيّة، و إن جاز إنشاء الدعاء بها فيها؛ و ذلك لأنّ عدم الدليل في المسألة، كافٍ لعدم الجواز.

جواز قراءة الأذكار الواجبة بغير العربية دون القراءة

و ربّما يمكن دعوى التفصيل بين القراءة و غيرها؛ لأنّ المعتبر هي قراءة الفاتحة، و هي غير صادقة علىٰ تراجمها، بخلاف تكبيرة الإحرام و سائر الأذكار، فإنّها حسب إطلاق بعض الأخبار لا تجب بخصوصيّاتها، بل الواجب هو التكبير و التسبيح و التحميد (1)، و ذكر الأمثلة العربيّة و الأذكار العربيّة في هذه المسألة، كذكرها في العقود و الإيقاعات، فإنّهم (عليهم السّلام) كانوا يؤدّون بمثلها؛ لاقتضاء حالهم، و هكذا الناس في عصرهم، و سهولة التعلّم اقتضت أن لا يُسألوا عن جواز الترجمة و صحّتها، فلا يخفى.

بل قد سمعت عن بعض سادة العصر، جواز القراءة أيضاً بها اختياراً، و لكنّه غير مساعد لظواهر الروايات، مع أنّ العرف لا يرى ترجمة القرآن قرآناً، و لذلك يجوز مسّها من غير طهور.

و ربّما كان لأجله، عدم افتائهم بقراءة الترجمة عند العجز عن الإتيان بالفاتحة، حتّى قال الفقيه اليزديّ: «و إذا لم يعلم منه شيئاً، قرأ من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 9 34، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 1 12، وسائل الشيعة 6: 107 و 121، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 42 و 51 و كذا في سائر أبواب الصلاة.

238

سائر القرآن بعدد آيات الفاتحة بمقدار حروفها، و إن لم يعلم شيئاً من القرآن، سبّح و كبّر و ذكر بقدرها» (1) انتهىٰ.

و لم يتذكّر للمسألة سائر أرباب التعليق، مع تصريحهم في التكبيرة بها، فقال: «و إن لم يقدر فترجمتها من غير العربيّة، و لا يلزم أن يكون بلغته و إن كان أحوط، و لا يجزي من الترجمة غيرها من الأذكار و الأدعية و إن كانت بالعربيّة» (2).

فبالجملة: يظهر منه (رحمه اللّٰه) أنّ بين التكبيرة و القراءة فرقاً، و ظاهره أنّ الأذكار في الركوع و السجود كالتكبيرة، و إن لم يتعرّض للمسألة في البابين، فليراجع.

فعلى هذا تحصّل: أنّ القراءة متقوّمة بالعربيّة عنواناً، و مع العجز عنها لا وجه لوجوب ترجمتها، بخلاف غيرها، فإنّها غير متقوّمة.

حكم الإخلال بالعربيّة عمداً أو جهلًا أو عجزاً

فإذا كان الأمر كما حقّق، فيلزم أن تكون العربيّة من الواجبات في التكبيرة، و غايتها أن تكون غير صحيحة مع الإخلال العمديّ، و أمّا لو أتى بها جهلًا بالمسألة فارسيّة، أو روميّة فهي صحيحة، و لا يعيد الصلاة لأجلها؛ لأنّ المعنى الواجب غير متقوّم به، و إذا لم يكن متقوّماً بها ذاتاً، لا يلزم من الإخلال بأوصافها الواجبة، بطلانُ الصلاة؛ لحصول الركن فاقداً‌

____________

(1) العروة الوثقىٰ 1: 652، كتاب الصلاة، فصل في القراءة، المسألة 34.

(2) العروة الوثقىٰ 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الإحرام، المسألة 6.

239

للوصف، كما لا يخفى.

و توهّم جوازها بدواً بالترجمة ممنوع؛ للضرورة علىٰ خلافه، فإنّ مسألة تعليم الصلاة بالحمد و السورة و الأذكار، كانت دارجة بين الأقوام و الملل في جميع الأعصار و الأمصار، و هذا يكشف عن مفروغيّة اعتبار العربيّة فيها بين المسلمين و المتشرّعة.

و أمّا توهّم عدم صحّة ترجمة الفاتحة عند العجز عن التعلّم ذاتاً، أو عرضاً، و لزومِ الإتيان بغيرها احتياطاً أو وجوباً، فينافيه الأذهان العرفيّة و العقلائيّة الحاكمة بأنّها عينها؛ و لا فرق بينهما، و أنّها سورها، و لأجله يحتاط بتكرار الصلاة تارة: بالترجمة، و أُخرى: بدونها؛ لاحتمال كونها من زيادة الكلام الآدميّ عمداً فيها.

و أمّا وجوب الإتيان بترجمة التكبيرة عند العجز الذاتيّ، أو العرضيّ؛ لضيق الوقت و نحوه، فهو لأجل ما ذكرناه آنفاً. مع اقتضاء الأخبار في المسألة التكبير بدواً، و الافتتاحَ و العربيّة و الصيغة الخاصّة ثانياً، فعند العجز يتعيّن الإتيان بأصل التكبير الأعمّ من كونه عربيّاً و عجميّاً.

فقوله (عليه السّلام)

لا صلاة بغير افتتاح (1)

يورث وجوب الافتتاح بعنوانه، و لا دخل للّغة فيه لو خلّي و طبعه، و إذا تعيّن الوصف الخاصّ فهو لا يورث التقويم، كما في القراءة.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 353/ 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 2، الحديث 7.