منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
253

فوجب ان يكونوا هم الآل «1».

و ليعلم أنّ تعلّقهم برسول اللّه هو ما قال اللّه تعالى في كتابه و أنفسنا و أنفسكم فجعل اللّه عليّا نفس النبي،

و ما قاله النبيّ في شأن ابنته: فاطمة بضعة منّي

«2»، و في شأن الحسن: هذا منّي

«3» و في شأن الحسين: حسين منّي و أنا من حسين

«4». و ورد في النصّ الصحيح أنّ رسول اللّه دخل على فاطمة فقال: إنّي و إيّاك و هذا النائم يعني عليّا و هما يعني الحسن و الحسين لفي مكان واحد يوم القيامة

«5». و كونهم مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في مكان واحد في يوم قال فيه سبحانه: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ «6»، و قال اللّه تعالى: وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ «7»، يكشف عن وصولهم بجهادهم علما و عملا إلى المقام المحمود الذي لم يبلغه أحد من الملائكة المقرّبين و الأنبياء و المرسلين إلّا خاتم النبيّين (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

____________

(1) التفسير الكبير ج 27 ص 166 في تفسير آية المودّة.

(2) راجع صفحة: 310.

(3) ذخائر العقبى ص 133، مسند أحمد ج 4 ص 132، سنن أبي داود ج 2 ص 275، المعجم الكبير ج 3 ص 43 ج 20 ص 269، كنز العمال ج 12 ص 114 و ج 13 ص 653، التاريخ الصغير ج 1 ص 137.

تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 219 و ج 14 ص 166 و ج 60 ص 187 و ج 68 ص 93 و مصادر أخرى.

(4) راجع صفحة: 344.

(5) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 137 و في التلخيص أيضا، مجمع الزوائد ج 9 ص 169 و 170 و 171، المعجم الكبير ج 3 ص 41، ج 22 ص 406، كنز العمّال ج 11 ص 615 و ج 12 ص 99، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) ص 165، ذخائر العقبى ص 25، مسند أحمد ج 1 ص 101، مسند أبي داود الطيالسي ص 26، كتاب السنّة ص 584، مسند أبي يعلى ج 1 ص 393، أمالي المحاملي ص 205، شواهد التنزيل ج 1 ص 397، تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 224 و 228 و ج 14 ص 163 و 164، أسد الغابة ج 5 ص 269 و 523، تهذيب الكمال ج 6 ص 403، سير أعلام النبلاء ج 3 ص 258، البداية و النهاية ج 8 ص 226، ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) ص 110 و 117 و ... مصادر أخرى للعامّة.

شرح الأخبار ج 3 ص 24، الأمالي للطوسي ص 594 المجلس 26 ح 2، العمدة ص 395 و مصادر أخرى للخاصّة.

(6) سورة الزلزلة: 6.

(7) سورة الأنبياء: 47.

254

فعلى كلّ من كان من أهل التفقّه في الكتاب و السنّة أن ينظر إلى هذه المقامات التي اتّفقت عليها روايات العامّة و الخاصّة، و ما جرى على أصحاب هذه الفضائل التي لا تبلغ كنه عظمتها العقول و الأفكار، من الظلامات التي اسودّت منها صفحات التاريخ، و الحكم في ذلك للّه الواحد القهّار في يوم تتقلّب فيه القلوب و الأبصار.

و كيف يبرّر تأسيس أساس الظلم و الجور حتّى انتهى الأمر إلى أن يذبح الحسين (عليه السلام) عطشانا و

قد رووا في الصحيح عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «أنه قال لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين: أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم»

«1». و التاريخ يشهد من الذي حاربهم و من الذي سالمهم.

____________

(1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 149 و في التلخيص أيضا، مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 442، مجمع الزوائد ج 9 ص 169، مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 512، ذخائر العقبى ص 25، سنن ابن ماجة ج 1 ص 52، سنن الترمذي ج 5 ص 360، المعجم الأوسط ج 3 ص 179 و ج 5 ص 182، المعجم الكبير ج 3 ص 40 و ج 5 ص 184، صحيح ابن حبان ج 15 ص 434، المعجم الصغير ج 2 ص 3، تاريخ بغداد ج 7 ص 144، أحكام القرآن الجصّاص ج 1 ص 571 و ج 2 ص 508، شواهد التنزيل ج 2 ص 44، تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 144 و 158، تهذيب الكمال ج 2 ص 359 و ج 13 ص 113، سير أعلام النبلاء ج 2 ص 125 و ج 3 ص 258، البداية و النهاية ج 8 ص 40، ينابيع المودّة ج 1 ص 113 و 323 و ج 2 ص 34 و 53 و 120 و 228 و ج 3 ص 140 و ... و مصادر أخرى للعامّة

روضة الواعظين ص 158، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 156 و ...، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 59 باب 31 ح 233، شرح الأخبار ج 2 ص 514 و 608 و ج 3 ص 13 و 518، العمدة ص 51 و 321، الطرائف ص 131، تفسير فرات الكوفي ص 338 و 339، المناقب ص 150، الاعتقادات ص 105، الأمالي للطوسي 336 المجلس الثاني عشر ح 20، كشف الغمّة ج 1 ص 95 و مصادر أخرى للخاصّة.

255

مختصر من حياة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

ولد (عليه السلام) بعد عام الفيل بثلاثين سنة، و كانت ولادته في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، في البيت الحرام الذي جعله اللّه قبلة للأنام.

و قال علي بن محمّد المالكي: و لم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه، و هي فضيلة خصّه اللّه تعالى بها إجلالا له، و إعلاما لمرتبته، و إظهارا لتكرمته «1».

و قبض (عليه السلام) في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، و له يومئذ ثلاث و ستّون سنة.

و روى في الكافي «لمّا كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين، ارتجّ الموضع بالبكاء، و دهش الناس كيوم قبض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و جاء رجل باكيا و هو مسرع مسترجع، و هو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوّة حتّى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال:

رحمك اللّه يا أبا الحسن، كنت أوّل القوم إسلاما، و أخلصهم إيمانا، و أشدّهم يقينا، و أخوفهم للّه، و أعظمهم عناء، و أحوطهم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و آمنهم على أصحابه، و أفضلهم مناقب، و أكرمهم سوابق، و أرفعهم درجة، و أقربهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أشبههم به هديا و خلقا و سمتا و فعلا، و أشرفهم منزلة، و أكرمهم عليه، فجزاك اللّه عن الإسلام و عن رسوله و عن المسلمين خيرا.

____________

(1) الفصول المهمّة ص 30.

256

قويت حين ضعف أصحابه، و برزت حين استكانوا، و نهضت حين وهنوا، و لزمت منهاج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذ همّ أصحابه، [و] كنت خليفته حقّا، لم تنازع و لم تضرع برغم المنافقين و غيض الكافرين و كره الحاسدين، و صغر [ضغن] الفاسقين، فقمت بالأمر حين فشلوا، و نطقت حين تتعتعوا، و مضيت بنور اللّه إذا [إذ] وقفوا، فاتّبعوك فهدوا، و كنت أخفضهم صوتا، و أعلاهم قنوتا، و أقلّهم كلاما، و أصوبهم نطقا، و أكبرهم رأيا، و أشجعهم قلبا، و أشدّهم يقينا، و أحسنهم عملا، و أعرفهم بالأمور.

كنت و اللّه يعسوبا للدين أوّلا و آخرا، الأوّل حين تفرّق الناس، و الآخر حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، و حفظت ما أضاعوا، و رعيت ما أهملوا، و شمّرت إذ [إذا] اجتمعوا، و علوت إذ هلعوا، و صبرت إذ أسرعوا، و أدركت أوتار ما طلبوا، و نالوا بك ما لم يحتسبوا.

كنت على الكافرين عذابا صبّا و نهبا، و للمؤمنين عمدا و حصنا، فطرت و اللّه بنعمائها، و فزت بحبائها، و أحرزت سوابقها، و ذهبت بفضائلها، لم تفلل حجّتك، و لم يزغ قلبك، و لم تضعف بصيرتك، و لم تجبن نفسك و لم تخر [و لم تخل].

كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف، و كنت كما قال أمن الناس في صحبتك و ذات يدك، و كنت كما قال ضعيفا في بدنك، قويّا في أمر اللّه، متواضعا في نفسك، عظيما عند اللّه، كبيرا في الأرض، جليلا عند المؤمنين.

لم يكن لأحد فيك مهمز، و لا لقائل فيك مغمز، [و لا لأحد فيك مطمع] و لا لأحد عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتّى تأخذ له بحقّه، و القوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحقّ، و القريب و البعيد عندك

257

في ذلك سواء، شأنك الحقّ و الصدق و الرفق، و قولك حكم و حتم، و أمرك حلم و حزم، و رأيك علم و عزم فيما فعلت، و قد نهج السبيل، و سهل العسير، و أطفئت النيران، و اعتدل بك الدين، و قوي بك الإسلام فظهر أمر اللّه و لو كره الكافرون، و ثبت بك الإسلام و المؤمنون، و سبقت سبقا بعيدا، و أتعبت من بعدك تعبا شديدا، فجللت عن البكاء، و عظمت رزيّتك في السماء، و هدّت مصيبتك الأنام، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، رضينا عن اللّه قضاه و سلّمنا للّه أمره، فو اللّه لن يصاب المسلمون بمثلك أبدا.

كنت للمؤمنين كهفا و حصنا، و قنة راسيا، و على الكافرين غلظة و غيظا، فألحقك اللّه بنبيّه، و لا أحرمنا أجرك، و لا أضلّنا بعدك.

و سكت القوم حتّى انقضى كلامه، و بكى و بكى أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، ثمّ طلبوه فلم يصادفوه

«1». و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لمّا قبض أمير المؤمنين قام الحسن بن علي (عليهما السلام) في مسجد الكوفة، فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثمّ قال:

أيّها الناس إنه قد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأوّلون و لا يدركه الآخرون، إنه كان لصاحب راية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، عن يمينه جبرئيل، و عن يساره ميكائيل، لا ينثني حتّى يفتح اللّه له، و اللّه ما ترك بيضاء و لا حمراء إلّا سبع مائة درهم فضلت عن عطائه، أراد أن يشتري بها خادما لأهله، و اللّه لقد قبض في الليلة التي فيها قبض وصيّ موسى يوشع بن نون، و الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، و الليلة التي نزل فيها القرآن «2».

____________

(1) الكافي ج 1 ص 454، باب مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) ح 4.

(2) الكافي ج 1 ص 457.

258

عبادته (عليه السلام)

كان (عليه السلام) أعبد أهل زمانه،

و قد دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي عليّا، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال:

أمّا إذا لا بدّ، فإنه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، و يحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدّنيا و زهرتها، و يستأنس بالليل و ظلمته، كان و اللّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، و يخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، و من الطعام ما جشب، كان و اللّه كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، و يجيبنا إذا سألناه، و كان مع تقرّبه إلينا و قربه منّا لا نكلّمه هيبة له، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، و يحبّ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله.

فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه، يميل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، و يبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه الآن، و هو يقول: يا ربّنا، يا ربّنا، يتضرّع إليه، ثمّ يقول للدّنيا: إليّ تغرّرت، إليّ تشوّقت؟! هيهات! هيهات! غرّي غيري، قد أبنتك ثلاثا، فعمرك قصير، و مجلسك حقير، و خطرك يسير، آه آه! من قلّة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق.

فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، و جعل ينشفها بكمّه، و قد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن (رحمه الله)

«1».

____________

(1) حلية الأولياء ج 1 ص 84، ذخائر العقبى ص 100، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 18

259

و دخل أبو جعفر (عليه السلام) على أبيه (عليه السلام) فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، و رمضت عيناه من البكاء، و دبرت جبهته و انخرم أنفه من السجود، و ورم ساقاه و قدماه من القيام في الصلاة، قال أبو جعفر (عليه السلام): فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمة له، و إذا هو يفكّر، فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي، و قال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب، فأعطيته فقرأ منها شيئا يسيرا، ثمّ تركها من يده تضجّرا، و قال: من يقوى على عبادة عليّ (عليه السلام)

«1»؟!

شجاعته (عليه السلام)

شجاعته (عليه السلام) أظهر من الشمس،

هو الذي قتل في بدر ستة و ثلاثين من أبطال المشركين، «2» و أخذ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من يده قبضة من حصباء الوادي و رمى بها في وجوه المشركين، و قال: شاهت الوجوه، فنزلت وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ «3» فأخذ الحصباء من يد علي، و نفي اللّه الرمي عن رسوله، و إثباته لنفسه، يكفي لبيان منزلة عليّ (عليه السلام) من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

«4».

____________

ص 225، نظم درر السمطين ص 135، الاستيعاب لابن عبد البرّ ج 3 ص 1108، تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 401، ينابيع المودّة ج 2 ص 189 و مصادر أخرى للعامّة.

خصائص الأئمّة ص 70، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 52، شرح الأخبار ج 2 ص 391، كنز الفوائد ص 270، كشف الغمّة ج 1 ص 76، العمدة ص 16 بتفاوت يسير و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) الإرشاد ج 2 ص 142، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 194، مكارم الأخلاق ص 318، الخرائج و الجرائح ج 2 ص 891، كشف الغمة ج 2 ص 297، إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 487، ينابيع المودة ج 1 ص 446.

(2) ينابيع المودة ج 1 ص 451، بحار الأنوار ج 41 ص 65، و مصادر أخرى.

(3) سورة الأنفال: 17.

(4) مجمع الزوائد ج 6 ص 84، المعجم الكبير ج 11 ص 227، تفسير ابن كثير ج 2 ص 307، جامع البيان

260

و هو الذي نودي في غزوة أحد بحصر الفتوة في شخصيته

«لا فتى إلّا علي لا سيف إلّا ذو الفقار»

«1» و هو الذي بمبارزته في غزوة الخندق برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه، و

كفى في فضل مبارزته أنّها أفضل من أعمال الأمّة إلى يوم القيامة

«2»، و بما أنّ هذه الأمّة خير أمّة أخرجت للناس، فالعمل الأفضل من أعمال هذه الأمّة أفضل من أعمال جميع الأمم.

و هو الذي فتح خيبر بعد ما رجع الأوّل و الثاني خائبين، فقال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله، يفتح اللّه على يديه ليس بفرّار

«3»، فظهر للناس تفسير قوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ

____________

ج 9 ص 271، الدر المنثور ج 3 ص 175، زاد المسير ج 3 ص 226 و مصادر أخرى للعامّة.

تفسير العيّاشي ج 2 ص 52، تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 13، تفسير الصافي ج 2 ص 287، مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 189، و مصادر أخرى للخاصة.

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 29 و ج 2 ص 211 و ج 7 ص 219 و ج 10 ص 182 و ج 11 ص 217 و ج 13 ص 293 و ج 14 ص 251، نظم درر السمطين ص 120، كنز العمّال ج 5 ص 723، تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 201 و ج 42 ص 71، تاريخ الطبري ج 2 ص 197، البداية و النهاية ج 4 ص 54 و ج 6 ص 6 و ج 7 ص 250 و 293 و 372، كتاب الهواتف ص 22، عون المعبود ج 10 ص 264، المعيار و الموازنة ص 91 و 148، ينابيع المودّة ج 1 ص 240 و 434 و ج 2 ص 291 و موارد أخرى من هذا الكتاب، و أتى بجزئه الأوّل في تحفة الأحوذي ج 6 ص 182، فيض القدير ج 6 ص 553 و مصادر أخرى للعامّة.

الكافي ج 8 ص 110، علل الشرائع ج 1 ص 160 باب 129 ح 2، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 1 ص 495 و ج 2 ص 536، شرح الأخبار ج 2 ص 192 و 381، العمدة ص 382، تفسير فرات الكوفي ص 95 و مصادر أخرى للخاصّة.

(2) راجع صفحة 104.

(3) الثقات لابن حبان ج 2 ص 12، السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 145، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام)

261

وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لٰا يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لٰائِمٍ «1» و قلع الباب الذي يقلعه عشرون رجلا و ينقله سبعون، و قد اعترف المخالف و المؤالف بأنّ قلعه لم يكن ممكنا بالقوّة الجسدانية «2».

قال الفخر الرازي: و ذلك لأنّ عليا كرّم اللّه وجهه في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد، و أشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء، فتقوّى روحه و تشبّه بجواهر الأرواح الملكية، و تطلّعت فيه أضواء عالم القدس و العظمة، فلا جرم حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره «3».

و هو الذي بات على فراش النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مبيتا ينبئ عن علوّ شأنه، فقام جبرئيل و هو ناموس الوحي و العلم عند رأسه، و ميكائيل و هو خازن الأرزاق عند رجليه، و نادى جبرئيل: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي اللّه بك [به] الملائكة «4»، و أنزل اللّه سبحانه: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ

____________

ص 116، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 89 و 90، و بتفاوت في مصادر أخرى للعامة تقدم ذكرها في صفحة: 166.

شرح الأخبار ج 1 ص 302، الأربعون حديثا ص 56 و بتفاوت في مصادر أخرى للخاصة تقدم ذكرها في صفحة: 166.

(1) سورة المائدة: 54.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 5 ص 7 و ج 20 ص 316، و مصادر أخرى للعامة.

الخرائج و الجرائح ج 2 ص 542، الأمالي للصدوق: 604، روضة الواعظين ص 127، مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 239 و مصادر أخرى للخاصة.

(3) التفسير الكبير ج 21 ص 91.

(4) أسد الغابة ج 4 ص 25، ينابيع المودة ج 1 ص 274، شواهد التنزيل ج 1 ص 123، تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 39 و مصادر أخرى للعامة.

262

رؤف بالعباد

«1». هذه شجاعته الصغرى، و أمّا شجاعته الكبرى في غلبته النفس و الهوى فجفّ عنها القلم، و كلّ عنها البيان!

كرمه (عليه السلام)

هو الذي كان يملك كنوز قيصر و كسرى، و خزائن البلاد، و كان إفطاره على خبز الشعير و الملح «2»، و كان يستقي بيده لنخل قوم من اليهود، ثمّ يتصدّق بالأجرة، و يشدّ على بطنه حجرا «3».

و هو الذي ملك أربعة دراهم، فأنفق واحدا منها ليلا، و آخر نهارا، و واحدا سرّا، و آخر علانية، فنزل في شأنه: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ سِرًّا وَ عَلٰانِيَةً «4».

____________

المسترشد ص 361 و 434، الأمالي للطوسي ص 469 المجلس السادس عشر ح 37، الاحتجاج ج 1 ص 160 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) سورة البقرة: 207.

(2) بحار الأنوار ج 42 ص 272.

(3) بحار الأنوار ج 41 ص 144.

(4) سورة البقرة: 274.

مجمع الزوائد ج 6 ص 324، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 21 و ج 13 ص 276، نظم درر السمطين ص 90، معانى القرآن ج 1 ص 304، أسباب النزول للواحدى ص 58، شواهد التنزيل ج 1 ص 140 و ...، زاد المسير ج 1 ص 286، تفسير ابن كثير ج 1 ص 333، البرهان للزركشي ج 1 ص 159، الدر المنثور ج 1 ص 363، تفسير الثعالبي ج 1 ص 534، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 358، أسد الغابة ج 4 ص 25 و مصادر أخرى للعامة.

263

فصاحته و بلاغته (عليه السلام)

تجلّت فصاحته و بلاغته في خطبه و كتبه و كلماته القصار، و في الأدعية المأثورة عنه، و قد عجز أساطين الحكمة و أعلام الفصاحة عن الإتيان بمثلها في فنون الكلام، مادّة و هيئة.

* فالأمر يدور بين أن يقوم مقام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الجامع للمقامات المذكورة أو فاقدها، فإن كان الأوّل فقد تحقّق قوله تعالى: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ «1» و تجلّى قوله تعالى: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحٰاهٰا* وَ الْقَمَرِ إِذٰا تَلٰاهٰا «2».

و إن كان الثاني فقد استخلفت الظلمات للنور، و استبدلت الهداية بالضلال قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمىٰ وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمٰاتُ وَ النُّورُ «3» فلا يحتاج إثبات خلافة عليّ (عليه السلام) للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و نفيها عن غيره، إلى إقامة الدليل و البرهان.

** قد تقدّم في مبحث الإمامة وجوه لإثبات إمامة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

____________

عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 62 باب 31 ح 255، روضة الواعظين ص 105 و 383، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 1 ص 166 و 167 و 186، شرح الأخبار ج 2 ص 346، الفصول المختارة ص 140، الاختصاص ص 150، العمدة ص 349 و مصادر أخرى للخاصة.

(1) سورة هود: 17.

(2) سورة الشمس: 1- 2.

(3) سورة الرعد: 16.

264

و خلافته بلا فصل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و نذكر هنا ما يستفاد منه وجوه أخرى:

هنا قضيّتان: ثبوت خلافته (عليه السلام) للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و نفيها عن غيره، و القضيتان لكلّ مسلم من القضايا التي لا تحتاج إلى الاستدلال، و إنّما الحاجة إلى تذكّر أمور يستلزم تصوّرها التصديق بهما إيجابا و سلبا:

الأوّل: إنّ الخليفة خلف للمستخلف عنه، يقوم مقامه، و البدل من كلّ شيء خلف منه، و حقيقة الخلافة تقتضي أن يقوم الخليفة مقام المستخلف عنه بتحمّل ما كان يتصدى له و ما يتوقّع منه، فهو بدل عنه، به يملأ خلأ فقدانه، لهذا فإنّ بدلية الخليفة عن المستخلف عنه و قيامه مقامه تستوجب تناسبا خاصّا بينهما، تدور الخلافة مداره وجودا و عدما، فلا يستخلف الشمس إلّا بالقمر الذي بنوره يسدّ خلأ ضيائها، و لا تكون الظلمة خليفة للنور، و لا الجاهل بدلا عن العالم، و لا الفاقد قائما مقام الواجد.

و عند ما تحصل غيبة أو فقد لمن يكون في الذروة العليا من الحكمة النظرية و العملية، يقوم مقامه من يتلوه في الحكمتين، لا من يكون فاقدا لهما، و لا من هو في المراتب النازلة منهما.

الثاني: لا بدّ أن يتأمّل في أنّ المستخلف عنه، و هو الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من هو؟ و ما هو الذي يترقّب منه بالنسبة إلى الأمّة؟

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو الإنسان الكامل الذي فاق النبيّين و المرسلين في جميع ما أعطاهم اللّه من الكمالات العلمية و العملية، و الآيات التدوينية و التكوينية.

و الغرض من بعثته خروج استعداد نوع الإنسان للكمالات الممكنة له من القوّة إلى الفعل- حتّى يبلغ من الفضائل إلى مقامات يغبطه بها الملأ الأعلى، و يباهي اللّه به ملائكة السماء- و إحقاق الحق فيعطي كلّ ذي حقّ حقّه و إقامة الناس

265

بالقسط بما أنزل إليه من الكتاب و الميزان قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ «1»، لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ «2».

الثالث: خليفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا بدّ أن يكون هو المثل الأعلى لشخصيته علما و خلقا و عملا، لكي يسدّ خلأ وجوده في تعليم الإنسان و تربيته، و تلاوة آيات اللّه عليه، و إرشاد الناس إلى تنزيلها و تأويلها، و ظاهرها و باطنها، و محكمها و متشابهها، و عامّها و خاصّها، و ناسخها و منسوخها، و بيان أسرارها المكنونة، و جواهرها المخزونة في الحروف المقطّعة في أوائل سورها.

و بكلمة واحدة لا بدّ أن يكون عنده علم الكتاب، الذي فيه تفصيل كلّ شيء مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ «3»، و أن يتكفّل تزكية الناس من الوساوس الشيطانية و الأهواء النفسانية و الرذائل الخلقية و العملية، حتّى تستعدّ عقولهم بالتصفية من تلك الكدورات لإشراق أنوار الكتاب الذي لا يناله إلّا المطهّرون، و تصير نفوسهم خزائن لجواهر الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء.

فإذا كان الخليفة قائما مقام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيما ينتظر منه و يترقّب من وجوده لتعليم الأمّة و تربيتها، فقد تحقّق الغرض من خاتمية الرسالة و أبدية الشريعة، و تحقّقت الغاية من البعثة هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ «4».

____________

(1) سورة المائدة: 15 و 16.

(2) سورة الحديد: 25.

(3) سورة الأنعام: 38.

(4) سورة الجمعة: 2.

266

فالنبوّة و إن انتهت ببعثته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلّا أنّ الغرض منها و هو تزكية الأمّة و تعليم الكتاب و الحكمة باق إلى يوم القيامة، و لا يمكن حصوله إلّا بمن يقوم مقام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بما يقتضيه مفهوم الخلافة.

الرابع: من هو مصداق خليفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعده؟ هل هو عليّ أو غيره؟

فإن كان عليّا (عليه السلام) فهو الذي تجلّى فيه فضائل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، بحيث يراه من رآه بعين الإنصاف أنه المرآة التامّة للرسول الأعظم، و نقتصر من تلك الفضائل على بعضها:

فهو الذي قام الإجماع و السنّة على أنه وارث علم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

امّا الإجماع، فقد ادّعى الحاكم في المستدرك الإجماع على إثبات ذلك لعليّ، و النفي عن غيره «1».

و أمّا السنّة فنقتصر منها على

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أنا مدينة العلم و عليّ بابها»

«2»، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أنا دار الحكمة و عليّ بابها»

«3».

____________

(1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 126.

(2) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 126، المعجم الكبير ج 11 ص 55، الفائق في غريب الحديث ج 2 ص 16، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 7 ص 219، الجامع الصغير ج 1 ص 415، كنز العمّال ج 13 ص 148، فيض القدير ج 1 ص 49، و ج 3 ص 60، شواهد التنزيل ج 1 ص 104 ... و 432، مفردات الراغب ص 64، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 378 و ... و مصادر أخرى للعامّة.

عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 66 باب 31 ح 298، الخصال للشيخ الصدوق ص 574، الأمالي للشيخ الصدوق ص 425 و 655، تفسير فرات الكوفي ص 64، التوحيد ص 307، تحف العقول ص 430، مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ج 2 ص 558، شرح الأخبار ج 1 ص 89، الإرشاد ج 1 ص 33، الاختصاص ص 238، الأمالي للمفيد ص 77، كنز الفوائد ص 149، الاحتجاج ج 1 ص 102، الخرائج و الجرائح ج 2 ص 545 و 565 و مصادر أخرى للخاصّة.

(3) حلية الأولياء ج 1 ص 64، ذخائر العقبى ص 77، تحفة الأحوذى ج 10 ص 155، الجامع الصغير

267

أمّا حديث أنا مدينة العلم فمن حيث السند غني عن التصحيح، فلو لم نقل بتواتره لفظا أو معنى، فهو متواتر إجمالا.

و أمّا من حيث الدلالة فهو يدلّ على أنه باب مدينة علم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و ليس لأحد كائنا من كان أن يأتي هذه المدينة إلّا من هذا الباب.

فبنطقه تنفتح مدينة علم الخاتم على أهل العالم، و بسكوته تنغلق.

و أمّا العلم الذي يكون النبيّ مدينته و علي بابه، فهو الذي استحقّ به آدم خلافة اللّه في الأرض، كما قال سبحانه: وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰائِكَةِ إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قٰالَ إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ* وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلٰائِكَةِ فَقٰالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ «1». و قد علّم اللّه الخاتم جميع

____________

ج 1 ص 415، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 378، ينابيع المودّة ج 1 ص 218 و ج 2 ص 90 و 393، فيض القدير ج 3 ص 60، و مصادر أخرى للعامّة.

الأمالي للشيخ الصدوق: 434، العمدة: 295، و مصادر أخرى للخاصّة.

و قد وردت بلفظة أنا مدينة الحكمة و علي بابها، و قريب منه في مصادر كثيرة للعامّة و للخاصّة أيضا.

فيض القدير ج 3 ص 60، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ح 378، ينابيع المودّة ج 1 ص 390 و مصادر أخرى للعامّة.

روضة الواعظين ص 103 و 119، الأمالي للصدوق ص 188، المجلس السادس و العشرون ح 8 و ص 342 المجلس الخامس و الأربعون ح 18 و ص 472 المجلس الحادي و الستّون ح 11 و ص 619، المجلس التاسع و السبعون ح 1، كمال الدين و تمام النعمة ص 241، شرح الأخبار ج 1 ص 89، الأمالي للطوسي ص 431، المجلس الخامس عشر ح 21 و ص 483 المجلس السابع عشر ح 24، عوالي اللئالي ج 4 ص 123 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) سورة البقرة: 30، 31.

268

ما علّمه لآدم و من دونه من النبيّين مضافا إلى ما خصّه به، كما هو مقتضى الخاتمية، قال سبحانه و تعالى في شأن ما علّمه لكليمه: وَ كَتَبْنٰا لَهُ فِي الْأَلْوٰاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «1» و في شأن ما علّمه لحبيبه: وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ «2».

و أمّا حديث أنا دار الحكمة (أو مدينة الحكمة) و علي بابها، فقد رواه جمع من أصحاب الحديث، على ما تقدّم. «3»

و دلالته واضحة على أنّ الدار لا تؤتى إلّا من بابها، و الحكمة التي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مدينتها و عليّ (عليه السلام) بابها، هي التي عدّها سبحانه و تعالى خيرا كثيرا خصّ اللّه بها من يشاء، بينما عدّ متاع الحياة الدّنيا التي زيّن سماءها بزينة الكواكب مع شموسها و أقمارها و نجومها و مجرّاتها التي تحيّر العقول في عظمتها قليلا، قال سبحانه و تعالى: قُلْ مَتٰاعُ الدُّنْيٰا قَلِيلٌ «4»، و قال سبحانه و تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «5».

و هذه الحكمة هي التي مبدؤها العليّ العظيم، و مجليها القرآن العظيم الر كِتٰابٌ أُحْكِمَتْ آيٰاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «6».

فمن أراد هذه الحكمة التي هي ضالّة كلّ مؤمن «7» و طلبة كلّ إنسان، فلا يمكنه أن ينالها إلّا من طريق عليّ (عليه السلام).

____________

(1) سورة الأعراف: 145.

(2) سورة النحل: 89.

(3) راجع صفحه 266.

(4) سورة النساء: 77.

(5) سورة البقرة: 269.

(6) سورة هود: 1.

(7) إشارة الى ما روي عنهم (عليهم السلام): الحكمة ضالة المؤمن. الكافي ج 1 ص 167.

269

و غير خفيّ على أهل النظر أنّ عظمة علم النبيّ و حكمته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فوق أن تدركها العقول، فإنه الإنسان الكامل على الإطلاق، و مقتضى البرهان صيرورة ما في نوع الإنسان من الاستعداد للكمال العلمي و العملي فعليا في الفرد الكامل الذي لا أكمل منه، و قد قال اللّه سبحانه: وَ أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً «1».

فما عدّه العلي العظيم الذي لا حدّ لعظمته عظيما، يكون أعظم من أن تصل إلى مبلغ عظمته الأفهام، و عليّ باب هذا العلم و الحكمة، و بكلمة واحدة: باب علم الخاتم هو باب علم العالم!

و قد اتّفق الفريقان على أنه قال: (سلوني قبل أن تفقدوني) «2»، و عدم تحديده لما يسأل عنه بحدّ يكشف أنّ المتكلّم بهذا الكلام باب العلم الذي يمدّه من لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة.

____________

(1) سورة النساء: 113.

(2) نهج البلاغة كلام 189، بصائر الدرجات ص 286- الجزء السادس، باب 2 في الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم يعرفون علم المنايا و البلايا ...، مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 38 و ج 2 ص 105، كامل الزيارات ص 155 باب 23 ح 16، التوحيد ص 92 و 305، روضة الواعظين ص 32 و 118، شرح الأخبار ج 2 ص 39 و 286 و 311، الإرشاد ج 1 ص 35 و 330، الاختصاص ص 235 و 248 و 279، الاحتجاج ج 1 ص 384، الثاقب في المناقب ص 121، الخرائج و الجرائح ج 3 ص 1133، العمدة ص 261، الأمالي للشيخ الطوسي ص 57 المجلس الثاني ح 54، رسائل المرتضى ج 1 ص 391، الأمالي للشيخ الصدوق ص 196 المجلس الثامن و العشرون ح 1 و ص 422 المجلس الخامس و الخمسون ح 1 و مصادر أخرى للخاصّة.

المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 352 و ص 466، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2 ص 286 و ج 6 ص 136، المعيار و الموازنة ص 82 و 298، جامع البيان ج 13 ص 289، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 397 و 400، كنز العمال ج 13 ص 165 و مصادر أخرى للعامّة.

270

هذه منزلته في العلم و الحكمة، و قد اعترف به المؤالف و المخالف، قال معاوية لابن عبّاس: فما تقول في عليّ بن أبي طالب؟ قال: رحم اللّه أبا الحسن كان و اللّه علم الهدى، و كهف التقى، و محل الحجى، و طود النّهى، و نور السرى في ظلم الدجى، و داعيا إلى المحجّة العظمى، عالما بما في الصحف الأولى، و قائما بالتأويل و الذكرى، متعلّقا بأسباب الهدى، و تاركا للجور و الأذى، و حائدا عن طرقات الردى، و خير من آمن و اتّقى، و سبّد من تقمّص و ارتدى، و أفضل من حجّ و سعى، و أسمح من عدل و سوّى، إلى آخر ما قال» «1».

و قالت عائشة: عليّ أعلم الناس بالسنّة «2».

و قال عمر بن الخطّاب: أعوذ باللّه من كل معضلة و ليس لها أبو حسن «3»، و قد

____________

(1) المعجم الكبير ج 10 ص 239 و بتفاوت يسير في مجمع الزوائد ج 9 ص 159، ينابيع المودّة ج 2 ص 171 و مصادر أخرى للعامّة.

المسترشد ص 307، الطرائف ص 507 و بتفاوت يسير في مصادر أخرى للخاصّة.

(2) التاريخ الكبير للبخاري ج 2 ص 255 و ج 3 ص 228، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 408، ذخائر العقبى ص 78، نظم درر السمطين ص 133، تفسير الثعالبي ج 1 ص 52، ينابيع المودّة ج 2 ص 171 و مصادر أخرى للعامة.

المناقب للخوارزمي ص 91، كشف الغمّة ج 1 ص 117، شرح الأخبار ج 2 ص 310 و 561، كشف اليقين ص 57 و مصادر أخرى للخاصّة.

(3) الفائق في غريب الحديث ج 2 ص 375، و بتفاوت يسير في: ذخائر العقبى ص 82، تأويل مختلف الحديث ص 152، نور الأبصار ص 88، نظم درر السمطين ص 131، كنز العمّال ج 10 ص 300، الطبقات الكبرى ج 2 ص 339، تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 369 ج 42 ص 406، أسد الغابة ج 4 ص 23، تهذيب الكمال ج 20 ص 485، تهذيب التهذيب ج 7 ص 296، الإصابة في تمييز الصحابة ج 4 ص 467، أنساب الأشراف ص 100، ينابيع المودّة ج 2 ص 172 و 405 و ج 3 ص 147، البداية و النهاية ج 7 ص 397، كفاية الطالب ص 217 باب 57 حديث 726 و مصادر أخرى للعامّة.

271

اعترف بنجاته من الهلكات في المعضلات بعلم عليّ (عليه السلام).

و قال معاوية: ذهب الفقه و العلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة:

لا يسمع هذا منك أهل الشام. فقال له: دعني عنك «1».

و بعد نصّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الذي قال اللّه تعالى وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ «2»، و إجماع الأمّة، و الاعتراف حتّى من أشدّ الخصام الذي أعدّ ما استطاع لإطفاء نوره و محو مناقبه، لا يبقى ريب في أنه (عليه السلام) هو البدر التام الذي يستخلف شمس سماء النبوّة، و يقوم مقام الرسول في إشراق أنوار الكتاب و الحكمة، و ينوب منابه في الهداية و الإمامة، أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ «3»

**

____________

- شرح الأخبار ج 2 ص 317 و 565، دلائل الإمامة ص 22، مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 31 و 369، العمدة ص 257، الطرائف ص 473 و مصادر أخرى للخاصة.

(1) الاستيعاب ج 3 ص 1108، الاستيعاب بهامش الإصابة في تمييز الصحابة ج 3 ص 44، العدد القوية ص 250.

(2) سورة الحشر: 7.

(3) سورة هود: 17.

272

الحكومة العلويّة

و أمّا الحكومة العلوية المتشكّلة من الأركان الثلاثة، و هي الوالي و القاضي و العمّال المستعملين لتمشية الأمور، فقد قامت على الأصول التي بها تتحقّق المدينة الفاضلة بأرقى ما يتصوّر من صورها، التي تكون ضامنة لسعادة الأمّة المادّية و المعنوية، نذكر قليلا ممّا اعتبره (عليه السلام) في ولاية أمور الأمّة مع الإغماض عن شرحها على ما ينبغي، فإن كل جملة منها باب ينفتح منه أبواب لأصحاب الحكمة العملية في السياسة المدنية و النفسية للإنسان الذي يحتاج في حياته إلى إعطاء كلّ قوّة من قواه الشهوية و الغضبية و العقلية حقّها، حتّى تكون حياته حياة طيّبة في معاشه و معاده.

فممّا اعتبره في الوالي ما قاله (عليه السلام):

«ثمّ اعلم يا مالك أنّي وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك، من عدل و جور، و أنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، و يقولون فيك ما كنت تقول فيهم، و إنّما يستدلّ على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسن عباده، فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك، فإنّ الشحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت، و أشعر قلبك الرحمة للرعيّة، و المحبّة لهم، و اللطف بهم، و لا تكوننّ عليهم

273

سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، و تعرض لهم العلل، و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ، فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الذي تحبّ و ترضى أن يعطيك اللّه من عفوه و صفحه، فإنّك فوقهم، و والي الأمر عليك فوقك، و اللّه فوق من ولّاك ...»

«1». فقد نبّه (عليه السلام) بقوله: «قد جرت عليها دول قبلك ...» إلى أنّ هذه الدولة كالدول الماضية، ظلّ زائل لا بقاء له وَ تِلْكَ الْأَيّٰامُ نُدٰاوِلُهٰا بَيْنَ النّٰاسِ «2»، فكما تنظر إلى أعمالهم و تقضي في حقّهم بما صدر عنهم، كذلك ينظر الناس إلى أمورك، و ما يجري على ألسنتهم ممّا يرون من أعمالك دليل على صلاحك و فسادك.

و الولاة همّهم في ولايتهم أن يجمعوا المال و الذخائر، و أحبّ الذخائر إلى الوالي في حكومته (عليه السلام)، ذخيرة العمل الصالح.

* و بيّن (عليه السلام) بقوله: «فاملك هواك» أنّ من لا يملك هوى نفسه لا يستطيع أن يحكم بالحقّ، فإنّ اتباع الهوى يصدّ عن الحقّ، فلا بدّ أن يكون الوالي أشجع الرعية و أقدرهم، و أنّ

«أشجع الناس من غلب هواه»

«3».* و بأمره (عليه السلام) بسخاء النفس، بيّن أنّ الوالي، لا بدّ و أن لا يخرجه من الإنصاف من نفسه محبوب لنفسه و لا مكروه لها، و لا يخرجه عن الاعتدال حبّ و لا بغض.

* و بيّن (عليه السلام) بقوله: «و أشعر قلبك الرحمة للرعية» و بتعليله بأنّهم «صنفان إمّا أخ

____________

(1) كتابه (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي، نهج البلاغة رقم 53.

(2) سورة آل عمران: 140.

(3) معاني الأخبار ص 195.

274

لك في الدين أو نظير لك في الخلق» أنّ الوالي فوق الرعية، فكما أنّ اللّه الذي هو فوقه و فوق من ولّاه يرى الزلل و العلل، و لا يمسك عن الرحمة و الإحسان، فلا بدّ أن لا يصير تفوّق الوالي موجبا لعدم الإغماض عن زلّات الرعية.

فكما ينتظر الوالي العفو من اللّه سبحانه و الرحمة- مع ما يرى من نفسه من الزلل و العلل- كذلك عليه أن يعامل الرعية- مع ما يصدر منهم عمدا أو خطأ- بالعفو و الصفح و المحبّة و الإحسان، و أن تعمّ رحمته و إحسانه كلّ من كان نظيره في الخلق و إن خالفه في الدين.

فالحكومة العلوية ظهور الرحمة الرحمانية الإلهية على المسلم و الكافر، و البرّ و الفاجر، و بها تتجلّى شمس الرسالة الخاتمة التي هي رحمة للعالمين.

* و على الوالي أن لا يرى نفسه آمرا لا بدّ أن يطاع، فإنّ من رأى لنفسه حقّ الطاعة المطلقة إلا من عصمه اللّه جرّه ذلك إلى الشقاء كما

قال (عليه السلام): «و لا تقولن إنّي مؤمّر آمر فأطاع، فإنّ ذلك إدغال في القلب و منهكة للدين، و تقرّب من الغير [الفتن فتعوّذ باللّه من درك الشقاء].»

و لا ريب أنّ آفة عقل الوالي التكبّر الذي يحدث من سلطانه و ملكه، فلا بدّ له عند ما حدث له أبهة أن يكون ناظرا الى عظم ملك الّذي وسع كرسيّه السموات و الأرض و قدرة القاهر على عباده الّذي بيده ناصية كلّ شيء، و جبروت الّذي بيده ملكوت كلّ شيء، فقال (عليه السلام):

«و إذا حدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيّلة، فانظر إلى عظم ملك اللّه فوقك، و قدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك، و يكفّ عنك من غربك، و يفيء إليك بما عزب عنك من عقلك. و إيّاك

275

و مساماة اللّه في عظمته، و التشبّه به في جبروته، فإنّ اللّه يذلّ كلّ جبّار، و يهين كلّ مختال [فخور]»

.* و قال (عليه السلام): «و ليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ، و أعمّها في العدل، و أجمعها لرضى الرعية»

فإنّ الأوسط في الحقّ هو أصل الحكمة في مقام النظر، و الأعمّ في العدل هو فرع الحكمة في العمل، و الشجرة التي يكون الأوسط في الحقّ أصلها، و الأعمّ في العدل فرعها، تكون ثمرتها سعادة الفرد و المجتمع، و رضى الرعية.

* و لا بدّ أن يكون الوالي ساترا لعيوب أفراد الرعية، و حلّالا لعقد الأحقاد، قابلا لعذر من اعتذر إليه، دارئا للحدود بالشبهات، و نعوذ باللّه أن يكون آخذا بالتهم، و هاتكا للأعراض بالتوهّمات.

كما

قال (عليه السلام): «و ليكن أبعد رعيّتك منك و أشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإنّ في الناس عيوبا، الوالي أحقّ من سترها، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها، فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك، و اللّه يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحبّ ستره من رعيّتك [و] أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد، و اقطع عنك سبب كلّ وتر، [و اقبل العذر، و ادرأ الحدود بالشبهات] ...»

.* و أمّا خاصّة الوالي و أصحابه في خلوته و ملئه، فلا بدّ أن يكون ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه، و لا آثما على إثمه، و يكون أقربهم منه، كما

قال (عليه السلام): «ثمّ ليكن آثرهم عندك، أقولهم بمرّ الحقّ لك، [و أحوطهم على الضعفاء بالإنصاف]، و أقلّهم مساعدة [لك مناظرة] فيما يكون منك ممّا كره اللّه لأوليائه، واقعا ذلك من هواك

276

حيث وقع، [فإنّهم يقفونك على الحقّ، و يبصرونك ما يعود عليك نفعه].

و الصق بأهل الورع و الصدق، [و ذوي العقول و الأحساب] ثمّ رضهم على ألّا يطروك و لا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزهو، و تدني من العزّة، [و الإقرار بذلك يوجب المقت من اللّه] ...».

و إذا كان الوالي متصفا بما تقدم من الصفات و كانت خاصّته متّصفة بالعقل و الحسب و الورع و الصدق و عدم معاونة على ظلم و لا على إثم، و كان أقربهم إلى الوالي أكثرهم قولا بالحقّ الذي هو مرّ على سامعه، و أكثرهم احتياطا بالإنصاف على الضعفاء، و قد عوّدهم الوالي على عدم إطرائه و مدحه، كان أصل الحكومة و فروعها و متنها و حواشيها خلاصة من العقل و الحقّ و العدل و الإنصاف و الورع و الصدق و الرحمة و المحبّة و الإحسان.

و بذلك تنتشر أنوار المكارم من المركز إلى المحيط بمقتضى تبعية العامّة لأصحاب القدرة و الشوكة، و بذلك يتحقّق الغرض من إرسال الرسول و إنزال الكتاب: لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ «1».

هذه بعض ما اعتبره (عليه السلام) في الوالي، و لا يتسع المجال لعرض تمام ما أفاض (عليه السلام) من صفات الوالي.

* القاضي في الحكومة العلوية

إنّ إحقاق الحقوق ممّا يتوقّف عليه نظام الدين و الدّنيا، كما

قال (عليه السلام): «فإنّ

____________

(1) سورة الحديد: 25.

277

الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم، و الأخذ للضعيف من القوي، و إقامة حدود اللّه على سنّتها، و منهاجها، ممّا يصلح عباد اللّه و بلاده»

، لذا اشترط (عليه السلام) في القاضي ما يتحقّق به الغرض من القضاء الذي هو من مناصب الأنبياء و الأوصياء،

فقال (عليه السلام):

«ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك [و أنفسهم للعلم و الحلم و الورع و السخاء]، ممّن لا تضيق به الأمور، و لا تمحكه الخصوم، و لا يتمادى في [إثبات] الزلّة، و لا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، و أوقفهم في الشبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم [الخصوم]، و أصبرهم على تكشّف الأمور، و أصرمهم عند اتضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء [اغراق]، [و لا يصغي للتبليغ، فولّ قضاءك من كان كذلك [و هم] و أولئك قليل، ...».

فإذا كان القاضي عالما حليما و رعا سخيّا، لا يؤثّر فيه تطميع، و لا يتأثّر بتخويف، متوقّفا عند الشبهة، قاطعا للخصومة عند اتضاح الحكم، لا يكتفي في الحكم إلّا بأقصى مراتب الفهم لاستكشاف الحقّ، و كان أصبرهم على كشف الأمر، و إذا عرف الحقّ لا يصرفه عنه صارف بلغ ما بلغ، فإن قضاء مثله يكون مصلحا للعباد و عامرا للبلاد، و هو ما أراد اللّه من الحكام من الحكم بالحقّ و العدل وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «1»، يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ «2».

*

____________

(1) سورة النساء: 58.

(2) سورة ص: 26.

278

العمّال و أعوان الوالي على تقلّد الأمور

قد وصفهم (عليه السلام) بقوله: ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا، و لا تولّهم محاباة و أثرة، فإنّهما جماع من شعب الجور و الخيانة، [و إدخال الضرورة على الناس، و ليست تصلح الأمور بالإدغال، فاصطف لولاية أعمالك أهل العلم و الورع و السياسة] و توخّ منهم أهل التجربة و الحياء، من أهل البيوتات الصالحة و القدم في الإسلام المتقدّمة، فإنّهم أكرم أخلاقا، و أصحّ أعراضا، و أقلّ في المطامع إشراقا، و أبلغ في عواقب الأمور نظرا [من غيرهم، فليكونوا أعوانك على ما تقلّدت] ...».

و قد بيّن (عليه السلام) أنّ تولية الأمور في الحكومة العلوية لا تكون بالميل و الهوى، بل بالاستحقاق و الاختبار و الاصطفاء، و على أساس الورع و العلم و السياسة و التجربة و الحياء، و النشأة في البيوتات الصالحة و القدم في الإسلام.

فيدور تولّي الأمور مدار الكفاية و الأمانة، كما قال اللّه سبحانه: اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «1»، و قال سبحانه: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ «2».

و الأمّة التي يتّصف و إليها بتلك الأوصاف، و قاضيها بتلك السمات، و عاملها بهذه المزايا، و تكون المراتب و المناصب فيها على أساس درجات العلم و الإيمان و الأمانة، تكون خير أمّة أخرجت للناس «3»، و إمامهم لا محالة يكون أفضلهم، و

عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من أمّ قوما و فيهم من هو أعلم منه و أفقه لم يزل أمرهم إلى سفال

____________

(1) سورة يوسف: 55.

(2) سورة القصص: 26.

(3) إشارة إلى الآية 110 من سورة آل عمران.

279

إلى يوم القيامة»

«1».* و قد اقتصرنا من هذا العهد على قليل من كثير، و لم نستوف شرح لطائفه و دقائقه و حقائقه، فإنه جامع لأبواب سياسة النفس و المدينة، و تنظيم أمر طبقات الرعية، من الجنود، و الكتّاب، و القضاة، و العمّال، و أهل الجزية و الخراج، و التجّار، و أهل الصناعات، و ذوي الحاجة و المسكنة.

**

____________

(1) ثواب الأعمال ص 206، و بتفاوت يسير في علل الشرائع ص 326 باب 20 ح 4 و مصادر أخرى للخاصة.

المغني لابن قدامة ج 2 ص 20: الجامع الصغير ج 2 ص 582، كنز العمال ج 7 ص 590.

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها)

و هي إحدى المعصومين (عليهم السلام)، ولدت بمكّة بعد النبوّة بخمس سنين في العشرين من جمادى الآخرة، و أقامت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بمكّة ثماني سنين، ثمّ هاجرت معه إلى المدينة، و الأشهر في مدّة عمرها أنّها كانت ثماني عشرة سنة، و قبضت في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه.

لها أسماء منها: فاطمة، و الصدّيقة، و المباركة، و الطاهرة، و الزكية، و الراضية، و المرضيّة، و المحدّثة، و الزهراء، و البتول، و الإنسية الحوراء.

فضائلها (عليها السلام)

و هي أكثر من أن تحصى، و نذكر بعضها ممّا ورد من روايات الفريقين:

عن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، قال: رأيت أمّي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح، و سمعتها تدعو للمؤمنين و المؤمنات و تسمّيهم و تكثر الدعاء لهم، و لا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بنيّ الجار ثمّ الدار «1».

____________

(1) علل الشرائع ج 1 ص 182 باب 145، كشف الغمة ج 1 ص 468 في فضائل فاطمة (عليها السلام)، روضة الواعظين ص 329، دلائل الإمامة ص 152.

282

كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يبدأ في سفره بفاطمة و يختم بها «1»، فجعلت وقتا سترا من كساء خيبريّة لقدوم أبيها و زوجها، فلمّا رآه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تجاوز عنها، و قد عرف الغضب في وجهه حتّى جلس عند المنبر، فنزعت قلادتها و قرطيها و مسكتيها و نزعت الستر، فبعثت به إلى أبيها، و قالت: اجعل هذا في سبيل اللّه، فلمّا أتاه، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قد فعلت فداها أبوها ثلاث مرّات، ما لآل محمّد و للدّنيا، فإنّهم خلقوا للآخرة، و خلقت الدّنيا لغيرهم

«2». رأى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاطمة (عليها السلام) و عليها كساء من أجلّة الإبل و هي تطحن بيديها، و ترضع ولدها، فدمعت عينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقال: يا بنتاه تعجّلي مرارة الدّنيا بحلاوة الآخرة، فقالت: يا رسول اللّه الحمد للّه على نعمائه و الشكر للّه على آلائه، فأنزل اللّه: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ

«3». فمع ما أصابها من عبادة اللّه سبحانه من قيامها في المحراب ليلا حتّى تورّمت قدماها، و مع ما أصابها نهارا من خدمة بيت وليّ اللّه، و تربية أبناء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)،

____________

(1) بحار الأنوار ج 43 ص 86 و ص 89، كشف الغمّة ج 1 ص 451 و مصادر أخرى للخاصّة.

مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 275، سنن أبي داود ج 2 ص 291، السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 26، المعجم الكبير ج 2 ص 103، نظم درر السمطين ص 177، الدر المنثور ج 6 ص 43، تفسير الثعالبي ج 5 ص 221، سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 81 و 427، ينابيع المودّة ج 2 ص 132 و 140، المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 489 و ج 3 ص 155 و 156 و مصادر أخرى للعامّة.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 343 في سيرتها، و بتفاوت يسير في الأمالي للصدوق: 305، روضة الواعظين ص 444.

(3) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 342، مكارم الأخلاق ص 117 و 235، مجمع البيان ج 10 ص 382 و مصادر أخرى للخاصّة.

شواهد التنزيل ج 2 ص 445، فتح القدير ج 5 ص 460، كنز العمّال ج 12 ص 422، الدرّ المنثور ج 6 ص 361 و مصادر أخرى للعامّة.

283

حتى

قال عليّ (عليه السلام) أصابها من الضرّ و الضرر الشديد، لم تشتك ممّا جرى عليها، و تجاوزت عن مرتبة الصبر على تلك الشدائد إلى مرتبة الشكر عليها، فهي لم تر مصيبة حتّى تصبر عليها، بل رأتها ألطافا إلهية ظاهرية، فقالت: الحمد للّه على نعمائه، و مننا باطنية فقالت: و الشكر للّه على آلائه، فرضيت عن اللّه تعالى و أرضاها اللّه بقوله تعالى لأبيه: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ

«1»، و ظهر وجه تسميتها بالراضية و المرضية.

لمّا نزلت هذه الآية على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ «2» بكى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بكاء شديدا، و بكى صحابته لبكائه، و لم يدروا ما نزل به جبرئيل (عليه السلام)، و لم يستطع أحد من أصحابه أن يكلّمه، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا رأى فاطمة فرح بها، فانطلق بعض أصحابه إلى باب بيتها و بين يديها شيء من شعير و هي تطحن و تقول: و ما عند اللّه خير و أبقى، فسلّم عليها و أخبرها بخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بكائه، فنهضت، و التفّت بشملة لها خلقة، قد خيطت اثني عشر مكانا بسعف النخل، فلمّا خرجت نظر سلمان الفارسي إلى الشملة، و بكى و قال: وا حزناه! إنّ قيصر و كسرى لفي السندس و الحرير، و ابنة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عليها شملة صوف [خلقة] قد خيطت في اثني عشر مكانا، فلمّا دخلت فاطمة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قالت: يا رسول اللّه، إنّ سلمان تعجّب من لباسي، فو الذي بعثك بالحقّ ما لي و لعليّ منذ خمس سنين إلّا مسك كبش نعلف عليها بالنهار بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه، و إنّ مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّ ابنتي لفي

____________

(1) سورة الضحى آية 5.

(2) سورة الحجر: 43- 44.

284

الخيل السوابق

«1». و من تأمّل في زهدها و زهد بعلها ممّا اتّفقت عليه روايات الفريقين، رأى أنّ احتجاجها و تظلّمها في قضية فدك لم يكن لحطام الدّنيا.

ما تصنع بفدك من تطعم الطعام على حبّه مسكينا و يتيما و أسيرا، و تصوم ثلاثة أيّام على الماء، مع بعلها و بنيها، و يؤثرون على أنفسهم و يقولون: إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّٰهِ لٰا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لٰا شُكُوراً «2»، و يكتفي بعلها من الدّنيا بطمريه، و من طعمه بقرصيه، و

يقول: ما أصنع بفدك و غير فدك

«3»؟! و إنّما كان تظلّمها لأجل ما ترى من تضييع الحقّ بالباطل، بعد ما قال اللّه تعالى: وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ «4»، و الآية مدنية كما نص عليه أبو السعود في تفسيره «5»، و النسفي في تفسيره «6»، و الرازي في تفسيره «7» و الزمخشري في الكشاف «8» و غيرهم «9»، و قد روى الفريقان عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاطمة، فأعطاها فدكا «10»، فكانت فدك هي الحقّ الذي أمر اللّه

____________

(1) بحار الأنوار ج 43 ص 87، الدروع الواقية ص 274، و بتفاوت في تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 376، النهاية في غريب الحديث ج 4 ص 331.

(2) سورة الإنسان: 9، و راجع صفحة 305.

(3) نهج البلاغة، الرسالة رقم 45، كتابه إلى عثمان بن حنيف.

(4) سورة الإسراء: 26.

(5) تفسير أبي السعود ج 5 ص 154.

(6) تفسير النسفي ج 2 ص 895.

(7) التفسير الكبير ج 20 ص 145.

(8) تفسير الكشاف ج 2 ص 646.

(9) التسهيل في علوم التنزيل ج 1 ص 166، و مصادر أخرى.

(10) مسند أبي يعلى ج 2 ص 334، كنز العمال ج 3 ص 767، شواهد التنزيل ج 1 ص 438 إلى

285

رسوله بإعطائها لذي الحقّ، فقامت (عليها السلام) لإحقاق حقّها لمعرفتها بعظمة اللّه و عظمة أمر اللّه، فإذا تخلّفوا- على مسند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- عن الأمر الذي الآمر به هو اللّه، و المأمور به رسول اللّه، لا يبقى حرمة لأمر اللّه و نهيه، و قد بعث اللّه رسوله لإحقاق الحقّ و إبطال الباطل، و مع ضياع حقّ ابنته التي هي أحبّ الخلق إليه لا يبقى أمان لحقّ أحد من الأمّة، فلم يكن تظلّمها (عليها السلام) إلّا لإحقاق حقّ اللّه بعدم انتهاك حرمة أمر اللّه، و إحقاق حقّ الناس.

إن التي يغضب اللّه لغضبها، و يرضى لرضاها بمقتضى إطلاق السنّة «1» لا يمكن أن يكون رضاها و غضبها إلّا تبعا لرضا اللّه و غضبه.

و مع ما تقدّم لا بدّ من النظر إلى ما رواه إمام الحنابلة في مسنده «2»، و البيهقي في سننه «3»، و مسلم في صحيحه «4»، و نقتصر على ما رواه البخاري في صحيحه:

فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى

____________

- ص 444 يذكر أكثر من عشرة طرق لهذا الحديث و ص 570، ينابيع المودة ج 1 ص 138، الدر المنثور ج 4 ص 177، الكامل ج 5 ص 190 و مصادر أخرى للعامة.

الكافي ج 1 ص 543، دعائم الإسلام ج 1 ص 385، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 233 باب 23 ح 1، الأمالي للصدوق ص 619 المجلس التاسع و السبعون ح 1، تهذيب الاحكام ج 4 ص 149، مناقب أمير المؤمنين ج 1 ص 159، المسترشد ص 501، شرح الأخبار ج 3 ص 27، تفسير العياشي ج 2 ص 287، تفسير القمي ج 2 ص 18، تفسير فرات الكوفي ص 239 و 322، تفسير التبيان ج 6 ص 469 و ج 8 ص 253 و مصادر أخرى للخاصة.

(1) راجع صفحة: 193.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 6.

(3) السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 300 و ...

(4) صحيح مسلم ج 5 ص 154.

286

توفّيت «1»، و أنّ فاطمة وجدت على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت

«2». فأخذوا حقها استنادا إلى هذا الحديث «إني سمعت

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول لا نورث ما تركنا صدقة)

«3». و لا يخفى أن للأنبياء وارثين، وارث روحاني و هو أمتهم، فإن النبيّ هو الأب الروحي لأمته، كما

روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنا و علي أبوا هذه الأمّة

«4» فمنزلة النبيّ و خليفته القائم مقامه في تربية النفوس و تكميل العقول منزلة الأب، و ما ترك لأمته هو الكتاب و الحكمة و السنة و الشريعة، كما

أن العلماء ورثة الأنبياء

«5»، و لم يرثوا منهم دينارا و لا درهما، و إنّما ورثوا العلم.

و لهم وارث جسماني و روحاني، و هم أقرباؤهم الذين يرثون منهم العلم بنسبتهم الروحية، و المال بنسبتهم الجسمانية بمقتضى عمومات الكتاب و السنة.

فلا بدّ من التأمل في أن مثل هذه الرواية هل تصلح لأن تكون مخصصة لقانون الإرث؟!

____________

(1) صحيح البخاري ج 4 ص 41، باب فرض الخمس.

(2) صحيح البخاري ج 5 ص 82، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، و راجع صحيح ابن حبان ج 11 ص 153 و ج 14 ص 573، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 217، كنز العمّال ج 7 ص 242، الطبقات الكبرى ج 2 ص 315، البداية و النهاية ج 5 ص 306 المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 472 و مصادر أخرى للعامّة.

(3) مسند أحمد ج 1 ص 4، صحيح البخاري ج 4 ص 42، صحيح مسلم ج 5 ص 153 و مصادر أخرى للعامّة.

(4) علل الشرائع ج 1 ص 127 باب 106 ح 2، روضة الواعظين ص 322، مفردات الراغب في كلمة الأب، ينابيع المودة ج 1 ص 370 و مصادر أخرى للخاصّة و العامة.

(5) الكافي ج 1 ص 32، سنن ابن ماجة ج 1 ص 81 و مصادر أخرى للخاصة و العامّة.

287

إن حجية الرواية و حكومتها على الأدلة الناهية عن القول و العمل بغير العلم، و المانعة عن اتباع الظن تتوقف على تمامية الاقتضاء و الشرائط لاعتبارها و انتفاء الموانع عن حجيتها.

و هذه الرواية فاقدة لما يكون دخيلا في الاعتماد عليها بوجوه شتى، نشير إلى بعضها:

الأوّل: أن راويها كذّبها بما جاء في الآثار، من أنه أوصى عائشة أن يدفن جنب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «1»، فإنّ دار النبي مما تركه، و ما تركه- على فرض صحة هذه الرواية- صدقة، فكيف تصح هذه الوصيّة؟! و كيف يجوز هذا التصرف فيما هو صدقة على من كان في زمانه من المسلمين بأجمعهم حتى القاصرين و من لم يكن إلى يوم القيامة؟!

فبأيّة ولاية على الحاضرين و الغائبين، و الموجودين و المعدومين عند الدفن، صحّ هذا التصرف؟!

و هل رضي بالتصرف في هذه الصدقة علي و فاطمة و أولادهما (عليهم السلام)، و هم- على ما زعموا- من مصارف هذه الصدقة؟!

الثاني: أنه كذّبها بعده من قام مقامه عملا، حيث أوصى و قال: إذا أنامت فاجعلوني إلى باب بيت عائشة فقولوا لها هذا عمر بن الخطاب يقرؤك السلام، و يقول أدخل أو أخرج، قال فسكتت ساعة ثم قالت أدخلوه، فادفنوه ... «2».

فإن صحّ هذا الحديث يكون دفنهما فيما هو صدقة على جميع الأمّة بإذن عائشة

____________

(1) الطبقات الكبرى ج 3 ص 209، تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 446، تاريخ الطبري ج 2 ص 614، كنز العمال ج 12 ص 537 و مصادر أخرى.

(2) مسند أبي يعلى ج 8 ص 372، مجمع الزوائد ج 9 ص 33 و مصادر أخرى.

288

و بقاء جثمانهما في هذه الدار مخالف لما هو من ضروريات الفقه لمن له أدنى مرتبة من الفقاهة.

الثالث: التبعيض في صدقة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و التخصيص في حكمها من دون مخصّص بين بنت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أزواجه، حيث أخذ أبو بكر الصدقة من بنت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قهرا و أسكن بنته فيها، و لم يكتف بهذا، بل استأذنها، و الاستيذان لا مصحح له إلّا من المالك أو الوكيل أو الوليّ.

ثم كيف يرتفع التناقض بين عمله هذا، و قوله: هذا و الذي نفسي بيده لقرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحب الي أن أصل قرابتي «1»، و قوله: و اللّه لأن تفتقر عائشة أحب إليّ من أن تفتقرى «2»؟!

الرابع: أنه لو صحت هذه الرواية (إنا لا نورث ما تركناه صدقة) من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فهل يعقل أن يكتمها عن وصيّه المتكفل لجميع شئونه أمير المؤمنين (عليه السلام)، و عن أقرب الخلق إليه بضعته الصديقة الطاهرة (عليها السلام)، و يكون الذي بعثه اللّه لرفع المفسدة و الاختلاف سببا- بهذا الإخفاء- للاختلاف و المفسدة و الشقاق بين الأمّة.؟!

الخامس: أنّ فدكا إن كانت صدقة على المسلمين، و لذلك منعت عن بنت رسول اللّه و أبناء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فكيف أقطع عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم ما تصدق به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين «3»؟!

____________

(1) مسند أحمد ج 1 ص 9، صحيح البخاري ج 4 ص 210 باب مناقب قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، صحيح مسلم ج 5 ص 154 و مصادر أخرى.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 214.

(3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 198، نيل الأوطار ج 6 ص 51.

289

السادس: أن حديث نفي التوريث عن الأنبياء مخالف لكتاب اللّه، كما احتجت الصديقة الطاهرة (عليها السلام) بآيات اللّه الدالة على أن الأنبياء يورثون، و أولادهم منهم يرثون، و ما خالف كتاب اللّه فهو زخرف و باطل.

ثم بعد ما أخذت فدك من الصديقة الطاهرة (عليها السلام)، و آل الأمر إلى أن تلاعب بها أيدي العدوان، أقطع معاوية بن أبي سفيان مروان بن الحكم ثلثها، و أقطع عمرو بن عثمان ثلثها، و اقطع يزيد بن معاوية ثلثها «1»، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، و وهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة دعا الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و قيل بل دعا علي بن الحسين فردّها عليه.

فاعترفوا بأن اليد التي أخذتها من الصديقة الطاهرة (عليها السلام) كانت يد عدوان فسجّل التاريخ أنّ أوّل ظلامة ردّها عمر بن عبد العزيز ردّ فدك «2».

ثم بعده أخذت منهم، و تعاقبت عليها الأيدي الغاصبة الى أن انتهى الأمر إلى المأمون، فرفع جماعة من ولد الحسن و الحسين إلى المأمون يذكرونه أن فدكا كان وهبها رسول اللّه لفاطمة، و أنها سألت أبا بكر دفعها إليها بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فسألها أن تحضر على ما ادعت شهودا، فأحضرت عليا و الحسن و الحسين و أم أيمن، فأحضر المأمون الفقهاء، فسألهم عن ... [عمّا] رووا من أن فاطمة قد كانت قالت هذا، و شهد لها هؤلاء، و أن أبا بكر لم يجز شهادتهم.

فقال لهم المأمون: ما تقولون في أم أيمن؟ قالوا: امرأة شهد لها رسول اللّه بالجنة،

____________

(1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 216، و بتفاوت في الطبقات الكبرى ج 5 ص 388، تاريخ الطبري ج 4 ص 173، وفاء الوفاء ج 3 ص 1000.

(2) معجم البلدان ج 4 ص 239، وفاء الوفاء ج 3 ص 1000.

290

فتكلم المأمون بهذا بكلام كثير، و نصّهم إلى أن قالوا: إن عليا و الحسن و الحسين لم يشهدوا إلّا بحق، فلما اجمعوا على هذا، ردّها على ولد فاطمة، و كتب بذلك «1».

فانعقد إجماع الفقهاء على أن أبا بكر حكم بالباطل، و قد قال اللّه تعالى وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «2».

و القضية من مسلمات التاريخ، و من أراد التفصيل فليرجع إلى تاريخ اليعقوبي، و فتوح البلدان للبلاذري، و غيرهما.

و للبحث عما يتعلق بحديث نفي الميراث سندا و دلالة، و دفنهما في بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و استيذانهما من عائشة و إذنها، على جميع فروض المسألة، سواء أ كان ما تركه صدقة أم ميراثا، و على فرض إرث الزوجة من العقار أو حرمانها، و ما يتعلق بفدك من جهات شتى، مجال آخر، و يكفي لهذا المختصر أن يظهر ما جرى في هذه القضية من الظلم و الجور على البيت الذي أنزل اللّه في أهله آية التطهير «3» و سورة الدهر «4»، و على الصديقة (عليها السلام) التي لم يقصد اللّه بصيغة الجمع في آية المباهلة «5» من قوله «و نساءنا» إلّا هذه الوجيهة عند اللّه لإجابة الدعاء، و أنزل في شأنها سورة الكوثر «6»، و دفع بها عن رسول اللّه قول الذي قال إنه أبتر.

____________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 469، فتوح البلدان ج 1 ص 37، معجم البلدان ج 4 ص 239 و 240.

(2) سورة النساء: 58.

(3) راجع صفحة: 248.

(4) راجع صفحة: 305.

(5) راجع صفحة: 305.

(6) التفسير الكبير ج 32 ص 124، تفسير أبي السعود ج 9 ص 206، تفسير البيضاوي ج 5 ص 536، تفسير الكشاف ج 4 ص 807 و مصادر أخرى للعامّة.

تفسير غريب القرآن ص 275، مجمع البيان ج 10 ص 459، تفسير جوامع الجامع ج 3 ص 856، و مصادر أخرى للخاصة.

291

و لقد أقامت الصديقة الحجة القاطعة للعذر على حقّها على كل تقدير، فلمّا منعت عن فدك و قالت إنها حقّها الذي أعطاها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حياته، طولبت بالبينة، مع أنها كانت ذات يد على المدعى به، كما

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء

«1»، و كان الخصم مدعيا، و البينة على المدعي الذي يخالف قوله قاعدة اليد.

و لو سلّم الموضوع لطلب البينة منها، فمرتبة البينة متأخرة عن العلم و الاستبانة، و لا يظن بمن كان له أدنى مرتبة من العلم و الإيمان أن يحتمل في دعواها مخالفة الواقع، مع أنها كما قالت عائشة: لم يكن أصدق لهجة منها إلّا الذي ولدها «2»، و شهد اللّه بطهارتها عن مطلق الرجس، و نطق الكتاب و السنة بعصمتها «3».

ثم إنها جاءت بعليّ (عليه السلام) و أم أيمن للشهادة على حقّها، فإذا كانت المدعية مثل هذه الصديقة، و الشاهد مثل هذا الصديق، «4» فهل يعقل عدم حصول العلم الذي

____________

(1) نهج البلاغة، رقم 45 من كتابه (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف.

(2) ذخائر العقبى ص 44، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 161 و في التلخيص أيضا، نظم درر السمطين ص 182، سير أعلام النبلاء ج 2 ص 131، حلية الأولياء ج 2 ص 42، سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 47 و مصادر أخرى للعامّة.

بحار الأنوار ج 43 ص 68.

(3) راجع صفحة: 249.

(4) قد وصف (عليه السلام) بالصديق الأكبر حسب الروايات الكثيرة الواردة عن الفريقين، نذكر بعضها:

سنن ابن ماجة ج 1 ص 44، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 112، مصنف ابن أبى شيبة ج 7 ص 498، الآحاد و المثانى ج 1 ص 148 و 151، كتاب السنة ص 584، السنن الكبرى للنسائى ج 5 ص 107، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) ص 46، المعجم الكبير ج 6 ص 269، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 ص 30 و ج 13 ص 200 و 228 و 240، تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 41 و 42 و

292

هو ميزان للقضاء بالحق و العدل و القسط؟!

و هل لا يحصل العلم من شهادة من شهد اللّه بأنه نفس الرسول «1»، و شهد الرسول بأنه مع الحق و الحق معه «2» و

قال له (أنت مني و أنا منك)

«3»، و أنه كنفسه أولى بالمؤمنين «4»، و أنه مولى كل مؤمن و مؤمنة؟! «5»

و أما أم أيمن فهي مولاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و حاضنتة، و قد رووا في حقها- زائدا على صحبتها و قبول حديثها- مناقب، منها أنه

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول لأم أيمن:

يا أمّه «6» و كان إذا نظر إليها قال: هذه بقية أهل بيتي

«7»، و

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن

«8»، و هل يحتمل في حق هذه

____________

- مصادر أخرى كثيرة جدا للعامّة.

بصائر الدرجات ص 73 باب 23 ح 2، عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) ج 2 ص 6 باب 30 ح 13 و ج 2 ص 48 باب 31 ح 189، الخصال ص 402، الأمالي للصدوق ص 274 المجلس السابع و الثلاثون ح 5 و ص 285 و 772، كفاية الأثر ص 6 و 101، تهذيب الأحكام ج 6 ص 57، روضة الواعظين ص 116، مناقب أمير المؤمنين ج 1 ص 152 و 260 و 267 و موارد أخرى من هذا الكتاب، المسترشد ص 215 و 291 و 332 و مصادر أخرى كثيره جدا للخاصة.

(1) إشارة إلى آية المباهلة راجع صفحة: 305.

(2) راجع صفحة: 326.

(3) راجع صفحة: 177.

(4) راجع صفحة: 167 الحديث الثالث.

(5) إشارة الى حديث الغدير، راجع صفحة 168.

(6) المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 63، الطبقات الكبرى ج 8 ص 223، الإصابة ج 8 ص 359، تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ص 109 و مصادر أخرى.

(7) المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 63، الطبقات الكبرى ج 8 ص 223، الإصابة ج 8 ص 359، البداية و النهاية ج 5 ص 347، السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 642، سير أعلام النبلاء ج 2 ص 224 و مصادر أخرى.

(8) تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 303، الطبقات الكبرى ج 8 ص 224، الإصابة ج 8 ص 359 و مصادر أخرى.

293

الجليلة الكذب في شهادتها؟!

ثم بأي وجه لا تقوم دعوى الصديقة الطاهرة (عليها السلام) مع شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و أم أيمن الصحابية من أهل الجنة مقام دعوى جابر بن عبد اللّه؟ حيث قال الخليفة من كان له على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) دين أو كانت قبله عدة فليأتنا، قال جابر فقلت: وعدني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن يعطيني هكذا و هكذا. فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر فعدّ في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة «1».

و ترتيب أثر الواقع على دعوى من قام الحجة الشرعية على خلافها من أصالة عدم تحقق الوعد من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أصالة براءة ذمته، و لم ينتظر لأن تستبين أو تقوم لها البينة، و عدم ترتيب الأثر على دعوى الصديقة الطاهرة (عليها السلام) مع قيام الحجة الشرعية على وفاقها من قاعدة اليد، مع انضمام شهادة من هو بمقتضى السنة القطعية كان من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كهارون من موسى «2»، و من

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول في شأنها: أم أيمن أميّ بعد أميّ

«3»، و كان يزورها في بيتها «4» و شهد لها بالجنة، ليس إلّا التناقض في العمل و ترجيح المرجوح على الراجح المستقبح عقلا و المردود شرعا و المنافي لقاعدة العدل و الإنصاف!

____________

(1) صحيح البخاري ج 3 ص 163 باب من أمر بانجاز الوعد، السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 109، مجمع الزوائد ج 6 ص 3، المصنف لعبد الرزاق ج 4 ص 78 و مصادر أخرى.

(2) راجع صفحة: 155.

(3) فتح الباري ج 7 ص 70، تحفة الأحوذي ج 10 ص 217، الجامع الصغير ج 1 ص 247، كنز العمال ج 12 ص 146، تاريخ مدينة دمشق ج 8 ص 51، أسد الغابة ج 5 ص 567، تهذيب الكمال ج 35 ص 339، تهذيب التهذيب ج 12 ص 408، الإصابة ج 8 ص 359 و مصادر أخرى للعامة.

(4) أسد الغابة ج 5 ص 567، صحيح مسلم ج 7 ص 144، سنن ابن ماجة ج 1 ص 524، مسند أبي يعلى ج 1 ص 71، تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 302، تهذيب الكمال ج 35 ص 330، و مصادر أخرى للعامة.

294

ثم بعد ذلك كلّه، و التنزل عن كون فدك نحلة لها من أبيها، ينتهي الأمر إلى أن تكون مما ترك أبوها، فالصديقة الطاهرة (عليها السلام) هي الوارثة التي لا وارث للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نسبا غيرها في مرتبتها، فتمسكت (عليها السلام) بعموم الكتاب في الميراث، و خصوصه في ميراث الأنبياء (عليهم السلام) ردا على الرواية المردودة بعدم المقتضى لحجيتها و معارضتها للكتاب.

و من تأمل في احتجاجاتها يرى أنها دعت إلى الحق بالحكمة المشتملة على الدليل و البرهان للجاهلين، و الموعظة الحسنة للغافلين، و الجدال بالتي هي أحسن للمعاندين، حتى يحكم اللّه أَ لَيْسَ اللّٰهُ بِأَحْكَمِ الْحٰاكِمِينَ «1».

* أشعّة من خطبتها (عليها السلام)

لمّا أجمع القوم على غصب الخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام) و غصب فدك من فاطمة (عليها السلام)، لاثت خمارها على رأسها، و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتّى دخلت على أبي بكر في مسجد النبيّ، و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم، فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثمّ أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسوله ... و كان ممّا قالت «2»: «و أشهد أن

____________

(1) سورة التين: 8.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 211، بلاغات النساء ص 12، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) ج 1 ص 155 و مصادر أخرى للعامّة.

295

لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمن القلوب موصولها، و أنار في التفكّر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، و من الألسن صفته، و من الأوهام كيفيّته».

فبيّنت أنّ تأويل كلمة التوحيد هو الإخلاص، و الإخلاص الذي هو تأويل كلمة التوحيد إخلاص في العلم و العمل.

أمّا الإخلاص علما فبنفي الصفات الزائدة على الذات المستلزمة للتجزئة و التركيب و التثنية و الحدّ و العدد، فهو الواحد الأحد، و تفسيره ما

قاله عليّ (عليه السلام):

«أوّل الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه و من جزّأه فقد جهله»

«1». و أمّا الإخلاص عملا فبإتيان الأعمال الجوانحية و الجوارحية خالصة لوجهه تعالى: وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ* إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىٰ «2»، و هو مقام المقرّبين الذين يصلون بالنظر إلى ملكوت السماوات و الأرض إلى مقام اليقين بأنه هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «3»، وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «4»، فيوجّهون وجوههم إلى الذي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً «5» و يعبدونه

____________

الاحتجاج ج 1 ص 131، دلائل الإمامة ص 111، كشف الغمّة ج 1 ص 480، الطرائف ص 264 و مصادر أخرى للخاصّة.

(1) نهج البلاغة الخطبة الأولى.

(2) سورة الليل: 19- 20.

(3) سورة الحديد: 3.

(4) سورة التغابن: 1.

(5) سورة الأنعام: 79.

296

و يدعونه مخلصين له الدين، و بعد أن يصيروا مخلصين يصرف اللّه عنهم السوء و الفحشاء، فيصيرون من المخلصين الذين يعجز الشيطان عن الاستيلاء على نفوسهم، قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلّٰا عِبٰادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «6».

ثمّ بيّنت (عليها السلام) ما يتعلّق بالقلوب من تضمينها بموصول هذه الكلمة، و هو الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها، وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ «7»، و ما يتعلّق بالأفكار من إنارتها بمعقول هذه الكلمة، فإن الأفكار التي استنارت بمعقولها من حقيقة النفي و الإثبات خرجت من الظلمات الى النور الذي قال سبحانه اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ «8»، فوصلت الى مقام الشهود و الشهادة، شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ وَ الْمَلٰائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ «9»، شهدوا بأنه الإله (الممتنع من الأبصار رؤيته) فهو قدّوس عن الأشكال و الأوضاع، «و من الألسن صفته» لأنه ليس له حدّ محدود و لا نعت موجود، «و من الأوهام كيفيّته» فإنّ الموهوم المصنوع للوهم لا يمكن أن يكون كيفيّة صانع الوهم، فلا يعلم ما هو إلّا هو، و لا كيف هو إلّا هو.

* ثمّ

قالت (عليها السلام) بعد توحيد الإله و تنزيهه: «ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، و أنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوّنها بقدرته، و ذرأها بمشيّته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، و لا فائدة في تصويرها إلّا تثبيتا لحكمته، و تنبيها على طاعته، و إظهارا لقدرته، و تعبّدا لبريّته، و إعزازا لدعوته، ثمّ جعل الثواب على طاعته، و وضع

____________

(6) سورة ص: 81- 82.

(7) سورة لقمان: 25.

(8) سورة النور: 35.

(9) سورة آل عمران: 18

297

العقاب على معصيته، ذيادة لعباده عن [من] نقمته، و حياشة لهم إلى جنّته».

نبّهت (صلوات اللّه عليها) على أقسام أفعاله من الإبداع و الإنشاء و التكوين، و بيّنت مبدأ الخلق و منتهاه، و سبب الإيجاد من القدرة و المشيئة، و غايته من تثبيت الحكمة، و البيّنة على الطاعة، و إظهار القدرة، و تعبد البرية، و إعزاز الدعوة، و عدم احتياجه إلى تكوينها، و عدم استفادته من تصويرها، و شرح كلّ كلمة من هذه الكلمات تحتاج إلى تفصيل لا يسعه المقام.

و أفادت (عليها السلام) في الإبداع لا من شيء، و الإنشاء بلا مثال، و تكوين الكائنات بالقدرة، و ذرئها بالمشيئة، أنه تعالى غنيّ في أفعاله عن المادّة و الأسباب و الأمثال و الغاية، و أنّ الغرض من أفعاله ليس هو الحاجة، و غيره في فعله يحتاج إلى مادّة و سبب و مثال.

فكما أنه ليس له مثل في ذاته، ليس له مثيل في أفعاله، فصنع كلّ صانع امتثال، و هو الذي يصنع بغير مثال، و كما لا شريك له في ذاته لا شريك له في فعله، كوّن الكائنات بقدرته، و أنشأ الأشياء بمشيئته، إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1».

و فعل كلّ فاعل إمّا لحاجة إلى الفعل أو لفائدة عائدة إليه مادّية أو معنوية، و الغرض من أفعاله سبحانه لا يعود إليه و إنّما هو جود بالإيجاد لإيصال العباد إلى الكمال بالمعرفة و العبادة و إجابة الدعوة و الإطاعة المنتهية إلى السعادة.

و بيّنت (عليها السلام) أنّ كلّ كائن من الكائنات و كل صورة من المخلوقات مثبت لحكمة اللّه، و مظهر لقدرة اللّه، و منبّه على طاعة اللّه، و داع إلى عبادة اللّه، و موجب لعزّة دعوة الدعاة إلى اللّه، لدلالته على صدق دعوتهم إلى أنه لا إله إلّا اللّه سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا

____________

(1) سورة يس: 82.

298

فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ «1».

ثمّ بيّنت (عليها السلام) أنّ الثواب على الطاعة مجعول منه تعالى، و العقاب على المعصية موضوع منه تعالى، و حكمة جعل الثواب على الطاعة سوق العباد إلى الجنّة، و حكمة وضع العقاب على المعصية صيانة العباد من النقمة، فإنّ الموصل إلى كلّ كمال و فضيلة و الرادع عن كلّ منقصة و رذيلة هو الخوف و الرجاء، و لا يتحقّقان إلّا بالثواب و العقاب.

* ثمّ قالت (عليها السلام): «و أشهد أنّ أبي محمّدا عبده و رسوله، اختاره و انتجبه قبل أن اجتبله [اجتباه]، و اصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، و بستر الأحاويل مصونة، و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه تعالى بمائل الأمور، و إحاطة بحوادث الدهور، و معرفة بمواقع المقدور، ابتعثه اللّه إتماما لأمره، و عزيمة على إمضاء حكمه، و إنفاذا لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقا في أديانها عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها، فأنار اللّه بأبي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ظلمها، و كشف عن القلوب بهمها، و جلى عن الأبصار غممها، و قام في الناس بالهداية، و أنقذهم من الغواية، و بصّرهم من العماية، و هداهم إلى الدين القويم، و دعاهم إلى الصراط المستقيم».

بعد أن شهدت بوحدانية اللّه حقّ الشهادة، شهدت بعبودية أبيها للّه و رسالته، و أشارت إلى ما يتعلّق بأشرف الخلائق و خاتم النبيّين (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من بدء خلقته إلى بعثته، و ما اختص به من اختيار اللّه له، و اصطفائه من خلقه، و حكمة بعثته، و ثمرة رسالته من إنقاذ الأمم المتفرّقة في أديانهم بتوحيد الكلمة على كلمة التوحيد

____________

(1) سورة فصّلت: 53.

299

وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَ لٰا تَفَرَّقُوا «1»، و تطهيرهم من الرجس من الأوثان بعبادة الرحمن، و أخذ الإقرار باللّه منهم بعد الإنكار مع عرفانهم بفطرتهم وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ «2».

فأنار اللّه به عن العقول ظلم الأوهام، و كشف به عن القلوب بهم الشبهات، و جلى الغمم و الغشاوة عن الأبصار بما جاء به من البصائر من ربّهم، فقام في الناس بالهداية التي قال اللّه تعالى: وَ ادْعُ إِلىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلىٰ هُدىً مُسْتَقِيمٍ «3»، و أنقذهم من الغواية التي قال الشيطان عنها فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ «4»، و بصّرهم من العماية التي لا تعمي الأبصار وَ لٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ «5»، و هداهم إلى الدين القويم بالعدل و القسط و الحكمة، و دعاهم إلى الصراط المستقيم الذي هو طريقة المعتصمين باللّه وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّٰهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ «6».

و

أشارت (عليها السلام) إلى بقيّة النبوّة و الرسالة بقولها (عليها السلام): «كتاب اللّه الناطق، و القرآن الصادق، و النور الساطع، و الضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية [متجلّية] ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤد إلى النجاة استماعه، به تنال حجج اللّه المنورة، و عزائمه المفسّرة، و محارمه المحذّرة، و بيّناته الجالية، و براهينه الكافية، و فضائله المندوبة، و رخصه الموهوبة، و شرائعه المكتوبة».

____________

(1) سورة آل عمران: 103.

(2) سورة الزخرف: 9.

(3) سورة الحج: 67.

(4) سورة ص: 82.

(5) سورة الحج: 46.

(6) سورة آل عمران: 101.

300

و بيانها (عليها السلام) يكشف عن إحاطتها بما في القرآن الحكيم من ظاهره الأنيق إلى باطنه العميق، و لا يسعنا شرح كلماتها في الرسول و رسالته، و القرآن و هدايته، لاشتمالها على ما لا يدرك بعضه فضلا عن كلّه، و نقتصر على التعرّض لمتن كلامها الذي أشارت به إلى جملة من الأسرار المكنونة في الشرائع المكتوبة في القرآن،

قالت (عليها السلام): «فجعل اللّه الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، و الصلاة تنزيها لكم من الكبر، و الزكاة تزكية للنفس و نماء في الرزق، و الصيام تثبيتا للإخلاص، و الحج تشييدا للدين، و العدل تنسيقا للقلوب، و طاعتنا نظاما للملّة، و إمامتنا أمانا للفرقة [من الفرقة]، و الجهاد عزّا للإسلام، و الصبر معونة على استيجاب الأجر، و الأمر بالمعروف مصلحة للعامّة، و برّ الوالدين وقاية من السخط، و صلة الأرحام منسأة في العمر و منماة للعدد، و القصاص حقنا للدماء، و الوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، و توفية المكاييل و الموازين تغييرا للبخس، و النهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، و اجتناب القذف حجابا عن اللعنة، و ترك السرقة إيجابا للعفّة، و حرّم اللّه الشرك إخلاصا له بالربوبية».

و التأمّل في هذه الكلمات يرشدنا إلى أنّ الشريعة التي يكمل بها الإنسان، و تصان بها العقول و النفوس و الأعراض و الأموال، و تضمن بها الحقوق، و تحفظ بها المصلحة العامّة، و تدعو إلى الإيمان و العدل و التنزيه و التزكية و العزّ و العفّة، و تسوق المجتمع إلى أحسن نظام بإمامة الأفضل في العلم و الأخلاق و الأعمال، إنّما هي شريعة الإسلام.

* هذا ما ظهر ارتجالا من علمها و حكمتها و فصاحتها و بلاغتها في مجلس واحد، مع المصائب التي صبّت عليها، من فقد أبيها، و تظاهر الزمان عليها، فهي المشكاة

301

التي فِيهٰا مِصْبٰاحٌ الْمِصْبٰاحُ فِي زُجٰاجَةٍ الزُّجٰاجَةُ كَأَنَّهٰا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لٰا شَرْقِيَّةٍ وَ لٰا غَرْبِيَّةٍ يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ نُورٌ عَلىٰ نُورٍ «1»، فهي مع اتصالها بنور السماوات و الأرض باستغراقها في معرفة اللّه و عبادته، و انقطاعها بزهدها عن الدّنيا و ما فيها، لا تحتاج إلى اقتباس العلم بالتعلّم.

* و في الصحيح

عن أبي عبيدة قال: «سأل أبا عبد اللّه بعض أصحابنا عن الجفر، فقال: هو جلد ثور مملوء علما، قال له: ما الجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم، مثل فخذ الفالج، فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، و ليس من قضية إلّا و هي فيها حتّى أرش الخدش.

قال: فمصحف فاطمة (عليها السلام)؟ قال: فسكت طويلا، ثمّ قال: إنّكم لتبحثون عمّا تريدون و عمّا لا تريدون، إنّ فاطمة مكثت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خمسة و سبعين يوما، و قد كان دخلها حزن شديد على أبيها، و كان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، و يطيّب نفسها، و يخبرها عن أبيها و مكانه، و يخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها، و كان عليّ (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة (عليها السلام)»

«2». إنّ النفس القدسية التي تستعدّ بعد انقطاع الوحي بختم النبوّة، لأن تلاقي من يكون مقامه عند سدرة المنتهى، هي النفس التي تكون بضعة من العقل الكلّ، و بالجاذبية التي ورثتها من الحقيقة المحمّدية تجذب الذي هو شديد القوى من الأفق

____________

(1) سورة النور: 35.

(2) الكافي ج 1 ص 241 كتاب الحجّة باب فيه ذكر الصحيفة ح 5، و بصائر الدرجات ص 174 الجزء الثالث باب 14 ح 6 و بتفاوت يسير. و في بعض الروايات أنّ فيه علم ما يكون (الإيضاح للفضل بن شاذان ص 462، الكافي ج 1 ص 240 ح 2، الخصال ص 528 أبواب الثلاثين و ما فوقه ح 1 و مصادر أخرى).

302

الأعلى لتسليتها، فيصير مصحفها الذي ألقاه الروح الأمين و كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) إحدى خزائن علوم الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) المشتملة على علم ما يكون.

و بالتأمّل في هذه الصحيحة يظهر سرّ تسميتها بالمحدّثة، و لو لا السنخية مع الملأ الأعلى بلطافة روحها عن كدورات عالم المادّة، لم يتيسّر لها مجالسة روح القدس، و هذا وجه تسميتها بالحوراء الإنسيّة.

و لا عجب من وصولها إلى هذه المقامات العالية، و طيّها درجات مرقاة الكمال، إلى أن وصلت إلى مرتبة توجب حيرة الكمل، فإنّ الإنسان يمتاز عن سائر الخلق بتركّبه من الشهوة و الغضب، و العقل و الإرادة، فإن صارت الإرادة مقهورة للشهوة و الغضب يتنزل إلى مرتبة الحيوانية أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ «1»، و إن صارت مقهورة للعقل صار الإنسان بالقوة إنسانا بالفعل، و بغلبة جنود العقل على جنود الجهل يتسلّط على نفسه، و يصعد بروحه من حضيض الأرض الى ملكوت السماء.

و الكمال كل الكمال أن تصير الإرادة مقهورة لأمر اللّه تعالى، و الرضا و الغضب تابعين لرضا اللّه و غضب اللّه تعالى، فإذا بلغ العبد إلى أن يرضى لرضا الرّب و يغضب لغضبه على الإطلاق، بحيث لا يتخلف رضاه و غضبه عن رضا اللّه و غضبه في حال من الأحوال، يصل إلى مرتبة العصمة المطلقة.

و قد صحّ عند العامة و الخاصة

أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لفاطمة: إن اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك

«2»، فإذا كانت العصمة المطلقة المستلزمة لإمامة الناس أن يرضى العبد لرضى الرب و يغضب لغضبه بقول مطلق، فكيف تصل الأفكار إلى مقام

____________

(1) سورة الأعراف: 179.

(2) راجع صفحة: 193.