الفصول المهمة في تأليف الأمة

- السيد عبد الحسين شرف الدين المزيد...
204 /
105

وحسبك منها ما اخرجه البخاري في باب قول المريض « قوموا عني » من كتاب المرضى من صحيحه (13) بسنده الى عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى عليه وآله وسلم : هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا (14) بعده فقال عمر : ان النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوموا : قال عبيدالله : فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ـ .

وهذا الحديث مما لا كلام في صحته ، وقد اورده البخاري في كتاب العلم ايضا من صحيحه (15) ، وفي مواضع اخر يعرفها المتتبعون.

واخرجه مسلم في آخر الوصية من صحيحه (16) ورواه احمد من حديث ابن عباس في مسنده (17) وسائر المحدثين ، وقد تصرفوا فيه اذ نقوله بالمعنى ولفظه الثابت عن عمر رضي الله عنه « ان النبي يهجر » لكنهم ذكروا انه قال « ان النبي قد غلب عليه الوجع » تهذيبا للعبارة وتقليلا لما يستهجن منها ، ويدل على ذلك ما اخرجه ابو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة (18)

____________

(13) راجع صفحة 5 من الجزء 4 من الصحيح.

(14) بحذف النون مجزوما لكونه جوابا ثانيا لهم.

(15) في صفحة 22 من جزئه الاول.

(16) في صفحة 14 من جزئه الثاني.

(17) راجع صفحة 32 من جزئه الأول.

(18) كما في صفحة 20 من المجلد الثاني من شرح النهج للعلامة المعتزلي طبع مصر.

106

بالاسناد الى عبدالله بن عباس قال : لما حضرت رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أئتوني بدواة وصحيفة اكتب كتاب لا تضلوا بعده. قال : فقال عمر كلمة معناها ان الوجع قد غلب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف من في البيت واختصموا فمن قائل قربوا يكتب لكم النبي ومن قائل ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغط واللغو والاختلاف غضب (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : قوموا ـ الحديث.

وتراه صريحا بأنهم انما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه ، ويدلك على هذا ايضا ان المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نقلوا الحديث بعين لفظه : قال البخاري في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه (19) : حدثنا قبيصة حدثنا ابن عيينة عن سلمان الاحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس انه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال : اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس فقال : ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا : هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال دعوني فالذي انا فيه خير مما تدعوني اليه. قال : وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم : قال : ونسيت الثالثة (20). وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا في آخر كتاب الوصية من صحيحه ، واحمد من حديث ابن عباس في مسنده (21) ونقله كافة المحدثين.

____________

(19) في صفحة 118 من جزئه الثاني.

(20) الثالثة ليست الا الامر الذي أراد ـ بأبي وأمي ـ ان يكتبه حفظا لهم من الضلال فصدوه عن كتابته ، وهو العهد لعلي بالخلافة من بعده لكن السياسة في تلك الاوقات اضطرت رواة الحديث الى القول بانهم قد نسوا ذلك ، فانا لله وانا اليه راجعون.

(21) راجع صفحة 222 من جزئه الاول.

107

وأخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس انه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أئتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقالوا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر (22).

ومن ألم بمجموع ما حول هذه الرزية من الأحاديث يعلم أن أول من قال يومئذ هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انما هو الخليفة الثاني رضي الله عنه ، ثم نسج على منواله من الحاضرين من كانوا يرون رأيه ويؤثرون هواه ، كما يدل عليه الحديث الأول الذي رواه البخاري بسنده الى عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس ، وقد سمعت قول ابن عباس فيه ، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر.

وكيف كان فانهم لم يتعبدوا هنا بنصه الذي لو تعبدوا به لأمنوا من الضلال ، بل لم يكتفوا بعدم الامتثال لامره حتى ردوا عليه بقولهم « حسبنا كتاب الله » كما يزيف أحدنا رأي الآخر ، كأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعلم بمكان كتاب الله منهم ، أو أنهم أعلم منه بخواص كتاب الله وفوائده ، وليتهم اكتفوا بهذا كله ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك وهو محتضر بأبي هو وأمي بينهم ، وأي كلمة كانت منهم وداعا له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكأنهم حيث لم يأخذوا بهذا النص اكتفاء منهم بكتاب الله على ما زعموا لم يسمعوا هتاف الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم قائلا : « وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا » وكأنهم حيث قالوا كلمتهم تلك لم يقرأوا قوله تعالى : « انه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون » وقوله عز من

____________

(22) وأخرج هذا الحديث بهذه الالفاظ احمد في صفحة 355 من الجزء الاول من مسنده وغير واحد من الاثبات.

108

قائل : « انه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين » وقوله سبحانه وتعالى : « ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو الا وحي يوحى * علمه شديد القوى » الى كثير من هذه الآيات المحكمة المنصوص فيها على عصمة قوله من الهجر (صلى الله عليه وآله وسلم).

على أن العقل يستقل بذلك ويحكم جازما به كما لا يخفى على أولي الألباب ، لكن القوم علموا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد توثيق العهد الى علي بالخلافة وتأكيد النص بها عليه خاصة وعلى الأئمة من عترته عامة احتياطا على أمته ومبالغة في النصح لها واهتماما في شأن خلفائه بتسجيل عهده اليهم بالخلافة خطا بعد أن أعلنه قولا وفعلا ، فصدوه عن هذه المهمة بكلمتهم هذه ، كما اعترف به الخليفة الثاني في كلام دار بينه وبين ابن عباس (23).

وانت هداك الله إذا تأملت في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أئتوني اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده » وقوله في حديث الثقلين « اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي » تعلم ان المرمى في الحديثين واحد ، وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انما أراد في مرضه بأبي هو وأمي أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين ، وانما عدل عن ذلك لأن كلمتهم التي فاجأوه بها اضطرته الى العدول ، إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب لاختلاف الامة من بعده في أنه هجر فيما كتبه فيه ( والعياذ بالله ) أو لم يهجر ، كما اختلفوا في ذلك فاختصموا وأكثروا اللغط نصب عينيه ، فلم يتسن له يومئذ أكثر من طردهم من مجلسه ، فقال : « قوموا عني » كما سمعت.

____________

(23) راجع الجزء 12 من شرح النهج الحديدي تجد ذلك في السطر 27 من صفحة 114 من المجلد 3 طبع مصر.

109

ولو أصر فكتب الكتاب للجوا في قولهم هجر ولأوغل اشياعهم في اثبات هجره ( والعياذ بالله ) فسطروا به أساطيرهم وملأوا منه طواميرهم ردا على علي وشيعته اذا احتجوا بذلك الكتاب.

لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك الكتاب صفحا لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأولياؤهم بابا الى الطعن في نبوته ( نستجير بالله ) وقد رأى (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أولياء علي خاضعون لخلافته ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، وغيرهم لا يعمل به ولا يعتبره ولو كتب ، فالحكمة والحال هذه توجب تركه إذا لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى وقوع الفتنة كما لا يخفى. ومن تأمل أحوالهم زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فضلا عن أيام خلافتهم علم أنهم كانوا كما نبهناك اليه.

ألا تراهم يوم تبوك كيف انكروا اذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ بنحر ابلهم وأكل لحومها ، إذ أملقوا في تلك الغزوة وجاعوا فأنكر عمر ( رض ) ذلك وقال : ما بقاؤكم بعد إبلكم والقضية ثابتة معروفة ، أخرجها البخاري في باب حمل الزاد في الغزو من كتاب الجهاد والسير من الجزء الأول من صحيحه ، ورواها سائر المحدثين.

وأنكروا عليه صلح الحديبية بتلك العبارات المزعجة ، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمورا به والحكمة كانت فيه بالغة ، اذ دخل بسببه في الدين أضعاف ما دخل فيه قبل ذلك ، فكان في الواقع فتحا مبينا (24) ونصرا عزيزا

____________

(24) وفيه انزل الله تعالى « انا فتحنا لك فتحا مبينا » عن الشعبي وغيره كما في الكشاف وغيره. وعن موسى بن عقبة كما في الكشاف أيضا أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك فقال : بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح ـ الحديث.

110

بيد أن أبا حفص (رض) لم يدرك يومئذ حكمته واعتقده خطة خسف فأنكره جهرة وصادر به علانية ، والقضية مشهورة وحسبك منها ما أخرجه مسلم في باب صلح الحديبية من الجزء الأول من صحيحه ان عمر بن الخطاب قال يومئذ : ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : بلى. قال : اليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى. قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا بن الخطاب اني رسول الله ولن يضيعني الله ابدا. قال : فانطلق عمر (رض) فلم يصبر متغيضا ، فأتى ابا بكر (رض) فقال : يا أبا بكر السنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى. قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى. قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال : يا بن الخطاب أنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا ـ الحديث. وأخرجه غير واحد من المحدثين بلهجة اشد مما سمعت.

وأخرج البخاري في آخر كتاب الشروط (25) من صحيحه حديثا جاء فيه : أن عمر (رض) قال : فقلت ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى. قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى. قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا اذن ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : اني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام. قلت : لا قال : فانك آتيه ومطوف به ؟ قال : فأتيت أبا بكر فقلت : اليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى. ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى. قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا اذن ؟ قال : أيها الرجل انه لرسول الله ، وليس يعصي به وهو ناصره فاستمسك بغرزه (26) فوالله انه على الحق. فقلت :

____________

(25) في صفحة 81 من جزئه الثاني.

(26) الغرز ركاب من جلد يضع الراكب رجله فيه ، فيكون المعنى

=

111

أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرك انك تأتيه العام. قلت : لا. قال : فانك آتيه ومطوف به. قال عمر (رض) فعملت لذلك أعمالا (27) قال : فلما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قضية الكتاب ( الذي كتبه يومئذ في الصلح ) قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال : فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ـ الحديث. وأخرجه الأمام أحمد من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في مسنده (28).

وذكر الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته (29) أن عمر (رض) جعل يرد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام ، فقال له أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا بن الخطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ما يقول ، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الحلبي : وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ : يا عمر اني رضيت وتأبى.

وقال الحلبي وغيره ان عمر(رض) كان بعد ذلك يقول : ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به... الى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية.

وأنكر (رض) يوم بدر أخذ الفداء من الأسرى واطلاق سراحهم ، وكان من رأيه أن يعمد حمزة الى أخيه العباس فيقتله ، ويأخذ علي أخاه عقيلا

____________

=

اعتلق به وامسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره. وفي القاموس : غرز كسمع اطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا مصدر مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد العصيان.

(27) لا تخفى دلالة كلمته هذه على أن اعماله كانت عظيمة وبسببها لم يمتثلوا أمره أياهم بالنحر حتى أمرهم بذلك ثلاثا كما ستسمعه في الاصل.

(28) راجع آخر الصفحة 230 من جزئه الرابع.

(29) في الصفحة 19 من الجزء الثالث.

112

فيقتله ، وهكذا كل مسلم له قرابة في أسرى المشركين يقتله بيده حتى لا يبقى منهم أحد ، فأعرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الرأي ، تعبدا بالوحي الموافق للرحمة والحكمة « وما ينطق عن الهوى. أن هو إلاّ وحي يوحى. علمه شديد القوى » لكن الجاهلين بعصمته وحكمته « لا يقومون كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا انما » كان الحق في هذه الواقعة مع عمر (رض) ، معتمدين في ذلك على أحاديث اختلقها بعض المنافقين من أعداء الله « وما أنزل الله بها من سلطان » ، « فما قدروا الله حق قدره » وقد امعنوا في التيه واوغلوا في الجهل وتسكعوا في تفسير قوله تعالى : « ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الحياة الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم » حيث اشتبهت عليهم في هذه الآية معالم القصد وعميت لديهم فيها وجوه الرشد ، فقالوا بنزولها في التنديد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واصحابه ، حيث آثروا ( بزعم هؤلاء الجهلاء ) عرض الحياة الدنيا على الآخرة ، فاتخذوا الأسرى وأخذوا منهم الفداء قبل ان يثخنوا في الأرض وزعموا انه لم يسلم يومئذ من الخطيئة الا عمر رضي الله عنه ، وانه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطاب ، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم ، واقتضاه نفاق الواضعين وعداوتهم.

وكذب من زعم انه (صلى الله عليه وآله وسلم) اتخذ الأسرى واخذ منهم الفداء قبل ان يثخن في الأرض ، فانه بأبي وأمي انما فعل ذلك بعد ان اثخن في الأرض ، وقتل صناديد قريش وطواغيتها ، كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة الى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء الظلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأولية ، فكيف يمكن بعد هذا ان يتناوله (صلى الله عليه وآله وسلم) اللوم المذكور في الآية (تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ) ؟ !

والصواب ان الآية انما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودون العير واصحابه

113

على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة عز من قائل : « واذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين» وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استشار أصحابه ، فقال لهم (30) ان القوم قد خرجوا على كل صعب وذلول فما تقولون العير أحب اليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحب الينا من لقاء العدو ، وقال بعضهم حتى رآه (صلى الله عليه وآله وسلم) مصرا على القتال : هلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له انا خرجنا للعير لا للقتال ، فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله تعالى : « كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين لهم كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون ».

وحيث أراد الله عز وجل أن يقنعهم بمعذرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اصراره على القتال وعدم مبالاته بالعير وأصحابه قال عز من قائل : « ما كان لنبي » من الأنبياء المرسلين قبل نبيكم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض » فنبيكم لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء (عليهم السلام) ، ولذلك لم يبال اذ فاته أسر أبي سفيان واصحابه حين هربوا بعيرهم الى مكة ، لكنكم انتم « تريدون » إذ تودون اخذ العير واسر اصحابه « عرض الدنيا والله يريد الآخرة » باستئصال ذات الشوكة من اعدائه « والله عزيز حكيم » والعزة والحكمة تقتضيان يومئذ اجتثاث عز العدو واطفاء جمرته. ثم قال تنديدا بهم وتهديدا لهم « لولا كتاب من الله سبق » في علمه الأزلي بأن يمنعكم من اخذ العير واسر صحابه لأسرتم القوم واخذتم عيرهم ، ولو فعلتم ذلك « لمسكم فيما اخذتم » قبل ان تثخنوا في الأرض « عذاب عظيم » هذا معنى الآية الكريمة (31) وحاشا لله ان يريد منها ماذكره اولئك الجهلاء.

____________

(30) كما في السيرتين الحلبية والدحلانية وغيرهما من الكتب المشتملة على ذكر هذه الواقعة.

(31) يجوز ان يكون المعنى « لولا كتاب من الله سبق » في علمه الازلي

=

114

بقى هنا أمر ننبهك اليه لتكون على يقين بمعذرة المتأولين ، وهو أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأصحابه (32) ( يوم التقى الجمعان في بدر ) قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم أخرجوا اكراها ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله ، فانه أخرج كرها. نهى عن قتل بني هاشم عموما وعن قتل العباس منهم بالخصوص حين كانوا في ساحة القتال لكونهم مكرهين على ذلك ، فالعجب ممن اقترح بعدها عليه بأبي هو وأمي أن يقتل العباس وعقيلا بيدي أخويهما حمزة وعلي فهل هذا من مظاهر رفقه بالنبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو من موارد تعبده بنصوصه المقدسة ؟ ! كلا بل هو من الشواهد على أنه كان يؤثر رايه على التعبد بها كما لا يخفى.

وقد استاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن قتل العباس وسائر بني هاشم حتى قال ( كما في تاريخي ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرهما ) : أنقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا ونترك العباس ، والله لئن لقيته لا لجمنه بالسيف ، فبلع النبي ذلك النبي فقال لعمر (رض) : يا أبا حفص اما تسمع قول أبي حذيفة ، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟ فانظر كيف استنجده للدفاع عن عمه واعجب من اقتراحه بعد ذلك عليه قتله.

وقد ذكر المؤرخون كافة أنه لما أمسى العباس مأسورا بات رسول الله بأبي هو وأمي ساهرا ، فقال له أصحابه : يا رسول الله مالك لا تنام ؟ فقال : سمعت تضور العباس في وثاقه فمنع مني النوم فقاموا اليه فأطلقوه فنام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

____________

=

بأن لا يعذبكم والنبي فيكم كما صرحت به محكمات الفرقان « لمسكم فيما أخذتم » به من الرأي والعزم في شأن العير وأصحابه « عذاب عظيم ».

(32) كما في تاريخي ابن جرير وابن الاثير وسيرتي الدحلاني والحلبي وغيرها.

115

وان رحمته (صلى الله عليه وآله وسلم) للعالمين ورأفته بالمؤمنين واشفاقه على عشيرته الأقربين وخصوصا على أبي الفضل صنو أبيه والبقية من أهليه لمما هو غني عن البيان ومن ذا يجهل حرصه يومئذ على سلامتهم ورغبته التامة في بقائهم ليفوزوا بعد ذلك بخدمته ، وكانوا في الواقع مؤمنين لكنهم لم يتمكنوا من الهجرة اليه فأكرهوا على الخروج كما نص عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقترح قتلهم والحال هذه أكبر شاهد على أنهم كانوا يؤثرون ارادتهم في مثل هذا المقام على التعبد بارادته وأوامره عليه وآله الصلاة والسلام.

ولهم في أحد حالات تشهد بما قلناه ، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استقبل المدينة في هذه الغزوة وترك أحدا خلف ظهره وجعل الرماة وراءه وكانوا خمسين رجلا أمر عليهم عبد الله بن جبير (رحمه الله) وقال له ( فيما نص عليه المؤرخون والمحدثون كافة ) انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت (33) مكانك ان كانت لنا أو علينا ، وحضهم على ذلك بما لا مزيد عليه وشدد عليهم الأمر في طاعة أميرهم عبدالله ـ لكنهم ( واأسفاه ) لم يتعبدوا يومئذ بأوامره ونواهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ترجيحا لآرائهم عليها ، وذلك حيث حمي الوطيس واشتد بأس المسلمين بسطوة حيدرة الكرار على فيالق المشركين وصولته على أصحاب لوائهم وهم ثمانية من بني عبد الدار ، كانوا أسود الوقائع واحلاس الخيل وتاسعهم عبدهم صواب كان من طينتهم وعلى شاكلتهم فقتلهم أمير المؤمينين(34) واحداً بعد واحد وبقي لواؤهم مطروحا على الارض لا يدنوا منه

____________

(33) راجع تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما تجد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا بعينه : وكل من أرخ واقعة أحد ذكره أو أشار اليه.

(34) نص ابن الاثير في غزوة أحد من كامله على ان الذي قتل أصحاب اللواء يومئذ علي بن أبي طالب ، وصرح بذلك غير واحد من المؤرخين والمحدثين.

116

أحد ، فانكشف الكفار حينئذ عن المسلمين هاربين على غير انتظام ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون ما تركه من أسلحة وأمتعة وذخائر ومؤن فلما نظر الرماة الى المسلمين وقد اكبوا على الغنائم دفعهم الطمع في النهب الى مفارقة محلهم (35) الذي أمروا ان لا يفارقوه فنهاهم أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه فلم ينتهوا وقالوا : ما مقامنا ها هنا وقد انهزم المشركون. فقال عبدالله (36) والله لا أجاوز أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وثبت مكانه مع أقل من عشرة فنظر خالد ابن الوليد المخزومي الى قلة من في الجبل من الرماة فكر بالخيل عليهم (37) ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقتلوهم ومثلوا بعبد الله بن جبير فأخرجوا حشوة بطنه وهجموا على المسلمين وهم غافلون وتنادوا بشعارهم يا للعزى يا لهبل ، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون فكان البلاء ، وقتل حمزة سيد الشهداء وسبعون من صناديد المهاجرين والانصار ، وأصيب النبي بأبي هو وأمي بجروح يقرح القلوب ذكرها ويهيج الأحزان بيانها ، فجزاه الله عنا خيرا ما جزى نبيا عن أمته ، وانما كان هذا البلاء كله بعدهم بأوامره ونواهيه المقدسة عفا الله تعالى عنهم.

لهم ثمة واقعة ثانية قدموا فيها رأيهم أيضا ، وهي أعظم من الأولى ، وذلك أنه لما اشتد البلاء بهجوم خالد على المسلمين تركوا سيد الأنبياء بين أولئك الأعداء ، وأسلموه لأحقادهم البدرية وضغائنهم الكفرية ، وفروا مصعدين لا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم فلا يلبونه كما حكاه الله عز وجل حيث

____________

(35) كما في غزوة أحد من تاريخ ابن الاثير وغيره من سائر كتب السير والاخيار.

(36) كما في تاريخ ابن الاثير وغيره.

(37) صرح بهذا كل من ارخ غزوة أحد فراجع ما شئت من كتب السير والاخبار.

117

يقول (38) « اذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم » ولم يثبت معه الا نفر يسير لا يزيدون على أربعة عشر رجلا (39) يحمل لواءهم علي بن أبي طالب (40)وله ثمة مواقف شكرها الله له ورسوله وجبرئيل والمؤمنون ، حيث قام في نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ساقه وشد لها حيازيمه ، فحمل على جموع الأعداء حملته العظيمة فكشفهم عن النبي وقد أثخن بأبي هو وأمي فجعل تارة يدافع عنه الأعداء وأخرى ينقل له الماء من المهراس في درقته فيغسل جرحه (41) وجعل (صلى الله عليه وآله وسلم) كلما أبصر جماعة من الأعداء يقول : اكفينيهم يا علي(42) ، فيشد عليهم بسيفه فلا يرجع حتى يفرق شملهم ويمزق جمعهم وقد عجبت بذلك ملائكة السماء من مواساته فقال جبرائيل (عليه السلام) (43) : يا رسول الله هذه المواساة. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه مني وأنا منه فقال جبرائيل (عليه السلام) : وأنا منكما. وسمعوا حينئذ مناديا ينادي لا سيف إلا ذو الفقار (44) ولا فتى الا علي.

____________

(38) اجمع المفسرون والمحدثون والمؤرخون على نزول هذه الآية في هذه الواقعة.

(39) كما في تاريخ ابن الأثير وغيره.

(40) لا كلام في ان حامل لواء المسلمين يوم أحد انما كان أولا مصعب ابن عمير ، فلما استشهد (رحمه الله) حمله علي باتفاق اهل الاخبار ، ولم يزل يومئذ حاملا له حتى انتهى القتال.

(41) كل من أرخ غزوة احد من الاولين والآخرين ذكر نقل على الماء من المهراس بدرقته الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فراجع.

(42) راجع غزوة أحد من تاريخ ابن الاثير وغيره.

(43) كما في تاريخ ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها.

(44)راجع غزوة أحد من تاريخي ابن جرير وابن الاثير والسيرة الحلبية وغيرها تجد هذا النداء.

118

شط بنا القلم عن المقصود فلنعد اليه فنقول : أن القوم اسلموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واوغلوا في الهرب حتى قال المحدثون والمؤرخون واللفظ لابن الاثير في كامله : قد انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن عفان وغيره الى الأحوص فأقاموا به ثلاثة ثم أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لهم حين رآهم : لقد ذهبتم فيها عريضة.

هذا مع ما سمعوه من النواهي الصريحة في تحريم ذلك ، وحسبك منها قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار » الآية.

هناك نص آخر عدل البعض عن العمل به أيضا ، وذلك أنه لما أشتد البلاء وعظم الخطب بفرار المسلمين ارهف المشركون لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غرار عزمهم وأرصدوا لذلك جميع اهبهم ، فتعاقد خمسة من شياطينهم على ذلك كانوا كالفدائية في هذا السبيل ، وهم عبدالله بن شهاب الزهري وعتبة بن أبي وقاص وابن قمأة الليثي وأبي بن خلف وعبد الله بن حميد الأسدي القرشي لعنهم الله واخزاهم ، فاما ابن شهاب فأصاب جبهته الميمونة ، وأما عتبة فرماه ( تبت يداه ) بأربعة أحجار فكسر رباعيته وشق شفته ، وأما ابن قمأة ( قاتله الله ) فكم وجنته ودخل من خلف المغفر فيها ، وعلاه بالسيف ( شلت يداه ) فلم يطق ان يقطع فسقط (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الأرض. وأما أبي بن خلف فشد عليه بحربته فأخذها رسول الله منه وقتله بها ، وأما عبدالله بن حميد فقتله أبو دجانة الأنصاري شكر الله سعيه وأعلى في الجنان مقامه فأنه ممن أبلى يومئذ بلاء حسنا ، ثم حمل ابن قمأة على مصعب بن عمير وهو يظنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقتله ورجع الى قريش يبشرهم بقتل محمد ، فجعل الناس يقولون قتل محمد قتل محمد ، فانخلعت قلوب المسلمين جزعا وكادت نفوسهم أن تزهق هلعا وأوغلوا في الهرب مدلهين مدهوشين لا يرتابون في قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سقط في أيديهم ، وكان

119

أول من عرف أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حي كعب بن مالك. قال (45) فناديت يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول الله حي لم يقتل فأشار اليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان انصت مخافة ان يسمعه العدو فيثب عليه ، فسكت الرجل ثم أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تجيبوه (46) مخافة أن يعرف انه حي فيشد عليه بمن معه من أعداء الله ورسوله ثم نادى : أنشدك الله يا عمر اقتلنا محمد ؟ فقال عمر (47) اللهم لا وانه والله ليسمع كلامك. فقال أبو سفيان : انت أصدق من ابن قمأ. وأنت تراه قد أجاب أبا سفيان مع نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) اياهم عن جوابه ، وما ذاك إلا لكونه متأولا وحسبك بهذا دليلا على معذرة المتأولين.

وأنكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم مات المنافق ابن أبي حيث جاء ابنه فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له ، فأعطاه قميصه وقال : إذا فرغت منه فآذنا. ولم يكن (صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذ قد نهي عن الصلاة على المنافقين (48) وكانت الحكمة فيما فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغة ، وقيل له (صلى الله عليه وآله وسلم) (49) لم وجهت قميصك اليه يكفن فيه ؟

____________

(45) كما في غزوة احد من تاريخ ابن الأثير وغيره.

(46) كما في غزوة احد من تاريخي ابن الأثير وابن جرير ومن طبقات ابن سعد ومن السيرتين الحلبية والدحلانية وسائر الكتب المشتملة على هذه الغزوة.

(47) فيما رواه عنه كل من أرخ غزوة أحد كابن سعد في طبقاته وابن جرير وابن الاثير وسائر أهل السير والاخبار.

(48) فيما رواه أصحابنا عن أئمة الهدى من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونقله صاحب مجمع البيان عن ابن عباس وجابر وقتادة.

(49) في رواية ذكرها صاحب مجمع البيان في تفسير قوله تعالى « ولا تصل على أحد منهم مات أبدا » من سورة التوبة.

فقال : ان قميصي لن تغني عنه من الله شيئا ، واني أؤمل ان يدخل بهذا السبب في الاسلام خلق كثير. فروي انه اسلم بهذا السبب ألف من الخزرج (50) ولكن عمر (رض) لم يدرك الحكمة فيما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنكر عليه فعله حتى جذبه بردائه وهو واقف للصلاة عليه ، والقضية ثابتة اخرجها البخاري في الصفحة الثانية من كتاب اللباس من صحيحه (51) ورواها كافة محدثي السنة ومؤرخيهم ، وقد بلغت القحة هنا ببعض الجاهلين مبلغا لا يليق بذي دين والأولى بفصولنا الاعراض عن فضولهم.

وانكر عليه أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا هريرة ان يبشر بالجنة كل من لقيه من أهل التوحيد ، حيث اقتضعت الحكمة يومئذ تنشيط الموحدين وتشويق الناس الى التوحيد ، وترغيبهم في الاسلام بتسهيل الامر عليهم ، وكانت الحاجة في تلك الأوقات الى ذلك شديدة فأنكر عمر ذلك وضرب أبا هريرة ( وهو رسول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ردعا له عن أداء ما أمره به رسول الله ) ضربة خر بها الى الأرض ، والقضية ثابتة فراجعها في صحيح مسلم (52).

وترك ابو بكر وعمر رضي الله عنهما قتل رجل أمرهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله وأخبرهم انه لو قتل ما اختلف بعده اثنان ، وفي قضية مستفيضة أخرجها المحدثون بأسانيدهم المعتبرة ونقلها أهل السير والأخبار. وحسبك منها ما اخرجه الامام احمد بن حنبل في صفحة 15 من الجزء الثالث من مسنده من حديث ابي سعيد الخدري قال : ان أبا بكر جاء الى رسول الله صلى الله عليه

____________

(50) نقل الامام الطبرسي هذه الرواية في تفسير الآية من مجمع البيان عن الزجاج.

(51) في اول صفحة 18 من جزئه الرابع.

(52) في باب من لقي الله بالايمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار ، وهو في أوائل الجزء الاول من الصحيح.

120

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

121

وآله وسلم فقال : يارسول الله اني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : اذهب اليه فاقتله قال : فذهب اليه ابو بكر فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله ، فرجع الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر اذهب فاقتله ، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه ابو بكر. فكره أن يقتله. قال : فرجع فقال يا رسول الله اني رايته يصلي متخشعا فكرهت أن أقتله. قال يا علي اذهب فاقتله قال : فذهب علي فلم يره ، فرجع علي فقال : يا رسول الله انه لم يره. قال : فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه ، فاقتلوهم هم شر البرية .

وأخرج أبو يعلي في مسنده ( كما في ترجمة ذي الثدية من اصابة ابن حجر ) عن أنس قال : كان في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل يعجبنا تعبده واجتهاده وقد ذكرنا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باسمه فلم يعرفه ، فوصفناه بصفته فلم يعرفه ، فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجل قلنا : هو هذا. قال : انكم لتخبروني عن رجل ان في وجهه لسفعة من الشيطان ، فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم ، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنشدك الله هل قلت حين وقفت على المجلس ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني ؟ قال : الهم نعم. ثم دخل يصلي فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر أنا ، فدخل عليه فوجده يصلي ، فقال : سبحان الله أقتل رجلا يصلي ؟ ! فخرج فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما فعلت ؟ قال : كرهت أن أقتله وهو يصلي ، وأنت قد نهيت عن قتل المصلين. قال من يقتل الرجل قال عمر : أنا فدخل فوجده واضعا جبهته فقال عمر : أبو بكر أفضل مني ، فخرج فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : مهيم ؟ قال : وجدته واضعا جبهته لله فكرهت أن اقتله. فقال : من يقتل الرجل ؟ فقال علي : أنا. فقال صلى الله

122

عليه وآله وسلم : انت ان ادركته ، فدخل عليه فوجده قد خرج ، فرجع الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : مهيم ؟ قال : وجدته قد خرج. قال : لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان ـ الحديث.

وأخرجه الحافظ محمد بن موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من تفاسير يعقوب بن سفيان ومقاتل بن سليمان ويوسف القطان والقاسم بن سلام ومقاتل بن حيان وعلي بن حرب والسدي ومجاهد وقتادة ووكيع وابن جريح. وارسله ارسال المسلمات جماعة من الاثبات ، كابن عبد ربه الأندلسي انتهائه الى القول في أصحاب الاهواء من الجزء الأول من عقده الفريد وقد جاء في آخر ما حكاه في هذه القضية ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : ان هذا لاول قرن يطلع في أمتي لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان ، إن بني اسرائيل افترقت اثنين وسبعين فرقة وان هذه الأمة ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا فرقة (53) واحدة .

وقريب من هذه القضية ما أخرجه الامام أحمد من حديث علي ( في صفحة 155 من مسنده ) قال : جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أناس من قريش فقالوا : يا محمد انا جيرانك وحلفاؤك وإن ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه انما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم الينا. فقال لأبي بكر : ما تقول ؟ قال : صدقوا انهم جيرانك. قال : فتغير وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال لعمر ما تقول ؟ قال صدقوا انهم جيرانك وحلفاؤك فتغير وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وكان بعضهم يلمزه في الصدقات قال الله تعالى « ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون » وأخرج

____________

(53) فرقة وشيعة لفظان « بحساب الجمل » مترادفان لان كلا منهما 385 ، وهذا بما تتفاءل به تلك الفرقة.

123

البخاري (54) عن عبدالله بن مسعود قال : قسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الأنصار : والله انها لقسمة ما أريد بها وجه الله. قلت : أما أنا لأقولن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأتيته وهو في أصحابه فساررته فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتغير وجهه وغضب حتى وددت اني لم أكن أخبرته ، ثم قال : قد أوذي موسى (عليه السلام) بأكثر من ذلك فصبر .

وأخرج البخاري أيضا (55) عن عبدالله قال : لما كان يوم حنين آثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الابل وأعطى عيينة مثل ذلك ، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم في القسمة تألفا لقلوبهم وقلوب عشائرهم وترغيبا لهم في الاسلام. فقال رجل والله إن هذه القسمة ما عدل بها. فقلت : والله لاخبرن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأتيته فأخبرته فقال : فمن يعدل إذا لم يعدل الله (56) ورسوله ، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر .

وأخرج الامام أحمد من حديث عمر في صفحة 20 من الجزء الأول من مسنده عن الأعمش عن شقيق سلمان بن ربيعة قال : سمعت عمر يقول : قسم رسول الله قسمة فقلت : يا رسول الله لغير هؤلاء احق منهم أهل الصفة قال : فقال رسول الله انكم تسألوني بالفحش ـ الحديث.

____________

(54) في باب الصبر على الاذى من كتاب الآداب في صفحة 44 من الجزء الرابع من صحيحه.

(55) في أواخر كتاب الجهاد والسير في صفحة 132 من الجزء الثاني من صحيحه ، وهناك عدة أحاديث بهذا المعنى.

(56) قوله اذا لم يعدل الله ورسوله نص بأنه بأبي هو وأمي كان مأمورا من الله تعالى بتلك القسمة التي أنكرها المنافقون الجاهلون بحكمته البالغة « أن هو الا وحي يوحى ».

124

وكان بعضهم يتنزه عن الشيء يرخص فيه رسول الله ويفعله (صلى الله عليه وآله وسلم)... اخرج البخاري (57) عن عائشة قالت : صنع النبي صلى الله عيله وآله وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخطب فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء اصنعه ، فوالله اني لأعلمهم بالله واشدهم له خشية .

وسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حاطب بن بلتعة حين أرسل صحيفته الى المشركين فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي ومالي ، وليس من أصحابك أحد إلا له هناك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صدق لا تقولوا له الا خيرا. فقال عمر : قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلاضرب عنقه ـ الحديث. أخرجه البخاري في آخر كتاب استتابة المرتدين من الجزء الرابع من صحيحه ، وفي مواضع أخر من الصحيح.

ولا يخفى ما فيه من الدلالة على ما قلناه. ولو أردنا استيفاء ما كان من هذا القبيل من موارد تأولهم في مقابل الدليل لطال الباب وخرجنا عن خطة الكتاب ، فعساك تقنع بعد هذا بمعذرة المتأولين وتقلع عما ابتدعه طغام المرجفين.

وان أردت المزيد وابتغيت التأكيد فخذ مني مضافا الى ما تلوناه وعلاوة على ما اسلفناه دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا لا ترتاب بعده في معذرة المتأولين ولا تشك في نجاتهم يوم الدين ، وحاصله أن الجمهور أجمعوا على خلافة عثمان منذ بويع حتى قتل ، مع ما كان في أيامه من الأحداث التي لولا حمله فيها على التأول لبطلت أمامته وسقط عن أريكة الخلافة ، وحسبك من تلك الأحداث ما هو معلوم بالتواتر وضرورة التاريخ ، وسأتلو عليك يسيرا منها نقلا من كتاب الملل

____________

(57) في كتاب الآداب في صفحة 44 من الجزء الرابع من صحيحه.

125

والنحل للشهرستاني بعين لفظه : قال (58) منها رده الحكم ابن أمية الى المدينة بعد أن طرده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يسمى طريد رسول الله ، وبعد أن تشفع الى أبي بكر وعمر (رض) أيام خلافتيهما فما أجاباه الى ذلك ونفاه عمر من مقامه أربعين فرسخا. قال : ومنها نفيه أبا ذر الى الربذة ، وتزويجه مروان بن الحكم بنته ، وتسليمه خمس غنائم أفريقية له ، وقد بلغت مئتي ألف دينار. قال : ومنها ايواؤه عبدالله بن سعيد بن أبي سرح ، بعد أن أهدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دمه وتوليته أياه مصر بأعمالها ، وتوليته عبدالله بن عامر البصرة حتى أحدث ما أحدث الى غير ذلك مما نقموا عليه .

قلت : كاحراقه المصاحف جمعا للناس على قراءة واحدة كما هو مقرر معلوم ، وقد نص عليه المؤرخون وأرسله ابن الأثير في كامله ارسال المسلمات (59) وكحماية لحمى ، وإعطائه المقاتلة من مال الصدقة ، وايثاره أهل بيته بالأموال وضربه عمار بن ياسر وعبدالله بن مسعود ، وعدم اقامته الحد على عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان ، وكتابه الى أهل مصر بقتل محمد بن أبي بكر وجماعة آخرين من فضلاء المسلمين.

ومن موارد تأوله أنه كان إذا خرج من مكة الى عرفات يتم فيها وفي منى صلاة الظهرين والعشاء ، مع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبا بكر وعمر كانوا إذا خرجوا اليها يقصرون صلاتهم فيها ، بل كان عثمان أول امارته يقصر أيضا روى ذلك

____________

(58) في اثناء الخلاف التاسع من الاختلافات التي أوردها في المقدمة الرابعة من المقدمات الخمس التي جعلها في أول كتابه « الملل والنحل » فراجع.

(59) وذلك حيث ذكر غزوة حذيفة الباب وأمر المصاحف في صفحة 42 من الجزء 3.

126

البخاري في باب الصلاة بمنى من كتاب الحج من صحيحه (60).

وأنت تعلم أن عذره في كل هذه الأمور كونه متأولا مجتهدا ، وبهذا حفظت عندهم عدالته وامامته ، فمن بعدها لا يقول بمعذرة المتأولين ؟

والا بلغ من هذا كله في معذرة المتأولين اجماعهم على عدالة كثير من المجلبين عليه ، كعائشة وطلحة والزبير وعمار بن ياسر وعمرو بن الحمق الخزاعي وعمرو ابن العاص وغيرهم ، ضرورة أنه لا يتسنى لهم الحكم بامامة المقتول وعدالة من أمر بقتله ونبزه باسم اليهود « فقال اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا اقتلوا نعثلا فقد كفر » الا بناء على ما قلناه.

وان أردت المزيد فاعتق رقبتك من رق التقليد وانظر فيما كان من عائشة وطلحة أيام عثمان من تأليب الناس عليه ، وما كان منهما بعد قتله ، وانعقاد البيعة لأمير المؤمنين من الذهاب الى البصرة طلبا بثأر عثمان ، فهم غير مصيبين في احدى الحالين ، أو في كليهما قطعا ، ولكن الجمهور عذرهم اولا وآخرا ، وذلك ليس إلا لما قلناه وبه يتم ما أردناه.

وإن أوجست في نفسك ريبة فيما نقول فانظر الى ما كان من طلحة والزبير وعائشة في البصرة مع عثمان بن حنيف الأنصاري وحكيم بن جبلة العبدي وغيرهما من شيعة علي (عليه السلام) مما لا يخلو منه كتاب من كتب الأخبار ، وقد اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ، من القتل الذريع والنهب الفظيع والمثلة بعثمان بن حنيف حيا (61) هذا كله قبل مجيء امير المؤمنين (عليه السلام) الى البصرة ثم جاء :

____________

(60) وأخرجه مسلم في باب قصر الصلاة بمنى من كتاب صلاة المسافر من الجزء الاول من صحيحه بأسانيد متعددة وطرق مختلفة.

(61) أن أردت التفصيل فعليك بتاريخ ابن جرير أو كامل ابن الاثير أو ما شئت من كتب الاخبار.

127

فكان ما كان مما لست اذكره * * * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

فهل تجد وجها للجزم بعدالة هؤلاء والقطع بمعذرتهم الا ما يذكره الجمهور من تأولهم في كل ما فعلوه ، وبه يتجلى لك عذر المتأولين.

دع كل ما ذكرناه وعرج على رأى الجمهور في معاوية تجد هناك معذرة المتأولين قالبا حسيا ، وتلفها أمامك شخصا مرئيا فانه لما كان متأولا على زعمهم ، لم يقدح في عدالته عندهم الحاقه زيادا بأبيه ( أبي سفيان ) بدعوى انه عاهر سمية وهي على فراش عبيد ، مستندا في ذلك الى شهادة أبي مريم القواد الخمار مع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » (62).

وقوله من حديث (63) ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو راد ، وقوله تعالى : « أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله » وكان فعله هذا أول عمل جاهلي عمل به في الاسلام علانية ، فلم يقدح مع ذلك عند الجمهور في عدالته ولم يمنع محمد بن اسماعيل البخاري عن الاحتجاج به في صحيحه (64).

____________

(62) هذا الحديث متواتر قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين ترافع اليه سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام عهد عتبة بن أبي وقاص الى اخيه سعد انه ابنه بسفاح الجاهلية ، فقال سعد : يا رسول الله انه ابن أخي وقد عهد به اليّ وعليه شبهة. وقال عبد بن زمعة : انه أخي وابن أبي ولد على فراشه من جاريته. فنظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الغلام فرأى عليه شبه عتبة بينا ولم يلحقه مع ذلك به وانما الحقه بزمعة ، وقال « الولد للفراش وللعاهر الحجر » اخرج البخاري هذه القضية بهذه الكيفية في ثلاثة مواضع من كتاب البيوع في أول الجزء الثاني من صحيحه ، واخرجه مسلم بطرق مختلفة في باب الولد للفراش من كتاب الرضاع من صحيحه.

(63) أخرجه البخاري في باب النجش من كتاب البيوع في صفحة 12 من الجزء الثاني من صحيحه.

(64) جميع المحدثين من أهل السنة يحتجون بمعاوية ويعتمدون عليه

=

128

وأيضا لم يخدش في وثاقته عندهم عهده بالخلافة الى ابنه يزيد ، وهو صبي يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ولا يعرف من الدين موطىء قدمه مع معرفته بليله ونهاره واعلانه واسراره وعلمه بمنزلة الحسين (عليه السلام) من الله عز وجل ومكانته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحله في نفوس المؤمنين ، على انه كان يومئذ في المهاجرين والأنصار وبقية البدريين وأهل بيعة الرضوان جم غفير وعدد كثير كلهم قارىء للقرآن عالم بمواقع الأحكام خبير بالسياسة حقيق على رأي الجمهور بالخلافة والرياسة ، فلم يراع سابقتهم في الاسلام ولا عناءهم في تأييد الدين وأمر عليهم شريره المتهتك وسكيره المفضوح ، فكان منه في طف كربلاء مع سيد شباب أهل الجنة وخامس أصحاب الكساء ما أثكل النبيين وأبكى الصخر الأصم دما ورمى المدينة الطيبة بمجرم بن عقبة ، وكان أبوه معاوية قد عهد(65) بذلك اليه كما نص عليه جماعة (66) فكانت أمور تكاد السماوات يتفطرن منها. وحسبك انهم أباحوا المدينة المنورة ثلاثة أيام حتى

____________

=

في مسانيدهم وصحاحهم ، أما البخاري فقد احتج به في كتاب الجهاد والسير في باب قوله تعالى « فان لله خمسه وللرسول » من صحيحه ، واحتج به أيضا في أول باب وصل الشعر من كتاب اللباس ، وفي مواضع أخر لا تخفي على المتتبع.

(65) غير مبال بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على من أخاف أهل المدينة ، ولا مكترث بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) « من أخاف أهل المدينة أخافه الله عز وجل وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا » أخرجه احمد من حديث السائب بن خلاد بطريقين في صفحة 56 من الجزء 4 من مسنده.

(66) منهم الامام ابن جرير الطبري في الصفحة الاخيرة من حوادث سنة 63 في اوائل الجزء 7 من تاريخه ، وابن عبد ربه المالكي حيث ذكر وقعة الحرة في الجزء الثاني من العقد الفريد.

129

افتض فيها ألف عذراء من بنات المهاجرين والأنصار ؛ كما نص عليه السيوطي في تاريخ الخلفاء وعلمه جميع الناس (67) وقتل يومئذ من المهاجرين والأنصار وأبنائهم وسائر المسلمين اللائذين بضريح سيد النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) 10870 رجلا ، ولم يبق بعدها بدري (68) وقتل من النساء والصبيان عدد كثير ، وكان الجندي يأخذ برجل الرضيع فيجذبه من أمه ويضرب به الحائط فينتشر دماؤه على الأرض وامه تنظر اليه (69) ثم أمروا بالبيعة ليزيد ، على انهم خول وعبيد ان شاء استرق وان شاء اعتق ، فبايعوه على ذلك وأموالهم مسلوبة ورحالهم منهوبة ودماؤهم مسفوكة ونساؤهم مهتوكة ، وبعث مجرم بن عقبة برؤوس أهل المدينة الى يزيد ، فلما القيت بين يديه قال :

ليت أشياخي ببدر شهدوا : الأبيات (70)

____________

(67) حتى قال ابن الطقطقي في صفحة 107 من تاريخه المعروف بالفخري ما هذا لفظه : فقيل ان الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان اذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها ويقول لعلها افتضت في وقعة الحرة . وقال الفاضل الشبراوي في صفحة 66 من كتابه الاتحاف : وافتض فيها نحو ألف بكر وحمل فيه من النساء اللاتي لا أزواج لهن نحو من الف أمرأة. وقال ابن خلكان وقد ذكر الحرة في ترجمة يزيد بن القعقاع القارىء المدني من وفياته ما هذا لفظه : كان يزيد بن معاوية في مدة ولايته قد سير الى المدينة جيشا مقدمه مسلم بن عقبة المري فنهبها وأخرج أهلها الى هذه الحرة ، فكانت الوقعة بها وجرى فيها ما يطول شرحه ، وهو مسطور في التواريخ حتى قيل انه بعد وقعة الحرة ولدت أكثر من الف بكر من أهل المدينة بسبب ما جرى فيها من الفجور.

(68) نص على ذلك ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة وغير واحد من أهل الأخبار.

(70) ارسال رؤوس اهل المدينة الى يزيد وانشاده أبيات ابن الزبعري مشهور مستفيض ، وقد ذكره ابن عبد ربه في أواخر وقعة الحرة من العقد الفريد ، ونقل هناك اعتراف يزيد بارتداده عن الاسلام.

130

ثم توجه مجرم لقتال ابن الزبير فهلك في الطريق ، وتأمر بعده الحصين بن غمير بعهده من يزيد ، فأقبل حتى نزل على مكة المعظمة ونصب عليه العرادات والمجانيق (71) وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كل يوم يرمونها بها ، فحاصروهم بقية المحرم وصفر وشهري ربيع يغدون على القتال ويروحون ، حتى جاءهم موت يزيد وكانت المجانيق أصابت جانب البيت فهدمته مع الحريق الذي أصابه.

وفظائع يزيد من أول عمره الى انتهاء أمره أكثر من أن تحويها الدفاتر ، أو تحصيها الأقلام والمحابر ، قد شوهت وجه التاريخ وقبحت صحائف السير وكان أبوه يرى كلابه وقروده وصقوره وفهوده ويطلع على خموره وفجوره ، وبشاهد الفظائع من كل أموره ويعاين لعبه من الغواني ويعرف خبثه بكل المعاني ، ويعلم انه ممن لا يؤتمن على نقير ولا يولي أمر قطمير ، فكيف رفعه والحال هذه الى أوج الخلافة وأحله عرش الملك والامامة وملكه رقاب المسلمين وسلطه على أحكام الدنيا والدين ، فغش بذلك امته ولم ينصح رعيته وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيما أخرجه البخاري في الورقة الأولى من كتاب الأحكام من صحيحه (72) : ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم الا حرم الله عليه الجنة. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أخرجه احمد من حديث ابي بكر في صفحة 6 من الجزء الأول من مسنده : من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمر عليهم احدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما اخرجه البخاري في تلك الورقة ايضا : ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحظها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة.

____________

(71) ذكر ذلك ابن قتيبة في صفحة 214 من كتابه الامامة والسياسة.

(72) في صفحة 250 من جزئه الرابع.

131

والجمهور يعذرونه في ذلك بناء على اجتهاده كما عذر بعضهم في وقعتي الطف والحرة اكفر اولاده (73).

وعذروه أيضا في قتله عباد الله الصالحين كعمرو بن الحمق الخزاعي ، وكان بحيث ابلته العبادة ورأسه أول رأس حمل في الاسلام ، قتله ( وهو من خيار الصحابة ) بحبه عليا (عليه السلام) ، وكحجر بن عدي الكندي وكان من فضلاء الصحابة أيضا ، قتله وأصحابه البررة الأتقياء إذ لم يلعنوا عليا (عليه السلام) ، ومعاوية هو الذي قتل الحسن (سلام الله عليه) بسم دسه اليه فسقته اياه بنت الأشعث عليها اللعنة ، علم بذلك كافة أهل البيت وشيعتهم واعترف به جماعة من غيرهم.

____________

(73) بل اعتقد قوم من الجمهور ان يزيد كان من اولياء الله ، وان من توقف فيه وقفه الله على نار جهنم ، فراجع ما حكاه ابن تيمية عنهم في الرسالة 7 من مجموعة الرسائل الكبرى في صفحة 300 من جزئها الاول. ونقل القسطلاني في باب ما قيل في قتال الروم من كتاب الجهاد من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري في صفحة 230 من جزئه السادس عن المهلب انه كان يقول بثبوت خلافة يزيد وانه من أهل الجنة. ونقل ابن خلدون في صفحة 241 اثناء الفصل الذي عقده في مقدمته لولاية العهد عن القاضي ابي بكر ابن العربي المالكي انه قال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه ان الحسين قتل بشرع جده (صلى الله عليه وآله وسلم). وذكر ابن الاثير في عدة حوادث سنة 583 في آخر ورقة من الجزء 11 من كامله ان في تلك السنة مات عبد المغيث بن زهير ببغداد قال : وكان من أعيان الحنابلة قد سمع الحديث الكثير وصنف كتابا في فضائل يزيد بن معاوية أتى فيه بالعجائب ، وقد رد عليه أبو الفرج ابن الجوزي وكان بينهما عداوة . قلت : والذين عذروا يزيد من أوليائه واعتذروا عنه كثيرون ، منهم ابن تيمية فيما تقدمت اليه الاشارة من رسالته السابعة والغزالي في الآفة الثامنة من كتاب آفات اللسان من أحياء العلوم في صفحة 112 من جزئه الثالث.

132

قال أبو الحسن المدائني ( كما في أوائل الجزء 16 من شرح النهج لابن أبي الحديد في الصفحة 4 من المجلد 4 طبع مصر ) : كانت وفاة الحسن سنة 49 وكان مريضا 40 يوما وكان سنة 47 سنة ، دس اليه معاوية سما على يد جعدة بنت الأشعث ، وقال لها : ان قتلتيه بالسم فلك مائة ألف وأزوجك يزيد فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد وقال : أخشى ان تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ونقل المدائني عن الحصين بن المنذر الرقاشي ( كما في صفحة 7 من المجلد الرابع من شرح النهج طبع مصر أيضا ) : انه كان يقول : والله ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه قتل حجرا وأصحابه وبايع لابنه يزيد ، وسم الحسن .

وقال أبو الفرج الاصفهاني المرواني في كتابه مقاتل الطالبيين حيث ذكر السبب في وفاة الحسن (عليه السلام) ما هذا لفظه : وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس اليهما سما فماتا منه الخ.

وفي صفحة 17 من المجلد 4 من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر ما يلفت الأنظار في هذا المقام فراجعه لتعلم ما قلناه.

وروى ابن عبد البر في ترجمة الحسن من استيعابه عن قتادة وأبي بكر بن حفص ان بنت الأشعث سقت الحسن بن علي السم ، ثم قال : وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية اليها وما بذل لها في ذلك . والأخبار في ذلك لا تحتملها هذه العجالة.

ولو أردنا ان نستوفي من قتلهم معاوية من المصلحين وأولياء الله (74) صبرا

____________

(74) لم يقتصر معاوية على قتل أولياء الله في سبيل سياسته حتى قتل

=

133

وأبادهم غدرا واستأصلهم عتوا وطحنهم حربا وسمل أعينهم ظلما وقطع أيديهم وأرجلهم بغيا واستل السنة لهم تنطق بالحق عنادا واسقط شهاداتهم زورا وتقول عليهم افتراء وطلق حلائلهم مكرا وأخذ أموالهم سلبا وصاح في حجراتهم نهبا وهدم دورهم عشيا واقصاهم نفيا وأوسعهم ذلا وضيق عليهم حبسا ودفنهم أحياء ولعنهم على المنابر أمواتا ـ لافنينا المحابر واستغرقنا الصحف والدفاتر ثم لم نبلغ غايتنا المقصودة ولم نظفر بضالتنا المنشودة وكذلك لو أردنا أن نتصدى للأحكام التي بدلها والحدود التي عطلها والبوائق التي ارتكبها والفواقر التي احتقبها والدواهي التي حدثت في زمانه والغاشمين الذين اشركهم في سلطانه كابن شعبة وابن العاص وابن سعيد وابن ارطأة وابن جندب ومروان وابن السمط وزياد وابن مرجانة والوليد الذين فعلوا الأفاعيل وقهروا الأمة بالأباطيل وساموا عباد الله سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وحسبك ما اجمع أهل الأخبار على نقله واتفق أهل العلم على صدوره من بعثه بسرا سنة أربعين لاستئصال من في اليمن من عباد الله الصالحين ، فراجع ما شئت من كتب الأخبار ولاحظ ما يحضرك مما يشتمل على أحداث تلك السنة من كتب الآثار ، لتعلم فظاعة هذه الواقعة وتعرف كنه ما كان يوم هذه الفاجعة من قتل الشيوخ الركع وذبح الأطفال الرضع ونهب الأموال وسبي العيال ، وما ينس فلا ينس ما فعله يومئذ بنساء همدان ، اذ سباهن فأقمن ( كما في ترجمة بسر من الاستيعاب ) في السوق ، وكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها.

قال في الاستيعاب : فكن أول مسلمات سبين في الاسلام ، وما أدري هذه

____________

=

في ذلك اخص اوليائه به وأشدهم ملازمة له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، حارب معه في صفين وحالفه على عداوة أمير المؤمنين ثم بعدها باعه بالتافه الزهيد وقتله مخافة أن ترغب الناس به عن يزيد ، وقصته مشهورة عند أهل الاخبار مستفيضة بين اهل السير والآثار ، فراجع ترجمة عبد الرحمن من الاستيعاب تجد التفصيل.

134

أفظع وأوجع أم ما فعله بطفلي عبيد الله بن العباس ، وكان عبيد الله يومئذ عاملا لأمير المؤمنين على اليمن فهرب اليه من بسر ، واستخلف عبدالله بن عبد المدان الحارثي وكان جد الطفلين لامهما ، فقتله بسر فيمن قتلهم يومئذ من الألوف المؤلفة من خيار الناس وقتل ابنه ، وبحث عن الطفلين فوجدهما عند رجل من كنانة في البادية ، فلما أراد بسر قتلهما قال له الكناني ( كما في تاريخ ابن الأثير ) لم تقتلهما وهما طفلان لا ذنب لهما ، فان كنت قاتلهما فاقتلني معهما ، فقتله ثم ذبحهما بين أيدي أمهما (75) فهامت على وجهها جنونا مما نالها تأتي الموسم تنشدهما فتقول :

وقالت له امرأة من كنانة لما ذبحما ( كما في تاريخ ابن الأثير ) : يا هذا قتلت الرجال فعلى م تقتل هذين ؟! والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والاسلام والله يا بن أبي ارطأة سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان السوء.

قال ابن الأثير : فلما سمع امير المؤمنين بقتلهما جزع جزعا شديدا ودعا على

____________

(75) كذا في ترجمة بسر من الاستيعاب.

(76) الذاهبة العقل.

(77) كذا في رواية ابن الأثير وفي رواية الاستيعاب وأبي الفداء انحى.

135

بسر فقال اللهم اسلبه دينه وعقله. قال فأصابه ذلك فكان يهذي بالسيف فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه ولم يزل كذلك حتى مات . ـ إلى غير ذلك من بوائق معاوية واعوانه وجرائم وزرائه ومقوية سلطانه ، وكان احدهم يقتل الألوف من افاضل الرجال ويعمل الأعمال التي يهتز منها عرش العظمة والجلال ثم لا يستعظم ما احتقب ولا يتألم مما ارتكب.

اخرج الامام الطبري في احداث سنة خمسين من تاريخه (78) بالاسناد الى محمد بن سليم قال : سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل احدا ؟ قال : وهل يحصى من قتلهم سمرة بن جندب ، استخلفه زياد على البصرة ستة اشهر حين كان واليا عليها وعلى الكوفة من قبل معاوية واتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس. فقال له زياد : هل تخاف ان تكون قتلت احدا بريئا ؟ قال لو قتلت اليهم مثلهم ما خشيت .

واخرج هناك ايضا بالاسناد الى ابي سوار العدوي قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة واربعين رجلا قد جمع القرآن .

واخرج هناك ايضا باسناده عن عوف قال : اقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني اسد خرج رجل من بعض ازقتهم ففاجأ اول الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة عبثا وعتوا. قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط بدمه فقال : ما هذا ؟ قيل : اصابته اوائل خيل الأمير ، قال عتوا واستكبارا : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا اسنتنا .

وهذه القضايا متفق علي صدورها من سمرة نقلها كل من ارخ حوادث سنة الخمسين ، كابن جرير وابن الأثير وامثالهما. وإذا كانت هذه اعمال سمرة في

____________

(78) في صفحة 122 من جزئه السادس.

ستة أشهر وهو ثقة البخاري ودليله على دين الباري قد احتج به في الورقة الثالثة من كتاب بدء الخلق من صحيحه (79).

وجزم بعدالته (80) في ظاهر القول وصريحه ، فما ظنك بأعمال زياد بن سمية الخبيث الفاسق باجماع البرية ، وقد ولاه معاوية ( كما نص عليه الطبري (81) في احداث سنة خمسين من تاريخه ) اعمال الكوفة والبصرة والمشرق كله ، وسجستان وفارس والسند والهند ، فكم حرة في تلك الولاية هتكت. وكم حرمة لله انتهكت ، وكم دماء زكية سفكت ، وكم شرعة اندرجت وكم بدعة اسست ، وكم اعين سملت وايد وارجل قطعت و. و. و. ؟! الى ما لا يحصى من الأعمال البربرية والفظائع الأموية التي تقشعر لها جلود البرية ويتصدع بها قلب الانسانية.

____________

(79) في آخر صفحة 138 من جزئه الثاني قبل باب ما جاء في صفة الجنة باربعة أحاديث ، واحتج به في موارد يعرفها المتتبع ، ونص الامام محمد بن القيسراني في كتابه « الجمع بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وابي بكر الاصفهاني » على احتجاج البخاري ومسلم كليهما في سمرة بن جندب مع ما له من الاعمال ، فراجع أحواله في الجزء الرابع من شرح النهج للعلامة ابن أبي الحديد في السطر الأول من صفحة 363 من المجلد الاول طبع مصر لتعلم الحقيقة ، ولو سبرت من قبل تلك الصفحة الى ما بعدها بوريقات لعلمت أحوال جملة من رجال البخاري كابن العاص والمغيرة ومروان وابي هريرة وغيرهم من عمل معاوية وأوليائه.

(80) مع ما ثبت عنه من المساوىء التي من جملتها بيع الخمر على عهد عمر فيما رواه المحدثون ، وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث عمر بن الخطاب في صفحة 25 من الجزء الاول من مسنده قال : ذكر لعمر ان سمرة باع خمرا. فقال : قاتل الله سمرة ان رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها.

(81) في صفحة 134 من جزئه السادس.

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

لكن الجمهور لما بنوا على اجتهاد معاوية عذروه في اعمال عماله ، ولم يخدش في عدالته عندهم بوائقه ولا بوائق رجاله.

وعذروه أيضا في حربه عليا (عليه السلام) ، وهو اخو النبي ووصيه ونفسه في آية المباهلة ووليه بعد انعقاد البيعة له حتى قتل من المسلمين ألوف مؤلفة ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أخرجه البخاري (82) ومسلم في صحيحيهما « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » (83) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم جلل عليا وفاطمة والحسن والحسين بالكساء فيما ذكره ابن حجر في صواعقه(84) وابو بكر بن شهاب الدين في رشفته من جملة حديث : « أنا حرب لمن حاربهم

____________

(82) راجع من صحيح البخاري باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض من كتاب الفتن في الجزء الرابع وراجع من صحيح مسلم كتاب الايمان.

(83) فان قلت : كيف قاتل علي (عليه السلام) كلا من أهل الشام والبصرة والنهروان وهم مسلمون ؟ قلت : انما قاتلهم عملا بقوله تعالى « فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله » ولا ريب ببغي معاوية وأصحابه بدليل قتلهم لعمار ، على ان بغيهم أوضح من النهار.

وايضا أخرج مسلم في باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع من كتاب الامارة من صحيحه عن عرفجة قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : من اتاكم وامركم مجمع على رجل واحد يريد ان يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه . وقال ابن عبد البر في ترجمة علي من الاستيعاب ما هذا لفظه : وروي من حديث علي ومن حديث ابن مسعود حديث ابي ايوب الانصاري انه « يعني عليا » أمر بقتال الناكثين « يوم الجمل » والقاسطين « يوم صفين » والمارقين « يوم النهروان » قال : وروي عنه انه قال : ما وجدت الا القتال أو الكفر بما انزل الله .

(84) في الآية الاولى من الآيات التي أوردها في الفصل الاول من الباب الحادي عشر.

138

وسلم لم سالمهم وعدو لمن عاداهم » (85) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « حرب علي حربي وسلمه سلمي » الى غير ذلك من الصحاح التي لا حاجة الى ايرادها لتواترها بين المسلمين.

وعذروه أيضا في لعنه بقنوت الصلاة رجالا اذهب عنهم الرجس محكم التنزيل وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر ربه الجليل ، أولئك الذين فرض الله مودتهم وأوجب الرسول ولايتهم ، وهم أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي الى الله من ضل عنهما ، الا وهم امير المؤمنين أخو الرسول ووليه وصاحب العناء بتأسيس دينه ووصيه ومن شهد الرسول بأنه يحب الله ورسوله ، وانه منه بمنزلة هارون من موسى ، وولداه سبطا رسول الله وريحانتاه الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة.

ولعن معهم عبدالله بن عباس حبر هذه الأمة ، مع ما علم من وجوب تعظيمهم بحكم الضرورة من دين الاسلام وما ثبت بالعيان من شرف مقامهم لدى سيد الانام ، وكيف لا يكونون كذلك وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرحمة.

وما اكتفى بذلك حتى أمر بلعن امير المؤمنين (عليه السلام) في كل كورة وترك ذلك سنة على أعوادها في كل عيد وجمعة ، وما زالت الخطباء في جميع الانحاء تعد تلك البدعة المكفرة جزء من الخطبة الى سنة 99 فأزالها خير بني مروان عمر بن عبد العزيز ، وهذا كله معلوم بالضرورة مقطوع فيه بحكم البداهة قد أجمع اهل العلم على صدوره واتفقت كلمة اهل السير على نقله فراجع ما شئت من كتب الأخبار لتعلم ان المسألة كضوء النهار.

____________

(85) واخرج احمد بن حنبل من حديث ابي هريرة في صفحة 442 من الجزء الثاني من مسنده ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نظر الى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : انا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم.

139

وكان الحسن قد شرط على معاوية اذا اصطلحا شروطا منها ان لا يشتم أباه فلم يجبه الى هذه وأجابه الى ما سواها ، فطلب الحسن أن لا يشتم عليا وهو يسمع ، قال ابن الأثير وابن جرير وابو الفداء وابن الشحنة وكل من ذكر صلح معاوية والحسن : فأجابه الى ذلك ثم لم يف له به .

بل شتم عليا والحسن على منبر الكوفة ، فقام الحسين ليرد عليه فأجلسه الحسن (عليهما السلام) ، ثم قام بأبي هو وأمي ففضح معاوية وألقمه حجرا ، وهذه القضية ذكرها أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين وكثير من أهل السير والأخبار ، ولم يزل معاوية يلعن أمير المؤمنين أمام البر والفاجر ويحمل عليها الاصاغر والاكابر حتى أمر سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم في باب فضائل علي من صحيحه بالاسناد الى عامر بن سعد قال : أمر معاوية بن ابي سفيان سعد ابن أبي وقاص فقال : ما منعك أن تسب ابا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن اسبه لان تكون لي واحدة منهن احب إلي من حمر النعم ـ الحديث (86).

وامر الاحنف بن قيس فقال له كما نص عليه جماعة منهم أبو الفداء في أحداث سنة 67 من تاريخه : والله لتصعدن المنبر ولتلعننه طوعا أو كرها ، فكان بينهما كلام افضى الى خوف معاوية من الفضيحة إذا استوى الاحنف على المنبر فأعفاه من ذلك. وقد علم الناس كافة ان معاوية لم يقتل حجرا وأصحابه الابدال إلا لامتناعهم عن لعن امير المؤمنين وسيد الوصيين ، ولو أجابوه الى لعنه لحقنت دماؤهم فراجع مقتل حجر في أول الجزء 16 من كتاب الأغاني لأبي فرج المرواني ، وفي أحداث سنة 51 من تاريخ ابن جرين وابن الأثير وغيرهما لتعلم

____________

(86) وأخرجه النسائي في الصفحة الثانية من الخصائص العلوية ، وهو منقول عن الترمذي وعن الجمع بين الصحيحين والجمع بين الصحاح الستة.

140

الحقيقة ، وتعرف ان عبد الرحمن بن حسان العنزي لما ابى وامتنع عن لعن علي (عليه السلام) في مجلس معاوية أرسله الى زياد وأمره ان يقتله شر قتلة ، فدفنه حيا ، وما زال يلعن عليا على رؤوس الاشهاد ، ويحمل على لعنه بالترهيب والترغيب كافة العباد في كافة البلاد. هذا مع ما صح من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « من سب عليا فقد سبني » أخرجه الحاكم وصححه ، وهو عندنا من المتواترات ، وأخرج النسائي في صفحة 17 من الخصائص العلوية وابن حنبل في 323 من الجزء السادس من مسنده من حديث أم سلمة عن عبدالله او ابي عبدالله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي ايسب رسول الله فيكم ؟ ! قلت : معاذ الله او سبحان الله او كلمة نحوها قالت : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : من سب عليا فقد سبني (87) .

وقال ابن عبد البر في ترجمة علي من استيعابه ما هذا لفظه : وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : من أحب عليا فقد احبني ومن ابغض عليا فقد ابغضني ، ومن آذى عليا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله(88).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما اخرجه الطبراني وغيره : ما بال أقوام يبغضون عليا ومن ابغض عليا فقد ابغضني ومن فارق عليا فقد فارقني ، ان عليا مني وانا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة ابراهيم ، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم يا بريدة اما علمت ان لعلي افضل من الجارية التي اخذ وهو وليكم بعدي.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما اخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما ( كما في الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق ) عن عمران بن حصين ان رسول الله قال : ما تريدون من

____________

(87) هذه الفضيلة من خصائص أمير المؤمنين ، ولذلك أوردها النسائي في خصائصه ، وبها وبأمثالها نكفر الخوارج وأشباههم.

(88) وأخرج ابن خالويه في كتاب الآل عن ابن عباس وأبو يعلي والبزار عن سعد بن أبي وقاص والطبراني عن ام سلمة نحوه.

141

علي ما تريدون من علي ما تريدون من علي ، ان عليا مني وانا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي.

وفي ترجمة علي (عليه السلام) من الاستيعاب ما هذا نصه : وروى طائفة من الصحابة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام) : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. قال : وكان علي (عليه السلام) يقول : والله انه لعهد النبي الامي انه لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق .

قلت : واخرجه مسلم في كتاب الايمان من صحيحه ، وقد تواتر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « من كنت مولاه فعلي مولاه (89) اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيث دار » .

ومقامنا لا يسع استقصاء ما جاء في وجوب موالاته ولا يفي باستيفاء ما دل على تحريم معاداته ، فنلفت الراغب في ذلك من اخواننا المسلمين الى ما أودعناه في كتابنا سبيل المؤمنين ، فإنه متكفل بالتفصيل متعهد باقامة البرهان والدليل على ان هذا المقدار كاف لأولي الابصار ، وإذا صح اجتهاد معاوية في مقابل هذه الأحاديث الصحيحة وجاز تأوله في عرض تلك النصوص الصريحة ، فتأول من يستفرغ وسعه في التعبد بالأدلة ويستغرق جهده في العمل بقواعد الملة اولى بالصحة وأحق بالجواز على ان أفعاله لم تكن الا لطلب الملك (90) انتزاعه

____________

(89) قد اعترف به صاحب الفتاوي الحامدية بتواتره وعده من المتواترات في رسالته المختصرة الموسومة بالصلاة الفاخرة بالاحاديث المتواترة ، وكذلك الحافظ السيوطي وغيره.

(90) وقد صرح معاوية به يوم النخيلة حيث قال من جملة خطبة خطبها يومئذ : والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا وانما قاتلتكم لاتأمر عليكم ، وقد اعطاني الله ذلك وانتم كارهون.

=

142

من أهله وعدواته لعلي انما هي ناشئة عن الأحقاد البدرية والضغائن الجاهلية.

واما المتأولة من فقراء المسلمين ومساكين أهل الدين فإنه لا طمع لهم بملك ، ولا أمل لهم بسلطان ولا ثار لهم يطلبونه ولا غرض لهم سوى الحق يقصدونه ، وقد اقتفوا أثر البرهان واتبعوا ادلة اهل الايمان فإن أصابوا فمأجورون وان أخطأوا فمعذورون. وهذا آخر ما أردناه في هذا الفصل فاحكموا أيها المنصوفون بالعدل. والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى ورحمة الله وبركاته.

____________

=

رواه الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد ، ونقله أهل الاخبار وكان عبد الرحن بن شريك اذا حدث بذلك يقول : هذا والله التهتك ـ فراجع صفحة 16 من المجلد 4 من شرح النهج الحديدي المطبوع في مصر.

143

الفصل التاسع

فيمن أفتى بكفر الشيعة وتفصيل

ما استدل به على ذلك

والغرض استئصال بذور الشقاق بايضاح خطأه واجتثاث ارومة الافتراق ببيان اشتباهه حرصا على ان لا يكال بصاعه ، واتقاء من تصديقه واتباعه ، وقد اقترصنا من ذلك على ما وجدناه في باب الردة والتعزير من الفتاوي الحامدية وتنقيحها بامضاء الشيخ نوح الحنفي لاشتهار هذين الكتابين ورجوع من بأيديهم منصب الفتوى في المملكة المحروسة اليهما.

قال في جواب من سأله عن السبب في وجوب مقاتله الشيعة وجواز قتلهم : اعلم أسعدك الله أن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد ، وأنواع الفسق والزندقة والالحاد ، ومن توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم.

قال : وسبب وجوب قتالهم وجواز قتلهم البغي والكفر معا ، أما البغي فانهم خرجوا عن طاعة الامام خلد الله تعالى ملكه الى يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى : « فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله» والأمر للوجوب فينبغي للمسلمين إذا دعاهم الامام الى قتال هؤلاء الباغين الملعونين على لسان سيد المرسلين أن لا يتأخروا عنه بل يجب عليهم أن يعينوه ويقاتلوهم معه.

144

قال : وأما الكفر فمن وجوه : منها أنهم يستخفون بالدين ويستهزئون بالشرع المبين ، ومنها أنهم يهينون العلم والعلماء ، ومنها انهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ، ومنها انهم ينكرون خلافة الشيخين ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين ، ومنها أنهم يطولون السنتهم على عائشة الصديقة (رض ) ويتكلمون في حقها ما لا يليق بشأنها ( من أمر الافك ) مع أن الله تعالى أنزل عدة آيات في براءتها ( قال والله يعلم أنه كاذب فيما قال ) فهم كافرون بتكذيب القرآن العظيم وسابون النبي ضمنا بنسبتهم الى أهل بيته هذا الأمر العظيم ، ومنها أنهم يسبون الشيخين سود الله وجوههم في الدارين... الى ان قال : فيجب قتل هؤلاء الأشرار الكفار تابوا أو لم يتوبوا ، ثم حكم باسترقاق نسائهم وذراريهم .

قلت : هذا الذي لا تبرك الأبل على مثله ، هذا الذي لا تقوم السماء والأرض بحمله ، هذا الذي لا يتسنى للغيور أن يقيم في أرض ينشر فيه ، هذا الذي لا يستطيع الحمي أن يستظل بسماء تشرق شمسها على معتقديه ، هذا الذي ما أنزل الله به من سلطان ، هذا الذي يأباه الله ورسوله وكل ذي وجدان ، هذا هو الاختلاف الذي ليس بعده ائتلاف ، هذا هو الافتراق الذي ليس بعده اتفاق ، هذا هو المحاربة التي ليس بعدها مصاحبة. هذا والله الافك والبهتان ، هذا والله الظلم والعدوان.

بجدك قل لي هل درى صاحب الفتوى أي دماء من أهل الشهادتين سفكها ، وأي حرائر قانتات هتكها ، وأي حرمات لله عز وجل انتبكها ، وأي صبية من بني الاسلام سلبها ، وأي أموال مزكيات نهبها ، واي ديار معمورة بالصلاة وتلاوة القرآن خربها ، وأي كبد لرسول الله بذلك فراها ، وأي عين لآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بفتواه اقذاها ، واي فتنة بين المسلمين أججها ، وأي حرب بينهم ألجمها وأسرجها ، وأي شوكة لهم بذلك كسرها ، وأي دولة لاعدائهم أعزها ونصرها ،

145

وأي مخالفة لحكم الله ارتكبها ، وأي أوزار بتكفيره للمسلمين احتقبها « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون »؟!

ولو درى الى اي غاية بلغ الشيعة في المحافظة على قوانين الدين ونواميس الشريعة ، أو علم الى أي أوج ارتقوا في الاحتياط بالأحكام ، أو الى اي حد انتهوا في التمسك بثقلي سيد الانام ، أو الى أي مرتبة أخذوا بالسنة السنية أو الى أي مقدار اقتدوا بالعترة الطاهرة الزكية ، لدعا بالويل والثبور وتمنى ان يكون قبل هذه البائقة من اهل القبور.

ظن الرجل انه قضى على الشيعة بعداوته ، وزعم انه اسقطهم بافكه وبهتانه فطاش سهمه وظلت مطيته ، بل كان كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجادع ما رن انفه بكفه.

اجل والله ما قضى الا على مروءته ولا اسقط بأكاذيبه غير امانته ، وقد افتضح بين علماء العالم واتضح تحامله بالزور لدى فضلاء بني آدم ، وكان كمبغضي الأنبياء اذ سطروا الأساطير افتراء عليهم واعداء الأوصياء ، اذ ملأوا الطوامير في نسبة الأباطيل اليهم ، فما أثر ذلك فيهم الاّ رفعة ، ولا ازدادت شرائعهم الا عزا ومنعة « سنة الله قد حلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ».

كان العزم على ان نربأ عن مناقشته ولا نلوث اليراع بمحاسبته لوضوح افترائه وظهور ظلمه واعتدائه ، لكن اقتدينا بالكتاب الكريم والذكر الحكيم ، اذا تصدى للرد على كل أفاك أثيم فقال جل وعلا : «وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء » الى غير ذلك مما كان في التنزيل من هذا القبيل.

ذكر الرجل لوجوب قتال الشيعة وجواز قتلهم سببين ( البغي والكفر ) وقد علم الله ورسوله واولو الفضل من عباده انه ظلم الشيعة بذلك وبغي عليهم ،

146

كما افك اعداء الأنبياء اذ نسبوا السحر والجنون اليهم ، ونحن نناشدكم الله ايها الناس متى كانت الشيعة غير خاضعة للسلطان ، وفي أي جهة من مملكته المحروسة كان ذلك منهم ، وبما بغوا عليه ؟ ارأيتموهم تأخروا عن اداء الخراج ، او توقفوا عن دفع الضرائب والاعشار والاعانات ، أو تخلفوا عن جهاد عدوه ، أو قصروا عن طليعة عساكره ، او تقهقروا عن مقدمة جنوده ، أو خانوه في خدمة ، أو كفروا له نعمة ؟ ! كلا والله ما كان ذلك منهم ولا هو جائز عندهم ، والناصب الكاذب يعلم براءتهم منه (1) ويقطع بأنهم في غاية البعد عنه ، وانما اراد اغراء السلطان بهم وحمله على استئصالهم ومبالغة في ابادتهم واحتياطا على ان لا يكون لهم نصيب من مراحم الدولة ولا حصة من عدل القانون ولا سهم من انصاف الولاة ولاحظ من معاشرة العامة ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ).

واما قوله بكفرهم فانه قول من لا يخاف من الله سطوة ولا يخشى منه نقمة ، قول لم يرجع فيه الى دين ولا عمل فيه بما تواتر عن سيد النبيين والمرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحكم بالاسلام ، على كل من اقام الصلاة وآتى الزكاة وصام الشهر وحج البيت من اهل الشهادتين والايمان باليوم الآخر.

وقد افردنا في اوائل هذه الرسالة فصلا لبيان معنى الاسلام والايمان وهو الفصل الثاني منها واوردنا فيه وفي الفصول الثلاثة التي بعده طائفة من الصحاح الحاكمة بما قلنا ، وتكلمنا هناك بما يجدر بالباحث المدقق ان يقف عليه ، فالمرجو ممن وقف على هذا الفصل مراجعة تلك الفصول ، ليعلم ان قواعد الشريعة

____________

(1) يعلم الناصب وغيره ان الشيعة والسنة في الخضوع للسلطان وعدمه على حد سواء ، لان من كان منهما في مملكته فهو مطيع بحكم الوجدان والعيان ، ومن كان من كلا الطائفتين في ممالك الاجانب فهو ممنوع عن طاعته وأما شيعة ايران فكأهل السنة في مراكش وافغان فأي فرق بين الشيعة والسنة في هذا الأمر يا مسلمون ؟.

147

تحكم بايمان الشيعة ، ويعرف ان الصحاح المتواترة تقضي باحترامهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

وأما الوجوه التي اعتمد الناصب عليها في التكفير فانها من أوضح أفراد الافك وافضح أنواع التزوير.

إفك لا يكون من صبي يرجى فلاحه ، وزور لا تأتي به أمة وكعاء الا أن تكون مدخولة العقل ، ونحن نذكر تلك الوجوه ( وهي ستة ) ونتكلم في كل منها بما يوجبه العلم وتقضي به الامانة.

الوجه الأول :

زعم أن الشيعة تستخف بالدين وتهزأ بالشرع المبين ، وهذا قول لا يخفى زوره وافك لا يمطل ظهوره ، فان الشيعة أحوط الناس على الدين وأعظمهم تقديما للشرع المبين ، وتلك كتبهم في الأصول والفروع والتفسير والحديث تشهد ( وقد ملأت ما بين الخافقين ) لهم بذلك ، على ان هذا الأمر غني عن البرهان بعد أن كان شاهده الحس والوجدان.

واذا استطال الشيء قام بنفسه * * * وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

وليته دلنا على الموارد التي استخف بها الشيعة من معالم الدين ، أو أخبرنا عن المقامات التي استهزءوا فيها بالشرع المبين ، أتراهم استخفوا بالخالق تبارك وتعالى فشبهوه بخلقه تارة ، وجوزا عليه القبيح أخرى ، أم استخفوا بالأنبياء والأوصياء ، فنسبوا اليهم (صلوات الله عليهم)ما يليق بالأشقياء ، أم استخفوا بمقام سيد البشر فقالوا أنه والعياذ بالله هجر ؟!

كلا والله انهم لاعظم تقديسا لله وأكبر تنزيها لأنبيائه وأكثر تعظيما لخلفائه ، واحكم قواعد في الأصول وأشد احتياطا في الفروع وأكثر تثبتا في قبول الحديث وأحرز للواقع في كل ما يرجع للدين ، وانا ألفت الباحث الى أصول الامامية

148

وفروعهم ليعلم الحقيقة ، على أن من ساح في بلادهم ، وجاس خلال ديارهم يرى مواظبتهم على الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات في جميع الأحوال رجالا ونساء كبارا وصغارا ومماليك ، بحيث لا يتسامح في ذلك منهم إلا من سرى اليه الداء من معاشرة غيرهم. ومن ترك فريضة من الصلوات الخمس أو أفطر يوما من شهر رمضان بلا عذر ، يعزر عندهم بخمس وعشرين سوطا فان أعاد عزر ثانيا فان اعاد قتل ، والأحوط تأخير إعدامه الى المرة الرابعة ، ولا يؤخر الى الخامسة ( لو لم تكن الحدود معطلة ) باجماعهم.

هذا في غير المنكر أما المنكر لوجوب الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الخمس أو الحج أو غيرها من الضروريات ، كحرمة الزنى واللواط والسرقة وشرب الخمر والغيبة والفساد في الأرض واشباهها أو الشاك في شيء من ذلك فانه يقتل بمجرد الانكار أو الشك ، وقد امتازوا بالاستنابة عن الميت في الصلاة والصوم كما يستنيبون عنه في الحج ، وأوجبوا على وليه قضاء ما فاته من الصلاة والصوم في الجملة ، ولو علموا أن في ذمته زكاة أو خمسا أو مظالم اخرجوها من اصل ماله وان لم يوص بها كسائر الديون ، وهكذا احتياطهم في جميع العبادات والمعاملات والايقاعات وسائر الشرعيات ، فكيف يتسنى للناصب بعد هذا أن يرميهم بالاستخفاف بالدين والاستهزاء بالشرع المبين ، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل ، وبه نستجير من بوائق العثرة وسوء الخطل ، انه ارحم الراحمين.

الوجه الثاني :

انهم يهينون العلم والعلماء ، سألتكم أيها المنصفون بالحقيقة التي ضيعها المرجفون هل سمعتم اوحش من هذا العدوان ، او بلغكم افحش من هذا البهتان ، او رأيتم احمق من هذا الدليل ، او حدثتم بأسخف من هذا الوجه الساقط الرذيل ؟ أللشيعة يقل ذلك ؟ ! وهم الذي اسسوا العلوم ومهدوها واحكموا المعارف وشيدوها وسبقوا بالتأليف فلم يلحقوا وعرجوا الى أوج الفضل فحلقوا فما من

149

علم من العلوم الدينية إلا وهم اصله وفرعه ، وما من فن من الفنون الاسلامية إلا وهم معدنه (1).

وما ادرى بأي شيء اهانوا العلم والمعارف ابا لمدارس التي عمروها ، ام بالأوطان التي رغبة في العلم هجروها ، ام بالاعمار التي على التعلم قصروها ام بالأفكار التي في خدمة العلم حصروها ، ام بالأموال التي في سبيله اتلفوها ام بالقرى التي على طلابه وقفوها ، ام بالقواعد التي احكموها ، والأصول التي ابرموها ، والأحكام التي اقاموا دليلها ، والغاية التي اوضحوا للعالمين سبيلها ؟؟؟.

وما ادري كيف رماهم باهانة العلماء مع شهادة البر والفاجر بأنهم اشد الناس للعلماء تعظيما واعظم العالمين لهم تبجيلا ، لا يرجعون في الحوادث الا اليهم ، ولا يعولون في امور الدنيا والدين الا عليهم.

نعم هناك من قضاة الرشوة وشيوخ الزور وعلماء السوء والمرجفين في المسلمين والناصبين للمؤمنين ، من لا يسع المؤمن تعظيمه ولا تباح له موالاته ، فاهانته بالاعراض عنه وعدم اخذ الدين منه واجبة باجماع المسلمين وحكم الضرورة من

____________

(1) من ابتغى تفصيل هذه الجملة والوقوف على حقيقتها فعليه بكتاب « تأسيس الشيعة » لمؤلفه شيخ المسلمين ومن انتهت اليه النوبة في الاستواء على دست آبائه الطيبين الطاهرين الامام الشريف آية الله ابي محمد الحسن من آل شرف الدين المشهور بالسيد حسن الصدر الموسوي العاملي الكاظمي فانه متع الله المسلمين بشريف وجوده تتبع العلوم الدينية ذكرا واستقصى الفنون الاسلامية سبرا واستوفى في البحث عن مؤسسيها واستقرا الكلام في طبقات المصنفين فيها ، فأثبت بذلك للعيان واظهر بالحس والوجدان سبق الامامية الى جميع الفنون الاسلامية ، وقد اختصر هذا السفر الثمين في كتاب وسمه بكتاب « الشيعة وفنون الاسلام » وهو من الكتب المنتشرة بفضل مطبعة العرفان.

150

الدين ، على أنا ننقض على الناصب بنفسه إذ أهان بهذه الفتوى جميع علماء الشيعة وكافة حفاظ الشريعة ، بل أهان بقوله : « ومن توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم » جميع من توقف في هذه المسألة من أهل السنة وجميع من حكم من علمائهم باسلام الشيعة ممن سمعت كلامهم في الفصل المختص بما افتى به علماء السنة كما لا يخفى ، ومن وقف علي حكم هذا الرجل بكفر من توقف في تكفير الشيعة بعد مراجعة ذلك الفصل وهو الفصل 6 من الفصول المتقدمة علم انه قد كفر إمامية أبا حنيفة والأشعري وكفر الامام الشافعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وداوود بن علي والحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن عيينة وابن سيرين والزهري وأبا طاهر القزويني والامام السبكي وأبا المحاسن الروياني والقدماء من علماء بغداد قاطبة ، وكفر ابن حزم الظاهري والشيخ الكبير ابن العربي والعارف الشعراني وصاحب فتح القدير والملا علي الحنفي وابن تيمية وابن عابدين والمعاصر النبهاني وغيرهم ، إذ حكموا جميعا باسلام كافة أهل الأركان الخمسة من الشيعة وغيرهم فان كانت اهانة العلماء كفرا فالناصب من أكفر العالمين ، إذ أهان بهذه الفتوى جميع أئمة المسلمين وكافة علماء الموحدين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الوجه الثالث :

أنهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ، بالله عليك هل يكون في صفاقة الوجه ، وصلابة الخد ، وعدم الحياء ، والجرأة على الأفك أكثر من هذا نعوذ بالله من الخذلان وبه نستجير من سوء عواقب الظلم والعدوان.

سلوا أيها المسلمون كتب الامامية متونها وشروحها قديمها وحديثها تخبركم ـ وصاحب البيت أدرى بالذي فيه ـ أنهم أبعد الناس عن المحرمات وأحوط العالمين على الحرمات ، ألم يحكم فقههم بالجلد والرجم معاً على كل من المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة والمحصنة إذا زنى بها البالغ وان لم يكن عاقلا ؟ ألم يقض

151

بالقتل على مطلق من زنى بالمرأة مكرها لها وعلى كل من زنى بمحارمه النسبية وعلى الذمي إذا زنى بالمسلمة مطلقا ، ألم يوجب مائة جلدة للمحصن إذا زنى بطفلة أو مجنونة وللزانية إذا لم تكن محصنة أو كانت محصنة لكن الزاني بها طفل ، الم يعلن فقههم باقامة الحد على الذكر الحر غير المحصن إذا زنى بضربه مائة جلدة وجز رأسه ونفيه سنة كاملة ، ألم يصرح بضرب المملوك والمملوكة البالغين العاقلين خمسين جلدة إذا زنى أحدهما مطلقا ، ألم يبعضوا في حد من تحرر بعضه فأوجبوا له من حد الأحمرار بقدر ما فيه من الحرية ومن حد العبيد بقدر العبودية ، الم يوجبوا لمن زنى في زمان معظم أو مكان شريف عقوبة زائدة على الحد لهتكه حرمة الزمان أو المكان ، ألم يحكموا على مطلق الحر البالغ إذا لاط بالقتل بالسيف أو بالرجم أو بالقائه من شاهق أو بهدم جدار عليه ؟ وهل عرفت انه يجوز إحراقه عندهم ، وهل بلغك ان هذا الحكم ثابت للمحصن وغيره ، ألم يحكموا بالقتل كذلك على المفعول به ان كان بالغا عاقلا مختارا ، ألم يوجبوا تعزير الصبي فاعلا أو قابلا وتأديب المجنون فاعلا أو مفعولا ، ألم يعلنوا بالحكم بمائة جلدة على كل من الفاعل والقابل مع البلوغ والعقل والاختيار إذا حصل منهما مجرد التفخيذ أو بين الاليتين دون الايقاب ؟؟؟ (1).

ألم يصرحوا بالحكم بمائة جلدة على كل واحدة من المساحقتين ، ألم يحكموا بخمس وسبعين جلدة على القيادة وثمانين على كل من القذف وتناول المسكر ولو حشيشة ، ألم يحكموا على السارق أول مرة بقطع الأربع من أصابع يده اليمنى ، فلو سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ، وفي الثالثة يحبس أبدا ، وفي الرابعة يقتل ؟؟ الى غير ذلك مما لا يسع المقام تفصيله من جزاء المفسد في الأرض والمرتد عن الاسلام وبقية الحدود وسائر التعزيزات.

____________

(1) من غير فرق بين المحصن وغيره وقيل يرجم المحصن.

152

ومن اراد التفصيل فعليه بأبوابها من فقه الامامية وحديثهم ، وقد انتشر منها ببركة الطبع في ايران وفضل المطابع في الهند ألوف ومئات مختصرات ومطولات ، فراجعها لتعلم حال الشيعة في انكار المنكرات واستعظام المحرمات ولهم في أهل الكبائر حكم قد امتازوا به ، وذلك ان صاحب الكبيرة مطلقا إذا أقاموا عليه الحد مرتين قتلوه في الثالثة ، وربما احتاطوا بتأخيره الى الرابعة ولا قائل منهم بتأخيره الى الخامسة. وهذا في غير المستحل أما المستحل فيقتل عندهم بمجرد الاستحلال.

ناشدتكم الله رب العالمين ، هل يجوز دينا ام يسوغ مروءة ان ترمى الشيعة بعد هذا كله باستحلال المحرمات وهتك الحرمات ؟! وليت الظالم دلنا على محرم اباحوه او ارشدنا الى حرمة من حرمات الدين هتكوها. هيهات هيهات ، انهم ابرأ من أن يكون ذلك منهم واجل من ان يؤثر شيء مما هو دونه عنهم ، وانما وصفهم الناصب بصفاته وألزمهم بذنوبه وموبقاته ، إذ استحل بهذه الفتوى انواعا من المحرمات واستباح اقساما من الحرمات ، استحل الكذب والبهتان ، استحل الظلم والعدوان ، استحل تكفير المؤمنين ، استحل ايقاد الحرب بين المسلمين ، استحل قتل الشيعة وهم ركن الاسلام ، استحل نهب مالهم وهو الحرام ، استحل سبي المسلمات القانتات ، استحل اطفال المسلمين وهتك الحرمات ، وقد اباد بهذه الفتوى من مؤمني حلب اربعين الفا او يزيدون وانتهبت اموالهم واخرج الباقون منهم من ديارهم الى نبل والنغاولة وام العمد والدلبوز والفوعة وقراها ، وهاجم الامير ملحم بن الأمير حيدر « بسبب هذه الفتوى » جبل عامل سنة 1147 فانتهك الحرمات واستباح المحرمات « يوم وقعة انصار » وقتل وسلب وخرب ونهب واسر الفا واربع مائة من المؤمنين فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت ، الى غير ذلك مما كان بسبب هذه الفتوى من الفظائع والفجائع. على انها في ذاته بائقة الدهر وفاقرة الظهر ، الحكم لله والمصير اليه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الوجه الرابع :

انهم ينكرون خلافة الشيخين ، ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين (1) والجواب انه لا ينكر استخلاف الشيخين (رض) ذو شعور ، ولا يرتاب فيه ذو وجدان ، وقد امتدت امارتهما من سنة 11 الى سنة 23 وفتحت بها الفتوحات وضرب الدين فيها بجرانه ، على أن خلافتهما من الشؤون السياسية التي خرجت بانقضائها وتصرمها عن محل الابتلاء ، فأي وجه لتنافر المسلمين اليوم بسببها وأي ثمرة عملية تترتب فعلا على الاعتقاد بها.

فهلموا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة وعرجوا عما كان من شؤون السياسة الغابرة ، فان الأحوال حرجة والمآزق ضيقة لا يناسبها نبش الدفائن ولا يليق بها اثارة الضغائن ، وقد آن للمسلمين ان يلتفتوا الى ما حل بهم من هذه المنابذات والمشاغبات التي غادرتهم طعمة الوحوش وفرائس الحشرات.

وأي وجه لتكفير المسلمين بانكار سياسة خالية وخلافة ماضية ؟ قد اجمع أهل القبلة على انها ليست من أصول الدين ، وتصافقوا على انها ليست مما بني الاسلام عليه ، ونحن نظرنا فيما صح عند أهل السنة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تفسير معنى الاسلام والايمان فلم نجده (2) مقيدا بها ، وتتبعنا الأمور التي جعلها (صلى الله عليه وآله وسلم) سببا في احترام الدماء والأعراض والأموال فلم تكن (3) من جملتها ، واستقرأنا من نصوصه شرائط دخول الجنة فلم نجدها (4) في زمرتها ، فأي مانع

____________

(1) لم يأت بهذه الفقرة « اعني قوله ويريدون ان يوقعوا في الدين الشين » الا لمجرد السجع وال فقد عرفت انهم احوط الناس على الدين.

(2) راجع الفصل 3 المعقود لبيان معنى الاسلام من هذه الرسالة.

(3) راجع الفصل 3 المختص باحترام الموحدين من هذه الرسالة.

(4) راجع الفصل 5 المتعلق بنجاة الموحدين من هذه الرسالة.

153

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

154

بعد هذا من جريان الاجتهاد فيها ، وأي دليل كفر المتأولين من منكريها.

فان القوم لم تكن بينهم وبين الحق عداوة وانما قادتهم الأدلة الشرعية الى القطع باشتراط أمور في القائم في مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمستوى على مرقاة الخلافة عنه ، كعدم سبق الكفر منه على الايمان وكعصمته والعهد اليه وعدم كونه مفضولا ، واستدلوا على هذه الشروط بأدلة من الكتاب والسنة والعقل كثيرة لا يسع المقام بيانها ، وقد استقصيناها في كتابنا « سبيل المؤمنين ».

وهبها شبها كما تقول لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه لانها من الكتاب والسنة ، وقد الجأته الى القطع بما صار اليه ، فان كان مصيبا والا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين وان اخطأ كما سمعته في فصل المتأولين.

على انه لا وجه التكفير بانكارها حتى لو فرضنا انها من أصول الدين عندهم ، لأنها ليست من الضروريات التي يرجع انكارها الى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا هي في نظر منكريها من الأمور التي قد انعقد الاجماع عليها ، وقد سبقوا بشبهة من الكتاب والسنة تمنعهم من الاعتقاد بها ، ألا ترى أن الشيعة لم تكفر أهل السنة بانكرها امامة الأئمة من أهل اليت عليهم لاسلام مع أن امامتهم من أصول الدين على رأي الشيعة ، وكذلك العدلية من الشيعة والمعتزلة لم تكفر طائفة الاشاعرة بانكارها العدل مع انه من الأصول عندهم ايضا.

وقد تأول في انكار هذه الخلافة سعد بن عبادة وحباب بن المنذر الانصاريان وتخلف عنها جمعة وأكره عليه آخرون كما ذكرناه في فصل المتأولين ، فلم يكفر أحد من أولئك بما كان منه ولا فسق بما تواتر من القول والفعل عنه ، فكيف هؤلاء وحكم الله واحد يا ايها المنصفون ؟ على أن الأحاديث المتواترة من طريق العترة الطاهرة والصحاح الوافرة من طريق أهل السنة ، ألجأت هؤلاء الى القطع بعهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى علي من بعده ، فدانوا بما رأوا انه الحق من دين