منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
203

هكذا رأيته في اللوح مكتوبا:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا كتاب من اللّه العزيز الحكيم لمحمّد نبيّه و نوره و سفيره و حجابه و دليله، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين.

عظّم يا محمّد أسمائي و اشكر نعمائي، و لا تجحد آلائي، إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا، قاصم الجبّارين و مديل المظلومين و ديّان الدين، إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي، عذّبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فإيّاي فاعبد، و عليّ فتوكّل، إنّي لم أبعث نبيّا فأكملت أيامه و انقضت مدّته إلّا جعلت له وصيّا، و إنّي فضّلتك على الأنبياء، و فضّلت وصيّك على الأوصياء، و أكرمتك بشبليك و سبطيك حسن و حسين، فجعلت حسنا معدن علمي، بعد انقضاء مدّة أبيه.

و جعلت حسينا خازن وحيي و أكرمته بالشهادة و ختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، و أرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامّة معه و حجّتي البالغة عنده، بعترته أثيب و أعاقب. أوّلهم علي سيّد العابدين و زين أوليائي الماضين، و ابنه شبه جدّه المحمود، محمّد الباقر لعلمي، و المعدن لحكمتي.

سيهلك المرتابون في جعفر، الرادّ عليه كالرادّ عليّ، حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر و لأسرنّه في أشياعه و أنصاره و أوليائه.

أتيحت بعده موسى فتنة عمياء حندس، لأنّ خيط فرضي لا ينقطع و حجّتي لا تخفى، و إنّ أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي، و من غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ.

ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدّة موسى عبدي و حبيبي و خيرتي، في علي وليّي و ناصري، و من أضع عليه أعباء النبوّة، و أمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح، إلى جنب شرّ خلقي.

204

حقّ القول منّي لأسرنّه بمحمد ابنه و خليفته من بعده و وارث علمه، فهو معدن علمي و موضع سرّي، و حجّتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلّا جعلت الجنّة مثواه، و شفّعته في سبعين من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار.

و أختم بالسعادة لابنه علي وليّي و ناصري، و الشاهد في خلقي، و أميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي و الخازن لعلمي الحسن.

و أكمل ذلك بابنه (م ح م د) رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، و بهاء عيسى، و صبر أيّوب، فيذلّ أوليائي في زمانه، و تتهادى رءوسهم كما تتهادى رءوس الترك و الديلم، فيقتلون و يحرقون و يكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، و يفشو الويل و الرنّة في نسائهم.

أولئك أوليائي حقّا، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، و بهم أكشف الزلازل، و أدفع الآصار و الأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة، و أولئك هم المهتدون».

قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك، إلّا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلّا عن أهله

«1».** و الأدلّة على إمامة الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) أكثر من أن تحصى في هذا المختصر، و لكن نختم هذا الموجز بخطبة شريفة للإمام الصادق (عليه السلام)، يصف فيها مقام العصمة و الإمامة السامي، رواها شيخ المحدّثين محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن يحيى (الذي يقول في حقّه النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين، روى نحو ستّة آلاف رواية) عن أحمد بن محمّد بن عيسى (شيخ القمّيين، و وجههم و فقيههم

____________

(1) الكافي ج 1 ص 527 (باب ما جاء في الاثنى عشر).

205

غير مدافع، و من أصحاب الرضا و الجواد و الهادي (عليهم السلام)) عن الحسن بن محبوب (أحد أربعة هم أركان زمانهم، و من أصحاب الإجماع الذين أجمعت الطائفة على صحّة ما يروى عنهم بسند صحيح، و من أصحاب الإمام الكاظم و الإمام الرضا (عليهما السلام)) عن إسحاق بن غالب (الذي يضاف إلى توثيقه الخاص رواية أمثال صفوان بن يحيى عنه)

عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، في خطبة له يذكر فيها حال الأئمّة (عليهم السلام) و صفاتهم:

«إنّ اللّه عزّ و جلّ أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه، و أبلج بهم عن سبيل منهاجه، و فتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله واجب حقّ إمامه، وجد طعم حلاوة إيمانه، و علم فضل طلاوة إسلامه، لأنّ اللّه تبارك و تعالى نصب الإمام علما لخلقه، و جعله حجّة على أهل موادّه و عالمه، و ألبسه اللّه تاج الوقار، و غشاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب إلى السماء، و لا ينقطع عنه مواده، و لا ينال ما عند اللّه إلّا بجهة أسبابه، و لا يقبل اللّه أعمال العباد إلّا بمعرفته، فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، و معميات السنن، و مشبهات الفتن.

فلم يزل اللّه تبارك و تعالى يختارهم لخلقه من ولد الحسين من عقب كلّ إمام، يصطفيهم لذلك و يجتبيهم، و يرضى بهم لخلقه و يرتضيهم، كلّ ما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما، علما بيّنا، و هاديا نيّرا، و إماما قيّما، و حجّة عالما.

أئمّة من اللّه، يهدون بالحقّ و به يعدلون. حجج اللّه و دعاته، و رعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد، و تستهلّ بنورهم البلاد، و ينمو ببركتهم التلاد، جعلهم اللّه حياة للأنام، و مصابيح للظلام، و مفاتيح للكلام، و دعائم للإسلام، جرت بذلك فيهم مقادير اللّه على محتومها.

فالإمام هو المنتجب المرتضى، و الهادي المنتجى، و القائم المرتجى، اصطفاه اللّه

206

بذلك، و اصطنعه على عينه في الذرّ حين ذرأه، و في البرية حين برأه، ظلّا قبل

خلق نسمة عن يمين عرشه، محبوا بالحكمة في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه، و انتجبه لطهره.

بقيّة من آدم (عليه السلام)، و خيرة من ذرّية نوح، و مصطفى من آل إبراهيم، و سلالة من إسماعيل، و صفوة من عترة محمّد صلّى اللّه عليه و آله لم يزل مرعيّا بعين اللّه، يحفظه و يكلؤه بستره، مطرودا عنه حبائل إبليس و جنوده، مدفوعا عنه وقوب الغواسق، و نفوث كلّ فاسق، مصروفا عنه قوارف السوء، مبرءا من العاهات، محجوبا عن الآفات، معصوما من الزلّات، مصونا عن الفواحش كلّها، معروفا بالحلم و البر في يفاعه، منسوبا إلى العفاف و العلم و الفضل عند انتهائه، مسندا إليه أمر والده، صامتا عن المنطق في حياته.

فإذا انقضت مدّة والده، إلى أن انتهت به مقادير اللّه إلى مشيئته، و جاءت الإرادة من اللّه فيه إلى محبّته، و بلغ منتهى مدّة والده فمضى، و صار أمر اللّه إليه من بعده، و قلّده دينه، و جعله الحجّة على عباده، و قيّمه في بلاده، و أيّده بروحه، و آتاه علمه، و أنبأه فصل بيانه، و استودعه سرّه، و انتدبه لعظيم أمره، و أنبأه فضل بيان علمه، و نصبه علما لخلقه، و جعله حجّة على أهل عالمه، و ضياء لأهل دينه، و القيّم على عباده، رضي اللّه به إماما لهم، استودعه سرّه، و استحفظه علمه، و استخبأه حكمته، و استرعاه لدينه، و انتدبه لعظيم أمره، و أحيا به مناهج سبيله و فرائضه و حدوده، فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل، و تحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، و الشفاء النافع، بالحقّ الأبلج، و البيان اللائح من كلّ مخرج، على طريق المنهج، الذي مضى عليه الصادقون من آبائه.

فليس يجهل حقّ هذا العالم إلّا شقي، و لا يجحده إلّا غوي، و لا يصدّ عنه إلّا

207

جري على اللّه جلّ و علا»

«1». إنّ كلّ جملة في هذه الخطبة الشريفة تحتاج إلى شرح مفصّل، و نكتفي في هذا الموجز ببيان بعض النقاط منها:

(أ) جعل الإمام (عليه السلام) موضوع خطبته أئمّة الهدى، لوضوح ضرورة وجود الإمام للأمّة يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ «2».

و إمام الأمّة لا بدّ أن يكون إمام الهداية، كما قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا «3». إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ «4».

و معرفة إمام الهداية يتوقّف على معرفة الهداية، و معرفة الهداية تحتاج إلى التدبّر في آيات الكتاب الواردة في هذا الموضوع، التي تزيد على المائتين و تسعين آية، و لا يتّسع هذا الموجز لشرحها.

و ذلك أنّ الهداية كمال الخلقة قٰالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ «5» سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوّٰى* وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ «6»، و هداية كلّ مخلوق تناسب خلقته، و لمّا كان الإنسان مخلوقا في أحسن تقويم فهدايته أعلى مراتب كمال الخلق.

و قد بيّن الإمام (عليه السلام) عظمة مقام الإمامة حيث وصف الأئمّة بأنّهم (أئمّة الهدى)،

____________

(1) الكافي ج 1 ص 203 كتاب الحجّة باب نادر جامع في فضل الإمام و صفاته ح 2.

(2) سورة الاسراء: 71.

(3) سورة السجدة: 24.

(4) سورة الرعد: 7.

(5) سورة طه: 50.

(6) سورة الأعلى: 1، 2، 3.

208

بل أوضح لأهل النظر و التعمّق ما للإمام من الخصائص، و ما لهذا الملزوم من لوازم.

ثمّ شرع الإمام بعد الإجمال بالتفصيل، فبيّن موقع الإمام من الدين الإلهي، و أنّ الإمام هو المبيّن لأصول الدين و فروعه، لأنّ اللّه تعالى لم يوكل تفسير دينه إلى آراء الخلق المعرّضة للخطأ و الاختلاف، لأنّ الخطأ و الاختلاف في الدين آفتان تنقضان الغرض من تشريعه، و تدخلان الأمّة في ظلمات الضلال.

بل لم يترك اللّه تعالى نقطة غموض و لا إبهام، حول أصول دينه و فروعه، إلّا أوضحها بأئمّة الهدى، كما قال الإمام (عليه السلام): (إنّ اللّه عزّ و جلّ أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه).

(ب) الإنسان بمقتضى فطرته يبحث عن خالقه تعالى، و هذه الفطرة لا تنال مقصودها إلّا بأن تجد الطريق إلى اللّه، الذي هو الدين القويم و الاستقامة عليه قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي «1».

و بما أنّ عوامل الانحراف عن دين اللّه تعالى موجودة في كلّ عصر، من خطأ الإنسان و هواه، و قطّاع طريق اللّه من الجنّ و الإنس وَ لٰا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ «2»، اشْتَرَوْا بِآيٰاتِ اللّٰهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سٰاءَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ «3» فكان من اللّازم وجود إمام ليتحقّق به الغرض من تكوين هذه الفطرة

____________

(1) سورة يوسف: 108.

(2) سورة الأنعام: 153.

(3) سورة التوبة: 9.

209

- و هو الوصول إلى اللّه- و من تشريع الصراط المستقيم- و هو الدين و السبيل إلى اللّه- قال (عليه السلام): «و أبلج عن سبيل منهاجه».

(ج) الغرض من خلق عقل الإنسان الوصول إلى حقيقة العلم و المعرفة، و الإنسان يستدعي بلسان جبلّته و خلقته من واهب العقل و الإدراك و يناجيه: إلهي أرني الأشياء كما هي، و عرّفني نفسي، و أنّها من أين، و في أين، و إلى أين.

و تعطّش الإدراك الإنساني لا يرتفع إلّا بالوصول إلى عين الحياة من العلم الإلهي، و إلّا فإنّ عاقبة الفلسفة البشرية أيضا حيرة الكمّل، بأن يعلموا أنّهم لا يعلمون.

لهذا كان من الضروري وجود إنسان له الطريق إلى عين الحياة و ينابيع العلم و الحكمة، ليروي بيده العطاشى إلى الحقيقة، فيتحقّق بذلك الغرض من خلق العقل و الإدراك، كما قال الإمام (عليه السلام) في النصّ المعتبر (من زعم أنّ اللّه يحتج بعبد في بلاده، ثمّ يستر عنه جميع ما يحتاج إليه، فقد افترى على اللّه) «1».

نعم إنّ الظنّ بأنّ اللّه جعل إنسانا حجّة على العباد، ثمّ يحجب عن حجّته ما يحتاج إليه العباد و لا يعلّمه، افتراء على اللّه تعالى نشأ من عدم المعرفة بالعلم و القدرة و الحكمة غير المتناهية، و من هنا قال: «و فتح بهم عن باطن ينابيع علمه».

(د) (و ألبسه تاج الوقار) تاج الوقار الذي على رأس الإمام (عليه السلام) هو العلم و القدرة،

____________

(1) بصائر الدرجات ص 143 الجزء الثالث نادر من الباب ح 4.

210

فعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في جواب من سأله عن علامة الإمام فيما هي؟ قال:

«في العلم، و استجابة الدعوة»

«1»، و ذلك أنّ منشأ الاضطراب و الخفّة في الإنسان هو الجهل و العجز، و بما أنّ الإمام معلم لكتاب اللّه- و هو لا يفارقه بنصّ حديث الثقلين- و الكتاب تبيان لكلّ شيء- بمقتضى قوله تعالى: وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ «2»- فلا يعزب عنه علم من العلوم التي في الكتاب الإلهي!

و تستفاد هذه النكتة من الحديث المعتبر:

عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)، قال: «كنت عنده فذكروا سليمان و ما أعطي من العلم، و ما أوتي من الملك، فقال لي: و ما أعطي سليمان بن داود؟! إنّما كان عنده حرف واحد من الاسم الأعظم، و صاحبكم الذي قال اللّه: قل كفى باللّه شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب! و كان و اللّه عند عليّ علم الكتاب! فقلت: صدقت و اللّه، جعلت فداك»

«3». و الإمام- بارتباطه بأمر اللّه- صاحب الدعوة المستجابة، و بهذا العلم و القدرة تلبّس بتاج الوقار.

(ه) (و غشّاه من نور الجبّار) أضيف النور إلى الاسم المقدّس: «الجبّار» و المضاف إلى كلّ اسم من الأسماء الإلهية يكتسب خصوصية ذلك الاسم بمقتضى الإضافة.

و اللّه جبّار يجبر كلّ انكسار «يا جابر العظم الكسير» «4».

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 200 باب 46 ح 1.

(2) سورة النحل: 89.

(3) بصائر الدرجات ص 232، الجزء الخامس، باب ما عند الأئمّة (عليهم السلام) من اسم اللّه الأعظم.

(4) تفسير العياشي ج 2 ص 198 ح 88 (سورة يوسف)، مصباح المتهجّد ص 228.

211

و قد غشّي الإمام من نور الجبّار لكي يجبر كلّ كسر و نقص يلحق بالإسلام و المسلمين.

(و) (أئمّة من اللّه، يهدون بالحقّ، و به يعدلون).

الإمام هو الإنسان المختار من اللّه تعالى، و المصطفى باصطفائه، و المجتبى باجتبائه للإمامة و القيادة، و لذا عند ما يتوفّى إمام ينصب اللّه مكانه إماما آخر ليكون علما للخلق، و مصباحا لهدايتهم، و هاديا نيّرا، و قائدا قيّما، و حجّة عالما، لكي يتحقّق الغرض من خلقة الإنسان و بعثة الأنبياء (عليهم السلام)، ذلك الغرض الذي يتلخّص في كلمتين هما: الهداية بالحقّ، و العدالة بالحقّ، و هما عصارة الحكمة النظرية و العملية، و منتهى كمال العقل و الإرادة الإنسانية.

و تحقّق هذين الأمرين إنّما يكون بواسطة العقل الذي يعرف الأشياء كما هي، و الإرادة التي تقوم بكلّ عمل كما ينبغي.

و هذا هو مقام العصمة العلمية و العملية، و لهذا

قال (عليه السلام): (أئمّة من اللّه، يهدون بالحقّ، و به يعدلون)

. (ز) (اصطفاه اللّه بذلك و اصطنعه على عينه في الذرّ حين ذرأه).

الإمام هو الذي صنع اللّه جوهرة وجوده على يمين عرشه، و ربّاه على عينه، و وهبه الحكمة في علم الغيب المكنون عنده، الذي لا سبيل لأحد إليه إِلّٰا مَنِ ارْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ «1».

____________

(1) سورة الجن: 27.

212

و في هذه النشأة كان من حيث النسب من الخيرة من ذرّية نوح، و المصطفين من ذرّية إبراهيم، و المنتخبين من سلالة إسماعيل، و الصفوة من ذرّية محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

جسمه مبرأ من العيوب، و روحه معصومة من كلّ زلل، مصونة من كلّ ذنب.

و قد طرد إبليس الذي قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلّٰا عِبٰادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «1» عن ذاته المقدّسة بالعزّة التي حصلت له في ظل عبودية اللّه إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ «2».

و قد دلّ بقوله (عليه السلام): (و صار أمر اللّه إليه من بعد) على أنّ أمر اللّه ينتقل من الإمام السابق إلى اللّاحق، و ذاك الأمر هو الذي جاء

في الحديث الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ اللّه واحد متوحّد بالوحدانية، متفرّد بأمره، فخلق خلقا فقدرهم لذلك الأمر، فنحن هم يا ابن أبي يعفور، فنحن حجج اللّه في عباده، و خزّانه على علمه، و القائمون بذلك)

«3». (ح) (و أيّده بروحه) الروح التي أيّد اللّه بها الإمام فسّرها الحديث الصحيح

عن أبي بصير قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، قال: خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل، لم يكن مع أحد ممّن مضى، غير محمّد صلّى اللّه عليه و آله و هو مع الأئمّة يسدّدهم، و ليس كلّ ما طلب وجد»

«4».

____________

(1) سورة ص: 82- 83.

(2) سورة الحجر: 42.

(3) الكافي ج 1 ص 193 ح 5.

(4) الكافي ج 1 ص 273 ح 4.

213

(ط) (و آتاه علمه) في الصحيح

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ للّه علما لا يعلمه غيره، و علما قد أعلمه ملائكته و أنبياءه و رسله فنحن نعلمه، ثمّ أشار بيده إلى صدره

«1». (ي) (و استودعه سرّه)

في صحيحة معمر بن خلاد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

(لا يقدر العالم أن يخبر بما يعلم، فإنّ [فإنه] سرّ اللّه، أسرّه إلى جبرئيل (عليه السلام)، و أسرّه جبرئيل (عليه السلام) إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أسرّه محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم إلى من شاء اللّه)

«2». (ك) (رضي اللّه به إماما لهم) لا شك أنّ الأمّة تحتاج إلى إمام، و أنّ الإمام يجب أن يكون مرضيا من اللّه تعالى، لكن من هو الإمام المرضي من اللّه؟

إذا كان اللّه، من العلم و الجهل، يرضى العلم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ «3»، و من السلامة و الآفة، يرضى السلامة يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ «4»، و من الحكمة و السفاهة، يرضى الحكمة يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «5»، و من العدل و الفسق، يرضى

____________

(1) بصائر الدرجات: الجزء الثاني ص 130، باب 21 في الأئمّة أنه صار إليهم ... ح 5.

(2) بصائر الدرجات: الجزء الثامن ص 398 باب 3 في الأئمّة أنّ عندهم أسرار اللّه ح 6.

(3) سورة الزمر: 9.

(4) سورة المائدة: 16.

(5) سورة البقرة: 269.

214

العدل إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ «1»، و من الحقّ و الباطل، يرضى الحقّ وَ قُلْ جٰاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْبٰاطِلُ إِنَّ الْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً «2»، و من الصواب و الخطأ، يرضى الصواب لٰا يَتَكَلَّمُونَ إِلّٰا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمٰنُ وَ قٰالَ صَوٰاباً «3»، فالذي يرضاه اللّه إماما للأمّة، لا بدّ أن يتّصف بالصفات المرضية عنده سبحانه، و منها العلم، و العدل، و السلامة، و الحكمة، و الصواب، و الحقّ و الهداية.

و من جهة ثانية، نرى أنّ اختيار الأحسن محبوب للّه تعالى فَبَشِّرْ عِبٰادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «4»، و أنه تعالى يأمر بالأخذ بالأحسن وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهٰا «5»، و يأمر بقول الأحسن وَ قُلْ لِعِبٰادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «6»، و يأمر بالمجادلة- في موضعها- بالأحسن وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «7». و عند لزوم الدفع و الردّ، يأمر بالردّ بالأحسن ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «8»، و أنه تعالى يجازي بالأحسن وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ «9»، و أنه ينزل أحسن الحديث اللّٰهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ «10».

فهل يعقل أن يختار للإمامة غير الأحسن، و الأكمل، و الأفضل، و الأعلم،

____________

(1) سورة النحل: 90.

(2) سورة الإسراء: 81.

(3) سورة النبأ: 38.

(4) سورة الزمر: 18.

(5) سورة الأعراف: 145.

(6) سورة الإسراء: 53.

(7) سورة النحل: 125.

(8) سورة المؤمنون: 96.

(9) سورة النحل: 97.

(10) سورة الزمر: 23.

215

و الأعدل .. و غير من هو جامع الصفات الحميدة المذكورة في الحديث؟!

ثمّ، مع أنّ الأمر باتّباع الأحسن يستلزم كون الأحسن متبوعا لغيره، فكيف يعقل أن يرضى بإمامة غير الأحسن و متبوعيّته؟! وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ «1».

و لهذا

قال (عليه السلام): (و انتدبه لعظيم أمره، و أنبأه فضل بيان علمه، و نصبه علما لخلقه، و جعله حجّة على أهل عالمه، و ضياء لأهل دينه، و القيّم على عباده، رضي اللّه به إماما لهم).

**

____________

(1) سورة المائدة: 50.

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

217

موجز من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته المعصومين (عليهم السلام)

218

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

219

الرسول الأكرم محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

ولادته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

ولد سابع عشر شهر ربيع الأوّل على المشهور عند الخاصّة، و في الثاني عشر منه على المشهور عند العامّة.

أسماؤه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

و من أسمائه: محمّد، و أحمد، و عبد اللّه، و يس، و ن، و طه، و الفاتح، و الخاتم، و الكاف، و المقفى، و الحاشر.

صفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

و من أوصافه التي وصفه اللّه بها: الشاهد، و المبشّر، و النذير، و الداعي إلى اللّه بإذنه، و السراج المنير، و رسول اللّه، و خاتم النبيّين.

عناوينه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

و من عناوينه التي خاطبه اللّه بها: يا أيّها النبيّ، و يا أيّها الرسول، و يا أيّها المزمّل، و يا أيّها المدّثّر.

220

كناه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

و من كناه: أبو القاسم، و أبو الطاهر، و أبو الطيّب، و أبو المساكين، و أبو الدرّتين، و أبو الريحانتين، و أبو السبطين.

فضائله و مناقبه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

و هي أكثر من أن تسطر و أجلّ من أن تدرك، و كيف يمكن إدراك مكارم من هو حبيب إله العالمين، و خير الخلائق أجمعين، و خاتم النبيين و سيّد المرسلين، و إمام الأئمّة الهداة المهديين، المخاطب من اللّه سبحانه ب (طه و يس) و هو أول العابدين و أسبق الأولين و الآخرين، لقوله «بلى» «1» حينما أخذ الميثاق على ربوبيّة ربّ العالمين.

و بكلمة واحدة، الذي هو الاسم الأعظم، و المثل الأعلى للّه الملك الحق المبين.

و ليس لنا إلا الاعتراف بالقصور و التقصير عن التعرض لمناقب من وصفه اللّه بالشاهد و المبشّر و النذير و الداعى إلى اللّه بإذنه و السراج المنير، غير أنا نذكر بعض ما أدّب به أمته تيمنا، و ليس على اللّه بعزيز أن يوفّقنا لقوله تعالى: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «2».

عن بكر بن عبد اللّه أنّ عمر بن الخطّاب دخل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو موقوذ- أو قال محموم- فقال له عمر: يا رسول اللّه ما أشدّ و عكك [أو حماك!] فقال:

____________

(1) إشارة إلى الآية الشريفة: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ الأعراف: 172.

(2) الأحزاب: 21.

221

ما منعني ذلك أن قرأت الليلة ثلاثين سورة فيهنّ السبع الطوال. فقال عمر: يا رسول اللّه غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر و أنت تجتهد هذا الاجتهاد. فقال: يا عمر أ فلا أكون عبدا شكورا

«1». هذا مع تهجّده المفروض عليه في كلّ ليلة، و قد تعبّد لربّه حتّى انتفخ الساق و ورم القدم، فأنزل اللّه سبحانه: طه* مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ «2».

و عن جابر بن عبد اللّه: قال: لم يكن يسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شيئا قط، فيقول لا

«3». و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كان أجود الناس كفّا، و أجرأ الناس صدرا، و أصدق الناس لهجة، و أوفاهم ذمّة، و ألينهم عريكة، و أكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبّه، لم أر قبله و لا بعده مثله

«4». و عن أمير المؤمنين (عليه السلام): كنّا إذا احمرّ البأس و لقي القوم القوم اتّقينا برسول اللّه، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه

«5». كان أعداؤه يعرفونه بالأمانة، حتّى اشتهر بينهم بالأمين، و يعرفونه بالصدق، إلى أن قال أبو جهل: إنّا لا نكذّبك، و لكن نكذب بما جئت به، فنزلت: فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ «6».

كان مجلسه مجلس علم، و حلم، و حياء، و وقار «7».

____________

(1) الأمالي للشيخ الطوسي ص 403.

(2) سورة طه: 1 و 2. راجع الاحتجاج ج 1 ص 326.

(3) مكارم الأخلاق ص 18.

(4) مكارم الأخلاق ص 18.

(5) مكارم الأخلاق ص 18.

(6) سورة الأنعام: 33، مجمع البيان ج 4، ص 42.

(7) مكارم الأخلاق ص 14.

222

و لم تكن ركبتاه تتقدّمان ركبة جليسه «1». و كان خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء «2».

و كان كثير السكوت، لا يتكلّم في غير حاجة، يعرض عمّن تكلّم بغير جميل «3».

و كان ضحكه تبسّما «4»، و كلامه فصلا «5»، و لا يقول في الرضا و الغضب إلّا الحقّ «6».

و كان لا يجلس و لا يقوم إلّا على ذكر «7».

و إذا جلس إليه أحد لم يقم حتّى يقوم الذي جلس إليه «8».

و في معتبرة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه يقسّم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا أو ينظر إلى ذا بالسويّة، قال: و لم يبسط رسول اللّه رجليه بين أصحابه قط، و ان كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول اللّه يده من يده حتّى يكون هو التارك

«9». و كان في سفر، فأمر أصحابه بذبح شاة، فقال رجل من القوم يا رسول اللّه عليّ ذبحها، و قال الآخر عليّ سلخها، و قال الآخر عليّ قطعها، و قال آخر

____________

(1) مكارم الأخلاق ص 17.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) باب 29 حديث 1 ص 317.

(3) مكارم الأخلاق ص 13.

(4) مكارم الأخلاق ص 13.

(5) مكارم الأخلاق ص 23.

(6) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 147.

(7) مكارم الأخلاق ص 14.

(8) مكارم الأخلاق ص 14.

(9) الكافي ج 2 ص 671.

223

عليّ طبخها، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): عليّ أن ألقط لكم الحطب، فقالوا يا رسول اللّه لا تتعبن- بآبائنا و أمّهاتنا أنت- نحن نكفيك. قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قد علمت أنّكم تكفوني، و لكن اللّه يكره من عبده إذا كان مع أصحابه أن ينفرد من بينهم، فقام (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يلقط الحطب لهم

«1». و عن أنس قال: كان [لرسول اللّه] شربة يفطر عليها و شربة للسحر، و ربّما كانت واحدة، و ربّما كانت لبنا، و ربّما كانت الشربة خبزا يماث فهيّأتها له ذات ليلة، فاحتبس النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فظننت أنّ بعض أصحابه دعاه، فشربتها حين احتبس، فجاء (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعد العشاء بساعة، فسألت بعض من كان معه: هل كان النبيّ أفطر في مكان أو دعاه أحد؟ فقال: لا. فبت بليلة لا يعلمها إلّا اللّه خوف أن يطلبها منّي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لا يجدها، فيبيت جائعا، فأصبح صائما، و ما سألني عنها، و لا ذكرها حتّى الساعة

«2». و عنه قال: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أدركه أعرابي فأخذ بردائه فجذبه جذبة شديدة حتّى نظرت إلى صفحة عنق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قد أثّرت بها حاشية الرداء من شدّة جذبته، ثمّ قال له: يا محمّد مر لي من مال اللّه الذي عندك، فالتفت إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فضحك، و أمر له بعطاء

«3». و في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «دخل يهوديّ على رسول اللّه و عائشة عنده، فقال: السام عليكم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): عليكم. ثمّ دخل آخر، فقال مثل ذلك، فردّ عليه كما ردّ على صاحبه، ثمّ دخل آخر، فقال مثل ذلك، فردّ

____________

(1) مكارم الأخلاق ص 252، سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 13.

(2) مكارم الأخلاق ص 32.

(3) مكارم الأخلاق ص 17.

224

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما ردّ على صاحبيه، فغضبت عائشة، فقالت: عليكم السام و الغضب و اللعنة يا معشر اليهود يا إخوة القردة و الخنازير، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا عائشة إنّ الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء، إنّ الرفق لم يوضع على شيء قط إلّا زانه و لم يرفع عنه قط إلّا شانه ...»

«1». و في الصحيح عن أبان الأحمر عن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال: «جاء رجل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قد بلي ثوبه فحمل إليه اثني عشر درهما فقال: يا عليّ خذ هذه الدراهم فاشتر لي ثوبا ألبسه، قال عليّ (عليه السلام): فجئت إلى السوق فاشتريت له قميصا باثني عشر درهما و جئت به إلى رسول اللّه فنظر إليه فقال: يا عليّ غير هذا أحبّ إليّ، أ ترى صاحبه يقيلنا، فقلت: لا أدري، فقال: أنظر فجئت إلى صاحبه، فقلت: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد كره هذا يريد ثوبا دونه فأقلنا فيه، فردّ عليّ الدراهم و جئت بها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فمشى معي إلى السوق ليبتاع قميصا فنظر إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما شأنك، قالت: يا رسول اللّه إنّ أهل بيتي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم بها حاجة فضاعت فلا أجسر أن أرجع إليهم، فأعطاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أربعة دراهم و قال: ارجعي إلى أهلك، و مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى السوق فاشترى قميصا بأربعة دراهم و لبسه و حمد اللّه، و خرج فرأى رجلا عريانا يقول: من كساني كساه اللّه من ثياب الجنّة، فخلع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قميصه الذي اشتراه و كساه السائل، ثمّ رجع إلى السوق فاشترى بالأربعة التي بقيت قميصا آخر فلبسه و حمد اللّه، و رجع إلى منزله و إذا الجارية قاعدة على الطريق، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما لك لا تأتين أهلك، قالت:

يا رسول اللّه إنّي قد أبطأت عليهم و أخاف أن يضربوني، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

____________

(1) الكافي ج 2 ص 648.

225

مري بين يدي و دلّيني على أهلك، فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتّى وقف على باب دارهم، ثمّ قال: السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يجيبوه، فأعاد السلام فلم يجيبوه، فأعاد السلام، فقالوا: عليك السلام يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فقال لهم:

ما لكم تركتم إجابتي في أوّل السلام و الثاني، قالوا: يا رسول اللّه سمعنا سلامك فأحببنا أن نستكثر منه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّ هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤاخذوها، فقالوا: يا رسول اللّه هي حرّة لممشاك، فقال رسول اللّه: الحمد للّه، ما رأيت اثني عشر درهما أعظم بركة من هذه، كسا اللّه بها عريانين، و أعتق بها نسمة

«1». و مع كلّ ما رأى من قومه من الشدائد و الأذى التي لم يؤذ نبيّ بمثلها «2» كان حريصا عليهم ليهديهم إلى الصراط المستقيم، و ينقذهم من الجهالات و الضلالات و يحييهم حياة طيّبة في الدّنيا و الآخرة، و لمّا ظفر عليهم أسكن روعتهم بقوله:

«لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء»

«3». و في الموثّق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أتى باليهودية التي سمّت الشاة للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: قلت: إن كان نبيّا لم يضرّه، و إن كان ملكا أرحت الناس منه، قال: فعفا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عنها»

«4». و من تأمّل في لطائف ما ظهر من مكارمه و تجلّى في أقواله و أفعاله يرى أنه المبعوث لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

____________

(1) الأمالي للصدوق ص 309، المجلس 42 ح 5.

(2) إشارة إلى الحديث المشهور: (ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 247، كشف الغمّة ج 2 ص 537.

(3) لٰا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ سورة يوسف: 92، (اذهبوا فأنتم الطلقاء) الكافي ج 3 ص 513، السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 118.

(4) الكافي ج 2 ص 108.

226

هذا قليل من كثير، يتعذّر عدّه، و كيف تحصى مناقب من سبّح اللّه نفسه بإسرائه به، و قال: سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى «1»، و حمد نفسه على الكتاب الذي أنزله عليه الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلىٰ عَبْدِهِ الْكِتٰابَ «2»، و تبارك بالفرقان الّذي نزّل عليه تَبٰارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ «3»، و اختاره لأن يناجيه في الملأ الأعلى فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ «4».

مواعظ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

و نقتصر من مواعظه على بعض ما وعظ به أبا ذرّ:

يا أبا ذر، أعبد اللّه كأنّك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك.

و اعلم أنّ أوّل عبادة اللّه المعرفة به، فهو الأوّل قبل كلّ شيء، فلا شيء قبله، و الفرد فلا ثاني له، و الباقي لا إلى غاية، فاطر السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما من شيء و هو اللّه اللطيف الخبير و هو على كلّ شيء قدير.

ثمّ الإيمان بي، و الإقرار بأنّ اللّه تعالى أرسلني إلى كافّة الناس بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا.

ثمّ حبّ أهل بيتي الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

و اعلم يا أبا ذرّ، أنّ اللّه عزّ و جلّ جعل أهل بيتي في امتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، و من رغب عنها غرق، و مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله كان آمنا.

يا أبا ذرّ، احفظ ما أوصيك به تكن سعيدا في الدّنيا و الآخرة.

____________

(1) سورة الإسراء: 1.

(2) سورة الكهف: 1.

(3) سورة الفرقان: 1.

(4) سورة النجم: 10.

227

يا أبا ذرّ، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحّة و الفراغ.

يا أبا ذرّ، اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، و صحّتك قبل سقمك، و غناك قبل فقرك، و فراغك قبل شغلك، و حياتك قبل موتك.

يا أبا ذرّ، إيّاك و التسويف بأملك، فإنّك بيومك، و لست بما بعده، فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، و إن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم.

يا أبا ذرّ، كم من مستقبل يوما لا يستكمله، و منتظر غدا لا يبلغه.

يا أبا ذرّ، إنّ حقوق اللّه جلّ ثناؤه أعظم من أن يقوم بها العباد، و إنّ نعم اللّه أكثر من أن يحصيها العباد، و لكن أمسوا و أصبحوا تائبين.

يا أبا ذرّ، لا تنظر إلى صغر الخطيئة و لكن انظر إلى من عصيت.

يا أبا ذرّ، ما دمت في الصلاة فإنّك تقرع باب الملك الجبّار، و من يكثر قرع باب الملك يفتح له.

يا أبا ذرّ، ما من مؤمن يقوم مصلّيا إلّا تناثر عليه البرّ ما بينه و بين العرش، و وكّل به ملك ينادي يا ابن آدم لو تعلم ما لك في الصلاة و من تناجي ما انتقلت.

يا أبا ذرّ، يقول اللّه تبارك و تعالى: لا أجمع على عبد خوفين، و لا أجمع له أمنين، فإذا أمنني في الدّنيا أخفته يوم القيامة، و إذا خافني في الدّنيا آمنته يوم القيامة.

يا أبا ذرّ، إنّ جبرئيل أتاني بخزائن الدّنيا على بغلة شهباء، فقال لي: يا محمّد هذه خزائن الدّنيا و لا ينقصك من حظّك عند ربّك، فقلت: يا حبيبي جبرئيل لا حاجة لي فيها، إذا شبعت شكرت ربّي، و إذا جعت سألته.

يا أبا ذرّ، إذا أراد اللّه بعبد خيرا فقّهه في الدين، و زهّده في الدّنيا و بصّره بعيوب نفسه.

228

يا أبا ذرّ، ليكن لك في كلّ شيء نيّة حتّى في النوم و الأكل.

يا أبا ذرّ، ما من شاب يدع للّه الدّنيا و لهوها، و أهرم شبابه في طاعة اللّه، إلّا أعطاه اللّه أجر اثنين و سبعين صدّيقا.

يا أبا ذرّ، إنّ اللّه عزّ و جلّ عند لسان كلّ قائل، فليتّق اللّه امرئ و ليعلم ما يقول.

يا أبا ذرّ، إنّ أحبّكم إلى اللّه جلّ ثناؤه أكثركم ذكرا له، و أكرمكم عند اللّه عزّ و جلّ أتقاكم له، و أنجاكم من عذاب اللّه أشدّكم له خوفا.

يا أبا ذرّ، من لم يأت يوم القيامة بثلاث فقد خسر، قلت: و ما الثلاث فداك أبي و أمّي؟ قال: ورع يحجزه عمّا حرّم اللّه عزّ و جلّ عليه، و حلم يردّ به جهل السفيه، و خلق يداري به الناس.

يا أبا ذرّ، إن سرّك أن تكون أقوى الناس فتوكّل على اللّه، و إن سرّك أن تكون أكرم الناس فاتّق اللّه، و إن سرّك أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد اللّه عزّ و جلّ أوثق منك بما في يدك.

يا أبا ذرّ، لو أنّ الناس كلّهم أخذوا بهذه الآية لكفتهم: وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللّٰهَ بٰالِغُ أَمْرِهِ «1».

يا أبا ذرّ، طوبى لمن تواضع للّه تعالى في غير منقصة، و أذلّ نفسه في غير مسكنة، و أنفق مالا جمعه في غير معصية، و رحم أهل الذلّ و المسكنة، و خالط أهل الفقه و الحكمة.

طوبى لمن صلحت سريرته، و حسنت علانيّته، و عزل عن الناس شرّه.

____________

(1) سورة الطلاق: 2 و 3.

229

طوبى لمن عمل بعلمه، و أنفق الفضل من ماله، و أمسك الفضل من قوله

«1».* و لا عجب بأبي ذرّ الذي اتّعظ بهذه المواعظ، و تأدّب بهذه الآداب، أن يقابل الباطل بالحقّ، و لا يؤثّر فيه التهديد حتّى أبعد عن دياره، و تحقّق ما

قاله الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حقّه: يعيش وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده، و يدخل الجنّة وحده

«2». و لم يؤثّر فيه التطميع، فقد أرسل إليه عثمان موليين له و معهما مائتا دينار، فقال لهما: انطلقا بها إلى أبي ذرّ، فقولا له: إنّ عثمان يقرؤك السلام، و هو يقول لك هذه مائتا دينار فاستعن بها على ما نابك. فقال أبو ذرّ: هل أعطى أحدا من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قالا: لا، قال: فإنّما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسع المسلمين، قالا له: إنه يقول هذا من صلب مالي، و باللّه الذي لا إله إلّا هو ما خالطها حرام، و لا بعثت بها إليك إلّا من حلال، فقال: لا حاجة لي فيها، و قد أصبحت يومي هذا و أنا من أغنى الناس. فقالا له: عافاك اللّه و أصلحك ما نرى في بيتك قليلا و لا كثيرا ممّا يستمتع به! فقال: بلى، تحت هذه [هذا] الإكاف الذي ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيّام ... «3».

و أرسل عثمان مع عبد له كيسا من الدراهم إلى أبي ذرّ، و قال له: إن قبل هذا فأنت حرّ. فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذرّ و ألحّ عليه في قبوله، فلم يقبل، فقال:

اقبله فإنّ فيه عتقي، فقال: نعم، و لكن فيه رقّي «4».

____________

(1) بحار الأنوار ج 74 ص 74، و بتفاوت في مكارم الأخلاق ص 459.

(2) اختيار معرفة الرجال ج 1 ص 98، أبو ذر 48.

(3) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 118، أبو ذر 53.

(4) الكشكول للبهائي ج 1 ص 208.

230

التحاقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالرفيق الأعلى

قبض (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على ما ذكره شيخ الطائفة في التهذيب «1» مسموما، يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشرة من الهجرة.

و نعتذر من إيراد ما جرى عند وفاته، و نقتصر على بعض ما روته الصحاح و المسانيد:

عن عبد اللّه بن عبّاس قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده. قال عمر: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) غلبه الوجع، و عندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا و كثر اللغط. قال: قوموا عنّي، و لا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بين كتابه

«2». عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: لمّا حضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): هلم أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده، فقال عمر: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد غلب عليه الوجع و عندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه ...

«3». و بسند آخر عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما حضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و في البيت رجال فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): هلمّوا أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده، فقال بعضهم: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد غلبه الوجع و عندكم القرآن

____________

(1) تهذيب الأحكام ج 6 ص 2 كتاب المزار باب 1.

(2) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم ج 1 ص 36.

(3) صحيح البخاري، باب قول المريض قوموا عنّي ج 7 ص 9، و باب كراهية الخلاف ج 8 ص 161.

231

حسبنا كتاب اللّه ...

«1». و في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنه قال: يوم الخميس، و ما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء، فقال:

اشتدّ برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وجعه يوم الخميس، فقال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، فتنازعوا و لا ينبغي عند نبيّ تنازع فقالوا هجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ...

«2». و في صحيح البخاري: سمع سعيد بن جبير سمع ابن عبّاس رضي اللّه عنهما يقول: يوم الخميس و ما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى بل دمعه الحصى، قلت: يا ابن عبّاس ما يوم الخميس، قال: اشتدّ برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا، فتنازعوا و لا ينبغي عند نبيّ تنازع فقالوا ما له أهجر استفهموه، فقال: ذروني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه ...

«3». و قد روى البخاري في باب مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و وفاته روايتين:

عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عبّاس: يوم الخميس و ما يوم الخميس اشتدّ برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، فتنازعوا و لا ينبغي عند نبيّ تنازع فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه فذهبوا يردّون عليه فقال: دعوني فالّذي

____________

(1) صحيح البخاري، باب مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ج 5 ص 137.

و قد ورد هذا الحديث- بمضمون غلبة الوجع- في مصادرهم الأخرى، منها: مسند أحمد ج 1 ص 325 و 336، صحيح مسلم ج 5 ص 76، مجمع الزوائد ج 4 ص 214 و ج 9 ص 34، السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 433 إلى 435، ج 4 ص 360، صحيح ابن حبان ج 14 ص 562، المعجم الأوسط ج 5 ص 288، الطبقات الكبرى ج 2 ص 242 و 244 و ...، المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 438.

(2) صحيح البخاري، باب هل يستشفع إلى أهل الذمّة و معاملتهم ج 4 ص 31.

(3) صحيح البخاري، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ج 4 ص 65.

232

أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه ...

«1». و رواه مسلم في كتاب الوصية بثلاثة أسانيد «2».

و في مسند أحمد بن حنبل: عن جابر أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلّون بعده، قال: فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها

«3». و قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث و الأثر في مادّة هجر: و منه حديث مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «قالوا ما شأنه أهجر؟» أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي هل تغيّر كلامه و اختلط لأجل ما به المرض؟ و هذا أحسن ما يقال فيه، و لا يجعل إخبارا، فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان، و القائل كان عمر، و لا يظنّ به ذلك «4».

في هذه القضية أمور لا بدّ من التأمّل فيها:

____________

(1) صحيح البخاري، باب مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ج 5 ص 137.

(2) صحيح مسلم ج 5 ص 75 و 76.

و قد ورد هذا الحديث- بمضمون الهجر- في مصادر أخرى للعامّة، منها: مسند أحمد ج 1 ص 222 و 355، المصنف لعبد الرزاق ج 6 ص 57 و ج 10 ص 361، مسند الحميدي ج 1 ص 241، المعجم الكبير ج 11 ص 352، تاريخ الطبري ج 2 ص 436، البداية و النهاية ج 5 ص 247، السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 433 و 435، و مصادر أخرى للعامّة.

(3) مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 346.

(4) النهاية في غريب الحديث و الآثار ج 5 ص 245.

و من مصادر الخاصّة راجع: الإيضاح ص 359 و ...، المسترشد ص 681 و 682، أوائل المقالات ص 406، الإرشاد ج 1 ص 184، الأمالي للمفيد ص 36، الاحتجاج ج 1 ص 223، سعد السعود ص 297 و مصادر أخرى.

233

الأوّل: إنّ إطاعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مأمور بها من اللّه سبحانه بنصّ الكتاب مقرونة بطاعة اللّه تعالى في عدة آيات، كقوله تعالى: وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «1» و منفردة كقوله تعالى: وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمٰا عَلىٰ رَسُولِنَا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ «2».

و مقتضى إطلاق الواجب و الوجوب عدم الاختصاص بحال من الأحوال، و قد أكّد سبحانه وجوب إطاعته بتفريعه على أمانته في عدّة آيات، كقوله تعالى:

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُونِ «3»، و جعل إطاعته إطاعة اللّه سبحانه بقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ «4» فمن لم يطع الرسول خرج عن طاعة اللّه.

الثاني: إنّ القول بأنه: «غلبه الوجع و عندنا كتاب اللّه» بعد أمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «ائتوني بكتاب» عصيان للرسول، و قد قال اللّه تعالى: إِذٰا تَنٰاجَيْتُمْ فَلٰا تَتَنٰاجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ «5»، و عصيان للّه سبحانه حيث قال: وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «6»، و قد قال اللّه سبحانه: وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا مُبِيناً «7»، وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً «8».

____________

(1) سورة آل عمران: 132.

(2) سورة التغابن: 12.

(3) سورة الشعراء: 143- 144.

(4) سورة النساء: 80.

(5) سورة المجادلة: 9.

(6) سورة الحشر: 7.

(7) سورة الأحزاب: 36.

(8) سورة الجن: 23.

234

الثالث: إنّ ما يختاره الرسول هو مختار اللّه سبحانه بمقتضى العقل و الكتاب، و قد قال اللّه سبحانه: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ «1» و التعبير بجملة «ما كان» تنبيه على أنه حكم لا يقبل التخلّف بوجه، و اتصاف موضوع الحكم بالإيمان مع أنه حكم عام للمؤمن و غيره بحكم العقل، للإعلام بأنّ اختيار خلاف ما اختاره اللّه و رسوله كاشف عن عدم الإيمان.

الرابع: إنّ هذه المقالة ايذاء للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و ردّ على اللّه تعالى حيث قال مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ «2».

و قد ظهر شدّة تأذي النبيّ و تأثّره من ذلك، حيث طردهم من بيته بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«قوموا عنّي»، مع أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان إذا صافحه أحد لم يترك يده من يده حتّى يكون هو التارك «3»، و إذا جلس إليه أحد لم يقم حتّى يقوم الذي جلس إليه «4»، و كان أحيى الناس و أكرمهم لمن يرد عليه، فقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «قوموا عنّي» يكشف عن تألّمه إلى حدّ لم يتحمّل جلوسهم عنده، و قد قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّٰهِ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ «5»، و قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ «6».

الخامس: إنّ هذه المقالة صارت سببا لرفع الأصوات عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قد

____________

(1) سورة الأحزاب: 36.

(2) سورة النجم: 2 و 3.

(3) الكافي ج 2 ص 671.

(4) مكارم الأخلاق ص 17.

(5) سورة التوبة: 61.

(6) سورة الأحزاب: 57.

235

قال اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ «1»، و قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ أُولٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّٰهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوىٰ «2»، كما صارت سببا للتنازع عنده، و قد قال سبحانه: وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لٰا تَنٰازَعُوا فَتَفْشَلُوا «3»، و قد قال اللّه تعالى: فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ «4»، فصار الذي جعله اللّه مردودا إليه في كلّ أمر، مردودا عليه في أمره!

السادس: إنّ الغاية القصوى من إرسال الرسل و إنزال الكتب هداية الإنسان و صيانته عن الضلال هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ «5»، و الدعاء الذي في أمّ الكتاب يدعو به كلّ مسلم في كلّ صلاة هو اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّٰالِّينَ «6»، و الرسول الذي يرى الفتن من بعده، أشفق على أمّته و أراد أن يصونهم عن الضلال بعد الهدى بكتاب يكون ضمانا لهم عن الضلال، حيث قال: «أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده»، و تعليق عدم الضلال على الكتاب يدلّ على حرمان الأمّة- بفقد ذلك الكتاب- من أعظم النعم و هو الهداية، و ابتلائها بأكبر النقم و هو الضلالة!

السابع: مقولة «كتاب اللّه حسبنا»، مخالفة للكتاب و السنّة و الإجماع و العقل:

فإنها مخالفة للكتاب إذ لا يبقى مع هذا الكلام موضوع لوجوب إطاعة الرسول، و لا للنهي عن معصيته في الآيات الكثيرة، منها قوله تعالى: وَ مٰا آتٰاكُمُ

____________

(1) سورة الحجرات: 2.

(2) سورة الحجرات: 3.

(3) سورة الأنفال: 46.

(4) سورة النساء: 59.

(5) سورة التوبة: 33.

(6) سورة الحمد: 5 و 6.

236

الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «1».

و مخالفة للإجماع القطعي على وجوب اتباع السنّة لما ورد في أبواب العلم و غيره، فلو كان الكتاب كافيا لكان ما في الصحاح الست فضولا مستغنى عنه، و مخالفة للإجماع القطعي من الرجوع إلى السنّة.

و مخالفة للعقل الحاكم بأنه لا يمكن استفادة تفاصيل الأحكام في العبادات و المعاملات و السياسات من شعار «عندنا كتاب اللّه حسبنا».

و يدل على وضوح الأمر ما صرح به أحد من كبار أئمة العامة و هو الذهبي، أن (حسبنا كتاب اللّه) هو ما تقوله الخوارج «2»، و قد غفل عما هو موجود في عدة أبواب من صحيح البخاري و في غيره من الصحاح و المسانيد.

الثامن: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مبعوث إلى كافّة الناس، و أمّته باقية إلى يوم القيامة، و قد أراد أن يكتب كتابا كي لا تضلّ الأمّة بعده، فبأيّ حقّ منعه من هذا العمل و أضاع حقّ الأمّة بقوله «عندنا كتاب اللّه حسبنا»؟!.

التاسع:

روى مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى أنّ رجلا أتى عمر فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماء. فقال: لا تصلّ، فقال عمّار: أ ما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا و أنت في سريّة فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلّ، و أمّا أنا فتمعكت في التراب و صلّيت، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثمّ تنفخ ثمّ تمسح بهما وجهك و كفّيك، فقال عمر: اتّق اللّه يا عمّار. قال: إن شئت لم أحدّث به

«3».

____________

(1) سورة الحشر: 7.

(2) تذكرة الحفاظ ج 1، ص 3.

(3) صحيح مسلم ج 1 ص 193، مسند أحمد ج 4 ص 265 و 319، صحيح البخاري ج 1 ص 87 كتاب

237

و غير خفيّ أنّ الصلاة عمود الدين و مفتاحه الطهور و قد قال اللّه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «1» و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد بيّنه لهم!

و أنبأ الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال أتى عمر رضى اللّه عنه بمبتلاه قد فجرت فأمر برجمها فمرّ بها علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه و معها الصبيان يتبعونها، فقال ما هذه قالوا أمر بها عمر أن ترجم، قال فردّها و ذهب معها إلى عمر رضى اللّه عنه و قال أ لم تعلم أن القلم رفع عن المجنون حتى يعقل و عن المبتلى حتى يفيق و عن النائم حتى يستيقظ و عن الصبي حتى يحتلم.

«2»

____________

التيمم باب المتيمم هل ينفخ فيهما، سنن ابن ماجه ج 1 ص 188، سنن أبي داود ج 1 ص 81، سنن النسائي ج 1 ص 166 و 168 و 170، السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 209، عون المعبود ج 1 ص 355، مسند أبي داود الطيالسي ص 89، السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 134 و 135، مسند أبي يعلى ج 3 ص 183، صحيح ابن خزيمة ج 1 ص 135، صحيح ابن حبان ج 4 ص 131 و 133، تذكرة الحفّاظ ج 3 ص 951 و مصادر أخرى للعامّة.

(1) سورة المائدة: 6.

(2) المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 389، و في التلخيص أيضا، و ج 1 ص 258، و ج 2 ص 59، سنن أبي داود ج 2 ص 339 بأسانيد متعددة، السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 269 و ج 8 ص 264، المصنف لعبد الرزاق ج 7 ص 80، مسند ابن الجعد ص 120، السنن الكبرى للنسائى ج 4 ص 323، مسند أبي يعلى ج 1 ص 440، صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 102، و ج 4 ص 248، صحيح ابن حبان ج 1 ص 356، و بتفاوت في صحيح البخاري ج 8 ص 21 باب رجم المحصن و مصادر اخرى كثيرة للعامّة.

الخصال ص 93 و 175، مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 3 و مصادر أخرى للخاصة.

238

و روى عن عبد اللّه بن الحسن، قال دخل عليّ على عمر، و إذا امرأة حبلى تقاد ترجم، قال ما شأن هذه قالت: يذهبون بي ليرجموني، فقال: يا أمير المؤمنين لأي شيء ترجم، ان كان لك سلطان عليها، فمالك سلطان على ما في بطنها. فقال عمر رضى اللّه عنه كل أحد أقفه منّي ثلاث مرات «1»

و روى البيهقي في سننه عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه الناس، فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه و قال ألا لا تغلوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل، فعرضت له امرأة من قريش، فقالت يا أمير المؤمنين: أ كتاب اللّه أحق أن يتبع أو قولك، قال: بل كتاب اللّه تعالى، فما ذاك؟

قالت: نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء، و اللّه تعالى يقول في كتابه وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً «2» فقال عمر رضى اللّه عنه كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا «3».

و روى في السنن الكبرى أن عمر رضى اللّه عنه أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها فبلغ ذلك عليا رضى اللّه عنه فقال ليس عليها رجم، فبلغ ذلك عمر رضى اللّه عنه فأرسل إليه فسأله فقال وَ الْوٰالِدٰاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلٰادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كٰامِلَيْنِ لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضٰاعَةَ «4» و قال وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً «5» فستة أشهر حمله حولين تمام لا حدّ عليها أو

____________

(1) ذخائر العقبى ص 81، الرياض النضرة ج 3 ص 143، كفاية الطالب ص 227 باب 59.

(2) سورة النساء: 20.

(3) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 233، كنز العمال ج 16 ص 537، كشف الخفاء ج 1 ص 269 و ج 2 ص 118 و مصادر أخرى.

(4) سورة البقرة: 233.

(5) سورة الأحقاف: 15.

239

قال لا رجم عليها قال فخلى عنها،

«1» و لا ريب أن الجرأة على الدماء من أشد ما يحتاط الفقيه فيه، و هناك موارد أخرى، لكن نقتصر على ما ذكرنا.

و هل يمكن بهذا المبلغ من العلم بالكتاب مقابلة من أنزل اللّه عليه الكتاب بردّ كتابه بأن يقال (حسبنا كتاب اللّه).

العاشر: من تأمّل في

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض لن تضلّوا ما إن تمسكتم بهما»

«2» و

في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده»

يظهر له أنّ هذا الكتاب متمّم لذلك الحديث، لتصير الأمّة مصونة عن الضلال كما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «لن تضلوا»، فللّه درّ ابن عبّاس حيث قال: «إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بين كتابه».

**

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 442، المصنف لعبد الرزاق ج 7 ص 350، نظم درر السمطين ص 131، كنز العمال ج 5 ص 457، الدر المنثور ج 1 ص 288 و ج 6 ص 40، تاريخ المدينة ج 3 ص 979 و مصادر أخرى للعامّة.

(2) تقدّم منابعه في بعض ما ذكر في صفحة 145، 146، 147.

240

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

241

آل الرسول و أهل بيته (عليهم السلام)

لا بد في معرفة آله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أهل بيته من النظر إلى منزلتهم عند اللّه تعالى، و نكتفي منها بالإشارة إلى أمرين:

الأوّل: أنّ الدّعاء هو السبب المتّصل بين العبد و الرب و قد قال اللّه تعالى:

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً «1»، و قال: هُوَ الْحَيُّ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «2».

و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): الدّعاء سلاح المؤمن، و عمود الدين، و نور السماوات و الأرض

«3»، و

عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): الدّعاء مخ العبادة

«4». و

عن الصادق (عليه السلام): إنّ الدعاء يردّ القضاء المبرم بعد ما أبرم إبراما، فأكثر من الدّعاء فإنه مفتاح كلّ رحمة، و نجاح كلّ حاجة، و لا ينال ما عند اللّه إلّا بالدّعاء

«5».

____________

(1) سورة الأعراف: 55.

(2) سورة غافر: 65.

(3) الكافي ج 2 ص 468، مكارم الأخلاق ص 268، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 37، باب 31 ح 95 و مصادر أخرى للخاصّة.

المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 492، مجمع الزوائد ج 10 ص 147، مسند أبي يعلى ج 1 ص 344 و مصادر أخرى للعامّة.

(4) الدعوات ص 18، عدّة الداعي ص 24 و مصادر أخرى للخاصّة.

سبل السلام ج 4 ص 212، المعجم الأوسط ج 3 ص 293 و مصادر أخرى للعامّة.

(5) الكافي ج 2 ص 470، مكارم الأخلاق ص 269.

242

و قد تظافرت النصوص من الخاصّة و العامّة أنّ الدّعاء محجوب حتّى يصلّى على محمّد و آله «1»، و في بعضها كلّ دعاء محجوب حتّى يصلّى على محمّد و آل محمّد «2».

و لفظة كلّ من أدوات العموم، فكلّ دعاء من كلّ داع محجوب، و الرافع للحجاب هو الصلاة عليه و على آله.

فإذا كانت الصلاة خارقة للحجاب فالمصلّى عليه لا حجاب بينه و بين ربّه، لأنه الواصل إلى مقام القرب الذي هو أجلّ من أن يوصف، بحيث صارت إنّ الصلاة عليه بإضافتها إليه مقرّبا إلى اللّه، و مفتاح باب إجابة الدّعاء.

الثاني: لا ريب أنّ أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم بعد المعرفة، هو الصلاة، و هي التي قال إبراهيم (عليه السلام): رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلٰاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي «3»، و قال عيسى (عليه السلام): وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ «4»، و أمر اللّه أشرف عباده بإقامتها، و وعده المقام المحمود بها، و هي عمود الدّين، و وصيّة الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، و معراج المؤمن،

____________

(1) الكافي ج 2 ص 491، الدعوات ص 31، الأمالي للطوسي ص 662، كفاية الأثر ص 39، مكارم الأخلاق ص 274 و مصادر أخرى للخاصّة.

الجامع الصغير ج 1 ص 656، كنز العمّال ج 2 ص 78 و 88 و 269، فيض القدير ج 3 ص 725، الصواعق المحرقة ص 148، ينابيع المودّة ج 2 ص 434 و مصادر أخرى للعامّة.

(2) الكافي ج 2 ص 493، ثواب الأعمال ص 155 ثواب الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، روضة الواعظين ص 329، مكارم الأخلاق ص 312، عوالي اللئالي ج 2 ص 223 و مصادر أخرى للخاصّة.

مجمع الزوائد ج 10 ص 160، المعجم الأوسط ج 1 ص 220، كنز العمّال ج 2 ص 269، الجامع الصغير ج 2 ص 656، ينابيع المودّة ج 2 ص 99 و ج 3 ص 232 و مصادر أخرى للعامّة.

(3) سورة إبراهيم: 40.

(4) سورة مريم: 31.

243

و قربان كلّ تقي، و بالصلاة يبلغ العبد إلى الدرجة القصوى.

و حينما يقوم العبد إلى مناجاة ربّه يتقرّب إلى اللّه بقراءة كلام اللّه و يركع و يسجد و بعد ما يرفع الرأس من السجدة الأخيرة، و يصل إلى مقام الشهود و الشهادة للّه بأنه لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، كما شهد اللّه أنه لا إله إلّا هو و الملائكة و أولو العلم، و لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالعبودية و الرسالة، يتوسّل لقبول صلاته بالصلاة على محمّد و آله، و بعد إتمام الصلاة بالصلاة على الآل يختمها بالتسليم، فإلى اللّه يصعد الكلم الطيّب بالصلاة على محمّد و آله.

و

في سنن الدار قطني عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من صلّى صلاة لم يصلّ فيها عليّ و لا على أهل بيتي، لم تقبل منه

«1». و قال الفخر الرازي: الدّعاء للآل منصب عظيم و لذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة و هو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد «2».

و

في صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و نحن في مجلس سعد بن عبادة فقال بشير بن سعد أمرنا اللّه تعالى أن نصلّي عليك يا رسول اللّه، فكيف نصلّي عليك؟ قال: فسكت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتّى تمنّينا أنه لم يسأله، ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم، و بارك على محمّد و آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد، و السلام كما قد علمتم

«3».

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 10.

(2) التفسير الكبير ج 27 ص 166 في تفسير قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ سورة الشورى: 23، ينابيع المودّة ج 3 ص 138.

(3) صحيح مسلم ج 2 ص 16، صحيح البخاري ج 6 ص 27 كتاب تفسير القرآن، باب ان اللّه

244

و المستفاد من الحديث أنّ الصلاة على النبي التي أمر اللّه المؤمنين بها في كتابه كما فسّرها رسوله هي الصلاة على محمّد و آله، و الأمر بها بعد قوله: إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «1» يدلّ على أنّ صلاة اللّه و ملائكته على النبي مقرونة بالصلاة على آله، و لاتّحادهم معه قد اكتفى في الآية الكريمة عن الصلاة عليهم بالصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و بالتدبر في هذين الأمرين الذين اتفقت عليه العامة و الخاصة يظهر مقام آل الرسول و أهل بيته عند اللّه سبحانه.

و لا مجال لبسط الكلام في ما ورد في منزلة أهل البيت (عليهم السلام) و يكفي ما تظافرت النصوص

عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من قوله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق

«2».

____________

و ملائكته ...، مسند أحمد ج 5 ص 274، سنن الدارمي ج 1 ص 310، سنن الترمذي ج 1 ص 301 و ج 5 ص 38، المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 268 و ج 3 ص 148، عون المعبود ج 3 ص 190، مسند الحميدي ج 2 ص 311، مسند ابن الجعد ص 40، مصنف ابن أبي شيبة ج 2 ص 390، السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 381 و ج 6 ص 17 و 97 و 436، سنن النسائي ج 3 ص 45 و 47، السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 146 و 148، صحيح ابن حبان ج 3 ص 193 و ج 5 ص 287 و 288 و 296، المعجم الكبير ج 17 ص 251 و 264 و ج 19 ص 116 و 124 و ...، المعجم الصغير ج 1 ص 86، المعجم الأوسط ج 3 ص 29 و 91 و 92 و 215 و ج 7 ص 57، زاد المسير ج 6 ص 215، الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 233، تفسير ابن كثير ج 2 ص 468 و ج 3 ص 515 و 516، الدر المنثور ج 5 ص 217 و 218، تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 291 و ج 53 ص 309 و مصادر أخرى كثيرة للعامّة.

الأمالي للطوسي ص 564: العمدة ص 48، الطرائف ص 160، سعد السعود ص 204، مسند زيد بن علي ص 34، عوالي اللئالي ج 1 ص 417 ج 2 ص 39 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) سورة الأحزاب: 56.

(2) المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 343 و ج 3 ص 151، مجمع الزوائد ج 9 ص 168، المعجم الصغير

245

و من تمثيله أهل بيته بسفينة نوح يستفاد أنه كما كانت سفينة نوح مصنوعة بيد نوح بعين اللّه و وحيه فَأَوْحَيْنٰا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنٰا وَ وَحْيِنٰا «1» فصارت وسيلة نجاة أمّته، كذلك نجاة هذه الأمّة بسفينة مصنوعة بيد التعليم و التربية الخاتمية تحت إشراف عين اللّه و وحيه.

و السفينة التي صانعها رسول اللّه، و ناظرها عين اللّه، و اللطائف التي أعملت في صنعها إنّما هي بوحي اللّه، تدور النجاة و الهلاك مدار التمسّك بها و التخلّف عنها.

و الرواية تدلّ على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ التمسّك بمن لا يكون معصوما من الخطأ و الزلل نقض للغرض الذي هو النجاة من مهالك الدنيا و الآخرة.

و من يكون التمسّك به نجاة و التخلّف عنه هلاكا لا محالة لا يتخلّف عن الحقّ، و لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.

فالأمر بالتمسّك و النهي عن التخلّف بمقتضى إطلاق التمسّك و التخلّف، دليل على أنّ سفينة نجاة هذه الأمّة تجري على الصراط المستقيم الذي لا انحراف فيه عن

____________

ج 1 ص 139 و ج 2 ص 22، المعجم الأوسط ج 4 ص 10 و ج 5 ص 355 و ج 6 ص 85، المعجم الكبير ج 3 ص 45 و ج 12 ص 27، مسند الشهاب ج 2 ص 273، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 218، نظم درر السمطين ص 235، الجامع الصغير ج 1 ص 373 و ج 2 ص 532، كنز العمّال ج 12 ص 94 و ... فيض القدير ج 2 ص 658، تفسير ابن كثير ج 4 ص 123، الدر المنثور ج 3 ص 334، ينابيع المودّة ج 1 ص 93 و ... و مصادر أخرى للعامّة.

بصائر الدرجات، ص 317، باب 13 في الأئمّة يعلمون كلّ أرض ...، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 27 باب 31 ح 10، كفاية الأثر ص 34 و 210، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 1 ص 296 و ج 2 ص 146 و ...، المسترشد ص 260 و 578، شرح الأخبار ج 2 ص 406 و 502 و ... و ج 3 ص 3، كتاب الغيبة للنعماني ص 44، الأمالي للطوسي ص 60 المجلس الثاني ح 57 و ص 349 و ...، الاحتجاج ج 1 ص 229 و ج 2 ص 147، العمدة ص 306 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) سورة المؤمنون: 27.

246

الصدق و الحقّ.

و مقتضى إطلاق كلمة (من) أنّ من سواهم كائنا من كان مأمور بالتمسّك بهم، و منهيّ عن التخلّف عنهم، فهم الأئمّة الذين فرض اللّه طاعتهم و القادة الهداة الذين وجب اتّباعهم على جميع الأمّة.

و مقتضى المماثلة بين السفينتين أنّ الذين اتّخذوا وليجة في هذه الأمّة و تفرّقوا عن أهل بيت العصمة لا عاصم لهم عن عذاب اللّه، كما قال ابن نوح سَآوِي إِلىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمٰاءِ «1» و لم يعلم أنه لٰا عٰاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ «2»، إلا بالسفينة التي صنعت بعين اللّه.

و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه خرج ذات ليلة و قد أخّر صلاة العشاء حتّى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة، و الناس ينتظرون في المسجد فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا:

ننتظر الصلاة، فقال: إنّكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها، ثمّ قال: امّا إنّها صلاة لم يصلّها أحد ممّن كان قبلكم من الأمم ثمّ رفع رأسه إلى السماء فقال: النجوم أمان لأهل السماء فإن طمست النجوم أتى السماء ما يوعدون، و أنا أمان لأصحابي فإذا قبضت أتى أصحابي ما يوعدون، و أهل بيتي أمان لأمّتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمّتي ما يوعدون

«3»، و قد ورد هذا المضمون في عدّة من المصادر «4».

____________

(1) سورة هود: 43.

(2) سورة هود: 43.

(3) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 457.

(4) المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 448 و ج 3 ص 149، كنز العمّال ج 12 ص 96 و 101 و 102، مجمع الزوائد ج 9 ص 174، المعجم الكبير ج 7 ص 22، نظم درر السمطين ص 234، الجامع الصغير ج 2 ص 681، تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 20، سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 6 و 7، ينابيع المودّة ج 1 ص 72 و ج 2 ص 104 و 114 و 442 و 443 و 474 و ج 3 ص 142، الصواعق المحرقة ص 187 و مصادر أخرى للعامّة.

247

و كفى في مقام أهل البيت أنّهم أمان للأمّة من الوعيد الذي يخاف منه الذين وصلوا إلى مقام العلم و اليقين، قال سبحانه: ذٰلِكَ لِمَنْ خٰافَ مَقٰامِي وَ خٰافَ وَعِيدِ «1»، و قال سبحانه: هَيْهٰاتَ هَيْهٰاتَ لِمٰا تُوعَدُونَ «2» فمن أدرك عظمة وعيد الربّ و أنّ الخوف منه عديل للخوف من مقام الرب في الآية الكريمة، و أدرك عظمة ما يوعدون في قوله تعالى: حَتّٰى إِذٰا رَأَوْا مٰا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذٰابَ وَ إِمَّا السّٰاعَةَ «3»، يعلم منزلة أهل البيت الذين هم أمان للأرض من الانشقاق كما أنّ النجوم أمان للسماء من الانفطار، و أنّهم عديل من لا عديل له في الممكنات في أنّ الأمان ممّا يوعدون يدور مدار وجودهم بقاء و ذهابا.

و كونهم أمانا للأمّة دليل على عصمتهم، لأنّ اللّه سبحانه يقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ «4» فإذا كان الأمن لمن لهم الأمن مشروطا بعدم الظلم، فالذين هم أمان كيف يعقل أن يلبس إيمانهم بظلم.

و في هذا القليل من الكثير كفاية لأصحاب الدراية في معرفة أهل بيت الرسالة، و من تأمّل فيما ذكر و ما لم يذكر ممّا ورد عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في وصفهم يرى أنه لا يخلو من الملزوم أو اللازم أو الملازم للعصمة المطلقة و كمال الإنسانية، الذي لا يتحقّق إلّا في الإنسان الكامل على الإطلاق.

____________

عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 27 باب 31 ح 14، كمال الدين و تمام النعمة ص 205، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 133 و 142 و ... و 174، المسترشد ص 579، شرح الأخبار ج 3 ص 13 و 516، الأمالي للطوسي ص 259 المجلس العاشر ح 8 و ص 379 المجلس الثالث عشر ح 63 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) سورة إبراهيم: 14.

(2) سورة المؤمنون: 36.

(3) سورة مريم: 75.

(4) سورة الأنعام: 82.

248

من هم أهل بيت الرسول (صلوات اللّه عليهم)

المستفاد من النصوص المتواترة كحديث الثقلين «1» و غيره، و ما ورد في خليفة اللّه المهدي «2» من النصوص الكثيرة المتلقّاة بالقبول من العامّة و الخاصّة، أنّ المهدي من أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و انّ أهل بيته عترته المعصومون الذين لا يفترقون عن القرآن و لا يفترق القرآن عنهم، و إن كان أهل البيت في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) منحصرين في علي و فاطمة و الحسن و الحسين.

و نقتصر على بعض ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في بيان مصداق آله و أهل بيته:

ففي الصحيح عندهم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: لمّا نزلت: ندع أبناءنا و أبناءكم الآية، دعا رسول اللّه عليّا و فاطمة و ابنيهما فقال: هؤلاء أهل بيتي

«3». و في الصحيح عندهم عن أمّ سلمة قالت: في بيتي نزلت: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ فأرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى علي و فاطمة و ابنيهما فقال:

هؤلاء أهل بيتي

«4».

____________

(1) راجع صفحة: 145.

(2) راجع صفحة: 480 و 482.

(3) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 146 و في التلخيص أيضا، و بعض المصادر في صفحة: 189.

(4) المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 416 و ج 3 ص 108 و 146 و 147 و 148 و في التلخيص أيضا، مسند أحمد ج 4 ص 107 و ج 6 ص 292 و 304، سنن الترمذي ج 5 ص 30 و 328 و 361، السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 150، مجمع الزوائد ج 9 ص 167، مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 501، كتاب السنة ص 589، السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 113، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) ص 49 و 81، مسند أبي يعلى ج 12 ص 313 و 451 و ج 13 ص 471، المعجم الأوسط ج 7 ص 319، المعجم الكبير ج 3 ص 53 و 54 و 55 ج 9 ص 26 و ج 22 ص 66، ج 23 ص 333 و 396، نظم درر السمطين ص 133، كنز العمال ج 13 ص 603، جامع البيان ج 22 ص 10 و 11 و 12، أسباب النزول للواحدي ص 239، شواهد التنزيل ج 2 ص 30 و 36 و 38 و 39 و 50 و 52 و 67 و 73 و 95 و ...، الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 183 و 184، تفسير ابن كثير ج 3 ص 492 و 493 و 494، البرهان للزركشي ج 2

249

و في الرواية التي اعترفوا بصحّتها عن صفية بنت شيبة حدثتني أمّ المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها قالت: خرج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) غداة و عليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن و الحسين فأدخلهما معه ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها معهما ثمّ جاء عليّ فأدخله معهم، ثمّ قال: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

«1». و قد تقدّم عن الفخر الرازى أنه قال: و اعلم أنّ هذه الرواية كالمتفق على صحّتها بين أهل التفسير و الحديث «2».

و الحصر المستفاد من قوله و فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يكفي دليلا على أنه لم يكن في عشيرته و أزواجه من يستحقّ أن يصدق عليه عنوان أهل البيت إلّا هؤلاء الأربعة الذين اختارهم اللّه للمباهلة لإثبات توحيده و تنزيهه و رسالة رسوله، و اصطفاهم على أهل الأرض باختصاصهم بالدعوة المستجابة، و أذهب عنهم كلّ رجس و طهّرهم

____________

ص 197، الدر المنثور ج 5 ص 198، تفسير الثعالبي ج 4 ص 346، التاريخ الكبير ج 2 ص 69، تاريخ بغداد ج 10 ص 277، تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 203 و ... و ج 14 ص 140 و 144 و 145 و 148، اسد الغابة ج 2 ص 12 و ج 4 ص 29 و ج 5 ص 589، تهذيب التهذيب ج 2 ص 258، تهذيب الكمال ج 6 ص 229، سير أعلام النبلاء ج 2 ص 122 و 125 و مصادر أخرى كثيرة للعامة.

الخصال ص 561، الأمالي للصدوق ص 559 المجلس الثاني و السبعون ح 5 و ص 572، كمال الدين و تمام النعمة ص 278، كفاية الأثر ص 66، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 1 ص 156 و ج 2 ص 125 و 159، شرح الأخبار ج 2 ص 300 و 338 و 339 و 489 و 491 و 492 و ج 3 ص 86، الأمالي للطوسي ص 368 و المجلس الثالث عشر ح 34 و ص 559 المجلس السادس و العشرون ح 9، الاحتجاج ج 1 ص 215، الخرائج و الجرائح ج 1 ص 48، العمدة ص 32، و 33 و 36 و 39 و 40 و 41 و 45 و 122 و 188 و 189، سعد السعود ص 107، الطرائف ص 45 و 116 و 123 و 125 و ...، الفصول المختارة ص 53، تفسير القمي ج 2 ص 193، تفسير فرات الكوفي ص 332 و 333 و 335، التبيان ج 8 ص 339، مجمع البيان ج 8 ص 156 و 157 و مصادر أخرى كثيرة للخاصة.

(1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 147 و في التلخيص أيضا.

(2) التفسير الكبير ج 8 ص 80.

250

تطهيرا و أخبر بتعلّق إرادته بعصمتهم و الطهارة الخاصّة بهم.

و الإرادة المتعلقة بإذهاب الرجس عن أهل البيت و تطهيرهم إرادة تكوينية، لأن متعلق الإرادة التشريعية هو فعل الغير المورد للتشريع و الأمر و النهى، و متعلق الإرادة في الآية فعل اللّه.

و توهّم كونها إرادة تشريعية مستلزم لأن يكون اللّه سبحانه آمرا و مأمورا و مريدا و مرادا منه، و أن يكون أفعاله موردا للتشريع و التكليف! و أن يكون إذهاب الرجس و التطهير فعل أهل البيت، مع أنهما مستندان إلى اللّه بهيئة الإفعال و التفعيل، و غير ذلك من التوالى الفاسدة عقلا و نقلا.

و ثانيا: أن الإرادة التشريعية بتطهير النفوس بالإتيان بالواجبات و ترك المحرمات إرادة عامة لقاطبة الناس، لا معنى لحصرها ب (انّما) في أهل البيت، في الكتاب الحكيم.

و ثالثا: التخصيص و الاختصاص مقتضى الروايات الكثيرة الواردة في أصحاب الكساء و نقتصر على واحدة منها:

أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جلّل فاطمة و زوجها و ابنيهما بكساء و قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي، اللّهم فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا

و قد اعترف بصحة هذه الرواية من دأبه المناقشة بالوجوه الضعيفة فيما ورد في فضائل اهل البيت (عليهم السلام) «1».

و لو كانت الإرادة في الآية تشريعية مع أنها محققة بتشريع الشريعة بالبعث الى ما ينبغي و الزجر عمّا لا ينبغي، و تكون باقية ببقاء الأوامر و النواهي إلى يوم القيمة كان الدعاء من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لأصحاب الكساء طلب للحاصل و تخصيص بلا مخصص.

فالإرادة لإذهاب الرجس على إطلاقه عنهم و تطهيرهم بالتطهير الخاص بهم

____________

(1) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 122.

251

المستفاد من المفعول المطلق إرادة تكوينية لا واسطة بينها و بين المراد، و لا يمكن تخلّفها عن المراد إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1».

و آية التطهير منقطعة عما نزلت في نساء النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مخصصة بأصحاب الكساء لوجوه نكتفي منها بوجهين:

الأول: اختلاف ضمير الجمع المذكّر في هذه الآية و ضمير الجمع المؤنث في ما نزلت في نساء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الكاشف عن اختلاف المخاطب في هذه الآية عن المخاطب فيها.

الثانى: ما ورد في روايات الفريقين من الصحاح و غيرها من الاختصاص، مثل

ما ورد عن أمّ سلمة، قلت: يا رسول اللّه أ لست من أهل البيت؟ قال: إنّك إلى خير

، إنّك من ازواج النّبي، «2» و ما

عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ و في علي و فاطمة و حسن و حسين إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

«3»

____________

(1) سورة يس: 82.

(2) في بعض المصادر: إنك إلى (أو على) خير، و في بعضها: إنك (أو أنت) من أزواج النبي، و في بعضها كلتا الجملتين: راجع: مسند أبي يعلى ج 12 ص 456، المعجم الكبير ج 3 ص 53 و ج 23 ص 249 و 336، شواهد التنزيل ج 2 ص 61 و ...، الدر المنثور ج 5 ص 198، ذخائر العقبى ص 21، نظم درر السمطين ص 238، جامع البيان ج 22 ص 11، معاني القرآن ج 5 ص 348، تفسير ابن كثير ج 3 ص 493، تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 207 و مصادر أخرى للعامة.

مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 1 ص 132 و ج 2 ص 138، شرح الأخبار ج 1 ص 203 و ج 2 ص 338 و ج 3 ص 13، تفسير فرات الكوفي ص 334، الخصال ص 403، الأمالى للصدوق ص 559، روضة الواعظين ص 157، الأمالى للطوسى ص 264، العمدة ص 33 و 51 و مصادر أخرى للخاصة.

(3) ذخائر العقبى ص 24، المعجم الصغير ج 1 ص 135، المعجم الأوسط ج 3 ص 380، الدر المنثور ج 5 ص 198، تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 147 و مصادر أخرى للعامة.

252

و نزول هذه الآية في هؤلاء الخمسة يكشف عن شركة علي و فاطمة و الحسن و الحسين في عصمة الرسول المختصة بخاتم النبيّين الممتازة عن عصمة جميع الأنبياء و المرسلين بامتياز مرتبة الرسالة الخاتمة عمّا دونها.

و من تدبّر في الكتاب يرى أن هذا التطهير و التطهير الّذي قال اللّه سبحانه:

فَمَنْ شٰاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ «1» و قال رَسُولٌ مِنَ اللّٰهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً «2» من مبدأ واحد، فالكتاب المطهر الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه يقتضي أن يكون أهله مطهرا من كل رجس على قانون تناسب الفيض و المستفيض، و في الآية مباحث شريفة لا يسعها هذا المختصر.

و هؤلاء الأربعة هم الذين يصلّي عليهم اللّه و ملائكته، و بالصلاة عليهم تقبل الصلاة و يرفع الدّعاء، و هم الأبرار الذين نزلت في حقّهم وَ يُطْعِمُونَ الطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً* إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّٰهِ لٰا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لٰا شُكُوراً «3»، و هؤلاء هم القدر المتيقّن من قوله: قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ «4».

قال الزمخشري: و

روي أنّها لمّا نزلت قيل: يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: علي و فاطمة و ابناهما

«5». قال الرازي ما ملخّصه: إنّ آل محمّد هم الذين يؤول أمرهم إليه فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ و أكمل كانوا هم الآل، و لا شكّ أنّ فاطمة و عليّا و الحسن و الحسين كان التعلّق بينهم و بين رسول اللّه أشدّ التعلّقات و هذا كالمعلوم بالنقل المتواتر

____________

- الطرائف ص 127، شرح الأخبار ج 2 ص 515، العمدة ص 39، مجمع البيان ج 8 ص 157 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) سورة عبس: 12- 14.

(2) سورة البينة: 2.

(3) سورة الإنسان: 8 و 9، راجع صفحة: 305.

(4) سورة الشورى: 23.

(5) الكشّاف ج 4 ص 219 في تفسير آية المودّة.