منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
53

النبوّة العامّة بعد أن ثبت وجود الخالق الحكيم، تثبت بذلك ضرورة وجود النبوّة و النبي.

ضرورة التعليم و التربية الإلهية

لكي نفهم احتياج البشر إلى هداية الأنبياء، لا بدّ أن نعرف طبيعة خلقة الإنسان، و الهدف من خلقته، و العوامل الموصلة إلى ذلك الهدف و المعيقة عنه.

و لا يتّسع هذا الموجز للوصول إلى عمق هذه المباحث، كما يظهر ذلك من العناوين المطروحة، لكن نشير إلى بعض الجهات بقدر الضرورة:

الجهة الأولى:

إنّ الإنسان موجود له غرائز مختلفة، و حياته تبدأ من أضعف مراتبها التي هي الحياة النباتية، و تصل إلى الحياة العقلانية، بل إلى أرقى منها، فإنّ المؤمن ينظر بنور اللّه «1».

و الإنسان مخلوق مركّب من طبع و عقل، و جسم ذي حاجات محدودة، و روح ذات مطلوبات غير محدودة، و هو في تساميه و تعاليه أعلى من الملائكة، و في تسافله و تنزّله أحطّ من البهائم.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 218 ح 3 (اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عزّ و جلّ).

54

عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، فقلت: «الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

إنّ اللّه عزّ و جلّ ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة، و ركّب في البهائم شهوة بلا عقل، و ركّب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، و من غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم»

«1». و كان هذا الخلق في غاية الإبداع بحيث صار- بعد تسويته و نفخ الروح المضاف إلى اللّه تعالى «2» فيه- مخلوقا استثنائيّا من بين كلّ الموجودات، و تظهر عظمة خلقه من قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ «3».

و الإنسان يدرك أنه لم يخلق لحياة مادّية محدودة، فإنّ الحكمة توجب أن تكون الأدوات متناسبة مع العمل المطلوب منها، و الخلقة متناسبة مع الهدف منها، فلو كانت الحياة التي خلق من أجلها حياته الدنيوية فقط، لكانت قوّة الشهوة التي تجلب الملائمات و قوّة الغضب التي تدفع المنافرات كافيتين له، و لم يكن موجب لأن يعطى عقلا متطلّعا إلى علم غير محدود، مشتاقا إلى التخلية عن الرذائل و التحلية بالفضائل، و فطرة لا تقنع بأيّ مقام يصل إليه، بل تتعطّش ما هو أعلى منه، فإعطاء الإنسان ذلك العقل و تلك الفطرة دليل على أنه مخلوق لحياة غير محدودة، كما

ورد في الحديث النبوي الشريف: «ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، و إنّما تنقلون من دار إلى دار»

«4».

____________

(1) علل الشرائع ج 1 ص 4 باب 6 ح 1.

(2) إشارة إلى الآية الكريمة: فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ سورة الحجر: 29.

(3) سورة المؤمنون: 14.

(4) بحار الأنوار ج 6 ص 249.

55

و من ناحية أخرى، إنّ حكمة الحكيم على الإطلاق تدلّنا على أنّ كلّ قوّة أودعها في الموجود فقد هيّأ لها عوامل الوصول إلى مرحلة فعليّتها، لأنّ إفاضة قوّة لا تتحوّل إلى الفعل أصلا، و طلب لا يصل إلى المطلوب، لغو و عبث، تعالى اللّه عنهما.

فأنت ترى أنّ العلم و القدرة المطلقة، عند ما أعطى قوّة الإثمار للحبّة، خلق لها الماء و التراب و الهواء، و جعل لها فيها عوامل وصولها إلى هدفها!

و عند ما أعطى نطفة الإنسان قوّة التحوّل إلى أعضاء و جوارح، خلق لها الرحم و عوامل فعليّتها فيه!

فكيف يمكن أن يخلق اللّه قوّة التفكر في الإنسان للوصول إلى ثمرة العلم و العمل، و يخلق روح الإنسان و يودع فيها استعداد الوصول إلى الكمال العلمي و الخلقي و العملي، إلى أن يصل إلى معرفة اللّه باللّه، ثمّ لا يهيّئ عوامل بلوغهما إلى ثمرهما، و الشرائط التي توجب فعلية استعداد النفس الإنسانية لأعلى مراتب الكمالات العلمية و العملية؟!

و كيف يمكن أن لا يهدي الإنسان إلى الغرض المقصود من خلقته؟!

فهل يمكن أن يخصّص قانون أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ «1» و يستثنى منه خلق الإنسان؟!

كلّا، و لهذا كانت ضرورة الهداية الإلهية لإيصال الإنسان إلى الهدف من خلقه واضحة وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا* فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا «2».

____________

(1) سورة طه: 50.

(2) سورة الشمس: 7 و 8.

56

الجهة الثانية:

إنّ الإنسان بفطرته يبحث عن صانعه و خالقه، يريد أن يعرف من هو الذي أوجده بعد أن لم يكن، و أعطاه هذه الجوارح و الأعضاء و القوى وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً «1»، و أنعم عليه بما لا يعدّ و لا يحصى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لٰا تُحْصُوهٰا «2».

و يريد أن يعرف هذا المنعم الحقيقي، ليقوم بوظيفته العقلية، و هي شكر المنعم الحقيقي.

و من ناحية أخرى يدرك الإنسان أنّ اللّه تعالى- الذي هو خالق الحسّ و المحسوس، و الوهم و الموهوم، و العقل و المعقول، السّبوح القدّوس عن جميع النقائص و القبائح، الذي لا يتناهى جماله و كماله- أعظم و أعلى و أجلّ من أن يكون طرفا لخطاب مخلوق مملوء بالجهل و الخطأ و الهوى، فيجيبه مباشرة على أسئلته، و يوجّهه إلى ما يجب و يحرم عليه في أيّام حياته.

فلا بدّ من وجود واسطة بين اللّه تعالى و بين خلقه، له صورة الإنسان و صفاته ليتعامل مع الناس، و له عقل منزّه عن الخطأ، و نفس مقدّسة عن الهوى، و سيرة ربّانية، ليكون- على وفق قانون تناسب الفاعل و القابل- أهلا لتنوّره بنور الوحي، و لتلقي الهداية و المعرفة من اللّه تعالى، فيفتح أبوابها للبشر، و ينقذ الإنسان من تفريطه في تعطيل العقل عن معرفة اللّه، و من إفراطه في تشبيه الحقّ بالخلق، و يهديه إلى الدين القيّم و الصراط المستقيم وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لٰا

____________

(1) سورة لقمان: 20.

(2) سورة إبراهيم: 34.

57

تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «1».

الجهة الثالثة:

الإنسان له قدرات فكرية يستطيع بها أن يستكشف عددا من أسرار الطبيعة و قوانينها، و يستخدم بعض طاقاتها، و فيه أهواء نفسانية و قوى شهوانية و غضبية توسّعية خطيرة، لا تقف عند حدّ، و هذه خاصّية طبيعة الإنسان.

و لهذا ارتبط صلاح الأرض و فسادها بصلاح الإنسان و فساده ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي النّٰاسِ «2»، بل بمقتضى قوله تعالى: وَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ «3» فإنّ صلاح الكرات الأخرى و فسادها مرتبط بالإنسان أيضا.

و الذي يضمن إصلاح هذا الموجود، إنّما هي الهداية الإلهية، التي تحقّق له الاعتدال الفكري بالعقائد الحقّة، و الاعتدال الروحي بالأخلاق الفاضلة، و الأعمال الصالحة.

الجهة الرابعة:

إنّ حياة الإنسان بسبب حاجاته المختلفة مرتبطة بالمجتمع، و هذا الارتباط يستتبع التأثير و التأثّر المتقابل، فيوجب ذلك حقوقا مختلفة للأفراد و المجتمع، لا بقاء للحياة الاجتماعية إلّا بإحقاقها، و لا يمكن إحقاقها إلّا بوضع و إجراء قوانين

____________

(1) سورة الأنعام: 153.

(2) سورة الروم: 41.

(3) سورة الجاثية: 13.

58

صحيحة مصونة من النقص و الخطأ، معصوم واضعها و منفّذها عن التأثّر بالمصالح الشخصية و الانحراف عن الحقّ و العدالة.

و هذا لا يتحقّق إلّا في الشرائع الإلهية، و في الأنبياء الذين يبلغونها و ينفذونها لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ «1».

** و بعد أن اتضح ضرورة هداية الإنسان إلى المبدأ و المعاد و الهدف من خلقه، و اتّضح لزوم إيصاله إلى كماله النظري و العملي، و لزوم تعديل قواه النفسانية، و تأمين حقوقه الفردية و الاجتماعية، يتّضح أنّ هذه الأهداف لا تتيسّر إلّا عن طريق الوحي و النبوّة، و كفاية هذه المهمّات لا تتحقّق بالفكر الذي لا يصان عن الخطأ، و باليد المغلولة بقيد الهوس و الهوى.

إنّ مصباح فكر الإنسان مهما كان قويّا، ليس بإمكانه أن يضيء النقاط المبهمة و المجهولة في فطرته، و يستغني في مسيرة حياته عن الأنبياء و هدايتهم (عليهم السلام).

لقد بذل نوابغ البشر جهودهم في البحث عن أسرار العالم، فتصوّروا أنّهم توصّلوا إلى نتائج و نظريات افتخروا بكشفها، و صدّقها الناس، و مضت قرون و أجيال على التصديق بها، فإذا هي أوهام باطلة!

فهذه نظريتهم القائلة إنّ بدن الإنسان يتركّب من العناصر الأربعة، و أنّ أمراضه تنشأ من الطبائع الأربع، انكشف بطلانها!

و هذه نظريات القدماء عن تكوين الكون من عناصر التراب و الماء و الهواء و النار، و أنّ الأجرام السماوية لا تقبل الخرق و الالتئام، ذهبت هباء أمام ما اكتشفه العلم!

____________

(1) سورة الحديد: 25.

59

و ها هو الإنسان عرف أنه لم يكن يفهم تركيب بدنه الذي هو أقرب الأشياء إليه! و لا كان يعرف أسباب مرضه و صحّته، و أنّ كثيرا من أفكاره حول الطبيعة و الكون، و عن القمر الذي هو أقرب الكواكب إليه، لم تكن غير أوهام خاطئة!

فهل يمكن أن يكون هذا الفكر هاديا للإنسان إلى معرفة المبدأ و المعاد، و إلى موجبات سعادته و شقائه؟! كلّا!

بل كيف يمكن لفكر الإنسان العاجز عن معرفة الأسرار المخبّأة في داخل ذرّة من الذرّات، أن يعرف بداية خلق الإنسان و الكون، و نهاية الإنسان و العالم، و أن يعرف ما يهديه إلى المبدأ و المعاد، و إلى موجبات سعادته و شقائه؟!

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فبعث فيهم رسله و واتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، و يذكّروهم منسيّ نعمته، و يحتجّوا عليهم بالتبليغ، و يثيروا لهم دفائن العقول، و يروهم آيات المقدرة»

«1».**

____________

(1) نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

60

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

61

خصائص النّبي

للنبي خصائص، نكتفي بذكر اثنتين منها:

الخصوصية الأولى: العصمة

و الأدلّة على عصمة الأنبياء (عليهم السلام) عديدة، نشير إلى بعضها:

الدليل الأوّل:

إنّ لوصول كلّ مخلوق إلى كماله الذي خلق له سننا و قوانين، و قد تبيّن ممّا تقدّم أنّ السنّة التي توصل الإنسان إلى كماله المقصود من خلقه، إنّما هي الهداية الإلهية و دين الحقّ.

و لمّا كان تحقّق هذا الكمال يتوقّف على هداية الإنسان إلى دين الحقّ، و تبليغ القوانين الإلهية و تنفيذها، و كان النبي هو المتكفّل لتربية الإنسان وفق هذه السنّة، فلو حصل تخلّف في التبليغ أو التنفيذ لكان نقضا للغرض، و لا يكون تخلّف هذا المبلّغ و المربّى بالتربية الإلهية إلّا من جهة الخطأ أو الهوى، و أيّ منهما كان فلا يحصل الغرض الأقصى.

فكمال الهداية الإلهية يتطلّب كمال الهادي، و عصمة القانون الإلهي الذي لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ «1» تستلزم عصمة المعلّم و المنفّذ.

____________

(1) سورة فصّلت: 42.

62

الدليل الثاني:

دلّ العقل و النقل على أنّ الدين جاء ليحيي الإنسان حياة طيّبة مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ «1»، و ماء الحياة الطيّبة للإنسان هو الإيمان و العمل الصالح، و هما يشكّلان مجموعة الدين.

و عين الحياة التي ينفجر منها هذا الماء وجود النبيّ، فلو كانت متلوّثة لتلوّث الماء، و لم يصلح لسقي عقول الناس و قلوبهم، و لا يحصل منه ثمر الحياة الطيّبة.

الدليل الثالث:

بما أنّ الغرض من بعثة النبي لا يتحقّق إلّا بإطاعته في أمره و نهيه، و بما أنّ إطاعة المخطئ و العاصي لا تجوز، فلو لم يكن النبي معصوما لم تجب إطاعته، فيلزم نقض الغرض و بطلان نتيجة البعثة.

الدليل الرابع:

إذا لم يكن النبي معصوما عن الخطأ، لم يحصل للأمّة اليقين بصدقه و صحّة قوله في تبليغ الوحي، و إذا لم يكن معصوما من الذنوب، سقطت مكانته في أعين الناس، و كلام العالم بلا عمل و الواعظ غير المتّعظ، لا يؤثّر في النفوس، فلا يحصل الغرض المقصود من البعثة.

____________

(1) سورة النحل: 97.

63

الدليل الخامس:

منشأ الخطأ و الذنب ضعف العقل و الإرادة، و عقل النبي كامل، لأنه باتصاله بالوحي وصل إلى حقّ اليقين، و صار يرى الأشياء على واقعها كما هي، و إرادته لا تتأثّر إلّا بإرادة اللّه سبحانه و تعالى، فلا يبقى في شخصيته مجال للخطأ و الذنب.

الخصوصية الثانية: المعجزة

إنّ قبول كلّ دعوى يحتاج إلى دليل، و لا بدّ أن يكون ارتباط الدعوى بدليلها وثيقا بحيث لا ينفك اليقين بحقّانية الدعوى عن الدليل، و بما أنّ النبيّ يدّعي السفارة عن اللّه تعالى، و هذه الدعوى لا سبيل إلى ثبوتها إلّا بتصديق اللّه تعالى لما يدّعيه، فالمعجزة تصديق عملي من اللّه تعالى لدعوى نبيّه:

و ذلك أنّ المعجزة أمر يتحقّق- بلا وساطة سبب عادي- بالإرادة المحيطة بالأسباب و المسبّبات المهيمنة على تأثير السبب في المسبّب، و تأثّر المسبّب بالسبب، و ليست هي إلّا إرادة اللّه سبحانه و تعالى، فعند ما تحدث المعجزة لدعوى النبي، يحصل اليقين بأنّ اللّه تعالى فعل المعجزة تصديقا له.

فمن ادّعى النبوّة، و كان صدقه ممكنا عقلا، و ظهرت على يده المعجزة، فهي دليل قطعي على صدقه في دعواه، لأنه لو لم يكن صادقا لكان حدوث المعجزة على يده تصديقا للكاذب و موجبا لإضلال الناس، و تعالى اللّه سبحانه عن أن يصدّق الكاذب، و يضلّ الناس.

هذا، و في النبوّة العامّة آيات كريمة و أحاديث شريفة، نقتصر منها على حديثين شريفين:

64

الحديث الأوّل:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشروه، و يحاجّهم و يحاجّوه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلى خلقه و عباده، و يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبّرون عنه جلّ و عزّ، و هم الأنبياء (عليهم السلام) و صفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس- على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب- في شيء من أحوالهم، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرسل و الأنبياء من الدلائل و البراهين، لكيلا تخلو أرض اللّه من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته»

«1». و فيما يلي نشير إلى بعض المعاني التي تضمّنها كلامه (عليه السلام):

ذكر (عليه السلام) دليل ضرورة بعثة الأنبياء بقوله: (و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا ...

إلى قوله فناؤهم)، و معناه أنّ كلّ فعل و ترك و حركة و سكون يصدر من الإنسان، إمّا أن يكون نافعا لدنياه و آخرته، أو ضارّا، أو غير نافع و لا ضارّ، و على كلّ الفروض يحتاج الإنسان إلى معرفة ما هو النافع و ما هو الضارّ و ما هو المصلح و المفسد لدنياه و آخرته، و هذه المعرفة لا تتيسّر إلّا من عند من هو خبير بالرابطة التي بين الأفعال و التروك و صلاح الإنسان و فساده، و محيط بتأثير الحركات و السكنات في حياة الإنسان في الدّنيا و الآخرة، و إنّما هو خالق الإنسان، و خالق

____________

(1) الكافي ج 1 ص 168، باب الاضطرار إلى الحجة ح 1.

65

الدّنيا و الآخرة سبحانه.

* و لمّا كانت حكمته تعالى تستوجب أن يدلّ عباده على ذلك، و كانت دلالته عليه بدون واسطة غير ممكنة لتعاليه عن مباشرتهم و مخاطبتهم، فلا بدّ من سفراء مختارين (يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم).

و هذا البرهان يمتاز من جهات عمّا برهن به الفلاسفة على ضرورة النبوّة- الذي اعتمد على قاعدة أنّ الإنسان مدنيّ بالطبع فيحتاج إلى قوانين عادلة لمعاملاته و علاقاته الاجتماعية ...- فإنّ دليلهم مختصّ بالحياة الاجتماعية على الأرض، بينما دليل الإمام (عليه السلام) يشمل عموم مصالح الإنسان و مضارّه في كلّ عوالم الوجود.

* و أشار (عليه السلام) إلى وجودهم الاستثنائي، باشتراكهم مع الناس و امتيازهم عنهم، و ما به اشتراكهم و ما به اختصاصهم بقوله (عليه السلام): (غير مشاركين للناس- على مشاركتهم في الخلق و التركيب- في شيء من أحوالهم).

* و أشار (عليه السلام) بقوله: (صفوته من خلقه) إلى اصطفاء النبي من سائر الخلق، ليتمكّن بتلك الخلقة الصافية من نيل مقام الوساطة بين الخالق و المخلوق، و أداء مهمّة الرابط بين العالي و الداني.

و ما ألطف كلمة «التعبير» التي أتى بها في قوله: «يعبّرون عنه» ليوضّح منزلة النبي، و أنه كاللسان المبيّن ما في الضمير، ينطق عن اللّه تعالى، و يبلّغ ما يريده إلى خلقه، و هذه المنزلة لازمة لقداسة النبي و مستلزمة لعصمته.

*

66

كما بيّن (عليه السلام) الدليل على لزوم المعجزة لإثبات النبوّة بقوله: «يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته»، و بما أنّ منشأ النبوّة حكمة الحكيم على الإطلاق، و ثمرتها الحكمة أيضا قٰالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ «1»، ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ «2» فقد اهتمّ (عليه السلام) بامتياز حكمة الأنبياء النظرية و العملية عن الحكمة البشرية الناتجة عن الفكر الإنساني، و أن حكمتهم بما أنّها تعبير عنه تعالى، بمقتضى قوله (عليه السلام):

(و يعبرون عنه) و أنّها (من عند الحكيم العليم) فهي صافية من كدورة الأوهام، و أنّ النبي سراج منير لم يتّخذ نور علمه من التعليم و التربية البشرية، بل بارتباطه بنور السماوات و الأرض يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ «3».

قال (عليه السلام): «حكماء مؤدّبين بالحكمة»، ثمّ بعد فصل قليل قال: «مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة» ليبيّن (عليه السلام) أنّ حكمة الأنبياء- حدوثا و بقاء- من عند العليم الذي أحاط بكلّ شيء و الحكيم الذي أتقن صنع كلّ شيء، و أنّها تمتاز عن الفكر البشري امتياز ما عند اللّه تعالى على ما عند الناس.

* و يظهر من جملة «و كان ذلك الصانع حكيما» و من وصف الأنبياء بأنّهم «حكماء مؤدّبين بالحكمة مبعوثين بها» أنّ العلّة الفاعلية و العلّة الغائية للنبوّة هي الحكمة، و الحدّ الوسط بين المبدأ و المنتهى أيضا هي الحكمة يُسَبِّحُ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ

____________

(1) سورة الزخرف: 63.

(2) سورة النحل: 125.

(3) سورة النور: 35.

67

يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ «1».

و هناك مباحث ثمينة و دقائق عميقة أخرى في إشارات كلام الإمام (عليه السلام) و لطائفه، لا يتّسع لها المجال.

الحديث الثاني:

قال الإمام الرضا (عليه السلام): «فإن قال: فلم وجب عليهم معرفة الرّسل و الإقرار بهم و الإذعان لهم بالطاعة؟ قيل: لأنه لمّا أن لم يكن في خلقهم و قواهم ما يكملون به مصالحهم و كان الصانع متعاليا عن أن يرى، و كان ضعفهم و عجزهم عن إدراكه ظاهرا لم يكن بدّ لهم من رسول بينه و بينهم معصوم يؤدّي إليهم أمره و نهيه و أدبه و يقفهم على ما يكون به اجترار منافعهم و مضارّهم [إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم و مضارّهم] فلو لم يجب عليهم معرفته و طاعته لم يكن لهم في مجيء الرسول منفعة و لا سدّ حاجة و لكان إتيانه عبثا لغير منفعة و لا صلاح، و ليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شيء»

«2».**

____________

(1) سورة الجمعة: 1 و 2.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 100 ب 34 ح 1، و بتفاوت في البحار ج 6 ص 59 و فيه: (... ما يكون به إحراز منافعهم و دفع مضارّهم إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم و مضارّهم).

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

النبوّة الخاصّة

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

النبوّة الخاصّة بما أنّ نبيّنا محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خاتم الأنبياء و الرّسل، و صاحب الرسالة الخاتمة الخالدة، فلا بدّ أن تكون معجزته خالدة أيضا.

و بما أنّ العصر الذي بعث فيه كان عصر تفاخر و تنافس بالفصاحة و البلاغة في النظم و النثر، حيث كان المعيار السائد لمعرفة مكانة الشخصيات المرموقة في المجتمع، هو الفصاحة و البلاغة، و كان للفصحاء البلغاء مكانة كبيرة في ذلك المجتمع، لذلك اقتضت حكمته تعالى أن يكون القرآن الكريم معجزا في ألفاظه و معانيه، ليكون معجزة خالدة و دليلا مستمرّا على نبوّة نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، يتناسب مع رسالته الخاتمة المستمرّة في كلّ عصر و زمان.

و نكتفي فيما يلي بعرض موجز لإعجاز القرآن.

[اعجاز القرآن]

1- عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن

لقد ظهر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في عصر و منطقة، كانت توجد فيها أمم متعدّدة، و عقائد متشتّتة.

فبعضهم كانوا مادّيين ملحدين، ينكرون المبدأ و المعاد.

و الذين كانوا يعتقدون بما وراء الطبيعة، بعضهم كانوا يعبدون الأصنام، و بعضهم يعبدون الأجرام السماوية.

72

و الذين اعتزلوا عبادة الأصنام و الأجرام السماوية، كانوا ينتحلون المجوسية و الثنوية، و اليهودية القائلة بأنّ عزيرا ابن اللّه، و النصرانية القائلة بأنّ اللّه ثالث ثلاثة.

و من جهة أخرى، كان أكاسرة إيران و قياصرة الروم مشغولين في استعمار الأمم الضعيفة و استثمارها، أو بالحروب و القتال.

في مثل هذه الظروف التي كانت العقول محجوبة بالأوهام، و القلوب قاسية بالأهواء، و لا يحكم في البلاد إلّا من يفسد في الأرض أو يسفك الدماء، بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و رفع علم الإيمان بالغيب و التوحيد، و دعا العالم إلى عبودية اللّه تعالى، و إلى كسر قيود الكفر و الظلم، و دعا ملوك الأرض الطغاة المتجبّرين من كسرى إيران و امبراطور الروم، إلى ملوك الغساسنة في الشام، و ملوك حمير في اليمن، و غيرهم من الأمراء و السلاطين الكبار و الصغار، إلى قبول الإسلام و إطاعة أوامر اللّه تعالى، و الخضوع للحقّ و العدل.

لقد رفض ثنوية المجوس، و تثليث النصارى، و افتراءات اليهود على اللّه و الأنبياء، و عادات الجاهلية الوثنية الموروثة عن الآباء و الأجداد، الراسخة في أعماق وجود الناس في جزيرة العرب!

لقد وقف (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وحيدا أمام كلّ دول العالم، و أممه، و أمرائهم، و علمائهم، و خطّأ عقائدهم، و تحدّاهم بالمعجزات التي جعلها اللّه دليلا على نبوّته.

و كان أبرزها معجزة القرآن الذي تحدّى به قدرات الملوك، و السلاطين، و عبّاد الأصنام، و أحبار اليهود، و قساوسة النصارى! وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ «1».

____________

(1) سورة البقرة: 23.

73

و من البديهي أنّ عامّة الناس- بتعصّبهم لعقائدهم- و رجال الأديان و المذاهب- بتصلّبهم و تشدّدهم لحفظ أتباعهم- و الملوك و الحكّام- بخوفهم من يقظة شعوبهم- لو استطاعوا مواجهة القرآن لما تأخّروا عن ذلك لحظة.

أ فتظنّ أنه لو كانت لهم القدرة على المعارضة في هذه المسابقة التي يفوق السابق بها في الدّين و الدّنيا، ما فعلوا ذلك؟!

نعم، إنّهم جميعا بذلوا كلّ جهدهم لمواجهة تحدّي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لهم بالقرآن، و فيهم علماء و شعراء و خطباء، كانوا أعلاما في الفصاحة و البلاغة، يتسابقون كلّ سنة في سوق عكاظ الشهير و غيره، و يعلّقون القصائد الفائزة بإعجاب على الكعبة، و كان أشهرها المعلّقات السبع.

لقد حرصوا على الانتصار لدينهم و دنياهم المهدّدين بالقرآن، و لكنّهم رجعوا خائبين خاسئين، و لم يجدوا جوابا إلّا أن قالوا: إِنْ هٰذٰا إِلّٰا سِحْرٌ مُبِينٌ «1».

و قد جاء في التاريخ أنّ أبا جهل قصد الوليد بن المغيرة الذي كان مرجع فصحاء العرب، و طرح معه مشكلة تحدّي محمّد لهم بالقرآن، فقال له: فما أقول فيه! فو اللّه ما منكم رجل أعلم بالأشعار منّي، و لا أعلم برجزه منّي و لا بقصيدتها، و لا بأشعار الجنّ، و اللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا! و و اللّه إنّ لقوله لحلاوة، و إنه ليحطم ما تحته، و إنه ليعلو و لا يعلى!

قال أبو جهل: لا و اللّه لا يرضى قومك حتّى تقول فيه!

قال: دعني حتّى أفكّر فيه!

فلمّا فكّر، قال: هذا سحر يأثره عن غيره «2».

____________

(1) سورة المائدة: 110.

(2) جامع البيان (تفسير الطبري) ج 29 ص 195، ذيل الآية 24 من سورة المدّثر، الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 313.

74

إنّ نفس اتّهامهم للقرآن بالسحر دليل على تسليمهم بإعجازه! لأنّ السحر يرجع بالنتيجة إلى أسباب عادية غير خارجة عن الطاقة البشرية، و قد كان ذلك أمرا مقدورا لهم، و كان السحرة و الكهنة منتشرين في جزيرة العرب و البلاد المجاورة لها، و مع ذلك فقد سجّل التاريخ أنّهم لم يستطيعوا أن يجدوا جوابا على تحدّي القرآن! و بسبب ذلك لجئوا إلى محاولات تطميع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالمال و المقام! و عند ما رفض ذلك، ضاعفوا محاولاتهم لقتله!

2- هداية القرآن

نزل القرآن الكريم في عصر كان قسم من الناس ملحدين لا يعتقدون بما وراء الطبيعة، و يرون أنّ الذي يدبّر نظام هذا الوجود المدهش، لا يتّصف بعقل و لا إدراك!

أمّا الذين كانوا يعتقدون بما وراء الطبيعة، فكانوا يعبدون أصناما على صور متعدّدة.

و أمّا المنتسبون إلى الأديان السماوية، فقد وصفوا اللّه تعالى حسب كتبهم المحرّفة بصفات المخلوقين.

في ذلك العصر الذي سجّل التاريخ أنّ أهله كانوا في غاية الانحطاط فكرا و خلقا و عملا، نهض رجل أمّيّ لم يتلقّ العلم من أحد، و كسر أقفال الجهل و الضلالة، و فتح أبواب العلم و الهداية، و أحيا النفوس الميّتة بالحياة الطيّبة، و أخرج الناس من الظلمات إلى النور.

لقد دعا الناس إلى عبادة اللّه المنزّه عن كلّ نقص، الذي منه كلّ كمال و جمال، و له كلّ حمد و ثناء، و أعلن أنه وحده يليق للعبادة و أنّ ما يدعون من دونه كسراب

75

بقيعة يحسبه الظمآن ماء، و أنه أكبر من أن يحدّ بحدّ أو يوصف بوصف ..

«سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله الّا اللّه و اللّه أكبر».

و تحدّى في ذلك الجوّ الذي كانوا يصفون خالق العدد و المعدود بالتركيب و التثليث، و المنزّه عن الصاحبة و الولد بالاحتياج و التوليد، و يصوّرون له مثيلا و شريكا، و يزعمون أنه مجسّد في صنم ينحتونه، أو شجرة يقدّسونها!

في هذا الجوّ نزل القرآن، فنزّه اللّه عن جميع تلك الأوهام، و أعلن أنه أحد منزّه عن التركيب العقلي و الوهمي و الحسّي، و أنه بذاته غنيّ عن كلّ شيء، و ما سواه فقير محتاج إليه بالذات، و نزّه ساحته المقدّسة عن كلّ أنواع التوليد العقلي و الحسّي، و بيّن أنّ الموجودات وجدت بقدرته، و خلقت بمشيئته، و أنه لا كفؤ له، لا في ذاته، و لا في صفاته، و لا في أفعاله.

و نزلت أكثر من ألف آية من القرآن الكريم في معرفة اللّه تعالى، و صفاته العليا، و أسمائه الحسنى، لو تدبّرنا منها سطرا واحدا هو سورة التوحيد لعرفنا عظمة الهداية التي جاء بها (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ* اللّٰهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ «1».

* هذا مضافا إلى أنّ أحاديث النبيّ و أهل بيته (عليهم السلام)، مفاتيح خزائن معرفة اللّه تعالى، و نكتفي منها هنا بحديثين:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى خلو من خلقه و خلقه خلو منه، و كلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه عزّ و جلّ فهو مخلوق، و اللّه خالق كلّ

____________

(1) سورة التوحيد: 1- 4.

76

شيء تبارك الذي ليس كمثله شيء»

«1». و قال الإمام الباقر (عليه السلام): «كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه، مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم»

«2».** إنّ عظمة ما قدّمه القرآن من الهداية في المعارف الإلهية، تتجلّى بمقارنتها مع ما يقابلها في العهد العتيق و الجديد من الآيات التي ما زال يعتقد بها مئات ملايين البشر إلى اليوم من اليهود و النصارى، و بنيت على الإيمان بها كلّ كنيس و كنيسة.

و نكتفي بنماذج من توراتهم فهو يمثّل تصوّراتهم للّه تعالى:

أ- ورد في الإصحاح الثاني من سفر التكوين:

«و فرغ اللّه في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. و بارك اللّه اليوم السابع و قدّسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل اللّه خالقا ...!

و جبل الربّ الإله آدم ترابا من الأرض، و نفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسا حيّة. و غرس الربّ الإله جنّة في عدن شرقا. و وضع هناك آدم الذي جبله، و أنبت الرب الإله من الأرض كلّ شجرة شهية للنظر و جيّدة للأكل. و شجرة الحياة في وسط الجنّة، و شجرة معرفة الخير و الشرّ ....

و أخذ الربّ الإله آدم و وضعه في جنّة عدن ليعملها و يحفظها. و أوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنّة تأكل أكلا، و أمّا شجرة معرفة الخير و الشرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها موتا تموت».

____________

(1) التوحيد ص 105 باب 7 ح 3.

(2) مشرق الشمسين 398، بحار الأنوار ج 66 ص 293.

77

ب- في الإصحاح الثالث من سفر التكوين:

«و كانت الحيّة أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الربّ الإله، فقالت للمرأة: أ حقّا قال اللّه لا تأكلا من كلّ شجر الجنّة؟ فقالت المرأة للحيّة: من ثمر شجر الجنّة نأكل، و أمّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنّة فقال اللّه لا تأكلا منه، و لا تمسّاه لئلا تموتا!

فقالت الحيّة للمرأة: لن تموتا، بل اللّه عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما، و تكونان كاللّه عارفين الخير و الشرّ!

فرأت المرأة أنّ الشجرة جيّدة للأكل و أنّها بهجة للعيون، و أنّ الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها و أكلت، و أعطت رجلها أيضا معها فأكل، فانفتحت أعينهما و علما أنّهما عريانان. فخاطا أوراق تين و صنعا لأنفسهما مآزر، و سمعا صوت الربّ الإله ماشيا في الجنّة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم و امرأته من وجه الربّ الإله في وسط شجر الجنّة، فنادى الربّ الإله آدم و قال له: أين أنت؟

فقال: سمعت صوتك في الجنّة فخشيت لأنّي عريان فاختبأت!

فقال: من أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ...».

و في نفس الإصحاح: «و قال الربّ الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفا الخير و الشرّ! و الآن لعلّه يمدّ يده و يأخذ من شجرة الحياة أيضا و يأكل و يحيا إلى الأبد».

و في الإصحاح السادس:

«فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. و تأسّف في قلبه.

فقال الربّ أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم

78

و نباتات و طيور السماء. لأنّي حزنت أنّي عملتهم».

و نكتفي بتسجيل بعض الملاحظات:

(1)

زعمت توراتهم أنّ اللّه تعالى نهى آدم و حوّاء عن معرفة الحسن و القبيح، مع أنّ اللّه تعالى خلق الإنسان و وهبه العقل ليعرف به الحسن و القبيح، و الخير و الشرّ، فكيف يعقل أن ينهى عن معرفتهما!

و أمّا هداية القرآن فهي: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ «1»، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّٰهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ «2».

و الآيات القرآنية في الترغيب في العلم و المعرفة و التعقل و التفكّر و التدبّر أكثر من أن تذكر في هذا المختصر.

لقد خلق اللّه الإنسان للاستباق إلى الخيرات و أمره بها، و للاجتناب عن الشرور و نهاه عنها، و الغرض من هذا التكوين و التشريع لا يتحقّق إلّا بمعرفة الخير و الشرّ، و الأمر بذي المقدمة و النهي عن المقدمة مع انتهائهما إلى اجتماع النقيضين كيف يصدر عن سفيه، فضلا عن الحكيم على الإطلاق؟!

(2)

و زعمت توراتهم أنّ اللّه تعالى قال لآدم و حوّاء: إذا أكلتما من شجرة المعرفة تموتان، فأكلا منها فلم يموتا!

____________

(1) سورة الزمر: 9.

(2) سورة الأنفال: 22.

79

فإن كان اللّه بزعمهم لا يعلم أنّهما لا يموتان، فهو جاهل!

و إن كان يعلم فهو كاذب! و كيف يليق بالجاهل و الكاذب أن يسمّى بالإله؟

و الأعجب من ذلك أنّ الحيّة ترشد آدم و حوّاء إلى الأكل من شجرة معرفة الخير و الشرّ، و تكشف لهما كذب الإله (المزعوم لهم) و خداعه!

و هذه نماذج من هداية القرآن في علم اللّه تعالى:

يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لٰا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلّٰا بِمٰا شٰاءَ «1».

لٰا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقٰالُ ذَرَّةٍ «2» إِنَّمٰا إِلٰهُكُمُ اللّٰهُ الَّذِي لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً «3».

(3) كيف يكون الموجود المحدود- الذي يضيّع آدم بين أشجار الجنّة، و تحول الأشجار دون رؤيته له، و يناديه: أين أنت؟! حتّى يعرف مكانه من صوته!- جديرا بأن يكون إله العالمين، و عالم السرّ و الخفيّات، و المحيط بالأرض و السماء، و خالق الكون و المكان؟!

و أمّا نموذج هداية القرآن فهكذا: وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ لٰا يَعْلَمُهٰا إِلّٰا هُوَ وَ يَعْلَمُ مٰا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا يَعْلَمُهٰا وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ «4».

____________

(1) سورة البقرة: 255.

(2) سورة سبأ: 3.

(3) سورة طه: 98.

(4) سورة الأنعام: 59.

80

(4) بينما يعلّم القرآن الناس توحيد اللّه و تنزيهه و يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «1»، فإنّ التوراة تعلّم الناس الشرك باللّه تعالى، و تشبّهه بمخلوقاته! حيث تقول: «و قال الربّ الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفا الخير و الشرّ ...».

(5) نسبت توراتهم إلى اللّه تعالى أنه ندم على خلق آدم، فكان جاهلا بعاقبة خلقه له! فكيف يصحّ لكتاب سماوي جاء لهداية البشر إلى ربّهم، أن ينسب إلى اللّه تعالى الجهل المستلزم لمحدودية الذات و تركّب الحقّ المتعال من نور العلم و ظلمة الجهل، الموجب لاتصاف الخالق بصفة المخلوق.

و هداية القرآن هكذا: أَ لٰا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «2»، وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰائِكَةِ إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قٰالَ إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ «3».

(6) نسبت توراتهم إلى اللّه تعالى الاستراحة و الحزن و الغمّ و الهمّ و الأسف، و هي صفات من لوازم الجسمية و الجهل و العجز!

____________

(1) سورة الشورى: 11.

(2) سورة الملك: 14.

(3) سورة البقرة: 30.

81

و يقول الربّ أمحو عن وجه الأرض الإنسان و البهائم و النباتات و الطيور تشفيا لتأسف قلبه، و لأنه صار محزونا بخلقه لهم، و مع ذلك ندم عمّا أخبر به، فلما ذا يقول ما لا يفعل؟! و هل هذا إلّا تجهيل لنفسه و تكذيب لقوله؟! سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يَصِفُونَ «1».

أمّا القرآن فيقول: سَبَّحَ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* لَهُ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «2».

** و نشير إلى بعض العقائد المختصّة بالنصارى أيضا:

(1) في الإنجيل في رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الخامس:

1- كلّ من يؤمن أنّ يسوع هو المسيح فقد ولد من اللّه. و كلّ من يحبّ الوالد يحبّ المولود منه أيضا.

2- بهذا نعرف أنّنا نحبّ أولاد اللّه إذا أحببنا اللّه و حفظنا وصاياه.

3- فإنّ هذه هي محبّة اللّه أن نحفظ وصاياه. و وصاياه ليست ثقيلة.

4- لأنّ كلّ من ولد من اللّه يغلب العالم. و هذه هي الغلبة التي تغلب العالم:

إيماننا.

5- من هو الذي يغلب العالم إلّا الذي يؤمن أنّ يسوع هو ابن اللّه.

____________

(1) سورة الأنعام: 100.

(2) سورة الحديد: 1- 3.

82

6- هذا هو الذي أتى بماء و دم يسوع المسيح لا بالماء فقط بل بالماء و الدم.

و الروح هو الذي يشهد لأنّ الروح هو الحقّ.

7- فإنّ الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الأب، و الكلمة، و الروح القدس، و هؤلاء الثلاثة هم واحد.

8- و الذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح و الماء و الدم، و الثلاثة هم في الواحد.

(2) و في إنجيل يوحنا، الإصحاح الأوّل:

1- في البدء كان الكلمة، و الكلمة كان عند اللّه، و كان الكلمة اللّه.

2- هذا كان في البدء عند اللّه.

3- كلّ شيء به كان، و بغيره لم يكن شيء ممّا كان.

4- فيه كانت الحياة، و الحياة كانت نور الناس.

5- و النور يضيء في الظلمة، و الظلمة لم تدركه.

6- كان إنسان مرسل من اللّه اسمه يوحنا.

7- هذا جاء للشهادة ليشهد للنور لكي يؤمن الكلّ بواسطته.

8- لم يكن هو النور، بل ليشهد للنور.

9- كان النور الحقيقي الذي ينير كلّ إنسان آتيا إلى العالم.

10- كان في العالم و كوّن العالم به، و لم يعرفه العالم.

11- إلى خاصّته جاء، و خاصّته لم تقبله.

12- و أما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد اللّه، أي

83

المؤمنون باسمه.

13- الذين ولدوا ليس من دم و لا من مشيمة جسد، و لا من مشيمة رجل، بل من اللّه.

14- و الكلمة صار جسدا و حلّ بيننا، و رأينا مجده مجدا، كما الوحيد من الأب مملوء نعمة و حقّا.

(3) و قال في إنجيل يوحنا، الإصحاح السادس:

51- أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. و الخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم.

52- فخاصم اليهود بعضهم بعضا قائلين: كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل.

53- فقال لهم يسوع: الحقّ الحقّ أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان و تشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم.

54- من يأكل جسدي و يشرب دمي فله حياة أبدية، و أنا أقيمه في اليوم الأخير.

55- لأنّ جسدي مأكل حقّ، و دمي مشرب حقّ.

56- من يأكل جسدي و يشرب دمي يثبت فيّ و أنا فيه.

57- كما أرسلني الأب الحيّ و أنا حيّ بالأب، فمن يأكلني فهو يحيا بي.

58- هذا هو الخبز الذي نزل من السماء، ليس كما أكل آباؤكم المنّ و ماتوا. من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد.

84

(4)

قال في إنجيل يوحنّا، الإصحاح الثاني:

1- و في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل و كانت أمّ يسوع هناك.

2- و دعي أيضا يسوع و تلاميذه إلى العرس.

3- و لمّا فرغت الخمر قالت أمّ يسوع له ليس لهم خمر.

4- قال لها يسوع: ما لي و لك يا امرأة. لم تأت ساعتي بعد.

5- قالت أمّه للخدّام مهما قال لكم فافعلوه.

6- و كانت ستّة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود، يسع كلّ واحد مطرين أو ثلاثة.

7- قال لهم يسوع: املئوا الأجران ماء، فملئوها إلى فوق.

8- ثمّ قال لهم: استقوا الآن و قدّموا إلى رئيس المتّكأ فقدّموا.

9- فلما ذاق رئيس المتّكأ الماء المتحوّل خمرا و لم يكن يعلم من أين هي. لكنّ الخدّام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا. دعا رئيس المتّكأ العريس.

10- و قال له كلّ إنسان إنّما يضع الخمر الجيّدة أوّلا، و متى سكروا فحينئذ الدون. أمّا أنت فقد أبقيت الخمر الجيّدة إلى الآن.

11- هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل و أظهر مجده، فآمن به تلاميذه.

و الملاحظات على هذه الفقرات كثيرة، نكتفي ببعضها: (أ) من أصول عقائد النصارى المتّفق عليها عندهم: عقيدة التثليث، لكنّهم وجدوا في أناجيلهم نصوصا على توحيد اللّه تعالى، كما في إنجيل يوحنا

85

- الإصحاح السابع عشر- الفقرة الثالثة (و هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، و يسوع المسيح الذي أرسلته).

فاضطرّوا إلى أن يجمعوا بين التثليث و التوحيد، فقالوا- كما جاء في رسالة يوحنا الأولى-: «الثلاثة واحد!» و أنّ الثلاثة متّحدون حقيقة، و متميّزون عن بعضهم حقيقة!

و هي عقيدة باطلة لعدّة وجوه، نشير إلى بعضها:

1- إنّ مراتب الأعداد- كالواحد و الثلاثة- متضادّة، و اجتماع الضدّين محال، فكيف يمكن أن يكون الثلاثة واحدا، و الواحد ثلاثة؟!

2- عقيدة التثليث تستلزم الاعتقاد بخمسة آلهة، بل الاعتقاد بعدد غير متناه من الآلهة- كما تقدّم في التوحيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) «1»- فلا مناص لهم من الالتزام بالآلهة غير المتناهية.

3- عقيدة التثليث تستلزم التركيب، و التركيب يحتاج إلى أجزاء، و إلى من يركّبها.

4- عقيدة التثليث تستلزم اتّصاف خالق العدد بالمخلوق، لأنّ العدد و المعدود مخلوقان، و اللّه تعالى منزّه من أن يكون معدودا حتّى بالوحدة العددية، لانّ الواحد العددي له ثان، و اللّه لا ثاني له.

و أمّا وصفه بالوحدانية فقد تقدّم معناه في مبحث التوحيد لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ ثٰالِثُ ثَلٰاثَةٍ وَ مٰا مِنْ إِلٰهٍ إِلّٰا إِلٰهٌ وٰاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّٰا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ «2».

5- ادّعى النصارى أنّ عيسى (عليه السلام) ابن اللّه تعالى، و قد ردّ القرآن قولهم فقال:

____________

(1) لاحظ الحديث الشريف في صفحة 39، الدليل الخامس.

(2) سورة المائدة: 73.

86

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كٰانٰا يَأْكُلٰانِ الطَّعٰامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيٰاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ «1».

و قوله تعالى: يَأْكُلٰانِ الطَّعٰامَ إشارة إلى أنّهما موجودان محتاجان إلى طعام، و المحتاج إلى طعام يهضمه و يدفع فضلاته، لا يمكن أن يكون معبودا!.

* (ب) يعتقد النصارى أنّ عيسى (عليه السلام) كان كلمة اللّه تعالى، و أنّ هذه الكلمة جاءت إلى الدّنيا و صارت إنسانا من جسم و لحم و دم، ثمّ تجسّدت في لحم أتباعه و دمائهم! و أنّ أوّل معجزة قام بها المسيح أنه حوّل الماء في حفل عرس في قانا إلى خمر و سقاه الحاضرين!

فأيّ عقل يقبل أنّ الذي جاء ليكمل عقول الناس و يعلّمهم الحكمة، يأتي بمعجزة من أجل أن يسكر الناس و يذهب عقولهم! و مع أيّ منطق ينسجم هذا الكلام؟

* (ج) يعتقد النصارى أنّ عيسى هو اللّه تعالى! و في نفس الوقت يعتقدون أنه من نسل نبي اللّه داود، و يوصلون نسبه إلى زوجة داود التي زعموا أنّها كانت ذات زوج، و أنّ نبيّ اللّه داود زنا بها، و العياذ باللّه، ثمّ لمّا قتل زوجها جاء بها إلى بيته و ولدت له أولاده!

و خلاصة القصّة كما في سفر صموئيل، الإصحاح الحادي عشر:

أنّ أوريا كان قائدا عند داود، و كان عنده امرأة جميلة، فعشقها داود، و أرسل زوجها إلى الحرب و عرّضه للقتل ليتخلّص منه، و زنا بزوجته في غيابه! فقتل

____________

(1) سورة المائدة: 75.

87

أوريا و جاء داود بزوجته إلى بيته!

أمّا القرآن فنزّه اللّه تعالى عن هذه الأوهام، و صحّح الاعتقاد بنبيّ اللّه عيسى عن تفريط الذين اتّهموه بأنه ابن زنا، و إفراط الذين زعموا أنه ابن اللّه تعالى، فقال: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتٰابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهٰا مَكٰاناً شَرْقِيًّا* فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجٰاباً فَأَرْسَلْنٰا إِلَيْهٰا رُوحَنٰا فَتَمَثَّلَ لَهٰا بَشَراً سَوِيًّا* قٰالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا* قٰالَ إِنَّمٰا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلٰاماً زَكِيًّا* قٰالَتْ أَنّٰى يَكُونُ لِي غُلٰامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا* قٰالَ كَذٰلِكِ قٰالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّٰاسِ وَ رَحْمَةً مِنّٰا وَ كٰانَ أَمْراً مَقْضِيًّا* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكٰاناً قَصِيًّا* فَأَجٰاءَهَا الْمَخٰاضُ إِلىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قٰالَتْ يٰا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هٰذٰا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا* فَنٰادٰاهٰا مِنْ تَحْتِهٰا أَلّٰا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا* وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا* فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمّٰا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا* فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهٰا تَحْمِلُهُ قٰالُوا يٰا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* يٰا أُخْتَ هٰارُونَ مٰا كٰانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ مٰا كٰانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا* فَأَشٰارَتْ إِلَيْهِ قٰالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كٰانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا* قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* وَ جَعَلَنِي مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا* وَ بَرًّا بِوٰالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبّٰاراً شَقِيًّا* وَ السَّلٰامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا* ذٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ «1».

و نزّه داود (عليه السلام) عن هذه الافتراءات، و قال في شأنه: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ «2».

____________

(1) سورة مريم: 16- 34.

(2) سورة ص: 26.

88

و قال لنبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اصْبِرْ عَلىٰ مٰا يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنٰا دٰاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّٰابٌ «1».

و نكتفي بهذه النماذج من الهداية القرآنية في معرفة اللّه تعالى و مقام أنبيائه (عليهم السلام).

**

____________

(1) سورة ص: 17.

89

نماذج من تعاليم القرآن في سعادة الإنسان

إنّ وجوه إعجاز القرآن في بقيّة تعليماته و تشريعاته كثيرة واسعة، تشمل العقائد، و الأخلاق، و العبادات، و المعاملات، و السياسات ... و نكتفي بذكر بعضها:

(1) في مقابل الامتيازات الاجتماعية التي كان الناس يتمايزون بها، كالقوّة، و المال، و القبيلة، و النسب، و اللون، جاء القرآن بميزان للفضائل و هو المسارعة و الاستباق إلى مراتب الكمالات الإنسانية علمية و عملية، و أنّ كرامة الإنسان بحقيقتها و مراتبها تدور مدار ما هو عند اللّه، لا ما هو عند الناس، و هو التقوى بنطاقها الواسع من الاتّقاء عمّا يوجب كدورة اللطيفة الإنسانية و يكون حجابا بينه و بين مبدأ الكمال و الجمال و الجلال، فقال تعالى: يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «1».

(2) عالج الأفكار الفاسدة التي تحدث بسبب شرب المسكرات، و الأمراض الاقتصادية الناشئة من أكل الأموال الحاصلة بالأسباب الباطلة بقوله تعالى:

____________

(1) سورة الحجرات: 13.

90

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «1»، وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا «2»، وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ «3».

(3) و في عالم كان يسترخص قتل الإنسان و يفتخر به، حرّم القرآن القتل، و شدّد على ضمان حياة الإنسان، و بنى فقهه على أشد مراتب الاحتياط في النفوس وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ «4»، وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً «5».

(4) سدّ باب الجور و الطغيان بتشديد النهي عن الظلم و العدوان، و فتح أبواب الخير و الفضيلة على الإنسان بتأكيد الأمر بالعدل و الإحسان فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ «6»، وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اللّٰهُ إِلَيْكَ وَ لٰا تَبْغِ الْفَسٰادَ فِي الْأَرْضِ «7»، إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «8».

____________

(1) سورة المائدة: 90.

(2) سورة البقرة: 275.

(3) سورة البقرة: 188.

(4) سورة الأنعام: 151.

(5) سورة المائدة: 32.

(6) سورة البقرة: 194.

(7) سورة القصص: 77.

(8) سورة النحل: 90.

91

(5) و نزل القرآن في عصر كانوا يعاملون المرأة معاملة الحيوان، فقال عزّ من قائل:

وَ عٰاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ «1»، وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ «2»، فَاسْتَجٰابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لٰا أُضِيعُ عَمَلَ عٰامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ «3».

(6) حرّم كلّ أنواع الخيانة و قال: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَخُونُوا اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «4».

و قال: إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْخٰائِنِينَ «5».

و فرض أداء الأمانة فقال: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا «6»، و قال: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمٰانَتَهُ «7».

(7) و جعل الوفاء بالعهد من علامات الإيمان، فقال: وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رٰاعُونَ «8». و أمر بالوفاء بالعقد و العهد فقال: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا

____________

(1) سورة النساء: 19.

(2) سورة البقرة: 282.

(3) سورة آل عمران: 195.

(4) سورة الأنفال: 27.

(5) سورة الأنفال: 58.

(6) سورة النساء: 58.

(7) سورة البقرة: 283.

(8) سورة المؤمنون: 8.

92

بِالْعُقُودِ «1»، وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا «2».

(8) و أنقذ الأمّة بقوله تعالى: يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ «3»، و بقوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «4» من هاوية الكفر و الجهل و السفاهة، و جعلها حاملة مشعل الإيمان و العلم و الحكمة.

(9) و أمر أتباعه بكلّ معروف، و نهاهم عن كلّ منكر، و أحلّ لهم الطيّبات و حرّم عليهم الخبائث، و حرّرهم من القيود المكبّلة لإنسانيّتهم، المخالفة لفطرتهم السوية، فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلٰالَ الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «5».

(10) و أسّس المدينة الفاضلة المبنيّة على الحكمة و العفّة و الشجاعة و العدالة، على

____________

(1) سورة المائدة: 1.

(2) سورة الإسراء: 34.

(3) سورة المجادلة: 11.

(4) سورة البقرة: 269.

(5) سورة الأعراف: 157.

93

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «1» و كلّف المؤمنين و المؤمنات بهاتين الوظيفتين الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «2».

و مع استلزامهما للعلم بالمعروف و المنكر، و ائتمار الآمر بالمعروف و انتهاء الناهي عن المنكر، و عموم المنكر للعقائد الباطلة و الأخلاق الرذيلة و الأعمال الفاسدة يتحقّق مجتمع يدور مدار المكارم و الفضائل، لا يميل عن الصراط المستقيم إلى الإفراط و لا التفريط، وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «3».

هذه لمعة من أشعّة شمس القرآن و أنوار هدايته للعالم، و لو أردنا أن نستعرض علومه و قوانينه في مجالات الحياة البشرية، في العقائد، و الأخلاق، و العبادة، و الاقتصاد، و السياسة، و ما فيها من هداية بليغة للبشر إلى سعادتهم في الدّنيا و الآخرة ... لاحتجنا إلى تدوين كتب مفصّلة!

إعجاز القرآن في إخباره عن الغيب

إذا ادّعى شخص أنه رسول اللّه لهداية البشر إلى يوم القيامة، فإنّ أصعب أمر عنده أن يخبرهم عن شيء أنه سيحدث في المستقبل، لأنّ احتمال عدم تحقّقه و لو بنسبة واحد في المليارد، يهدّد كلّ ما بناه بالانهيار، و يثبت كذب دعواه.

و عند ما نرى أنه قد أخبر بيقين جازم، و ثقة و اطمئنان، عن أمور أنّها سوف

____________

(1) سورة آل عمران: 110.

(2) سورة التوبة: 71.

(3) سورة البقرة: 143.

94

تحدث، فحدثت كما أخبر بها حرفيا! فهذا يدلّ دلالة قطعية على ارتباطه بالعليم الخبير المحيط بالزمان و الزمانيات، و هذه بعض إخبارات القرآن بالغيب:

(1) الإخبار عن انتصار الروم

كانت الدولتان الكبيرتان عند بعثة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): فارس و الروم، و كان بينهما صراع و حروب، و قد هزم الفرس جيوش الروم في معركة كبيرة في سوريا، و كانت المؤشّرات كما يذكر المؤرّخون تدلّ على أنه انتصار نهائي، فأخبر القرآن بأنّ الروم سوف تغلب الفرس في بضع سنين! و تحقّق ما أخبر به كما أخبر به الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ «1».

(2) الإخبار عن عودة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى مكّة

أجمعت قبائل قريش و من حالفها من قبائل العرب على تكذيب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مقاومة دعوته، و حاولوا قتله مرارا حتّى اضطرّ إلى الهجرة من مكّة خائفا يترقّب، فأخبره اللّه تعالى بأنه سوف يعود إلى مكّة منتصرا، و تحقّق ما أخبره به بعد ثمان سنوات! إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ «2».

(3) الإخبار عن هزيمة المشركين

أخبر عن هزيمة المشركين قبل معركة بدر، مع أنّهم كانوا جازمين بالانتصار لكونهم أكثر عددا و عدّة و جمعا و نفوذا في الجزيرة، فقال: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ

____________

(1) سورة الروم: 1- 4.

(2) سورة القصص: 85.

95

مُنْتَصِرٌ* سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ «1»، و تحقّق ذلك كما أخبر به.

(4) الإخبار عن فتح مكّة

أخبر المسلمين بأنّهم سيفتحون مكّة و يدخلون المسجد الحرام مع ذكر حالاتهم عند الدخول، فتحقّق ما أخبر به، قال تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لٰا تَخٰافُونَ «2».

(5) الإخبار عن عدم مشاركة المنافقين في الحرب

بعد رجوع المسلمين من غزوة تبوك، نزل قوله تعالى عن المنافقين: فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقٰاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا «3»، فكان كما أخبرت الآية.

(6) الإخبار عن فتح بلاد كسرى و قيصر

قبل فتح خيبر، و قبل أن يغنم المسلمون غنائم ذات بال، و لم يكن يخطر ببالهم الوصول إلى خزائن كسرى و قيصر، وعدهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأنّهم سيفتحون بلاد كسرى و قيصر و يحكمونها، و نزلت هذه الآيات: لَقَدْ رَضِيَ اللّٰهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً* وَ مَغٰانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهٰا وَ كٰانَ اللّٰهُ عَزِيزاً حَكِيماً* وَعَدَكُمُ اللّٰهُ مَغٰانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهٰا فَعَجَّلَ لَكُمْ هٰذِهِ وَ كَفَّ أَيْدِيَ النّٰاسِ عَنْكُمْ وَ لِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ يَهْدِيَكُمْ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً*

____________

(1) القمر: 44- 45.

(2) سورة الفتح: 27.

(3) سورة التوبة: 83.

96

وَ أُخْرىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهٰا قَدْ أَحٰاطَ اللّٰهُ بِهٰا وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً «1».

(7) الإخبار عن ذريّة النّبي الطاهرة

عند ما توفي ابنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، قال العاص بن وائل: إنه أبتر ليس له نسل و ذريّة، فنزلت سورة الكوثر: إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ* إِنَّ شٰانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ «2»، و أخبرت بأنّ قائل الكلام المذكور هو الأبتر، و أمّا ذرّيته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فباقية.

** إعجاز القرآن بإحاطته بأسرار الطبيعة

نزل القرآن في عصر كانوا يتصوّرون أنّ الأجرام السماوية بسيطة، و لا يتصوّرون حركة الكواكب و النجوم في مداراتها، فأخبر بحركتها و قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهٰا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سٰابِقُ النَّهٰارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «3».

و في عصر لم يكن عند العلماء تصوّر عن شمول قانون الزوجية في الأشياء، قال: وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «4».

و في عصر لم يكن عندهم احتمال وجود حياة في الكواكب الأخرى، قال: وَ مٰا بَثَّ فِيهِمٰا مِنْ دٰابَّةٍ «5».

____________

(1) سورة الفتح: 18- 21.

(2) سورة الكوثر: 1- 3، و راجع صفحة: 290.

(3) سورة يس: 40.

(4) سورة الذاريات: 49.

(5) سورة الشورى: 29.

97

و أخبر عن تلقيح النباتات بواسطة الريح، فقال: وَ أَرْسَلْنَا الرِّيٰاحَ لَوٰاقِحَ «1».

و في عصر يعتقدون بأنّ الأجرام السماوية بسيطة، و أنّ خلقتها ممتازة عن الأرض، و لم يكن لهم علم برتق السماء و فتقه، قال: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا «2».

و في عصر لم يكن عندهم تصوّر عن اتساع الكون المتواصل، قال لهم:

وَ السَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ وَ إِنّٰا لَمُوسِعُونَ «3».

و في عصر كان علماؤه يتخيّلون أنّ الأجسام الفلكية غير قابلة للخرق و الالتئام، و لا يتصوّرون نفوذ الإنسان فيها قال: يٰا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطٰارِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لٰا تَنْفُذُونَ إِلّٰا بِسُلْطٰانٍ «4».

إلى غير ذلك من الحقائق الكثيرة التي قدّمها القرآن عن الإنسان و الطبيعة و الكون، التي لم تكن معروفة في عصر نزوله، أو كانت مردودة أو مستغربة، ثمّ انكشفت أنّها صحيحة، ممّا يدلّ على أنّ هذا القرآن من عند العليم الحكيم سبحانه.

إعجاز القرآن بجاذبيته الفريدة

إنّ كلّ إنسان منصف عارف بلغة القرآن يعترف بأنّ في القرآن روحا خاصّة و جاذبية لا توجد في أيّ نصّ آخر، و أنّ النسبة بين أيّ نصّ- مهما كان بليغا و متوفّرا على جميع معايير البلاغة من لطائف علم المعاني و البيان و البديع- و بين

____________

(1) سورة الحجر: 22.

(2) سورة الأنبياء: 30.

(3) سورة الذاريات: 47.

(4) سورة الرحمن: 33.

98

القرآن، كالنسبة بين الزهور الصناعية و الطبيعيّة، أو بين التمثال الحجري و الإنسان الحقيقي!

عدم الاختلاف في القرآن

لا شك أنّ أعمال الإنسان و أقواله في مراحل عمره ليست على مستوى واحد، لأنّ فكره و علمه يتكامل، و كلّ عالم تختلف آثاره العلمية في مراحل حياته، مهما كان متخصّصا في علم من العلوم، و كانت وسائل تمركز أفكاره متوفّرة عنده، لأنّ تحوّل الفكر يستتبعه تحوّل آثاره.

و القرآن الكريم كتاب يشتمل على علوم متعدّدة، من معرفة المبدأ و المعاد و آيات الآفاق و الأنفس، و علاقة الإنسان بالخالق، و تكاليفه الفردية و الاجتماعية، و قصص الأمم الماضية، و أحوال الأنبياء (عليهم السلام).

و قد تلاه على الناس رجل أمّي لم يدرس عند أستاذ، خلال ثلاث و عشرين سنة تقريبا، و كان يعيش في ظروف صعبة اجتمعت فيها جميع عوامل تشتّت الذهن، من أذى المشركين في مكّة، ثمّ الحروب المتواصلة معهم، و الابتلاء بكيد المنافقين و مكرهم.

و إذا أخذنا في الاعتبار طول هذه المدّة و كثرة تلك العوامل، لعلمنا أنه لو كان مثل هذا الكتاب منقطعا عن الرحمن الذي علّم القرآن لكان مشتملا على اختلافات كثيرة، و لكنّنا لا نجد في القرآن أدنى تفاوت أو اختلاف! و هذا يدلّ دلالة قطعية على أنه نزل من أفق أعلى من فكر الإنسان و حالاته المتفاوتة، و أنه مقام الوحي المقدّس عن الجهل و الغفلة، أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً «1».

____________

(1) سورة النساء: 82.

99

معجزة التربية العملية بالقرآن

إذا ادّعى أحد التفوّق في الطبّ على جميع الأطبّاء في العالم، فإنه يوجد طريقان لإثبات دعواه:

الأوّل: أن يأتي بكتاب في الطب، فيه علل الأمراض و الأدوية و التداوي ...

بحيث لا يوجد نظيره في الكتب الطبّية.

و الثاني: أن يستطيع معالجة مريض قد استولى المرض على جميع أعضائه و قواه حتّى أشرف على الموت، و قد عجز الأطبّاء عن معالجته، فعوفي على يده و عادت إليه السلامة الكاملة.

و الأنبياء (عليهم السلام) هم أطبّاء عقول البشر و أرواحهم، و المعالجون للأمراض التي تطرأ للإنسان بما هو إنسان، و نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صفوة هؤلاء الأطبّاء و أرقاهم، و الدليل العلمي على ذلك هو القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي لا نظير له في بيان علل الأمراض الفكرية و الأخلاقية و العملية للفرد و المجتمع و بيان علاجها، و فيما قدّمناه من نماذج هدايته النظرية كفاية.

و من ناحية عملية: نزل القرآن في مجتمع مصاب بأسوإ الأمراض الإنسانية، و قد وصل فيه الانحطاط الفكري إلى حدّ تتّخذ كلّ قبيلة صنما لها، فتجعله إلهها الخاصّ! بل كانت العائلة تتّخذ صنما لها، و ربّما تصنعه من التمر فتعبده و تسجد له صباحا، ثمّ عند ما تجوع، تأكل إلهها!

فجاء القرآن و عالج آفات أفكارهم، بحيث حمدوا خالق الكون بأنه اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلّٰا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لٰا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ

100

عِلْمِهِ إِلّٰا بِمٰا شٰاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ لٰا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمٰا وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ «1»، فخرّوا له سجّدا و قالوا: (سبحان ربّي الأعلى و بحمده).

و في مجال العاطفة الإنسانية، نلاحظ أنّ المجتمع الذي بعث فيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يتّصف بقسوة شديدة جعلتهم يئدون بناتهم و يدفنونهنّ و هن أحياء! «2»، فأحيا فيهم العواطف الإنسانية، بحيث تحوّلوا إلى أرحم أمّة فاتحة، فعند ما فتحوا مصر رأوا حمامة بنت عشّها على خيمة من خيام معسكرهم، و لمّا أرادوا أن يرحلوا تركوا لها الخيمة حتّى لا يخرب عشّها، (و يقال لها الفسطاط أيضا)، ثمّ سمّوا المدينة التي بنوها هناك باسم الخيمة (فسطاط مصر) «3».

و أزال تطاول الأغنياء على الفقراء إلى درجة أنه

اتّفق أنّ رجلا غنيّا نظيف الثياب كان في مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فجاء فقير فجلس إلى جنبه، فجمع الغني ثيابه من جانبه، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أخفت أن يمسّك من فقره شيء؟ قال: لا، قال:

فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال: لا، قال: فخفت أن يوسخ ثيابك؟ قال: لا.

قال: فما حملك على ما صنعت؟

فقال: يا رسول اللّه إنّ لي قرينا يزيّن لي كلّ قبيح، و يقبّح لي كلّ حسن، و قد جعلت له نصف مالي.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للمعسر: أتقبل؟ قال: لا.

____________

(1) سورة البقرة: 255.

(2) راجع الكافي ج 2 ص 162، كتاب الكفر و الإيمان، باب البرّ بالوالدين ح 18.

(3) معجم البلدان ج 4 ص 263.

101

فقال له الرجل: و لم؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك!

«1». فأيّة تربية هذه التي غرست روح العطاء في نفس الغني، و غيّرت تكبّره إلى التواضع! و غرست النظرة البعيدة و الهمّة العالية في نفس الفقير، و غيّرت ذلّته إلى العزّة!

استطاعت تربية القرآن أن تزيل تسلّط القوي على الضعيف، كما نرى في قصّة مالك الأشتر التالية:

فقد ورثت الدولة الإسلامية سلطان امبراطورية الروم و الفرس، و كان مالك الأشتر القائد العام لقوّات أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، و ذات يوم كان مالك مجتازا سوق الكوفة و عليه قميص خام و عمامة منه، فرآه بعض السوقة فسخر من زيّه، فرماه ببندقة تهاونا به، فمضى و لم يلتفت! فقيل له: ويلك أ تدري من رميت؟! فقال: لا، فقيل له: هذا مالك صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام)! فارتعد الرجل، و مضى إليه ليعتذر منه، فرآه و قد دخل مسجدا و هو قائم يصلّي، فلمّا انفتل أكبّ الرجل على قدميه يقبّلهما، فقال له: ما هذا الأمر؟! فقال: أعتذر إليك ممّا صنعت، فقال: لا بأس عليك، فو اللّه ما دخلت المسجد إلّا لأستغفرنّ لك! «2».

لقد كان أثر التربية القرآنية على مالك أنّ غرور المنصب الكبير لم يسلبه خضوع العبد المؤمن للحيّ القيّوم عزّ و جلّ، و أن يجازي ذلك الذي أهانه- و هو مضطرب لا يدري ما ذا سيلاقي من العقوبة- بأفضل الخيرات، بأن شفع له إلى اللّه تعالى، و طلب أن يغفر له!

____________

(1) الكافي ج 2 ص 262.

(2) بحار الأنوار ج 42 ص 157 ح 25، تنبيه الخواطر المعروف بمجموعة و رام ج 1 ص 2.

102

هذه هي التربية التي أزالت الفوارق القومية الراسخة في النفوس، و منها التعصّب القومي بين العرب و الفرس و غيرهم، فعند ما

اعترض بعضهم على جلوس سلمان الفارسي و أمثاله في مجلس النبي إلى جانب شخصيات قبائل العرب، و طلبوا من النبي أن يجعل لهم مجلسا خاصّا، أجابهم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بقوله تعالى: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لٰا تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ لٰا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً «1»، فصار سلمان أميرا على المدائن، و كان عطاؤه خمسة آلاف، و إذا خرج عطاؤه تصدّق به، و كان يأكل من عمل يده، و كانت له عباءة يفرش بعضها و يلبس بعضها.

«2» كما استطاعت أن تزيل فوارق العرق و اللون،

فصار بلال الغلام الأسود المؤذّن الخاصّ للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و صاحبه المقرّب، و عند ما اعترض بعض زعماء قريش قائلا: (أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا!) «3»، كان جواب النبي لهم بقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

«4». و قد غرس القرآن دوحة جذورها العلم و المعرفة، و جذعها الاعتقاد بالمبدإ و المعاد، و فروعها الملكات الحميدة و الأخلاق الفاضلة، و أزهارها التقوى و الورع، و ثمارها الأقوال المحكمة و الأفعال المحمودة أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّٰهُ

____________

(1) سورة الكهف: 28، مجمع البيان ج 6 ص 337.

(2) بحار الأنوار ج 22 ص 391.

(3) مجمع البيان ج 9 ص 226 في تفسير الآية المذكورة.

(4) سورة الحجرات: 13.