منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
103

مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي السَّمٰاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا «1».

** بهذا التعليم و هذه التربية بالقرآن، أثمرت شجرة الإنسانية بعمل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و قدّم أعلى ثمراتها الفريدة إلى البشرية، و هو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

و يكفي من موسوعة فضائله العلمية و العملية بعض سطور:

لقد اقتضى أدبه (عليه السلام) أن لا يظهر علمه و معرفته في زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فكان قمرا تحت شعاع الشمس.

ثمّ واجه بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ظروفا كان معها في محاق الاضطهاد ممنوعا من أن تشرق أشعّة أنواره على الأمّة.

ثمّ في مدّة الخمس سنوات- تقريبا- التي حكم فيها، ابتلي بحروب صعبة، حرب الجمل، و صفّين، و النهروان!

لكن في هذه الفرصة القليلة كان (عليه السلام) إذا أسندت له و سادة الكلام، نطق بما هو دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق- على حدّ تعبير ابن أبي الحديد- «2».

و من تأمّل في حقائق خطبته الأولى من نهج البلاغة في معرفة اللّه تعالى، و لطائف خطبته في أوصاف المتّقين، و سياسة النفس، و ما أودع في عهده إلى مالك الأشتر من قواعد إدارة المجتمع و سياسة المدن، يرى أنه بحر محيط في الحكمة النظريّة و العمليّة، مع أنّ هذه الروائع الثلاث ما هي إلّا قطرات من ذلك البحر المتلاطم بأمواج العلم و المعرفة و الفصاحة و البلاغة!

كان إذا قدم إلى الحرب لم يشهد التاريخ شجاعا مثله، كان يلبس درعا لا ظهر

____________

(1) سورة إبراهيم: 24- 25.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 24.

104

له «1»، و في ليلة واحدة تواصل فيها القتال إلى الصباح أحصوا له خمسمائة و ثلاثا و عشرين تكبيرة، مع كلّ تكبيرة كان يجدّل عدوّا للّه إلى الأرض «2»!

و في نفس تلك الليلة (ليلة الهرير) وقف بين الصفّين يصلّي صلاة الليل، و يؤدّي مراسم العبودية لربّه، فأمر أن يبسط له نطع ما بين الصفّين، و دخل في صلاته بين يدي ربّه، غير مكترث برشق السهام بين يديه و عن جنبيه، حتّى أكمل نافلته «3»، فلم يشغله شيء من ذلك عن العبودية للّه كسائر الأوقات!

كان إذا أحجم المسلمون في الحرب، و رهبوا من مبارزة الأبطال كعمرو بن عبد ود، تقدّم قائلا: أنا له يا رسول اللّه، و خطا إليه بخطوات ثابتة، و قلب متّصل باللّه، فلم يلبث أن ضربه ضربة هاشمية جدّلته في التراب، فأعلن

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يومئذ: «لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل أمّتي إلى يوم القيامة»

«4». و عند ما أجفل المسلمون أمام يهود خيبر، و انهزموا أمام رشق سهام المتحصنين في أعلى حصنهم الحصين، و خافوا من هيبة فرسانهم المشهورين مثل مرحب ... تقدّم عليّ (عليه السلام)، و واصل هجومه إلى أعلى الجبل وحيدا و هو يدفع سيل

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 84 فصل في المسابقة بالشجاعة.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 83 فصل في المسابقة بالشجاعة.

(3) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 123 فصل في المسابقة بصالح الأعمال، شرح نهج البلاغة ابن ابي الحديد ج 1 ص 27.

(4) كشف الغمّة ج 1 ص 150 في بيان أنه أفضل أصحابه، الصراط المستقيم ج 2 ص 72، الخصال ص 579 أبواب السبعين ح 1 على ما في النسخة المخطوطة، الطرائف ص 60، شرح الأخبار ج 1 ص 300 و مصادر أخرى للخاصّة.

المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 32، تاريخ بغداد ج 13 ص 19، المناقب ص 107، كنز العمّال ج 11 ص 623، شواهد التنزيل ج 2 ص 14، ينابيع المودّة ج 1 ص 282 و ص 412 و مصادر أخرى للعامّة.

105

السهام و الأحجار من حرّاس الحصن، حتّى وصل إلى باب الحصن فدحاه، و برز إليه مرحب فقدّه شطرين، و قتل بعده سبعين من فرسانهم، و كبّر معلنا الفتح، فالتحق به المسلمون، و ذهل المسلمون و اليهود من فعله «1»!

ذلك البطل الذي ترتعد من هيبته فرائص الأبطال، كان يجمع إلى تلك الشجاعة الخوف و الخشية للّه تعالى، فكان إذا تهيّأ للصلاة تغيّر لونه، و ارتعد بدنه، فيسألونه عن ذلك فيقول: «جاء وقت أمانة عرضها اللّه تعالى على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و حملها الإنسان ...» «2».

إن ذلك البطل الذي تقشعر جلود الفرسان من سطوته في ميادين الحرب

كان إذا جنّ عليه الليل يتململ تململ السليم و يقول باكيا: «يا دنيا، يا دنيا إليك عنّي، أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ لا حان حينك هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة لي فيها ... آه! من قلّة الزاد، و طول الطريق و بعد السفر»

«3». و سأله أعرابي شيئا فأمر له بألف، فقال الوكيل: من ذهب أو فضّة؟ فقال:

«كلاهما عندي حجران، فأعط الأعرابي أنفعهما له»

«4». و في أيّ الأمم و الشعوب رأيت شجاعة اقترنت بالكرم في ساحة الحرب،

حيث قال له مشرك: يا ابن أبي طالب هبني سيفك، فرماه إليه! فقال المشرك:

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 293 و ص 294 فصل في نواقض العادات منه (عليه السلام)، و ص 298 فصل في معجزاته، و بتفاوت في الإصابة ج 4 ص 466.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 124 فصل في المسابقة بصالح الاعمال.

(3) نهج البلاغة، باب المختار من حكمه (عليه السلام)، رقم 77، خصائص الائمّة ص 71، روضة الواعظين ص 441، نظم درر السمطين ص 135، حلية الأولياء ج 1 ص 85، سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 300، ينابيع المودّة ج 1 ص 438 و مصادر أخرى للخاصة و العامة.

(4) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 118 فصل في المسابقة في الهيبة و الهمّة.

106

عجبا يا ابن أبي طالب في مثل هذا الوقت تدفع إليّ سيفك؟!

فقال: «يا هذا إنّك مددت يد المسألة إلي، و ليس من الكرم أن يردّ السائل»، فرمى الكافر نفسه إلى الأرض و قال: هذه سيرة أهل الدين، فقبّل قدمه و أسلم!

«1». و قال له ابن الزبير: إنّي وجدت في حساب أبي: أنّ له على أبيك ثمانين ألف درهم، فقال له: «إنّ أباك صادق، فقضى ذلك، ثمّ جاءه فقال: غلطت فيما قلت، إنّما كان لوالدك على والدي ما ذكرته لك!

فقال: والدك في حلّ و الذي قبضته منّي هو لك»

«2». و هل رأى الدهر حاكما امتدّت حكومته من مصر إلى خراسان،

فرأى امرأة تحمل قربة ماء، فأخذ منها القربة إلى دارها، و سأل عن حالها، ثمّ قضى ليلته تلك قلقا ممّا رأى من حال المرأة و يتاماها، حتّى إذا أصبح حمل إليهم الزاد، و طبخ لهم الطعام، و جعل يلقّم الصبيان، فلمّا عرفته المرأة و اعتذرت إليه، قال: «بل و احيائي منك يا أمة اللّه»!

«3». و جاء إلى السوق، و معه غلام له، و هو خليفة، فاشترى قميصين و ألبس الغلام أحسنهما و لبس الآخر، ليرضي رغبة الشابّ بحبّ الزينة

«4». و من رأى حاكما تحت يده خزائن الذهب و الفضّة،

و هو يقول: «و اللّه لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها؟»

«5».

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 87 فصل في المسابقة بالشجاعة.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 118. فصل في المسابقة بالهيبة و الهمة.

(3) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 115. فصل في حلمه و شفقته.

(4) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 97. فصل في المسابقة بالزهد و القناعة.

(5) نهج البلاغة، الخطبة 160.

107

و في كلّ مرّة يفرغ من تقسيم الغنائم يصلّي ركعتين فيقول: «الحمد للّه الذي أخرجني منه كما دخلته»

«1». و عرض- في زمن خلافته- سيفه في السوق للبيع

و قال: «فو اللّه لو كان عندي ثمن إزار ما بعته»

«2». و ما أصيب بمصيبة إلّا صلّى في ذلك اليوم ألف ركعة، و تصدّق على ستّين مسكينا، و صام ثلاثة أيّام

«3». و قد أعتق ألف مملوك من كد يده

«4». و عند ما خرج من الدّنيا كان عليه دين ثمانمائة ألف درهم!

«5». و ذات ليلة جاء إلى بيت ابنته ليفطر عندها، فما كان على مائدة بنت الحاكم للدولة المترامية الأطراف إلّا قرصان من خبز الشعير، و قصعة فيها لبن و ملح جريش، فقال: «يا بنية أ تقدّمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق واحد؟» فأفطر بالخبز و الملح و ما شرب اللبن، لئلا تكون مائدة طعامه أكثر ألوانا من ضعاف رعيته

«6»! و أين رأيت في التاريخ حاكما يملك دولة ممتدّة من خراسان إلى مصر، يضع لنفسه و لحكّام ولاياته برنامج سلوك كالذي سجّلته

رسالته (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 95، فصل في المسابقة بالزهد و القناعة، أنساب الأشراف ص 134.

(2) كشف المحجّة ص 124 فصل 141، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 55، مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 97 فصل في المسابقة بالزهد و القناعة، و مصادر أخرى للخاصّة.

ذخائر العقبى ص 107، مصنف ابن أبي شيبة ج 8 ص 157، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2 ص 200، الطبقات الكبرى ج 6 ص 238 و مصادر أخرى للعامّة.

(3) الدعوات ص 287 في مستدركاته.

(4) المحاسن ج 2 ص 624 كتاب المرافق ب 10 ح 80، الكافي ج 5 ص 74.

(5) كشف المحجّة ص 125 فصل 141.

(6) بحار الأنوار ج 42 ص 276.

108

حاكم البصرة، حين قد بلغه أنه دعي إلى وليمة ثريّ من أهلها فأجاب إليها، فكتب له:

«أمّا بعد يا ابن حنيف، فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، و تنقل إليك الجفان! و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ، و غنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.

ألا و إنّ لكلّ مأموم إماما يقتدي به، و يستضيء بنور علمه.

ألا و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه.

ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، و عفّة و سداد، فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادّخرت من غنائمها وفرا، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا، [و لا حزت من أرضها شبرا، و لا أخذت منه إلّا كقوت أتان دبرة، و لهي في عيني أو هى من عفصة مقرة]». إلى أن قال: «و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القزّ، و لكن هيهات أن يغلبني هواي و يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص و لا عهد له بالشبع، ...»

«1». إنّ الحكومة الإسلامية تتجلّى في مرآة وجود حاكم كان مركز حكمه بالكوفة، و كان يمنعه احتمال وجود من لا عهد له بالشبع بالحجاز أو اليمامة من أن يمدّ يده إلى لذيذ الطعام، و لا أعدّ لبالي ثوبه طمرا، و لا حاز من أرض الدّنيا شبرا، و هكذا كان قوته و ملبسه و مسكنه في الدّنيا، لئلا يكون أحسن معيشة من أفقر أفراد رعيته.

لقد طبّق (عليه السلام) العدالة في أطراف مملكته، بحيث أنه لمّا رأى درعه عند يهودي،

____________

(1) نهج البلاغة: الرسالة رقم 45.

109

و قال له: «درعي سقطت عن جمل لي أورق». فقال اليهودي: درعي و في يدي، ثمّ قال له اليهودي: بيني و بينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحا، فلمّا رأى عليّا قد أقبل تحرّف عن موضعه و جلس عليّ فيه، ثمّ قال عليّ: «لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس ...» ثمّ قال لليهودي: «خذ الدرع» فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى عليه و رضي، صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين انّها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، فوهبها له عليّ و أجازه سبعمائة و قتل معه يوم صفّين

«1». و لمّا بلغه أنّ امرأة معاهدة انتزع خلخالها في غارة على بلدها، لم يصبر على هذا الظلم و نقض القانون، و قال: فلو أنّ امرأ مسلما مات من هذا أسفا ما كان به ملوما، بل كان عندي به جديرا)

«2». و رأى في الطريق شيخا يستعطي، فقال: «ما هذا؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال: استعملتموه حتّى إذا كبر و عجز منعتموه! أنفقوا عليه من بيت المال»

«3». و كان في مقام رعاية حقوق الخلق بحيث لو أعطي الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن يسلب جلب شعيرة من نملة ما فعل!

«4».

____________

(1) حلية الأولياء ج 4 ص 139، و بتفاوت في السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 136، و في لسان الميزان ج 2 ص 342، سبل السلام ج 4 ص 125، و غيرها من مصادر العامّة.

و بتفاوت في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 373، و أتى بصدر القصّة في المبسوط ج 8 ص 149 و في غيرهما من مصادر الخاصّة.

(2) الكافي ج 5 ص 5، باب فضل الجهاد ح 6- نهج البلاغة خطبة 27.

(3) تهذيب الأحكام ج 6 ص 292.

(4) نهج البلاغة الخطبة رقم 224.

110

و في مقام رعاية حقّ الخالق يقول:

«إلهي ما عبدتك طمعا في جنّتك و لا خوفا من نارك، و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك»

«1».** نعم،

هكذا ربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عليّا (عليه السلام)، و عند ما ارتضى تربيته قال عنه: «أنا أديب اللّه، و علي أديبي»

«2». لقد استطاع بهذه التربية أن يقدّم للبشرية قدوة إنسانية كاملة، مزج الصلابة في ميدان الحرب برقّة قلب تنحدر بها دموعه على خدّيه لمنظر يتيم محروم!

و استطاع أن يرفع مستوى الإنسانية إلى درجة تتحرّر فيها من قيود جميع المنافع الدنيوية المحدودة و الأخروية غير المحدودة، و تتمحض فيها لعبودية ربّ العالمين!.

ثمّ لم يكن هذا الإخلاص من أجل نفعه، بل من أجل أنه آمن بأنّ ربّه أهل للعبادة فعبده!

لقد جمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في شخصية تلميذه، بين حرية و عبودية، هي المقصد النهائي من خلق الإنسان و الكون، فقد أفنى رضاه و غضبه في رضا خالقه و غضبه، حتّى لم يعدله رضا و غضب!

و قد شهد على ذلك مبيته على فراش النبي عند هجرته «3»، و

ضربته يوم

____________

(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 404.

(2) مكارم الأخلاق: 17.

(3) كشف الغمّة ج 1 ص 82 ما جاء في إسلامه و سبقه و ص 310 في الآيات النازلة فيه (عليه السلام)، تفسير العيّاشي ج 1 ص 101، المناقب ص 126، كشف اليقين ص 30 و مصادر أخرى للخاصّة.

مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 331 و ص 348، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 133، مجمع الزوائد ج 9 ص 120، شرح نهج البلاغة ابن ابي الحديد ج 13 ص 262 و مصادر أخرى للعامّة.

111

الخندق التي روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّها تعدل عمل الثقلين!

«1». أ ليس من حقّ ذلك الرجل (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، الذي عمل في أرض جزيرة العرب القاحلة، في مدّة قصيرة، و في تلك الظروف الصعبة، فأنشأ تلك الأمّة، و غرس شجرة الإنسانية، و أنتج سيّد ثمارها عليا (عليه السلام)، و قدّمه إلى دنيا البشرية، أن يقول:

أنا أكبر بستانيّ للإنسانية!

و هل يوجد في الدّنيا تعليم و تربية أعظم من تربية عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)؟!

** بقطع النظر عن معجزات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، التي لا يتّسع لها هذا الموجز، ألا يوجب العدل و الإنصاف لمن كان بعيدا عن الهوى و التعصّب، أن يؤمن بنبوّة هذا الرسول و دينه، الذي استطاع أن يوصل البشرية إلى مثل هذه التربية العلمية و العملية- التي ذكرناها باختصار- و هي منتهى كمال الإنسانية؟

و هل ما يطلبه العقل و الفطرة الإنسانية من الدين، سوى ما يوجد في هذا الدين و المنهج؟! و هل يوجد تعليم و تربية أعظم من هذه التربية للإنسان، في المجال الشخصي و الاجتماعي؟

و هل يوجد دين أولى بأن يكون خاتم الأديان، و رسول يكون خاتم الرسل غير الإسلام، و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟!

و هذا هو الإيمان بخاتمية نبي الإسلام، و أبدية شريعته مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كٰانَ اللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً «2».

____________

(1) عوالي اللئالي ج 4 ص 86، مشارق الأنوار ص 312 و راجع صفحة 104.

(2) سورة الأحزاب: 40.

112

أشعّة من حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

و نستضىء ببعض الأضواء الوهّاجة من شمس حياته الساطعة، التي هي بذاتها دليل على رسالته و نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

عند ما أعلن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) دعوته، خافت قبائل قريش أن يطيعه الناس، فبادروا إلى التهديد و التطميع، و جاءوا وفدا إلى عمه أبي طالب و قالوا: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سفّه أحلامنا، و سبّ آلهتنا، و أفسد شبابنا، و فرّق جماعتنا، فإن كان يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا، و نزوّجه أيّة امرأة شاء من قريش، حتّى وعدوه بالملك و السلطنة.

فكان جوابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري ما أردته»

«1». و لمّا رأوا أنّ التطميع لم يؤثّر فيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أنه ماض في أمره غير عابئ بتطميعهم، عمدوا إلى التهديد و الإيذاء، و من نماذج ذلك:

أنّهم كانوا عند ما كان يقف النبي للصلاة في المسجد الحرام يرسلون أربعة من بني عبد الدار القادة العسكريين لقريش، اثنين إلى يمينه يصفّران، و اثنين إلى يساره يصفّقان بأيديهما ليؤذياه بذلك و يشوشا عليه صلاته! «2».

____________

(1) تفسير القمّي ج 2 ص 228 ذيل آية 4 من سورة ص.

(2) مجمع البيان ج 4 ص 463 ذيل آية 35 من سورة الأنفال.

113

و ذات يوم و هو في طريقه إلى المسجد رموا على رأسه التراب، أو هو ساجد فطرحوا عليه رحم شاة، فأتته ابنته و هو ساجد لم يرفع رأسه، فرفعته عنه و مسحته! «1».

و بعد وفاة عمّه و ناصره أبي طالب، اشتدّ البلاء و زاد أذى قريش له، ففي تلك الظروف الخطيرة قصد النبي قبيلة ثقيف بالطائف و عرض عليهم أن يحموه حتّى يبلغ رسالة ربّه، و لكنّهم أبوا ذلك، و تهزءوا به، و وجّهوا عليه سفهاءهم و غلمانهم، فقعدوا له صفّين على طريقه، فلمّا مرّ رسول اللّه بين صفّيهم جعلوا لا يرفع رجليه و لا يضعهما إلّا رضخوهما بالحجارة، حتّى أدموا رجليه، فخلص منهم و هما يسيلان دما، فعمد فجاء إلى حائط من حيطانهم، فاستظلّ في ظلّ نخلة منه و هو مكروب موجع تسيل رجلاه دما، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة، فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما للّه و رسوله، فلمّا رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس معه عنب و هو نصراني من أهل نينوى، فلمّا جاءه قال له رسول اللّه: من أيّ أرض أنت؟ قال: من أهل نينوى. قال: من مدينة العبد الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: و ما يدريك من يونس بن متى؟ فقال: أنا رسول اللّه، و اللّه تعالى أخبرني خبر يونس بن متى، فلمّا أخبره بما أوحى اللّه إليه من شأن يونس خرّ عداس ساجدا للّه، و معظّما لرسول اللّه، و جعل يقبّل قدميه و هما تسيلان بالدماء

«2». و قد آذوا أصحابه بأنواع الأذى، فمنها أنّهم كانوا يطرحون بلالا تحت حرارة الشمس، و يضعون على صدره حجرا ثقيلا و يطلبون منه أن يكفر، فكان يردّد:

____________

(1) تفسير العيّاشي ج 2 ص 54، ح 43، في تفسير قوله تعالى: وَ اللّٰهُ خَيْرُ الْمٰاكِرِينَ سورة آل عمران: 54.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 68، مجمع البيان ج 9 ص 154 ذيل آية 30 من سورة الأحقاف، تاريخ الطبري ج 2 ص 81.

114

أحد أحد! «1».

و عذّبوا سمية أمّ عمّار العجوز لكي ترجع عن دينها و تكفر، فلم تفعل فقتلوها! «2».

و مع كلّ هذا الأذى، ففي بعض الظروف طلب منه بعض أصحابه أن يدعو على قومه فقال «إنّما بعثت رحمة للعالمين» «3» و كان يدعو لقومه «اللّهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون»

«4»! فكان يريد لهم من اللّه الرحمن بدل العذاب، رحمة لا يتصوّر فوقها رحمة، و هي نعمة الهداية، و أضاف القوم إلى نفسه بقوله: «قومي» ليصونهم بذلك من عذاب اللّه، و يكون شافعا لهم عنده بدلا من أن يشكوهم إليه، و يعتذر لهم بأنّهم لا يعلمون.

و كانت معيشته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الزهد و التقشّف، فكان طعامه خبز الشعير، و ما كان يأكل منه بقدر الشبع

«5». و قد جاءت إليه الصدّيقة الكبرى- في غزوة الخندق- و معها كسرة [كسيرة] من خبز، فدفعتها إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما هذه الكسرة [الكسيرة]؟

قالت: قرصا خبزتها للحسن و الحسين جئتك منه بهذه الكسرة [الكسيرة]، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا فاطمة أمّا أنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث!

«6».

____________

(1) حلية الأولياء ج 1 ص 148. تاريخ الطبري ج 2 ص 153.

(2) إعلام الورى ج 1 ص 122 الفصل الخامس في ذكر ما لقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من أذى المشركين ...

(3) بحار الأنوار ج 18 ص 243.

(4) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 164، الدر المنثور ج 2 ص 298.

(5) الأمالي للصدوق ص 398، مكارم الأخلاق ص 28.

(6) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 40 باب 31 ح 123.

115

و لم يكن تقشّفه كذلك بسبب قلّة ذات يده، فقد كانت تصل إليه- في نفس تلك الأيّام- الأموال فيقسمها و يهب و يتصدّق، حتّى أنه كان يعطي لشخص واحد مائة بعير!

«1». و قد فارق الدّنيا و ما ترك دينارا و لا درهما و لا غلاما و لا أمة، و لا شاة و لا بعيرا، و كانت درعه مرهونة عند يهودي على عشرين صاعا من شعير، اشتراها لقوت عياله!

«2». و لا بدّ من التأمّل في نقطتين:

الأولى: لا شكّ أنّ اليهودي لم يكن يطلب من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الوثيقة، لمكانته و أمانته، لكنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قصد أن يراعي قانون الرهن عند عدم كتابة الدين، ليكون المال وثيقة عند الدائن، حتّى لو كان الدائن يهوديا، و المدين أكبر شخصية في الإسلام.

الثانية: أنه كان في متناول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أطيب الأطعمة و ألذّها، لكنّه اكتفى إلى آخر عمره الشريف بخبز الشعير، حتّى لا يكون طعامه أحسن من طعام أضعف رعيته!

نموذج من إيثار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

إنّ مكانة فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها) معلومة عند الخاصّة و العامّة، فإن كتب الفريقين مشحونة بفضائلها، كما يأتي، و قد قامت في محرابها حتى تورم قدماها «3» تأسيا بأبيها، و كانت مع استغراقها في عبادة اللّه تقوم بإدارة بيت وليّ اللّه

____________

(1) بحار الأنوار ج 21 ص 170، السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 929.

(2) قرب الاسناد ص 91.

(3) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 341.

116

و تربية أبناء رسول اللّه، حتى

أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) دخل عليها ذات يوم فرآها تطحن بالرحى و ترضع ولدها فدمعت عيناه

«1». و رآها عليّ (عليه السلام) و قد استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، و طحنت بالرحى حتى مجلت يداها و كسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، فقال لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك ضرّ ما أنت فيه. و جاءت الى أبيها فاستحت، و انصرفت، فعلم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّها جاءت لحاجة، فجاءها و سألها عن حاجتها، و أخبر عليّ (عليه السلام) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بما أصابها من الضرّ و الضرر الشديد.

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ فلا أعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثا و ثلاثين و احمدا ثلاثا و ثلاثين، و كبّرا أربعا و ثلاثين، قال:

فأخرجت فاطمة رأسها فقالت: رضيت عن اللّه و رسوله ثلاث دفعات.

«2» ذلك الأب الذي كان متمكنا أن يملأ بيت ابنته ذهبا و فضة و يستخدم لها عبيدا و إماء، و لا يردّ عن بابه ذا حاجة إلّا بقضاء حاجته، أمسك عن استخدام خادمة

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 342، مكارم الأخلاق ص 117.

(2) علل الشرائع ج 2 ص 366 باب 88 علّة تسبيح فاطمة (عليها السلام) و بتفاوت في من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 211، مكارم الأخلاق للطبرسى ص 280، مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 341، و مصادر أخرى للخاصّة.

ذخائر العقبى ص 49، مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 80 و 96 و 106 و 136 و 146 و 153، صحيح البخارى ج 4 ص 48 و ج 6 ص 193 كتاب النفقات باب خادم المرأة و ج 7 ص 149 كتاب الدعوات باب التكبير و التسبيح عند المنام، صحيح مسلم ج 8 ص 84، سنن أبى داود ج 2 ص 30، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 152، السنن الكبرى للبيهقى ج 7 ص 293، مجمع الزوائد ج 10 ص 100، مسند أبي يعلى ج 1 ص 419، نظم درر السمطين ص 189، تهذيب الكمال ج 21 ص 253، مسند أبى داود الطيالسى ص 16 و مصادر أخرى للعامّة.

117

لسيدة نساء العالمين، التي كانت بضعة منه، و يريبه ما أرابها «1»، في مثل هذه الحاجة الملحّة لبنته التي هي أحب الخلق إليه، إيثارا لفقراء أمته على مهجة قلبه.

هكذا كانت سيرة الذي بعثه اللّه لأن يربي أمته بقوله تعالى وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ «2»

نماذج من تعامله و أخلاقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يجلس على الأرض

«3». و يأكل مع العبيد، و يسلّم على الصبيان

«4». و كان يأكل أكلة العبد، و يجلس جلسة العبد

«5». مرّت به امرأة بدوية و كان يأكل و هو جالس على الأرض، فقالت: يا محمّد، و اللّه إنّك لتأكل أكل العبد، و تجلس جلوسه. فقال لها رسول اللّه: ويحك أيّ عبد أعبد منّي؟

«6». و كان يرقّع ثوبه

«7». و يحلب عنز أهله، و يجيب دعوة الحرّ و العبد

«8».

____________

(1) فضائل الصحابة ص 78، مسند أحمد ج 4، ص 328، صحيح البخارى ج 6 ص 158 و سيأتى بعض المصادر المذكورة في صفحة 193.

(2) سورة الحشر: 9.

(3) الأمالي للشيخ الطوسي ص 393.

(4) الأمالي للصدوق المجلس السابع عشر ح 2، ص 130.

(5) المحاسن ص 456 باب 51 ح 386.

(6) المحاسن ص 457 باب 51 ح 388، الكافي ج 2 ص 157.

(7) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 146.

(8) المصدر السابق.

118

و يعود المرضى في أقصى المدينة

«1». و يجالس الفقراء، و يؤاكل مع المساكين

«2». و كان إذا صافحه أحد لم يجر يده من يده حتّى يتركها الآخر

«3». و يجلس حيث ينتهي به المجلس

«4». و لا يثبت بصره في وجه أحد

«5». يغضب لربّه و لا يغضب لنفسه

«6». و أتاه رجل يكلّمه فأرعد، فقال له: هوّن عليك، فلست بملك، إنّما أنا ابن امرأة كانت تأكل القدّ

«7». و قال خادمه أنس بن مالك: خدمت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تسع سنين، فلم أعلمه قال لي قط هلّا فعلت كذا و كذا؟ و لا عاب عليّ شيئا قطّ

«8». بينا هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ذات يوم جالس في المسجد إذ جاءت جارية لبعض الأنصار و هو قائم، فأخذت بطرف ثوبه، فقام لها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فلم تقل شيئا، و لم يقل لها النبي شيئا، حتّى فعلت ذلك ثلاث مرّات، فقام لها النبي في الرابعة و هي خلفه، فأخذت هدبة من ثوبه، ثمّ رجعت!

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.

(3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 147.

(4) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 146.

(5) المصدر السابق.

(6) المصدر السابق.

(7) مكارم الأخلاق ص 16 الفصل الثاني في نبذ من أحواله.

(8) المصدر السابق.

119

فقال لها الناس: فعل اللّه بك و فعل، حبست رسول اللّه ثلاث مرّات، لا تقولين له شيئا و لا هو يقول لك شيئا! ما كانت حاجتك إليه؟!

قالت: إنّ لنا مريضا فأرسلني أهلي لآخذ هدبة من ثوبه، ليستشفي بها، فلمّا أردت أخذها رآني فقام فاستحييت منه أن آخذها و هو يراني، و أكره أن أستأمره في أخذها، فأخذتها

«1». و هذه الحادثة تدلّ على اهتمامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بكرامة الإنسان لأنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تفطّن إلى حاجة الجارية و كراهيتها للسؤال، و قام من مكانه أربع مرّات من أجل قضاء حاجتها، و لم يستنطقها لئلّا تقع الجارية في ذلّ السؤال، فالذي يحافظ على حرمة جارية و كرامتها، بهذه الدقّة و الأدب، إلى أيّ حدّ تكون قيمة الإنسان و كرامته في نظره؟!

و في الوقت الذي كان اليهود يعيشون في دولته على العهد و الذمّة، و كان هو في أعلى درجات القدرة، كان لأحدهم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) دنانير فتقاضاه، فقال له:

يا يهودي ما عندي ما أعطيك. فقال: فإنّي لا أفارقك يا محمّد حتّى تقضيني! فقال:

إذا أجلس معك، فجلس معه حتّى صلّى في ذلك الموضع الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الغداة!

و كان أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يتهدّدونه و يتواعدونه، فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إليهم فقال: ما الذي تصنعون به؟ فقالوا: يا رسول اللّه يهودي يحبسك؟ فقال:

لم يبعثني ربّي عزّ و جلّ بأن أظلم معاهدا، و لا غيره.

فلمّا علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا عبده

____________

(1) الكافي ج 2 ص 102.

120

و رسوله، و شطر مالي في سبيل اللّه، أما و اللّه ما فعلت بك الذي فعلت إلّا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فإنّي قرأت نعتك في التوراة: محمّد بن عبد اللّه مولده بمكّة و مهاجره بطيبة، و ليس بفظّ و لا غليظ و لا سخاب، و لا متزيّن بالفحش، و لا قول الخنا. و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّك رسول اللّه، و هذا مالي، فاحكم فيه بما أنزل اللّه، و كان اليهودي كثير المال

«1». عن عقبة بن علقمة قال: «دخلت على عليّ (عليه السلام)، فإذا بين يديه لبن حامض آذاني حموضته، و كسرة يابسة، فقلت: يا أمير المؤمنين أ تأكل مثل هذا؟! فقال لي: يا أبا الجنوب [الجنود] إنّي أدركت رسول اللّه يأكل أيبس من هذا و يلبس أخشن من هذا، و إن [أنا] لم آخذ بما أخذ به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خفت أن لا ألحق به»

«2». و قيل لعليّ بن الحسين (عليهما السلام) و كان الغاية في العبادة: «أين عبادتك من عبادة جدّك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدّي، كعبادة جدّي عند عبادة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)»

«3». و في ختام حياته عفى عن قاتله «4»، و أظهر بذلك تخلّقه بأخلاق اللّه تعالى بظهور الرحمة الرحمانية وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلّٰا رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ «5».

إنّ مثل هذا الرسول العظيم يستطيع أن يقول:

«إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»

«6».

____________

(1) الأمالي للصدوق المجلس 71 ح 6، ص 552.

(2) مكارم الأخلاق ص 158، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج 2 ص 201.

(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 27، بحار الأنوار ج 41 ص 149.

(4) الكافي ج 2 ص 108 كتاب الإيمان و الكفر، باب العفو ح 9.

(5) سورة الأنبياء: 107.

(6) مجمع البيان ج 10 ص 86.

121

و أنّى يتيسّر شرح فضائله الأخلاقية، و اللّه تعالى يقول له: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ «1».

إنّ مطالعة يسيرة في حياته و أخلاقه و سجاياه- فقط- تكفي المنصف لأن يؤمن بنبوّته يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* وَ دٰاعِياً إِلَى اللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً «2».

____________

(1) سورة القلم: 4.

(2) سورة الأحزاب: 45- 46.

122

بشائر الأنبياء السابقين بنبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

لقد بشّرت الكتب السماوية و الأنبياء السابقون (عليهم السلام) بنبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و مع أنّ أتباعهم حرّفوا كتبهم لكي لا يبقى أثر لتلك البشارة، لكن المتأمّل فيما بقي منها تنكشف له الحقيقة. و نكتفي منها بنموذجين:

الأوّل:

جاء في التوراة- سفر التثنية- الإصحاح 33:

(و هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل اللّه بني إسرائيل قبل موته فقال:

جاء الربّ من سيناء، و أشرق لهم من سعير، و تلألأ من جبل فاران، و أتى من ربوات القدس، و عن يمينه نار شريعة لهم).

و (سيناء) محل نزول الوحي على نبي اللّه موسى، و (سعير) محلّ بعثة نبي اللّه عيسى، و (فاران) الذي يتلألأ بنور اللّه تعالى، هي جبال مكّة المكرّمة التي تلألأت بنور نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)!

و في سفر التكوين، الإصحاح 21، عن إسماعيل و أمّه هاجر: (و كان اللّه مع الغلام فكبر. و سكن في البرية و كان ينمو رامي قوس. و سكن في برية فاران.

و أخذت له أمّه زوجة من أرض مصر.)

ففاران هي مكّة التي سكنها إسماعيل و أبناؤه و من تلألأ من جبل فاران و عن يمينه نار شريعة لهم، هو السراج المنير الذي أرسله اللّه من جبل حراء ليضيئ سماء

123

العالم بنور هداية القرآن، و يحرق الكفر و النفاق بنار غضب القهّار يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ جٰاهِدِ الْكُفّٰارَ وَ الْمُنٰافِقِينَ «1».

و في التوراة- سفر حيقوق النبي- الإصحاح الثالث:

(اللّه جاء من تيمان، و القدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات.

و الأرض امتلأت من تسبيحه. و كان لمعان كالنور. له من يده شعاع. و هناك استتار قدرته.)

فبظهوره (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حدث ذلك الدويّ في العالم من جبال مكّة بصوت (سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلّا اللّه، و اللّه أكبر) و انتشر في العالم ترديد المسلمين في صلواتهم (سبحان ربّي العظيم و بحمده) و (سبحان ربّي الأعلى و بحمده).

الثاني:

جاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر:

15. إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي.

16. و أنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد.

و في الإصحاح الخامس عشر:

26. و متى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق، فهو يشهد لي.)

و قد ورد في النسخة الأصلية اسم النبي الذي وعدهم عيسى بأنّ ربّه سوف يرسله (بارقليطا) أو (بركليتوس) و ترجمتها المحمود و الأحمد، و لكن المترجمين غيّروها إلى (المعزي)!.

و هذه الحقيقة ظهرت في انجيل برنابا، فقد جاء في الفصل الثاني عشر بعد المائة:

____________

(1) سورة التوبة: 73.

124

« (13) فاعلم يا برنابا إنه لأجل هذا يجب التحفّظ و سيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة من نقود (14) و عليه فإنّي على يقين من أنّ من يبيعني يقتل باسمي (15) لأنّ اللّه سيصعدني من الأرض و سيغيّر منظر الخائن حتّى يظنّه كلّ أحد إيّاي (16) و مع ذلك فإنه لما يموت شرّ ميتة أمكث في ذلك العار زمنا طويلا في العالم (17) و لكن متى جاء محمّد رسول اللّه المقدّس تزال عنّي هذه الوصمة».

و قد جاءت البشارة بعنوان «محمّد رسول اللّه» في فصول من هذا الإنجيل.

منها: ما جاء في الفصل التاسع و الثلاثين: « (14) فلمّا انتصب آدم على قدميه رأى في الهواء كتابة تتألّق كالشمس نصّها «لا إله إلّا اللّه و محمّد رسول اللّه» (15) ففتح حينئذ آدم فاه و قال: «أشكرك أيّها الربّ. إلهي لأنّك تفضّلت فخلقتني (16) و لكن أضرع إليك أن تنبئني ما معنى هذه الكلمات «محمّد رسول اللّه» (17) فأجاب اللّه مرحبا بك يا عبدي آدم (18) و إنّي أقول لك إنّك أوّل إنسان خلقت».

و منها: ما جاء في الفصل الواحد و الأربعين: « (30) فلمّا التفت آدم رأى مكتوبا فوق الباب: «لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه».

و منها: ما جاء في الفصل السادس و التسعين: « (11) حينئذ يرحم اللّه و يرسل رسوله الذي خلق كلّ الأشياء لأجله (12) الذي سيأتي من الجنود بقوّة و سيبيد الأصنام و عبدة الأصنام (13) و سينتزع من الشيطان سلطته على البشر (14) و سيأتي برحمة اللّه لخلاص الذين يؤمنون به (15) و سيكون من يؤمن بكلامه مباركا».

و منها: ما جاء في الفصل الواحد و التسعين: « (1) و مع أنّي لست مستحقّا أن أحلّ سير حدائه (2) قد نلت نعمة و رحمة من اللّه لأراه».

و يكفي لإثبات بشارات التوراة و الإنجيل بنبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أنه دعا اليهود

125

و النصارى و حكّامهم و أحبارهم و رهبانهم و قساوستهم إلى الإسلام، و أعلن رفضه لعقيدة اليهود عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ «1» و لعقيدة النصارى إِنَّ اللّٰهَ ثٰالِثُ ثَلٰاثَةٍ «2».

و أعلن بكلّ صراحة بأنه هو الذي بشّرت به التوراة و الإنجيل الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ «3»، وَ إِذْ قٰالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّٰهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرٰاةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ «4».

فهل كان يمكنه الإعلان عن هذه الدعوى، و هو غير صادق فيها، أمام أولئك الأعداء الذين كانوا ينتهزون الفرصة للقضاء عليه حتّى لا يفقدوا موقعيتهم المادّية و المعنوية؟

إنّ الأحبار و القساوسة و علماء اليهود و النصارى و سلاطينهم الذين توسّلوا بكلّ الوسائل للوقوف أمامه و بذلوا جميع جهودهم للتصدّي له، و رجعوا خائبين مندحرين حتّى في الحرب و المباهلة، كيف سكتوا في مقابل هذه الدعوى المدمّرة، و عجزوا عن مواجهتها و إبطالها؟

إنّ هذا السكوت الفاضح من علماء اليهود و النصارى و أمرائهم، و ذلك الادّعاء الواضح منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) برهان قاطع على ثبوت تلك البشارات في ذلك الزمان، و أنّهم لم يجدوا بعد ذلك بدّا من تحريف الكتب، حفظا لما بأيديهم من حطام الدّنيا و حبّا للجاه و المقام بين الناس، كما يحدّثنا عن ذلك قسيس أسلم في كتابه

____________

(1) سورة التوبة: 30.

(2) سورة المائدة: 73.

(3) سورة الأعراف: 157.

(4) سورة الصف: 6.

126

(أنيس الأعلام) و خلاصة كلامه:

إنّي ولدت بين كنائس أرومية، و في أواخر أيّام دراستي صرت خادما عند أحد كبار طائفة الكاثوليك، و كان يحضر درسه أربعمائة أو خمسمائة مستمع، و ذات يوم كان التلاميذ يتباحثون فيما بينهم في غياب الأستاذ، و عند ما دخلت عليه سألني: في أيّ شيء كانوا يبحثون؟

قلت له: في معنى كلمة (الفارقليط).

فسألني عن آراء المتباحثين فأخبرته، فقال: الحق غير ما قالوه!

ثمّ أعطاني مفتاح صندوق كنت أتصوّر أنه صندوق فيه كنز له، و قال: في هذا الصندوق كتابان أحدهما باللغة السريانية و الآخر باليونانية، و قد كتبا على رق قبل بعثة محمّد، أحضرهما لي.

و عند ما أحضرتهما أراني الجملة التي فيها كلمة الفارقليط، و قال: هذا اللفظ بمعنى أحمد و محمّد، و قال لي: لم يكن بين علماء المسيحية خلاف في معنى هذا الاسم قبل بعثته، لكنّهم بعد بعثته حرّفوا اسمه!

سألته عن دين النصارى، فقال: هو منسوخ، و طريق النجاة منحصر باتّباع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)!

سألته: لما لا تظهر ذلك؟

فقال: إذا أظهرت ذلك سوف يقتلونني.

عندها بكينا كلانا معا، ثمّ سافرت بهذا الزاد الذي تزودته من أستاذي إلى بلاد المسلمين!.

و كانت مطالعة ذينك الكتابين كافية لإحداث تحوّل في عقيدة ذلك القسيس، و بعد تشرّفه بالإسلام ألف كتابه أنيس الأعلام في بطلان دين النصارى، و أنّ الدين الحقّ هو الإسلام، و كتابه يدلّ على تتبّعه و تحقيقه في التوراة و الإنجيل.

127

المعاد

128

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

129

المعاد الاعتقاد بالمعاد مبني على الدليل العقلي و النقلي.

الدليل العقلي

(1) كلّ عاقل يدرك أنّ العالم و الجاهل، و المتخلّق بالأخلاق الفاضلة و المتخلّق بالأخلاق الرذيلة، و المحسن و المسيء في الأقوال و الأعمال، ليسا سواء، و التسوية بين الفريقين- فضلا عن كونه ترجيح المرجوح على الراجح القبيح عقلا- ظلم و سفاهة.

و من جهة أخرى، فإنّا نرى أنّ المحسنين و المسيئين لا ينالون جزاءهم في الحياة الدنيا كما ينبغي، فمقتضى العدل و الحكمة وجود البعث و الحساب، و الثواب و العقاب لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ «1» على ما يقتضيه ارتباط العمل بالجزاء، فإنّهم لا ينالون جزاء أعمالهم كما ينبغي في هذه الدّنيا، فإذا كانت لا توجد دار أخرى يتحقّق فيها الحساب و الجزاء و العقاب المتناسب مع عقائد الناس و أعمالهم، لكان ذلك ظلما.

____________

(1) سورة الجاثية: 22.

130

إنّ عدل اللّه تعالى يستوجب وجود البعث و الحساب و الثواب و العقاب أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّٰارِ «1»، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ* فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «2»

(2) إنّ اللّه تعالى حكيم، و لا يصدر عنه سفه و عبث، و هو لم يقتصر في خلق الإنسان على تجهيزه بالقوى الضرورية لحياته النباتية و الحيوانية، كقوّة الجذب و الدفع، و الشهوة و الغضب، بل جهّزه بقوى أخرى تقوده إلى التكامل و التحلّي بالفضائل العلمية و العملية، و ترتفع به إلى مستويات عليا، لا يقف فيها عند حدّ، بل كلّما ترقّى في هذا السبيل يتعطّش لما هو أعلى، و قد بعث اللّه الأنبياء (عليهم السلام) لهداية الإنسان إلى الكمال الذي يكون مفطورا على طلبه و مجبولا على أن لا يقف على حدّ حتّى ينتهي إلى ما قال سبحانه وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهىٰ «3».

فلو كان الإنسان مخلوقا للحياة الحيوانية فقط لكان إعطاؤه العقل الذي لا يقتنع إلّا بإدراك أسرار الوجود لغوا، و خلقه على الفطرة التي لا تطمئن دون أيّة مرتبة من الكمال حتّى يصل إلى مبدأ الكمال الذي ليس له حدّ عبثا.

فالحكمة الإلهية توجب أن لا تختم حياة الإنسان بالحياة المادّية و الحيوانية، بل تتواصل لتحقيق الهدف الذي خلقت قوى عقله و روحه من أجله أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا

____________

(1) سورة ص: 28.

(2) سورة الزلزلة: 6 و 7 و 8.

(3) سورة النجم: 42.

131

خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لٰا تُرْجَعُونَ «1».

(3) إنّ فطرة الإنسان تحكم بأنّ كلّ صاحب حقّ لا بدّ أن يعطى حقّه، و كلّ مظلوم لا بدّ أن يؤخذ له من ظالمه.

و هذه الفطرة البشرية هي التي تدفع البشر في كلّ عصر- على مختلف أديانهم مهما كانت أفكارهم و معبوداتهم- إلى تشكيل أجهزة قضائية، و محاكم لتحقيق العدالة.

و من ناحية أخرى، نرى أنّ كثيرا من الظالمين و المجرمين يموتون دون أن يقتصّ منهم، و نرى مظلومين يموتون تحت سياط الظالمين و نيران اضطهادهم، لذا فإنّ حكمة اللّه تعالى و عدله و عزّته و رحمته، تستوجب وجود حياة أخرى تؤخذ فيها حقوق المظلومين من الظالمين وَ لٰا تَحْسَبَنَّ اللّٰهَ غٰافِلًا عَمّٰا يَعْمَلُ الظّٰالِمُونَ إِنَّمٰا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصٰارُ «2».

(4) حكمة اللّه تعالى تقتضي أن يهيئ للإنسان وسيلة وصوله إلى ثمرة وجوده و الغرض من خلقته، و لا يتحقّق ذلك إلّا بأن يأمره بما يوجب سعادته، و ينهاه عمّا يوجب شقاءه.

و تنفيذ الأوامر و النواهي الإلهية المخالفة لهوى الإنسان، لا يمكن إلّا بوجود عاملي الخوف و الرجاء في نفسه، و هما لا يتحقّقان إلّا بالتبشير و الإنذار، و التبشير

____________

(1) سورة المؤمنون: 115.

(2) سورة إبراهيم: 42.

132

و الإنذار يستلزمان وجود ثواب و عقاب و نعيم و عذاب بعد هذه الدّنيا، و إلّا كانا تبشيرا و إنذارا كاذبين، و اللّه تعالى منزّه عن الكذب و القبيح.

الدليل النقلي

أجمعت الأديان الإلهية على وجود معاد و حياة آخرة، فقد أخبر بذلك جميع الأنبياء (عليهم السلام)، و صدّقهم أتباعهم من أهل الأديان السماوية، فعصمة الأنبياء (عليهم السلام)، و حفظ الوحي عن الخطأ، يستوجب الإيمان بالمعاد.

أمّا المنكرون للمعاد و الحشر في مقابل الأنبياء، فلا دليل عندهم على عدمه إلّا الاستبعاد المحض لأن يحيي اللّه العظام و هي رميم، و أن يجمع ذرّات الإنسان المتفرّقة بعد موته و فنائه، و ينشئها مرّة أخرى.

و قد غفلوا أو تغافلوا عن أنّ الموجودات الحيّة إنّما خلقت من أجزاء مادّية ميّتة متفرّقة، و أنّ العليم الحكيم القدير الذي خلقها أوّل مرة و ركّبها من اجزاء ميتة تركيبا خاصّا يقبل الحياة، و صوّرها بصورة إنسان له أعضاء و قوى مختلفة بلا مثال قبله، قادر على أن يعيد خلقها ثانية من ذرّاتها أينما كانت، و بأيّ شكل صارت! لأنّ أجزاء بدنه أينما كانت و كيفما كانت غير خارجة عن دائرة علم اللّه و قدرته التي بها خلق الإنسان من دون مثال سابق، بل الخلق الثاني المسبوق بالمثال أهون قٰالُوا أَ إِذٰا مِتْنٰا وَ كُنّٰا تُرٰاباً وَ عِظٰاماً أَ إِنّٰا لَمَبْعُوثُونَ «1»، أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلىٰ وَ هُوَ الْخَلّٰاقُ الْعَلِيمُ «2».

____________

(1) سورة المؤمنون: 82.

(2) سورة يس: 81.

133

إنّ الذي يقدر على أن يجعل من الشجر الأخضر نارا، و يقدر على أن يحيي الأرض في كلّ ربيع بعد موتها في الخريف، لقادر على أن يحيي الموتى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ «1»، اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا قَدْ بَيَّنّٰا لَكُمُ الْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «2».

إنّ القدير الذي يطفئ مشعل إدراك الإنسان و علمه و إرادته في كلّ ليلة، فيميته و يسلب منه قدرته و اختياره، ثمّ يوقظه، و يردّ إليه ما أخذه، لقادر بعد أن يطفئه بالموت على أن يضيئه و يحييه و يبعثه إنسانا سويا، و يعيد إليه معلوماته التي فقدها

«لتموتنّ كما تنامون و لتبعثنّ كما تستيقظون»

«3»، سبحان الذي جعل النوم إيقاظا لمعرفة المعاد و المبدأ الذي لا تأخذه سنة و لا نوم وَ مِنْ آيٰاتِهِ مَنٰامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ «4».

**

____________

(1) سورة يس: 80.

(2) سورة الحديد: 17.

(3) روضة الواعظين ص 53، الاعتقادات للصدوق ص 64.

(4) سورة الروم: 23.

134

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

135

الإمامة

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

الإمامة لا خلاف بين الخاصّة و العامّة في ضرورة وجود الخليفة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و إنّما الخلاف في أنه منصوب من قبل اللّه تعالى أو باختيار من الناس.

قال العامّة إنه لا حاجة إلى النصب، بل يتعيّن باختيار الأمّة، و قال الخاصّة بضرورة النصب و التعيين من اللّه تبارك و تعالى بواسطة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و الحكم في هذا الاختلاف هو العقل و الكتاب و السنّة.

حكومة العقل

و نكتفي منها بثلاثة وجوه:

الوجه الأوّل:

لو أنّ شخصا مخترعا أسّس مصنعا ينتج أغلى الجواهر، و كان هدفه أن يستمرّ المصنع في إنتاجه و لا يتوقّف في حضوره أو غيابه و حياته و بعد موته، و كان في المصنع أجهزة معقّدة دقيقة، لا يمكن معرفتها إلّا بأن يعلّم المخترع أحدا على خصائصها و تشغيلها.

فهل يمكن أن نصدّق أنّ ذلك المخترع العاقل الواعي، يعلن للناس أنه سوف يموت في هذه السنة، ثمّ لا يعيّن لإدارة المصنع شخصا عالما بأجهزته، قادرا على تشغيلها و استخدامها للإنتاج، بل يترك اختيار المدير و المهندس لذلك المصنع إلى

138

أناس ليس لهم معرفة بأحوال تلك الأجهزة و دقائق صنعها و ظرافة تشغيلها.

فهل أنّ الدقّة و الظرافة للمعارف و السنن و الأحكام الإلهية لجميع مجالات الحياة، التي هي أجهزة مصنع دين اللّه أقلّ من أجهزة ذلك المصنع؟!

و هل أنّ إنتاجها الذي هو أغلى جواهر الوجود و هو كمال الإنسانية بمعرفة اللّه تعالى و عبادته، و تعديل شهوة الإنسان إلى العفّة، و غضبه إلى الشجاعة، و فكره إلى الحكمة، و إقامة المدينة الفاضلة على أسس العدل و القسط، أقلّ قدرا من إنتاج مصنع الجواهر؟!

إنّ الكتاب الذي بعث اللّه به رسوله و وصفه بأنه وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً «1»، و قال عنه: كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّٰاسَ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ «2»، و قال عنه: وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ إِلّٰا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ «3» و ضمّنه كلّ ما يحلّ اختلاف الناس على اختلاف مراتبهم و يميّز لهم الحقّ و الباطل، يحتاج إلى مبيّن يستخرج منه ما هو تبيان له، و لا بدّ أن يكون محيطا بالظلمات الفكرية و الأخلاقية و العملية، و ما يقابلها من النور، حتّى يخرجهم من تلك الظلمات، و يهديهم إلى ذلك النور، و يبيّن لهم الحقّ و الباطل فيما اختلفوا فيه؟!

و لا مناص من أن يكون عالما بالحقّ و الباطل في كلّ ما اختلف فيه الناس، لكي يبيّن لهم الذي اختلفوا فيه: من أعمق المسائل الأصولية في المبدأ و المعاد- التي ما زالت تشغل أفكار نوابغ العلماء في حلّها- إلى كلّ ما يبتلى به في المسائل الفرعية كتنازع المرأتين في رضيع تدّعي كلّ واحدة منهما أنّها أمّه.

____________

(1) سورة النحل: 89.

(2) سورة إبراهيم: 1.

(3) سورة النحل: 64.

139

فهل يعقل أن نقول: إنّ مهمّة هذا القرآن في هداية الناس و تربيتهم و حلّ مشاكلهم و رفع اختلافاتهم قد انتهت برحيل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟!

فهل ترك اللّه و رسوله هذا الكتاب المبين الذي يتضمّن كلّ ما يحتاج إليه البشر، من دون أن يعيّن له مبيّنا و مفسّرا؟!

و من هنا، فإنّ تصوّر حقيقة القرآن الحكيم المنزل من عند العليم الحكيم على النبيّ الذي منّ اللّه ببعثه على المؤمنين، ليتلو عليهم آياته و يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة، يستلزم التصديق بوجود معلّم إلهي، و مفسّر ربّاني، عنده علم الكتاب الذي أنزله اللّه تبيانا لكلّ شيء.

و هل يقبل عاقل أنّ اللّه و رسوله قد أوكلا تعيين المبيّن لدين اللّه إلى الذين يجهلون علوم القرآن و أسراره، و قوانين الإسلام و أهدافه؟!

الوجه الثاني:

إنّ الإمامة للإنسان عبارة عن الإمامة و القيادة لعقل الإنسان، لأنّ موضوع بحث الإمامة من يكون إماما للإنسان، و إنسانية الإنسان بعقله و فكره «دعامة الإنسان العقل» «1».

ففي نظام خلقة الإنسان تحتاج قواه و أعضاء بدنه إلى توجيه حواسّه، و تحتاج أعصاب حركته إلى أعصاب حسّه، لكن الذي يوجّه الحواس و يميّز صوابها و خطأها، هو عقله، و هذا العقل ذو إدراك محدود، معرّض للخطأ و الهوى، فهو يحتاج إلى قيادة عقل كامل محيط بالداء و الدواء، و بعوامل نقص الإنسان و تكامله، مصون عن الخطأ و الهوى، لكي تتحقّق بإمامته هداية عقل الإنسان.

____________

(1) علل الشرائع ج 1 ص 103 باب 91 ح 2.

140

و طريق معرفة هذا الإنسان الكامل المصون عن الخطأ، الصائن نفسه عن الخطأ، إنّما هي بتعريف اللّه تعالى.

من هنا، فإنّ تصوّر حقيقة الإمامة لا ينفكّ عن التصديق بضرورة نصب الإمام من اللّه تعالى.

الوجه الثالث:

بما أنّ مقام الإمامة مقام حفظ القوانين الإلهية و تفسيرها و تطبيقها، فإنّ نفس الدليل الذي دلّ على ضرورة عصمة النبي المبلّغ للدين و مطبّقه، يدلّ على ضرورة عصمة خليفته المحافظ على الكتاب و السنّة و المفسّر لهما و مطبّقهما.

و كما أنّ الخطأ و الهوى في المبلّغ يبطل الغرض من بعثته، فكذلك الخطأ و الهوى في الحافظ المفسّر و المنفّذ، يوجب ضلال الأمّة و نقض الغرض من البعثة، و بما أنّ الأمّة لا يمكنها أن تعرف المعصوم، فلا بدّ أن يعرّفها إيّاه اللّه تعالى و رسوله.

حكومة الكتاب

و للاختصار نشير إلى ثلاث آيات:

الآية الأولى: وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا وَ كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا يُوقِنُونَ «1».

كلّ شجرة لا بدّ أن تعرف بمعرفة أصلها و فرعها، و جذرها و ثمرها، و قد ذكر الأصل و الفرع لشجرة الإمامة الطيّبة في هذه الآية من القرآن الكريم.

فأصل الإمامة أعلى مراتب الكمال العقلي، و هو اليقين بآيات اللّه سبحانه تكوينا و تشريعا، كما هو المستفاد من عموم الجمع المضاف، و فرعها أعلى مراتب

____________

(1) سورة السجدة: 24.

141

الكمال الإرادي و هو الصبر و حبس النفس عن كلّ مكروه و على كلّ محبوب للّه سبحانه، كما هو المستفاد من إطلاق الصبر عن التقييد بمتعلّق خاص، فالجملتان في الآية الشريفة تبيّنان علم الإمام و عصمته.

و أمّا ثمرة هذه الشجرة الطيّبة فهي الهداية بأمر اللّه التي لا تتيسّر إلّا لمن يكون واسطة بين عالم الخلق و الأمر.

و هذه الثمرة من تلك الشجرة الطيّبة تحيى البشرية بالحياة الطيّبة من الجهل و الهوى.

فبالتدبّر في الآية الكريمة يظهر مبدأ الإمامة و منتهاها، و أنّ الشجرة التي أصلها اليقين بآيات اللّه، و فرعها الصبر على مرضاة اللّه، و ثمرتها الهداية بأمر اللّه، لا يكون غارسها إلّا اللّه، فالإمام منصوب من اللّه، و من هنا قال عزّ من قائل: وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا وَ كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا يُوقِنُونَ «1».

الآية الثانية: قوله تعالى: وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ «2».

دلّت الآية على أنّ الإمامة لأجيال الناس مقام ربّاني عظيم، لم يبلغه نبيّ اللّه إبراهيم (عليه السلام) إلّا بعد نجاحه في ابتلائه بكلمات، منها امتحانه بإلقائه في نار نمرود، و منها إسكان زوجته و ولده في واد غير ذي زرع، و منها اختباره باستعداده لذبح ولده اسماعيل.

فبعد أن وصل إبراهيم (عليه السلام) إلى مراتب النبوّة، و الرسالة، و الخلّة، و بعد أن ابتلي

____________

(1) سورة السجدة: 24.

(2) سورة البقرة: 124.

142

بكلمات فأتمهنّ، قال اللّه تعالى: إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً، و بسبب عظمة هذا المقام طلبه إبراهيم لذريّته فأجابه اللّه تعالى: لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ.

و عبّر اللّه تعالى عن الإمامة ب (عهد اللّه) الذي لا يناله إلّا المعصوم، إذ لا شكّ أنّ إبراهيم لم يسأل الإمامة لجميع ذرّيته، فإنه لا يمكن أن يسأل خليل اللّه من العدل الحكيم الآمر بالعدل و الإحسان الإمامة للمتلبّس بالظلم و العصيان، فكان دعاؤه للعدول من ذرّيته، و لمّا كان طلبه عامّا لمن هو عادل بالفعل و إن تلبّس بالظلم في الماضي كان المقصود من الجواب عدم الاستجابة بالنسبة إلى هذا القسم من الذرّية العدول، فدلّت الآية الشريفة أنّ الإمامة المطلقة مشروطة- بحكم العقل و الشرع- بالطهارة و العصمة المطلقة، فهيهات أن ينالها من عبد اللات و العزّى، و أشرك باللّه العظيم، و قد قال سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «1».

الآية الثالثة: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «2»، فقد عطف في الآية «أولي الأمر» على «الرسول»، و مع أنّ العطف في قوّة التكرار لكنّه اكتفى ب (أطيعوا) واحدة و لم يكرّرها، ليبيّن أنّ إطاعتهم و إطاعة الرسول من سنخ واحد، و حقيقة واحدة، فكما أنّ إطاعة الرسول غير مقيّدة بقيد و لا شرط في الوجوب، و لا حدّ في الواجب، فكذلك إطاعة أولي الأمر.

و مثل هذا الوجوب لا يكون إلّا مع عصمة أولي الأمر، لأنّ إطاعة كلّ أحد مقيّدة لا محالة بعدم مخالفة أمره لأمر اللّه تعالى، و إلّا لزم الأمر بعصيان الإله، و لمّا كان أمر المعصوم- بمقتضى عصمته- غير مخالف لأمر اللّه تعالى، كان وجوب إطاعته غير مقيّد بقيد.

____________

(1) سورة لقمان: 13.

(2) سورة النساء: 59.

143

ثمّ مع الاعتراف بأنّ الإمامة عند الجميع خلافة للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في تطبيق الدّين و حفظ كيان الأمّة، و أنّ الإمام واجب الطاعة على جميع الأمّة «1»، و مع ملاحظة قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ «2»، و قوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ «3»، يتّضح أنّ الإمام يجب أن يكون معصوما، و إلّا لزم من الأمر بطاعته المطلقة الأمر بالظلم و المنكر، و النهي عن العدل و المعروف، سبحانه و تعالى.

و من جهة أخرى، إذا لم يكن الإمام معصوما فقد يخالف أمره أمر اللّه و رسوله، و في هذه الحالة يكون الأمر بإطاعة اللّه و رسوله و الأمر بإطاعة وليّ الأمر، بمقتضى إطلاق الأمر و المأمور به فيهما، أمرا بالضدّين، و هو محال، فوليّ الأمر على الإطلاق عقلا و نقلا لا يكون إلّا المعصوم على الإطلاق.

و النتيجة: أنّ أمر اللّه سبحانه بإطاعة (أولي الأمر) بلا قيد و لا شرط، دليل على عدم مخالفة أمرهم لأمر اللّه و رسوله، و هذا دليل على عصمتهم، و تعيين المعصوم لا يمكن إلّا من قبل العالم بالسرّ و الخفيّات.

حكومة السنّة

لا يخفى أنّ الاستشهاد بالروايات الواردة من طرق العامّة في هذه المقدّمة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) لإتمام الحجّة، و الجدال بالتي هي أحسن، و إلّا ففي تحقّق شروط الإمامة التي يحكم بها العقل و الكتاب في نفسه القدسية (عليه السلام)، و انطباق الكبرى عليها قهرا، فيما تواتر من السنّة على إمامته غنى و كفاية.

____________

(1) شرح المواقف ج 8 ص 345.

(2) سورة النحل: 90.

(3) سورة الأعراف: 157.

144

و ما أطلقنا عليه الصحيح من روايات العامّة هو الصحيح على الموازين الرجالية عندهم، و ما أطلقنا عليه الصحيح من روايات الخاصة هو الواجد لشرائط الاعتبار أعم من الصحيح الاصطلاحي و الموثق على الموازين الرجالية عندهم.

* لا إشكال في وجوب اتباع سنّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، بمقتضى إدراك العقل لزوم اتّباع المعصوم و إطاعة أمره، و مقتضى حكم القرآن بذلك وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «1».

و نكتفي بما تواتر صدوره عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و اتفق العلماء بأصنافهم من المفسّر و المحدّث و المؤرخ و أهل الأدب و اللغة عليه، و لم يخف على شيخ و شابّ،

قال ابن أبي الحديد: روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن قاسم عن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة، و يجلس [النّاس] إليه، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه، فقال يا أبا هريرة أنشدك اللّه أ سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول لعلي بن أبي طالب: اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه، فقال: اللهم نعم. قال: فأشهد باللّه لقد واليت عدوّه، و عاديت وليّه، ثم قام عنه

«2». و قال ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري: و أما

حديث من كنت مولاه فعلي مولاه

، فقد أخرجه الترمذي و النسائي، و هو كثير الطرق جدا، و قد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، و كثير من أسانيدها صحاح و حسان ... «3».

نذكر منها واحدا من الصحاح عندهم و هو ما رواه زيد بن أرقم قال:

____________

(1) سورة الحشر: 7.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 ص 68.

(3) فتح الباري ج 7، ص 61.

145

«لمّا رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من حجّة الوداع و نزل غدير خمّ أمر بدوحات فقممن، فقال:

كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه و عترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض.

ثمّ قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ مولاي و أنا مولى كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد علي رضي اللّه عنه فقال:

من كنت مولاه فهذا وليّه. اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه ... و ذكر الحديث بطوله»

«1». و نظرا لاهتمامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بإمامة الأمّة من بعده، لم يقتصر تأكيده عليها في حجّة الوداع وحدها، بل أكّد عليها في مناسبات متعدّدة قبل حجّة الوداع و بعدها، و منها في مرض وفاته حيث كان الصحابة مجتمعين عنده فأوصاهم بالقرآن و العترة بتعابير مختلفة.

فتارة بلفظ

(إنّي قد تركت فيكم الثقلين)

«2». و أخرى بلفظ:

(إنّي تارك فيكم خليفتين)

«3».

____________

(1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 109.

(2) فضائل الصحابة ص 15، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 109، مسند أحمد ج 3 ص 26، مجمع الزوائد ج 9 ص 163، السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 45 و 130، البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 228، السيرة النبوية ج 4 ص 416، كنز العمال ج 13 ص 104، خصائص الوحي المبين ص 194، ينابيع المودة ج 1 ص 105 و 115 و 121، و مصادر أخرى للعامّة.

بصائر الدرجات ص 434 الجزء الثامن باب 17 ح 4، كمال الدين و تمام النعمة ص 236 و 238، المناقب ص 154، العمدة ص 71، الطرائف ص 114 و 116 و 122 و مصادر أخرى للخاصّة.

(3) مسند أحمد ج 5 ص 182 و 189، في مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 418 (الخليفتين)، و كذا في كتاب-

146

و ثالثة بلفظ:

(إنّي تارك فيكم الثقلين)

«1». و في بعضها:

(لن يفترقا)

«2».

____________

- السنّة لابن أبي عاصم ص 336 رقم 754، مجمع الزوائد ج 9 ص 162، الجامع الصغير ج 1 ص 402، الدر المنثور ج 2 ص 60، كنز العمال ج 1 ص 172 و 186، ينابيع المودة ج 1 ص 119 و مصادر أخرى للعامّة.

كمال الدين و تمام النعمة ص 240، العمدة ص 69، سعد السعود ص 228 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) فضائل الصحابة ص 22، مسند أحمد ج 3 ص 14 و 17 و ج 4 ص 371، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 148، سنن الدارمي ج 2 ص 432، السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 30 و ج 10 ص 114، مجمع الزوائد ج 9 ص 163، مسند ابن الجعد ص 397، مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 176، السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 51، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) ص 93، كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 629 و 630، مسند أبي يعلى ج 2 ص 297 و 303، صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 63، تفسير ابن كثير ج 4 ص 122، المعجم الصغير ج 1 ص 131 و 135، المعجم الأوسط ج 3 ص 374 و ج 4 ص 33، المعجم الكبير ج 3 ص 66 و ج 5 ص 154 و 166 و 170 و 182 و ...، الطبقات الكبرى ج 2 ص 194، تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 258 و ج 41 ص 19 و ج 54 ص 92. و مصادر أخرى للعامّة.

بصائر الدرجات ص 432 الجزء الثامن باب 17 ح 3 و ح 5 و ح 6، دعائم الإسلام ج 1 ص 28، الأمالي للصدوق ص 500 المجلس الرابع و الستّون ح 15، كمال الدين و تمام النعمة ص 234 و ...، معاني الأخبار ص 90، كفاية الأثر ص 87 و 137 و 163، روضة الواعظين ص 273 مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 112 و 116 و 135 و 140 و ...، المسترشد ص 559، شرح الأخبار ج 1 ص 99 و ج 2 ص 479 و 481 و ...، و مصادر أخرى للخاصّة.

(2) البداية و النهاية ج 5 ص 228 و ج 7 ص 386، الطبقات الكبرى ج 2 ص 194، مسند أبي يعلى ج 2 ص 297، و ص 376، جواهر العقدين ص 231 و 232 و 233، مسند ابن الجعد، ص 397، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) ص 93، مسند أحمد ج 3 ص 14، و ص 17 و 26 و 59، مجمع الزوائد ج 9 ص 163، المعجم الصغير ج 1 ص 131 و 135، المعجم الكبير ج 3 ص 65، نظر درر السمطين 232، كنز العمّال ج 1 ص 172، السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 416 و مصادر أخرى للعامّة.

147

و في بعضها:

(لن يتفرّقا)

«1». و في بعضها:

(لا تقدموهما فتهلكوا و لا تعلّموهما فإنّهما أعلم منكم)

«2». و في بعضها:

(إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما)

«3».

____________

- بصائر الدرجات ص 433 و 434 الجزء الثامن باب 17، الكافي ج 2 ص 415، الخصال ص 65، الأمالي للصدوق ص 616 المجلس التاسع و السبعون ح 1، كمال الدين و تمام النعمة ص 64 و 94 و 234 و ...، كفاية الأثر ص 92، الاحتجاج ج 1 ص 75 و 217 و 391 و ج 2 ص 147 و 252، العمدة ص 68 و 71 و 83 و ...، تفسير القمي ج 1 ص 172، التبيان ج 1 ص 3، مجمع البيان ج 1 ص 33 و ج 2 ص 356 و ج 7 ص 267 و ج 8 ص 12 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) كتاب السنّة لابن أبي عاصم ص 337، رقم 754، و ص 629، رقم 1549، و ص 630، 1553، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 109 و 148، فضائل الصحابة ص 15، مسند أحمد ج 5 ص 182، مجمع الزوائد ج 1 ص 170 و ج 9 ص 163 و 165، مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 418، السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 45 و 130، المعجم الأوسط ج 3 ص 374، المعجم الكبير ج 5 ص 154 و 166 و ...، الجامع الصغير ج 1 ص 402، الدرّ المنثور ج 2 ص 60، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 220 و ج 54 ص 92 و مصادر أخرى للعامّة.

روضة الواعظين ص 94، المناقب ص 154، تفسير القمّي ج 2 ص 447 في تفسير سورة الفتح، تفسير فرات الكوفي ص 17 و مصادر أخرى للخاصّة.

(2) العبارة المذكورة و القريب منها: راجع المعجم الكبير ج 3 ص 66 و ج 5 ص 167، كنز العمال ج 1 ص 186 و 188، الدر المنثور ج 2 ص 60، ينابيع المودة ج 1 ص 74 و 109 و 112 و 116 و 121 و 133 و ج 2 ص 438، مجمع الزوائد ج 9 ص 164، الصواعق المحرقة ص 150 و 228 و مصادر أخرى للعامة.

تفسير العياشى ج 1 ص 4 و 250، تفسير القمي ج 1 ص 4، تفسير فرات الكوفى ص 110، الامامة و التبصرة ص 44، الكافي ج 1 ص 209 و 287 و 294، الأمالي للصدوق ص 616 المجلس التاسع و السبعون ح 1، كفاية الأثر ص 163، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 376، المسترشد ص 401 و 467، الإرشاد ج 1 ص 180 و مصادر أخرى للخاصة.

(3) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 110، جامع الأحاديث ج 3 ص 430 رقم 9591، ينابيع المودّة-

148

و لا يمكن استيفاء النكات الدقيقة التي تضمّنتها بياناته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لذا نكتفي بالإشارة إلى بعضها:

(1) تدلّ جملة (إنّي قد تركت) على أنّ الكتاب و العترة تركة و ميراث من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أمّته؛ لأنّ نسبة النبيّ إلى أمّته نسبة الأب إلى ولده، و ذلك أنّ الإنسان موجود مركّب من الجسم و الروح، و نسبة الروح إلى الجسم نسبة المعنى إلى اللفظ، و اللّب إلى القشر.

و الأب الجسماني واسطة لإفاضة الأعضاء و القوى الجسمانية، و الأب الروحاني واسطة لإفاضة القوى و الأعضاء الروحانية من العقائد الحقّة، و الأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة.

و لا تقاس الواسطة في إفاضة السيرة الروحانية و الصورة العقلانية بالواسطة في إفاضة الصورة المادّية و الهيئة الجسمانية، كما لا يقاس اللّب بالقشر و لا المعنى باللفظ، و لا اللؤلؤ بالصدف.

هذا الأب العظيم للأمّة أخبر أمّته عن رحيله، و أنّ ربه تعالى سيدعوه إلى جواره فيجيبه و يفارقهم (كأنّي قد دعيت فأجبت) و أكّد عليهم أنّ تركتي فيكم و حصيلة عمري و ثمرة وجودي، شيئان (كتاب اللّه، و عترتي).

____________

- ج 1 ص 116، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 216، كنز العمّال ج 1 ص 187، و قريب منه في مسند أحمد ج 3 ص 59، سنن الترمذي ج 5 ص 328 و 329، السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 422، منتخب مسند عبد بن حميد ص 108، المعجم الصغير ج 1 ص 135 و مصادر أخرى للعامّة.

كمال الدين و تمام النعمة ص 235 و ص 237 و ...، كفاية الأثر ص 265، تحف العقول ص 458، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 105 و ... و ص 141 و 177، شرح الأخبار ج 1 ص 105 و مصادر أخرى للخاصّة.

149

فالكتاب هو رابط الأمّة بربّها، و العترة هي رابطة الأمّة بنبيّها، فانقطاع الأمّة عن القرآن انقطاع عن اللّه تعالى، و انقطاعها عن العترة انقطاع عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الانقطاع عن النبيّ انقطاع عن اللّه تعالى.

و قد كان يكفي لبيان عظمة القرآن و العترة مجرّد إضافتهما إلى اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لأنّ المضاف يأخذ قيمته من المضاف إليه، لكن مع ذلك وصفهما (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ب (الثقلين) ليدلّ على جوهرهما الغالي و وزنهما الثقيل، فنفاسة القرآن الكريم، و ثقل وزنه المعنوي فوق إدراك العقول، لأنّ القرآن تجلّي الخالق لخلقه، و يكفي لدرك عظمته التأمّل في هذه الآيات: يس* وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ «1» ق* وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «2»، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ* لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ «3»، لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «4».

ثمّ إنّ وصف العترة بنفس ما وصف به القرآن يفيد أنّ العترة في كلامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عدل للقرآن و شريك للوحي، و لا يمكن أن تكون العترة عدلا للقرآن- في كلام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الذي هو ميزان الحقيقة- إلّا إذا كانت العترة، فيما وصف اللّه الكتاب بقوله: تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ «5» شريكا لعلم القرآن، و فيما وصف اللّه القرآن بقوله:

لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ «6» شريكا في عصمته.

____________

(1) سورة يس: 1- 2.

(2) سورة ق: 1- 2.

(3) سورة الواقعة: 77- 79.

(4) سورة الحشر: 21.

(5) سورة النحل: 89.

(6) سورة فصلت: 42.

150

(2) يدلّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «لن يتفرّقا» على التلازم الدائم بين القرآن و العترة، بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر، و ذلك أنّ القرآن الكريم كتاب أنزل لكافّة أفراد البشر على اختلاف مستوياتهم و قابليّاتهم، فكانت عباراته للعوام، و إشاراته للعلماء، و لطائفه للأولياء، و حقائقه للأنبياء (عليهم السلام).

إنه كتاب يستضيء بنور هدايته أدنى أفراد البشر، الذي لا همّ له إلّا الأمور المادّية، إلى أعلى الأفراد، الذي لا يهدأ اضطراب روحه إلّا بالاطمئنان بذكر اللّه تعالى، و لا ضالّة له إلّا الأسماء الحسنى و الأمثال العليا، و تحمّل اسم اللّه الأعظم.

إنّ هذا القرآن كالشمس، يستشفي المصاب بالبرد بحرارتها، و يحتاجها الزارع لنموّ زرعه، و يبحث العالم الطبيعي في تأثير أشعّتها على الأحياء و النبات و المعادن، و يبحث العالم الربّاني في تأثيرها على الأرض و مواليدها، و في السنن و القوانين التي تنظم بعدها عن الأرض و قربها، و طلوعها و غروبها، فيجد ضالّته و هو الخالق المدبّر للشمس.

إنّ مثل هذا الكتاب الذي جاء لجميع أفراد البشر، و المتكفّل لكلّ ما تحتاج إليه الإنسانية في الدّنيا و البرزخ و الآخرة، لا بدّ له من معلّم عالم بكلّ ذلك، فإنّ الطب بلا طبيب، و العلم بلا معلّم ناقص، و كذلك القانون- خاصّة القانون الإلهي الذي به نظم أمور المعاش و المعاد- بلا مفسّر مناسب له ناقص و مناف لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «1»، و ناقض للغرض من نزول هذا الكتاب و يخالف قوله تعالى: وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ «2». و الحكيم على

____________

(1) سورة المائدة: 3.

(2) سورة النحل: 89.

151

الإطلاق يستحيل أن ينزل دينا ناقصا، أو ينقض غرضه من تنزيله! و لذا قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (لن يتفرّقا).

(3) في بعض صيغ حديث الثقلين (لن تضلّوا إن اتّبعتموهما) و اهتداء الإنسان- من جهة خصوصية خلقه- سبب لسعادته الأبدية، و ضلاله سبب لشقائه الأبدي، و ذلك أنّ الإنسان- كما أشرنا سابقا- عصارة موجودات العالم، فهو مخلوق دنيوي، و برزخي، و أخروي، و ملكي، و ملكوتي، و هو مرتبط بعالم الخلق، و عالم الأمر، و هو مخلوق من أجل البقاء لا الفناء.

و الهداية اللازمة لمخلوق من هذا النوع هداية خاصّة، لا تتيسّر إلّا بتعليم و تربية بالوحي الإلهي، ذلك النور المقدّس عن الظلمات قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ «1».

و بقانون التناسب و السنخية، لا بدّ أن يكون معلّم البشر بالوحي الذي قال سبحانه في شأنه: ذٰلِكَ الْكِتٰابُ لٰا رَيْبَ فِيهِ «2» و وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ* إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ «3» أيضا معصوما عن الخطأ و الهوى.

و إنّما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (لن تضلّوا إن اتبعتموهما) لأنّ اتباع الكتاب الذي ينطق بالحق بلسان الصدق الذي لا يتفرّق عن الحقّ، يحقّق للبشر الأمن من الضلال الفكري و الخلقي و العملي.

____________

(1) سورة المائدة: 15.

(2) سورة البقرة: 2.

(3) سورة النجم: 3- 4.

152

(4) و في تفسير قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (لا تعلّموهما فإنّهما أعلم منكم) نكتفي بما قاله ابن حجر، و هو من علماء السنّة المتعصّبين، قال واصفا أهل البيت (عليهم السلام): (و تميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء، لأنّ اللّه أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا ... إلى أن قال: ثمّ أحقّ من يتمسّك به منهم إمامهم و عالمهم علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، لما قدّمناه من مزيد علمه و دقائق مستنبطاته، و من ثمّ قال أبو بكر: عليّ عترة رسول اللّه، أي الذين حثّ على التمسّك بهم، فخصّه لما قلنا، و كذلك خصّه بما مرّ يوم غدير خمّ) «1».

فمع اعترافهم بأنّ عليا امتاز عن بقيّة علماء الأمّة بآية التطهير، التي دلّت على أنه طاهر من كلّ أنواع الرجس، و اعترافهم بأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نصّ على أنّ عليا (عليه السلام) أعلم الأمّة، و نظرا إلى أن العقل و الكتاب يوجبان اتباع الأعلم بقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ «2»، و قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ «3» و اعترافهم بصحّة أمر

النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بقوله: (إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتبعتموهما، و هما كتاب اللّه و أهل بيتي عترتي)

، تكون النتيجة ثبوت الحجّة على متبوعية عليّ (عليه السلام) و تابعية عموم الأمّة- من دون استثناء- و أنّ جميع الأمّة مأمورة لأجل النجاة من الضلال أن تتبع عليّا (عليه السلام) قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ «4».

____________

(1) الصواعق المحرقة ص 151.

(2) سورة الزمر: 9.

(3) سورة يونس: 35.

(4) سورة الأنعام: 149.