منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
453

الناعتون؛ نأى في قربه، و قرب في نأيه، فهو في نأيه قريب، و في قربه بعيد، كيّف الكيف فلا يقال كيف، و أيّن الأين فلا يقال أين، إذ هو منقطع الكيفيّة و الأينيّة؛ هو الواحد الأحد الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد فجلّ جلاله، أم كيف يوصف بكنهه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قد قرنه الجليل باسمه، و شركه في عطائه، و أوجب لمن أطاعه جزاء طاعته إذ يقول: وَ مٰا نَقَمُوا إِلّٰا أَنْ أَغْنٰاهُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ «1» و قال يحكي قول من ترك طاعته و هو يعذّبه بين أطباق نيرانها و سرابيل قطرانها: يٰا لَيْتَنٰا أَطَعْنَا اللّٰهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا «2» أم كيف يوصف بكنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعة رسوله حيث قال: أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «3» و قال: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ «4» و قال: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا «5»، و قال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ «6».

«7» و الرواية مفصّلة، تنفتح منها أبواب من الحكمة و المعرفة، و لا مجال للتعمّق فيها، لكن ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.

قوله (عليه السلام): «من اتّقى يتّقى»

فإنّ من علم و آمن بأنّ كلّ شيء كائن بإرادة اللّه و مقهور لقدرته، و تلا هاتين الآيتين حقّ تلاوتهما: إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «8» وَ هُوَ الْقٰاهِرُ

____________

(1) سورة التوبة: 74.

(2) سورة الأحزاب: 66.

(3) سورة النساء: 59.

(4) سورة النساء: 83.

(5) سورة النساء: 58.

(6) سورة النحل: 43.

(7) كشف الغمة ج 2 ص 386.

(8) يس: 82.

454

فَوْقَ عِبٰادِهِ «1» لا يخاف و لا يخشى إلّا اللّه فَلٰا تَخٰافُوهُمْ وَ خٰافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «2» إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ «3»، و «من خاف اللّه أخاف اللّه منه كلّ شيء». «4»

قوله (عليه السلام): «من أطاع اللّه يطاع»

فإنّ المطيع للّه بتبعيّة إرادته لأمر اللّه تكون إرادته التكوينيّة فانية في الإرادة التشريعية، فتصير نافذة فيما أراد، فإنّ جزاء من استجاب لدعوة اللّه إجابة دعوته، و من لم يردّ طلبة اللّه لا ترد طلبته، كما تدين تدان، هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان، و

في الحديث القدسي: يا ابن آدم، أنا حيّ لا أموت، أطعني فيما أمرتك حتى أجعلك حيّا لا تموت، يا ابن آدم، أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون

«5». قوله (عليه السلام): «من أرضى الخالق لم يبال بسخط المخلوق، و من أسخط الخالق فقمن أن يسلّط اللّه عليه سخط المخلوق»

«6». إنّ من عرف الخالق يعلم أنّ من وجده لا يفقد شيئا، و من فقده لا يجد شيئا، و من عرف المخلوق يعلم أنّ حدوثه و بقاءه و إيجاده و إعدامه بمشيئة الخالق، و لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرّا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا، فإذا أرضى اللّه بتسليمه لأمر اللّه و رضاه بقضاء اللّه الملازم لرضا اللّه عنه، لا يبالي بسخط المخلوق، فمن رضي عنه المالك لا يبالي بسخط المملوك، كما أنّ من أسخط الخالق يحلّ به

____________

(1) سورة الأنعام: 18.

(2) سورة آل عمران: 175.

(3) سورة الفاطر: 28.

(4) الكافي ج 2 ص 68.

(5) ارشاد القلوب ج 1 ص 156.

(6) الكافي ج 1 ص 138.

455

سخط المخلوق الذي أسلم للّه تعالى طوعا و كرها.

قوله (عليه السلام): «إنّ الخالق لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه»

إنّما يكون الوصف بعد الإدراك، و ما يدرك به الإنسان إمّا الحسّ، و إمّا الخيال، و إمّا الوهم، و إمّا العقل، و كلّ واحد منها عاجز عن إدراكه عزّ و جلّ لوجوه خاصّة بكلّ واحد منها، و وجوه عامّة لجميعها.

منها: أنّ الإدراك لا يتحقّق إلّا بإحاطة المدرك بما أدركه، و ما لا حدّ له لا يمكن الإحاطة به، فلا يمكن إدراكه، و كلّ مدرك و ما يدرك به مخلوق للّه سبحانه وَ اللّٰهُ مِنْ وَرٰائِهِمْ مُحِيطٌ «1» بالإحاطة القيوميّة، وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ «2» و بالإحاطة العلمية أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً «3»، و لو أدركته الحواس و الأوهام و العقول صار المحيط محاطا، و هو محال، سبحان من أظلم بظلمته كلّ نور «4».

قوله (عليه السلام): «نأى في قربه»

لأنه قدّوس عن الإدراك، و سبّوح عمّا تتّصف به الممكنات.

قوله (عليه السلام): «و قرب في نأيه»

لأنه قيّوم الأرضين و السماوات، و المادّيات، و المجرّدات، و لا أقرب من القيّوم إلى ما يقوم به.

فهو قريب من خلقه لأنه مشيّئ كلّ شيء و قيّومه، فهو أقرب إلى الشيء من نفسه، لأنّ شيئيّة الشيء و إنيّته و نفسيّته إنّما هي بمشيّته و قيّوميّته.

و نأى في قربه لبعده عن نيل الحس و الخيال و الوهم و العقل، و لقدسه عن

____________

(1) سورة البروج: 20.

(2) سورة الحديد: 4.

(3) سورة الطلاق: 12.

(4) إشارة الى ما في نهج البلاغة الخطبة 182: فلا إله إلّا هو أضاء بنوره كل ظلام، و أظلم بظلمته كل نور.

456

الاتّصاف بأوصاف الممكنات، و تنزّهه عن مجانسة المخلوقات، فكما أنّ خالقيّته و ربوبيّته و قيوميّته توجب قربه، كذلك توجب بعده، فنأى في قربه، و قرب في نأيه.

قوله (عليه السلام): «و كيّف الكيف فلا كيف له»

فإنه سبحانه خالق الكيف و الأين، و المخلوق فقير بذاته إلى خالقه، و الخالق غني بذاته عن مخلوقه، فلا يمكن اتّصاف الغني بالذات بالفقير بالذات.

قوله (عليه السلام): «هو الواحد الأحد الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد»

لمّا بيّن (عليه السلام) أنه تعالى جلّ عمّا يصفه الواصفون، وصفه بما وصف به نفسه من الأوصاف الستّة، و في جمعه أوصاف اللّه الكمالية في الثلاثة الإيجابية، و هي الواحد و الأحد و الصمد، و أوصافه الجلالية في الثلاثة السلبية، و هي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد، أودع جواهر من المعرفة و الحكمة لأهلها، من استخراج جميع أسماء اللّه الحسنى منها، و استنباط ما يتعلّق بالتحميد من الثلاثة الأولى، و ما يتعلّق بالتسبيح من الثلاثة الثانية، و بالتأمّل فيما ذكره يظهر تفريعه (عليه السلام): «فجلّ جلاله».

قوله (عليه السلام): «أم كيف يوصف كنه محمّد»

فرّق (عليه السلام) بين وصف اللّه و وصف رسوله بنفي الوصف عن اللّه بإطلاقه، و عن الرسول بكنهه، تنبيها على الفرق بين اللّه و رسوله، و في التفريق بهذا البيان وجوه دقيقة لمن تأمّل.

و بيّن (عليه السلام) سبب عدم وصف الرسول بكنهه، بأنّ اللّه سبحانه قرن محمّدا باسمه، و رفع ذكره إلى أن صار اسمه قرينا لاسم اللّه الذي قال في شأنه تَبٰارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ «1» فصارت الشهادة برسالته في كلّ أذان و إقامة و صلاة قرينة

____________

(1) سورة الرحمن: 78.

457

للشهادة بوحدانيّة اللّه تعالى، و اللّه الذي لا شريك له في ذاته و صفاته و أفعاله اختصّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأن جعله شريكا في عطائه وَ مٰا نَقَمُوا إِلّٰا أَنْ أَغْنٰاهُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ «1» فأسند إغناءهم من فضله إلى نفسه، و التشريك في العطاء مستوجب للتشريك في الشكر.

و أوجب لمن أطاع الرسول جزاء طاعته، فصار ترك طاعة الرسول عدلا لترك طاعة اللّه سبحانه في استحقاق العقاب يٰا لَيْتَنٰا أَطَعْنَا اللّٰهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا «2» فكيف يمكن معرفة الرسول بكنهه مع العجز عن إدراك الإجلال الذي جلّ اللّه به رسوله، و الإكرام الذي أكرم به نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و أمّا وليّ الأمر فقد قرن الجليل طاعته بطاعة الرسول، حيث قال: أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «3» و بالمقارنة بين الطاعتين في وجوبهما بأمر واحد، ثبت أنّ أمر وليّ الأمر قرين أمر الرسول، و لو لم يكن الآمر معصوما بعصمة الرسول لاستحالت المقارنة بين الأمرين، فإنّ الآمر بالباطل لا يمكن أن يكون قرينا للآمر بالحقّ، و قد قال تعالى فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ «4»: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ «5» فجعل المرجع في كلّ ما اختلف فيه اللّه و الرسول و اولي الأمر، و الاقتران بين الثلاثة في الردّ إليهم يكشف عن وحدة ما يصدر عنهم، فما أنزله اللّه على رسوله، و هو الكتاب الذي ما فرط اللّه فيه من شيء، عند الرسول، و ما هو عند الرسول عند أولي الأمر، و من

____________

(1) سورة التوبة: 74.

(2) سورة الأحزاب: 66.

(3) سورة النساء: 59.

(4) سورة النساء: 59.

(5) سورة النساء: 83.

458

كان قرينا لخاتم النبيّين في العصمة و العلم كيف يدرك كنهه.

و بالاستشهاد بقوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا «1» و بقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ «2» أرشد إلى أنّ ولاية أمر الأمّة لا بدّ أن تردّ إلى أهلها، و أهلها هم الذين استأمنهم اللّه عليها، و أمر بإطاعتهم و الردّ إليهم في الآيتين، فإنّ لكلّ أمانة أهلا و أهل هذه الأمانة ليس إلّا من كان مصونا عن خيانتها حتّى تجب إطاعته، و عالما بكلّ مسألة، و إلا لما صحّ ردّها إليه اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «3».

**

____________

(1) سورة النساء: 58.

(2) سورة النحل: 43.

(3) سورة يوسف: 55.

459

الإمام الحادي عشر الحسن بن علي الهادي العسكري (عليهما السلام)

ولد في شهر ربيع الآخر، و الأشهر أنّ ولادته في ثمان خلون منه في سنة اثنتين و ثلاثين و مأتين، و قبض في الثامن من ربيع الأوّل سنة ستّين و مأتين، و كانت مدّة خلافته ست سنين.

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

كنيته أبو محمّد، و ألقابه: الصامت، و الهادي، و السراج، و الرفيق، و الزكي، و النقي، و العسكري.

مكارم أخلاقه و كراماته (عليه السلام)

و نقتصر منها على ما يلي:

1- عن محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن عبد الغفّار قال: دخل العبّاسيون على صالح بن وصيف، عند ما حبس أبو محمّد (عليه السلام) فقالوا له: ضيّق عليه و لا توسع! فقال لهم صالح: ما أصنع به؟ و قد وكّلت به رجلين شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة و الصلاة و الصيام إلى أمر عظيم.

460

ثمّ أمر بإحضار الموكّلين، فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟

فقالا له: ما نقول في رجل يصوم النهار، و يقوم الليل كلّه، لا يتكلّم و لا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا و داخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمع ذلك العبّاسيون انصرفوا خاسئين [خائبين] «1».

2- عن علي بن محمّد عن جماعة من أصحابنا قالوا: سلّم أبو محمّد (عليه السلام) إلى نحرير و كان يضيّق عليه و يؤذيه، فقالت له امرأته: اتّق اللّه فإنّك لا تدري من في منزلك؟ و ذكرت له صلاحه و عبادته [و قالت: إنّي أخاف عليك منه]، فقال: و اللّه لأرمينّه بين السباع، ثمّ استأذن في ذلك فأذن له، فرمى به إليها فلم يشكّوا في أكلها، فنظروا إلى الموضع، فوجدوه (عليه السلام) قائما يصلّي و هي حوله، فأمر بإخراجه إلى داره «2».

روى أبو هاشم أنه ركب أبو محمّد (عليه السلام) يوما إلى الصحراء فركبت معه، فبينما نسير و هو قدّامي و أنا خلفه، إذ عرض لي فكر في دين كان عليّ قد حان أجله، فجعلت أفكّر من [في] أيّ وجه قضاؤه، فالتفت إليّ و قال: يا أبا هاشم، اللّه يقضيه، ثمّ انحنى على قربوس سرجه فخطّ بسوطه خطّة في الأرض فقال: انزل فخذ و اكتم. فنزلت و إذا سبيكة ذهب، قال: فوضعتها في خفّي و سرنا.

فعرض لي الفكر فقلت: إن كان فيها تمام الدين و إلّا فإنّي أرضي صاحبه بها، و يجب أن ننظر الآن في وجه نفقة الشتاء، و ما نحتاج إليه فيه من كسوة و غيرها، فالتفت إليّ ثمّ انحنى ثانية فخطّ بسوطه خطّة في الأرض مثل الأولى ثمّ قال: انزل و خذ و اكتم. قال: فنزلت فإذا بسبيكة فضّة فجعلتها في الخفّ الآخر، و سرنا يسيرا

____________

(1) الإرشاد ج 2 ص 334، إعلام الورى ج 2 ص 150، الكافي ج 1 ص 512.

(2) إعلام الورى ج 2 ص 151، الكافي ج 1 ص 513، و بتفاوت في الإرشاد ج 2 ص 324.

461

ثمّ انصرف إلى منزله و انصرفت إلى منزلي. فجلست فحسبت ذلك الدّين، و عرفت مبلغه، ثمّ وزنت سبيكة الذهب فخرجت بقسط ذلك الدين ما زادت و لا نقصت، ثمّ نظرت ما نحتاج إليه لشتوتي من كلّ وجه، فعرفت مبلغه الذي لم يكن بدّ منه على الاقتصاد بلا تقتير و لا إسراف، ثمّ وزنت سبيكة الفضّة فخرجت على ما قدّرته، ما زادت و لا نقصت

«1»! و عن أحمد بن محمّد، عن جعفر بن الشريف الجرجانيّ قال: حججت سنة فدخلت على أبي محمّد (عليه السلام) بسر من رأى، و قد كان أصحابنا حملوا معي شيئا من المال، فأردت أن أسأله إلى من أدفعه؟ فقال قبل أن قلت له ذلك: ادفع ما معك إلى المبارك خادمي.

قال: ففعلت [و خرجت] و قلت: إنّ شيعتك بجرجان يقرءون عليك السلام، قال: أو لست منصرفا بعد فراغك من الحجّ؟ قلت: بلى، قال: فإنّك تصير إلى جرجان من يومك هذا إلى مائة و سبعين يوما، و تدخلها يوم الجمعة لثلاث ليال يمضين من شهر ربيع الآخر في أوّل النهار، فأعلمهم أنّي أوافيهم في ذلك اليوم [في] آخر النهار، و امض راشدا فإنّ اللّه سيسلّمك و يسلّم ما معك، فتقدم على أهلك و ولدك، و يولد لولدك الشريف ابن فسمّه الصّلت بن الشريف بن جعفر بن الشريف، و سيبلغ اللّه به [و سيبلغه اللّه] و يكون من أوليائنا.

فقلت: يا ابن رسول اللّه إنّ إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني [و] هو من شيعتك كثير المعروف إلى أوليائك يخرج إليهم في السنة من ماله أكثر من مائة ألف درهم، و هو أحد المتقلّبين في نعم اللّه بجرجان، فقال: شكر اللّه لأبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل صنيعته إلى شيعتنا، و غفر له ذنوبه، و رزقه ذكرا سويّا قائلا بالحقّ فقل له:

____________

(1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 421 ح 2، و بتفاوت يسير في الثاقب في المناقب ص 217.

462

يقول لك الحسن بن عليّ: سمّ ابنك أحمد.

فانصرفت من عنده و حججت فسلّمني اللّه حتّى وافيت جرجان في يوم الجمعة في أوّل النهار من شهر ربيع الآخر على ما ذكره (عليه السلام) و جاءني أصحابنا يهنئوني فأعلمتهم أنّ الإمام (عليه السلام) وعدني أن يوافيكم في آخر هذا اليوم فتأهّبوا لما تحتاجون إليه، و أعدّوا مسائلكم و حوائجكم كلّها.

فلمّا صلّوا الظهر و العصر اجتمعوا كلّهم في داري، فو اللّه ما شعرنا إلّا و قد وافانا أبو محمّد (عليه السلام) فدخل إلينا و نحن مجتمعون فسلّم هو أوّلا علينا فاستقبلناه و قبّلنا يده، ثمّ قال: إنّي كنت وعدت جعفر بن الشريف أن أوافيكم في آخر هذا اليوم، فصلّيت الظهر و العصر بسرّ من رأى، و صرت إليكم لأجدّد بكم عهدا، و ها أنا قد جئتكم الآن، فاجمعوا مسائلكم و حوائجكم كلّها.

فأوّل من انتدب لمساءلته النضر بن جابر قال: يا ابن رسول اللّه إنّ ابني جابرا اصيب ببصره منذ أشهر فادع اللّه [له] أن يردّ إليه عينيه، قال: فهاته، فمسح بيده على عينيه فعاد بصيرا! ثمّ تقدّم رجل فرجل يسألونه حوائجهم و أجابهم إلى كلّ ما سألوه حتّى قضى حوائج الجميع، و دعا لهم بخير، فانصرف من يومه ذلك

«1». و عن الحسن بن ظريف أنه قال: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب فيهما إلى أبي محمّد (عليه السلام) فكتبت أسأله عن القائم إذا قام بم يقضي و أين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس؟ و أردت أن أسأله عن شيء لحمّى الرّبع، فأغفلت خبر الحمّى، فجاء الجواب: سألت عن القائم إذا قام قضى بين الناس بعلمه كقضاء داود (عليه السلام) لا يسأل البيّنة، و كنت أردت أن تسأل عن الحمّى الرّبع فأنسيت، فاكتب [في] ورقة و علّقها على المحموم فإنه يبرأ بإذن اللّه إن شاء اللّه يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً

____________

(1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 424، و بتفاوت يسير في الثاقب في المناقب ص 215.

463

وَ سَلٰاماً عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ «1» فعلّقنا عليه ما ذكر أبو محمّد (عليه السلام) فأفاق

«2». و من كراماته (عليه السلام) ما رواه الخاصّة و العامّة:

أنه قحط الناس بسرّ من رأى في زمن الحسن الأخير (عليه السلام) فأمر الخليفة الحاجب و أهل المملكة أن يخرجوا إلى الاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيّام متوالية إلى المصلّى يستسقون و يدعون فما سقوا.

فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء و معه النصارى و الرهبان و كان فيهم راهب فلمّا مدّ يده هطلت السماء بالمطر! و خرج في اليوم الثاني فهطلت السماء بالمطر! فشكّ أكثر الناس، و تعجّبوا و صبوا إلى النصرانية، فبعث الخليفة إلى الحسن (عليه السلام) و كان محبوسا فاستخرجه من محبسه و قال: الحق أمّة جدّك فقد هلكت.

فقال: إنّي خارج في الغد و مزيل الشكّ إن شاء اللّه.

فخرج الجاثليق في اليوم الثالث و الرّهبان معه و خرج الحسن (عليه السلام) في نفر من أصحابه، فلمّا بصر بالراهب و قد مدّ يده أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى و يأخذ ما بين إصبعيه ففعل، و أخذ من بين سبّابته و الوسطى عظما أسود، فأخذه الحسن (عليه السلام) بيده ثمّ قال له: استسق الآن، فاستسقى و كانت السماء متغيّمة فتقشّعت و طلعت الشمس بيضاء.

فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمّد؟ قال (عليه السلام): هذا رجل مرّ بقبر نبيّ من الأنبياء فوقع في [إلى] يده هذا العظم، و ما كشف عن عظم نبيّ إلّا و هطلت السماء بالمطر

«3».

____________

(1) سورة الأنبياء: 69.

(2) الكافي ج 1 ص 509 ح 13، و بتفاوت يسير في الإرشاد ج 2 ص 331، الثاقب في المناقب ص 565، كشف الغمّة ج 2 ص 413، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 431، إعلام الورى ج 2 ص 145.

(3) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 441، و بتفاوت يسير مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 425، كشف الغمّة ج 2

464

حكمه و مواعظه (عليه السلام)

و من حكمه و مواعظه (عليه السلام):

إنّكم في آجال منقوصة، و أيّام معدودة، و الموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة، و من يزرع شرّا يحصد ندامة، لكلّ زارع ما زرع، لا يسبق بطيء بحظّه، و لا يدرك حريص ما لم يقدّر له، من أعطي خيرا فاللّه أعطاه، و من وقي شرّا فاللّه وقاه

«1». قلب الأحمق في فمه، و فم الحكيم في قلبه

2.

لا يشغلك رزق مضمون عن عمل مفروض

3.

ما ترك الحقّ عزيز إلّا ذلّ، و لا أخذ به ذليل إلّا عزّ

4.

خصلتان ليس فوقهما شيء: الإيمان باللّه، و نفع الإخوان

5.

إنّ للسخاء مقدارا فإن زاد عليه فهو سرف، و للحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو جبن، و للإقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل، و للشجاعة مقدارا فإن زادت عليه فهو تهوّر

«6». كفاك أدبا تجنّبك ما تكره من غيرك

7.

حسن الصورة جمال ظاهر، و حسن العقل جمال باطن

8.

____________

ص 429، و مصادر أخرى للخاصّة.

الصواعق المحرقة ص 207، ينابيع المودّة ج 3 ص 190 و غيرهما من مصادر العامّة.

(1) 1 و 2 و 3 و 4 و 5 تحف العقول، من قصار هذه المعاني، الحسن بن علي (عليهما السلام)، ص 489.

(6) 6 و 7 و 8 بحار الأنوار ج 75 ص 377.

465

من آنس باللّه استوحش من الناس

«1». من لم يتّق وجوه الناس لم يتّق اللّه

«2». جعلت الخبائث في بيت، و جعل مفتاحه الكذب

3.

ليست العبادة كثرة الصيام و الصلاة، و إنّما العبادة كثرة التفكّر في أمر اللّه

«4». و قال (عليه السلام) لشيعته: أوصيكم بتقوى اللّه، و الورع في دينكم، و الاجتهاد للّه، و صدق الحديث، و أداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أو فاجر، و طول السجود، و حسن الجوار، فبهذا جاء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، صلّوا في عشائرهم، و اشهدوا جنائزهم، و عودوا مرضاهم، و أدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه و صدق في حديثه، و أدّى الأمانة و حسن خلقه مع الناس قيل: هذا شيعيّ فيسرّني ذلك.

اتّقوا اللّه و كونوا زينا و لا تكونوا شينا، جرّوا إلينا كلّ مودّة، و ادفعوا عنّا كلّ قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، و ما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك.

لنا حقّ في كتاب اللّه، و قرابة من رسول اللّه، و تطهير من اللّه لا يدّعيه أحد غيرنا إلّا كذّاب.

أكثروا ذكر اللّه و ذكر الموت و تلاوة القرآن و الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فإنّ الصلاة على رسول اللّه عشر حسنات.

احفظوا ما وصّيتكم به، و أستودعكم اللّه، و أقرأ عليكم السلام

«5».**

____________

(1) عدّة الداعي ص 194، بحار الأنوار ج 75 ص 377.

(2) 2 و 3 بحار الأنوار ج 75 ص 377.

(4) تحف العقول من قصار هذه المعاني للحسن بن علي (عليهما السلام) ص 488.

(5) تحف العقول من قصار هذه المعاني للحسن بن علي (عليهما السلام) ص 488.

466

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

467

الإمام الثاني عشر الحجّة بن الحسن المهديّ وليّ العصر و صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) و على آبائه

ضرورة وجود الإمام في كلّ عصر

روى الفريقان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية

«1»، و بما أنّ معرفة إمام العصر (عليه السلام) تفصيلا لا تتيسّر لنا، فنكتفي بمعرفته إجمالا على سبيل الاختصار.

إنّ وجود الإمام في كلّ عصر ضروري بالعقل و النقل و قد تقدّم ذلك في مبحث الإمامة.

و كان مجمل بعض الأدلّة العقلية المتقدمة

أنّ النبوّة و الرسالة قد ختمت بنبيّ الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أنّ مرحلة نزول الوحي و تبليغ الرسالة انتهت برحلة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لكن القرآن الذي أنزله اللّه تعالى لتعليم الإنسان و تربيته باق و خالد، و هو يحتاج إلى معلّم و مرب: و قوانين القرآن التي

____________

(1) راجع صفحة: 469.

468

شرّعت لضمان حقوق الإنسان، هذا الكائن الاجتماعي المدني بالطبع، تحتاج إلى مفسّر و منفّذ.

و ذلك أنّ الغرض الإلهي من بعثة خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، غرض ممتدّ في الأجيال، و لا يتحقّق إلّا بوجود معلّم عالم بما في القرآن، منزّه عن الخطأ و الهوى، متخلّق بأعلى صفات الكمال المقصودة

بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق)

«1»، فبذلك وحده يتحقّق الكمال العلمي و العملي للبشر، الذي هو الغرض من خلق الإنسان إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ «2».

و بالجملة، فإنّ القرآن كتاب أنزل لإخراج جميع أفراد البشر من الظلمات الفكرية و الأخلاقية و العملية إلى عالم النور كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّٰاسَ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ «3» هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلىٰ عَبْدِهِ آيٰاتٍ بَيِّنٰاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ «4»، و لا يمكن أن يتحقّق هذا الغرض إلّا بواسطة إنسان عصمه اللّه من الأخطاء و الأهواء، و إلّا فمن هو في الظلمات ليس بخارج منها كيف يكون مخرجا عنها.

و لو لا وجود هذا الإنسان لما تيسّر تعلّم الكتاب و الحكمة، و القيام بالقسط في الأمّة، بل يتحوّل القرآن الذي أنزله اللّه من أجل رفع اختلاف الناس إلى سبب لاختلافهم و مادّة لنزاعهم، بسبب أهوائهم و أفكارهم الخاطئة!

كيف يتعقّل الإنسان أنّ اللّه الذي لم يترك دور الحاجب في جمال الوجه حتّى

____________

(1) مجمع البيان ج 10 ص 86 ذيل تفسير وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ.

(2) سورة الفاطر: 10.

(3) سورة إبراهيم: 1.

(4) سورة الحديد: 9.

469

أتقنه، مراعيا قاعدته في خلق الإنسان في أحسن تقويم، ينزل كتابا لغرض تصوير سيرة الإنسان في أحسن تقويم، ثمّ يبطل غرضه من تنزيله و من إرسال الرّسل، بعدم نصبه حافظا و شارحا للكتاب؟!

و من هنا يتّضح المغزى في

قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، الذي رواه العامّة: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)

«1»، و نحوه المضامين المشابهة المتعدّدة التي رواها الخاصّة عن الأئمّة (عليهم السلام)، كالذي

كتبه الإمام الرضا (عليه السلام) إلى المأمون في شرائع الدين (و أنّ الأرض لا تخلو من حجّة اللّه [للّه] تعالى على خلقه في كلّ عصر و أوان، و أنّهم العروة الوثقى ... إلى أن قال: و من مات و لم يعرفهم مات ميتة جاهلية)

«2». و أخيرا، عند ما نعتقد بالدور الأساسي للإمام المعصوم في كلّ عصر، و تأثيره في إكمال الدين و إتمام نعمة الهداية، فلو ترك اللّه تبارك و تعالى دينه ناقصا بدونه، لكان إمّا لعدم إمكان وجوده، أو لعدم القدرة، أو لعدم الحكمة، و الثلاثة باطلة عقلا، فيكون وجوده ثابتا قطعيّا.

**

____________

(1) المعجم الكبير ج 19 ص 388، مسند الشاميين ج 2 ص 438، مسند أحمد ج 4 ص 96، مسند أبي داود الطيالسي ص 259، المعيار و الموازنة ص 24، مسند أبي يعلى ج 13 ص 366، صحيح ابن حبان ج 10 ص 434، المعجم الأوسط ج 6 ص 70، شرح نهج البلاغة ج 9 ص 155 و ج 13 ص 242 و مصادر أخرى للعامة.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 122، و قريب منه في الكافي ج 1 ص 376 و ... و ج 2 ص 21 و ج 8 ص 146، دعائم الإسلام ج 1 ص 25 و 27، الخصال ص 479، كمال الدين و تمام النعمة ص 337 و 409 و ...، كفاية الأثر ص 296، المسترشد ص 177 و موارد أخرى، دلائل الإمامة ص 337، كتاب الغيبة ص 127 و 129 و مصادر أخرى للخاصّة.

470

و من الأدلّة النقلية على ضرورة وجوده حديث الثقلين

فإنّ هذا الحديث المتّفق على صحّته عند الفريقين يدلّ على وجود إمام في كلّ زمان من أهل بيت النبوّة (عليهم السلام) إلى يوم القيامة، لا يفترق عن القرآن، و لا يفترق القرآن عنه (لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) «1».

و لمّا كانت حجّة اللّه على الخلق هي الحجّة البالغة، جرت هذه الحقيقة على لسان ابن حجر الهيتمي المعروف بالتعصّب حيث قال: (و الحاصل أنّ الحثّ وقع على التمسّك بالكتاب و السنّة و بالعلماء بهما من أهل البيت. و يستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة. ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقا

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 و ج 5 ص 182 و 190، سنن الترمذي ج 5 ص 329، المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 93 و ج 3 ص 109 و 124 و 148، السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 114، فضائل الصحابة ص 15، مجمع الزوائد ج 1 ص 170 و ج 9 ص 163 و ...

و ج 10 ص 363، مسند ابن الجعد ص 397، مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 418، كتاب السنّة ص 337 و 629 و ...، السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 45 و 130، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) ص 93، مسند أبي يعلى ج 2 ص 297 و 303 و 376، المعجم الصغير ج 1 ص 131 و 135، المعجم الكبير ج 3 ص 65 و ...، ج 3 ص 180 و ج 5 ص 154، سنن الدار قطني ج 4 ص 160، شرح نهج البلاغة ج 9 ص 133، الجامع الصغير ج 1 ص 402 و 605، كنز العمّال ج 1 ص 172 و ... و ص 186 و ...، تفسير ابن كثير ج 4 ص 122 و ...، الدرّ المنثور ج 2 ص 60 و مصادر أخرى كثيرة للعامّة.

الكافي ج 1 ص 209 و ج 2 ص 415، عيون أخبار الرضا ج 2 ص 62 باب 31 ح 259 و ج 1 ص 329 باب 23 ح 1، دعائم الإسلام ج 1 ص 28، الخصال ص 65 و ...، الأمالي للصدوق ص 500 المجلس الرابع و الستّون ح 15، كمال الدين و تمام النعمة ص 64 و 94 و 234 و ...، معاني الأخبار ص 90 و 91 و 114 و ...، كفاية الأثر ص 18 و 92، روضة الواعظين ص 273، المسترشد ص 467 و 559 و ...

مصادر أخرى كثيرة للخاصّة.

471

كثيرة، وردت عن نيف و عشرين صحابيا) «1».

و مذهب الحقّ وجوب وجود عالم بالقرآن من أهل البيت (عليهم السلام)، عالم بكلّ ما فيه، و أنّ الأمّة بلا استثناء مأمورة بالتمسّك بالكتاب و السنّة و بهذا الإمام، و أنّ اهتداء أيّ مسلم يتوقّف على هذا التمسّك، و إطاعة ذلك الإمام.

فقد ثبت اعتقاد الشيعة بالإمام الثاني عشر (عليه السلام) و ظهوره- مضافا إلى ما تقدّم- بالأحاديث المتواترة عن المعصومين (عليهم السلام)، و هي إحدى الطرق المثبتة للإمامة.

هذا مع قطع النظر عمّا ثبت بالبرهان من أنّ الإنسان الكامل- و هو خليفة اللّه في كلّ زمان- واسطة الفيض في عالم التكوين، و أن اللّه سبحانه هو من منه الوجود، و خليفته و حجّته من به الوجود، و به ينزل الغيث، و به يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، و به ينفس الهمّ و يكشف الضرّ، و للكلام عن مقام العباد الذين لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون، و أنّهم ولاة الأمر في التكوين و التشريع مجال آخر.

و في القرآن آيات ورد تفسيرها في مصادر العامّة و الخاصّة بظهوره و دولته (صلوات اللّه عليه)، نذكر بعضها:

1. قال اللّه تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «2».

قال أبو عبد اللّه الكنجي في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام): (و أمّا بقاء المهدي (عليه السلام) فقد جاء في الكتاب و السنّة، أمّا الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عزّ و جلّ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قال: هو المهدي

____________

(1) الصواعق المحرقة ص 150.

(2) سورة التوبة: 33.

472

من عترة فاطمة (عليها السلام)) «1».

و قريب منه ما في الكافي و كمال الدين و غيرهما. «2»

و في تفسير القرطبي فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة مؤمنان و كافران فالمؤمنان سليمان بن داود و إسكندر و الكافران نمرود و بختنصر، و سيملكها من هذه الأمّة خامس لقوله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ و هو المهدي «3».

2. قال اللّه تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ «4». قال الفخر الرازي في تفسيره: (قال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد اللّه تعالى به في القرآن و الخبر، أمّا القرآن فقوله: وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ «5»، و أمّا الخبر

فقوله (عليه السلام): «لو لم يبق من الدّنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي و كنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا و قسطا، كما ملئت جورا و ظلما»

و اعلم أنّ تخصيص المطلق من غير الدليل باطل) .. «6».

____________

(1) البيان في أخبار صاحب الزمان ص 528. و نقل عن السدي في الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 121 و ج 11 ص 48، و في زاد المسير ج 3 ص 290، ينابيع المودّة ج 2 ص 103 و ج 3 ص 239، تفسير الكبير ج 15 ص 40 و مصادر أخرى للعامّة.

(2) الكافي ج 1 ص 432، كمال الدين و تمام النعمة ص 670، الاعتقادات ص 95، تفسير العيّاشي ج 2 ص 87 و مصادر أخرى للخاصّة.

(3) الجامع لأحكام القرآن ج 11 ص 48.

(4) سورة البقرة: 3.

(5) سورة النور: 55.

(6) التفسير الكبير ج 2 ص 28.

473

و من الواضح أنّ الرازي يسلّم بدلالة القرآن على المهدي (عليه السلام) و أنّ الإيمان بالغيب يشمل الإيمان به، و لكنّه تصوّر أنّ الشيعة يجعلون الإيمان بالغيب مختصّا به فأورد عليهم بما ذكر! و غفل عن أنّ الإيمان بالإمام المهدي (عليه السلام) عندهم من مصاديق الإيمان بالغيب، و ليس الغيب محصورا به!

3. قال اللّه تعالى: وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّٰاعَةِ فَلٰا تَمْتَرُنَّ بِهٰا وَ اتَّبِعُونِ هٰذٰا صِرٰاطٌ مُسْتَقِيمٌ «1». قال ابن حجر: (قال مقاتل بن سليمان و من شايعه من المفسّرين إنّ هذه الآية نزلت في المهدي) «2».

4- قال اللّه تعالى: وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لٰا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ «3»، و فسّرت بالإمام المهدي (عليه السلام) و حكومته، كما في التبيان و مجمع البيان، و تفسير القمي و الغيبة للشيخ الطوسي «4».

5. قال اللّه تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ «5». و قد فسّرت «آية» بالنداء الذي يسمع من السماء قرب

____________

(1) سورة الزخرف: 61.

(2) الصواعق المحرقة ص 162، و راجع أيضا فيض القدير ج 5 ص 383، ينابيع المودّة ج 2 ص 453 و ج 3 ص 345، و مصادر أخرى للعامة.

العمدة ص 430 و 435، بحار الأنوار ج 6 ص 301 و ج 51 ص 98 و مصادر أخرى للخاصّة.

(3) سورة النور: 55.

(4) الغيبة للشيخ الطوسي ص 177، تفسير القمّي ج 1 ص 14، التبيان ج 7 ص 457، مجمع البيان ج 7 ص 267، التفسير الكبير ج 2 ص 28 و مصادر أخرى.

(5) سورة الشعراء: 4.

474

ظهوره (عليه السلام) «1»، و النداء هو:

(ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتّبعوه، فإنّ الحقّ معه و فيه)

«2». 6. قال اللّه تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوٰارِثِينَ «3».

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (لتعطفن الدّنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها. و تلا عقيب ذلك: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوٰارِثِينَ)

«4». 7. قال اللّه تعالى وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا أُولٰئِكَ مٰا كٰانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهٰا إِلّٰا خٰائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ «5»، في جامع البيان عن أسباط عن السدي قوله (لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ) أما خزيهم في الدنيا فإنهم إذا قام المهدي و فتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي «6».

____________

(1) تفسير روح المعاني ج 19 ص 60، و قريب منه: الكافي ج 8 ص 310، كتاب الغيبة ص 270.

(2) ينابيع المودّة ج 3 ص 297، و يدل على دولته (عليه السلام) ما في تفسير النسفي ج 2 ص 1184 و مصادر أخرى للعامة.

تفسير القمي ج 2 ص 118، كمال الدين و تمام النعمة ص 372، كفاية الأثر ص 275، و مصادر أخرى للخاصة.

(3) سورة القصص: 5.

(4) نهج البلاغة الحكم رقم 209. و قريب منه في تفسير القمي ج 2 ص 133، ينابيع المودّة ج 3 ص 272.

(5) سورة البقرة: 114.

(6) جامع البيان في تفسير هذه الآية ج 1 ص 699.

475

و ذكره أيضا في الدر المنثور «1»، و القرطبي «2» عن قتادة عن السدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، و فتح عمورية و رومية و قسطنطينية و غير ذلك من مدنهم.

8. قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ الصّٰالِحُونَ «3». ورد تفسيرها بالإمام المهدي (عليه السلام) و أصحابه «4».

و مضمون هذه الآية موجود في: كتاب المزامير- زبور داود- المزمور السابع و الثلاثين: (لأنّ الربّ يحبّ الحقّ و لا يتخلّى عن أتقيائه. إلى الأبد يحفظون. أمّا نسل الأشرار فينقطع. الصدّيقون يرثون الأرض و يسكنونها إلى الأبد. فم الصديق يلهج بالحكمة، و لسانه ينطق بالحقّ، شريعة إلهه في قلبه، لا تتقلقل خطواته).

و في المزمور الثاني و السبعين: (اللّهمّ أعط أحكامك للملك و بارك لابن الملك.

يدين شعبك بالعدل و مساكينك بالحقّ. تحمل الجبال سلاما للشعب و الآكام بالبرّ.

يقضي لمساكين الشعب. يخلّص بني البائسين و يسحق الظالم. يخشونك ما دامت الشمس و دام القمر إلى دور فدور. ينزل مثل المطر على الجزاز، و مثل الغيوث الذارفة على الأرض. يشرق في أيّامه الصدق، و كثرة السلام إلى أن يضمحل القمر. و يملك من البحر إلى البحر و من النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية. و أعداؤه يلحسون التراب).

**

____________

(1) الدر المنثور ج 1 ص 108.

(2) الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 79.

(3) سورة الأنبياء: 105.

(4) تفسير القمّي ج 2 ص 77 ذيل آية 105 من سورة الأنبياء، روضة الواعظين ص 261، شرح الأخبار ج 3 ص 365، الإفصاح ص 100، ينابيع المودّة ج 3 ص 243 و مصادر أخرى للخاصة و العامة.

476

و قد تواترت أحاديث البشارة النبوية بالإمام المهدي (عليه السلام) عند العامّة و الخاصّة:

قال أبو الحسين الآبري و هو من كبار علماء العامّة: و قد تواترت الأخبار و استفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في المهدي، و أنه من أهل بيته، و أنه يملك سبع سنين و يملأ الأرض عدلا، و أنّ عيسى عليه الصلاة و السلام يخرج فيساعده على قتل الدجّال، و أنه يؤمّ هذه الأمّة و عيسى خلفه ...) «1».

قال الشبلنجي في نور الأبصار: (تواترت الأخبار عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه من أهل بيته و أنه يملأ الأرض عدلا) «2».

و قال ابن أبي الحديد: (و قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدّنيا و التكليف لا ينقضي إلّا عليه) «3» أي بظهوره (عليه السلام). و قال زيني دحلان:

(و الأحاديث الّتي جاء فيها ذكر ظهور المهدي كثيرة متواترة) «4».

صفات الإمام المهدي أرواحنا فداه

لا يتّسع هذا الموجز للبحث عن صفاته (عليه السلام) التي خصّه اللّه تعالى بها، فنكتفي ببعض ما ورد منها في مصادر الفريقين:

المسيح يقتدي به في الصلاة

اتّفق العامّة و الخاصّة على أنّ الأولى بإمامة الجماعة هو الأفضل، و روي أنّ

____________

(1) تهذيب التهذيب ج 9 ص 126، الغيبة للنعماني ص 79 باب 4 ح 9.

(2) نور الأبصار ص 189.

(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 10 ص 96.

(4) الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 338.

477

(إمام القوم وافدهم، فقدّموا أفضلكم)

«1». و روى العامّة و الخاصّة «2» أنه عند ظهوره ينزل عيسى المسيح من السماء إلى الدّنيا، و يصلّي خلفه!

فمع أنّ عيسى كلمة اللّه و روح اللّه، و محيي الموتى و مبرأ الأكمه و الأبرص بإذن اللّه، و هو رابع أولي العزم من الرّسل، و الوجيه عند اللّه، و من المقرّبين، إلّا أنه في صلاته التي هي معراج المؤمن إلى ربّه، يأتم بالإمام المهدي (عليه السلام) و يخاطب اللّه تعالى بلسانه، و يجعله واسطة بينه و بين ربّه، و يقتدي به في قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده، و يجاهد بين يديه، و لا ريب أنّ الدولة الحقّة و الحكومة الإلهية قائمة على أساس الحقّ و العدل و الترجيح بالفضل الذي يقتضي تقديم من حقّه التقدّم

(من أمّ قوما و فيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة)

«3». ذكر الكنجي في كتابه- البيان في أخبار صاحب الزمان- و هذه الأخبار ممّا

____________

(1) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 56 رقم 139، وسائل الشيعة ج 8 ص 347- كتاب الصلاة أبواب صلاة الجماعة باب 26، و مصادر أخرى للعامّة و الخاصّة.

(2) الصواعق المحرقة ص 164، فتح الباري ج 6 ص 358، ارشاد الساري ج 5 ص 419، صحيح البخاري ج 4 ص 143، صحيح مسلم ج 1 ص 94، مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 272 و 336 ج 3 ص 368، سنن ابن ماجه ج 2 ص 1361، المصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 400، مصنف ابن أبي شيبة ج 8 ص 678، كنز العمّال ج 14 ص 334، تفسير ابن كثير ج 1 ص 592، تاريخ مدينة دمشق ج 47 ص 500، عقد الدرر الباب العاشر، صحيح ابن حيان ج 15 ص 213، عون المعبود ج 11 ص 309، الاصابة ج 4 ص 637، و مصادر أخرى للعامّة.

الغيبة للنعماني ص 75 الباب الرابع ح 9، و كشف الغمّة ج 1 ص 526 عيون اخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 202 ب 46 ح 1، روضة الواعظين ص 273، الاحتجاج ج 1 ص 54، الفضائل ص 143، تفسير فرات الكوفى ص 139، كمال الدين و تمام النعمة ص 331، و مصادر أخرى للخاصّة.

(3) علل الشرائع ج 2 ص 326 باب 20 ح 4.

478

ثبت طرقها و صحّتها عند السنّة، و كذلك ترويها الشيعة على السواء، فهذا هو الإجماع من كافّة أهل الإسلام، و مع ثبوت الإجماع على ذلك و صحّته فأيّهما أفضل الإمام أو المأموم في الصلاة و الجهاد معا؟! «1».

كما روى السلمي في عقد الدرر، عن سالم الأشل قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام) يقول: (نظر موسى بن عمران في السفر الأوّل إلى ما يعطى قائم آل محمّد من التمكين و الفضل فقال موسى: رب اجعلني قائم آل محمّد، فقيل له: إنّ ذاك من ذرّية أحمد. ثمّ نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك فقال مثله، فقيل له مثل ذلك. ثمّ نظر في السفر الثالث فرأى مثله فقال مثله)

«2». فمع أنّ موسى (عليه السلام)، أحد الأنبياء أولي العزم، و كليم اللّه تعالى وَ كَلَّمَ اللّٰهُ مُوسىٰ تَكْلِيماً «3»، و المبعوث بالآيات التسع وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسىٰ تِسْعَ آيٰاتٍ بَيِّنٰاتٍ «4»، و من ناداه اللّه و قرّبه لمناجاته: وَ نٰادَيْنٰاهُ مِنْ جٰانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْنٰاهُ نَجِيًّا «5»، فأيّ مقام و منزلة رآه في المهدي حتّى تمنّاه ثلاث مرّات؟!

إنّ تمنّي موسى بن عمران لأن يبلغ منزلة المهدي لا يحتاج إلى الإثبات برواية أو حديث، فإنّ إمامة المهدي (عليه السلام) لنبيّ من أولي العزم كعيسى بن مريم تكفي لأن يتمنّى موسى مقامه.

ثمّ إنّ نتيجة خلق العالم و الإنسان و ثمرة بعثة جميع الأنبياء من آدم إلى الخاتم تتلخّص في أربعة أمور:

____________

(1) البيان في أخبار صاحب الزمان: 498.

(2) عقد الدرر ص 26، و رواه النعماني في الغيبة ص 240.

(3) سورة النساء: 164.

(4) سورة الإسراء: 101.

(5) سورة مريم: 52.

479

1. إشراق الأرض بنور معرفة اللّه و عبادته ليكون مظهرا لقوله تعالى:

وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا «1».

2. إحياء الأرض بحياة العلم و الإيمان بعد موتها، قال اللّه تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا «2».

3. قيام دولة العدل الإلهية و زوال الباطل ليتجلّى قوله تعالى: وَ قُلْ جٰاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْبٰاطِلُ إِنَّ الْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً «3».

4. قيام عامّة الناس بالعدل و القسط، الذي هو الغاية من إرسال الرسل و إنزال الكتب لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ «4».

و ظهور جميع هذه الأمور إنّما يكون على يد المهدي من أهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، الذي (يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا «5». و هو مقام لا عجب أن

____________

(1) سورة الزمر: 69.

(2) سورة الحديد: 17.

(3) سورة الإسراء: 81.

(4) سورة الحديد: 25.

(5) كمال الدين و تمام النعمة ص 33 و 257 و 262 و 264 و 280 و 285 و 288 و موارد أخرى من هذا الكتاب، الخصال ص 396، الأمالي للصدوق ص 78 المجلس السابع ح 3 و ص 419، التوحيد ص 82، معاني الأخبار ص 124، كفاية الأثر ص 4 و 47 و 60 و ...، روضة الواعظين ص 32 و 100 و 255 و 392، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 110 و ...، دلائل الإمامة ص 176 و مصادر أخرى كثيرة للخاصّة.

و قريب منه في البيان للكنجي ص 505، صحيح ابن حبّان ج 15 ص 237، مسند أحمد ج 3 ص 27 و 28 و 36 و 37 و 52 و 70، سنن أبي داود ج 2 ص 309 و 310، المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 514 و في التخليص أيضا و ص 465 و 557 و في التلخيص أيضا و ص 558، مسند أبي يعلى ج 2 ص 274،

480

يتمنّاه الأنبياء العظام (عليهم السلام).

الإمام المهدي (عليه السلام) خليفة اللّه في أرضه

إنّ عنوان الإمام الثاني عشر في روايات العامّة و الخاصّة هو «خليفة اللّه»

(يخرج المهدي و على رأسه غمامة فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة اللّه فاتّبعوه)

«1». إنّ الخلافة من المفاهيم الإضافية المتقوّمة بالخليفة و المستخلف عنه، فلا محالة تختلف شئون الخلافة و مرتبة الخليفة باختلاف مقام من يستخلف عنه، فإذا كان المستخلف عنه فوق كلّ كمال بما لا يتناهى، و هو الذي ليس لعظمته حدّ محدود، فيكون الذي استخلفه اللّه لنفسه، و أقامه مقامه، و أنابه منابه أعلى شأنا و أجلّ قدرا من أن تنال العقول منزلته.

و مقتضى إضافة الخليفة إلى اسم «اللّه» كونه (عليه السلام) آية لجميع أسماء اللّه الحسنى.

مقامه (عليه السلام) يعلم من مقام أصحابه

وردت أحاديث متعدّدة في مدح أصحابه (عليه السلام) تدلّ على علوّ مقامهم، و هذه

____________

مجمع الزوائد ج 7 ص 313 و 317 و ...، عون المعبود ج 11 ص 247، مصنف ابن أبي شيبة ج 8 ص 678 و 679، المصنف ج 11 ص 372، بغية الباحث ص 248، المعجم الأوسط ج 2 ص 15 و ج 9 ص 176، الجامع الصغير ج 2 ص 402 و 672، كنز العمّال ج 14 ص 261 و 264 و ...، تذكرة الحفّاظ ج 3 ص 838، سير أعلام النبلاء ج 15 ص 253، تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 314 و ...، و مصادر أخرى كثيرة للعامّة.

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 470، كفاية الأثر ص 151، و مصادر أخرى للخاصّة. المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 464 و ص 502، مسند أحمد ج 5 ص 277، مسند الشاميين ج 2 ص 72، سنن ابن ماجة ج 2 ص 1367، نور الأبصار للشبلنجي ص 188، عقد الدرر للسلمي: 125، تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 281 و مصادر أخرى للعامة.

481

نماذج منها: أنّ عددهم عدد أهل بدر «1»، و أنّ لهم سيوفا مكتوبا على كلّ سيف منها ألف كلمة ينفتح من كلّ كلمة ألف كلمة «2».

و في روايات العامّة رواية صحيحة على شرط البخاري و مسلم، رواها الذهبي في التلخيص و الحاكم في المستدرك «3» و فيها:

(لا يستوحشون إلى أحد و لا يفرحون بأحد يدخل فيهم

. على عدّة أصحاب بدر

. لم يسبقهم الأوّلون و لا يدركهم الآخرون

. و

على عدّة (عدد) أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر)

. فإذا كان التابع سابقا على الأوّلين و حائزا لمقام القرب المختصّ بالسابقين وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ* أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ «4»، و لم يدركه في الاستباق إلى الكمالات الآخرون، فما أعظم مقام المتبوع الذي هو باب اللّه «5» و ديّان دينه و خليفة اللّه و ناصر حقّه و حجّة اللّه و دليل إرادته.

أنه (عليه السلام) مظهر للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

إنّ للنبي خصوصية و هي كونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خاتم الأنبياء، كما أنّ للمهدي (عليه السلام) خصوصية و هي كونه خاتم الأوصياء، و كما أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاتح الدين فالمهدي (عليه السلام) خاتمه، و قد دلّت على هذا الأمر روايات العامّة و الخاصّة

«المهدي منّا، يختم الدين بنا كما فتح بنا»

«6»، (بكم فتح اللّه

____________

(1) كفاية الأثر ص 267 باب ما جاء عن الكاظم (عليه السلام) من النصّ على ابنه (عليه السلام)، و ص 282 باب ما جاء عن الهادي (عليه السلام) من النص على ابنه.

(2) الغيبة للنعماني: 314 باب 20 ح 7، كمال الدين و تمام النعمة: 268، كفاية الأثر: 282.

(3) المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 554.

(4) سورة الواقعة: 10- 11.

(5) الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 316.

(6) الصواعق المحرقة: 163، و قريب منه في المعجم الأوسط ج 1 ص 56، و عقد الدرر الباب السابع

482

و بكم يختم)

«1». و لهذا، ظهرت فيه (عليه السلام) الخصوصيّات الجسمية و الروحية و الاسمية للخاتم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

إنّ افتتاح الدين و اختتامه بأبي القاسم محمّد كنية و اسما و صورة و سيرة- مع تعدّد الشخص بخاتم النبيّين و خاتم الوصيّين- يحكى عند أهل النظر عن مقام و منزلة سامية فوق الإدراك و البيان.

و نذكر بعض الروايات الواردة في هذا الخصوص:

عن عبد اللّه قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يخرج رجل من أمّتي يواطئ اسمه اسمي و خلقه خلقي، فيملؤها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا

«2». في الصحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

المهدي من ولدي، اسمه اسمي، و كنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا و خلقا، تكون له

____________

ص 145، كنز العمّال ج 11 ص 704 و ج 14 ص 598، ينابيع المودّة ج 3 ص 262 و 392، تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 282، كتاب الفتن ص 229 و مصادر أخرى للعامّة.

كشف الغمّة ج 2 ص 473 الرابع و الثلاثون في ذكرى المهدي و به يؤلّف اللّه بين قلوبهم، اليقين ص 325، شرح الأخبار ج 2 ص 41 و ج 3 ص 389، بصائر الدرجات ص 83، الإمامة و التبصرة ص 92، كمال الدين و تمام النعمة ص 231، الأمالي للطوسي ص 21 و مصادر أخرى للخاصة.

(1) الكافي ج 4 ص 576.

(2) صحيح ابن حبان ج 15 ص 238، و قريب منه في سنن أبي داود ج 2 ص 309، المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 442 و في التلخيص أيضا و 464، بغية الباحث ص 248، المعجم الأوسط ج 2 ص 55، المعجم الكبير ج 10 ص 134 و ... و ج 19 ص 32، الجامع الصغير ج 2 ص 438، تاريخ بغداد ج 9 ص 478، سنن الترمذي ج 3 ص 343 و مصادر أخرى كثيرة للعامّة.

روضة الواعظين ص 261، شرح الأخبار ج 3 ص 386 و 566، الإفصاح ص 102، الإرشاد ج 2 ص 340، العمدة ص 436 و مصادر أخرى للخاصة.

483

غيبة و حيرة، حتى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملؤها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا

«1». في الصحيح عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني

«2». روى الشيخ الصدوق أعلى اللّه مقامه- بواسطتين- عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري و هو من أكابر الثقات، أنه قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) و أنا أريد أن أسأله عن الخلف [من] بعده، فقال لي مبتدئا: (يا أحمد بن إسحاق إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) و لا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة للّه على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، و به ينزل الغيث، و به يخرج بركات الأرض.

قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام و الخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعا فدخل البيت، ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على اللّه عزّ و جلّ و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كنيّه، الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما.

يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمّة مثل الخضر (عليه السلام)، و مثله مثل ذي القرنين، و اللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلّا من ثبّته اللّه عزّ و جلّ على القول بإمامته و وفّقه [فيها] للدعاء بتعجيل فرجه.

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة ص 287، باب 25 ح 4.

(2) كمال الدين و تمام النعمة ص 412، باب 39 ح 8.

484

فقال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟

فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربيّ فصيح، فقال: أنا بقيّة اللّه في أرضه، و المنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق.

فقال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسرورا فرحا، فلمّا كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما مننت [به] عليّ، فما السنّة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد.

قلت: يا ابن رسول اللّه و إنّ غيبته لتطول؟ قال: إي و ربّي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، و لا يبقى إلّا من أخذ اللّه عزّ و جلّ عهده لولايتنا، و كتب في قلبه الإيمان، و أيّده بروح منه.

يا أحمد بن إسحاق: هذا أمر من أمر اللّه، و سرّ من سرّ اللّه، و غيب من غيب اللّه، فخذ ما آتيتك و اكتمه و كن من الشاكرين، تكن معنا غدا في عليّين)

«1». روى العامّة و الخاصّة أنه (عليه السلام) يخرج من عند الكعبة و جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره

«2». و بما أنّ جبرائيل هو الواسطة في إفاضة العلوم و المعارف الإلهية و الحوائج المعنوية، و ميكائيل هو الواسطة في إفاضة الأرزاق و الحوائج المادّية، فتكون مفاتيح خزائن العلوم و الأرزاق كلّها بيده (عليه السلام).

و يظهر كأنه الكوكب الدرّي «3».

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة للصدوق ص 384، ينابيع المودّة ج 3 ص 318.

(2) عقد الدرر ص 65 الباب الخامس، و الفصل الأوّل الباب الرابع، الأمالي للمفيد ص 45، روضة الواعظين ص 264، كتاب الغيبة للنعماني ص 307، الإرشاد ج 2 ص 380 الخرائج و الجرائح ج 2 ص 926 و ج 3 ص 1167 و مصادر أخرى.

(3) الجامع الصغير ج 2 ص 672، فيض القدير ج 6 ص 362 رقم 9245، كنز العمّال ج 14 ص 264،

485

و له هيبة موسى و بهاء عيسى و حكم داود و صبر أيّوب «1».

و عليه جيوب النور تتوقّد من شعاع ضياء القدس «2».

6- أنه (عليه السلام) يظهر في يوم عاشوراء، اليوم الذي قتل فيه جدّه سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) «3».

و بذلك يظهر تفسير قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ اللّٰهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ «4»، و تثمر الشجرة المباركة التي سقيت بذلك الدم الطاهر، و يتجلّى أعلى مصاديق الآية الكريمة وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً «5».

*

____________

- ينابيع المودّة ج 2 ص 104 و ج 3 ص 263، و مصادر أخرى للعامّة.

كتاب الغيبة للنعماني: ص 94، دلائل الإمامة: ص 441، شرح الأخبار ج 3 ص 378، كشف الغمّة ج 2 ص 469 الثامن في صفة وجه المهدي و في بعض الأحاديث كالقمر الدري، العمدة ص 439، الطرائف ص 178 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) و بتفاوت في الكافي ج 1 ص 528، في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 44 باب 6 ح 2، كفاية الأثر، ص 43، كمال الدين و تمام النعمة ص 310، كتاب الغيبة للنعماني ص 66، الاختصاص ص 212، الغيبة للطوسي ص 146، الاحتجاج ج 1 ص 86 و مصادر أخرى.

(2) الإمامة و التبصرة ابن بابويه القمي: ص 114، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 6 باب 30 فيما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار المنثورة ح 14، كمال الدين و تمام النعمة ص 371، كتاب الغيبة للنعماني ص 180 ح 28، و مصادر أخرى.

(3) الغيبة للطوسي ص 452، كشف الغمّة ج 2 ص 462، الإرشاد ج 2 ص 379، إعلام الورى ج 2 ص 286 الباب الرابع الفصل الثاني في ذكر السنة التي يقوم فيها ... و العدد القويّة ص 65.

و عقد الدرر للسلمي ص 65 الباب الرابع الفصل الأوّل.

(4) سورة الصف: 8.

(5) سورة الإسراء: 33.

486

طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام)

ممّا قد يوجب الشبهة في ذهن البسطاء و السطحيّين طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام)، فينبغي أن يعلم أنّ طول عمر الإنسان حتّى إلى ألوف السنين ليس بمحال عقلا و لا عادة، لأنّ المحال العقلي ما ينتهي إلى اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، كأن نقول كلّ شيء إمّا موجود أو غير موجود، و كلّ عدد إمّا فرد أو زوج، و اجتماع هذين أو ارتفاعهما محال.

أمّا المحال العادي فهو ما كان بنظر العقل ممكنا، لكنّه مخالف لقوانين الطبيعة، كأن يقع الإنسان في النار و لا يحترق، و أما حياة الإنسان قرونا عديدة، و بقاء خلاياه شابّة بكامل نشاطها، فليس من القسم الأوّل و لا الثاني، فإذا كان عمر إنسان كنوح (على نبيّنا و آله و (عليه السلام)) تسعمائة و خمسين سنة أو أكثر، كان الزائد عليه أيضا ممكنا، و لهذا ما زال العلماء يبحثون عن سرّ بقاء خلايا الإنسان شابّة نشيطة.

كما أنه قد ثبت بالقواعد العلمية الحديثة إمكان المحافظة على سلامة المواد المعدنية من التحلّل و الزوال عن طريق التصرّف في أجزائها و تركيباتها، فمادّة الحديد- مثلا- التي يفسدها الصدأ و غيره، يمكن تبديلها إلى ذهب خالص لا يعرضه أيّ خراب و فساد.

و عليه فإنّ طول عمر الإنسان أمر ممكن عقلا و علما و إن لم يكتشفوا إلى اليوم سرّ ذلك.

هذا مضافا إلى أنّ الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) و طول عمره إنّما هو بعد الاعتقاد بالقدرة المطلقة للّه تعالى، و الاعتقاد بنبوّة الأنبياء (عليهم السلام) و تحقّق المعجزات

487

على أيديهم.

إنّ القدرة التي جعلت النار على إبراهيم بردا و سلاما، و أبطلت سحر السحرة بعصا موسى، و أحيت الأموات بنفس عيسى، و أبقت أهل الكهف قرونا أحياء نياما بلا ماء و لا غذاء ... من الهيّن عليها إبقاء إنسان ألوف السنين حيّا يرزق و يعيش بنشاط الشباب، من أجل هدف إبقاء الحجّة للّه في أرضه، و نفاذ مشيئته في غلبة الحقّ على الباطل إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1».

و ليس بعيدا عن زماننا يوم انهدم قبر الشيخ الصدوق (قدس سره) فوجدوا جثته في قبره غضّة طرية، و رأوا أنّ العوامل الطبيعية لتحلّل الجسد قد توقّف عملها في بدنه الشريف!

فإذا كانت قوانين الطبيعة تخضع للاستثناء في حقّ شخص ولد بدعاء الإمام المهدي (عليه السلام)، و ألّف كتابا مثل كمال الدين باسمه، فلا تعجب أن تخضع هذه القوانين للاستثناء في حقّ خليفة اللّه تعالى في أرضه، و وارث جميع أنبيائه و أوصيائه.

معجزات الإمام المهدي (صلوات اللّه عليه) في غيبته

قال الشيخ الطوسي أعلى اللّه مقامه في كتابه:

(و أمّا ظهور المعجزات الدالّة على صحّة إمامته في زمان الغيبة فهي أكثر من أن تحصى غير أنّا نذكر طرفا منها ...) «2».

فإذا كانت معجزاته إلى زمن الشيخ الطوسي (رحمه الله) الذي توفي 460 هجرية، أكثر

____________

(1) سورة يس: 82.

(2) الغيبة للشيخ الطوسي: 281.

488

من حدّ الإحصاء، فكم تبلغ إلى زماننا هذا؟!

و نكتفي في هذا المختصر بما يلي:

1- قال علي بن عيسى الأربلي الثقة عند الفريقين في كتابه كشف الغمّة: «1» (و أنا أذكر من ذلك قصّتين قرب عهدهما من زماني، و حدّثني بهما جماعة من ثقات إخواني:

كان في بلاد الحلّة شخص يقال له إسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها هرقل، مات في زماني و ما رأيته، حكى لي ولده شمس الدين قال: حكى لي والدي أنه خرج فيه و هو شباب على فخذه الأيسر توثة مقدار قبضة الإنسان، و كانت في كلّ ربيع تشقّق و يخرج منها دم و قيح، و يقطعه ألمها عن كثير من أشغاله، و كان مقيما بهرقل، فحضر الحلّة يوما و دخل إلى مجلس السعيد رضيّ الدين علي بن طاوس (رحمه الله)، و شكا إليه ما يجده منها، و قال أريد أن أداويها، فأحضر له أطبّاء الحلّة و أراهم الموضع، فقالوا هذه التوثة فوق العرق الأكحل، و علاجها خطر، و متى قطعت خيف أن ينقطع العرق فيموت، فقال له السعيد رضيّ الدين قدّس روحه: أنا متوجّه إلى بغداد و ربما كان أطبّائها أعرف و أحذق من هؤلاء، فاصحبني، فأصعد معه و أحضر الأطبّاء فقالوا كما قال أولئك، فضاق صدره فقال له السعيد: إنّ الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب، و عليك الاجتهاد في الاحتراس، و لا تغرر بنفسك، فاللّه تعالى قد نهى عن ذلك و رسوله، فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك، و قد وصلت إلى بغداد فأتوجّه إلى زيارة المشهد الشريف بسرّ من رأى على مشرّفه السلام، ثمّ أنحدر إلى أهلي، فحسن له ذلك،

____________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 493.

489

فترك ثيابه و نفقته عند السعيد رضي الدين و توجّه، قال: فلمّا دخلت المشهد و زرت الأئمّة (عليهم السلام)، و نزلت السرداب و استغثت باللّه تعالى و بالإمام (عليه السلام)، و قضيت بعض الليل في السرداب، و بت في المشهد إلى الخميس ثمّ مضيت إلى دجلة و اغتسلت و لبست ثوبا نظيفا و ملأت إبريقا كان معي، و صعدت أريد المشهد، فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور، و كان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم، فحسبتهم منهم فالتقينا، فرأيت شابّين أحدهما عبد مخطوط، و كلّ واحد منهم متقلّد بسيف، و شيخا منقّبا بيده رمح، و الآخر متقلّد بسيف و عليه فرجية ملوّنة فوق السيف، و هو متحنّك بعذبته، فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق، و وضع كعبه في الأرض، و وقف الشابّان عن يسار الطريق، و بقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثمّ سلّموا عليه فردّ (عليهم السلام)، فقال له صاحب الفرجية: أنت غدا تروح إلى أهلك؟ فقال: نعم، فقال له: تقدّم حتّى أبصر ما يوجعك، قال فكرهت ملامستهم، و قلت في نفسي:

أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة، و أنا قد خرجت من الماء، و قميصي مبلول، ثمّ إنّي بعد ذلك تقدّمت إليه فلزمني بيده، مدّني إليه و جعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني، ثمّ استوى في سرجه كما كان، فقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل، فعجبت من معرفته باسمي، فقلت:

أفلحنا و أفلحتم إن شاء اللّه.

قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الإمام، قال: فتقدّمت إليه فاحتضنته و قبّلت فخذه. ثمّ إنه ساق و أنا أمشي معه محتضنه فقال: ارجع، فقلت: لا أفارقك أبدا.

فقال: المصلحة رجوعك، فأعدت عليه مثل القول الأوّل، فقال الشيخ: يا إسماعيل ما تستحيي يقول لك الإمام مرّتين ارجع و تخالفه؟! فجبهني بهذا القول فوقفت،

490

فتقدّم خطوات و التفت إليّ و قال: إذا وصلت بغداد، فلا بدّ أن يطلبك أبو جعفر، يعني الخليفة المستنصر، فإذا حضرت عنده و أعطاك شيئا فلا تأخذه، و قل لولدنا الرضي ليكتب لك إلى علي بن عوض، فإنّني أوصيه يعطيك الذي تريد!

ثمّ سار و أصحابه معه، فلم أزل قائما أبصرهم إلى أن غابوا عنّي، و حصل عندي أسف لمفارقته، فقعدت إلى الأرض ساعة ثمّ مشيت إلى المشهد فاجتمع القوّام حولي، و قالوا نرى وجهك متغيّرا، أ أوجعك شيء؟ قلت: لا. قالوا:

أخاصمك أحد؟ قلت: لا، ليس عندي ممّا تقولون خبر، لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟

فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم، فقلت: لا، بل هو الإمام (عليه السلام)! فقالوا:

الإمام هو الشيخ أو صاحب الفرجية؟ فقلت: هو صاحب الفرجية، فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده و أوجعني، ثمّ كشفت رجلي، فلم أر لذلك المرض أثرا، فتداخلني الشك من الدهش، فأخرجت رجلي الأخرى فلم أر شيئا، فانطبق الناس عليّ، و مزّقوا قميصي، فأدخلني القوّام خزانة، و منعوا الناس عنّي.

و كان ناظر بين النهرين بالمشهد فسمع الضجّة، و سأل عن الخبر فعرفوه، فجاء إلى الخزانة و سألني عن اسمي، و سألني منذ كم خرجت من بغداد فعرفته أنّي خرجت في أوّل الأسبوع، فمشى عنّي.

و بتّ في المشهد و صلّيت الصبح و خرجت، و خرج الناس معي إلى أن بعدت عن المشهد و رجعوا عنّي، و وصلت إلى أوانا فبت بها، و بكّرت منها أريد بغداد، فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة، يسألون من ورد عليهم عن اسمه و نسبه و أين كان؟ فسألوني عن اسمي و من أين جئت فعرّفتهم فاجتمعوا عليّ

491

و مزّقوا ثيابي، و لم يبق لي في روحي حكم، و كان ناظر بين النهرين كتب إلى بغداد و عرّفهم الحال.

ثمّ حملوني إلى بغداد، و ازدحم الناس عليّ و كادوا يقتلونني من كثرة الزحام و كان الوزير القمّي (رحمه الله) تعالى قد طلب السعيد رضيّ الدين (رحمه الله)، و تقدّم أن يعرّفه صحّة الخبر.

قال: فخرج رضيّ الدين و معه جماعة. فوافينا باب النوبي فرد أصحابه الناس عنّي فلمّا قال: أ عنك يقولون؟ قلت: نعم؟ فنزل عن دابّته و كشف عن فخذي فلم ير شيئا، فغشي عليه ساعة، و أخذ بيدي و أدخلني على الوزير و هو يبكي، و يقول يا مولانا هذا أخي و أقرب الناس إلى قلبي، فسألني الوزير عن القصّة فحكيت له، فأحضر الأطبّاء الذين أشرفوا عليها و أمرهم بمداواتها، فقالوا: ما دواؤها إلّا القطع بالحديد، و متى قطعها مات! فقال لهم الوزير فبتقدير أن تقطع و لا يموت في كم تبرأ؟ فقالوا في شهرين و تبقى في مكانها حفيرة بيضاء، لا ينبت فيها شعر. فسألهم الوزير: متى رأيتموه؟ قالوا: منذ عشرة أيّام. فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم، و هي مثل أختها ليس فيها أثر أصلا، فصاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح!

فقال الوزير حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف من عملها.

ثمّ إنه أحضر عند الخليفة المستنصر (رحمه الله) تعالى، فسأله عن القصّة، فعرّفه بها كما جرى، فتقدّم له بألف دينار، فلمّا حضرت قال: خذ هذه فأنفقها، فقال:

ما أجسر آخذ منه حبّة واحدة! فقال الخليفة: ممّن تخاف، فقال من الذي فعل معي هذا! قال لا تأخذ من أبي جعفر شيئا، فبكى الخليفة و تكدّر! و خرج من عنده و لم يأخذ شيئا.

492

قال أفقر عباد اللّه تعالى إلى رحمته علي بن عيسى عفا اللّه عنه: كنت في بعض الأيّام أحكي هذه القصّة لجماعة عندي، و كان هذا شمس الدين محمّد ولده عندي و أنا لا أعرفه فلمّا انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه، فعجبت من هذا الاتفاق و قلت: هل رأيت فخذه و هي مريضة؟ فقال: لا، لأنّي أصبو عن ذلك، و لكنّي رأيتها بعد ما صلحت، و لا أثر فيها، و قد نبت في موضعها شعر.

و سألت السيّد صفيّ الدين محمّد بن محمّد بن بشر العلوي الموسوي، و نجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما اللّه تعالى، و كانا من أعيان الناس و سراتهم و ذوي الهيئات منهم، و كانا صديقين لي و عزيزين عندي، فأخبراني بصحّة هذه القصّة و أنّهما رأياها في حال مرضها، و حال صحّتها، و حكى لي ولده هذا: أنه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه (عليه السلام)، حتّى أنه جاء إلى بغداد، و أقام بها في فصل الشتاء، و كان كلّ أيّام يزور سامراء و يعود إلى بغداد، فزارها في تلك السنة أربعين مرّة طمعا أن يعود له الوقت الذي مضى أو يقضي له الحظّ بما قضى، و من الذي أعطاه دهره الرضا، أو ساعده بمطالبة صرف القضاء، فمات (رحمه الله) بحسرته، و انتقل إلى الآخرة بغصّته، و اللّه يتولّاه و إيّانا برحمته، بمنّه و كرامته.

و حكى لي السيّد باقي بن عطوة العلوي الحسيني: أنّ أباه عطوة كان به أدرة و كان زيدي المذهب، و كان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية و يقول:

لا أصدّقكم و لا أقول بمذهبكم، حتّى يجيء صاحبكم يعني المهدي فيبرئني من هذا المرض، و تكرّر هذا القول منه! فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة، إذ أبونا يصيح و يستغيث بنا، فأتيناه سراعا فقال: الحقوا صاحبكم، فالساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نر أحدا فعدنا إليه و سألناه، فقال: إنه دخل إليّ شخص

493

و قال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا صاحب بنيك قد جئت لأبرئك ممّا بك، ثمّ مدّ يده فعصر قروتي و مشى، و مددت يدي فلم أر لها أثرا! قال لي ولده: و بقي مثل الغزال ليس به قلبه.

و اشتهرت هذه القصّة و سألت عنها غير ابنه فأخبر عنها.

روي عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، قال: لمّا وصلت بغداد في سنة سبع و ثلاثين للحج و هي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت؛ كان أكبر همّي بمن ينصب الحجر، لأنه مضى في أثناء الكتب قصّة أخذه و أنه ينصبه في مكانه الحجّة في الزمان، كما في زمن الحجّاج وضعه زين العابدين (عليه السلام) في مكانه فاستقرّ، فاعتللت علّة صعبة خفت فيها على نفسي، و لم يتهيّأ لي ما قصدت له، فاستنبت المعروف بابن هشام، و أعطيته رقعة مختومة أسأل فيها عن مدّة عمري، و هل تكون المنيّة في هذه العلّة أم لا؟ و قلت همّي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه، و أخذ جوابه، و إنّما أندبك لهذا، فقال المعروف:

بابن هشام لما حصلت بمكة و عزم على إعادة الحجر في مكانه، و أقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام الناس؛ فكلّما عمد إنسان لوضعه اضطرب و لم يستقم، فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه فتناوله و وضعه في مكانه فاستقام كأنه لم يزل عنه، و علت لذلك الأصوات، فانصرف خارجا من الباب فنهضت من مكاني أتبعه، و أدفع الناس عنّي يمينا و شمالا حتّى ظنّ بي الاختلاط [اختلاط] في العقل، و الناس يفرجون لي، و عيني لا تفارقه حتّى انقطع عنّي الناس، و كنت أسرع الشدّة خلفه؛ و هو يمشي على تؤدة و لا أدركه؛ فلمّا حصل بحيث لا يراه أحد غيري وقف و التفت إلي، فقال: هات ما معك، فناولته الرقعة فقال من غير أن ينظر فيها؛ قل له لا خوف عليك في هذه العلّة و يكون ما لا بدّ منه بعد ثلاثين سنة. قال: فوقع عليّ الزمع حتّى لم أطق

494

حراكا و تركني و انصرف، قال أبو القاسم: فأعلمني بهذه الجملة فلمّا كانت سنة سبع و ستّين اعتل أبو القاسم، فأخذ ينظر في أمره و تحصيل جهازه إلى قبره، و كتب وصيّته و استعمل الجد في ذلك، فقيل له: ما هذا الخوف و ترجو أن يتفضّل اللّه بالسلامة فما عليك مخوفة؟ فقال: هذه السنة التي وعدت و خوّفت منها فمات في علّته

«1». روي عن أبي الحسن المسترق الضرير: كنت يوما في مجلس الحسن بن عبد اللّه بن حمدان، ناصر الدولة، فتذاكرنا أمر الناحية، قال: كنت أزري عليها، إلى أن حضرت مجلس عمّي الحسين يوما، فأخذت أتكلّم في ذلك. فقال: يا بنيّ قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت لولاية قم حين استصعبت على السلطان، و كان كلّ من ورد إليها من جهة السلطان يحاربه أهلها، فسلّم إليّ جيش و خرجت نحوها، فلمّا بلغت إلى ناحية طزر خرجت إلى الصيد ففاتتني طريدة، فاتّبعتها، و أوغلت في أثرها، حتّى بلغت إلى نهر، فسرت فيه، و كلّما أسير يتّسع النهر، فبينما أنا كذلك إذ طلع عليّ فارس تحته شهباء، و هو متعمّم بعمامة خزّ خضراء، لا أرى منه إلّا عينيه، و في رجليه خفّان أحمران، فقال لي: يا حسين. فلا هو أمّرني و لا كنّاني، فقلت: ما ذا تريد؟ قال: لم تزري على الناحية؟ و لم تمنع أصحابي خمس مالك؟ و كنت الرجل الوقور الذي لا يخاف شيئا فأرعدت [منه] و تهيّبته، و قلت له:

أفعل يا سيّدي ما تأمر به.

فقال: إذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجّه إليه، فدخلته عفوا و كسبت ما كسبته، تحمل خمسه إلى مستحقّه. فقلت: السمع و الطاعة.

____________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 502.

495

فقال: امض راشدا، و لوى عنان دابّته و انصرف فلم أدر أيّ طريق سلك، و طلبته يمينا و شمالا فخفي عليّ أمره، و ازددت رعبا و انكفأت راجعا إلى عسكري و تناسيت الحديث.

فلمّا بلغت قم و عندي أنّي أريد محاربة القوم، خرج إليّ أهلها و قالوا: كنّا نحارب من يجيئنا بخلافهم لنا فأمّا إذا وافيت أنت فلا خلاف بيننا و بينك، ادخل البلدة فدبّرها كما ترى.

فأقمت فيها زمانا، و كسبت أموالا زائدة على ما كنت أقدر، ثمّ وشا القوّاد بي إلى السلطان، و حسدت على طول مقامي، و كثرة ما اكتسبت، فعزلت و رجعت إلى بغداد، فابتدأت بدار السلطان و سلّمت عليه، و أتيت إلى منزلي، و جاءني فيمن جاءني محمّد بن عثمان العمري، فتخطّى الناس حتّى اتّكأ على تكأتي، فاغتظت من ذلك، و لم يزل قاعدا ما يبرح، و الناس داخلون و خارجون، و أنا أزداد غيظا.

فلمّا تصرّم [الناس، و خلا] المجلس، دنا إليّ و قال: بيني و بينك سرّ فاسمعه، فقلت: قل. فقال: صاحب الشهباء و النهر يقول: قد وفينا بما وعدنا.

فذكرت الحديث و ارتعت من ذلك، و قلت: السمع و الطاعة. فقمت فأخذت بيده، ففتحت الخزائن، فلم يزل يخمّسها، إلى أن خمّس شيئا كنت قد أنسيته ممّا كنت قد جمعته، و انصرف، و لم أشكّ بعد ذلك، و تحقّقت الأمر.

فأنا منذ سمعت هذا من عمّي أبي عبد اللّه زال ما كان اعترضني من شكّ

«1».*

____________

(1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 472.

496

وجه الاستفادة من وجود الإمام (عليه السلام) في غيبته

لا شك أنّ غيبة إمام العصر و الزمان (صلوات اللّه عليه) خسارة كبيرة للأمّة و للعالم، و أنّ البشرية قد حرمت من قسم كبير من البركات المتوقّفة على حضوره، و لكن قسما منها لا يتوقّف على ذلك، فإنه (صلوات اللّه عليه) كالشمس لا يمكن للغيبة أن تمنع تأثير أشعّتها في قلوب المؤمنين النقيّة، كما تنفذ أشعّة الشمس في باطن الأرض و تغذي الجواهر النفيسة و تنمّيها، و لا تستطيع الصخور و لا طبقات الأرض أن تمنع استفادتها من أشعّتها.

و كما أنّ الاستفادة من الألطاف الخاصّة الإلهية لها طريقان:

الأوّل: الجهاد في اللّه، بتصفية النفس من الكدورات المانعة من انعكاس نور عنايته.

و الثانى: الاضطرار، فإنه يرفع الحجاب بين الفطرة و مبدأ الفيض عزّ و جلّ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ «1»، فكذلك الاستفادة من الإمام (عليه السلام) الذي هو الواسطة للفيض الإلهي تتيسّر بطريقين:

الأوّل: التزكية فكرا و خلقا و عملا وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا وَ إِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ «2»

(أ ما تعلم أنّ أمرنا هذا لا ينال إلّا بالورع)

«3». الثانى: الاضطرار و الانقطاع عن الأسباب المادّية.

____________

(1) سورة النمل: 62.

(2) سورة العنكبوت: 69.

(3) بصائر الدرجات: الجزء الخامس ص 263، باب 11 ح 2، دلائل الإمامة ص 254، الخرائج و الجرائح ج 2 ص 728.

497

و كم من المضطرّين الذين تقطّعت بهم السبل، توسّلوا إلى اللّه تعالى بغوث الورى و استغاثوا به، فاستجاب اللّه لهم.

ختاما، نعترف بالقصور و التقصير لساحة الإمام المقدّسة، فهو الذي أتمّ اللّه به نوره، و بوجوده كلمته، و هو الذي كمال الدين بالإمامة و كمال الإمامة به، و قد ورد في الدعاء له في ليلة ميلاده:

(اللّهمّ بحقّ ليلتنا هذه و مولودها، و حجّتك و موعودها، التي قرنت إلى فضلها فضلك، فتمّت كلمتك صدقا و عدلا، لا مبدّل لكلماتك و لا معقّب لآياتك، و نورك المتألّق، و ضياؤك المشرق، و العلم النور في طخياء الديجور، الغائب المستور، جلّ مولده، و كرم محتده، و الملائكة شهّده، و اللّه ناصره و مؤيّده إذا آن ميعاده، و الملائكة إمداده، سيف اللّه الذي لا ينبو، و نوره الذي لا يخبو، و ذو الحلم الذي لا يصبو ...)

«1». هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيٰاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً «2» و في وجوده (عليه السلام) جمع الشمس و القمر، و شتان ما بين شمس سماء الدنيا و قمرها و شمس سماء الملأ الأعلى و قمرها.

و الفارق بينهما أن الشمس و القمر ضياء و نور، و لكن المهدى نور اللّه المتألق و ضياء اللّه المشرق، و ظهوره تأويل قوله تعالى وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا «3» فإذا كان البصر منقطعا عن إحساس جرم الشمس التي جعلها اللّه ضياء، فكيف لا تكون البصيرة منقطعة عن إدراك حقيقة الشمس المضيئة بضياء اللّه.

لقد جفّ القلم عن تحرير القدرة الإلهية المدخرة في وجود من هو سيف اللّه الذي لا ينبو، و كلّ البيان عن تقرير العلم الذي أشرق اللّه على قلب من هو نور اللّه الذي لا يخبو.

____________

(1) مصباح المتهجّد: 842، المزار الكبير: 410.

(2) سورة يونس: 5.

(3) سورة الزمر: 69.

498

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

499

شيعة الأئمّة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم)

500

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

501

شيعة الأئمّة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم) شيعة أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين نزل في شأنهم- على ما في تفاسير العامّة و الخاصّة «1»- قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ

____________

(1) قال الطبري في جامع البيان ج 30 ص 335/ 2928-

حدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا عيسى ابن فرقد، عن أبي الجارود، عن محمّد بن علي أولئك هم خير البريّة فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنت يا علي و شيعتك.

الدرّ المنثور ج 6 ص 379: و أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد اللّه قال: كنّا عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأقبل عليّ فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): و الذي نفسي بيده إنّ هذا و شيعته لهم الفائزون يوم القيامة، و نزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، فكان أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية.

و أخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي: هو أنت و شيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.

و أخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ لم تسمع قول اللّه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، أنت و شيعتك و موعدي و موعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب، تدعون غرّا محجّلين.

و نقل الشوكاني في فتح القدير ج 5 ص 477. عن ابن عساكر

و قال ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 371: عن جابر بن عبد اللّه قال: كنّا عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأقبل علي بن أبي طالب فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قد أتاكم أخي ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال:

و الذي نفسي بيده إنّ هذا و شيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثمّ قال: إنه أوّلكم إيمانا معي، و أوفاكم بعهد اللّه، و أقومكم بأمر اللّه، و أعدلكم في الرعية، و أقسمكم بالسويّة، و أعظمكم عند اللّه مزيّة، و نزلت: إِنَّ

الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، قال: فكان أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا أقبل عليّ قالوا: قد جاء خير البرية.

502

خَيْرُ الْبَرِيَّةِ «1».

و قال اللّه تعالى: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ «2»، و الآية بمقتضى الروايات الواردة من طرق الخاصّة و العامّة، و ما ذكره المفسّرون من الفريقين نزلت في شأن أمير المؤمنين (عليه السلام) «3».

____________

و راجع ينابيع المودّة ج 1 ص 197 و 223، ج 2 ص 357 و 452، الصواعق المحرقة الباب الحادي عشر، الفصل الأوّل، الآية الحادية عشرة، ص 161، و مصادر أخرى من كتب التفاسير و الأحاديث للعامّة.

و في المحاسن ج 1 ص 171 ح 140 عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، قال: هم شيعتنا أهل البيت.

و في روضة الواعظين ص 105: و قال (الباقر (عليه السلام)) أيضا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي مبتدئا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ هم أنت و شيعتك و ميعادي و ميعادكم الحوض إذا حشر الناس، حيث أنت و شيعتك شباعا مرويين غرّا محجّلين.

و في شرح الأخبار ج 1 ص 202 ح 167 عن عبد اللّه بن محمّد بن عمر بن علي، أنه قال: أنزلت في عليّ (عليه السلام) و شيعته آية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) قال: هو علي و شيعته.

و راجع ج 3 ص 469، الأمالي للشيخ الطوسي ص 252 و 405 و 671، و مشكاة الأنوار ص 167 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) سورة البيّنة: 7.

(2) المائدة: 55.

(3) ذخائر العقبى ص 102، المعجم الأوسط ج 6 ص 218، معرفة علوم الحديث ص 102، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 13 ص 277، نظم درر السمطين ص 86، جامع البيان (تفسير الطبري) ج 6 ص 389، أحكام القرآن ج 2 ص 557، شواهد التنزيل ج 1 ص 209 إلى 253 و ص 403، الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 221، تفسير ابن كثير ج 2 ص 74، الدر المنثور ج 2 ص 293، تاريخ مدينة