الفصول المهمة في تأليف الأمة

- السيد عبد الحسين شرف الدين المزيد...
204 /
55

الملل والنحل ، وأورده ابن ابي الحديد المعتزلي الحنفي في اوائل الجزء السادس من شرح النهج (6) ، ونقله العلامة في نهج الصدق عن كتاب المحاسن وانفاس الجواهر وغرر ابن خزابة وغيرها من الكتب المعتبرة ، وأفرد أبو مخنف لبيعة السقيفة كتابا على حدة فيه تفصيل ما أجملناه من تخلف علي عن البيعة وعدم اقراره لهم بالطاعة.

وهذا من أدل الأمور على معذرة المتأولين ، ومن يجتريء على أخي النبي ووليه ووارثه ووصيه ( وانه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم ) فيقول إنه كان حينئذ عاصيا لله سبحانه ، وهو أول من آمن به وأطاعه من هذه الامة ، أو يقول انه كان مخالفا للسنة ، وهو قيمها ووارثها وصاحب العناء بتأييدها ، وقد انتهى اليه ميراثها ، أو يزعم ابمه كان مفارقا لشقيقه القرآن وقد نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على انهما لا يفترقان (7) او يتوهم انه كان مجانب للصواب ، وقد اذهب عنه الرجس وطهره نص الكتاب ، أو يقول انه كان متنكبا عن الحق ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار » او يقول انه قعد به الجهل بحكم هذه البيعة ، وهو اقضى الأمة وباب مدينة العلم ( ومن عنده علم الكتاب ).

وهذا ابو سفيان صخر بن حرب تخلف عن البيعة أيضا وهو القائل يومئذ (8) اني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم ، وجعل يطوف في أزقة المدينة ويقول :

____________

(6) في اوائل الصفحة الخامسة من المجلد الثاني من الشرح طبع مصر.

(7) أخرج الطبراني في الاوسط « كما في الفصل الثاني من الباب التاسع من الصواعق صفحة 74 » عن ام سلمة قالت : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض.

(8) هذا وما بعده حتى البيتان موجود في حديث السقيفة من العقد الفريد فراجع.

56

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * * * ولا سيما تيم بن مرة أو عـدي

فما الامــر فيكــم واليكـم * * * وليس لهــا إلا أبو حسن علي

وقال (9) فما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ، ثم قال لعلي : ابسط يديك أبايعك ، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا ، فأبى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فتمثل بقول المتلمس :

ولن يقيم على خسـف يراد بـه * * * إلا الاذلان عيـر الحـي والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته * * * وذا يشـج فلا يبكـي لـه أحـد

هذا بعض ما كان منه يومئذ ، ونحن ( الامامية ) لا نحمل فعله هذا إلا على إرادة الفتنة ، وشق عصا المسلمين ، ولذا زجره أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال له (10) والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وانك والله طالما بغيت للاسلام شرا.

وإنما ذكرناه في عداد المتأولين مجاراة لمن يحمل أفعاله على الصحة ، لتتم حجتنا عليهم به في معذرة المتأولين ، ضرورة انه لا يمكن أن يكون معذورا عندهم في هذا التخلف إلا بناء على ذلك الأصل.

وهذه سيدة نساء العالمين ، وبضعة خاتم النبيين والمرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قد علم الناس ما كان بينها وبين أبي بكر إذ هجرته فلم تكلمه حتى ماتت ودفنها أمير المؤمنين ليلا ، ولم يؤذن بها إلا نفرا من شيعته لئلا يصلي

____________

(9) هذا وما بعده حتى البيتان الاخيران موجود في حديث السقيفة من كامل ابن الاثير.

(10) نقلناه عن كامل ابن الاثير.

57

عليها غيرهم ، وهذا من المسلمات اخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (11) ورواه الامام احمد من حديث أبي بكر في آواخر صفحة 6 من الجزء الأول من مسنده ، وذكره أهل الأخبار ، ونص عليه ارباب السير ، وحسبك من ذلك ما اودعه الامام ابن قتيبة كتابه في كتابه الامامة والسياسة ونقله العلامة المعتزلي عن ثقاة المؤرخين في شرحه لنهج البلاغة.

ولها خطبتان تفرغ فيهما عن لسان أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) ، احداهما في ميراثها والثانية في امر الخلافة ، أوردهما احمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتابه والعلامة المعتزلي في الجزء 16 من شرح النهج (12) واليكهما في كتاب بلاغات النساء (13) والاحتجاج والبحار وغيرها من كتب الفريقين ، لتكون على يقين من معذرة المتاولين.

وهذا ابو سليمان خالد بن الوليد المخزومي ، قتل يوم البطاح مالك بن نويرة ابن حمزة بن شداد بن عبد بن ثعلبة بن يربوع التميمي ، ونكح زوجته أم تميم بنت المنهال وكانت من اجمل النساء ، ثم رجع الى المدينة وقد غرز في عمامته اسهما فقام اليه عمر (رض) فنزعها وحطمها ، وقال له ( كما في تاريخ ابن الأثير وغيره ) قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك. ثم قال لأبي بكر ( كما في ترجمة ثمية بن موسى من وفيات ابن خلكان ) إن خالدا

____________

(11) راجع أواخر باب غزوة خيبر في صفحة 36 من الجزء 3 من صحيح البخاري أول كتاب الفرائض في صفحة 105 من الجزء الرابع من صحيحه ايضا أو باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد في صفحة 72 من الجزء 2 من صحيح مسلم.

(12) اما الاولى فموجودة في صفحة 79 والثانية في صفحة 87 من المجلد الرابع من شرح النهج طبع مصر.

(13) لمؤلفه أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المتوفى سنة 280 فراجع منه صفحة 16 و 23.

58

قد زنى فارجمه. قال : ما كنت لأرجمه ، فانه تأول فاخطأ. قال : إنه قتل مسلما فاقتله به. قال : ما كنت لاقتله به ، إنه تأول فأخطأ. فلما أكثر عليه قال : ما كنت لأشيتم سيفا سلّه الله تعالى ، وودى مالكا من بيت المال وفك الأسرى والسبايا من آله. وهذه واقعة من المسلمات ، لا ريب في صدورها من خالد (14) وقد ذكرها محمد بن جرير الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله ، ووثيمة بن موسى بن الفرات والواقدي في كتابيهما ، وسيف بن عمر في كتاب الردة والفتوح ، والزبير بن بكار في الموفقيات ، وثابت بن قاسم في الدلائل ، وابن حجر العسقلاني في ترجمة مالك من إصابته ، وابن الشحنة في روضة المناظر ، وأبو الفداء في المختصر ، وخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين ،

____________

(14) وله واقعة اخرى ايام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك انه بعثه الى بني جذيمة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ، وكانت جذيمة قتلت في الجاهلية عمه الفاكه بن المغيرة ، فلما ورد عليهم قال لهم : ضعوا سلاحكم فان الناس قد اسلموا ، فوضعوا سلاحهم فأمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف وقتل منهم مقتلة عظيمة ، فلما انتهى الخبر الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رفع يده الى السماء فقال « كما في باب بعث خالد بن الوليد الى جذيمة من كتاب المغازي من صحيح البخاري في صفحة 47 من جزئه الثالث » : اللهم اني ابرأ اليك مما صنع خالد ـ مرتين.

ثم أرسل عليا « كما في كامل ابن الاثير وغيره » ومعه مال ، وأمره ان ينظر في أمرهم فودى لهم الدماء والاموال حتى انه ودى ميلغة الكلب ، وبقي معه من المال فضلة ، فقال لهم : هل بقي لكم مال أو دم لم يود ؟ قالوا : لا. قال : فاني أعطيكم هذه البقية احتياطا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ففعل ثم رجع فاخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال اصبت واحسنت.

هذا ما نقله جميع المؤرخين وكل من ترجم خالدا ، حتى قال ابن عبد البر بعد ان ذكر هذا الخبر عنه في ترجمته من الاستيعاب ، ما هذا لفظه : وخبره في ذلك من صحيح الاثر .

59

والكل ذكروا اعتذار أبي بكر عن خالد بأنه تأول فأخطأ.

وإذا كان ابو بكر أو من نص على معذرة المتأولين ، فمن ذا يرتاب في ذلك من جمهور المسلمين.

وليت شعري متى كان التأول في الفروع شيئا نكرا أم كيف لا يكون عند الله والمؤمنين عذرا ، وقد تأول السلف كثيرا من ظواهر الأدلة لأمور ظنوا فيها صلاح الملة ، فبخع لتأولهم جمهور المسلمين ، وانقطع اليهم في كل ما يتعلق بالدين ، تقديسا لتأولهم واجتهادهم وتنزيها لغرضهم ومرادهم ، واليك مضافا الى ما تلوناه تلميحا الى بعض تأويلهم وإشارة الى اليسير من اجتهاداتهم ، وذكر ذلك مختصرا في العبارة والحر تكفيه الاشارة.

فمنها تأولهم في الطلاق الثلاث وحكمهم فيه بخلاف ما كان عليه زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر كما هو مقرر معلوم.

ففي باب طلاق الثلاث من كتاب الطلاق من صحيح مسلم في صفحة 574 من جزئه الأول عن ابن عباس بطرق مختلفة قال : كان الطلاق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. قال : فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضينا عليهم. قال : فأمضاه عليهم .

ونقله قاسم بك أمين في صفحة 173 من كتابه « تحرير المرأة » عن صحيح البخاري ونقله الفاضل الرشيد في صفحة 210 من المجلد الرابع من مناره عن أبي داوود والنسائي والحاكم والبيهقي ثم قال ما هذا لفظه : ومن قضاء النبي بخلافه ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس (15) قال : طلق ركانة امرأته ثلاثا

____________

(15) وذكره ابن اسحاق في صفحة 191 من الجزء 2.

60

في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا ، فساله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثا. قال في مجلس واحد ؟ قال : نعم. قال : فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت .

قلت : وهذا مذهبنا في المسألة ، ويدل عليه مضافا الى ما سمعت (16) وكونه مقتضى الأصل قوله تعالى « الطلاق » الذي تحل المطلقة من بعده إنما هو « مرتان » فإن طلقها مرتين فالواجب عليه بعد ذلك ما أشار إليه سبحانه بقوله « فامساك » بعد التطليقتين المتفرقتين « بمعروف أو تسريح » حينئذ « باحسان » الى أن قال عز اسمه: « فإن طلقها » أي مرة ثالثة بعد المرتين المتفرقتين « فلا تحل له من بعد » ذلك التطليق الثالث « حتى تنكح زوجا غيره ».

وعلى هذا فلو قال لزوجته « أنت طالق ثلاثا » ولم يكن طلقها من قبل أصلا ، أو كان قد طلقها مرة واحدة فلا مانع لهما ان يتراجعا وان لم ينكحها غيره ، لأن المنفي في الولاية إنما هو حل ارجاعها من بعد التطليق الثالث المسبوق بتطليقتين كما لا يخفى. بيد أن أبا حفص (رض) تأول الآية وسائر

____________

(16) ويدل عليه ايضا ما نقله قاسم بك امين في صفحة 172 من كتابه تحرير المرأة عن النسائي والقرطبي والزيلعي بالاسناد الى ابن عباس قال : اخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن رجل طلق امراته ثالثا جمعا ، فقام غضبان ثم قال أتلعبون بكتاب الله وانا بين أظهركم ، قلت : وفي تفسير سورة الطلاق من الكشاف نحوه ، وربما قيل ان هذا الحديث دال على فساد الطلاق الثلاث بالمرة لكونه لعبا ، وبذلك قال سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين ، لكن الحق ان اللعب انما هو في قوله ثلاثا فيلغى واما قوله انت طالق فيؤثر اثره اذا لا لعب فيه كما هو واضح.

61

ادلة المسألة (17) عقوبة للمستعجلين وردعا لأهل الطيش والجاهلين ، وهذا كاف لك في معذرة المتأولين. فتدبر ولا تكن من الغافلين.

ومنها تأولهم في متعة الحج ومتعة النساء وحكمهم فيهما بخلاف ما كانتا عليه ايام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو مقرر معلوم ، وبيان ذلك على التفصيل يستوجب مباحث :

____________

(17) وفي الصفحة 212 من المجلد 4 من المنار تصريح بأن عمر قد اجتهد في هذه المسألة.

« المبحث الأول »

في أصل مشروعيتهما

اعلم ان هذا المقدار باجماع المسلمين ، وبكل من الكتاب والسنة :

أما الاجماع فلأن أهل القبلة كافة متفقون على أن الله تعالى قد شرع هاتين المتعتين في دين الاسلام ، وأهل التوحيد من هذه الأمة قاطبة متصافقون على ذلك ، بحيث لا ريب فيه لأحد من المتقدمين والمتأخرين من كافة المسلمين ، بل لعل ذلك ملحق لدى أهل العلم بالضروريات الثابتة عن سيد النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا ينكره أحد من المذاهب الاسلامية مطلقا.

وأما الكتاب العزيز ففيه آيتان محكمتان : إحداهما في تشريع متعة الحج والأخرى في تشريع متعة النساء (1).

____________

(1) متعة النساء ( التي هي موضع الخلاف بين الشيعة والسنة ) ان تزوجك المرأة نفسها حيث لا يكون لك مانع في دين الاسلام عن نكاحها من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان عدة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ، ككونها منكوحة لأبيك ، أو كونها اختا لزوجتك ، أو غير ذلك ـ تزوجك نفسها بمهر معلوم الى أجل مسمى ، بعقد نكاح جامع لشرائط الصحة=

62

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

63

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

64

أما آية متعة الحج فهي قوله تعالى : « فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر

____________

=

الاسلامية ، فتقول لك بعد الاتفاق والتراضي : « زوجتك ، أو انكحتك ، أو متعتك نفسي ، بمهر قدره كذا يوما أو شهرا أو سنة أو تذكر مدة اخرى معينة على الضبط. فتقول أنت لها على الفور : « قبلت ». وتجوز الوكالة في هذا العقد كغيره من العقود ، وبتمامه تكون زوجة لك ، وانت تكون زوجا لها الى منتهى الاجل المسمى في العقد ، وبمجرد انتهائه تبين من غير طلاق كالاجارة ، وللزوج فراقها قبل انتهائه بهبة المدة المعينة لا بالطلاق عملا بالنصوص الخاصة الدالة على ذلك ، ويجب عليه مع الدخول وعدم بلوغها سن اليأس ان تعتد بعد هبة المدة أو انقضائها بقرءين اذا كانت ممن تحيض والا فبخسمة وأربعين يوما كالامة عملا بالادلة الخاصة ايضا ، فاذا وهبها المدة أو انقضت قبل ان يمسها فماله عليها من عدة كالمطلقة قبل الدخول.

وولد المتعة ذكرا كان أو انثى يلحق كغيره من الابناء بأبيه ، فانه اشرف الابوين ، ولا يدعى الا له عملا بقوله تعالى « أدعوهم لآبائهم » ، وله من الارث ما أوصى به الله سبحانه حيث يقول : « يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين » ولا فرق ( عند مبيحي المتعة ) بين ولديك المولود أحدهما منها والآخر من النكاح المألوف بين عامة المسلمين ، وجميع العمومات الواردة في الاخوة والاخوات وابنائهما والاعمام والعمات والاخوال والخالات وابنائهم «وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض » مطلقا.

نعم عقد نكاح المتعة لا يوجب توارثا بين الزوجين المتمتعين ولا ليلة ولا نفقة للمتمتع بها ، وللزوج ان يعزل عنها عملا بالادلة الخاصة المخصصة للعمومات الواردة في أحكام الزوجات.

هذه هي متعة النساء التي فهم الامامية من الكتاب والسنة دوام اباحتها ، وأهل المذاهب الاربعة قالوا بتحريمها مع اعترافهم بأن الله تعالى شرعها في دين الاسلام ، وليس عندنا متعة نساء غيرها بحكم الضرورة الاولية من مذهبنا المدون في الوف منن مصنفات علمائنا المنتشرة بفضل الطبع في اكثر بلاد الاسلام ، لكن محمود شكري الالوسي غفر الله له لفق رسالة

=

65

من الهدي » الى قوله عز اسمه : « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » إذ لا خلاف بين المسلمين في نزولها في متعة الحج كما لا يخفى.

أما آية متعة النساء فهي قوله تعالى : « فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استمتعتم

____________

=

بذيئة شحنها بافكه الواضح وبهتانه الفاضح ، وقد وقفت عليه في الجزء 6 من المجلد 269 من المنار فاذا هي كذب وسباب وتنابز بالالقاب نعوذ بالله السميع العليم من الافاك الاثيم ، اذ يقول غير متأثم : ان عند الشيعة متعة اخرى يسمونها المتعة الدورية ويروون في فضلها ما يروون ، هي ان يتمتع جماعة بامرأة واحدة فتقول لهم من الصبح الى الضحى في متعة هذا ومن الضحى الى الظهر في متعة هذا ومن الظهر الى العصر في متعة هذا ومن العصر الى المغرب في متعة هذا ومن المغرب الى العشاء في متعة هذا ومن العشاء الى منتصف الليل في متعة هذا ومن منتصف الليل الى الصبح في متعة هذا... الى آخر بهتانه المبين فراجعه في صفحة 41. من المجلد 29 من المنار.

وليت المنار سأل هذا المرجف المجحف فقال له : من الذي سماها من الشيعة بهذا الاسم وأي راو منهم روى في فضلها شيئا أو اتى رواياته على ذكرها ، وما تلك الروايات التي زعمت انهم رووها في فضلها ، ومن أخرج تلك الروايات من محدثيهم ، وأي عالم أو جاهل منهم افتى بها أو ذكرها ، وأي كتاب من كتب حديثهم او فقههم أو تفسيرهم يشتمل على ذكرها ؟؟.

ولو تقدم المنار بهذا السؤال لعرف حقيقة الحال ، ونحن الآن نحيله على مصنفات الامامية في الفقه والحديث والتفسير وسائر الفنون ، وقد انتشر منها بفضل المطابع عشرات الالوف مختصرة ومطولة متونا وشروحا بعضها للمتقدمين وبعضها للمتأخرين ، فليتتبعها المنار كتابا كتابا وليتصفحها حرفا حرفا ليعلم ان الآلوسي وامثاله من المرجفين الظالمين لاحياء المؤمنين ولامواتهم ، وقد بهت السلف الصالح بما تستك به المسامع وترتعد منه الفرائص :

من كـان يخلــق ما يقــو * ل فحيلتــي فيـــه قليلــة

66

به منهن فآتوهن أجورهن » حتى ان كلا من أُبي بن كعب وابن عباس (2) وسعيد ابن جبير والسدي وغيرهم كانوا يقرءونها : « فما استمتعتم به منهن الى أجل

____________

=

( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور ).

(2) أرسل الزمخشري في كشافه هذه القراءة عن ابن عباس ارسال المسلمات ، والرازي ذكر في تفسير الآية انه روى عن أُبي بن كعب انه كان يقرأ « فما استمعتم به منهن الى أجل مسمى فآتوهن اجورهن ». قال : وهذا هو أيضا قراءة ابن عباس. قال : والامة ما انكروا عليهما في هذه القراءة. قال : فكان ذلك اجماعا من الامة على صحة هذه القراءة ـ هذا كلامه بلفظه فراجعه في صفحة 201 من الجزء 3 من تفسيره الكبير.

ونقل القاضي عياض عن المازري ( كما في أول باب نكاح المتعة من شرح صحيح مسلم للفاضل النووي ) ان ابن مسعود قرأ « فما استمتعتم به منهن الى اجل » والاخبار في ذلك كثيرة. وصرح عمران بن حصين الصحابي بنزول هذه الآية في المتعة وانها لم تنسخ حتى قال رجل فيها برأيه ما شاء.

ونص على نزول الآية في المتعة مجاهد أيضا فيما أخرجه عنه الطبري في تفسيره باسناده اليه ، فراجع صفحة 9 من الجزء 5 من تفسيره الكبير.

ويشهد لنزولها في ذلك بالخصوص ان الله سبحانه قد أبان في أوائل السورة حكم نكاح الدائم بقوله تعالى : « فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع » الى أن قال : « وآتوا النساء صدقاتهن نحلة » فلو كانت هذه الآية في بيان الدائم ايضا للزم تكرار ذلك في سورة واحدة ، أما اذا كانت لبيان المتعة المشروعة بالاجماع فانها تكون لبيان معنى جديد.

وأهل النظر ممن تدبر القرآن الحكيم يعلمون ان السورة قد اشتملت على بيان الانكحة الاسلامية كلها ، فالدائم وملك اليمين تبيتا بقوله تعالى : « فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ان لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ».

والمتعة مبينة بآيتها هذه «

فما استمتعتم به منهن » ونكاح الاماء مبين بقوله تعالى : « ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات » الى أن قال : « وآتوهن أجورهن بالمعروف ».

67

مسمى » اخرج ذلك عنهم الامام الطبري في تفسير الآية من أوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير ، ورواه عنهم وعن ابن مسعود جماعة كثيرون من ثقاة الأمة وحفظتها ، لا يسعنا استقصاؤهم.

واما نصوص السنة في اصل مشروعية المتعتين فمتواترة ، ولا سيما من طريقنا عن العترة الطاهرة ، وحسبك في ثبوت متعة الحج واستمرارها ما اخرجه الشيخان ( البخاري ومسلم ) في التمتع والافراد والقران من كتاب الحج من صحيحيهما فراجع.

على ان متعة الحج قد انعقد الاجماع بعد الخليفة الثاني على استمرارها ولم يعملوا بنهيه عنها ، فهي مما لا كلام في دوامه ، وانما الكلام في متعة النساء ، وقد اخرج الشيخان في اصل مشروعيتها احاديث في صحيحهما كثيرة عن كل من سلمة بن الأكوع ، وجابر بن عبدالله ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عباس. وسبرة بن معبد الجهني ، وابي ذر الغفاري ، وعمران بن حصين ، والأكوع بن عبدالله الاسلمي ، واخرجهما أحمد بن حنبل في مسنده من حديث هؤلاء كلهم ومن حديث عبدالله بن عمر ، وأخرج مسلم في باب نكاح المتعة من كتاب النكاح من الجزء الأول من صحيحه عن جابر بن عبدالله ، وسلمة بن الأكوع ، قالا : خرج علينا منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : إن رسول الله أذن ان تستمتعوا يعني متعة النساء والصحاح في هذا المعنى كثيرة وفيما اشرنا اليه كفاية.

68

-

69

« المبحث الثاني »

في دوام حلها واستمرار اباحتها

وقد ذهب الى ذلك ائمتنا الاثنا عشر من اهل البيت ( واهل البيت ادرى بالذي فيه ) وتبعهم في ذلك شيعتهم واولياؤهم ، وحسبك حجة لهم ما قد سمعته من إجماع المسلمين على ان الله تعالى شرعها في دينه القويم وصدع باباحتها في الذكر الحكيم ، واذّن في الاذن بها منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يثبت نسخها عن الله تعالى ، ولا عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انقطع الوحي باختيار الله تعالى لنبيه دار كرامته ومأوى اصفيائه ، بل ثبت عدم نسخها بحكم صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، فراجعها في كتاب وسائل الشيعة الى احكام الشريعة.

وان ابتغيت صحاحا سواها فاليك ما أخرجه محدوثوك « أيها القائل بتحريمها » انقله اليك بعين ألفاظهم فأقول :

أخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه (1) عن عطاء قال : قدم جابر

____________

(1) في صفحة 535 من جزئه الاول.

70

ابن عبدالله معتمرا ، فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة ، فقال : نعم ، استمتعنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر .

وأخرج مسلم في الباب المذكور ايضا عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر ابن عبدالله فأتاه آت فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم نهانا عنهما عمر ، فلم نعدلهما .

واخرج مسلم في الباب المذكور ايضا عن ابي الزبير قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وابي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث .

وانت تعلم ان ليس المراد من قول جابر في هذه الأحاديث استمتعنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة وفعلناهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اخرى ، وكنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تارة ، إلا بيان انهم كانوا يستمتعون بمرأى منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومسمع ، فيقرهم على ذلك وانه لم ينههم عنها حتى اختار الله له لقاءه. وناهيك بهذا برهانا على دوام الاباحة. وأذا نظرت الى قوله تمتعنا واستمتعنا ، وكنا نستمتع ، وفعلناهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تجده ظاهرا في نسبة فعلهما أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وابي بكر الى عموم الصحابة لا الى نفسه بالخصوص ، ولو كان ثمة ناسخ ما فعلوهما بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يجوز أن يخفى الناسخ عليهم مع ملازمتهم للرسول في حضره وسفره ليلا ونهارا ، وكيف يخفى عليهم ، ثم يظهر للمتأخرين عنهم. على أن قول جابر « حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث » صريح بأن النهي عنها لم يكن من الله ولا من رسوله

71

(صلى الله عليه وآله وسلم) وانما كان من عمر لقضية وقعت من عمرو بن حريث ـ وقوله ثم نهانا عمر دال على أن النهي كان متوجها منه الى كافة الصحابة لا الى شخص منهم مخصوص ، وأما قوله « فلم نعد لهما » فانما هو للتقية والخوف من العقوبة. والأخبار الدالة على دوام إباحة المتعة واستمرار حلها لا تستقصى في هذه العجالة ، وسأتلو عليك في المبحث الرابع والمبحث الخامس لمعة من الصحاح تدل على ذلك أيضا.

72

-

73

« المبحث الثالث »

في الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لحكم المتعة

أمعنا النظر فيها فوجدناها أحاديث ملفقة وضعها المتأخرون عن زمن الخلفاء الأربعة تصحيحا لرأي من حرّمها ، وقد استقصيناها في رسالتنا الموسومة بالنجعة في أحكام المتعة ، فأثبتنا من طريق خصومنا تضعيف تلك الأحاديث وان أخرجها الشيخان ، ونقلنا كلمات البعض من أئمتهم في الجرح والتعديل الدالة على ذلك ، على أن تلك الأحاديث الملفقة تناقض صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، بل تناقض ما سمعته من صحاحهم الدالة على دوام حلها واستمرار إباحتها ، ومن تدبرها وجدها تناقض نفسها بنفسها ، وقد فصلنا ذلك كله في نجعتنا بما لا مزيد عليه.

وأنت هداك الله سمعت النص من جابر بن عبدالله على أن التحريم والنهي إنما كان من عمر في بادرة بدرت من ابن حريث ، وستسمع كلام عمران بن حصين وعبدالله بن مسعود ، وعبدالله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وأمير المؤمنين ،

74

فتراه صريحا بأن التحريم لم يكن بناسخ شرعي وانما كان بنهي الخليفة الثاني ، ومحال أن يكون ثمة ناسخ فيجهلونه ، وهم من علمت منزلتهم من رسول الله وملازمتهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرصهم على أخذ العلم منه.

على أنه لو كان هناك ناسخ لنبههم اليه بعض المطلعين عليه ، وحيث لم يعارضهم أحد من الصحابة فيما كانوا ينسبونه من التحريم الى عمر علمنا أنهم أجمع معترفون بذلك ، مقرون بأن لا ناسخ من الله تعالى ، ولا من رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما لا يخفى.

على أن عمر نفسه لم يدع النسخ كما ستسمع من كلامه الصريح في إسناد التحريم والنهي الى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ لأسند التحريم الى الله تعالى أو الى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فان ذلك أبلغ في الزجر وأولى بالذكر.

ومن غرائب الأمور دعواهم النسخ بقوله تعالى : « والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم » بزعم انها ليست بزوجة ولا ملك يمين. قالوا : أما كونها ليست بملك يمين فمسلم ، وأما كونها ليست بزوجة فلأنها لا نفقة ولا إرث ولا ليلة ، والجواب أنها زوجة شرعية بعقد نكاح شرعي ، أما عدم النفقة والارث والليلة فانما هو بأدلة خاصة تخصص العمومات الواردة في أحكام الزوجات ، كما بيناه فيما علقناه على صفحة 54 من هذه الفصول. على أن هذه الآية مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق ، فلا يمكن أن تكون ناسخة لاباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع.

ومن عجيب أمر هؤلاء المتكلفين ان يقولوا بأن اية ( المؤمنون ) ناسخة للمتعة ، إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين ، فإذا قلنا لهم ولم لا تكون ناسخة لنكاح الاماء المملوكات لغير الناكح ، وهنّ لسن بزوجات للناكح ولا ملك يمين له ،

75

قالوا حينئذ إن آية المؤمنين ونكاح الاماء المذكورات انما شرع بقوله تعالى في سورة النساء وهي مدنية : « فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات فمما ملكت أيمانكم » الآية ، والمكي لا يمكن أن يكون ناسخا للمدني لوجوب تقدم المنسوخ على الناسخ ، يقولون هذا وينسون أن المتعة إنما شرعت في المدينة بقوله تعالى في سورة النساء أيضا : « فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن » وقد منينا بقوم لا يتدبرون فانا لله وإنا اليه راجعون.

76

-

77

« المبحث الرابع »

في يسير من الأحاديث الدالة على أن التحريم

إنما كان من الخليفة الثاني رضي الله عنه.

أخرج مسلم في باب المتعة بالحج والعمرة من صحيحه (1) بالاسناد الى أبي نضرة قال : كان ابن عباس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فذكرت ذلك لجابر فقال : على يدي دار الحديث ، تمعتنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما قام عمر قال : إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، فأتموا الحج والعمرة ، وأبتوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتي برجل نكح امرأة الى رجل إلا رجمته بالحجارة .

وهذا كما ترى صريح بما قلناه ، ولا تنس ما ذكرناه في المبحث الثاني من حديث جابر فإنه صريح أيضا فراجعه وتأمل.

وقد استفاض قول الخليفة الثاني وهو على المنبر : « متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا انهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء » حتى نقل الرازي هذا القول عنه محتجا به على حرمة متعة النساء ، فراجع تفسير آيتها من تفسيره الكبير.

____________

(1) صفحة 467 من جزئه الاول.

78

والذي نقله متكلم الأشاعرة وحكيمهم الامام القوشجي في أواخر مبحث الامامة من شرح التجريد أن عمر قال وهو على المنبر : أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا انهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحي على خير العمل ، ثم اعتذر عنه بأن هذا إنما كان منه على تأول واجتهاد ، والأخبار في ذلك كثيرة تضيق هذه الفصول عن استقصائها.

وقد استمتع في أيامه ربيعة بن أمية بن خلف القرشي الجمحي ( وهو أخو صفوان ) فيما أخرجه الامام مالك في باب نكاح المتعة من موطأه عن عروة بن الزبير : أن خولة بنت حكيم السلمية دخلت على عمر فقالت : إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه ، فخرج عمر يجر رداءه ( من العجلة والغضب ) فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت . أي لو كنت تقدمت في تحريمها والانذار برجم فاعلها قبل هذا لرجمت ، إذ كان هذا القول منه قبل نهيه عنها ، نص على ذلك ابن عبدالبر كما في شرح الزرقاني لهذا الحديث من الموطأ ، وربما يكون المراد بقوله : « لو كنت تقدمت فيها لرجمت » انه لو تقدم باقامة الحجة من الكتاب والسنة على نسخها لرجم ، وحيث لا حجة على تحريمها فلا رجم.

وكيف كان فكلامه هذا ظاهر بأن التصرف في حكمها إنما هو منه لا من سواه ، وخطبته تلك على المنبر نص صريح بذلك ، حيث روى كون المتعتين كانتا على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يرو نهيه عنهما ، بل أسند النهي عنهما الى نفسه ، فقال : « وأنا انهى عنهما » مقدما للمسند اليه ليكون النهي عنهما مقصورا عليه ، ولو كان هناك ناسخ لذكره كما لا يخفى.

79

« المبحث الخامس »

في الاشارة الى يسير ممن تسنى لهم أن

يبوحوا ببعض ما تكنه نفوسهم من الانكار

على تحريمها وهم كثيرون.

فمنهم جابر بن عبدالله الأنصاري وقد سمعت حديثه.

ومنهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما أخرجه الامامان الطبري والثعلبي عند بلوغهما في تفسيريهما الكبيرين الى آية المتعة من سورة النساء بالاسناد الى علي (1) قال : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي ، وهذا المعنى متواتر عنه من طريق أبنائه الميامين.

ومنهم عبدالله بن عباس حيث قال : ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لولا نهيه ( يعني عمر ) عنها ما احتاج الى الزنى إلا شقي ، أي إلا القليل من الناس. نقل ذلك عنه ابن الأثير في مادة « شقي » من النهاية ، ورواه عنه خلق كثير. وقوله في اباحة المتعة والانكار على من حرمها متواتر ، وله في ذلك مع ابن الزبير وغيره نوادر يطول المقام بذكرها ، وقد أخرج مسلم

____________

(1) ونقله الرازي في صفحة 200 من الجزء 3 من تفسيره عن تفسير الطبري.

80

بعضها عن جابر فراجع 77 و 78 من كتابنا هذا.

ومنهم عبدالله بن عمر كما هو ثابت عنه. اخرج الامام احمد في صفحة 95 من الجزء الثاني من مسنده من حديث عبدالله بن عمر قال : سأل رجل ابن عمر عن متعة النساء فقال : والله لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر .

ونقل العلامة في نهج الصدق والشهيد الثاني في نكاح المتعة من روضته البهية عن صحيح الترمذي أن رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء فقال : هي حلال. فقال : إن أباك قد نهى عنها. فقال ابن عمر : أرأيت ان كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتترك السنة وتتبع قول أبي ؟ ! .

ومنهم عبدالله بن مسعود ، كما هو مقرر معلوم ، أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين ، واللفظ للأول في الصفحة الثانية أو الثالثة من كتاب النكاح عن عبدالله « ابن المسعود » قال : كنا نغزوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس لنا شيء فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ، ثم قرأ علينا « يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين » .

وأنت تعلم ان استشهاده بالآية دال على قوله باباحة المتعة وإنكاره على من حرمها كما صرح به كل من شرح صحيح البخاري.

ومنهم عمران بن حصين فيما صح عنه ، وقد نقل فخر الدين الرازي أثناء بحثه عن حكم متعة النساء في تفسير آيتها من تفسيره الكبير عن عمران بن حصين قال : انزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية اخرى ، وأمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه ما شاء « قال الرازي » يريد عمر .

81

وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات (صلى الله عليه وآله وسلم) قال رجل برأيه ما شاء .

وأخرج أحمد في مسنده من طريق عمران القصير عن أبي رجاء عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى ، وعملنا بها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأمر المأمون أيام خلافته فنودي بتحليل المتعة ، فدخل عليه محمد بن منصور وأبو العيناء فوجداه يستاك ويقول (2) وهو متغيظ : متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى عهد أبو بكر وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر. فأراد محمد بن منصور أن يكلمه فأومأ اليه أبو العيناء وقال : رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن فلم يكلماه ، ودخل عليه يحيى بن أكثم فخوفه من الفتنة وذكر له أن الناس يرونه قد أحدث في الاسلام بسبب هذا النداء حدثا عظيما ، لا ترتضيه الخاصة ولا تصبر عليه العامة ، اذ لا فرق عندهم بين النداء باباحة المتعة والنداء باباحة الزنى ، ولم يزل به حتى صرف عزيمته احتياطا على ملكه واشفاقا على نفسه.

الخاتمة

قال العسكري « فيما نقله السيوطي عنه في ترجمة عمر من كتابه تاريخ الخلفاء » هو أول من سمي أمير المؤمنين ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة ، وأول من اتخذ بيت المال ، وأول من سن قيام شهر رمضان « بالتروايح » وأول

____________

(2) فيما نقله ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم من وفيات الاعيان ، لكنه لم ينقل حديث يحيى بن أكثم مع المأمون على وجهه والصحيح ما نقلناه.

82

من عس بالليل ، وأول من عاقب على الهجاء ، وأول من ضرب في الخمر ثمانين ، وأول من حرم المتعة الخ.

والذين صرحوا بهذا من أعلام السلف والخلف لا يحيط بهم هذا الاملاء وفي هذا القدر كفاية إذ تبين به أن تحريم المتعتين إنما كان عن اجتهاد محض وتأول صرف ، وقد قوبل بالاذعان ولم يندد به من الجمهور انسان ، فثبت ما أردناه في هذه العجالة وتم ما أفردنا له هذه الرسالة من معذرة المجتهدين ونجاة المتأولين من المسلمين والحمد لله رب العالمين.

ولنرجع الى ما كنا فيه من موارد تأولهم فنقول عطفا على ما سبق.

ومنها تأولهم في أذان الصبح حيث تصرفوا فيه فنظموا في سلك فصوله فصلا لم يكن أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ألا وهو نداء مؤذنهم « الصلاة خير من النوم » بل لم يكن أيام أبي بكر وانما أمر به الخليفة الثاني فيما دلت عليه الأحاديث المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، وحسبك من غيرها ما أخرجه الامام مالك في باب ما جاء في النداء للصلاة من موطأه من أنه بلغه ان المؤذن جاء الى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح انتهى بلفظه. وقال العلامة الزرقاني عند بلوغه الى هذا الحديث من شرح الموطأ ما هذا لفظه : هذا البلاغ أخرجه الدار قطني في السنن من طريق وكيع في مصنفه عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر. ( قال ) وأخرج عن سفيان عن محمد بن عجلان عن نافع بن عمر عن عمر انه قال لمؤذنه : إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر فقل « الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم » .

قلت : وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن عروة ، ورواه جماعة آخرون يطول المقام بذكرهم.

83

وانت تعلم أن لا عين ولا أثر لهذه الكلمة فيما هو مأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كيفية الأذان ، فراجع ان شئت كتاب الأذان في الجزء الأول من صحيح البخاري ، وباب صفة الأذان وهو في أول كتاب الصلاة من صحيح مسلم ، تعلم حقيقة ما نقول.

وأيضا ذكروا في أصل مشروعية الأذان (1) قضية تمنعها الامامية حاصلها أن عبدالله بن زيد بن ثعلبة الأنصاري رأى ليلة فيما يراه النائم شخصا علمه الأذان والاقامة ، فلما انتبه قبل الفجر وقص الرؤيا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره أن يلقن بلالا ما حفظه في تلك الرؤيا ، وأمر بلالا أن ينادي به أول الفجر ، ففعلا ذلك وشرع الأذان بهذا الطيف فيما زعموا. ونحن نظرنا فيما نقلوه من تلقين عبدالله لبلال فلم نجد فيه مع كونه أذانا للفجر « الصلاة خير من النوم » والأدلة على كون هذه الكلمة ليست من الله تعالى ولا من رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة ، وما ذكرناه كاف لاثبات تأولهم في الأذان واف بمعذرة المتأولين في كل زمان.

ومنها تأولهم في اسقاط « حي على خير العمل » من الأذان والاقامة ، وذلك أنهم كانوا يرغبون في إعلام العامة بأن خير العمل إنما هو الجهاد في سبيل الله ليشتاقوا اليه وتعكف هممهم عليه ، والنداء على الصلاة بخير العمل في كل يوم خمس مرات (2) ينافي ذلك.

بل ربما رأوا ان في بقاء هذه الكلمة في الأذان والاقامة تثبيطا للعامة عن

____________

(1) ذكر هذه القضية مالك في موطأه على سبيل الاجمال ، وفصلها أكل من ابن عبدالبر والزرقاني في شرحيهما ، وأوردها الحلبي في باب بدء الاذان ومشروعيته من الجزء الثاني من سيرته ، وكل من ذكر عبدالله بن زيد من أهل التراجم أشار الى هذه القضية وربما سموه صاحب الاذان ، وأصحابنا ينكرونها ويعدونها من المحال.

(2) بل كل مسلم ملتزم بالنسبة يقولها كل يوم عشر مرات.

84

الجهاد ، اذ لو عرفوا أن الصلاة خير العمل من ما فيها من الدّعة والسلامة لاقتصروا في ابتغاء الثواب عليها ، وأعرضوا عن خطر الجهاد المفضول بالنسبة اليها ، وكانت همم ولي الأمر يومئذ « عمر بن الخطاب (رض) » مصروفة الى الاستيلاء على ممالك الأرض ، وعزائمه مقصورة على امتلاكها في الطول والعرض.

وفتح الممالك لا يكون الا بتشويق الجند الى التورط في سبيله بالمهالك ، بحيث يشربون في قلوبهم الجهاد حتى يعتقدوا أنه خير عمل يرجونه يوم المعاد.

ولذا ترجح في نظره اسقاط هذه الكلمة تقديما لتلك المصلحة على التعبد بما جاء به الشرع الأقدس ، فقال وهو على المنبر « كما نص عليه القوشجي أواخر مباحث الامامة من شرح التجريد وهو من ائمة المتكلمين على مذهب الاشاعرة » : ثلاث كن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وانا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحي على خير العلم. (3)

وتبعه في اسقاطها عامة من تأخر عنه من المسلمين ، حاشا أهل البيت ومن يرى رأيهم : فان حي على خير العمل مع شعارهم ، كما هو بديهي من مذهبهم حتى أن شهيد فخ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين (عليهم السلام) لما ظهر بالمدينة أيام الهادي (4) من ملوك العباسيين ، أمر المؤذن أن ينادي بها ففعل ، نص على ذلك أبو الفرج الاصفهاني حيث ذكر صاحب فخ ومقتله في كتابه مقاتل الطالبيين. وذكر العلامة الحلبي في باب بدء الاذان ومشروعيته في صفحة 110 من الجزء الثاني من سيرته أن ابن عمر (رض) والامام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) كانا يقولان في الأذان بعد حي على الفلاح حي على خير العمل .

____________

(3) واعتذر بعد ان أرسله عنه ارسال المسلمات بانه قد اجتهد في ذلك.

(4) مضل الناس قد سموه هاد * كما قد سمي الاعمى بصيرا

85

قلت : وهذا متواتر عن أئمة أهل البيت ، فراجع حديثهم في كتاب وسائل الشيعة الى أحكام الشريعة لتكون على بصيرة من مذهبهم.

ونحن الآن في ان السلف تأولوا ، فأسقطوا فصلا من الأذان والاقامة فلم يقدح ذلك عند الجمهور في تبوئهم منصة الخلافة وأريكة الامامة ، فكيف لا يكون المتأول بعدهم معذورا ، ام كيف لا يكون مثابا مأجورا ، فاحكموا بالعدل ايها المنصفون.

ومنها صلاة التراويح (5) إذ لم تكن ايام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في ولاية أبي بكر ، وانما سنها الخليفة الثاني سنة 14 للهجرة بالاجماع ، نصّ العسكري على ذلك في اوائله ، ونقله السيوطي في الفصل الذي عقده لخلافة عمر من كتابه تاريخ الخلفاء (6).

وقال ابن عبدالبر في ترجمة عمر من الاستيعاب : وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه.

وقال العلامة ابو الوليد محمد بن الشحنة ، حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه « روضة المناظر » (7) هو أول من نهى عن بيع امهات الأولاد ، وجمع الناس على اربع تكبيرات في صلاة الجنائز ، واول من جمع الناس على امام يصلي بهم التراويح الخ.

____________

(5) هي نافلة رمضان جماعة ، وانما سميت تراويح للاستراحة فيها بعد كل أربع ركعات ، ونحن نصلي نافلة رمضان فرادى كما كانت على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

(6) في صفحة 51.

(7) عرفت سابقا انه مطبوع في هامش ابن الأثير وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 122 من جزء 11.

ولما ذكر السيوطي في كتابه « تاريخ الخلفاء » أوليات عمر نقلا عن العسكري قال : هو اول من سمي امير المؤمنين ، الى ان قال : واول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » ، واول من حرم المتعة ، واول من جمع الناس في صلاة الجنائز على اربع تكبيرات الخ.

وقال محمد بن سعد « حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات » وهو اول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » وجمع الناس على ذلك وكتب به الى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة اربع عشرة ، وجعل للناس بالمدينة قارئين قارئا يصلي « التراويح » بالرجال وقارئا يصلي بالنساء.. الخ.

واخرج البخاري « في اواخر الجزء الأول من صحيحه في كتاب صلاة التراويح » ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. قال : فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة ابي بكر رضي الله عنه وصدرا من خلافة عمر .

وأخرج مسلم « في باب الترغيب في قيام رمضان من الجزء الأول من صحيحه » ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرغّب في قيام رمضان من غير ان يأمرهم فيه بعزيمة ، فيقول : من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » قال : فتوفي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك .

واخرج البخاري في كتاب صلاة التراويح من صحيحه عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاريّ (8) قال : خرجت مع عمر ليلة في رمضان الى المسجد ، فاذا الناس

____________

(8) « عبد القاري » بتنوين عبد وتشديد ياء القاري نسبة الى قاره ، وهو ابن ديش بن محلم بن غالب المدني. كان عبد الرحمن هذا عامل عمر

=

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

أوزاع متفرقون... الى أن قال : فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد كان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. « قال » ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر (رض) نعمت البدعة هذه ـ الحديث.

وقال العلامة القسطلاني « في أول الصفحة الرابعة من الجزء الخامس من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري » عند بلوغه الى قول عمر في هذا الحديث « نعمت البدعة هذه » ما هذا نصه : سماها بدعة لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسن لهم الاجتماع لها ، ولا كانت في زمن الصديق ولا أول الليل ، ولا كل ليلة ، ولا هذا العدد الخ.

وفي تحفة الباري مثله فراجع. وهذا أمر لا يناقش فيه أحد من المسلمين وحسبك به دليلا على معذرة المتأولين.

ومنها تأولهم آية الزكاة ، إذ أسقطوا منها سهم المؤلفة قلوبهم مع نص الكتاب والسنة على ثبوته ، وكونه معلوما بحكم الضرورة من دين الاسلام ، وقد أجمعت كلمة المسلمين واتفقت جميع طوائفهم على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعطيهم منها حتى لحق بربه عز وجل ، وأنه لم يعهد الى احد من بعده باسقاط سهمهم ؛ وقد ذكر (9) صاحب كتاب الجوهرة النيّرة على مختصر

____________

=

على بيت المال وهو حليف بني زهرة روى عن عمر ، وابي طلحة ، وابي ايوب ، وابي هريرة ، وروى عنه ابنه ، محمد والزهري ، ويحيى بن جعدة بن هبيرة مات سنة ثمانين ، وله ثمان وسبعون سنة.

(9) وذكر المؤرخون نظير هذه الحكاية أيضا ، اذ قالوا جاء عيينة بن حصين والاقرع بن حابس الى أبي بكر ، فقالا له : ان عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلا ولا منفعة ، فان رأيت ان تقطعناها لعل الله ان ينفع بها بعد اليوم. فقال أبو بكر لمن حوله : ما تقولون ؟ قالوا : لا بأس ، فكتب لهما

=

88

القدوري (10) في الفقه الحنفي في صفحة 164 من جزئه الأول : ان المؤلفة قلوبهم جاءوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى ابي بكر رضي الله عنه ليكتب لهم بعادتهم ، فكتب لهم بذلك فذهبوا بالكتاب الى عمر (رض) ليأخذوا خطه على الصحيفة ، فمزقها وقال : لاحاجة لنا بكم فقد اعز الله الاسلام واغنى عنكم ، فان اسلمتم والا فالسيف بيننا وبينكم فرجعوا الى ابي بكر فقالوا له : انت الخليفة ام هو ؟ فقال : بل هو إن شاء الله وامضى ما فعله عمر واستقر الأمر من يومها عند الجمهور على اسقاط هذا السهم ، بحيث لا تبرأ الذمة عندهم باعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة.

ومنها تأولهم آية الخمس ، وهي قوله تعالى في سورة الانفال : « واعلموا انما غنمتم (11) من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين

____________

=

بها كتابا فانطلقا الى عمر ليشهد لهما فيه ، فأخذه منهما ثم تفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، ثم ذهبا الى أبي بكر وهما يتذمران فقالا : والله ما ندري أانت الخليفة ام عمر ؟ فقال : بل هو ، وجاء عمر حتى وقف على ابي بكر وهو مغضب فقال : اخبرني عن هذه الارض التي اقطعتها هذين اهي لك خاصة ام بين المسلمين ؟ فقال : بل بين المسلمين. فقال : ما حملك على ان تخص بها هذين ؟ قال : استشرت الذين حولي. فقال : اوكل المسلمين وسعتهم مشورة ورضا ؟ فقال أبو بكر (رض) : فقد كنت قلت لك انك اقوى على هذا الامر مني لكنك غلبتني.

نقل هذه القضية ابن ابي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح النهج في صفحة 108 من المجلد الثالث ، والعسقلاني في ترجمة عيينة من اصابته وغيرهما. وليته كان يوم السقيفة وسع كل المسلمين مشورة ، ويا حبذا لو تأنى حتى يفرغ بنو هاشم من أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

(10) هو من أشهر الكتب الحنفية يتبركون به ، ولمصنفه شأن عظيم ، وما نقلناه هنا عنه مصرح به في كلمات المحدثين والفقهاء كما لا يخفى.

(11) الغنيمة لغة هي الفوز بالشيء ، وذلك أعم من غنائم دار الحرب ، وبهذا تعلم دلالة الآية على مذهبنا في الخمس.

89

وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله (12) وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير » حيث صرفوا الخمس الى خلاف منطوقها.

فذهب الامام مالك « كما هو معلوم من مذهبه » الى ان الخمس بأسره مفوض الى السلطان يصرفه كيف شاء وانه لاحق لأحد بالمطالبة فيه ، وذهب الامام ابو حنيفة « كما هو بديهي من مذهبه » الى انه يقسم ثلاثة اسهم : فيعطى لمطلق ايتام المسلمين سهم ، ولمطلق مساكينهم سهم ، ولمطلق ابناء السبيل منهم سهم ، ولا فرق عنده في ذلك بين ذي القربى منهم وغيره.

وانت ترى نص الكتاب قد فرض لذي القربى في الخمس حقا قصره عليهم ، وتعلم ان السنة المطهرة قد جعلت لهم فيه سهما لن تبرأ الذمة إلا بدفعه اليهم ، وقد اجمع كافة اهل القبلة من اهل كل مذهب منهم ونحلة على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يختص بسهم من الخمس ويخص منه اقاربه بسهم آخر ، ولم يعهد بتغيير ذلك الى احد حتى لحق بربه عز وجل فلما ولي ابو بكر (رض) تأول الأدلة فأسقط سهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسهم ذوي القربى ، ومنع « كما في تفسير هذه الآية من الكشاف وغيره » بني هاشم من الخمس.

وفي اواخر باب غزوة خيبر من صحيح البخاري في صفحة 36 من جزئه الثالث ان فاطمة ارسلت الى ابي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى ابو بكر أن يدفع اليها شيئا ، فوجدت عليه فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ، ولم يؤذن بها ابا بكر وصلى عليها ـ الحديث. وهو موجود ايضا في باب قول النبي « لا نورث ما تركناه فهو

____________

(12) معنى هذا الشرط ان الخمس مصروف الى هذه الوجوه الستة فاقطعوا عنه اطماعكم وادوه لأربابه ان كنتم آمنتم بالله ، وفيه من البعث على اداء الخمس والانذار لتاركيه ما لا تسع بيانه عبارة.

90

صدقة » من صحيح مسلم في صفحة 72 من جزئه الثاني ، وفي مواضيع أخر من الصحيحين كما لا يخفى.

وأخرج مسلم في أواخر كتاب الجهاد والسير من الجزء الثاني من صحيحه عن قيس بن سعد عن يزيد بن هرمز قال : كتب نجدة بن عامر ( الحروري الخارجي ) الى ابن عباس قال ( يزيد بن هرمز ) فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه. قال : فقال ابن عباس : والله لولا ان ارده عن نتن يقع فيه ما كتبت اليه ولا نعمة عين. قال : فكتب اليه إنك سألت عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله من هم ؟ وإنا كنا نرى ان قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هم نحن ، فأبى ذلك علينا قومنا ـ الحديث (13).

وأخرجه ايضا الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر صفحة 294 من الجزء الأول من مسنده ، ورواه المحدثون بطرق كلها صحيحة ، وهذا هو مذهب أهل البيت والمتواتر عن أئمتهم (عليهم السلام).

ومنها اقتصارهم في صلاة الجنائز على اربع تكبيرات ، كما هو معلوم من فقه أهل المذاهب الأربعة وسيرتهم ، واول من جمع الناس على ذلك عمر بن الخطاب (رض) كما نص عليه جماعة كثيرون ، منهم السيوطي حيث ذكر أوليات عمر في تاريخ الخلفاء ، وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه روضة المناظر (14) وغيرهما من أهل الأخبار.

ويدلك على تأولهم في هذه المسألة ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث زيد ابن أرقم في صفحة 370 من الجزء الرابع من مسنده عن عبد الاعلى قال : صليت

____________

(13) فراجعه في أول صفحة 105 من ج 2 من صحيح مسلم المطبوع سنة 1327 على نفقة الحلبي وأخويه.

(14) وهو مطبوع في هامش ابن الاثير وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 122 من جزء 11.

91

خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا ، فقام اليه أبو عيسى عبدالرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال : نسيت ؟ قال لا ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكبر خمسا فلا أتركها ابدا .

ومنها تأولهم في البكاء على الميت حيث حرمه الخليفة الثاني ، حتى أخرج الطبري عند ذكر وفاة أبي بكر في حوادث سنة 13 من الجزء الرابع من تأريخه بالاسناد الى سعيد بن المسيب قال : لما توفي أبو بكر اقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر فأبين ان ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد : أدخل فأخرج الي ابنة أبي قحافة. فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : اني أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام : أدخل فقد أذنت لك. فدخل هشام فأخرج ام فروة اخت ابي بكر الى عمر فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك .

هذا مع ما أخرجه الامام احمد من حديث ابن عباس في صفحة 335 من الجزء الأول من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكاء النساء عليها قال : فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي دعهن يبكين ، وقعد على شفير القبر وفاطمة الى جنبه تبكي. قال : فجعل النبي يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة .

واخرج أحمد أيضا من حديث ابي هريرة في صفحة 333 من الجزء الثاني من مسنده حديثا جاء فيه انه : مر على رسول الله جنازة معها بواكي فنهرهن عمر فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : دعهن فإن النفس مصابة والعين دامعة.

واخرج الامام احمد من حديث ابن عمر في صفحة 40 من مسنده قال : رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ولكن حمزة لا بواكي له قال : ثم نام

92

فانتبه وهن يبكين حمزة قال : فهن اليوم إذا بكين يندبن حمزة ـ وهذا الحديث مستفيض بين المسلمين ، وقد ذكره ابن جرير ، وابن الأثير ، وصاحب العقد الفريد ، وجميع أهل السير والأخبار.

وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلا عن الواقدي ، قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله « لكن حمزة لا بواكي له » الى اليوم إلا بدأت بالبكاء على حمزة. وذكر ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه قال : لما جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نعي جعفر اتى امرأته اسماء بنت عميس فعزاها. قال ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على مثل جعفر فلتبك البواكي.

وأخرج البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه انه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكى على زيد وجعفر ، وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه انه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكى على جعفر وزيد ، وقال : اخواي ومؤنساي ومحدثاي. وبكى على ولده إبراهيم فقال له عبد الرحمن بن عوف ( كما في الجزء الأول من صحيح البخاري ) وانت يا رسول الله ؟ قال : يابن عوف انها رحمة ، ثم اتبعها ـ يعني عبرته ـ بأخرى فقال : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون.

وقد علم الناس كافة بكاءه على عمه حمزة حتى قال ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب : لما رأى النبي حمزة قتيلا بكى ، فلما رأى ما مثل به شهق.

وذكر الواقدي ( كما في اواخر صفحة 387 من المجلد الثالث من شرح النهج ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يومئذ اذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج ، قال : وجعلت فاطمة تبكي فلما بكت بكى رسول الله.

وبكى (صلى الله عليه وآله وسلم) على صبي مات لاحدى بناته ، فقال له

93

سعد ( كما في صحيحي البخاري ومسلم ) ما هذا يا رسول الله ؟ قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ـ الى مالا يحصى من قبيل هذه الأحاديث المشهورة ، مما لا يمكن استقصاؤه وفي هذا المقدار كفاية.

وأما ما جاء في الصحيحين من ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه ، وفي رواية ببعض بكاء اهله عليه ، وفي رواية ببكاء الحي ، وفي رواية يعذب في قبره بما نيح عليه ، وفي رواية من يبك عليه يعذب ، فإنه خطأ من الرواي بحكم العقل والنقل.

قال الفاضل النووي ( عند ذكر هذه الروايات في باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه من شرح صحيح مسلم ) : هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله. قال : وانكرت عائشة عليهما ، ونسبتهما الى النسيان والاشتباه واحتجت بقوله تعالى : « ولا تزر وازرة وزر اخرى ».

قلت : وانكر هذه الروايات ايضا ابن عباس واحتج على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى ناحت على ابيها يوم مات ، فكان بينها وبين عمر ما قد سمعت ، والتفصيل في رسالتنا « الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة » وفي مقدمة مجالسنا الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة (15).

وللسلف تأولات غير الذي ذكرناه كتأخيرهم مقام ابراهيم الى موضعه اليوم (16) وكان ملصقا بالبيت ، وتوسعتهم المسجد الحرام سنة 17 للهجرة

____________

(15) المطبوعة سنة 1332.

(16) أخره الخليفة الثاني كما هو مستفيض عنه فراجع صفحة 113 من المجلد الثالث من شرح النهج الحديدي طبع مصر ، ومادة « الديك » من حياة الحيوان للفاضل الدميري. وقال ابن سعد في ترجمة عمر من

=

94

باضافة دور جماعة من حوله اليه ، وكانوا أبوا بيعها فهدمها الخليفة الثاني عليهم (17) ووضع اثمانها في بيت المال حتى اخذوها ، وكحكمه على اليمانيين بدية أبي خراش الهذلي الشاعر الصحابي المشهور(18) إذ باتوا ضيوفا عنده ، فذهب يستقي لهم فمات من حية نهشته في الطريق ، وكنفيه نصر بن الحجاج بن علابط السلمي الى البصرة (19) إذ تغنت به امرأة في دارها وكان في غاية من الحسن والجمال(20) وكقضاياه المختلفة في ميراث الجد مع الأخوة (21) حتى رجع الى رأي زيد بن ثابت الانصاري.

وكتأوله آية التجسس ، إذ رأى فيه صلاح المملكة ونفع الرعية ، فكان

____________

=

طبقاته ما هذا لفظه : وهو الذي أخر مقام ابراهيم الى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت ـ ونقل السيوطي ذلك في أحوال عمر من تاريخ الخلفاء.

(17) نص على ذلك جميع أرباب السير كابن الاثير في حوادث تلك السنة من كامله وغيره.

(18) ذكر هذه القضية ابن عبد البر في ترجمة ابن خراش من كتاب الكنى من الاستيعاب ، ونقلها عنه الدميري في مادة « الحية » من كتاب حياة الحيوان.

(19) هذه القضية مستفيضة فراجع صفحة 99 من المجلد الثالث من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر تجد تفصيلها ، وقد ذكرها ابن خلكان في ترجمة نصر بن الحجاج من وفياته تفصيلا.

(20) وكنفيه ضبيع التميمي الى البصرة أيضا بعد ضربه الضرب المبرح اذ سأله عن تفسير آية من القرآن في قضية ذكرها ابن أبي الحديد في صفحة 122 من المجلد الثالث من شرح نهج البلاغة.

(21) في صفحة 173 من الجزء الثاني المطبوع في هامشه كتاب عوارف المعارف..

95

يتجسس نهارا ويعس ليلا ، حتى ذكر الغزالي في احياء العلوم (22) انه سمع وهو يعس بالمدينة صوت رجل يتغنى في بيته فتسور عليه ، فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال : يا عدو الله اظننت ان الله يسترك وانت على معصيته ؟ فقال : ان كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته انت في ثلاثة. قال الله : « ولا تجسسوا » وقد تجسست ، وقال : « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » وقد تسورت عليّ ، وقال « لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم » الآية ، وقد دخلت بيتي بغير اذن ولا سلام. فقال عمر (رض) : هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم فتركه وخرج ، الى غير ذلك من مصاديق اجتهاداته وموارد تأولاته التي عدل بها عن ظواهر الأدلة حرصا على توطيد دعائم السياسة وابتغاء لتنظيم شؤونها ، وتقديما لمصلحة المملكة ، وايثارا لتقوية الشوكة من وضعه الخراج على السواد ، وكيفية ترتيبه للجزية وعهده بالشورى على الوجه المعلوم ، وقوله (23) يومئذ : « لو كان سالم ( ابن معقل مولى ابي حذيفة ) حيا استخلفته » مع انعقاد الاجماع (24) نصا وفتوى على عدم جواز عقد الامامة لمثله ، ضرورة انه من اهل فارس ، إما من اصطخر أو من كرمد ، استرقته زوجة أبي حذيفة ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكانت من الأنصار.

____________

(22) روى ذلك طارق بن شهاب الزهري ، والتفصيل في مادة « الحية » من حياة الحيوان للدميري.

(23) هذا القول متواتر عنه ، وهو موجود في كامل ابن الاثير وغيره من كتب السير والاخبار حتى صرح ابن عبدالبر ، حيث أورد هذه المقالة في ترجمة سالم من استيعابه بأنها عن رأي رآه عمر واجتهاد ادى اليه نظره ، وأخرج احمد من حديث عمر في صفحة 20 من مسنده انه قال : لو ادركني احد رجلين لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة.

(24) صرح بانعقاد الاجماع على ذلك جماعة كثيرون ، منهم النووي في أول كتاب الامارة من شرحه لصحيح مسلم ، ولو راجعت ذلك الكتاب في صحيح مسلم لازددت بصيرة في ائمتك الاثني عشر (عليهم السلام)..

96

تنبيه :

أفادتنا سيرة بعض الصحابة انهم إنما كانوا يتعبدون بالنصوص ويجمدون عليها إذا كانت متمحضة للدين مختصة بالشؤون الاخروية ، كنصه (صلى الله عليه وآله وسلم) على صوم شهر رمضان دون غيره ، واستقبال القبلة في الصلاة لا غيرها ، ونحو ذلك من أوامره المتمحضة للنفع الاخروي ، أما ما كان منها متعلقا بالسياسة كالولايات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة وتسريب الجيش ، فإنهم لم يكونوا يرون التعبد به والالتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه ، بل جعلوا لأفكارهم فيه مسرحا للبحث ومجالا للنظر والاجتهاد ، فكانوا إذا رأوا في خلافه رفعا لكيانهم أو نفعا في سلطانهم عدلوا عنه الى ما يرفعون به كيانهم أو ينتفعون به في سلطانهم ، ولذلك عدل هؤلاء في الخلافة عن وليها المنصوص عليه من نبيها فجعلوها للخلفاء الثلاثة (رض) واحدا بعد واحد ، مع عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بها الى أخيه ووليه ، ووارثه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

لم يكونوا غائبين عن عهد النبي بها اليه ، ولا جاهلين بنصوصه (1) المتواترة عليه. وكانت تترى من مبدأ أمره بأبي هو وأمي الى آخر عمره ، كما أوضحناه في مراجعاتنا الأزهرية وفي سبيل المؤمنين ، وانما غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي ولا ترتضيه مالكا لأزمة الحكم عليها حيث انه وترها في سبيل الله وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله ، وكشف القناع منابذا لها في نصرة الحق حتى ظهر أمر الله على رغم كل عات كفور.

فهم لا يطيعونه إلا عنوة ولا يخضعون لامامته إلا بالقوة ، وقد عصبوا به كل

____________

(1) لم نذكر شيئا من هذه النصوص هنا اكتفاء بمراجعاتنا الازهرية ومناظراتنا المصرية ، وقد استقصيتها بأسانيدها المعتبرة عند أهل السنة ، وسنطبع تلك المناظرات وكل قريب آت الا أن يشاء الله تعالى.

97

دم أراقه الاسلام أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جريا على عادتهم في أمثال ذلك ، إذ لم يكن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عشيرته أحد يستحق أن تعصب به تلك الدماء عند العرب غيره ، لانه الأمثل في عشيرته والأفضل في قبيلته ، ولذلك تربصوا به الدوائر وقلبوا له الأمور وأضمروا له ولذريته كل حسيكة ووثبوا عليهم كل وثبة ، وكان ما كان مما طار في الأجواء وطبق رزؤه الأرض والسماء.

وأيضا فإن قريشا خاصة والعرب عامة كانت تنقم من علي شدة وطأته على اعداء الله ونكال وقعته فيمن يتعدى حدود الله أو يهتك حرماته عز وجل ، وكانت ترهب من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وتخشى عدله في الرعية ومساواته بين الناس في كل قضية ، ولم يكن لها فيه مطمع ولا لأحد عنده هوادة ، فالقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقه ، فمتى تخضع الاعراب لمثله ( وهم أشد كفرا ونفاقا واجدر ان لا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله ) ، ( ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) وفيها بطانة لا يألونها خبالا.

على ان قريشا وسائر العرب كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ، حيث بلغ في علمه وعمله رتبة عند الله ورسوله تقاصر عنها الافران وتراجع عنها الاكفاء ، ونال من الله ورسوله بسوابقه وخصائصه منزلة تشرئب اليها أعناق الاماني وشأوا تنقطع دونه هوادي المطامع ، وبذلك دبت عقارب الحسد له في قلوب المنافقين واجتمعت على نقض مجده كلمة الفاسقين والناكثين والقاسطين والمارقين ، فاتخذوا النص ظهريا وكان لديهم نسيا منسيا.

وكان ما كان مما لست أذكره * * * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

على ان قريشا وسائر العرب كانوا قد تشوفوا الى تداول الخلافة بين

98

قبائلهم واشرأبت الى ذلك اطماعهم ، فأمضوا نياتهم عليه ووجهوا عزائمهم اليه ، فتصافقوا على تناسي النص وعدم ذكره بالمرة ، وتبايعوا على صرف الخلافة من اول ايامها عن وليها المنصوص عليه من نبيها ، فجعلوها بالاختيار والانتخاب ليكون لكل حي من احيائهم امل في الوصول اليها ولو بعد حين ولو عملوا بالنص فقدموا عليا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خرجت الخلافة من عترته الطاهرة ، حيث قرنها يوم الغدير وغيره بمحكم الكتاب وجعلها قدوة لأولي الألباب الى يوم الحساب ، وما كانت العرب لتصبر على حصر الخلافة في بيت مخصوص بعد أن طمحت اليها الابصار من كافة قبائلها وحامت عليها النفوس من جميع أحيائها.

وقد هزلت حتى بدا من هزالها * * * كلاها وحتى استامها كل مفلس

ومن ألمّ بتاريخ قريش والعرب في صدر الاسلام يعلم انهم لم يخضعوا للنبوة الهاشمية إلا بعد أن تهشموا ولم يبق فيهم من رمق ، فكيف يرضون باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم وقد قال الخليفة الثاني لابن عباس في كلام دار بينهما : ان قريشا كرهت أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فتجحفون على الناس.

والسلف الصالح لم يتسن له أن يقهرهم يومئذ على التعبد بالنص فرقا من انقلابهم إذا قاومهم وخشية من سوء عواقب الاختلاف في تلك الحال وقد ظهر النفاق بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقويت بفقده شوكة المنافقين وعتت نفوس الكافرين وتضعضعت اركان الدين وانخلعت قلوب المسلمين ، حيث صاروا بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب كاسرة ووحوش ضارية ، وقد ارتدت طوائف من العرب وهمت بالردة أخرى وعظم قلق السلف الصالح على الاسلام واشتد فرقهم على أمة سيد الأنام فصبروا على مخالفة النص بقيا على المسلمين واحتياطا على الدين ـ صبروا وفي أعينهم من ذلك قذى وفي حلوقهم منه شجى كما قالوا (عليهم السلام) ـ وأشفق علي امير المؤمنين أن يظهر

99

أرداة القيام بأمر الناس مخافة البائقة وفساد العاجلة والآجلة ، والقلوب على ما وصفنا والمنافقون على ما ذكرنا ، يعضون عليهم الانامل من الغيظ وأهل الردة على ما بينا والأنصار قد خالفوا المهاجرين ، وانحازوا عنهم يقولون منا أمير ومنكم أمير و. و. فدعاه النظر للدين الى الكف عن الاظهار والتجافي عن الأمور ، وعلم أن طلب الخلافة والحال هذه يستوجب التغرير في الدين والخطر بالأمة فاختار الكف ضنا بالدين وايثارا للآجلة على العاجلة.

غير أنه قعد في بيته ( ولم يبايع حتى أخرجوه كرها ) احتفاظا بحقه واحتجاجا على من عدل عنه ، ولو أسرع الى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان ، ولكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من امرة المؤمنين ، فدل ذلك على اصالة رأيه ورجاحة علمه وسعة صدره وشدة زهده وفرط سماحه وقلة حرصه ، ومتى سخت نفس امرىء عن هذا الخطب الجليل والأمر الجزيل ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين ، وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له وأعود المقصودين عليه.

أما الخليفة الأول وأتباعه (رض) أجمعين فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها ، ولا عجب منه في ذلك بعد الذي نبهناك اليه من عدم تعبدهم بما كان من نصوصه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، متعلقا بالسياسات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة واليك مضافا الى ما تلوناه نبذة من موارد تأولهم تكون نموذجا لرأيهم في تلك النصوص ، وحسبك بها أدلة على معذرة المتأولين ، وهي كثيرة :

فمنها سرية أسامة بن زيد بن حارثة الى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد اهتم فيها بأبي هو وأمي اهتماما عظيما ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهاقا لعزائمهم واستنهاضا لهممهم ، فلم يبق أحدا من وجوه المهاجرين

100

والأنصار كأبي بكر وعمر (2) وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم إلا وقد عبأه بالجيش (3) وكان ذلك لاربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة للهجرة (4) فلما كان من الغد دعا اسامة فقال له : سر الى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحا على أهل أبنى (5) وحرق عليهم ، وأسرع

____________

(2) أجمع أهل السير والاخبار على ان ابا بكر وعمر كانا في الجيش ، وارسلوا ذلك في كتبهم ارسال المسلمات ، وهذا مما لم يختلفوا فيه ، فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية كطبقات ابن سعد وتاريخي الطبري وابن الاثير والسيرة الحلبية والسيرة الدحلانية وغيرها لتعلم ذلك ، وقد أورد الحلبي حيث ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته حكاية ظريفة نوردها بعين لفظه. قال : ان الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى اياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء وهو صبي وخلفه اربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي : أف لهذه العثانين ـ اي اللحى ـ أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث ؟ ثم التفت اليه المهدي وقال : كم سنك يا فتى ؟ فقال : سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جيشا فيه أبو بكر وعمر. فقال : تقدم بارك الله فيك. قال الحلبي : وكان سنه سبع عشرة سنة .

(3) كان عمر يقول لاسامة : مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وانت علي أمير. نقل ذلك عنه جماعة من الاعلام كالحلبي في سرية اسامة من سيرته الحلبية وغير واحد من المحدثين والمؤرخين.

(4) هذا بناء على ما صرح به كثير من أعلام السنة كابن سعد في سرية اسامة من طبقاته والحلبي والدحلاني في هذه السرية من سيرتيهما ، وقد اعتمدنا في شؤون هذه السرية على هاتين السيرتين.

(5) ابنى بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها الف مقصورة ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة ، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة (عليه السلام).

101

السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء وقدم العيون والطلائع معك. فلما كان يوم الثامن والعشرين من صفر بدأ به (صلى الله عليه وآله وسلم) مرض الموت فحمّ بأبي هو وأمي وصدع ، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم متثاقلين خرج اليهم فحضهم على السير وعقد (صلى الله عليه وآله وسلم) اللواء لأسامة بيده الشريفة تحريكا لحميتهم وارهافا لعزيمتهم ، ثم قال : اغز بسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله ، فخرج بلوائه معقودا فدفعه الى بريدة وعسكر بالجرف ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا ـ مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب اسراعهم كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) « أغز صباحا على أهل أبنى » وقوله « واسرع السير لتسبق الأخبار » الى كثير من أمثال هذه الأوامر التي لم يعملوا بها في تلك السرية ـ وطعن قوم منهم في تأمير أسامة كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك فأكثروا مع ما شهدوه من عهد النبي له بالامارة وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ « فقد وليتك هذا الجيش » ورأوه يعقد له لواء الامارة وهو محموم بيده الشريفة فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره حتى غضب (صلى الله عليه وآله وسلم) من طعنهم غضبا شديدا فخرج بأبي هو وأمي معصب الرأس (6) مدثرا بقطيفته محموما ألما ، وكان ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول قبل وفاته بأبي هو وأمي بيومين (7) فصعد المنبر فحمد

____________

(6) كل من ذكر هذه السرية من المحدثين وأهل السير والأخبار نقل طعنهم في تأمير اسامة وانه (صلى الله عليه وآله وسلم) غضب غضبا شديدا فخرج على الكيفية التي ذكرناها فخطب الخطبة التي أوردناها ، فراجع سرية اسامة من طبقات ابن سعد وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها من المؤلفات في هذا الموضوع.

(7) هذا بناء على ما ذكره الحلبي والدحلاني في سيرتيهما ورواه المحدثون من أهل السنة كابن سعد في سرية اسامة من طبقاته ، وهي في آخر القسم الأول من الجزء الثاني من الطبقات.

102

الله وأثنى عليه ثم قال فيما اجمع اهل الأخبار على نقله واتفق أولوا العلم على صدوره : أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري اسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقا بالامارة وان ابنه بعده لخليق بها.. وحضهم على المبادرة الى السير فجعلوا يودعونه ويخرجون الى العسكر بالجرف وهو يحضهم على التعجيل ، ثم ثقل ( بأبي هو وأمي ) في مرضه فجعل يقول جهزوا جيش اسامة أنفذوا جيش اسامة أرسلو بعث اسامة ـ يكرر ذلك وهم متثاقلون ، فلما كان يوم الأثنين الثاني عشر من ربيع الأول دخل اسامة من معسكره على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأمره بالسير قائلا له أغد على بركة الله تعالى ، فودعه وخرج الى العسكر ثم رجع ومعه عمر وأبو عبيدة فانتهوا اليه بأبي هو وأمي وهو يجود بنفسه فتوفي ، ( روحي وأرواح العالمين له الفداء ) في ذلك اليوم (8) فرجع الجيش باللواء الى المدينة الطيبة ، ثم عزموا على الغاء البعث بالمرة ، وكلموا أبا بكر في ذلك وأصروا عليه غاية الاصرار ، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في انفاذه وعنايته التامة في تعجيل ارساله ونصوصه المتوالية في الاسراع به على وجه يسبق الأخبار وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه وعهد الى أسامة في أمره وعقد لواءه بيده الى أن احتضر بأبي هو وأمي فقال « اغد على بركة الله تعالى » كما سمعت ، ولولا الخليفة لاجمعوا يومئذ على رد البعث وحل اللواء لكنه أبى عليهم ذلك ، فلما رأوا منه العزم على ارسال البعث جاءه عمر بن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الأنصار أن يعزل اسامة ويولي غيره.

هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجه من طعنهم في تأمير أسامة ،

____________

(8) وهذا أيضا بناء على ما في سيرتي الحلبي والدحلاني ورواية المحدثين من أهل السنة كابن سعد وغيره ، والمأثور عندنا أنه توفي (صلى الله عليه وآله وسلم) لليلتين بقيتا من صفر.

ولا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموما مألوما معصبا مدثرا يرسف في مشيته ورجله لا تكاد تقله مما كان به من لغوب فصعد المنبر وهو يتنفس الصعداء ويعالج البرحاء فقال : أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وايم الله ان كان لخليقا بالامارة وان ابنه من بعده لخليق بها ، فأكد (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم بالقسم وان واسمية الجملة ولام التأكيد ليقلعوا عما كانوا عليه فلم يقلمعوا ، لكن الخليفة أبى ان يجيبهم الى عزل أسامة ، كما أبى ان يجيبهم الى الغاء البعث ، ووثب فأخذ بلحية عمر (9) فقال ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب استعمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأمرني أن أنزعه.

ولما سيروا الجيش ـ وما كادوا يفعلون ـ خرج اسامة في ثلاثة آلاف مقاتل فيهم ألف فرس (10) وتخلف عنه جماعة منمن عبأهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في جيشه ، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) « جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه » (11).

____________

(9) نقله الحلبي والدحلاني في سيرتيهما وابن جرير الطبري في احداث سنة 11 من تاريخه وغير واحد من اهل الأخبار.

(10) قشن الغارة على أهل ابنى فحرق منازلهم وقطع نخلهم وأجال الخيل في عرصاتهم وقتل من قتل منهم وأسر من أسر ، وقتل يومئذ قاتل أبيه ولم يقتل والحمد لله رب العالمين من المسلمين أحد ، وكان أسامة يومئذ على فرس أبيه شعارهم يا منصور امت ـ وهو شعار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر ـ وأسهم للفارس سهمين وللرجل سهما واحد وأخذ لنفسه مثل ذلك.

(11) أرسل هذه الكلمة أرسال المسلمات جماعة من أعلام الاثبات كالامام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في المقدمة الرابعة من المقدمات التي ذكرها في أوائل كتابه الملل والنحل ، وأخرجها أبو بكر احمد ابن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بالاسناد المرفوع الى رسول الله

=

103

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

104

وأنت تعلم انهم انما تثاقلوا عن السير أولا وتخلفوا عن الجيش أخيرا ليحكموا قواعد سياستهم ، ويقيموا عمدها ترجيحا منهم لذلك على التعبد بالنص ، حيث رأوه أولى بالمحافظة وأحق بالرعاية ، إذ لا يفوت البعث بتثاقلهم عن السير ، ولا بتخلف من تخلف منهم عن الجيش ، اما الخلافة فإنها تنصرف عنهم لا محالة ، إذا انصرفوا الى الغزوة قبل وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان بأبي هو وأمي اراد ان تخلو منهم العاصمة ، فيصفوا الأمر من بعده لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب على سكون وطمأنينة ، فإذا رجعوا وقد ابرم عهد الخلافة واحكم لعلي عقدها ، كانوا عن المنازعة والخلاف ابعد.

وانما امر عليهم أسامة وهو ابن سبع عشرة سنة (12) لياّلأعنة البعض وردا لجماح اهل الجماح منهم واحتياطا على الأمن في المستقبل من نزاع اهل التنافس لو أمر احدهم كما لا يخفى ، لكنهم فطنوا الى كل ما دبر (صلى الله عليه وآله وسلم) فطعنوا في تأمير أسامة وتثاقلوا عن السير معه ، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بربه ، فهموا حينئذ بالغاء البعث وحل اللواء تارة وبعزل أسامة اخرى ، ثم تخلف كثير منهم عن الجيش كما سمعت. فهذه خمسة امور في هذه السرية لم يتعبدوا فيها بالنصوص الجلية إيثار لرأيهم في الأمور السياسية وترجيحا لاجتهادهم فيها على التعبد بنصوصه (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومنها رزية يوم الخميس ، وهي من الرزايا الفادحة والقضايا الثابتة نقلها اهل السير والأخبار ، واخرجها المحدثون كافة بالطرق المجمع على صحتها

____________

=

(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونقلها عنه جماعة من أهل الاخبار كالعلامة المعتزلي الحنفي في آخر صفحة 20 من المجلد 2 من شرحه لنهج البلاغة طبع مصر.

(12) على الاظهر ، وقيل كان ابن ثمان عشرة سنة ، وقيل ابن تسع عشرة سنة ، وقيل ابن عشرين سنة ، ولا قائل بأن عمره كان أكثر من ذلك.