منهاج الصالحين - ج1

- الشيخ حسين الوحيد الخراساني  المزيد...
608 /
403

الكائنات إلى أصغر الذرّات، و التعقّل فيها يرشد إلى أنه لا يمكن أن تكون المادّة و القوّة الفاقدتان للعلم و الإدراك مبدأ العالم بنظامه الحاكم على كلّ جزء من أجزائه، و على كلّ هذه الأجزاء، و على التفاعل و التأثير و التأثّر المتقابل بينهما بميزان و حساب، و لا يمكن أن تكون الحياة منتهية إلى الميّت بالذات، بل كلّ موجود محتاج بافتقار وجوده إلى الغني بالذات، و بتبدّله و تغيّره بلا اختيار من حال إلى حال، مقهور لمن هو محوّل الأحوال.

فلا ينفك العقل و العلم عن الإيمان، و بكمال العقل يصل الإنسان إلى مقام يكون جوهر نفسه منزّها عن كدورة الكفر و الشرّ، و منوّرا بنور الرشد و الخير، و الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ «1».

العاقل ينفق فضل ماله، فبفضل ماله يسدّ لأرباب الحاجة ضرورات حياتهم، فيكون إنفاقه سببا لطهارة نفسه من البخل، و صيانة للمجتمع من الطغيان.

و يمسك فضل كلامه، و بهذا الإمساك يحفظ قوّة جسمه و روحه، و يتنزّه عن اللغو و الباطل، و بما أنّ الحكمة التي هي كمال العقل تقتضي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، فحاجة الجسم المخلوق للفناء محدودة بالقوت و الزائد عليه ليس له، و إنّما هو لغيره فنصيبه من الدّنيا القوت، و حاجة الروح المخلوق للبقاء إلى العلم الذي لا حدّ له، فلا يمل من طلب العلم طول دهره. «2»

و عند ما يرى العاقل أنّ غير اللّه ذليل اللّه إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إِلّٰا آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً «3» و إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً «4» يكون الذلّ مع اللّه أحبّ إليه من العزّ مع غيره.

____________

(1) سورة الأعراف: 58.

(2) إشارة إلى ما في تحف العقول ص 443، من قصار هذه المعانى عن على بن موسى الرّضا (عليه السلام).

(3) سورة مريم: 93.

(4) سورة يونس: 65.

404

و عند ما يرى أنّ ما به من نعمة فمن اللّه، و أنّ الذي منه ليس إلّا القصور أو التقصير، فيكون التواضع أحبّ إليه من الشرف.

و عند ما يصل إليه المعروف من غيره يرى عدم استحقاقه لذلك، لهوان نفسه عليه، فيكون القليل عنده كثيرا.

و حينما يصل منه معروف إلى غيره، يرى كرامة الغير فيرى الكثير قليلا في مقابل كرامة الإنسان.

و عند ما ينظر إلى نفسه يعلم مساويها فيكون على يقين منها، و لا يعلم لنفسه محاسن، لأنّ غضب اللّه مخفي في معاصيه، فلعلّ سيئة من سيّئاته تمحو جميع حسناته.

أمّا إذا نظر إلى غيره فلا يكون على يقين من مساويه لخفاء رضا اللّه سبحانه في طاعته، فلعلّ بينه و بين اللّه حسنة تمحو سيئاته، فتمام الأمر أن يرى الناس كلّهم خيرا منه، و أنه شرّهم في نفسه.

و لا مجال لاستخراج جواهر المعرفة من كلمات معدن العلم و الحكمة، و ما قيل أو يقال فإنّما هو غرفة من البحر أو رشحة من الديم، ففي كلّ خطاب منه «يا هشام» باب ينفتح منه أبواب.

كراماته (عليه السلام)

و من كراماته ممّا رواه العامّة و الخاصّة:

ما عن شقيق البلخي، قال: خرجت حاجّا في سنة تسع و أربعين و مائة فنزلت القادسية، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم و كثرتهم، فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف، فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة، في

405

رجليه نعلان و قد جلس منفردا، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلّا على الناس في طريقهم، و اللّه لأمضين إليه و لأوبّخنّه، فدنوت منه، فلمّا رآني مقبلا قال: يا شقيق اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ «1» ثمّ تركني و مضى، فقلت في نفسي إنّ هذا لأمر عظيم قد تكلّم بما في نفسي و نطق باسمي، و ما هذا إلّا عبد صالح لألحقنّه و لأسألنّه أن يخالّني فأسرعت في أثره فلم ألحقه و غاب عن عيني، فلمّا نزلنا واقصة و إذا به يصلّي و أعضاؤه تضطرب و دموعه تجري، فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه و أستحلّه، فصبرت حتّى جلس، و أقبلت نحوه فلمّا رآني مقبلا قال: يا شقيق اتل وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ «2» ثمّ تركني و مضى فقلت: إنّ هذا الفتى لمن الأبدال، قد تكلّم على سرّي مرّتين، فلمّا نزلنا زبالة إذا بالفتى قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر و أنا أنظر إليه، فرأيته قد رمق السماء و سمعته يقول:

ء و قوتي إذا أردت الطعاما أنت ربّي إذا ظمئت إلى الما

اللّهمّ سيّدي ما لي غيرها فلا تعدمنيها، قال شقيق: فو اللّه لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمدّ يده و أخذ الركوة و ملأها ماء فتوضّأ و صلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده و يطرحه في الركوة و يحرّكه و يشرب، فأقبلت إليه و سلّمت عليه فردّ عليّ السلام، فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم اللّه عليك، قال: يا شقيق لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة و باطنة فأحسن ظنّك بربّك، ثمّ ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق و سكّر، فو اللّه ما شربت قط ألذّ منه و لا أطيب ريحا، فشبعت و رويت، و أقمت أيّاما لا أشتهي طعاما و لا شرابا.

____________

(1) سورة الحجرات: 12.

(2) سورة طه: 82.

406

ثمّ لم أره حتّى دخلنا مكّة، فرأيته ليلة إلى جنب قبّة الميزاب في نصف الليل قائما يصلّي بخشوع و أنين و بكاء، فلم يزل كذلك حتّى ذهب الليل، فلمّا رأى الفجر جلس في مصلّاه يسبّح ثمّ قام فصلّى الغداة، و طاف بالبيت أسبوعا و خرج فتبعته و إذا له غاشية و موال، و هو على خلاف ما رأيته في الطريق، و دار به الناس من حوله يسلّمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه: من هذا الفتى؟ فقال:

موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلّا لمثل هذا السيّد

«1». و

في المناقب: حكي أنه مغص بعض الخلفاء فعجز بختيشوع النصراني عن دوائه، و أخذ جليدا فأذابه بدواء ثمّ أخذ ماء و عقده بدواء و قال هذا الطب، إلّا أن يكون مستجاب دعاء ذا منزلة عند اللّه يدعو لك، فقال الخليفة: عليّ بموسى بن جعفر، فأتي به فسمع في الطريق أنينه، فدعا اللّه سبحانه، و زال مغص الخليفة فقال له: بحقّ جدّك المصطفى أن تقول بم دعوت لي؟ فقال (عليه السلام): قلت: اللّهمّ كما أريته ذلّ معصيته، فأره عزّ طاعتي، فشفاه اللّه من ساعته

«2». و

في الصحيح: قال حمّاد بن عيسى: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بالبصرة فقلت له: جعلت فداك ادع اللّه تعالى أن يرزقني دارا، و زوجة، و ولدا، و خادما، و الحجّ في كلّ سنة، قال: فرفع يده ثمّ قال: اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و ارزق حمّاد بن عيسى دارا و زوجة و ولدا و خادما و الحجّ خمسين سنة، قال حمّاد: فلمّا اشترط خمسين سنة علمت أنّي لا أحجّ أكثر من خمسين سنة، قال

____________

(1) مطالب السئول ص 83 و بتفاوت في نوادر المعجزات ص 159، دلائل الإمامة ص 317، كشف الغمّة ج 2 ص 213.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 305.

407

حمّاد: و قد حججت ثمانية و أربعين سنة، و هذه داري قد رزقتها، و هذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي، و هذا ابني، و هذا خادمي و قد رزقت كلّ ذلك، فحجّ بعد هذا الكلام حجّتين تمام الخمسين، ثمّ خرج بعد الخمسين حاجّا فزامل أبا العبّاس النوفلي فلمّا صار في موضع الإحرام دخل يغتسل فجاء الوادي فحمله فغرق، فمات رحمنا اللّه و إيّاه قبل أن يحجّ زيادة على الخمسين و قبره بسيالة

«1». و

في الصحيح، قال عبد اللّه بن مغيرة: مرّ العبد الصالح بامرأة بمنى و هي تبكي و صبيانها حولها يبكون، و قد ماتت لها بقرة، فدنا منها ثمّ قال لها: ما يبكيك يا أمة اللّه؟ قالت: يا عبد اللّه إنّ لنا صبيانا يتامى و كانت لي بقرة معيشتي و معيشة صبياني كان منها، و قد ماتت و بقيت منقطعا بي و بولدي لا حيلة لنا، فقال: يا أمة اللّه هل لك أن احييها لك، فألهمت أن قالت: نعم يا عبد اللّه، فتنحّى و صلّى ركعتين، ثمّ رفع يده هنيئة و حرّك شفتيه، ثمّ قام فصوّت بالبقرة فنخسها نخسة أو ضربها برجله، فاستوت على الأرض قائمة! فلمّا نظرت المرأة إلى البقرة صاحت و قالت:

عيسى بن مريم و ربّ الكعبة، فخالط الناس و صار بينهم و مضى (عليه السلام)

«2». و

في الصحيح، قال علي بن يقطين: استدعى الرشيد رجلا يبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) و يقطعه و يخجله في المجلس فانتدب له رجل معزّم، فلمّا أحضرت المائدة عمل ناموسا على الخبز، فكان كلّما رام خادم أبي الحسن (عليه السلام) تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه، و استفزّ هارون الفرح و الضحك لذلك، فلم يلبث أبو الحسن (عليه السلام) أن رفع رأسه إلى أسد مصوّر على بعض الستور فقال له:

يا أسد اللّه خذ عدوّ اللّه، قال: فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع،

____________

(1) قرب الاسناد ص 310، و بتفاوت في دلائل الإمامة ص 328.

(2) الكافي ج 1 ص 484.

408

فافترست ذلك المعزم فخرّ هارون و ندماؤه على وجوههم مغشيّا عليهم و طارت عقولهم خوفا من هول ما رأوه، فلمّا أفاقوا من ذلك بعد حين، قال هارون لأبي الحسن (عليه السلام): أسألك بحقّي عليك لمّا سألت الصورة أن تردّ الرجل، فقال: إن كانت عصا موسى ردّت ما ابتلعته من حبال القوم و عصيّهم، فإنّ هذه الصورة تردّ ما ابتلعته من هذا الرجل»

«1».**

____________

(1) الأمالي للصدوق ص 212 المجلس التاسع و العشرون حديث 19، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 65 باب 8 حديث 1.

409

الإمام الثامن عليّ بن موسى الرّضا (عليهما السلام)

ولد على الأشهر لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، و قال في الكافي:

ولد سنة ثمان و أربعين و مائة، و قبض في صفر من سنة ثلاث و مائتين، و هو ابن خمس و خمسين سنة، و قد اختلف في تاريخه، إلّا أنّ هذا التاريخ هو أقصد إن شاء اللّه «1».

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

كنيته أبو الحسن، و من ألقابه: الرضا، و الصابر، و الرضيّ، و الوفيّ، و الصادق، و الصدّيق، و قرّة أعين المؤمنين، و غيض الملحدين، و سراج اللّه، و نور الهدى، و كافي الخلق، و ربّ السرير.

فضائله و مناقبه (عليه السلام)

و هى أكثر من أن تحصى، و قد اشتملت كتب العامّة و الخاصّة على مآثره:

قال ابن طلحة: و كانت مناقبه عليّة، و صفاته الشريفة سنيّة، و مكارمه

____________

(1) الكافي ج 1 ص 486.

410

حاتميّة، و شنشنته أخزمية، و أخلاقه عربية، و نفسه الشريفة هاشمية، و ارومته الكريمة نبويّة، فمهما عدّ من مزاياه كان (عليه السلام) أعظم منه، و مهما فصّل من مناقبه كان أعلى رتبة منه «1».

عن أحمد بن علي الأنصاري قال: سمعت رجاء بن أبي الضحّاك يقول: بعثني المأمون في إشخاص عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) من المدينة و أمرني أن آخذ به على طريق البصرة و الأهواز و فارس، و لا آخذ به على طريق قم، و أمرني أن أحفظه بنفسي بالليل و النهار حتّى أقدم به عليه، فكنت معه من المدينة إلى مرو، فو اللّه ما رأيت رجلا كان أتقى للّه منه، و لا أكثر ذكرا له في جميع أوقاته منه، و لا أشدّ خوفا للّه عزّ و جلّ.

و كان إذا أصبح صلّى الغداة، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللّه و يحمده و يكبّره و يهلّله و يصلّي على النبيّ و آله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتّى تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتّى يتعالى النهار، ثمّ أقبل على الناس يحدّثهم و يعظهم إلى قرب الزوال، ثمّ جدّد وضوءه و عاد إلى مصلّاه، فإذا زالت الشمس قام و صلّى ستّ ركعات يقرأ في الركعة الأولى الحمد و قل يا أيّها الكافرون، و في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد، و يقرأ في الأربع في كلّ ركعة الحمد للّه و قل هو اللّه أحد، و يسلّم في كلّ ركعتين، و يقنت فيهما في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، ثمّ يؤذّن ثمّ يصلّي ركعتين، ثمّ يقيم و يصلّي الظهر، فإذا سلم سبح اللّه و حمده و كبّره و هلّله ما شاء اللّه، ثم سجد سجدة الشكر يقول فيها مائة مرة شكرا للّه، فإذا رفع رأسه قام، فصلى ست ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد و قل هو اللّه أحد و يسلّم في كل ركعتين و يقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع و بعد القراءة، ثم يؤذن ثم يصلي ركعتين و يقنت في الثانية، فإذا سلّم قام

____________

(1) مطالب السئول ص 84.

411

و صلى العصر، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبح اللّه و يحمده و يكبره و يهلله ما شاء اللّه، ثم سجد سجدة يقول فيها مائة مرة حمدا للّه.

فإذا غابت الشمس توضّأ و صلّى المغرب ثلاثا بأذان و إقامة، و قنت في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللّه و يحمده و يكبّره و يهلّله ما شاء اللّه، ثمّ يسجد سجدة الشكر، ثمّ رفع رأسه و لم يتكلّم حتّى يقوم و يصلّي أربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، و كان يقرأ في الأولى من هذه الأربع الحمد و قل يا أيّها الكافرون، و في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد، ثمّ يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء اللّه حتّى يمسي ثمّ يفطر.

ثمّ يلبث حتّى يمضي من الليل قريب من الثلث، ثمّ يقوم فيصلّي العشاء الآخرة أربع ركعات، و يقنت في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يذكر اللّه عزّ و جلّ و يسبّحه و يحمده و يكبّره و يهلّله ما شاء اللّه، و يسجد بعد التعقيب سجدة الشكر، ثمّ يأوي إلى فراشه.

فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح و التحميد و التكبير و التهليل و الاستغفار، فاستاك ثمّ توضّأ، ثمّ قام إلى صلاة الليل، فصلّى ثماني ركعات و يسلّم في كلّ ركعتين يقرأ في الأوليين منها في كلّ ركعة الحمد مرّة، و قل هو اللّه أحد ثلاثين مرّة، و يصلّي صلاة جعفر بن أبي طالب أربع ركعات، يسلّم في كلّ ركعتين، و يقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد التسبيح، و يحتسب بها من صلاة الليل، ثمّ يصلّي الركعتين الباقيتين يقرأ في الأولى الحمد و سورة الملك، و في الثانية الحمد و هل أتى على الإنسان.

ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع يقرأ في كلّ ركعة منها الحمد مرّة، و قل هو اللّه

412

أحد ثلاث مرّات، و يقنت في الثانية ثمّ يقوم فيصلّي الوتر ركعة يقرأ فيها الحمد و قل هو اللّه أحد ثلاث مرّات، و قل أعوذ بربّ الفلق مرّة واحدة، و قل أعوذ بربّ الناس مرّة واحدة، و يقنت فيها قبل الركوع و بعد القراءة، و يقول في قنوته: اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، اللّهمّ اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت و تولّنا فيمن تولّيت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي و لا يقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليت، و لا يعزّ من عاديت، تباركت ربّنا و تعاليت. ثمّ يقول:

أستغفر اللّه و أسأله التوبة سبعين مرّة، فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء اللّه.

و إذا قرب الفجر قام فصلّى ركعتي الفجر، يقرأ في الأولى الحمد و قل يا أيّها الكافرون، و في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد، فإذا طلع الفجر أذّن و أقام و صلّى الغداة ركعتين، فإذا سلّم جلس في التعقيب، حتّى تطلع الشمس ثمّ سجد سجدتي الشكر حتّى يتعالى النهار.

و كانت قراءته في جميع المفروضات في الأولى الحمد و إنّا أنزلناه، و في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد، إلّا في صلاة الغداة و الظهر و العصر يوم الجمعة، فإنه كان يقرأ فيها بالحمد و سورة الجمعة و المنافقون، و كان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة في الأولى الحمد و سورة الجمعة، و في الثانية الحمد و سبّح، و كان يقرأ في صلاة الغداة يوم الاثنين و الخميس في الأولى الحمد و هل أتى على الإنسان، و في الثانية الحمد و هل أتاك حديث الغاشية.

و كان يجهر بالقراءة في المغرب و العشاء و صلاة الليل و الشفع و الوتر و الغداة و يخفي القراءة في الظهر و العصر، و كان يسبّح في الأخراوين يقول: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر ثلاث مرّات و كان قنوته في جميع صلواته «ربّ اغفر و ارحم و تجاوز عمّا تعلم إنّك أنت الأعزّ الأجلّ الأكرم».

413

و كان إذا أقام في بلدة عشرة أيّام صائما لا يفطر، فإذا جنّ الليل بدأ بالصلاة قبل الإفطار، و كان في الطريق يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين، إلّا المغرب فإنه كان يصلّيها ثلاثا، و لا يدع نافلتها، و لا يدع صلاة الليل و الشفع و الوتر و ركعتي الفجر في سفر و لا حضر.

و كان لا يصلّي من نوافل النهار في السفر شيئا، و كان يقول بعد كلّ صلاة يقصّرها «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر» ثلاثين مرّة، و يقول هذا لتمام الصلاة، و ما رأيته صلّى صلاة الضحى في سفر و لا حضر، و كان لا يصوم في السفر شيئا، و كان يبدأ في دعائه بالصلاة على محمّد و آله، و يكثر من ذلك في الصلاة و غيرها.

و كان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن، فإذا مرّ بآية فيها ذكر جنّة أو نار بكى، و سأل اللّه الجنّة و تعوّذ به من النار، و كان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل و النهار، و كان إذا قرأ قل هو اللّه أحد قال سرّا «اللّٰهُ أَحَدٌ» فإذا فرغ منها قال: «كذلك اللّه ربّنا» ثلاثا، و كان إذا قرأ سورة الجحد قال في نفسه سرّا «يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ» فإذا فرغ منها قال: «ربّي اللّه و ديني الإسلام» ثلاثا، و كان إذا قرأ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ قال عند الفراغ منها: «بلى و أنا على ذلك من الشاهدين» و كان إذا قرأ لٰا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ قال عند الفراغ منها: «سبحانك اللّهمّ بلى» و كان يقرأ في سورة الجمعة قُلْ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجٰارَةِ وَ اللّٰهُ خَيْرُ الرّٰازِقِينَ «1».

و كان إذا فرغ من الفاتحة قال: «الحمد للّه ربّ العالمين» و إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، قال سرّا: «سبحان ربّي الأعلى» و إذا قرأ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال: «لبّيك اللّهمّ لبّيك» سرّا.

____________

(1) سورة الجمعة: 11.

414

و كان لا ينزل بلدا إلّا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم، فيجيبهم و يحدّثهم الكثير عن أبيه، عن آبائه عن عليّ (عليهم السلام) عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فلمّا وردت به على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدت منه في ليله و نهاره و ظعنه و إقامته، فقال: بلى [لي] يا ابن أبي الضحّاك هذا خير أهل الأرض، و أعلمهم و أعبدهم، فلا تخبر أحدا بما شهدت منه لئلّا يظهر فضله إلّا على لساني، و باللّه أستعين على ما أقوى من الرفع منه و الإساءة به

«1». و عن الهروي، قال: جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا (عليه السلام) بسرخس و قد قيّد، فاستأذنت عليه السجّان فقال: لا سبيل لك [لكم] إليه، فقلت: و لم؟

قال: لأنه ربّما صلّى في يومه و ليلته ألف ركعة، و إنّما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار، و قبل الزوال، و عند اصفرار الشمس، فهو في هذه الأوقات قاعد في مصلّاه، يناجي ربّه، قال: فقلت له: فاطلب لي [منه] في هذه الأوقات إذنا [عليه]، فاستأذن لي عليه فدخلت عليه و هو قاعد في مصلّاه متفكّرا. الخبر

«2». و كان إذا نصبت مائدته، أجلس على مائدته مماليكه حتّى البوّاب و السائس و الحجّام، حتّى يوم وفاته «3» مع أنه كان يوم وفاته يتململ كتململ السليم من أثر السمّ.

و

في الصحيح عن عبد اللّه بن الصلت، عن رجل من أهل بلخ، قال: كنت مع الرضا (عليه السلام) في سفره إلى خراسان، فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان و غيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة، فقال: مه، إنّ

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 180، باب 44 ح 5.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 183، باب 44 ح 6.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 184 باب 44 ح 7، و ج 2 ص 159 باب 40 ح 24، و ج 2 ص 241 باب 62 ح 1.

415

الربّ تبارك و تعالى واحد، و الأمّ واحدة و الأب واحد، و الجزاء بالأعمال

«1». مرّ رجل بأبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: أعطني على قدر مروّتك، قال: لا يسعني ذلك، فقال: على قدر مروّتي، قال: أمّا إذا فنعم، ثمّ قال: يا غلام أعطه مأتي دينار

«2». عن اليسع بن حمزة، قال: كنت أنا في مجلس أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أحدّثه و قد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال و الحرام، إذ دخل عليه رجل طوال آدم، فقال له: السلام عليك يا ابن رسول اللّه، رجل من محبّيك و محبّي آبائك و أجدادك، مصدري من الحجّ و قد افتقدت نفقتي، و ما معي ما أبلغ به مرحلة، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي، و للّه عليّ نعمة، فإذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة. فقال له: اجلس رحمك اللّه، و أقبل على الناس يحدّثهم حتّى تفرّقوا و بقي هو و سليمان الجعفري و خيثمة و أنا، فقال: أ تأذنون لي في الدخول؟

فقال له سليمان: قدم اللّه أمرك، فقام فدخل الحجرة و بقي ساعة ثمّ خرج و ردّ الباب، و أخرج يده من أعلى الباب، و قال: أين الخراساني؟ فقال: ها أنا ذا. فقال: خذ هذه المائتي دينار، [و استعن] و استعمل بها في مئونتك و نفقتك و تبرّك بها، و لا تصدق بها عنّي، و أخرج فلا أراك و لا تراني. ثمّ خرج، فقال سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت و رحمت فلما ذا سترت وجهك عنه؟ فقال: مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته ...)

«3». و من هذه سيرته في عبادته للخالق و معاشرته للخلق، لو صار الأمر إليه فتح على الناس باب معرفة اللّه في عبادته، و لو صلوا بالاقتداء به إلى اتّقاء اللّه حقّ تقاته،

____________

(1) الكافي ج 8 ص 230.

(2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 360.

(3) الكافي ج 4 ص 23.

416

و بلغ الإنسان إلى حدّ كرامته، و تحقّق ما قال اللّه سبحانه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ «1».

حكمه و مواعظه (عليه السلام)

نذكر بعضها:

لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى تكون فيه ثلاث خصال، سنّة من ربّه، و سنّة من نبيّه، و سنّة من وليّه، فأمّا السنّة من ربّه فكتمان السرّ، و أمّا السنّة من نبيّه فمداراة الناس، و أمّا السنّة من وليّه فالصبر في البأساء و الضرّاء

«2». الإيمان أربعة أركان: التوكّل على اللّه، و الرضا بقضاء اللّه، و التسليم لأمر اللّه، و التفويض إلى اللّه، و قال العبد الصالح: و أفوّض أمري إلى اللّه، فوقاه اللّه سيئات ما مكروا

«3». لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتّى تكون فيه خصال ثلاث: التفقّه في الدين، و حسن التقدير في المعيشة، و الصبر على الرزايا

«4». ليس لبخيل راحة، و لا لحسود لذّة، و لا لملوك وفاء، و لا لكذوب مروّة

«5». من حاسب نفسه ربح، و من غفل عنها خسر، و من خاف أمن، و من اعتبر أبصر، و من أبصر فهم، و من فهم علم، و صديق الجاهل في تعب، و أفضل المال ما وقى به العرض، و أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه، و المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه

____________

(1) سورة الحج: 41.

(2) كتاب التمحيص ص 67، تحف العقول ص 442 من قصار هذه المعاني لعليّ بن موسى (عليه السلام).

(3) تحف العقول ص 445.

(4) تحف العقول ص 446.

(5) تحف العقول ص 450.

417

عن حقّ، و إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، و إذا قدر لم يأخذ أكثر من حقّه

«1». الإيمان فوق الإسلام بدرجة، و التقوى فوق الإيمان بدرجة، و اليقين فوق التقوى بدرجة، و ما قسّم بين الناس [و لم يقسّم بين العباد] شيء أقلّ من اليقين

«2». و قال له ابن السكيت: فما الحجّة على الخلق اليوم؟ فقال (عليه السلام): العقل، يعرف به الصادق على اللّه فيصدّقه، و الكاذب على اللّه فيكذّبه، قال: فقال ابن السكيت: هذا و اللّه هو الجواب

«3».

كراماته (عليه السلام)

و من كراماته ما رواه في الإرشاد «4» و البصائر «5» و العيون «6»، عن مسافر، قال:

كنت مع الرضا (عليه السلام) بمنى فمرّ يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك، فقال: مساكين هؤلاء، لا يدرون ما يحلّ بهم في هذه السنة، ثمّ قال: هاه! و أعجب من هذا، هارون و أنا كهاتين، و ضمّ بإصبعيه، قال مسافر: فو اللّه ما عرفت معنى حديثه حتّى دفنّاه معه.

و ممّا روته العامّة على ما في المناقب «7» عن سعد بن سعد أنه قال نظر الرضا إلى رجل فقال يا عبد اللّه أوص ممّا تريد و استعد لما لا بدّ منه، فمات الرجل بعد ثلاثة أيام.

____________

(1) العدد القوية ص 292.

(2) الكافي ج 2 ص 51.

(3) الكافي ج 1 ص 25، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 86 باب 32.

(4) الإرشاد ج 2 ص 258.

(5) بصائر الدرجات ص 504، باب 9 في الأئمة أنهم يعرفون متى يموتون ... ح 14.

(6) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 225 باب 50 حديث 2، و في الكافي بتفاوت يسير ج 1 ص 491.

(7) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 341.

418

و الخاصّة كما في العيون «1» و إعلام الورى «2» و غيرها «3» باختلاف يسير: «عن الحسن بن علي الوشاء، قال: شخصت إلى خراسان و معي حلل و شيء للتجارة فوردت مدينة مرو ليلا و كنت أقول بالوقف على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فوافق موضع نزولي غلام أسود كأنه من أهل المدينة، فقال لي: يقول لك سيّدي: وجّه إليّ بالحبرة التي معك لأكفّن بها مولى لنا قد توفّي، فقلت له: و من سيّدك؟ قال: عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، فقلت: ما معي حبرة و لا حلّة إلّا و قد بعتها في الطريق، فمضى ثمّ عاد إليّ فقال لي: بلى قد بقيت الحبرة قبلك، فقلت له: إنّي ما أعلمها معي، فمضى و عاد الثالثة فقال: هي في عرض السفط الفلاني، فقلت في نفسي: إن صحّ قوله فهي دلالة، و كانت ابنتي قد دفعت إليّ حبرة و قالت: ابتع لي بثمنها شيئا من الفيروزج و السبج [و السيح] من خراسان و نسيتها، فقلت لغلامي: هات هذا السفط الذي ذكره، فأخرجه إليّ و فتحه، فوجدت الحبرة في عرض ثياب فيه، فدفعتها إليه و قلت: لا آخذ لها ثمنا، فعاد إليّ و قال: تهدي ما ليس لك؟ دفعتها إليك ابنتك فلانة، و سألتك بيعها و أن تبتاع لها بثمنها فيروزجا و سبجا [و سيحا] فابتع لها بهذا ما سألت، و وجّه مع الغلام الثمن الذي يساوي الحبرة بخراسان.

فعجبت ممّا ورد عليّ و قلت: و اللّه لأكتبنّ له مسائل أنا شاكّ فيها، و لأمتحننّه بمسائل سئل أبوه (عليه السلام) عنها، فأثبتّ تلك المسائل في درج وعدت إلى بابه و المسائل في كمّي، و معي صديق لي مخالف، لا يعلم شرح هذا الأمر.

فلمّا وافيت بابه [ببابه] رأيت العرب و القوّاد و الجند يدخلون إليه، فجلست ناحية

____________

(1) عيون المعجزات ص 98.

(2) إعلام الورى ج 2 ص 53.

(3) كشف الغمّة ج 2 ص 312، دلائل الإمامة ص 374، الثاقب في المناقب ص 480.

419

داره و قلت في نفسي: متى أنا أصل إلى هذا و أنا متفكّر، و قد طال قعودي و هممت بالانصراف إذ خرج خادم يتصفّح الوجوه، و يقول أين ابن ابنة إلياس؟ فقلت: ها أنا ذا فأخرج من كمّه درجا و قال: هذا جواب مسائلك و تفسيرها، ففتحته و إذا فيه المسائل التي في كمّي و جوابها و تفسيرها، فقلت: أشهد اللّه و رسوله على نفسي أنّك حجّة اللّه، و أستغفر اللّه و أتوب إليه، و قمت، فقال لي رفيقي: إلى أين تسرع؟

فقلت: قد قضيت حاجتي في هذا الوقت، و أنا أعود للقائه بعد هذا».

و روى الخاصة و العامة عن أبي حبيب النباجي [البناجي] أنه قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في المنام، و قد وافى النباج [البناج]، و نزل بها في المسجد الذي ينزله الحاجّ [في] كلّ سنة، و كأنّي مضيت إليه و سلّمت عليه و وقفت بين يديه، و وجدت عنده طبقا من خوص نخل المدينة، فيه تمر صيحاني، فكأنه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني منه فعددته، فكان ثمانية عشر تمرة، فتأوّلت أنّي أعيش بعدد كلّ تمرة سنة.

فلمّا كان بعد عشرين يوما كنت في أرض تعمر بين يديّ للزراعة حتّى جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من المدينة، و نزوله ذلك المسجد، و رأيت الناس يسعون إليه فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و تحته حصير مثل ما كان تحته، و بين يديه طبق خوص فيه تمر صيحاني فسلّمت عليه، فردّ السلام عليّ و استدناني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقلت له: زدني منه يا ابن رسول اللّه فقال: لو زادك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لزدناك «1».

*

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 210، و بتفاوت في كشف الغمّة ج 2 ص 313، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 342، ينابيع المودّة ج 3 ص 121.

420

و أمّا ما ظهر من كراماته من مشهده التي جمعتها كتب مفصّلة، فنقتصر على واحدة منها: روى الصدوق في العيون عن الهرويّ، قال: حضر المشهد رجل من أهل بلخ و معه مملوك له، فزار هو و مملوكه الرضا (عليه السلام)، و قام الرجل عند رأسه يصلّي و مملوكه يصلّي عند رجليه، فلمّا فرغا من صلاتهما سجدا فأطالا سجودهما، فرفع الرجل رأسه من السجود قبل المملوك، و دعا بالمملوك، فرفع رأسه من السجود، و قال: لبّيك يا مولاي فقال له: تريد الحريّة؟ فقال: نعم، فقال: أنت حرّ لوجه اللّه تعالى و مملوكتي فلانة ببلخ حرّة لوجه اللّه تعالى، و قد زوّجتها منك بكذا و كذا من الصداق، و ضمنت لها ذلك عنك، وضيعتي الفلانة وقف عليكما و على أولادكما و أولاد أولادكما ما تناسلوا بشهادة هذا الإمام (عليه السلام).

فبكى الغلام و حلف باللّه تعالى و بالإمام (عليه السلام) أنه ما كان يسأل في سجوده إلّا هذه الحاجة بعينها، و قد تعرّفت الإجابة من اللّه تعالى بهذه السرعة «1».

ولاية عهده (عليه السلام)

لمّا استوى أمر المأمون بعد الأمين، كتب إلى الرضا (عليه السلام)، يستقدمه إلى خراسان، فاعتلّ عليه الرضا (عليه السلام) بعلل كثيرة، فما زال المأمون يكاتبه و يسأله حتى علم الرضا (عليه السلام)، أنه لا يكفّ عنه، فخرج و أبو جعفر (عليه السلام) له سبع سنين، فكتب إليه المأمون لا تأخذ على طريق الكوفة و قم، فحمل على طريق البصرة و الأهواز و فارس، حتّى وافى مرو، فلمّا وافى مرو عرض عليه المأمون أن يتقلّد الإمرة و الخلافة، فأبى الرضا (عليه السلام) في ذلك، و جرت في هذا مخاطبات كثيرة، فبقوا في ذلك نحوا من شهرين «2».

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 282، باب 69 ح 7.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 149 باب 40 ح 21.

421

و قد احتال المأمون هذه الحيلة لجهات شتّى:

منها: إطفاء أنوار الفضائل التي كانت مشرقة من شمس الضحى في مدينة الرسول، التي كانت مزار العامّ و الخاصّ، فكان المأمول و المسئول لهم بعد زيارة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) زيارة عالم آل محمّد صلّى اللّه عليهم، و لم يقدر أن يحبسه و يضيق عليه كما فعل هارون مع أبيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، لتبدّل الظروف و الأجواء، فأراد تبعيده و حبسه تحت إشرافه، و يظهر هذا من منعه أن يأخذ طريق الكوفة و قم، لئلا يلتقي مع شيعته في تلك البلاد.

و منها: أن يسقطه عن أعين الناس بتقليده ولاية عهده حتّى يغطي زهده في الدّنيا و استغراقه في عبادة اللّه.

و منها: أن يزيل عار قتل أخيه الأمين طلبا للملك بإظهار زهده في الخلافة بتقليدها للإمام (عليه السلام).

و منها: أن يمنع من خروج العلويّين عليه في أكناف البلاد، و يستريح منهم بهذه الوسيلة.

و لا مجال لبسط الكلام في المقام، و نقتصر على ما جرى بينه و بين الإمام (عليه السلام) بما رواه الصدوق عن إبراهيم بن تاتانة، و هو من مشايخه الذين ترضى عنهم و اعتمد عليه في الفقيه، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي الصلت الهروي الثقة، قال: إنّ المأمون قال للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه قد عرفت علمك و فضلك و زهدك و ورعك و عبادتك و أراك أحقّ بالخلافة منّي، فقال الرضا (عليه السلام):

بالعبودية للّه عزّ و جلّ أفتخر و بالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدّنيا، و بالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، و بالتواضع في الدّنيا أرجو الرفعة عند اللّه عزّ و جلّ، فقال له المأمون: فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة و أجعلها

422

لك و أبايعك، فقال له الرضا (عليه السلام): إن كانت هذه الخلافة لك و اللّه جعلها لك، فلا يجوز لك أن تخلع لباسا ألبسك اللّه و تجعله لغيرك، و إن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه فلا بدّ لك من قبول هذا الأمر، فقال: لست أفعل ذلك طائعا أبدا، فما زال يجهد به أيّاما حتّى يئس من قبوله فقال له: فإن لم تقبل الخلافة و لم تحب مبايعتي لك فكن وليّ عهدي [له] تكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا (عليه السلام): و اللّه لقد حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنّي أخرج من الدّنيا قبلك مسموما مقتولا بالسمّ مظلوما تبكي عليّ ملائكة السماء و ملائكة الأرض، و أدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون، ثمّ قال له: يا ابن رسول اللّه و من الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك و أنا حيّ؟! فقال الرضا (عليه السلام): أمّا إنّي لو أشاء أن أقول لقلت من [الذي] يقتلني، فقال المأمون: يا ابن رسول اللّه إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك و دفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس إنّك زاهد في الدنيا، فقال الرضا (عليه السلام): و اللّه ما كذبت منذ خلقني ربّي عزّ و جلّ و ما زهدت في الدّنيا للدّنيا، و إنّي لأعلم ما تريد، فقال المأمون: و ما أريد؟ قال: الأمان على الصدق، قال: لك الأمان؛ قال: تريد بذلك أن يقول الناس إنّ عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) لم يزهد في الدّنيا، بل زهدت الدّنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة؟ فغضب المأمون ثمّ قال: إنّك تتلقّاني أبدا بما أكرهه و قد أمنت سطوتي فباللّه أقسم لئن قبلت ولاية العهد و إلّا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت و إلّا ضربت عنقك، فقال الرضا (عليه السلام): قد نهاني اللّه تعالى أن ألقي بيدي [إلى] التهلكة، فإن كان الأمر على هذا؛ فافعل ما بدا لك؛ و أنا أقبل [ذلك] على أنّي لا أولي أحدا و لا أعزل أحدا و لا أنقض رسما و لا سنّة و أكون في الأمر من بعيد مشيرا؛

423

فرضي منه بذلك و جعله وليّ عهده على كراهة منه (عليه السلام) بذلك «1».

استدلّ (عليه السلام) على بطلان ما اقترحه بأنه إمّا أن تكون الخلافة لك، و إمّا أن لا تكون لك، و لا واسطة بين النفي و الإثبات، و على التقديرين أنت محجوج.

فإن كانت لك فالخلافة الإلهية ليست سلطنة اعتبارية قابلة للنقل إلى الغير، و الاختصاص بها بتخصيص من اللّه، و لا خيرة فيما يختاره اللّه، و ما ألبسه اللّه لا يمكن خلعه، و إن كانت الخلافة ليست لك فالفاقد لا يكون معطيا.

و بعد ما صار المأمون محجوجا في جعل الخلافة له اقترح ولاية العهد، و لم يدر أنه لا يعقل إمكان الفرع بعد استحالة الأصل.

و لمّا رأى (عليه السلام) عدم اقتناع المأمون بالبرهان أخبره بأنه لا يقدم على اللغو و العبث، فإنّ قبوله لولاية العهد متوقف على احتمال حياته بعد المأمون، و هو عالم بأنه يخرج من الدّنيا قبله.

و لمّا رأى إصراره أخبره بأنه يعلم ما تخفي الصدور، بأنه يريد إسقاطه عن أعين الناس، بأنه (عليه السلام) لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، و بعد ذلك يقتله ظلما، فلمّا خاب المأمون و لم يصل إلى ما نواه بالتطميع توسّل بحربة التهديد، و قال: فإن فعلت و إلّا ضربت عنقك.

لقد جمع (عليه السلام) بين الانتهاء بنهي اللّه وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «2»، و بين القبول بولاية العهد قبولا كان بعينه ردّها، حيث قال: و أنا أقبل على أن لا أوّلي أحدا، و لا أعزل أحدا، و لا أنقض رسما و لا سنّة.

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 139 باب 40 ح 3، علل الشرائع باب 173 العلّة التي من أجلها قبل الرضا (عليه السلام) من المأمون ولاية العهد ح 1.

(2) سورة البقرة: 195.

424

فإذا لم يكن له عزل و لا نصب و لا تصرّف في أمر كان قبوله كما قال (عليه السلام): قد علم اللّه كراهتي لذلك، فلمّا خيّرت بين قبول ذلك و بين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم أ ما علموا أنّ يوسف (عليه السلام) كان نبيّا رسولا، فلمّا دفعته الضرورة إلى تولّى خزائن العزيز، قال له اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «1» و دفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه و إجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول خارج منه، فإلى اللّه المشتكى و هو المستعان «2».

و ممّا يكشف عن نوايا المأمون و ما كان عليه الإمام (عليه السلام) من الشدّة و الحرج، أنه بعد ما كتب المأمون بذلك إلى البلدان، و ضربت الدنانير و الدراهم باسم الإمام (عليه السلام)، و خطب له على المنابر، حضر العيد، فبعث المأمون إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب و يحضر العيد و يخطب ليطمئن قلوب الناس و يعرفوا فضله و تقرّ قلوبهم على هذه الدولة المباركة، فبعث إليه الرضا (عليه السلام) و قال: قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر، فقال المأمون: إنّما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامّة و الجند و الشاكرية هذا الأمر فتطمئن قلوبهم و يقرّوا بما فضّلك اللّه به، فلم يزل يرده الكلام في ذلك، فلمّا ألحّ عليه قال: يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحبّ إليّ، و إن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كما خرج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال المأمون: اخرج كما تحبّ، و أمر المأمون القواد و الناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فقعد الناس لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) في الطرقات و السطوح من الرجال و النساء و الصبيان و اجتمع القواد على

____________

(1) سورة يوسف: 55.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 139 باب 40 ح 2، علل الشرائع باب 173 العلّة التي من أجلها قبل الرضا (عليه السلام) من المأمون ولاية العهد ح 3.

425

باب الرضا (عليه السلام)، فلمّا طلعت الشمس قام الرضا (عليه السلام)، فاغتسل و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن و ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفه و تشمّر، ثمّ قال لجميع مواليه:

افعلوا مثل ما فعلت، ثمّ أخذ بيده عكّازة و خرج و نحن بين يديه و هو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق، و عليه ثياب مشمّرة، فلمّا قام و مشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء و كبّر أربع تكبيرات؛ فخيّل إلينا أنّ الهواء و الحيطان تجاوبه، و القواد و الناس على الباب قد تزيّنوا و لبسوا السلاح و تهيئوا بأحسن هيئة، فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمّرنا و طلع الرضا (عليه السلام) وقف وقفة على الباب قال: اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر على ما هدانا اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و الحمد للّه على ما أبلانا، و رفع بذلك صوته و رفعنا أصواتنا فتزعزعت مرو من البكاء و الصياح، فقالها ثلاث مرّات، فسقط القواد عن دوابّهم و رموا بخفافهم لمّا نظروا إلى أبي الحسن (عليه السلام) و صارت مرو ضجّة واحدة و لم يتمالك الناس من البكاء و الضجيج، و كان أبو الحسن (عليه السلام) يمشي و يقف في كلّ عشر خطوات وقفة، فكبّر اللّه أربع مرّات فتخيّل إلينا أنّ السماء و الأرض و الحيطان تجاوبه، و بلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس؛ فالرأي أن تسأله أن يرجع فبعث إليه المأمون، فسأله الرجوع، فدعا أبو الحسن (عليه السلام) بخفّه فلبسه و رجع «1».

و قد تحقّق أنه (عليه السلام) لم يقبل ولاية العهد، بل ردّها.

قال عليّ بن عيسى الثقة عند الفريقين في كشف الغمّة:

و في سنة سبعين و ستمائة وصل من مشهده الشريف أحد قوّامه و معه العهد الذي كتبه المأمون بخط يده و بين سطوره و في ظهره بخط الإمام ما هو مسطور،

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 150 باب 40 ح 21.

426

فقبّلت مواقع أقلامه و سرحت طرفي في رياض كلامه، و عددت الوقوف عليه من منن اللّه و أنعامه ...

«1». و يظهر من الكتاب شدّة الأمر على الإمام (عليه السلام)، و لكنّه أظهر ما يمكن إظهاره بأوّل كلامه و آخر كلامه فكتب:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه الفعّال لما يشاء، لا معقب لحكمه، و لا رادّ لقضائه، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور ...»

«2». فبيّن أنّ ما يشاء اللّه كائن لا ما يشاءون، لا يعقب حكمه بما يحكمون، و لا يردّ قضاؤه بما يريدون، و أشار إلى الأعين الخائنة و ما تخفي الصدور من طرح ولاية العهد إلى نهاية الأمر.

و أبطل كلّ ما احتاله المأمون بما كتب في آخر كتابه:

«و الجامعة و الجفر يدلّان على ضدّ ذلك، و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم، إن الحكم إلّا اللّه يقضي بالحقّ و هو خير الفاصلين»

«3». و بعد ما بيّن بالجامعة و الجفر ما لا يعلمه إلّا عالم الغيب الذي لا يظهر غيبه إلّا لمن ارتضى، أشار إلى الظلم الذي جرى عليه، و أحال إحقاق الحقّ إلى محكمة يكون القاضي فيها هو اللّه.

و قد توسّل المأمون بكلّ وسيلة لحطّ مقامه (عليه السلام) و إطفاء أنوار فضائله، و يأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره،

فعن الحسن بن الجهم، قال: حضرت مجلس المأمون يوما و عنده عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، و قد اجتمع الفقهاء، و أهل الكلام من الفرق

____________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 333.

(2) كشف الغمّة ج 2 ص 337.

(3) كشف الغمّة ج 2 ص 337.

427

المختلفة، فسأله بعضهم، فقال له: يا ابن رسول اللّه بأيّ شيء تصحّ الإمامة لمدّعيها؟

قال: بالنصّ و الدليل، قال له: فدلالة الإمام ما هي؟ قال: في العلم و استجابة الدعوة

«1» ... و الحديث طويل مشتمل على مطالب شامخة نقتصر منها على الإشارة إلى ما أفاد (عليه السلام) فيما تثبت به الإمامة:

فإنّ الدليل لا بدّ من ارتباطه بالمدلول كارتباط المعلول بالعلّة، حتّى يكون إثباتا لما هو في مقام الثبوت، و الإمام كما

في الصحيح: أمين اللّه في أرضه، و حجّته على عباده

«2»، و الأمانة عنوان إضافي متعلّق بالمستأمن و الأمين، و إذا كان المستأمن هو اللّه سبحانه فالأمانة هي العلوم الإلهية، و كلمات اللّه التامّات، و ما تنزل الملائكة و الروح في ليلة القدر من كلّ أمر، و حروف الاسم الأعظم الذي كان حرف منه عند آصف فجاء بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف، و ما يحتاج إليه الناس في معاشهم و معادهم، و الإمام هو مختار اللّه لإكمال دينه و إتمام نعمته وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ «3».

و الأمين يحتاج إلى سند من المستأمن لإثبات كونه أمينا له، و من هذه الجهة صحّح (عليه السلام) دعوى الإمامة بالنصّ، و من جهة أنّ الإمام حجّة اللّه على عباده صحّت دعوى الإمامة بدلالة العلم و استجابة الدعوة، فإنّ الحجّة من اللّه هو الإنسان الكامل، و كمال الإنسان بالعلم و نفوذ الإرادة.

و الرئاسة الإلهية في الدنيا لا تجتمع مع العجز و الجهالة، فلا بدّ أن يكون خليفة اللّه في خلقه و حجّته على عباده لاستكمال العقول و تربية النفوس أعلم الناس،

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 200 باب 46 ح 1.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 1 ص 218 باب 20 ح 1.

(3) سورة القصص: 68.

428

و مستمدّا من العليم الذي لا نفاد لكلماته، و باستغراقه في طاعة اللّه و اتباع إرادته لإرادة اللّه تكون إرادته نافذة، و قدرته قاهرة بإذن اللّه.

فدلالة الإمام هي العلم و استجابة الدعوة، و هذان الأمران يثبتان مقام الإنسان الكامل في العقل و الإرادة الذي هو مربّي نوع الإنسان، و عند ما ادّعى (عليه السلام) الإمامة و قال في الملأ العام إنّ دلالتها العلم و استجابة الدعوة، و قد كانت السلطة الحاكمة و حواشيها مترصدين لإبطال دعواه و مع ذلك سكتوا عن مطالبته بإقامة الدليل على مدّعاه فإن سكوتهم أقوى شاهد على عجزهم عن معارضته، و اعترافهم بأنه العالم الذي عنده جواب كلّ مسألة، و أنه الوجيه عند اللّه الذي لا تردّ له كلّ طلبة.

و لمّا كانت سنة اللّه على إتمام حجّته و إعلاء كلمته أظهر علمه و استجابة دعائه باستدعاء من المأمون، و كذلك يتمّ اللّه نوره فيسخر المأمون الذي أراد إطفاء نور الامام (عليه السلام) ليجمع علماء الأمم و عظماء الملل لمناظرته:

لمّا قدم علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق، و رأس الجالوت، و رؤساء الصابئين، و الهربذ الأكبر، و أصحاب زردهشت، و قسطاس الرومي، و المتكلّمين يسمع كلامه و كلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ثمّ أعلم المأمون باجتماعهم، فقال: أدخلهم عليّ، ففعل، فرحّب بهم المأمون، ثمّ قال لهم: إنّي إنّما جمعتكم لخير، و أحببت أن تناظروا ابن عمّي هذا المدنيّ القادم عليّ، فإذا كان بكرة فاغدوا عليّ و لا يتخلّف منكم أحد، فقالوا: السمع و الطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكّرون إن شاء اللّه.

قال الحسن بن محمّد النوفليّ: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) إذ دخل علينا ياسر الخادم و كان يتولّى أمر أبي الحسن (عليه السلام) فقال:

429

يا سيّدي إنّ أمير المؤمنين يقرؤك السلام فيقول: فداك أخوك إنه اجتمع إليّ أصحاب المقالات و أهل الأديان و المتكلّمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم و إن كرهت كلامهم فلا تتجشّم و إن أحببت أن نصير إليك خفّ ذلك علينا، فقال أبو الحسن (عليه السلام): أبلغه السلام و قل له: قد علمت ما أردت، و أنا صائر إليك بكرة إن شاء اللّه.

قال الحسن بن محمّد النوفليّ: فلمّا مضى ياسر التفت إلينا، ثمّ قال لي: يا نوفليّ أنت عراقيّ و رقّة العراقي غير غليظة فما عندك في جمع ابن عمّك علينا أهل الشرك و أصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان و يحبّ أن يعرف ما عندك، و لقد بنى على أساس غير وثيق البنيان و بئس و اللّه ما بنى، فقال لي: و ما بناؤه في هذا الباب؟ قلت: إنّ أصحاب البدع و الكلام خلاف العلماء، و ذلك أنّ العالم لا ينكر غير المنكر، و أصحاب المقالات و المتكلّمون و أهل الشرك أصحاب إنكار و مباهتة، و إن احتججت عليهم أنّ اللّه واحد قالوا: صحّح وحدانيّته، و إن قلت: إنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قالوا: أثبت رسالته، ثمّ يباهتون الرجل و هو يبطل عليهم بحجّته، و يغالطونه حتّى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك، قال: فتبسّم (عليه السلام) ثمّ قال: يا نوفليّ أ تخاف أن يقطعوا عليّ حجّتي؟ قلت: لا و اللّه ما خفت عليك قطّ و إنّي لأرجو أن يظفرك اللّه بهم إن شاء اللّه، فقال لي: يا نوفليّ أ تحبّ أن تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم، قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، و على أهل الإنجيل بإنجيلهم، و على أهل الزبور بزبورهم، و على الصابئين بعبرانيّتهم، و على الهرابذة بفارسيّتهم، و على أهل الروم بروميّتهم، و على أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كلّ صنف و دحضت حجّته و ترك مقالته و رجع إلى قولي علم المأمون أنّ الموضع الذي هو بسبيله ليس هو بمستحقّ له، فعند ذلك تكون الندامة منه، و لا حول

430

و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم ...

«1»، هذا ما ظهر من علمه الذي هو دلالة الإمام.

و ظهرت إجابة دعائه (عليه السلام) حين احتبس المطر، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: اللّهمّ يا ربّ أنت عظّمت حقّنا أهل البيت، فتوسّلوا بنا كما أمرت، و أملّوا فضلك و رحمتك، و توقعوا إحسانك و نعمتك، فاسقهم سقيا نافعا عامّا غير رائث و لا ضائر، و ليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم و مقارهم

«2»، فاستجاب له ربّه كما دعا.

* و صدرت منه الآيات الباهرات التي أقرّ بها المؤمن و المنافق، و خضع لها المسلم و الكافر.

في العيون عن عبد اللّه بن محمّد الهاشمي، قال: دخلت على المأمون يوما فأجلسني و أخرج من كان عنده، ثمّ دعا بالطعام فطعمنا، ثمّ طيّبنا، ثمّ أمر بستارة فضربت، ثمّ أقبل على بعض من كان في الستارة، فقال: باللّه لمّا رثيت لنا من بطوس فأخذت تقول:

من عترة المصطفى أبقى لنا حزنا سقيا بطوس و من أضحى بها قطنا

قال: ثمّ بكى، فقال لي: يا عبد اللّه؛ أ يلومني أهل بيتي و أهل بيتك أن نصبت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) علما، فو اللّه لأحدّثك بحديث تتعجّب منه: جئته يوما فقلت له:

جعلت فداك أنّ آبائك موسى بن جعفر، و جعفر بن محمّد، و محمّد بن عليّ، و عليّ بن الحسين (عليهم السلام) كان عندهم علم ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و أنت وصيّ القوم و وارثهم، و عندك علمهم، و قد بدت لي إليك حاجة، قال: هاتها، فقلت: هذه

____________

(1) التوحيد: ص 417.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 168، باب 41 ح 1.

431

الزاهريّة حظيتي [خطتني] و لا أقدم عليها من جواريّ قد حملت غير مرّة و أسقطت، و هي الآن حامل، فدلّني على ما نتعالج به فتسلم، فقال: لا تخف من إسقاطها فإنّها تسلم، و تلد غلاما أشبه الناس بأمّه، و يكون له خنصر زائدة في يده اليمنى ليست بالمدلاة، و في رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمدلاة، فقلت في نفسي أشهد أن اللّه على كلّ شيء قدير فولدت الزاهرية غلاما أشبه الناس بأمّه، و في يده اليمنى خنصر زائدة ليست بالمدلاة، و في رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمدلاة، على ما كان وصفه لي الرضا (عليه السلام)، فمن يلومني على نصبي إيّاه علما

«1».**

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 223، الباب 47 ح 43، الخرائج و الجرائح ج 2 ص 660.

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

الإمام التاسع محمّد بن علي بن موسى الرضا (عليهم السلام)

ولد في شهر رمضان أو شهر رجب سنة خمس و تسعين و مائة، و قبض سنة عشرين و مائتين في آخر ذي القعدة، و كانت مدّة إمامته من بعد أبيه سبع عشرة سنة، و هو المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على الشيعة منه «1».

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

كنيته أبو جعفر، و أبو علي، و من ألقابه: التقيّ، و المنتجب، و الجواد، و المرتضى، و المختار، و المتوكّل، و المتّقي، و الزكي، و القانع، و العالم.

مكارمه و كراماته (عليه السلام)

مكارمه و كراماته مسطورة في كتب الخاصّة و العامّة، نذكر بعضها:

منها: في الصحيح عن محمّد بن حسّان عن علي بن خالد، و كان زيديّا، قال:

كنت في العسكر فبلغني أنّ هناك رجلا محبوسا أتي به من ناحية الشام مكبولا، و قالوا: إنه تنبّأ، قال عليّ: فداريت القوّادين و الحجب، حتّى وصلت إليه

____________

(1) الكافي ج 1 ص 321.

434

فإذا رجل له فهم.

فقلت له: يا هذا ما قصّتك و ما أمرك؟ فقال لي: كنت رجلا بالشام أعبد اللّه عند رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) فبينا أنا في عبادتي [إذ أنا] إذ أتاني شخص فقال قم بنا، قال فقمت معه، قال فبينا أنا معه في مسجد الكوفة، فقال لي:

تعرف هذا المسجد؟ قلت: نعم، هذا مسجد الكوفة قال: فصلّى و صلّيت معه، فبينا أنا معه [إذ أنا] في مسجد المدينة قال: فصلّى و صلّيت، و صلّى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و دعا له فبينا أنا معه إذا أنا بموضعي الذي كنت أعبد اللّه فيه بالشام. قال: و مضى الرجل. قال: فلمّا كان عام قابل في أيّام الموسم إذا أنا به و فعل بي مثل فعلته الأولى، فلمّا فرغنا من مناسكنا و ردّني إلى الشام و همّ بمفارقتي قلت له: سألتك بحقّ الذي أقدرك على ما رأيت، إلّا أخبرتني من أنت؟ قال: فأطرق طويلا ثمّ نظر إليّ فقال: أنا محمّد بن عليّ بن موسى.

فتراقى الخبر إلى محمّد بن عبد الملك الزيّات، قال: فبعث إليّ فأخذني و كبّلني في الحديد، و حملني إلى العراق و حبسني كما ترى.

قال قلت له: ارفع قصّتك إلى محمّد بن عبد الملك؟ فقال: و من لي يأتيه بالقصّة؟ قال: فأتيته بقرطاس و دواة فكتب قصّته إلى محمّد بن عبد الملك فذكر في قصّته ما كان، قال: فوقع في القصّة: قل للذي أخرجك في ليلة من الشام إلى الكوفة، و من الكوفة إلى المدينة، و من المدينة إلى المكان أن يخرجك من حبسك.

قال عليّ: فغمّني أمره و رققت له، و أمرته بالعزاء، قال: ثمّ بكّرت عليه يوما فإذا الجند، و صاحب الحرس، و صاحب السجن، و خلق عظيم، يتفحّصون حاله قال فقلت: ما هذا؟ قالوا: المحمول من الشام الذي تنبأ افتقد البارحة، لا ندري خسف به الأرض، أو اختطفه الطير في الهواء.

435

و كان عليّ بن خالد هذا زيديّا فقال بالإمامة بعد ذلك، و حسن اعتقاده» «1».

و منها: ما رواه المفيد «2» و علي بن إبراهيم «3» و الطبرسي «4»، و رواه العامّة «5» أيضا باختلاف في الإجمال و التفصيل، و ننقله من الاحتجاج:

عن الريّان بن شبيب قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) بلغ ذلك العبّاسيّين فغلظ ذلك عليهم [عليهم ذلك]، و استنكروه منه، و خافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا (عليه السلام)، فخاضوا في ذلك و اجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا (عليه السلام) فإنّا نخاف أن تخرج [يخرج] به عنّا أمرا [أمر] قد ملّكناه اللّه عز و جلّ، تنزع [ينتزع] منّا عزّا [عزّ] قد ألبسنا اللّه عزّ و جلّ، و قد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا، و ما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك، من تبعيدهم و التصغير بهم، و قد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت فكفانا اللّه المهمّ من ذلك، فاللّه اللّه أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا، و اصرف رأيك عن ابن الرّضا و اعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.

فقال لهم المأمون: أمّا ما بينكم و بين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، و لو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، و أمّا ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به قاطعا

____________

(1) بصائر الدرجات الجزء الثامن باب 13، ح 1، ص 422، و بتفاوت في الكافي ج 1 ص 492 و كشف الغمّة ج 2 ص 359، الخرائج و الجرائح ج 1 ص 380.

(2) الإرشاد ج 2 ص 281.

(3) تفسير القمّي ج 1 ص 182.

(4) الاحتجاج ج 2 ص 240.

(5) الصواعق المحرقة ص 206.

436

للرّحم، و أعوذ باللّه من ذلك، و و اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا و لقد سألته أن يقوم بالأمر و أنزعه عن [من] نفسي فأبى، و كان أمر اللّه قدرا مقدورا.

و أمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العلم و الفضل، مع صغر سنّه، و الأعجوبة فيه بذلك، و أنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت.

فقالوا: إنّ هذا الفتى و إن راقك منه هديه فإنه صبيّ لا معرفة له و لا فقه، فأمهله ليتأدّب ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك، فقال لهم: ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، و إنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه تعالى و موادّه و إلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين و الأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت لكم من حاله.

قالوا: [لقد] قد رضينا لك يا أمير المؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، و ظهر للخاصّة و العامّة سديد رأي أمير المؤمنين فيه، و إن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه فقال لهم المأمون:

شأنكم و ذلك متى أردتم.

فخرجوا من عنده و اجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم، و هو يومئذ قاضي الزمان، على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك، و عادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك.

فاجتمعوا في اليوم الذي اتّفقوا عليه و حضر معهم يحيى بن أكثم، و أمر المأمون

437

أن يفرش لأبي جعفر دست و يجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، و خرج أبو جعفر (عليه السلام) و هو يومئذ ابن تسع سنين و أشهر فجلس بين المسورتين، و جلس يحيى بن أكثم بين يديه، و قام الناس في مراتبهم و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر (عليه السلام).

فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟ فقال المأمون: استأذنه في ذلك فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أ تأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): سل إن شئت.

قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام): قتله في حلّ، أو حرم، علاما كان المحرم، أو جاهلا، قتله عمدا أو خطأ، حرّا كان المحرم أم عبدا، صغيرا كان أم كبيرا، مبتدئا بالقتل أو معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كبارها، مصرّا على ما فعل أو نادما، في الليل كان قتله للصيد أم في النهار، محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرما؟

فتحيّر يحيى بن أكثم و بان في وجهه العجز و الانقطاع و لجلج [تلجلج]، حتّى عرف جماعة أهل المجلس عجزه.

فقال المأمون: الحمد للّه على هذه النعمة و التوفيق لي في الرأي، ثمّ نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أ عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ أقبل على [إلى] أبي جعفر (عليه السلام) فقال له: أ تخطب يا أبا جعفر؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: أخطب لنفسك جعلت فداك فقد رضيتك لنفسي و أنا مزوّجك أمّ الفضل ابنتي، و إن رغم أنوف قوم لذلك.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): الحمد للّه إقرارا بنعمته، و لا إله إلّا اللّه إخلاصا لوحدانيّته

438

و صلّى اللّه على [محمّد] سيّد بريّته، و الأصفياء من عترته.

أمّا بعد فقد كان من فضل اللّه على الأنام، أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ «1».

ثمّ إنّ محمّد بن عليّ بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون، و قد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد (عليهما السلام) و هو خمسمائة درهم جيادا، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟

قال المأمون: نعم، قد زوّجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): نعم قد قبلت ذلك و رضيت به.

فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم من الخاصّة و العامّة.

قال الرّيان: و لم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه [أصوات] الملّاحين في محاوراتهم فإذا الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من فضّة تشدّ بالحبال من الإبريسم على عجل مملوّة من الغالية، فأمر المأمون أن تخضب لحاء [لحى] الخاصّة من تلك الغالية ثمّ مدت إلى دار العامّة فتطيبوا منها، و وضعت الموائد فأكل الناس، و خرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم.

فلمّا تفرّق الناس و بقي من الخاصّة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إن رأيت أن تذكر الفقه [الذي] فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه و نستفيده.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): نعم، إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحلّ و كان الصيد من ذوات الطير، و كان من كبارها، فعليه شاة، فإن [و إن] أصابه في الحرم فعليه الجزاء

____________

(1) سورة النور: 32.

439

مضاعفا، و إذا قتل فرخا في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الحمل و قيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة، و إن كان نعامة فعليه بدنة، و إن كان ظبيا فعليه شاة، و إن كان قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة.

و إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، و كان إحرامه بالحجّ [للحج] نحره بمنى، و إن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة.

و جزاء الصيد على العالم و الجاهل سواء، و في العمد عليه المأثم و هو موضوع عنه في الخطأ.

و الكفّارة على الحرّ في نفسه، و على السيّد في عبده، و الصغير لا كفّارة عليه، و هي على الكبير واجبة، و النادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، و المصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.

فقال [له] المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن اللّه إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك فقال أبو جعفر (عليه السلام) ليحيى: أسألك؟

قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه و إلّا استفدته منك.

فقال له أبو جعفر (عليه السلام): أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا غربت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة و بما ذا حلّت له و حرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم: لا و اللّه لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال، و لا أعرف

440

الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبيّ في أوّل النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلمّا ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان في نصف الليل طلّقها تطليقة واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.

قال: فأقبل المأمون على من حضر من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم من يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدّم من السؤال؟

قالوا: لا و اللّه، إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى، فقال: ويحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، و إنّ صغر السنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال ...»

«1».

حكمه و مواعظه (عليه السلام)

و من حكمه و مواعظه (عليه السلام):

«كيف يضيع من اللّه كافله، و كيف ينجو من اللّه طالبه، و من انقطع إلى غير اللّه وكله اللّه إليه، و من عمل على غير علم كان ما أفسد أكثر ممّا يصلح»

«2». الضياع إمّا من جهل الكفيل و إمّا من عجزه و إمّا من سفاهته، فلا ضياع إذا كان الكفيل عالما قادرا حكيما، فكيف يضيع من اللّه كافله.

____________

(1) الاحتجاج ج 2 ص 240، باب احتجاج الجواد (عليه السلام)، الإرشاد ج 2 ص 281.

(2) كشف الغمّة ج 2 ص 368، بحار الأنوار ج 75 ص 364.

441

و نجاة المطلوب إنما تكون من الطالب الذي يمكن الفرار منه، و كيف يمكن الفرار ممّن هو معكم أينما كنتم، لا بمعيّة مكانيّة، بل بمعيّة قيّومية، و ليس الفرار منه إلّا إليه، فكيف ينجو من اللّه طالبه؟

إنّ من انقطع إلى غير اللّه يطلب بانقطاعه إليه التوكّل عليه، فإذا و كله اللّه إليه أجاب دعوته، و لم يرد طلبته، سبحان من هو جواد في كلّ ما يفعل بالعباد، فمن انقطع إلى غير اللّه و كله اللّه إليه إجابة لدعوته.

كلّ عمل من كلّ عامل سواء أ كان للدّنيا أو للآخرة، و كان للفرد أو المجتمع لا بدّ أن يكون عن علم، و العلم هو الذي لا يحتمل الخلاف، و إلّا كان العمل عن جهل حتى لو كان عن ظنّ، فإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا، فيكون لا محالة ما يفسده أكثر ممّا يصلحه.

و قال (عليه السلام): «من أطاع هواه أعطى عدوّه مناه»

«1». إنّ الهوى يهوي بمن اتبعه إلى مهالك الدّنيا و الآخرة، و يحجب العقل عن إدراك الحسن و القبح، و الخير و الشرّ، فيصدّه عن الحقّ، فيضل عن سبيل اللّه، و ما ذا بعد الحقّ إلّا الضلال؟! قال اللّه تعالى: وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً «2» فأعدى عدوّك هي نفسك التي بين جنبيك، فمن أطاع هواه فقد أعطى عدوّه مناه.

و قال (عليه السلام): «قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعا لما تهواه»

3.

و قال (عليه السلام): «إيّاك و مصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره، و يقبح أثره»

«4».

____________

(1 و 3 بحار الأنوار ج 75 ص 364.

(2) سورة الكهف: 28.

(4) بحار الأنوار ج 75 ص 364.

442

إنّ أصحاب النفوس الشريرة يخفون شرّهم وراء القول و العمل الكاذب، و يظهر شرّهم عند ما يصدر منهم، كما يظهر أثر السيف المسلول إذا ضرب به.

و قال (عليه السلام): «من لم يعرف الموارد أعيته المصادر»

«1». جمع (عليه السلام) في هذه الجملة ما يوجب السعادة و الشقاء، فإنّ من لم يعرف ما يرد عليه من قول و عمل، لا يعلم المصالح و المفاسد، و المضارّ و المنافع التي تصدر من الموارد، كمن يمشي في ظلمات لا يدري ما يضع قدمه عليه، و أمّا من عرف الموارد فهو على بصيرة و استعداد للمصادر.

و قال (عليه السلام): «لا تكن وليّا للّه في العلانية، عدوّا له في السرّ»

«2». فإنّ من أصلح ظاهره عند الخلق و أفسد باطنه عند الخالق، فقد عظّم الخلق و حقّر الخالق، و هو أسوأ حالا ممّن كان عدوّا للّه في السرّ و العلانية، فإنه قد أمن الناس من نفاقه.

و قال (عليه السلام): «عزّ المؤمن في غناه عن الناس»

«3». إنّ الاستغناء عن الناس و الافتقار إلى اللّه عزّ و جلّ شرف الدّنيا و الآخرة.

و قال (عليه السلام): «القصد إلى اللّه تعالى بالقلوب أبلغ من اتعاب الجوارح بالأعمال»

«4». من عرف منزلة النفس من البدن، و مرتبة القصد من العمل، أدرك معنى قوله (عليه السلام).

و قال (عليه السلام): «الثقة باللّه ثمن لكلّ غال، و سلّم إلى كلّ عال»

«5».

____________

(1) بحار الأنوار ج 75 ص 364.

(2) بحار الأنوار ج 75 ص 365.

(3) بحار الأنوار ج 75 ص 365.

(4) نزهة الناظر ص 134، كشف الغمّة ج 2 ص 368، بحار الأنوار ج 75 ص 364.

(5) بحار الأنوار ج 75 ص 364.

443

إنّ الإنسان مفطور على حبّ الكمال، فهمّته تحصيل ما هو غال، و الوصول إلى ما هو عال، و الطبقة النازلة من الناس اعتمادهم على المال و المنال، و الطبقة المتوسّطة ثقتهم بقوّة نفوسهم لما يرونه من قدرتها العجيبة إذا جمعت قواها، فهم يرون أنّ العقد العضال تنحلّ بإرادتها القوية بالرياضة، و أنه بهمم الرجال تزول الجبال.

و امّا الطبقة العالية فترى أنّ قدرة ما و من هو غير اللّه كلّها محدودة و بالعرض، و المحدود لا يتجاوز عن حدّه، و ما هو بالعرض مقهور لما هو بالذات، فليس الثمن لكلّ غال و السلّم إلى كلّ عال إلّا الثقة باللّه المتعال.

**

444

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

445

الإمام العاشر عليّ بن محمّد بن عليّ النقيّ (عليهم السلام)

قيل ولد للنصف من ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة و مأتين، و روي أنه ولد في رجب سنة أربع عشرة و مأتين، و قبض لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و مأتين، و روي أنه قبض (عليه السلام) سنة أربع و خمسين و مأتين، و عمره على القول الأوّل في مولده إحدى و أربعون سنة و ستّة أشهر، و على المروي أربعون سنة «1».

كنيته و ألقابه (عليه السلام)

كنيته أبو الحسن، و ألقابه: الهادي، و النجيب، و المرتضى، و التقيّ، و العالم، و الفقيه، و الأمين، و المؤتمن، و الناصح، و المفتاح، و الطيّب، و المتوكّل، و العسكري.

و في الصحيح عن إسماعيل بن مهران، قال: لمّا خرج أبو جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكرّ بوجهه إليّ ضاحكا، و قال:

ليس حيث ظننت في هذه السنة.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 497.

446

فلمّا استدعي به إلى المعتصم، صرت إليه، فقلت له: جعلت فداك، فأنت خارج، فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتّى اخضلّت لحيته، ثمّ التفت إليّ، فقال: عند هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني علي

«1».

كراماته (عليه السلام)

و هى أكثر من أن يحويها هذا المختصر، و نقتصر على بعضها:

عن أبي هاشم الجعفري، قال: كنت بالمدينة حين مرّ بنا [بغا] أيّام الواثق في طلب الأعراب فقال أبو الحسن: اخرجوا بنا حتّى ننظر إلى تعبئة هذا التركي، فخرجنا فوقفنا فمرّت بنا تعبئته، فمرّ بنا تركي، فكلّمه أبو الحسن (عليه السلام) بالتركي، فنزل عن فرسه فقبّل حافر فرس الإمام (عليه السلام)، فحلّفت التركي، فقلت له: ما قال لك الرجل؟ قال: هذا نبيّ؟! قلت: ليس هو بنبيّ. قال: دعاني باسم سمّيت به في صغري في بلاد الترك، ما علمه أحد إلى الساعة

«2». عن صالح بن سعيد، قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك، في كلّ الأمور أرادوا إطفاء نورك و التقصير بك حتّى أنزلوك هذا الخان الأشنع خان الصعاليك، فقال: هاهنا أنت يا ابن سعيد، ثمّ أومأ بيده، فقال: انظر، فنظرت، فإذا بروضات آنفات، و روضات ناظرات، فيهنّ خيرات عطرات، و ولدان كأنّهنّ اللؤلؤ المكنون، و أطيار، و ظباء، و أنهار تفور، فحار بصري و حسرت عيني، فقال: حيث كنّا فهذا لنا عتيد، و لسنا في خان الصعاليك

«3».

____________

(1) الكافي ج 1 ص 323، الإرشاد ج 2 ص 298.

(2) الخرائج و الجرائح ج 2 ص 674، و بتفاوت يسير في الثاقب في المناقب ص 539، إعلام الورى ج 2 ص 117، كشف الغمّة ج 2 ص 397، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 408.

(3) الكافي ج 1 ص 498، و بتفاوت يسير في بصائر الدرجات الجزء الثامن باب 13 ح 7، ص 406،

447

حدّث جماعة من أهل أصفهان، منهم أبو العبّاس أحمد بن النضر و أبو جعفر محمّد بن علويّة قالوا: كان بأصفهان رجل يقال له: عبد الرحمن و كان شيعيّا، قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك به القول بإمامة عليّ النقيّ دون غيره من أهل الزمان؟

قال: شاهدت ما أوجب ذلك عليّ، و ذلك أنّي كنت رجلا فقيرا و كان لي لسان و جرأة، فأخرجني أهل أصفهان سنة من السنين مع قوم آخرين إلى باب المتوكّل متظلّمين، فكنّا بباب المتوكّل يوما إذ خرج الأمر بإحضار علي بن محمّد ابن الرضا (عليهم السلام) فقلت لبعض من حضر: من هذا الرجل الذي قد أمر بإحضاره؟

فقيل: هذا رجل علويّ تقول الرافضة بإمامته. ثمّ قيل: و يقدّر أنّ المتوكّل يحضره للقتل. فقلت: لا أبرح من هاهنا حتّى أنظر إلى هذا الرجل أيّ رجل هو؟

قال: فأقبل راكبا على فرس، و قد قام الناس يمنة الطريق و يسرته صفّين ينظرون إليه، فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع اللّه عنه شرّ المتوكّل، فأقبل يسير بين الناس و هو ينظر إلى عرف دابّته لا ينظر يمنة و لا يسرة، و أنا دائم الدعاء له، فلمّا صار بإزائي أقبل إليّ بوجهه، و قال: استجاب اللّه دعاءك، و طوّل عمرك، و كثّر مالك و ولدك.

قال: فارتعدت [من هيبته] و وقعت بين أصحابي، فسألوني و هم يقولون: ما شأنك؟ فقلت: خير، و لم أخبرهم بذلك.

فانصرفنا بعد ذلك إلى أصفهان، ففتح اللّه عليّ [الخير بدعائه، و] وجوها من المال حتّى أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم، سوى مالي خارج

____________

الثاقب في المناقب ص 542، الخرائج و الجرائح ج 2 ص 680، إعلام الورى ج 2 ص 126، كشف الغمّة ج 2 ص 383، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 411 و مصادر أخرى.

448

داري، و رزقت عشرة من الأولاد، و قد بلغت الآن من عمري نيفا و سبعين سنة و أنا أقول بإمامة هذا الذي علم ما في قلبي و استجاب اللّه دعاءه فيّ ولي

«1». قال هبة اللّه بن أبي منصور الموصلي: كان بديار ربيعة كاتب نصراني و كان من أهل كفرتوثى يسمّى يوسف بن يعقوب، و كان بينه و بين والدي صداقة، قال:

فوافانا فنزل عند والدي فقال له والدي: ما شأنك قدمت في هذا الوقت؟ قال: قد دعيت إلى حضرة المتوكّل، و لا أدري ما يراد منّي، إلّا أنّي اشتريت نفسي من اللّه بمائة دينار، و قد حملتها لعليّ بن محمّد بن الرضا (عليهم السلام) معي. فقال له والدي: قد وفّقت في هذا.

قال: و خرج إلى حضرة المتوكّل و انصرف إلينا بعد أيّام قلائل فرحا مستبشرا. فقال له والدي: حدّثني حديثك.

قال: صرت إلى سرّ من رأى و ما دخلتها قطّ، فنزلت في دار و قلت: أحبّ أن أوصل المائة إلى ابن الرضا (عليه السلام) قبل مصيري إلى باب المتوكّل، و قبل أن يعرف أحد قدومي. قال: فعرفت أنّ المتوكّل قد منعه من الركوب، و أنه ملازم لداره فقلت:

كيف أصنع؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضا؟! لا آمن أن ينذر بي فيكون ذلك زيادة فيما أحاذره.

قال: ففكّرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي أن أركب حماري و أخرج في البلد، فلا أمنعه من حيث يذهب، لعلّي أقف على معرفة داره من غير أن أسأل أحدا.

قال: فجعلت الدنانير في كاغدة، و جعلتها في كمّي، و ركبت فكان الحمار

____________

(1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 392، و بتفاوت يسير في الثاقب في المناقب ص 550، كشف الغمّة ج 2 ص 389.

449

يخترق الشوارع و الأسواق يمرّ حيث يشاء إلى أن صرت إلى باب دار، فوقف الحمار فجهدت أن يزول فلم يزل، فقلت للغلام: سل لمن هذه الدار؟

فقيل: هذه دار [علي بن محمّد] ابن الرضا! فقلت: اللّه أكبر دلالة و اللّه مقنعة.

قال: و إذا خادم أسود قد خرج [من الدار] فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟

قلت: نعم. قال: انزل. فنزلت فأقعدني في الدهليز و دخل، فقلت في نفسي: و هذه دلالة أخرى من أين عرف هذا الخادم اسمي [و اسم أبي]، و ليس في هذا البلد من يعرفني، و لا دخلته قطّ؟!

قال: فخرج الخادم فقال: المائة الدينار التي في كمّك في الكاغدة هاتها!؟

فناولته إيّاها، فقلت: و هذه ثالثة، ثمّ رجع إليّ، فقال: ادخل.

فدخلت إليه و هو في مجلسه وحده فقال: يا يوسف أما آن لك أن تسلم؟

فقلت: يا مولاي قد بان [لي من البرهان] ما فيه كفاية لمن اكتفى.

فقال: هيهات أمّا إنّك لا تسلم، و لكن سيسلم ولدك فلان، و هو من شيعتنا.

[فقال:] يا يوسف إنّ أقواما يزعمون أنّ ولايتنا لا تنفع أمثالك، كذبوا و اللّه إنّها لتنفع أمثالك، امض فيما وافيت له، فإنّك سترى ما تحبّ [و سيولد لك ولد مبارك].

قال: فمضيت إلى باب المتوكّل فقلت كلّ ما أردت فانصرفت.

قال هبة اللّه: فلقيت ابنه بعد [موت أبيه] و هو مسلم حسن التشيّع، فأخبرني أن أباه مات على النصرانيّة، و أنه أسلم بعد موت والده. و كان يقول: أنا بشارة مولاي (عليه السلام)

«1». عن زرافة [زرارة] قال: أراد المتوكّل أن يمشي عليّ بن محمّد بن الرضا (عليهم السلام) يوم السلام، فقال له وزيره: إنّ في هذا شناعة عليك و سوء مقالة فلا تفعل. قال:

____________

(1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 396، و بتفاوت يسير في كشف الغمّة ج 2 ص 392.

450

لا بدّ من هذا.

قال: فإن لم يكن بدّ من هذا فتقدّم بأن يمشي القوّاد و الأشراف كلّهم، حتّى لا يظنّ الناس أنّك قصدته بهذا دون غيره، ففعل و مشى (عليه السلام) و كان الصيف، فوافى الدهليز و قد عرق.

قال: فلقيته فأجلسته في الدهليز و مسحت وجهه بمنديل و قلت: إنّ ابن عمّك لم يقصدك بهذا دون غيرك، فلا تجد عليه في قلبك.

فقال: إيها عنك تَمَتَّعُوا فِي دٰارِكُمْ ثَلٰاثَةَ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ «1».

قال زرافة: و كان عندي معلّم يتشيّع و كنت كثيرا أمازحه بالرافضي فانصرفت إلى منزلي وقت العشاء و قلت: تعال يا رافضي حتّى أحدّثك بشيء سمعته اليوم من إمامكم. قال: و ما سمعت؟ فأخبرته بما قال.

قال: يا حاجب أنت سمعت هذا من عليّ بن محمّد (عليهما السلام)؟ قلت: نعم. قال:

فحقّك عليّ واجب بحقّ خدمتي لك، فاقبل نصيحتي، قلت: هاتها. قال: إن كان عليّ بن محمّد قد قال ما قلت فاحترز و اخزن كلّ ما تملكه، فإنّ المتوكّل يموت أو يقتل بعد ثلاثة أيّام، فغضبت عليه و شتمته و طردته من بين يديّ، فخرج.

فلمّا خلوت بنفسي، تفكّرت و قلت: ما يضرّني أن آخذ بالحزم، فإن كان من هذا شيء كنت قد أخذت بالحزم، و إن لم يكن لم يضرّني ذلك، قال: فركبت إلى دار المتوكّل فأخرجت كلّ ما كان لي فيها، و فرّقت كلّ ما كان في داري إلى عند أقوام أثق بهم، و لم أترك في داري إلّا حصيرا أقعد عليه.

فلمّا كانت الليلة الرابعة قتل المتوكّل و سلمت أنا و مالي، فتشيّعت عند ذلك

____________

(1) سورة هود: 65.

451

و صرت إليه، و لزمت خدمته، و سألته أن يدعو لي و تولّيته حقّ الولاية

«1». و غير خفيّ أنّ ما ناله الرجل من الأمن في الدنيا و الأمان في الآخرة ببركة خدمته للإمام (عليه السلام) بمسح عرق وجهه، فطوبى لمن أحيا أمرهم بما أقدره اللّه عليه، فإنّ مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ بٰاقٍ «2».

حكمه و مواعظه (عليه السلام)

و من حكمه و مواعظه (عليه السلام):

من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه

«3». الغنى قلّة تمنّيك، و الرضا بما يكفيك.

4

الناس في الدّنيا بالأموال، و في الآخرة بالأعمال

«5». المصيبة للصابر واحدة، و للجازع اثنتان

«6». الحسد ماحي الحسنات، و الدهر جالب المقت، و العجب صارف عن طلب العلم، داع إلى الغمط، و الجهل و البخل أذمّ الأخلاق، و الطمع سجيّة سيّئة، و الهزء فكاهة السفهاء و صناعة الجهّال، و العقوق يعقب القلّة و يؤدّي إلى الذلّة

«7». اذكر مصرعك بين يدي أهلك، و لا طبيب يمنعك، و لا حبيب ينفعك

«8».

____________

(1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 401.

(2) سورة النحل: 96.

(3 3 و 4 نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 138، بحار الأنوار ج 75 ص 368.

(5) نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 139، بحار الأنوار ج 75 ص 369.

(6) نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 140، بحار الأنوار ج 75 ص 369.

(7) بحار الأنوار ج 75 ص 369.

(8) نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 141، بحار الأنوار ج 75 ص 370.

452

خير من الخير فاعله، و أجمل من الجميل قائله، و أرجح من العلم حامله، و شرّ من الشرّ جالبه، و أهول من الهول راكبه

«1». إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجور، فحرام أن يظنّ بأحد سوء حتّى يعلم ذلك منه، و إذا كان زمان الجور أغلب فيه من العدل، فليس لأحد أن يظنّ بأحد خيرا ما لم يعلم ذلك منه

«2». إيّاك و الحسد، فإنه يبين فيك، و لا يعمل في عدوّك

«3». المراء يفسد الصداقة القديمة، و يحلّل العقدة الوثيقة، و أقلّ ما فيه أن تكون فيه المغالبة، و المغالبة أس أساس القطيعة

«4». و في كشف الغمّة من كتاب الدلائل، عن فتح بن يزيد الجرجاني قال:

ضمّني و أبا الحسن الطريق حين منصرفي من مكة إلى خراسان و هو صائر إلى العراق؛ فسمعته و هو يقول: من اتّقى اللّه يتّقى، و من أطاع اللّه يطاع، قال: فتلطّفت في الوصول إليه فسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام و أمرني بالجلوس، و أوّل ما ابتدأني به أن قال:

يا فتح من أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق؛ و من أسخط الخالق فأيقن أن يحلّ به الخالق سخط المخلوق، و إنّ الخالق لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه، و أنّى يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه، و الأوهام أن تناله، و الخطرات أن تحدّه، و الأبصار عن الإحاطة به، جلّ عمّا يصفه الواصفون، و تعالى عمّا ينعته

____________

(1) نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 142، بحار الأنوار ج 75 ص 370.

(2) بحار الأنوار ج 75 ص 370.

(3) نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 142، بحار الأنوار ج 75 ص 370.

(4) بحار الأنوار ج 75 ص 369، و بتفاوت في نزهة الناظر و تنبيه الخاطر ص 139.