منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
353

كتب معاوية إلى الحسين (عليه السلام): أمّا بعد فقد انتهت إليّ أمور عنك، إن كان حقّا فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، و لعمر اللّه إنّ من أعطى اللّه عهده و ميثاقه لجدير بالوفاء، و إن كان الذي بلغني باطلا فإنّك أنت أعذل الناس لذلك، وعظ نفسك، فاذكره و لعهد اللّه [و بعهد اللّه] أوف، فإنّك متى تنكرني أنكرك، و متى تكدني أكدك، فاتّق شقّك [شقّ] عصا هذه الأمّة، و أن يردهم اللّه على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس و بلوتهم فانظر لنفسك و لدينك و لأمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لا يستخفنّك السفهاء و الذين لا يعلمون.

فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين (عليه السلام) كتب إليه: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغك عنّي أمور، أنت لي عنها راغب، و أنا لغيرها [بغيرها] عندك جدير، فإنّ الحسنات لا يهدي لها و لا يردّ [يسدّد] إليها إلّا اللّه، و أمّا ما ذكرت أنه انتهى إليك عنّي، فإنه إنّما رقّاه إليك الملّاقون المشّاءون بالنميم، و ما أريد لك حربا، و لا عليك خلافا، و أيم اللّه، إنّي لخائف للّه في ترك ذلك، و ما أظنّ اللّه راضيا بترك ذلك و عاذرا بدون الإعذار فيه إليك، و في أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظلمة و أولياء الشياطين.

أ لست القاتل حجر بن عدي أخا كندة، و المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، و يستعظمون البدع، و لا يخافون في اللّه لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة، و المواثيق المؤكّدة، [و] لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم، و لا بإحنة تجدها في نفسك.

أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، و صفرت لونه بعد ما آمنته و أعطيته من عهود اللّه و مواثيقه، ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جرأة على ربّك، و استخفافا بذلك العهد.

354

أو لست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): الولد للفراش و للعاهر الحجر، فتركت سنّة رسول اللّه تعمّدا، و تبعت هواك بغير هدى من اللّه، ثمّ سلّطته على العراقين، يقطع أيدي المسلمين و أرجلهم و يسمل أعينهم، و يصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأمّة، و ليسوا منك.

أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم كانوا على دين عليّ (عليه السلام)، فكتبت [فكتب] إليه أن أقتل كلّ من كان على دين عليّ، فقتلهم و مثّل بهم بأمرك [و مثّلهم]، و دين عليّ سرّ اللّه [و اللّه] الذي كان يضرب عليه أباك، و يضربك، و به جلست مجلسك الذي جلست، و لو لا ذلك لكان شرفك و شرف أبيك الرحلتين.

و قلت فيما قلت: أنظر لنفسك و لدينك و لأمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و اتّق شقّ عصا هذه الأمّة، و أن تردهم إلى فتنة، و إنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمّة من ولايتك عليها، و لا أعظم نظرا لنفسي و لديني، و لأمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و علينا أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنه قربة إلى اللّه، و إن تركته فإنّي أستغفر اللّه لذنبي [لديني]، و أسأله توفيقه لإرشاد أمري.

و قلت فيما قلت: إنّي إن أنكرتك تنكرني و إن أكدك تكدني، فكدني ما بدا لك، فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك فيّ، و أن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك [لأنّك] على أنّك قد ركبت بجهلك [جهلك] و تحرضت [و تحرصت] على نقض عهدك، و لعمري ما وفيت بشرط، و لقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح و الأيمان و العهود و المواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا و قتلوا، و لم تفعل ذلك بهم إلّا لذكرهم فضلنا و تعظيمهم حقّنا، فقتلتهم مخافة أمر، لعلّك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا، فأبشر يا معاوية بالقصاص

355

و استيقن بالحساب، و اعلم أنّ للّه تعالى كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها، و ليس اللّه بناس لأخذك بالظنّة، و قتلك أولياءه على التّهم، و نقل [و نفيك] أوليائه من دورهم إلى دار الغربة، و أخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر و يلعب بالكلاب، لا أعلمك إلّا و قد خسرت نفسك و تبرت دينك، و غششت رعيتك [و أخزيت] أخربت أمانتك، و سمعت مقالة السفيه الجاهل، و أخفت الورع التقيّ لأجلهم، و السلام

«1». و لمّا قرأ معاوية الكتاب أشار من حوله إليه بأن يجيبه بما يصغر إليه نفسه، قال: و ما عسيت أن أعيب حسينا، و اللّه ما أرى للعيب فيه موضعا.

و من تأمّل هذا الجواب يعلم ما معنى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «و أنا من حسين».

و كتب (عليه السلام) في وصيّته إلى أخيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه [محمّد] المعروف بابن الحنفية، إنّ الحسين يشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، و أنّ الجنّة و النار حقّ، و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور، و أنّي لم أخرج أشرا و لا بطرا و لا مفسدا و لا ظالما، و إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر، و أسير بسيرة جدّي و أبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحقّ، فاللّه أولى بالحقّ، و من ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي اللّه بيني و بين القوم بالحقّ، و هو خير الحاكمين

«2». و في وصيّته هذه (عليه السلام) دقائق و لطائف، نشير إلى بعضها:

____________

(1) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 252 رقم 98 و 99 في ترجمة عمرو بن الحمق، الاحتجاج ج 2 ص 21 بتفاوت.

(2) العوالم، للإمام الحسين (عليه السلام)، ص 179، و بتفاوت في مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 89.

356

منها: أنّ مبدأ الوجود هو الحقّ و معاد الوجود إلى الحقّ، و الوسط بين المبدأ و المنتهى و هو صراط اللّه المستقيم الذي جاء به عبده و رسوله هو الحقّ، فلا مناص للإنسان إلّا من قبول الحقّ، فإن قبل فاللّه أولى بالحقّ، و إن ردّ فيقضي اللّه عليه بالحقّ.

فقد أفاد بهذا البيان أنّ مسيره (عليه السلام) من الحقّ للحقّ إلى الحقّ، و أنّ ما يصدر ممّن غلب هواه على عقله، إمّا من الشهوة التي حاصلها الأشر و البطر، و إمّا من الغضب الذي غايته الإفساد و الظلم، و الأمّة التي وصفها اللّه سبحانه بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ «1»، تتبدّل بهاتين الآفتين إلى شرّ الأمم، فلا بدّ من الخروج لطلب الإصلاح، و لا إصلاح إلّا بقول و عمل، و القول هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بنطاقهما الواسع لكلّ ما عرفه و أنكره العقل و الوحي، و العمل هو سيرة أشرف الأنبياء و سيّد الأوصياء (صلوات اللّه عليهما).

* و

قال (عليه السلام) لأصحابه: «قد نزل ما ترون من الأمر، و أنّ الدّنيا قد تغيّرت و تنكّرت و أدبر معروفها، و استمرأت [و استمرت] حتّى لم يبق منها إلّا كصبابة الإناء و إلّا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به و الباطل لا يتناهى عنه فليرغب المؤمنون في لقاء اللّه عزّ و جلّ، فانّي لا أرى الموت إلّا سعادة و الحياة مع الظالمين الباغين إلّا برما»

«2».

____________

(1) سورة آل عمران: 110.

(2) شرح الأخبار ج 3 ص 150، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 68 و مصادر أخرى للخاصّة.

و بتفاوت في المعجم الكبير ج 3 ص 115، تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 217 و غيرها من مصادر العامّة.

357

و نحن قاصرون عن إدراك تلك الشخصية التي تجلّت معرفته باللّه في أدعيته و عبادته للّه، باستمهاله العدو ليلة عاشوراء لإحيائها بقراءة القرآن و إقامة الصلاة.

تلك الليلة التي أحاطته البلية من كلّ جانب، و رأى بعينه الناظرة بنور اللّه ما يجري عليه و على أهل بيته و أصحابه، و مع ذلك كان يتكلّم مع ربّه بصلاته أو يتكلّم ربّه معه بكتابه، و له و لأصحابه المستضيئين بنوره دويّ كدويّ النحل.

و

من كلامه المرويّ في تلك الليلة: «أثني على اللّه أحسن الثناء و أحمده على السرّاء و الضرّاء، اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، و علّمتنا القرآن، و فقّهتنا في الدين، و جعلت لنا أسماعا و أبصارا و أفئدة، ربّنا فاجعلنا من الشاكرين»

«1». لقد بلغ (عليه السلام) من الصبر الذي جعله اللّه سبحانه و تعالى ملاكا لمقام الإمامة، و قال: وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا «2» مرتبة تعجّبت منها ملائكة السماوات. «3»

و بلغ من الشكر مرتبة بحيث لم ير ما نزل عليه مصيبة، بل يرى كلّ ما ورد عليه من المصائب نعمة، فهو يثني على اللّه في أشدّ البلاء أحسن الثناء، و يرى الضرّاء رحمة من اللّه كالسرّاء فيحمده عليهما، و لا ينظر إلى ما ابتلاه اللّه به، بل نظره مقصور على ما أكرمه اللّه به، و آخر دعواه ربّنا فاجعلنا من الشاكرين.

و إنّ البيان ليقلّ و اللسان ليكلّ عن بيان شهادته التي عظمت رزيّتها في الآفاق و الأنفس.

و مقتضى العدل و الحكمة أن تكون الدرجات على وزان الأعمال وَ لِكُلٍّ

____________

(1) روضة الواعظين ص 183، الإرشاد ج 2 ص 91، تاريخ الطبري ج 4 ص 317 بتفاوت يسير.

(2) سورة السجدة: 24.

(3) المزار ص 503.

358

دَرَجٰاتٌ مِمّٰا عَمِلُوا «1»، وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمٰالَهُمْ وَ هُمْ لٰا يُظْلَمُونَ «2».

و اختلاف الأعمال يدور مدار اختلاف مراتب العلم و الإيمان يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ «3».

و لا بدّ في معرفة كلّ عمل اختياري من النظر إلى ما ينشأ منه، و إلى ما يترتّب عليه، و إلى نفس العمل و خصوصيّاته التي يكون العمل متّصفا بها، و لذلك تختلف الأعمال باختلاف أنفسها و عللها و معلولاتها.

أمّا منشأ هذه الشهادة فهو العرفان و الإيمان الذي ظهرت منهما أشعّة في دعائه يوم عرفة في عرفات «4»، فإنه (عليه السلام) بعد ما خاطب ربّه سبعة و عشرين مرّة بكلمة الخطاب التي تدلّ على أنه كان في مقام الحضور عند مليك مقتدر ليس بينه و بين عبده حجاب، و بدأ بقوله (عليه السلام): «يا مولاي أنت الذي مننت» و ختم بقوله (عليه السلام): «أنت الذي أكرمت تباركت ربّنا [ربّي] و تعاليت» و بعد ما بيّن ما هو حقّ الربّ بنعمه و مننه، و ما يستحقّه العبد بقصوره و تقصيره، خاطب اللّه سبحانه بالتهليل اليونسي، الذي هو منتهى سير الكمل من الأولياء الذين وصلوا إلى معرفة اللّه، و معرفة النفس، فقال:

«لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين» و عقب هذا التهليل بقوله (عليه السلام):

«لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من المستغفرين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الموحّدين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الخائفين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الوجلين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الراجين، لا إله إلّا أنت

____________

(1) سورة الأنعام: 132.

(2) سورة الأحقاف: 19.

(3) سورة المجادلة: 11.

(4) المصباح للكفعمي ص 362.

359

سبحانك إنّى كنت من الراغبين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من المهلّلين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من السائلين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من المسبّحين، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من المكبّرين، لا إله إلّا أنت سبحانك ربّي و ربّ آبائي الأوّلين».

و افتتاح هذه التهليلات ب «لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين» بيان لما هو من نفسه، و اختتامها ب «لا إله إلّا أنت سبحانك ربّي و ربّ آبائي الأوّلين» بيان لما هو من ربّه، من التربية التكوينيّة و التشريعيّة له و لآبائه، و أمّا استغفاره (عليه السلام) فهو من حسنات الأبرار التي هي سيّئات المقرّبين.

و توحيده للّه سبحانه توحيده في الأحدية و الألوهية و الربوبيّة إلى آخر مراتب التوحيد، و هو التوحيد في محبّة اللّه الذي ظهر منه (عليه السلام) حيث بذل مهجته في اللّه.

و في كلّ تهليل من خوفه، و وجله، و رغبته، و سؤاله، و تسبيحه، و تكبيره ما يليق من تلك المعاني بالحيّ القيوم العليّ العظيم، الذي هو بكلّ شيء عليم، و على كلّ شيء قدير، و هو ربّ العرش العظيم.

و تهليلاته على عدد الشهور التي هى عند اللّه اثنا عشر شهرا «1»، و مجموع التهليلات و التسبيحات أربع و عشرون بعدد ساعات الليل و النهار، و يظهر من كلّ جملة من هذا الدعاء من العلم و العرفان و الإيمان و العمل ما هو أعلى و أجلّ من البيان.

فمبدأ عمله و منشأ شهادته، و ما ظهر منه في يوم ليس كيومه يوم «2» هو العلم و الإيمان اللّذان رفعه اللّه بهما إلى مقام الحرية عن كلّ ما سوى اللّه، و العبودية للّه

____________

(1) إشارة الى قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّٰهِ اثْنٰا عَشَرَ شَهْراً سورة التوبة: 36.

(2) الأمالي للصدوق ص 177 المجلس الرابع و العشرون ح 3.

360

تعالى، كما ورد عنه:

(إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار، و هي أفضل العبادة»

«1». و

عنه (عليه السلام): (أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتّى عرفوك و وحّدوك، و أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك، و لم يلجئوا إلى غيرك)

«2». فهو الراغب الذي لا يرغب إلّا إلى القرب من اللّه، و الراهب الذي لا يرهب إلّا البعد من اللّه، و هو الحرّ الذي أعتق نفسه عن كلّ تعلّق، و بذل مهجته باسم اللّه و باللّه و في سبيل اللّه، شكرا للّه قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ «3».

و أمّا ثمرة شهادته (عليه السلام) فهو إبقاء ما خلق لأجله الإنسان، و هو عبادة الرحمن، و البيّنات التي أرسل رسله بها، و ما أنزل اللّه معهم من الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط.

و كفاه شرفا أنّ بعثة جدّه علّة محدثة لما يتعلّق باللّه من توحيده و تسبيحه و تكبيره و عبادته و لما يتعلّق بالناس من القيام بالحقّ و القسط، و شهادته صارت علّة مبقية له.

و أمّا عمله فكفى فيه ما ورد في زيارته المأثورة

(مصيبة ما أعظمها و أعظم رزيّتها في الإسلام و في جميع السماوات و الأرض)

«4».

____________

(1) تحف العقول من قصار هذه المعاني لحسين بن عليّ (عليهما السلام) ص 246.

(2) بحار الانوار ج 95 ص 216.

(3) سورة الإسراء: 84.

(4) مصباح المتهجّد ص 775 زيارة يوم عاشوراء.

361

و أمّا ما جعل اللّه جزاء لعمله، فمنه أنه جعل الأئمّة (عليهم السلام) من ذرّيته، و إجابة الدعاء تحت قبّته، و الشفاء في تربته «1»، و نقتصر على بعض ما جزاه اللّه في تربته:

فقد

روى شيخ الطائفة عن معاوية بن عمّار، قال: كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجادته و سجد عليه، ثمّ قال (عليه السلام): إنّ السجود على تربة أبي عبد اللّه (عليه السلام) يخرق الحجب السبع

«2». و سند الحديث- مع أنّ الشيخ (رحمه الله) أخبر برواية معاوية- صحيح، يشتمل على أئمّة الحديث، و بعض أصحاب الإجماع.

و أمّا فقه الحديث فلا مجال إلّا للإشارة إليه، فإنّ السجود أعظم عبادة أمر اللّه سبحانه نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) به للاقتراب إليه كَلّٰا لٰا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ «3»، و الإمام المعصوم يتوسّل في سجوده الذي هو نهاية تقرّبه بتراب الحسين (عليه السلام)، لأن يخرق به الحجب السبع.

فما ذا يمكن أن يقال في شأن دم صار ذلك التراب بإضافته إليه خارقا للحجاب بين العبد و ربّه، و موصلا لعباد اللّه إلى منتهى كرامة اللّه.

و

في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام): إنّ النبيّ لمّا أسري به إلى السماء، قطع سبعة [سبع] حجب، فكبّر عند كلّ حجاب تكبيرة، فأوصله اللّه عزّ و جلّ بذلك إلى منتهى الكرامة)

«4».

____________

(1) الأمالي للطوسي ص 317، المجلس الحادي عشر ح 91.

(2) مصباح المتهجد ص 733.

(3) سورة العلق: 19.

(4) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 199 باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى

خاتمتها ح 4.

362

و ممّا لا بدّ من التأمّل فيه أنّ افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات- تقوم مقام التكبيرات السبع التي كبّرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فرفعت له بها الحجب السبعة ليلة الإسراء، قد صار سنّة بلسان الحسين (عليه السلام)،

ففي الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين بن عليّ، فكبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلم يحر الحسين بالتكبير، ثمّ كبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلم يحر الحسين التكبير، و لم يزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يكبّر و يعالج الحسين التكبير فلم يحر، حتّى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين (عليه السلام) التكبير في السابعة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فصارت سنّة

«1». فقطع الحجاب بين العباد و ربّ الأرباب في أوّل العروج إلى اللّه، و هو أوّل الركعة، بلسان الحسين (عليه السلام)، و خرق الحجاب في آخر الركعة و هو السجود بتربة الحسين (عليه السلام).

و

في الصحيح عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ لموضع قبر الحسين بن عليّ (عليهما السلام) حرمة معلومة من عرفها و استجار بها أجير، قلت: فصف لي موضعها جعلت فداك. قال: امسح من موضع قبره اليوم، فامسح خمسة و عشرين ذراعا من ناحية رجليه، و خمسة و عشرين ذراعا من خلفه، و خمسة و عشرين ذراعا ممّا يلي وجهه، و خمسة و عشرين ذراعا من ناحية رأسه، و موضع قبره منذ يوم دفن روضة من رياض الجنّة، و منه معراج يعرج فيه بأعمال زوّاره إلى السماء، فليس ملك و لا نبيّ في السماوات إلّا و هم يسألون اللّه أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين (عليه السلام) ففوج ينزل و فوج يعرج

«2».

____________

(1) تهذيب الاحكام ج 2 ص 67.

(2) كامل الزيارات ص 457 ح 4 من باب 89 فضل الحائر و حرمته، تهذيب الاحكام ج 6 ص 71، الكافي ج 4 ص 588.

363

و مع أنّ العالي لا يميل إلى السافل، و من في الملكوت لا يلتفت إلى عالم الملك فقد انقلب قبره بمجاورة جسده الشريف، فصار أرفع من السماوات و مقامات الملأ الأعلى، و لهذا يقول الإمام (عليه السلام): ليس من ملك حتّى الكروبيين، و لا من نبيّ حتّى أولي العزم من المرسلين إلّا و يسألون اللّه الإذن في زيارة قبره (عليه السلام)، فهم ينالون في زيارة هذا القبر ما لا يمكن وصفه إلّا بما

روي عن زيد الشحّام قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما لمن زار الحسين (عليه السلام)؟ قال: كان كمن زار اللّه في عرشه، قال قلت: ما لمن زار أحدا منكم؟ قال: كمن زار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

«1». فإن كان أثر عمله في تربته أن يصير معراج القرب إلى اللّه، و في قبره أن يصير عرش اللّه، فما ذا يكون أثره في دمه؟!

فمن جهة أنّ بين النفس و البدن تفاعلا متقابلا يؤثّر كلّ منهما في الآخر و يتأثّر منه، فدمه (عليه السلام) منبعث عن القلب المتعلّق بالنفس المستغرقة في أسماء اللّه الجلالية و الجمالية و الكمالية.

و كلّ شيء يعرف بأصله و فرعه، و أصله برهانه، و فرعه دليله، فلا يعرف هذا الدم إلّا بمعرفة النفس التي هي في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و بالقلب الذي هو عرش الرحمن، و بالصدر الذي هو خزينة أسرار ربّ العالمين، و لا يعرف إلّا بمعرفة فرعه و أثره و هو إحياء الحقّ الذي جاء من عند الحقّ لإقامة العدل و الحقّ.

و لقد فضّل اللّه هذا الدم على دم يحيى بن زكريا الذي قال اللّه تعالى في حقه:

سَلٰامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا «2».

فعن ابن عبّاس، قال: أوحى اللّه تعالى إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إنّي قتلت بيحيى بن زكريا

____________

(1) كامل الزيارات، ص 278 باب 59 ح 1.

(2) سورة مريم: 15.

364

سبعين ألفا، و إنّي قاتل بابن بنتك سبعين ألفا و سبعين ألفا «1».

و قد بعث اللّه أشرف أنبيائه لالتقاط هذا الدم من الأرض و الصعود به إلى الرفيق الأعلى.

عن ابن عبّاس، قال: رأيت النبي فيما يرى النائم نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت: يا نبيّ اللّه ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين و أصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم

«2». هذا بعض ما ورد من طرق العامّة، و أمّا ما ورد من طرق الخاصّة فنقتصر على ما في الزيارة التي اكتفى بها الصدوق في من لا يحضره الفقيه، و قال: «إنّها أصحّ الروايات عندي من طريق الرواية، و فيها بلاغ و كفاية» و السند معتبر

عن الصادق (عليه السلام):

____________

(1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 178، و في التلخيص أيضا، كنز العمّال ج 12 ص 127، الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 219، الدر المنثور ج 4 ص 264، تاريخ بغداد ج 1 ص 152، تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 225 و ج 64 ص 216، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) ص 352، سير أعلام النبلاء ج 4 ص 342، تهذيب الكمال ج 6 ص 431، ذخائر العقبى ص 150، تهذيب التهذيب ج 2 ص 305، و مصادر أخرى للعامّة.

كشف الغمّة ج 2 ص 63، شرح الأخبار ج 3 ص 168، مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 81، الطرائف ص 202، إعلام الورى ج 1 ص 429، كشف اليقين ص 306 و مصادر أخرى للخاصّة.

(2) المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 398، و بتفاوت يسير في مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 242 و 283، مجمع الزوائد ج 9 ص 194، البداية و النهاية ج 6 ص 258 و ج 8 ص 218، سير أعلام النبلاء ج 3 ص 315، منتخب مسند عبد بن حميد ص 235، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) ص 386، المعجم الكبير ج 3 ص 110 و ج 12 ص 144 نظم درر السمطين ص 218 تاريخ بغداد ج 1 ص 152، تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 237، تهذيب الكمال ج 6 ص 439، تهذيب التهذيب ج 2 ص 306، الإصابة ج 2 ص 71 و مصادر أخرى كثيره للعامّة.

كشف الغمّة ج 2 ص 56، بحار الأنوار ج 45 ص 232، و مصادر أخرى للخاصة.

365

«أشهد أنّ دمك سكن في الخلد، و اقشعرّت له أظلّة العرش، و بكى له جميع الخلائق، و بكت له السماوات السبع و الأرضون، و ما فيهنّ و ما بينهنّ، و من يتقلّب في الجنّة و النار من خلق ربّنا، و ما يرى و ما لا يرى»

«1». و لا مقام أرفع من هذا المقام، فإن سكنى دمه الذي هو من عالم الدّنيا و دار الفناء فى دار البقاء و جنّة الخلد، يكشف عن انقلاب الدم الذي هو من عالم الملك بمجاورة روحه إلى عالم الملكوت، و أنه بلغ من الطيب و الطهارة إلى مرتبة قال اللّه سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ «2».

فما أعظم شأن دم عظمت رزيّته على جميع الخلائق من المادّيات و المجرّدات.

هذا ما يتعلّق بدمه، و لقد جفّ القلم ممّا يتعلّق بروحه، و قد قال اللّه سبحانه:

يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً «3».

و قد جعله اللّه خازن وحيه و أكرمه بالشهادة، و ختم له بالسعادة، و هو أفضل من استشهد و أرفع الشهداء درجة «4»، و هو ثار اللّه و ابن ثاره، و خاتم أهل المباهلة و خامس أهل الكساء، و فاتح أبواب الهداية و العلم و العبادة بالتسعة الذين بهم قام الدين و الدّنيا، و بالتاسع من ولده يحيي اللّه الأرض بعد موتها و يملأ اللّه الأرض به قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا.

و السلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيّا.

*

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 359، الكافي ج 4 ص 576.

(2) سورة فاطر: 10.

(3) سورة الفجر: 27، 28 و راجع: تفسير القمي ج 2 ص 422.

(4) إشارة إلى ما ورد في حديث اللوح، الكافي ج 1 ص 527.

366

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

367

الإمام الرابع عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)

و أمّه (عليه السلام) شاهزنان بنت يزدجرد، ولد بالمدينة خامس شعبان سنة ثمان و ثلاثين، و قبض يوم السبت ثاني عشر محرّم سنة خمس و تسعين، و عمره سبع و خمسون سنة.

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

كنيته أبو الحسن، و أبو محمّد، و أبو القاسم.

و ألقابه: زين العابدين، و سيّد العابدين، و زين الصالحين، و وارث علم النبيّين، و وصيّ الوصيّين، و خازن وصايا المرسلين، و إمام المؤمنين، و منار القانطين، و الخاشع، و المتهجّد، و الزاهد، و العابد، و العدل، و البكّاء، و السجّاد، و ذو الثفنات، و إمام الأمّة، و أبو الأئمّة.

فضائله و مناقبه (عليه السلام)

و كتب العامة و الخاصّة مشحونة بفضائله و مناقبه (عليه السلام):

قال الزمخشري:

روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: [للّه] من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش، و من العجم فارس، و كان يقال لعليّ بن الحسين بن الخيرتين

«1».

____________

(1) ربيع الأبرار ج 1 ص 402، و قد روي في مصادر الخاصة أيضا: الكافي ج 1 ص 466 و غيره.

368

و روي أن أبا الأسود الدؤلي قال فيه:

لأكرم من نيطت عليه التمائم «1» و إنّ غلاما بين كسرى و هاشم

قال ابن طلحة: هذا زين العابدين، قدوة الزاهدين، و سيّد المتّقين، و إمام المؤمنين، سمته تشهد أنه من سلالة رسول اللّه، و سمته تثبت مقام قربه من اللّه زلفى، و ثفناته تسجل بكثرة صلاته و تهجّده، و إعراضه عن متاع الدّنيا ينطق بزهده فيها، درّت له أخلاف التقوى فتفوقها، و أشرقت لديه أنوار التأييد فاهتدى بها، و ألفته أوراد العبادة فآنس بصحبتها، و حالفته وظائف الطاعة فتحلّى بحليتها، طالما اتّخذ الليل مطيّة فركبها لقطع طريق الآخرة، و ظمأ الهواجر دليلا استرشد به في مفازة المسافرة، و له من الخوارق و الكرامات ما شوهد بالأعين الباصرة، و ثبت بالآثار المتواترة، و شهد أنه من ملوك الآخرة «2».

و كان (عليه السلام) إذا توضّأ للصلاة يصفرّ لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أ تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟

و كان إذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة، فيقول لمن يسأله: أريد أن أقوم بين يدي ربّي و أناجيه

«3». و وقع الحريق و النار في البيت الذي هو فيه، و كان ساجدا في صلاته، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول اللّه! يا ابن رسول اللّه! النار النار، فما رفع رأسه حتّى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: نار الآخرة

«4».

____________

(1) الكافي ج 1 ص 467، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 167.

(2) مطالب السئول: 77.

(3) كشف الغمّة ج 2 ص 74، و بتفاوت في البداية و النهاية ج 9 ص 123، تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 378.

(4) كشف الغمّة ج 2 ص 74، و بتفاوت في البداية و النهاية ج 9 ص 123.

369

و عن زرارة بن أعين قال: سمع سائل في جوف الليل، و هو يقول: أين الزاهدون في الدّنيا الراغبون في الآخرة، فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته و لا يرى شخصه: كان ذلك [ذاك] علي بن الحسين «1».

عن الزهري قال: دخلت مع علي بن الحسين (عليهما السلام) على عبد الملك بن مروان قال: فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين، فقال:

يا أبا محمّد لقد بان [بين] عليك الاجتهاد، و لقد سبق لك من اللّه الحسنى، و أنت بضعة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و قريب النسب و كيد السبب، و إنّك لذو فضل عظيم على أهل بيتك و ذوي عصرك، و لقد أوتيت من العلم و الفضل و الورع [الفضل و العلم و الدين و الورع] ما لم يؤته أحد مثلك و لا قبلك، إلّا من مضى من سلفك، و أقبل يثني عليه و يطريه، قال: فقال عليّ بن الحسين: كلّما ذكرته و وصفته من فضل اللّه سبحانه و تأييده و توفيقه، فأين شكره على ما أنعم، إلى أن قال: و اللّه لو تقطّعت أعضائي و سالت مقلتاي على صدري لن أقوم للّه جلّ جلاله [عزّ و جل] بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادون، و لا يبلغ حدّ نعمة منها عليّ جميع حمد الحامدين، لا و اللّه أو يراني اللّه لا يشغلني شيء عن شكره و ذكره في ليل و لا نهار و لا سرّ و لا علانية، و لو لا أنّ لأهلي عليّ حقّا و لسائر الناس من خاصّهم [و عامّهم] عليّ حقوقا لا يسعني إلّا القيام بها حسب الوسع و الطاقة حتّى أؤديها إليهم، لرميت بطرفي إلى السماء و بقلبي إلى اللّه، ثمّ لم أردهما حتّى يقضي اللّه على نفسي و هو خير الحاكمين، و بكى (عليه السلام) و بكى عبد الملك ...

«2». هذه قطرة من بحر عرفانه بربّه و عبادته لإلهه، و لا بدّ لأهل الفضل من النظر في صحيفته السجّادية التي هي زبور آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و معراج الأولياء و منهاج

____________

(1) روضة الواعظين ص 199، الإرشاد ج 2 ص 144، كشف الغمّة ج 2 ص 86.

(2) فتح الأبواب ص 170.

370

الأصفياء التي عجزت عن إدراك دقائقها عقول الحكماء، و اندهشت من لطائفها قلوب العرفاء، و لم تصل إلى حقائقها إلّا الأنبياء و الأوصياء (صلوات اللّه عليهم).

في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: حجّ علي بن الحسين على راحلة عشر حجج، ما قرعها بسوط، و لقد بركت به سنة من سنواته فما قرعها بسوط

«1». و كان عنده قوم أضياف فاستعجل خادما بشواء كان في التنوّر، فأقبل به الخادم مسرعا، فسقط السفود منه على رأس بنيّ [ابن] لعلي بن الحسين (عليهما السلام) تحت الدرجة، فأصاب رأسه فقتله، فقال عليّ (عليه السلام) للغلام و قد تحيّر الغلام و اضطرب:

أنت حرّ، فإنّك لم تتعمّده، و أخذ في جهاز ابنه و دفنه

«2». و دخل على محمّد بن أسامة بن زيد [زيد بن اسامة بن زيد] فجعل محمّد يبكي، فقال له عليّ (عليه السلام): ما شأنك؟ قال: دين، فقال: كم هو؟ فقال: خمسة عشر ألف دينار، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام): هو عليّ فالتزمه عنه

«3». و كان له ابن عم يأتيه بالليل متنكّرا فيناوله شيئا من الدنانير، فيقول: لكن علي بن الحسين لا يواصلني لا جزاه اللّه عنّي خيرا. فيسمع ذلك يتحمله [و يحتمله] و يصبر عليه، و لا يعرّفه بنفسه، فلمّا مات [علي بن الحسين (عليه السلام)] فقدها، فحينئذ علم أنه هو كان، فجاء إلى قبره و بكي عليه

«4». لمّا مات علي بن الحسين (عليهما السلام) وجدوه يقوت مائة بيت من أهل المدينة كان يحمل إليهم ما يحتاجون إليه

«5».

____________

(1) المحاسن ج 2 ص 361، و بتفاوت في الخرائج و الجرائح ج 2 ص 586.

(2) كشف الغمّة ج 2 ص 81.

(3) كشف الغمّة ج 2 ص 87، الإرشاد ج 2 ص 149.

(4) كشف الغمّة ج 2 ص 107.

(5) الإرشاد ج 2 ص 149، كشف الغمّة ج 2 ص 77.

371

و قال محمّد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلمّا مات علي بن الحسين (عليهما السلام) فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل «1».

و قد روت الخاصّة و العامّة ما رؤي من آثار سواد في ظهره من حمل جرب الدقيق على ظهره ليلا، و إيصالها إلى فقراء المدينة سرّا «2».

إنّ من شغله اضطراب خادمه في قتل ولده عن مصابه بابنه فأسكن روعته بتسليته، و اعتذر عنه بأنّك لم تكن متعمّدا و أعتقه، و الذي لم يتحمّل أن يرى عينا باكية من همّ الدّين، فجعل دينه على نفسه، و الذي ينفق على من يشتمه و لا يعرّفه بنفسه لكيلا يرى ذلّ الانكسار في وجه شاتمه، و الذي يحمل على ظهره الدقيق و الحطب للأيتام و المساكين، و يبسط رحمته على الإنسان و الحيوان، و يموت و على جبهته و ظهره الثفنات التي تكشف عن إفناء نفسه في عبادة اللّه، و الإحسان إلى عيال اللّه، يليق بأن يطلق عليه إمام الإنسان و حجّة اللّه على الإنس و الجانّ.

و الذي يحيّر العقول في عظمته (عليه السلام) أنه مع استغراقه في معرفة الربّ بأدعيته، و انشغاله في عبادته بإحياء الليل و صيام النهار، و أداء حقوق الخلق على ما في رسالته في الحقوق التي أعطت كلّ ذي حقّ حقّه،

يقول: و أمّا رحمة اللّه فإنّ اللّه تعالى يقول: إنّها قريبة من المحسنين، و لا أعلم أنّي محسن

«3». كان يعظ الناس في كلّ جمعة في مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و يقول:

أيّها الناس اتّقوا اللّه و اعلموا أنّكم إليه ترجعون، فتجد كلّ نفس ما عملت في

____________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 77.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 154، كشف الغمّة ج 2 ص 77، البداية و النهاية ج 9 ص 133.

(3) كشف الغمّة ج 2 ص 108.

372

هذه الدّنيا من خير محضرا، و ما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها و بينه أمدا بعيدا، و يحذركم اللّه نفسه.

ويحك ابن آدم الغافل و ليس بمغفول عنك، [يا] ابن آدم، إنّ أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثا يطلبك و يوشك أن يدركك، و كأن قد أوفيت أجلك، و قبض الملك روحك، و صرت إلى قبرك وحيدا، فردّ إليك فيه روحك، و اقتحم عليك فيه ملكان، ناكر و نكير، لمسائلتك و شديد امتحانك، ألا و إنّ أوّل ما يسألانك عن ربّك الذي كنت تعبده، و عن نبيّك الذي أرسل إليك، و عن دينك الذي كنت تدين به، و عن كتابك الذي كنت تتلوه، و عن إمامك الذي كنت تتولّاه، ثمّ عن عمرك فيما [كنت] أفنيت، و مالك من أين اكتسبته و فيما [أنت] أنفقته، فخذ حذرك، و انظر لنفسك، و أعدّ الجواب قبل الامتحان و المسألة و الاختبار ...

«1».

حكمه (عليه السلام)

من حكمه (عليه السلام):

اتّقوا الكذب الصغير منه و الكبير في كلّ جدّ و هزل، فإنّ الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير

«2». الخير كلّه صيانة الإنسان نفسه

«3». إنّ أحبّكم إلى اللّه أحسنكم عملا، و إنّ أعظمكم عند اللّه [عملا] أعظمكم فيما عند اللّه رغبة، و إنّ أنجاكم من عذاب اللّه أشدّكم خشية [للّه]، و إنّ أقربكم من اللّه [عند اللّه] أوسعكم

____________

(1) الكافي ج 8 ص 72، الأمالي للصدوق المجلس السادس و السبعون ح 1 ص 593 بتفاوت يسير.

(2) الكافي ج 2 ص 338.

(3) تحف العقول، في قصار هذه المعاني عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) ص 278.

373

خلقا، و إنّ أرضاكم عند اللّه أسبغكم على عياله، و إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم للّه

«1». إنّ المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه، و قلّة مرائه، و حلمه، و صبره، و حسن خلقه

«2». ثلاث من كنّ فيه من المؤمنين كان في كنف اللّه، و أظلّه اللّه يوم القيامة في ظلّ عرشه، و آمنه من فزع اليوم الأكبر: من أعطى النّاس من نفسه ما هو سائلهم لنفسه، و رجل لم يقدّم يدا و لا رجلا حتّى يعلم أنه في طاعة اللّه قدّمها أو في معصيته، و رجل لم يعب أخاه بعيب حتّى يترك ذلك العيب من نفسه

«3». و

قال (عليه السلام) لبعض بنيه: يا بنيّ انظر خمسة فلا تصاحبهم و لا تحادثهم و لا ترافقهم في طريق، فقال: يا أبة من هم؟ قال (عليه السلام): إيّاك و مصاحبة الكذّاب، فإنه بمنزلة السراب يقرّب لك البعيد و يباعد لك القريب؛ و إيّاك و مصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة أو أقلّ من ذلك؛ و إيّاك و مصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه؛ و إيّاك و مصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك؛ و إيّاك و مصاحبة القاطع لرحمه، فإنّي وجدته ملعونا في كتاب اللّه

«4». و قال لابنه محمّد (عليهما السلام): [يا بنيّ] فعل الخير إلى كلّ من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه، و إن لم يكن بأهل كنت أنت أهله؛ و إن شتمك رجل عن يمينك، ثمّ تحوّل إلى يسارك فاعتذر إليك فاقبل عذره

«5». و قال (عليه السلام): يقول اللّه: يا ابن آدم ارض بما آتيتك تكن من أزهد الناس، ابن آدم

____________

(1) الكافي ج 8 ص 69.

(2) الكافي ج 2 ص 240.

(3) تحف العقول: في قصار هذه المعاني عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ص 282.

(4) الكافي ج 2 ص 376.

(5) الكافي ج 8 ص 153.

374

اعمل بما افترضت عليك تكن من أعبد الناس، ابن آدم، اجتنب ما حرّمت عليك تكن من أورع الناس

«1». و قال (عليه السلام): خمس لو رحلتم فيهنّ [إليه] لأنضيتموهن و ما قدرتم على مثلهن، لا يخاف عبد إلّا ذنبه، و لا يرجو إلّا ربّه، و لا يستحي الجاهل إذا سأل عمّا لا يعلم أن يتعلّم، و الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، و لا إيمان لمن لا صبر له

«2». إنّها كلمات منيرة، قصيرة لفظا، بعيدة المدى معنى، يضمن تعلّمها و العمل بها سعادة الفرد و المجتمع.

كراماته (عليه السلام)

و نقتصر من كراماته عل ما رواه أبو نعيم و ابن حجر و غيرهما من العامّة، و صاحب كشف الغمّة و غيره من الخاصّة:

عن ابن شهاب الزهري قال: شهدت علي بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأثقله حديدا و وكّل به حفاظا في عدّة و جمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه و التوديع له، فأذنوا لي، فدخلت عليه، و هو في قبّة و الأقياد في رجليه، و الغلّ في يديه، فبكيت و قلت: وددت أنّي في مكانك و أنت سالم، فقال لي: يا زهري، أو تظنّ هذا ممّا ترى عليّ و في عنقي ممّا يكربني؟ أما لو شئت ما كان، و أنه إن بلغ بك و بأمثالك غمر ليذكّر عذاب اللّه، ثمّ أخرج يده من الغلّ و رجليه من القيد، ثمّ قال: يا زهري لا جزت معهم ذا منزلتين من المدينة، قال: فما لبثنا إلّا أربع ليال، حتّى قدم الموكّلون به يطلبونه من المدينة، فما وجدوه،

____________

(1) تحف العقول: في قصار هذه المعاني عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ص 281.

(2) تحف العقول: في قصار هذه المعاني عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ص 281.

375

فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنّا نراه متبوعا، إنه لنازل و نحن حوله، لا ننام نرصده، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلّا حديدة.

قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان، فسألني عن علي بن الحسين، فأخبرته، فقال لي: إنه جاءني في يوم فقده الأعوان، فدخل عليّ، فقال:

ما أنا و أنت، فقلت: أقم عندي، فقال: لا أحبّ، ثمّ خرج، فو اللّه لقد امتلأ ثوبي منه خيفة.

قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظنّ، إنه مشغول بربّه، فقال: حبذا شغل مثله، فنعم ما شغل به

«1».**

____________

(1) حلية الأولياء ج 3 ص 135 رقم 229 زين العابدين علي بن الحسين، الصواعق المحرقة ص 200، تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 372، كشف الغمّة ج 2 ص 76، نوادر المعجزات ص 127.

376

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

377

الإمام الخامس محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)

ولد بالمدينة ثالث صفر أو غرّة رجب سنة سبع و خمسين، و قبض سنة أربع عشرة و مائة سابع ذي الحجّة، و كان عمره سبعا و خمسين سنة.

و أمّه أمّ عبد اللّه بنت الحسن بن علي (عليهما السلام)، فهو ابن الحسن و الحسين (عليهم السلام).

و عن الصادق (عليه السلام): و كانت أمّه صدّيقة لم تدرك في آل الحسن مثلها

«1». و عن الباقر (عليه السلام): كانت أمّي قاعدة عند جدار فتصدّع الجدار، و سمعنا هدّة شديدة، فقالت بيدها: لا و حقّ المصطفى، ما أذن لك في السقوط، فبقي معلّقا في الجوّ حتّى جازته

«2».

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

و كنيته أبو جعفر، و ألقابه: باقر العلم، و الشاكر، و الهادي.

مناقبه (عليه السلام)

انتشرت عنه أنوار العلوم و المعارف، و اعترف بمناقبه المؤالف و المخالف.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 469.

(2) الكافي ج 1 ص 469.

378

و في الصحاح: كان يقال لمحمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه:

الباقر لتبقّره في العلم.

في القاموس، بقره كمنعه، شقّه، و وسعه، و الباقر محمّد بن علي بن الحسين، لتبحّره في العلم.

قال ابن حجر: وارثه منهم عبادة و علما و زهادة أبو جعفر محمّد الباقر، سمّي بذلك من بقر الأرض أي شقّها و أثار مخباتها و مكانها، فلذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف، و حقائق الأحكام، و الحكم و اللطائف، ما لا يخفى إلّا على منطمس البصيرة، أو فاسد الطوية و السريرة، و من ثمّ قيل فيه هو باقر العلم و جامعه و شاهر علمه و رافعه، صفى قلبه، و زكى علمه و عمله، و طهرت نفسه، و شرف خلقه، و عمرت أوقاته بطاعة اللّه، و له من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين «1».

و قال ابن طلحة: هو باقر العلم و جامعه، و شاهر علمه و رافعه، و متفوّق درّه و راضعه، و منمق درّه و راصفه، صفى قلبه، و زكى عمله، و طهرت نفسه، و شرف أخلاقه، و عمرت بطاعة اللّه أوقاته، و رسخت في مقام التقوى قدمه، و ظهرت عليه سمات الازدلاف و طهارة الاجتباء، فالمناقب تسبق إليه، و الصفات تتشرّف به «2».

و

قد روت الخاصّة و العامّة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أبلغه السلام بواسطة جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

و في الصحيح عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: إنّ رسول اللّه قال ذات يوم

____________

(1) الصواعق المحرقة ص 201.

(2) مطالب السئول ص 80.

379

لجابر بن عبد اللّه الأنصاري: يا جابر إنّك ستبقى حتّى تلقى ولدي محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، فدخل جابر إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فوجد محمّد بن علي (عليهما السلام) عنده غلاما، فقال له: يا غلام أقبل، فأقبل، ثمّ قال: أدبر، فأدبر، فقال جابر: شمائل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ربّ الكعبة، ثمّ أقبل على علي بن الحسين، فقال له: من هذا؟ قال:

هذا ابني و صاحب الأمر بعدي، محمّد الباقر، فقام جابر فوقع على قدميه يقبّلهما، و يقول: نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول اللّه، اقبل سلام أبيك، إنّ رسول اللّه يقرأ عليك السلام، قال: فدمعت عينا أبي جعفر (عليه السلام)، ثمّ قال: يا جابر، على أبي رسول اللّه السلام ما دامت السماوات و الأرض، و عليك السلام يا جابر بما بلّغت

«1». قدم وفد من فلسطين على الباقر (عليه السلام)، فسألوه عن مسائل، فأجابهم، ثمّ سألوه عن الصمد، فقال: تفسير الصمد فيه خمسة أحرف، فالألف دليل على إنيّته، و هو قوله: شهد اللّه أنه لا إله إلّا هو، و ذلك تنبيه و إشارة إلى الغائب عن درك الحواس، و اللام دليل على إلهيته [بلطفه] بأنه هو اللّه، و الألف و اللام مدغمان لا يظهران على اللسان و لا يقعان في السمع، و يظهران في الكتابة دليلان على أنّ إلهيّته خافية لا تدرك بالحواس و لا يقع في لسان واصف و لا أذن سامع، لأنّ تفسير الإله هو الذي أله الخلق عن درك مائيّته و كيفيّته بحس أو بوهم، لا بل هو مبدع الأوهام و خالق الحواس، و إنّما يظهر ذلك عند الكتابة فهو دليل على أنّ اللّه سبحانه [أظهر] ربوبيّته في إبداع الخلق و تركيب أرواحهم اللطيفة في أجسادهم الكثيفة، فإذا نظر عبد إلى نفسه لم ير

____________

(1) الأمالي للصدوق المجلس السادس و الخمسون ح 9، روضة الواعظين ص 202، و بتفاوت في الصواعق المحرقة ص 201، مطالب السئول ص 81، ينابيع المودّة ج 3 ص 52 و مصادر أخرى.

380

روحه، كما أنّ لام الصمد لا تتبيّن، و لا تدخل في حاسّة من الحواس الخمس، فإذا نظر إلى الكتابة ظهر له ما خفي و لطف، فمتى تفكّر العبد في ماهيته الباري و كيفيّته أله فيه و تحيّر و لم تحط فكرته بشيء يتصوّر له، لأنه عزّ و جلّ خالق الصور، فإذا نظر إلى خلقه ثبت له أنه خالقهم و مركب أرواحهم في أجسادهم.

و أمّا الصاد فدليل على أنه عزّ و جلّ صادق و قوله صدق و كلامه صدق، و دعا عباده إلى اتباع الصدق بالصدق، و وعد بالصدق دار الصدق.

و أمّا الميم فدليل على ملكه، و أنه [عزّ و جلّ] الملك الحقّ لم يزل و لا يزال و لا يزول ملكه.

و أمّا الدال فدليل على دوام ملكه و أنه عزّ و جلّ دائم تعالى عن الكون و الزوال، بل هو [اللّه] عزّ و جلّ مكوّن الكائنات الذي كان بتكوينه كلّ كائن.

ثمّ قال: لو وجدت لعلمي الذي أتاني اللّه حملة لنشرت التوحيد و الإسلام و الدين و الشرائع من الصمد

«1». و عن داود بن القاسم الجعفري، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك ما الصمد؟

قال: السيّد المصمود إليه في القليل و الكثير

«2». و قال: حدّثني أبي زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام) أنه قال: الصمد الذي لا جوف له، و الصمد الذي به انتهى سؤدده، و الصمد الذي لا يأكل و لا يشرب، و الصمد الذي لا ينام، و الصمد الذي لم يزل و لا يزال

«3». و كما يستخرج (عليه السلام) جواهر العرفان من الكلمات و حروف القرآن، كان يرشد الإنسان إلى ما يحتاج إليه في المعاش و المعاد.

____________

(1) معاني الأخبار ص 7 باب معنى الصمد، التوحيد للصدوق ص 92.

(2) معاني الأخبار ص 6.

(3) معاني الأخبار ص 7.

381

حكمه و مواعظه (عليه السلام)

و نقتصر على قليل من كثير من حكمه و مواعظه:

تعلّموا العلم، فإنّ تعلّمه حسنة، و طلبه عبادة، و مذاكرته تسبيح، و البحث عنه جهاد، و تعلّمه صدقة، و بذله لأهله قربة، و العلم ثمار الجنّة و أنس في الوحشة، و صاحب في الغربة، و رفيق في الخلوة، و دليل على السراء، و عون على الضرّاء، و دين [زين] عند الأخلّاء، و سلاح عند الأعداء، يرفع اللّه به قوما فيجعلهم في الخير سادة، و للناس أئمّة يقتدى بفعالهم و يقتص آثارهم

«1» ...

و ورد أنه قال لبعض شيعته و قد أراد سفرا، فقال له أوصني، فقال: لا تسيرن سيرا و أنت حاف، و لا تنزلنّ عن دابّتك ليلا إلّا و رجلاك في خفّ، و لا تبولن في نفق، و لا تذوقن بقلة، و لا تشمّها حتّى تعلم ما هي، و لا تشرب من سقاء حتّى تعرف ما فيه، و لا تسيرن إلّا مع من تعرف، و احذر من لا تعرف

«2». و قيل له: من أعظم الناس قدرا؟ فقال: من لا يرى الدّنيا لنفسه قدرا

«3». ما يأخذ المظلوم من دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من دنيا المظلوم

«4». أربع من كنوز البرّ: كتمان الحاجة، و كتمان الصدقة، و كتمان الوجع، و كتمان المصيبة

«5».

____________

(1) بحار الأنوار ج 75 ص 189.

(2) بحار الأنوار ج 75 ص 189.

(3) بحار الأنوار ج 75 ص 188.

(4) بحار الأنوار ج 75 ص 188.

(5) تحف العقول في قصار هذه المعاني عنه (عليه السلام)، ص 295.

382

من صدق لسانه زكى عمله، و من حسنت نيّته زيد في رزقه، و من حسن برّه بأهله زيد في عمره

«1». البشر الحسن و طلاقة الوجه مكسبة للمحبّة، و قربة من [إلى] اللّه، و عبوس الوجه و سوء البشر مكسبة للمقت، و بعد من اللّه

«2». عليكم بالورع، و الاجتهاد، و صدق الحديث، و أداء الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برّا كان أو فاجرا، فلو أنّ قاتل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ائتمنني على أمانة لأدّيتها إليه

«3». لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا، و لو يعلم المسئول ما في المنع ما منع أحد أحدا

«4». ثلاث درجات، و ثلاث كفّارات، و ثلاث موبقات، و ثلاث منجيات:

فأمّا الدرجات فإفشاء السلام، و إطعام الطعام، و الصلاة بالليل و الناس نيام.

و أمّا الكفّارات فإسباغ الوضوء في السبرات و المشي في النهار إلى الجماعات [الصلوات]، و المحافظة على الصلوات [الجماعات].

و أمّا الموبقات فشح مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه.

و أمّا المنجيات فخوف اللّه في السرّ و العلانية، و القصد في الغنى و الفقر، و كلمة العدل في الرضا و السخط

«5».

____________

(1) تحف العقول ص 295.

(2) تحف العقول ص 269.

(3) تحف العقول ص 299.

(4) تحف العقول ص 100.

(5) الخصال للصدوق ص 84.

383

عن جابر، قال: دخلنا على أبي جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) و نحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا، فودّعنا، و قلنا له: أوصنا يا ابن رسول اللّه، فقال: ليعن قويّكم [على] ضعيفكم، و ليعطف غنيّكم على فقيركم، و لينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه، و اكتموا أسرارنا، و لا تحملوا الناس على أعناقنا، و انظروا أمرنا، و ما جاءكم عنّا، فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به و إن لم تجدوه موافقا فردّوه، و إن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده، و ردّوه إلينا حتّى شرح لكم من ذلك ما شرح لنا.

فإذا كنتم كما أوصيناكم لم تعدوا إلى غيره، فمات منكم ميّت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدا، و إن [و من] أدرك منكم قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين، و من قتل بين يديه عدوّا لنا كان له أجر عشرين شهيدا

«1». إنّ اللّه خبّأ ثلاثة في ثلاثة: خبّأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعلّ رضاه فيه، و خبّأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا، فلعلّ سخطه فيه، و خبّأ أوليائه في خلقه، فلا تحقرن أحدا فلعلّه الوليّ

«2».

كراماته (عليه السلام)

و هي أكثر من أن تذكر في هذا المختصر، و نكتفي بما يلي:

في الصحيح عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه و أبي جعفر (عليهما السلام)، فقلت لهما: أنتما ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، قال: نعم، قلت: فرسول اللّه وارث الأنبياء، علم كلّ ما علموا، فقال لي: نعم.

____________

(1) الأمالي للطوسي ص 232 المجلس التاسع ح 2.

(2) بحار الأنوار ج 75 ص 188، كشف الغمّة ج 2 ص 148.

384

فقلت: أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى و تبرءوا الأكمه و الأبرص؟ فقال لي:

نعم، بإذن اللّه.

ثمّ قال: ادن منّي يا أبا محمّد، فمسح يده على عيني و وجهي، فأبصرت الشمس و السماء و الأرض و البيوت و كلّ شيء في الدار، قال: أ تحبّ أن تكون هكذا، و لك ما للناس، و عليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت و لك الجنّة خالصا؟ قلت: أعود كما كنت، قال: فمسح على عيني، فعدت كما كنت

«1». و عن أبي بصير قال: كنت مع الباقر (عليه السلام) في مسجد رسول اللّه قاعدا حدثان ما مات علي بن الحسين (عليهما السلام) إذ دخل المنصور و داود بن سليمان قبل أن أفضى الملك إلى ولد العبّاس، و ما قعد إلّا داود إلى الباقر (عليه السلام)، فقال: ما منع الدوانيقي أن يأتي، قال: فيه جفاء. قال الباقر (عليه السلام): لا تذهب الأيّام حتّى يلي أمر هذا الخلق فيطأ أعناق الرجال، و يملك شرقها و غربها، و يطول عمره فيها حتّى يجمع من كنوز الأموال ما لم يجتمع لأحد قبله، فقام داود و أخبر الدوانيقي بذلك، فأقبل إليه الدوانيقي، و قال: ما منعني من الجلوس إليك إلّا إجلالك، فما الذي أخبرني به داود؟ قال: هو كائن. قال: و ملكنا قبل ملككم؟ قال: نعم، قال: و يملك بعدي أحد من ولدي؟

قال: نعم، قال: فمدّة بني امية أكثر أم مدّتنا؟ قال: مدّتكم أطول، و يتلقفنّ هذا الملك صبيانكم، و يلعبون به كما يلعبون بالكرة، هذا ما عهده إليّ أبي. فلمّا ملك الدوانيقي تعجّب من قول الباقر (عليه السلام) «2»

.**

____________

(1) بصائر الدرجات الجزء السادس باب 3، ما في الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم يحيون الموتى ص 289، و بتفاوت يسير في الكافي ج 1 ص 470، كشف الغمة ج 2 ص 143.

(2) كشف الغمّة ج 2 ص 142، الخرائج و الجرائح ج 1 ص 273.

385

الإمام السادس جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)

ولد بالمدينة سابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و ثمانين، و قبض بها في شوّال سنة ثمان و أربعين و مائة، و له خمس و ستّون سنة.

و أمّه أمّ فروة بنت القاسم.

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

كنيته أبو عبد اللّه، و ألقابه: الصادق، و الفاضل، و الكامل، و الصابر، و الطاهر، و القاهر، و الباقي، و المنجي، و أشهرها ما سمّاه به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو الصادق.

فضائله و مناقبه (عليه السلام)

اعترف العامّة و الخاصّة له بالعلم و إجابة الدعوة اللذين بهما يعرف الإمام. «1»

قال ابن طلحة: هو من عظماء أهل البيت و ساداتهم، ذو علوم جمّة، و عبادة موفورة [موفرة]، و أوراد متواصلة، و زهادة بيّنة، و تلاوة كثيرة، يتتبّع معاني القرآن

____________

(1) إشارة الى ما في عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) ج 2 ص 200 ب 46 ح 1.

386

الكريم، و يستخرج من بحره جواهره، و يستنتج عجائبه.

و يقسّم أوقاته على أنواع الطاعات، بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر بالآخرة، و استماع كلامه يزهد في الدّنيا، و الاقتداء بهداه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوّة، و طهارة أفعاله تصدع بأنه من ذرّية الرسالة، نقل عنه الحديث و استفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمّة و أعلامهم، إلى أن قال:

و أمّا مناقبه و صفاته فتكاد تفوق عدد الحاصر، و يحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتّى أنه من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت الأحكام التي لا تدرك عللها، و العلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه، و تروى عنه «1».

قال ابن حجر: أخرج أبو القاسم الطبري من طريق ابن وهب، قال: سمعت الليث بن سعد، يقول: حججت سنة ثلاث عشرة و مائة، فلمّا صلّيت العصر في المسجد، رقيت أبا قبيس، فإذا رجل جالس يدعو، فقال: يا ربّ يا ربّ حتّى انقطع نفسه، ثمّ قال: يا حيّ يا حيّ حتّى انقطع نفسه، ثمّ قال: إنّي أشتهي العنب فأطعمنيه، و أن برديّ قد خلقا فاكسني، قال الليث: فو اللّه ما استتم كلامه حتّى نظرت إلى سلّة مملوءة عنبا، و ليس على الأرض يومئذ عنب، فإذا بردان موضوعان لم أر مثلهما في الدّنيا، فأراد أن يأكل فقلت: أنا شريكك، فقال: لم؟ فقلت: لأنّك دعوت و كنت أؤمّن، فقال: تقدّم و كل، فتقدّمت و أكلت عنبا لم آكل مثله قط، و ما كان له عجم، فأكلنا حتّى شبعنا و لم تتغيّر السلّة، فقال: لا تدّخر و لا تخبّئ منه شيئا، ثمّ أخذ أحد البردين و دفع إليّ الآخر، فقلت: أنا في غنى عنه، فائتزر بأحدهما و ارتدى بالآخر، ثمّ أخذ برديه الخلقين فنزل و هما بيده، و لقيه رجل بالمسعى، فقال:

____________

(1) مطالب السئول ص 81.

387

اكسني يا ابن رسول اللّه ممّا كساك اللّه، فإنّي عريان، فدفعهما إليه، فقلت: من هذا؟

قال: جعفر الصادق، فطلبته بعد ذلك لأسمع منه شيئا فلم أقدر عليه

«1». و عن مالك بن أنس فقيه المدينة: ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد فضلا و علما و ورعا، و كان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال، إمّا صائما، و إمّا قائما، و إمّا ذاكرا، و كان من عظماء البلاد، و أكابر الزهّاد الذين يخشون اللّه عزّ و جلّ، و كان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول اللّه اخضرّ مرّة و اصفرّ أخرى حتّى لينكره من لا يعرفه «2».

و كيف لا يكون كذلك و هو إمام العارفين، إنه الإمام الذي بعمله يعلّمنا ما هي معرفة اللّه التي تنبعث منها هذه الخشية للّه إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ «3»، و بقوله يعرف من هو العارف باللّه، و

قد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: العارف شخصه مع الخلق و قلبه مع اللّه، لو سها قلبه عن اللّه طرفة عين لمات شوقا إليه، و العارف أمين ودائع اللّه، و كنز أسراره، و معدن أنواره، و دليل رحمته على خلقه، و مطيّة علومه، و ميزان فضله و عدله، قد غنى عن الخلق و المراد و الدّنيا، و لا مونس له سوى اللّه و لا نطق و لا إشارة و لا نفس إلّا باللّه و [للّه] و من اللّه و مع اللّه، فهو في رياض قدسه متردّد، و من لطائف فضله [إليه] متزوّد، و المعرفة أصل و فرعه الإيمان

«4». و من نظر في آلاف الروايات الواردة عنه في أصول الدين من المبدأ إلى المعاد، و في فروع الدين من الطهارة إلى الديات، و ما روي عنه في المواعظ و الأخلاق، و ما

____________

(1) الصواعق المحرقة ص 203، و بتفاوت يسير في كشف الغمّة ج 2 ص 160.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 275.

(3) سورة فاطر: 28.

(4) مصباح الشريعة ص 191.

388

حفظ عنه في العشرة و الحقوق و الآداب يدرك ما في زيارة الجامعة:

و بموالاتكم علمنا اللّه معالم ديننا، و أصلح ما كان فسد من دنيانا.

و من تأمّل فيما صدر عنه في المعرفة و العبادة يؤمن بأنه يحقّ له أن يقول:

بنا عرف اللّه، بنا عبد اللّه، نحن الأدلّاء على اللّه، لولانا ما عبد اللّه

«1». قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة و قد سئل: من أفقه من رأيت؟ قال:

جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد، فهيّئ له من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر و هو بالحيرة، فأتيته و دخلت عليه و جعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه، فأومأ إليّ، فجلست ثمّ التفت إليه فقال: يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه من مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا و أهل المدينة يقولون كذا، و نحن نقول كذا ... حتّى أتيت على الأربعين [مسألة]، فما أخلّ بشيء، ثمّ قال أبو حنيفة: أ ليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟!

«2» قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: و كتاب الجفر جلد كتبه الإمام جعفر بن محمّد الصادق بن محمّد الباقر، و فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة «3».

و قال الشبلنجي الشافعي في نور الأبصار: و مناقبه كثيرة تفوق عدد الحاسب

____________

(1) التوحيد للصدوق ص 152، باب 12 ح 9.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 255 و غيره من كتب الخاصّة، و بتفاوت يسير في: الكامل في ضعفاء الرجال ج 2 ص 132، تهذيب الكمال ج 5 ص 79، سير أعلام النبلاء ج 6 ص 257.

(3) حياة الحيوان ج 1 ص 279، نور الأبصار ص 160، و قيل العبارة غير موجودة في أدب الكاتب و ان نقل عنه الدميرى، لكنها موجودة في تأويل مختلف الحديث.

389

و يحار في أنواعها فهم اليقظ الكاتب «1».

مكارمه (عليه السلام)

و هى أكثر من أن تحصى:

منها:

أنه كان للصادق ابن، فبينا هو يمشي بين يديه، إذ غصّ فمات، فبكى، و قال: لئن أخذت لقد بقيت، و لئن ابتليت لقد عافيت، ثمّ حمله إلى النساء فلمّا رأينه صرخن، فأقسم عليهنّ أن لا يصرخن، فلمّا أخرجه للدفن، قال: سبحان من يقتل أولادنا، و لا نزداد له إلّا حبّا، فلمّا دفنه، قال: يا بنيّ وسّع اللّه في ضريحك، و جمع بينك و بين نبيّك

«2». و قال (عليه السلام): إنّا قوم نسأل اللّه ما نحبّ فيمن نحبّ، فيعطينا، فإذا أحبّ ما نكره فيمن نحبّ رضينا.

في هذا الحديث الشريف تنبيه على أنّ جميع ما أعطاه اللّه العباد إنّما هو ابتداء بالنعم بلا استحقاق، فما أخذه مع إبقاء نعمه التي لا تعدّ و لا تحصى، و ما ابتلى به مع العافية عن سائر أنواع البلاء، و مع أنّ البلاء للولاء ليس إلّا عناية و رحمة و نهاية اللطف من المولى.

ثمّ أرشد (عليه السلام) إلى أنّ مقتضى التعامل بين ما أحبّ العبد و ما أحبّ الربّ ليس إلّا التسليم و الرضا، فباشتداد البلاء يزداد حبّ الأولياء للّه تعالى.

دخل سفيان الثوري على الصادق (عليه السلام) فرآه متغيّر اللون، فسأله عن ذلك، فقال: كنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت، فدخلت فإذا جارية من جواريّ ممّن تربّي

____________

(1) نور الأبصار ص 160.

(2) الدعوات ص 286.

390

بعض ولدي قد صعدت في سلّم، و الصبي معها، فلمّا بصرت بي ارتعدت و تحيّرت و سقط الصبي إلى الأرض فمات، فما تغيّر لوني لموت الصبي، و إنّما تغيّر لوني لما أدخلت عليها من الرعب، قال لها: أنت حرّة لوجه اللّه، لا بأس عليك، مرّتين

«1». فمع أنه (عليه السلام) نهاهم و خالفته الأمة و عصته و عصت اللّه سبحانه، و ارتعدت برؤيتها له، و كانت هى السبب في ذلك كلّه، و لكنّه لم يتغيّر لونه لموت فلذة كبده، و إنّما تغيّر لاضطراب قلب الجارية، و أسكن اضطرابها بعتقها و آمنها بنفي البأس عليها عن مؤاخذة الدّنيا و عذاب الآخرة! و بذلك أظهر (عليه السلام) بموت ولده بأمر الخالق منتهى الرضا للّه، و أظهر بموت ولده بفعل الخلق منتهى الرحمة لخلق اللّه، فاللّه أعلم حيث يجعل خلافته.

و في الصحيح عن هشام بن سالم، قال: كان أبو عبد اللّه إذا أعتم و ذهب من الليل شطره، أخذ جرابا فيه خبز و لحم و الدراهم، فحمله على عنقه، ثمّ ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة، فقسّمه فيهم و لا يعرفونه، فلمّا مضى أبو عبد اللّه فقدوا ذا [ذلك] فعلموا أنه كان أبا عبد اللّه «2».

حكمه و مواعظه (عليه السلام)

و من حكمه و مواعظه ما عن بعض أصحابه (عليه السلام)،

قال: دخلت عليه و موسى بين يديه، و هو يوصيه بهذه الوصية، فكان ممّا حفظت منها، أن قال: يا بنيّ اقبل وصيّتي، و احفظ مقالتي، فإنّك إن حفظتها تعش سعيدا و تمت حميدا، يا بنيّ من قنع

____________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 274.

(2) الكافي ج 4 ص 8.

391

بما قسم له استغنى، و من مدّ عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، و من لم يرض بما قسم اللّه له اتّهم اللّه في قضائه، و من استصغر زلّة غيره استعظم زلّة نفسه، و من استصغر زلّة نفسه استعظم زلّة غيره.

يا بنيّ من كشف عن حجاب غيره تكشّفت عورات بيته، و من سلّ سيف البغي قتل به، و من احتفر لأخيه بئرا سقط فيها، و من داخل السفهاء حقّر، و من خالط العلماء وقّر، و من دخل مداخل السوء اتّهم.

يا بنيّ إيّاك أن تزري بالرجال فيزرى بك، و إيّاك و الدخول فيما لا يعنيك فتذلّ.

يا بنيّ قل الحقّ لك و عليك تستشار من بين أقرانك.

يا بنيّ كن لكتاب اللّه تاليا و للإسلام فاشيا، و بالمعروف آمرا، و عن المنكر ناهيا، و لمن قطعك واصلا، و لمن سكت مبتدئا، و لمن سألك معطيا، و إيّاك و النميمة فإنّها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، و إيّاك و التعرّض لعيوب الناس، فمنزلة المعترض لعيوب الناس كمنزلة الهدف.

يا بنيّ إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإنّ للجود معادن، و للمعادن أصولا و للأصول فروعا، و للفروع ثمرا، و لا يطيب ثمر إلّا بفرع، و لا فرع إلّا بأصل، و لا أصل ثابت إلّا بمعدن طيّب.

يا بنيّ إذا زرت فزر الأخيار و لا تزر الفجّار، فإنّهم صخرة لا يتفجّر ماؤها، و شجرة لا يخضرّ ورقها، و أرض لا يظهر عشبها.

قال عليّ بن موسى: فما ترك أبي الوصية إلى أن توفّي

«1». و في كلّ عبارة من كلمات هذه الوصية إشارات و لطائف و دقائق و حقائق، فمن تأمّل في كلمة منها و

هي قوله (عليه السلام): قل الحقّ لك و عليك

، يرى أنّ قيام السماوات

____________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 184، تهذيب الكمال ج 5 ص 89، سير أعلام النبلاء ج 6 ص 263.

392

و الأرض بالحقّ، و لا يمكن تحقّق ما في تصوّر الحكماء من المدينة الفاضلة إلّا بإحقاق الحقّ، و لا يصل كلّ إنسان إلى الكمال المطلوب له من خلقه إلّا بالتخلية عن الباطل، و التحلية بالحقّ.

و كلّ ما يتعلّق بالإنسان إمّا له و إمّا عليه، فإذا دار فيهما مدار الحقّ يرضى عنه الخالق و الخلق، فإذا قال الحقّ له و عليه، فأوّل ما يستفيد منه أن النفوس المفطورة على محبّة الحقّ و التنفّر عن الباطل تطمئن إليه و تحبّه، و يصير قسطاسا مستقيما لا يميل إلى الإفراط و التفريط، فتستمدّ منه العقول، و يكون مستشارا بين الأقران.

فلو عمل بهذه الكلمة أفراد المجتمع من أدناهم إلى أعلاهم، لتحقّق فيه الاطمئنان النفسي و الثقة التي يقوم بها المجتمع.

فكيف إذا كان مع ذلك تاليا للكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، و ناشرا للإسلام الذي هو تسليم المسلم للّه، و سلامة المسلمين من يده و لسانه، و آمرا بالمعروف و ناهيا عن المنكر، عالما بما يأمر و ما ينهى، و عادلا فيما يأمر و ينهى، و رفيقا بمن يأمر و ينهى، و عاملا بما يأمر به و تاركا لما ينهى عنه، ثمّ اتّعظ بسائر المواعظ التي تضمن المحافظة عليها سلامة الحياة و محمدة الممات.

و قال (عليه السلام): إذا بلغك عن أخيك شيء يسوؤك فلا تغتمّ به، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عجّلت، و إن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها

«1». و قال (عليه السلام): و إنّ خير العباد من يجتمع فيه خمس خصال: إذا أحسن استبشر، و إذا أساء استغفر، و إذا أعطي شكر، و إذا ابتلي صبر، و إذا ظلم غفر

«2».

____________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 186، تهذيب الكمال ج 5 ص 93.

(2) كشف الغمّة ج 2 ص 206.

393

كراماته (عليه السلام)

و من كراماته (عليه السلام)

ما في الصحيح عن جعفر بن محمّد بن الأشعث قال: و قال لي: أ تدري ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر و معرفتنا به؟ و ما كان عندنا منه ذكر و لا معرفة شيء ممّا عند الناس؟ قال: قلت له: و ما ذاك؟ قال: إنّ أبا جعفر- يعني أبا الدوانيق- قال لأبي محمّد بن الأشعث: يا محمّد ابغ لي رجلا له عقل يؤدّي عنّي، فقال له أبي: قد أصبته لك، هذا فلان ابن مهاجر خالي. قال: فأتني به، قال: فأتيته بخالي، فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر خذ هذا المال و ائت المدينة و ائت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، و عدّة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمّد، فقل لهم: إنّي رجل غريب من أهل خراسان و بها شيعة من شيعتكم وجّهوا إليكم بهذا المال، و ادفع إلى كلّ واحد منهم على شرط كذا و كذا، فإذا قبضوا المال فقل: إنّي رسول و أحبّ أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ المال و أتى المدينة فرجع إلى أبي الدوانيق و محمّد بن الأشعث عنده، فقال له أبو الدوانيق: ما وراءك؟

قال: أتيت القوم و هذه خطوطهم بقبضهم المال، خلا جعفر بن محمّد، فإنّي أتيته و هو يصلّي في مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فجلست خلفه، و قلت حتّى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه، فعجّل و انصرف، ثمّ التفت إليّ فقال: يا هذا اتّق اللّه و لا تغرّ أهل بيت محمّد فإنّهم قريبو العهد بدولة بني مروان و كلّهم محتاج، فقلت: و ما ذاك أصلحك اللّه؟ قال: فأدنى رأسه منّي و أخبرني بجميع ما جرى بيني و بينك حتّى كأنه كان ثالثنا، قال: فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر اعلم أنه ليس من أهل بيت نبوّة إلّا و فيه محدّث، و أنّ جعفر بن محمّد محدّثنا اليوم، و كانت هذه الدلالة سبب قولنا بهذه المقالة

«1».

____________

(1) الكافي ج 1 ص 475.

394

و لا عجب أن يعترف إمام المالكية بأنه ما رأت عينه أفضل من جعفر بن محمّد، و إمام الحنفية بأنه أعلم الأمّة، و أن يعترف أعدى أعدائه و من توسل بكلّ وسيلة لإطفاء نوره، بأنه الواسطة بين عالم الغيب و الشهود!

و عن أبي بصير أنه قال: كان لي جار يتبع السلطان، فأصاب مالا فأعدّ قيانا، و كان يجمع الجميع إليه و يشرب المسكر و يؤذيني، فشكوته إلى نفسه غير مرّة فلم ينته، فلمّا أن ألححت عليه، فقال لي: يا هذا أنا رجل مبتلى، و أنت رجل معافى، فلو عرضتني لصاحبك رجوت أن ينقذني اللّه بك، فوقع ذلك في قلبي، فلمّا صرت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذكرت له حاله، فقال لي: إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمّد، دع ما أنت عليه و أضمن لك على اللّه الجنّة.

فلمّا رجعت إلى الكوفة أتاني فيمن أتى فاحتبسته عندي حتّى خلا منزلي، ثمّ قلت له: يا هذا إنّي ذكرتك لأبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، فقال لي: إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمّد دع ما أنت عليه و أضمن لك على اللّه الجنّة، قال: فبكى، ثمّ قال لي: اللّه لقد قال لك أبو عبد اللّه هذا؟

قال: فحلفت له أنه قد قال لي ما قلت. فقال لي: حسبك و مضى، فلمّا كان بعد أيّام بعث إليّ فدعاني، فإذا هو خلف داره عريان، فقال لي: يا أبا بصير لا و اللّه ما بقي في منزلي شيء إلّا و قد أخرجته، و أنا كما ترى، قال: فمضيت إلى إخواننا، فجمعت له ما كسوته به، ثمّ لم تأت عليه [إلّا] أيّام يسيرة حتّى بعث إليّ إنّي عليل فأتني، فجعلت أختلف إليه، و أعالجه حتّى نزل به الموت، فكنت عنده جالسا و هو يجود بنفسه، فغشي عليه غشية ثمّ أفاق، فقال لي: يا أبا بصير قد وفى صاحبك لنا، ثمّ قبض (رحمه الله) [رحمة اللّه عليه]، فلمّا حججت أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذنت عليه فلمّا دخلت، قال لي ابتداء من داخل البيت و إحدى رجلي في الصحن و الأخرى في دهليز داره:

395

يا أبا بصير قد وفينا لصاحبك

«1». و على رغم اتّفاق حكّام الجور مع أئمّة الضلال و خدّام السلطنة و المال و سعيهم لمنع انتشار أضواء علومه و أنوار كمالاته، فقد ظهر منه ما يحيّر العقول في العلوم و الفنون المختلفة، فيما يتعلّق بالمبدإ و المعاد، و النبوّات، و التكوين، و التشريع في العبادات و المعاملات و عامّة الأحكام، و روي عنه من الحكمة و الموعظة الحسنة، و الجدال بالتي هي أحسن الذي ظهر منه في الاحتجاجات ما ملئت منه الأصول و المصنّفات، مع كثرة ما ضاع من آثاره و أخباره بسبب الخوف و حوادث الزمان، و إنّ ما ظهر منه (عليه السلام) في السنين القليلة من أيّام إمامته، مع شدّة رقابة طاغية عصره عليه و على أصحابه شاهد على مبلغ حرمان البشر من كمالات الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، فلو ثنيت لهم الوسادة و جلسوا في مجلس الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و فسّروا الكتاب الذي فيه تبيان كلّ شيء، و فتحوا باب مدينة العلم و الحكمة، و أقاموا الناس بالقسط بما أنزل اللّه من الكتاب و الميزان، لظهر ما أراد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من قوله: لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما «2»، و لتبيّن ما في

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق

«3».**

____________

(1) الكافي ج 1 ص 474 ح 5 في مولد أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(2) الإحكام في أصول الاحكام لابن حزم ج 8 ص 1075، أصول السرخسي ج 1 ص 314، أنساب الأشراف ص 111، المنمق ص 25، ينابيع المودّة ج 1 ص 109 و موارد أخرى من هذا الكتاب و مصادر أخرى للعامّة.

الاحتجاج ج 1 ص 82 و ص 191، الكافي ج 2 ص 415، كفاية الأثر ص 137، روضة الواعظين ص 98، كتاب الغيبة ص 73 و مصادر أخرى للخاصّة.

(3) راجع صفحة: 244.

396

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

397

الإمام السابع موسى بن جعفر (عليهما السلام)

ولد لسبع خلون من صفر سنة ثمان و عشرين و مائة، و قبض لخمس بقين من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و له خمس و خمسون سنة، و كانت مدّة إمامته خمسا و ثلاثين سنة.

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

كنيته أبو الحسن، و أبو إبراهيم، و أبو علي؛ و ألقابه: العبد الصالح، و النفس الزكية، و زين المجتهدين، و الوفيّ، و الصابر، و الأمين، و الزاهر، و الكاظم.

فضائله و مناقبه (عليه السلام)

اعترف الفريقان بفضائله و مناقبه التي استحق بها الإمامة و الخلافة: قال ابن طلحة: هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجّد، الجادّ في الاجتهاد، المشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، يبيت الليل ساجدا و قائما، و يقطع النهار متصدّقا و صائما، و لفرط حلمه و تجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظما، كان يجازي المسيء بإحسانه إليه، و يقابل الجاني عليه بعفوه عنه، و لكثرة عباداته كان يسمّى بالعبد الصالح، و يعرف بالعراق بباب

398

الحوائج إلى اللّه، لنجح المتوسّلين إلى اللّه تعالى به، كراماته تحار منها العقول، و تقضي بأنّ له عند اللّه قدم صدق لا تزلّ و لا تزول «1».

و قال ابن حجر: و كان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند اللّه، و كان أعبد أهل زمانه و أعلمهم و أسخاهم «2».

عن أحمد بن عبد اللّه عن أبيه، قال: دخلت على الفضل بن الربيع و هو جالس على سطح، فقال لي: أشرف على هذا البيت و انظر ما ترى؟ فقلت: ثوبا مطروحا، فقال: انظر حسنا، فتأمّلت فقلت: رجل ساجد، فقال لي تعرفه؟ هو موسى بن جعفر، أتفقّده الليل و النهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلّا على هذه الحالة، إنه يصلّي الفجر فيعقّب إلى أن تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة، فلا يزال ساجدا حتّى تزول الشمس، و قد و كلّ من يترصّد أوقات الصلاة، فإذا أخبره وثب يصلّي من غير تجديد وضوء، و هو دأبه، فإذا صلّى العتمة أفطر، ثمّ يجدّد الوضوء ثمّ يسجد فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتّى يطلع الفجر، و

قال بعض عيونه: كنت أسمعه كثيرا يقول في دعائه: اللّهمّ إنّني كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك، اللّهمّ و قد فعلت فلك الحمد

«3». و كان (عليه السلام) يقول في سجوده: قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو و التجاوز من عندك

«4».

____________

(1) مطالب السئول ص 83، كشف الغمّة ج 2 ص 212 بتفاوت يسير.

(2) الصواعق المحرقة ص 203.

(3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 318، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 107، باب 8 ح 10.

(4) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 318، إعلام الورى ج 2 ص 25، و بتفاوت في كشف الغمّة ج 2 ص 228 و مصادر أخرى للخاصّة.

399

و

من دعائه (عليه السلام): اللّهمّ إنّي أسألك الراحة عند الموت و العفو عند الحساب

«1». و كان (عليه السلام) يتفقّد فقراء أهل المدينة فيحمل إليهم في الليل العين و الورق و غير ذلك، فيوصله إليهم و هم لا يعلمون من أيّ جهة هو «2».

و كان (عليه السلام) يصل بالمأتي دينار إلى الثلاثمائة دينار، و كانت صرار موسى مثلا «3».

و شكا محمّد البكري إليه فمدّ يده إليه فرجع إلى صرّة فيها ثلاثمائة دينار «4».

و كان يستغفر في كلّ يوم خمسة آلاف مرّة «5».

و قال أبو حنيفة: رأيت موسى بن جعفر و هو صغير السنّ في دهليز أبيه فقلت: أين يحدث الغريب منكم إذا أراد ذلك؟ فنظر إليّ ثمّ قال: يتوارى خلف الجدار و يتوقّى أعين الجار، و يتجنّب شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و أفنية الدور و الطرق النافذة، و المساجد، و لا يستقبل القبلة، و لا يستدبرها، و يرفع و يضع بعد ذلك حيث شاء.

قال: فلمّا سمعت هذا القول منه، نبل في عيني، و عظم في قلبي، فقلت له:

جعلت فداك: ممّن المعصية؟ فنظر إليّ ثمّ قال: اجلس حتّى أخبرك، فجلست فقال:

____________

و قريب منه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 6 ص 191، تاريخ بغداد ج 13 ص 29، تهذيب الكمال ج 29 ص 44، و مصادر أخرى للعامّة.

(1) الكافي ج 3 ص 323، تهذيب الأحكام ج 2 ص 300، كشف الغمّة ج 2 ص 228.

(2) الخرائج و الجرائح ج 2 ص 896، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 318، كشف الغمّة ج 2 ص 228.

(3) كشف الغمّة ج 2 ص 229، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 318، و قريب بهذا المضمون في تاريخ بغداد ج 13 ص 28، تهذيب الكمال ج 29 ص 45 و مصادر أخرى للخاصّة و العامّة.

(4) روضة الواعظين ص 215، دلائل الإمامة ص 310، كشف الغمّة ج 2 ص 228، تاريخ بغداد ج 13 ص 29 و مصادر أخرى.

(5) كتاب الزهد ص 74 رقم 199، وسائل الشيعة ج 16 ص 86، كتاب جهاد النفس باب 92 ح 8.

400

إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربّه أو منهما جميعا، فإن كانت من اللّه تعالى فهو أعدل و أنصف من أن يظلم عبده و يأخذه بما لم يفعله، و إن كانت منهما فهو شريكه و القوي أولى بإنصاف الضعيف، و إن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر، و إليه توجّه النهي، و له حقّ الثواب و العقاب، و وجبت الجنّة و النار، فقلت: ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ «1» الآية

«2». و هو الذي قال في حقّه هارون الرشيد الذي قتله و سعى بكلّ ما استطاع لإطفاء نوره، لولده المأمون عند ما سأله: يا أمير المؤمنين لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئا ما رأيتك فعلته بأحد من أبناء المهاجرين و الأنصار، و لا ببني هاشم، فمن هذا الرجل؟ فقال: يا بنيّ هذا وارث علم النبيّين، هذا موسى بن جعفر بن محمّد، إن أردت العلم الصحيح فعند هذا، قال المأمون، فحينئذ انغرس في قلبي محبّتهم «3».

و قال المطران، و هو أعلم العرب و العجم بالنصرانية لعالم نصراني، سأله عن الأعلم: «إن كنت تريد علم الإسلام، و علم التوراة، و علم الإنجيل، و علم الزبور، و كتاب هود، و كلّ ما أنزل على نبيّ من الأنبياء في دهرك و دهر غيرك، و ما أنزل من السماء من خبر، فعلمه أحد أو لم يعلم به أحد، فيه تبيان كلّ شيء، و شفاء للعالمين، و روح لمن استروح إليه، و بصيرة لمن أراد اللّه به خيرا، و أنس إلى الحقّ فأرشدك إليه» فأرشده إلى موسى بن جعفر «4».

____________

(1) سورة آل عمران: 34.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 314، و بتفاوت يسير روضة الواعظين ص 39، دلائل الإمامة ص 22.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 93 باب 7 حديث 12، الأمالي للشيخ الصدوق ص 458 المجلس الستّون ح 1، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 310 و بتفاوت يسير في ينابيع المودّة ج 3 ص 165.

(4) الكافي ج 1 ص 478 باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) ح 4.

401

و ما جاء عنه في العلوم و المعارف من معرفة اللّه و أحكامه، و ما يرشد الإنسان إلى سعادة الدارين لا يسعه هذا المختصر.

و لمّا كان العقل هو ما به الإنسان إنسان، و به تعلّم الأسماء و أسرار الوجود، و صار معلّم الملائكة، و مسخّر ما في السماوات و الأرض، فلا بدّ للإنسان من معرفة العقل و ما يصلحه و ما يفسده، و ما يكمله و ما ينقصه، لذا

أوصى (عليه السلام) هشام بن الحكم بوصيّة في العقل، من تدبّر في كلّ جملة منها انفتحت عليه أبواب من الحكمة، و نقتصر بذكر بعضها، و لا مجال لشرحها:

«يا هشام، ما بعث اللّه أنبياءه و رسله إلى عباده إلّا ليعقلوا عن اللّه، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، و أعلمهم بأمر اللّه أحسنهم عقلا، و أكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدّنيا و الآخرة.

يا هشام، إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام)، و أمّا الباطنة فالعقول.

يا هشام، إنّ العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، و لا يغلب الحرام صبره.

يا هشام، من سلّط ثلاثا على ثلاث فكأنّما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكّره بطول أمله، و محا طرائف حكمته بفضول كلامه، و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنّما أعان هواه على هدم عقله، و من هدم عقله أفسد عليه دينه و دنياه.

يا هشام، نصب الحقّ لطاعة اللّه، و لا نجاة إلّا بالطاعة، و الطاعة بالعلم، و العلم بالتعلّم، و التعلّم بالعقل يعتقد، و لا علم إلّا من عالم ربّاني، و معرفة العلم بالعقل.

يا هشام، إنّ العقلاء تركوا فضول الدّنيا فكيف الذنوب، و ترك الدّنيا من الفضل، و ترك الذنوب من الفرض.

يا هشام، إنّ العاقل نظر إلى الدّنيا و إلى أهلها فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، و نظر

402

إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، فطلب بالمشقّة أبقاهما.

يا هشام، إنّ العقلاء زهدوا في الدّنيا و رغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أنّ الدّنيا طالبة و مطلوبة، و الآخرة طالبة و مطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتّى يستوفي منها رزقه، و من طلب الدّنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه و آخرته.

يا هشام، من أراد الغنى بلا مال، و راحة القلب من الحسد، و السلامة في الدين فليتضرّع إلى اللّه عزّ و جلّ في مسألته بأن يكمّل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، و من قنع بما يكفيه استغنى، و من لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا.

يا هشام، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عبد اللّه بشيء أفضل من العقل، و ما تمّ عقل امرئ حتّى يكون فيه خصال شتّى: الكفر و الشرّ منه مأمونان، و الرشد و الخير منه مأمولان، و فضل ماله مبذول، و فضل قوله مكفوف، و نصيبه من الدّنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره، و التواضع أحبّ إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، و يستقلّ كثير المعروف من نفسه، و يرى الناس كلّهم خيرا منه، و أنه شرّهم في نفسه، و هو تمام الأمر.

يا هشام، إنّ العاقل لا يكذب و إن كان فيه هواه.

يا هشام، إنّ العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه، و لا يسأل من يخاف منعه، و لا يعد ما لا يقدر عليه، و لا يرجو ما يعنّف برجائه، و لا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه»

«1». و بالتأمّل في هذا الحديث يعلم أنّ أساس الدين هو العقل و العلم، فالعلم بنواميس الكون، و القوانين الحاكمة على الموجودات، و السنن الجارية على أعظم

____________

(1) الكافي ج 1 ص 16 إلى 20.