إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
453

إجابة المحقّق النائيني عن الإشكال

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن الإشكال بوجه آخر ، وقال :

إنّ امتناع الشرط المتأخّر من القضايا التي قياساتها معها ولا تحتاج إلى برهان ، بل يكفي في امتناعه نفس تصوّره ، فانّ حال الشرعيات حال العقليات التي تقدّم امتناع تأخّر العلّة فيها أو جزئها أو شرطها ممّا له دخل في تحقّق المعلول ، عن معلولها.

ثمّ قال : وأمّا توهّم انّ امتناع الشرط المتأخّر إنّما يكون في التكوينيات دون الاعتباريات والشرعيات التي أمرها بيد المعتبر والشارع ، حيث إنّ له أن يعتبر كون الشيء المتأخّر شرطاً لأمر متقدّم ، ففساده أيضاً غني عن البيان ، لأنّه ليس المراد من الاعتبار مجرّد لقلقة اللسان ، بل للاعتباريات واقع ، غايته أنّ واقعها عين اعتبارها ، وبعد اعتبار شيء شرطاً لشيء وأخذه مفروض الوجود في ترتب الحكم عليه كما هو الشأن في كلّ شرط ، كيف يمكن تقدّم الحكم على شرطه ؟ وهل هذا إلاّ خلاف ما اعتبره ؟!

وبالجملة : بعد فرض اعتبار شيء موضوعاً للحكم لا يمكن أن يتخلّف ويتقدّم ذلك الحكم على موضوعه ، فظهر فساد ما ذكر من الوجوه لجواز الشرط المتأخر.

وأحسن ما قيل في المقام من الوجوه : هو أنّ الشرط عنوان التعقب والوصف الانتزاعي ، وقد تقدّم عدم توقّف انتزاع وصف التعقب على وجود المتأخّر في موطن الانتزاع ، بل يكفي في الانتزاع وجود الشيء في موطنه ، فيكون الشرط في باب الفضولي هو وصف التعقّب ، وانّ السبب للنقل والانتقال هو

454

العقد المتعقب بالإجازة ، وهذا الوصف حاصل من زمن العقد هذا. (1)

يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ ما ذكره من أنّ امتناع الشرط المتأخّر من القضايا التي قياساتها معها لا يخلو من خلط التكوين بالتشريع ، فانّ الممتنع هو الأوّل ، وأمّا الثاني فلا يقبل الامتناع ، نعم فرض وجود المعتبَر مع فقد ما يعتبر علة له يوجب تناقضاً في الاعتبار وهو أمر خارج عن سيرة العقلاء لا أنّه أمر محال.

وما ذكره جواباً عن هذا الإشكال من « انّ الاعتبار ليس مجرّد لقلقة اللسان ، بل للاعتباريات واقع غايته انّ واقعها عين اعتبارها » لا يدفع الإشكال ، فانّ أقصى ما يمكن أن يقال انّ للاعتباريات نظاماً عقلائياً فاعتبار شيء ثمّ اعتبار خلافه وإضفاء الرسمية على كلا الاعتبارين خارج عن سيرة العقلاء.

والعجب أنّه يقول في آخر كلامه : « كيف يمكن تقدّم الحكم على شرطه ؟ وهل هذا إلاّ خلاف ما اعتبره ؟! » فانّ حاصل هذا الكلام : أنّ القول بتأخّر الشرط خلاف الاعتبار السابق لا انّه أمر محال.

ثانياً : أنّ ما وصفه بأحسن الأجوبة وهو أنّ الشرط عنوان التعقّب وهو موجود مع العقد وإن لم يوجد الشرط ، أعني : الإجازة ، ففيه أيضاً خلط بين ذات المتعقّب وعنوان التعقب ، فالأوّل متحقّق وإن لم يلحق به الإجازة ، وأمّا التعقّب بالعنوان الوصفي فبما انّه أمر انتزاعي والأمر الانتزاعي من مراتب التكوين ، فكيف يمكن انتزاعه بالفعل مع عدم وجود منشأ الانتزاع ، أعني : الإجازة ؟!

وبعبارة أُخرى : انّ عنوان التعقّب امّا منتزع من ذات العقد وذات الصوم بلا لحاظ ضمّ الاجازة والاغتسال ، فلازمه حدوث الملكية ، ووصف الصوم بالصحة الفعلية ، وإن لم تنضم إليهما الإجازة والاغتسال ، وهو خلاف الفرض.

____________

1 ـ فوائد الأُصول : 1/281.

455

وإمّا منتزعة عنهما بملاحظة الاجازة والاغتسال ، فلازمه عدم إمكان انتزاعهما ما لم تلحق بهما الإجازة والاغتسال ، إذ لو لم يكن ذات العقد أو الصوم كافياً في صحّة الانتزاع ، فلا معنى لانتزاع الخصوصية بلا ضم الإجازة أو الغسل.

فالحقّ في الجواب ما عرفت.

456

الأمر الرابع (1)

تقسيمات الواجب

قسم الواجب إلى أقسام بملاكات مختلفة ، نستعرضها فيما يلي :

التقسيم الأوّل : تقسيمه إلى مطلق ومشروط

قد جعل المشهور التقسيم إلى مطلق ومشروط تقسيماً للواجب مع أنّه في الحقيقة ـ على مذهب المشهور ـ تقسيم للوجوب ، حيث إنّ الوجوب يكون تارة مرسلاً ومطلقاً من أيّ قيد ، وأُخرى مقيّداً ومشروطاً بقيد ، وعليه فوصف الواجب بالمطلق والمشروط وصف بحال المتعلّق.

وعلى كلّ حال فقد عرّف المطلق والمشروط بتعاريف نقتصر على ذكر تعريفين :

الأوّل : المطلق ما لا يتوقف وجوبه ـ بعد الأُمور العامة ـ على شيء ، ويقابله المشروط. والمراد من الأُمور العامة : العقل والبلوغ والعلم والقدرة العقلية لا الشرعية.

يلاحظ عليه : أنّ تعريف المطلق بما ذكر يوجب أن لا يوجد له مصداق إلاّ معرفة اللّه سبحانه ، إذ ما من واجب إلاّ وهو مشروط بشيء ـ مضافاً إلى الأُمور

____________

1 ـ مرّ الأمر الثالث في تقسيم المقدمة ص 423.

457

العامّة ـ كالصلاة والصوم والحجّ بالنسبة إلى الوقت ، والجهاد بالنسبة إلى أمر الإمام به ، وغير ذلك.

على أنّ في جعل العلم ممّا يتوقّف عليه الحكم إشكالاً واضحاً ، وهو استلزامه الدور ، لأنّ الحكم يتوقّف على شرطه وهو العلم ، والعلم موقوف على المعلوم ( الحكم ).

إلاّ أن يقال بأنّ مرتبة من الحكم وهو الفعلية أو التنجّز موقوفة على العلم لا كلّ المراتب كالإنشاء ، فالإنشاء حكم مطلق غير مشروط بالعلم ، لكن فعلية الحكم ـ على مبنى القوم ـ أو تنجّزه ـ كما هو الحقّ ـ موقوفة على علم المكلّف.

الثاني : المطلق ما لا يتوقّف وجوبه على ما يتوقّف عليه وجوده ، كالصلاة بالنسبة إلى الطهارة حيث إنّ وجودها موقوف على الطهارة لكن وجوبها ليس موقوفاً عليها ، فلو لم يكن متوضّئ تجب الصلاة عليه غاية الأمر يجب عليه تحصيل الوضوء ، ويقابله المشروط كالحج فانّ وجوبه موقوف على الاستطاعة التي يتوقّف عليها وجود الحجّ ، فالحجّ وجوداً و وجوباً موقوف على الاستطاعة.

يلاحظ عليه : أنّ وجوب الحجّ موقوف على الاستطاعة الشرعية ، لكن وجودَه لا يتوقّف على الشرعية منها ، بل يكفي الاستطاعة العقلية كما في حج المتسكع ، فانّ الاستطاعة العقلية أوسع من الاستطاعة الشرعية ، فالناس أكثرهم مستطيعون للحجّ بالاستطاعة العقلية دون الشرعية.

اللّهم إلاّ أن يقال المراد توقّف الحجّ الواجب لا مطلق الحجّ ، فالقسم الواجب من الحجّ موقوف وجوده على الاستطاعة الشرعية ، كما أنّ وجوبه موقوف عليها.

458

اعتذار المحقّق الخراساني

إنّ المحقّق الخراساني اعتذر عن الإشكالات الواردة على هذه التعاريف بأنّها تعريفات لفظية والتي تسمّى بشرح الاسم ، وليس بالحد والرسم ، وقال ما يقرب من هذا أيضاً في مبحث العام والخاص ، وهكذا في مبحث المطلق والمقيد.

أقول : بما انّ المحقّق الخراساني كرّر ذلك الاعتذار في غير مورد من كتابه فنعود إلى مناقشته بالوجه التالي :

أوّلاً : إن أراد انّ هذه التعاريف تعاريف لفظية بحجّة انّ المعرّف من الأُمور الاعتبارية وهي تفقد الجنس والفصل الحقيقيّـين ، فيرجع جميع المعرفات إلى كونها لفظية ، فلو أراد هذا ، فهو حقّ.

وإن أراد أنّ القوم كانوا بصدد التعريف اللفظي والعرفان الإجمالي دون التعريف بالحد والرسم فهو غير مطابق للواقع ، إذ لو كانت الغاية ذلك لما كان لمناقشاتهم في مقام التعريف وجه ، فانّ النقاش آية انّهم كانوا بصدد التعريف الحقيقي.

ثانياً : انّ الظاهر من كلماته أنّ « التعريف اللفظي » و « شرح الاسم » و « ما الشارحة » من الألفاظ المترادفة تستعمل في معنى واحد ، قد تبع في ذلك أُستاذَه الحكيم السبزواري ، حيث قرأ عليه شيئاً من الفلسفة في مسيره من خراسان إلى العراق ، قال الحكيم السبزواري :

أُسّ المطالب ثلاثة علم* * *مطلب « ما » مطلب « هل » مطلب « لم »

فما هو الشارح والحقيقي* * *وذو اشتباك مع هل أنيق

459

وقال في شرحه : « يطلب » بـ « ما » الشارحة أوّلاً شرح مفهوم الاسم ، بمثل : ما الخلاء ؟ وما العنقاء ؟ وبـ « ما » الحقيقية ، تعقل ماهية النفس الآمرية ، مثل ما الحركة ؟ وما المكان ؟ (1)

الظاهر اشتباه الأمر على المحقّق السبزواري حيث عدّ ما الشارحة في مقابل ما الحقيقية ، مع أنّ القول الشارح في المنطق نفس الحد والرسم ، والاختلاف بينهما بالاعتبار ، فتعريف الشيء بالحد أو الرسم قول شارح قبل العلم بوجوده ، وتعريفه بنفس ذلك بعد العلم بوجوده ، حدّ ورسم ، فالقول الشارح عنوان يشمل الحدّ والرسم ، ولكن يختلف استعمالها حسب اختلاف الاعتبار ، ويشهد بذلك كلام الشيخ الرئيس في « منطق الإشارات » وشارحه المحقّق الطوسي ، وإليك كلامهما :

قال الشيخ الرئيس في « منطق الاشارات » : قد جرت العادة أن يسمّى الشيء الموصل إلى التصوّر المطلوب ، قولاً شارحاً ، فمنه حدّ ومنه رسم. (2)

وتختلف ما الشارحة عن ما الحقيقية بالاعتبار ، والفرق أنّ السؤال في الثانية بعد معرفة وجود المسؤول عنه دون الأُولى.

قال المحقّق الطوسي : إنّا إذا قلنا في جواب من يقول : ما المثلث المتساوي الأضلاع ؟ انّه شكل تحيط به خطوط ثلاثة متساوية ، كان حداً بحسب الاسم ، ثمّ إنّه إذا بيّنا أنّه الشكل الأوّل من كتاب أقليدس ، صار قولنا الأوّل بعينه حدّاً بحسب الذات. (3)

____________

1 ـ شرح المنظومة : 32.

2 ـ شرح الإشارات : 1/25.

3 ـ المصدر نفسه.

460

الإطلاق والتقييد من الأُمور النسبية

الإطلاق والتقييد من الأُمور الاضافية كالأُبوّة والبنوّة لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة وإن كان يجتمعان فيه من جهتين ، فهكذا الإطلاق والاشتراط ، فانّ وجوب الشيء قد يكون بالنسبة إلى شيء مطلقاً ، كوجوب الصلاة بالنسبة إلى الوضوء ، وبالنسبة إلى شيء آخر مشروطاً كوجوبها بالنسبة إلى الوقت.

وتظهر الثمرة أنّه إذا كان وجوب الشيء بالنسبة إلى شيء مطلقاً يجب تحصيله بخلاف ما إذا كان بالنسبة إليه مشروطاً ، فلو كان خارجاً عن الاختيار ينتظر إلى حصوله ، وإن كان داخلاً في الاختيار لا يجب تحصيله كالاستطاعة الشرعية.

إذا علمت ذلك ، فاعلم أنّ هناك بحثاً آخر ، وهو ما يلي :

هل القيد يرجع إلى مفاد الهيئة أو إلى مفاد المادة ؟

ذهب المشهور إلى أنّ القيد في الواجب المشروط يرجع إلى مفاد الهيئة ، وتكون النتيجة عدم الوجوب ما لم يحصل القيد ، وأمّا المادة فهي باقية على إطلاقها.

نعم خالف الشيخ الأنصاري الرأي العام في الواجب المشروط فاختار أنّ القيد يرجع إلى الواجب فيكون الواجب محدداً بالقيد ، وأمّا الوجوب فهو باق على إطلاقه ، فالصلاة قبل الوقت واجبة غير أنّ الواجب مقيّد بالزوال ، ونستوضح كلتا النظريتين بالآية التالية :

قال سبحانه : ( أَقِمِ الصَّلوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل وَقُرآنَ الفَجْرِ إِنَّ

461

قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (1) « الدلوك » بمعنى الزوال ، ولفظة « اللام » في قوله « لدلوك » بمعنى « عند » أي أقم الصلاة عند دلوك الشمس ، فلو قلنا بأنّ غسق الليل هو وسط الليل فالآية متضمنة لأوقات الصلوات الخمسة ، فتدلّ على أوقات الأربعة قوله : ( أَقِمِ الصَّلوة ... إلى غسق الليل ) ، وعلى وقت صلاة الفجر قوله : ( وَقرآنَ الفَجْر ) ولو قلنا إنّ المراد من غسق الليل هو ابتداء الليل ، فتدلّ على أوقات الفرائض الثلاثة : الظهر والعصر والفجر.

وعلى كلّ حال فالقيد في الآية ، أعني قوله : ( لِدُلُوكِ الشَّمْس ) إمّا إلى قوله : ( أَقِم ) كما عليه المشهور أو إلى ( الصَّلوة ) كما عليه الشيخ الأنصاري ، ولنستوضح المقام بمثال آخر.

إذا قال القائل : أكرم زيداً إن سلّم ، فالتسليم إمّا قيد للوجوب المستفاد من هيئة أكرم ، أو قيد للإكرام الحامل للهيئة.

فعلى الأوّل : يكون المعنى يجب إن سلّم على وجه لولا التسليم لا وجوب.

وعلى الثاني يكون المعنى يجب إكرام زيد إكراماً مقيداً بتسليمه ، فالوجوب على إطلاقه وإن كان الإكرام مقيّداً بالتسليم.

وبعبارة أُخرى : الوجوب حالي وإن كان ظرف العمل استقبالياً.

تحليل واقع القيود ثبوتاً

وقبل أن ندرس أدلّة الطرفين نحلل واقع القيود ثبوتاً ، فانّ القيود حسب الواقع على قسمين :

____________

1 ـ الاسراء : 78.

462

فقسم لا يصلح إلاّ أن يكون قيداً للمتعلّق ، وقسم لا يصلح إلاّ أن يكون قيداً لمفاد الهيئة.

أمّا الأوّل : فلو افترضنا أنّ المصلحة قائمة بإقامة الصلاة جماعة ، أو إقامتها في المسجد ، أو الطواف بالبيت على نحو تكون الصلاة والطواف مجرّدتين عن القيود فاقدتين للمصلحة ، ففي هذا الظرف يكون القيد راجعاً إلى الواجب ، فإذا قال : صلّ في المسجد ، أو صلِّ صلاة الجمعة جماعة ، أو طف بالبيت ، فجميع تلك القيود من محصلات المصلحة في الصلاة والطواف ، فهذا النوع من القيد لا يصلح إلاّ أن يكون قيداً للواجب لا للوجوب.

وأمّا الثاني : فكما إذا افترضنا انّ الصوم بما هو هو ذو مصلحة أو انّ العتق بما هو هو أمر راجح ، ولكن مثل هذه المصلحة غير كافية ، لانقداح الارادة في نفس المولى وبالتالي انشاء البعث إليه ، إلاّ إذا صدر منه فعل لا يغتفر إلاّ بالتكفير من الصوم والعتق ، ففي هذا المورد يكون القيد راجعاً إلى مفاد الهيئة أي البعث ، ويقول : إن أفطرت فكفّر ، وإن ظاهرت فأعتق. فالإفطار والظهار من قيود الإرادة والبعث ، ونظيره الحج متسكعاً فانّ الحجّ ذو مصلحة كافية ولكنّه غير كاف في انقداح الإرادة في لوح النفس وبعث العبد إليه ، لاستلزامه الحرج ، وإنّما يبعث إذا استطاع العبد ، فتكون الاستطاعة قيداً لظهور الإرادة ، وبالتالي لبعث المولى ، ومثل الموردين الأُمور العامّة ، فانّ العقل والقدرة من شروط الإيجاب ، فلولاهما لما ظهرت الإرادة في لوح النفس ولا البعث إلى العمل.

وبذلك ظهر أنّ القيود ثبوتاً على قسمين ، فقسم يرجع إلى المادة ولا يصلح أن يكون قيداً للوجوب والبعث ، وقسم على العكس. فإذا كانت القيود حسب الثبوت على قسمين فلا وجه لجعلهما قسماً واحداً كما عليه العلمان حيث جعل

463

المحقّق الخراساني كلّ القيود راجعة إلى الهيئة وجعل الشيخ الأنصاري كلّها راجعة إلى المادة ، بل لابدّ من التفصيل بين القيود.

إذا عرفت ذلك ، فلنرجع إلى دراسة أدلّة الشيخ.

أدلّة رجوع القيد إلى المادة

استدلّ الشيخ على رجوع القيد إلى المادة بوجوه أربعة :

الأوّل : انّ هيئة الأمر موضوعة « بالوضع النوعي العام والموضوع له الخاص » لخصوصيات أفراد الطلب والإرادة الحتمية الإلزامية التي يوقعها الآمر ويوجدها ، فالموضوع له والمستعمل فيه ، فرد خاص من الطلب ، وهو غير قابل للتقييد.

وإن شئت قلت : إنّ الهيئة موضوعة بالوضع العام للموضوع له الخاص ، فيكون مفادها إيجاد البعث ، وهو أمر جزئي لمساواة الإيجاد بالجزئية ، والجزئي لا يقبل التقييد. (1)

يلاحظ عليه : ما مرّ سابقاً من أنّ الجزئي فاقد للسعة والإطلاق من حيث الأفراد ، وأمّا من حيث الحالات فهو قابل للتقييد ، فانّ الوجوب المنشأ ، له مصداق واحد ولكنّه من حيث الحالات ينقسم إلى حالتين :

أ. الوجوب المقرون بالتسليم.

ب : الوجوب المجرّد عن التسليم.

فالقيد إذا رجع إلى المقيّد يخص البعث بحالة خاصّة وهو حالة التسليم.

الثاني : ما لخصه المحقّق الخراساني في « الكفاية » ، بقوله : إنّ العاقل إذا توجّه

____________

1 ـ لاحظ مطارح الأنظار : 46.

464

إلى شيء والتفت إليه ، فإمّا أن يتعلّق طلبه به أو لا يتعلّق به طلبه أصلاً ، لا كلام في الثاني.

وعلى الأوّل فإمّا أن يكون ذلك الشيء مورداً لطلبه وأمره مطلقاً ، على اختلاف أطواره ، أو على تقدير خاص ، وذلك التقدير تارة يكون من الأُمور الاختيارية ، وأُخرى لا يكون كذلك ، وما يكون من الأُمور الاختيارية قد يكون مأخوذاً فيه على نحو يكون مورداً للتكليف ، وقد لا يكون كذلك على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه جعل المقسم من أوّل الأمر هو المطلوب وذكر له أقساماً ، ولنا أن نجعل المقسم هو الطلب ، فنقول : إذا أطلّ الإنسان بنظره إلى شيء ، فإمّا أن يطلبه أو لا يطلبه ، وعلى الثاني إمّا أن يتعلّق طلبه به على وجه الإطلاق ، وأُخرى على وجه التقييد ، ثمّ القيد إمّا أن يكون أمراً اختيارياً أو خارجاً عنه ، والقيد الاختياري إمّا أن يكون مطلوباً حصوله أو مطلوباً تحصيله.

الثالث : انّ المقصود من الإنشاء ليس مفهوم الطلب الاسمي ، بل إيجاد مصداقه في الخارج إنشاء واعتباراً ، ومثله غير ملحوظ مستقلاً ، بل ملحوظ على نحو الاندكاك في ضمن لحاظ متعلّقه ، أعني : المطلوب ، والشيء ما لم يلحظ مستقلاً ولم يقع في أُفق النفس كذلك يمتنع تقييده ، إذ التقييد عبارة عن لحاظ شيء مستقلاً ، ثمّ تقييده ثانياً.

وعلى هذا الوجه اعتمد المحقّق النائيني حيث قال : إنّ النسبة حيث إنّها مدلولة للهيئة فهي ملحوظة آلة ومعنى حرفياً ، والإطلاق والتقييد من شؤون

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/153.

465

المفاهيم الاسمية الاستقلالية. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً : بأنّ النسب التي هي من المعاني الحرفية من المقاصد الأصلية للمتكلّم ، والقيد يرجع إلى المقاصد الأصلية.

توضيحه : أنّ الغرض الأصلي من التكلّم غالباً هو افادة النسب التي هي قسم من المعاني الحرفية كالهوهوية في قولنا : « زيد قائم » ، والظرفية في قولنا : « زيد في الدار » ، والتقييد يرجع إلى المقاصد الأصلية.

وإن شئت قلت : إنّ الإثبات تابع للثبوت وقد عرفت أنّ القيد تارة يرجع إلى الطلب وأُخرى إلى المطلوب ، فإذا كان الثبوت على قسمين فكيف يمكن لنا جعله في الإثبات قسماً واحداً ؟

وثانياً : ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّه لو سلّمنا امتناع تقييد المعاني الملحوظة آلية ، فانّه إنّما يمنع عن التقييد لو أنشأ أوّلاً غير مقيّد ، لا ما إذا أنشأ من الأوّل مقيّداً غاية الأمر قد دلّ بدالّين وهو غير إنشائه أوّلاً ثمّ تقييده ثانياً.

الرابع : انّ تقييد مفاد الهيئة يستلزم تعليق الإنشاء وهو أمر محال ، لأنّ الإنشاء من مقولة الإيجاد وهو لا يقبل التقييد ، بل أمره دائر بين الوجود والعدم ، فامّا أن يكون الإيجاد محقّقاً أو غير محقّق ، ولا معنى للإيجاد المعلّق من غير فرق بين الإيجاد التكويني والإنشائي.

يلاحظ عليه : بأنّ ما أُفيد من أنّ الإنشاء لا يقبل التعليق ، فهو كالإيجاد أمره دائر بين الوجود والعدم غير أنّ القيد يرجع إلى المنشأ فهاهنا انشاء وهاهنا منشأ ، والأوّل غير مقيّد والثاني وهو الطلب مقيد.

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/131.

466

توضيحه : انّ الانشاء عبارة عن استعمال اللفظ في معناه الإيجادي والاستعمال لا يقبل التعليق ، فانّه إمّا يُستعمل اللفظ في معناه الإيجادي أو لا يستعمل.

ثمّ إنّ استعمال اللفظ لغاية إيجاد معناه تارة يكون المستعمل فيه الطلب المطلق كما إذا قال : أقم الصلاة ، وأُخرى يكون مفاده الطلب المقيّد كما إذا قال : ( أَقم الصلاة لدلوك الشمس ) ومعناه الطلب والبعث على تقدير ، فلو كان هناك تعليق فإنّما هو في المنشأ لا في الإنشاء.

فإن قلت : بأنّ المنشأ ـ الطلب المعلّق ـ من مقولة الوجود ، وهو لا يقبل التعليق ، لأنّ النبي امّا موجود أو معدوم وليس هنا قسم ثالث أي الوجود المعلق.

قلت : إنّما ذكرته إنّما يتم في الأُمور التكوينية فالوجود التكويني لا يقبل التعليق ، وأمّا الوجود الاعتباري أعني الطلب فلا مانع من تعليقه فتارة يكون المنشأ فلا مانع من الطلب المطلق ، وأُخرى الطلب المشروط بشرط الاستطاعة ، والاشتباه حصل من قياس الأُمور الاعتبارية بالتكوينية.

الخامس : إذا كان رجوع القيد إلى الهيئة مستلزماً لرجوع القيد إلى المنشأ يلزم تفكيك الإنشاء عن المنشأ ، حيث إنّ الإنشاء قد تمّ ، مع أنّ المنشأ أعني الطلب غير موجود ، للاتفاق على عدم حصول الطلب قبل تحقّق الشرط ، وهذا نظير القول بتحقّق الإيجاد من دون أن يتحقّق الوجود وهو محال.

يلاحظ عليه : بأنّ المنشأ غير منفك عن الإنشاء ، وذلك لأنّ المنشأ لو كان هو الطلب المطلق لكان لما ذكر وجه ، وأمّا إذا كان المنشأ الطلب على تقدير حصول الشرط فهذا النوع من الطلب موجود قبل حصول الشرط.

فإذا قال : أقم الصلاة عند دلوك الشمس ، فالطلب على تقدير الدلوك

467

موجود وإن لم يكن هناك دلوك وينقلب إلى الطلب المطلق بعد دلوكها.

والحاصل : انّ الأُمور الاعتبارية رهن شيئين :

الأوّل : ترتّب الأثر عليه.

الثاني : عدم التناقض في الاعتبار.

وعلى ضوء هذين الأمرين لا مانع من إنشاء الطلب المطلق كما لا مانع من انشاء الطلب المقيّد ، وذلك لأنّ المولى ينظر إلى أحوال المكلّفين فيرى بعضهم واجداً للشرط فعلاً ، كما يرى البعض الآخر فاقداً له لكنّه سوف يحصله أو يحصل له ، فعندئذ ينشئ الوجوب المقيّد ليكون حجّة في حقّ الحائزين للشرط بالفعل وللحائزين له عند حصول الشرط.

وبكلمة قصيرة انّ الاستدلال الرابع كان مبنياً على أنّ رجوع القيد إلى الهيئة يستلزم تعليق الإنشاء ، وهو لا يقبل التعليق ، كما أنّ لب الدليل الخامس هو أنّ رجوع القيد إلى الهيئة يستلزم تفكيك المنشأ عن الإنشاء حيث لا طلب قبل حصول الشرط.

والجواب عن كلا الاستدلالين بماعرفت.

أمّا الأوّل : فلأنّ الإنشاء غير معلّق وإنّما المعلّق هو المنشأ ، وهو غير قابل للتعليق في التكوين دون عالم الاعتبار ، فيمتنع إيجاد الوجود المعلق على شيء لم يحصل ، لكنّه يجوز إنشاء طلب معلّق بشرط غير حاصل.

وأمّا الثاني : فالمنشأ غير منفك عن الإنشاء ، بل هو يلازم الطلب المعلّق في مقابل عدم الطلب أصلاً أو الطلب المنجز.

وممّا يرشدك إلى إمكان المنشأ ( الملك ) المعلق صحّة الوصية التمليكية فيما إذا قال المولى : هذه الدار لزيد بعد وفاتي ، فالإنشاء فعلي مع أنّ المنشأ معلّق ، وهو

468

حصول الملكية للموصى له بعد وفاته أو بعد قبوله ، وفائدة هذا الإنشاء انّ الدار تكون ملكاً منجّزاً له بعد الموت.

ثمّ إنّ الظاهر من متاجر الشيخ تصوّر رجوع القيد إلى الهيئة وقد صرّح بأنّه لا مانع من إنشاء الملكية المعلّقة لكن الإجماع قام على بطلان التعليق ، فما أُفيد هنا يخالف ما صرّح به في متاجره. (1)

سؤال وإجابة

أمّا السؤال وهو انّه إذا كان الطلب فعلياً مطلقاً وكان القيد قيداً للواجب عند الشيخ فيجب ـ بحكم إطلاق الوجوب ـ تحصيل تمام قيود الواجب من غير فرق بين الوضوء والاستطاعة ، لأنّ الوجوب مطلق والواجب مقيد وإطلاق الوجوب يدعو إلى تحصيل الواجب بعامة قيوده مع انّ الشيخ لا يقول بوجوب تحصيل الشرط في الواجب المشروط بل يعتقد بشرطية حصوله لا تحصيله.

أمّا الجواب : فقد أجاب الشيخ عن هذا السؤال بقوله : إنّ الفعل المقيّد قد يكون ذا مصلحة ملزمة على وجه يكون الفعل والقيد مورداً للإلزام ، وقد يكون متعلّق التكليف ذا مصلحة ، لكن على تقدير وقوع القيد ، لا على وجه التكليف ، ففي كلّ هذه الصور ينبغي للحاكم أن يعبّر عن المقصود بلفظ يكون وافياً بمقصوده. (2)

وإلى ذلك ينظر قول المحقّق الخراساني في تقرير رجوع القيد إلى المادة لبّاً : قد يكون القيد مأخوذاً فيه على نحو يكون مورداً للتكليف ، وقد لا يكون كذلك

____________

1 ـ المتاجر ، كتاب البيع ، ص 100.

2 ـ مطارح الأنظار : 49.

469

على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به. (1)

وقوله أيضاً : فانّه جعل الشيء واجباً على تقدير حصول ذاك الشرط ، فمعه كيف يترشح عليه الوجوب ويتعلّق به الطلب ؟ (2)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره صحيح ثبوتاً حيث إنّ المصلحة تارة تكون قائمة بالفعل المقيد على وجه يكون القيد مورداً للإلزام والتحصيل ، وأُخرى تكون قائمة بالفعل المقيّد على وجه لا يكون القيد مورداً للإلزام بل يرجى حصوله ، وامّا إثباتاً فظاهر إطلاق الوجوب تحصيل عامة القيود ، لأنّ الوجوب مطلق والفعل مع قيده واقعان تحت دائرة الطلب ، فكما تعلّق الطلب بنفس الفعل تعلّق بغيره ، فيكون الكلّ مورداً للإلزام.

اللّهمّ إلاّ أن يدلّ دليل من خارج على أنّ القيد مطلوب الحصول لا مطلوب التحصيل.

مسائل ثلاث :

المسألة الأُولى : هل الوجوب في الواجب المشروط فعلي أو إنشائي ؟

المسألة الثانية : إذا كان الوجوب إنشائياً فما فائدته ؟

المسألة الثالثة : إذا شكّ في كون القيد راجعاً إلى الهيئة أو المادة فما هو المرجع ؟ وإليك البحث فيها تباعاً.

المسألة الأُولى : الوجوب فعلي أو انشائي

هل الوجوب على فرض رجوع القيد إلى الهيئة فعلي أو إنشائي ؟ والمراد من

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/153.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/158.

470

الفعل هو البعث على كلّ تقدير ومن الانشائي هو البعث على تقدير دون تقدير ، فإذا كان هذا هو المراد من الفعلي والإنشائي ، فالوجوب في الواجب المشروط ، إنشائي ، إذ ليس هناك بعث على كلّ تقدير بل بعث على تقدير ، والمفروض عدم حصول المعلّق عليه فلا يكون هناك بعث فعلي إلاّ إنشاء البعث.

نعم لو قلنا بأنّ المراد من الفعلي كلّ حكم بيّنه الشارع على لسان نبيّه أو وصيّه من غير فرق بين الواجب المطلق والواجب المشروط ، فيكون الجميـع فعليـاً فـي مقـابل الإنشائي وهو الحكـم الـذي يكـون مخزوناً عنـد النبي والوصي غيـر مبيـّن لمصلحـة فـي عدم البيـان كالأحكام المخـزونة عنـد صاحب الأمـر (صلوات اللّه عليه).

ولكن هذا المصطلح صحيح بالنسبة إلى كلّ الأحكام ، فهي بين مبيّنة ومخزونة ، فالمبيّنة هي الفعلية والمخزونة هي الشأنية.

وأمّا إذا لوحظ الحكم بشخصه فيعبر بالفعلي عمّا فيه البعث والتحريك فعلاً وبالإنشائي ما ليس كذلك ، وعلى هذا الغرار فالوجوب في الواجب المشروط إنشائي لا غير.

لكن المحقّق العراقي مع اعترافه برجوع القيد إلى الهيئة دون المادة زعم كون الوجوب في الواجب المشروط فعلياً وأفاد في هذا الصدد بمايلي :

إنّ الآمر إذا التفت إلى كون فعل غيره ذا مصلحة على تقدير خاص أراده منه على ذاك التقدير ، فإن لم يجد مانعاً من إظهار إرادته المذكورة أظهرها بما يجده مظهراً من قول أو فعل ، فإذا أظهر إرادته التشريعية ، اعتبر العرف هذا الإظهار حكماً وطلباً ، وقالوا : حكم الشارع مثلاً على كذا بكذا ، لأنّ جميع ما يمكن أن يصدر ويتأتى من الأمر قد حصل منه من شوقه وإرادته وإظهاره إرادته المتعلّقة

471

بالفعل ، الذي علم اشتماله على المصلحة إمّا مطلقاً أو على تقدير دون تقدير.

فالوجوب مطلقاً ـ في المشروط والمطلق ـ حكم فعلي حصل شرطه أم لم يحصل ، ولا يعقل أن يكون للحكم نحوان من الوجود ليكون إنشائياً قبل تحقق شرطه وفعلياً بعده. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً : انّ ما ذكره من أنّ الإرادة المظهرة بنحو من الأنحاء يعتبره العرف حكماً وطلباً له ، ليس بتام ، لأنّ الإرادة من مبادئ الحكم ومقدماته وليس نفس الحكم ولا جزءاً منه وإنّما الحكم هو الإنشاء النابع عن الإرادة.

والدليل على ذلك انّه ربّما يبعث المولى عبده وينتزع منه الحكم مع الغفلة عن الإرادة الكامنة في ذهن المولى التي نجم منها الحكم.

ويوضح ذلك : انّا ننتزع الحكم من الأحكام الوضعية كالملكية والزوجية المنشأتين بالإنشاء اللفظي أو الفعلي من دون ملاحظة انّ إنشاءهما نابع عن إرادة سابقة ، فما أفاده من أنّ الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة ، أمر لا يساعده الاعتبار.

وثانياً : لو سلّمنا انّ الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة بفعل أو قول ، ولكن يوصف الحكم بالفعلي إذا تعلق البعث بالشيء على كلّ تقدير لا إذا تعلّق به على تقدير خاص ، والمفروض عدم حصول المعلّق عليه.

فإن قلت : إذا كان الحكم نابعاً عن الإرادة فهل الإرادة فعلية أو تقديرية ؟ فعلى الأوّل كيف تكون المبادئ فعلية مع عدم كون الحكم فعلياً ، وعلى الفرض الثاني يلزم التعليق في الوجود التكويني أي الإرادة والتعليق في التكوين أمر محال ؟

قلت : لا شكّ أنّ الإرادة فعلية ولكن إرادة المولى لا تتعلق بفعل الغير لما

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/340.

472

عرفت من امتناع تعلّق الإرادة بفعل الغير ، لأنّ فعل الغير خارج عن اختيار المريد فكيف تتعلّق به الإرادة ، بل متعلّق بفعل المريد وهو ليس إلاّ « إنشاء الحكم فالإرادة فعلية ، لفعلية متعلّقه وهو إنشاء الحكم » ولكنّه لا ينافي أن يكون الحكم غير فعلي ، لأنّه يكفي في فعلية الإرادة ، هو فعلية نفس الإنشاء ، لا فعلية متعلّقه.

وبعبارة أُخرى : الإرادة فعلية وما تعلّقت به الإرادة ، أعني : إنشاء البعث أيضاً فعلي ، لأنّ المفروض أنّ المولى انشأ البعث لكن إنشاء البعث لا يلازم كون البعث فعلياً ، لأنّ المفروض تعلّق البعث المنشأ على تحصيل شيء على تعدّيه.

المسألة الثانية : ما فائدة الوجوب المشروط ؟

ربّما يقال بانّه إذا كان الوجوب انشائياً غير فعلي فما فائدة هذا الإنشاء ؟

هذا هو الذي ذكره صاحب الكفاية بصورة السؤال والجواب ، فقال :

فإن قلت : فما فائدة الإنشاء إذا لم يكن المنشأ به طلباً فعلياً وبعثاً حالياً ؟

فأجاب عنه بقوله : كفى فائدة له أنّه يصير بعثاً فعلياً بعد حصول الشرط بلا حاجة إلى خطاب آخر بحيث لولاه لما كان حينذاك متمكّناً من الخطاب ، هذا مع شمول الخطاب كذلك للإيجاب فعلاً بالنسبة إلى الواجد للشرط فيكون بعثاً فعلياً بالإضافة إليه وتقديرياً بالنسبة إلى الفاقد له.

وأورد عليه المحقّق العراقي : بأنّ إنشاء التكليف من المقدّمات التي يتوصّل بها المولى إلى تحصيل المكلّف به في الخارج ، والواجب المشروط على مبنى المشهور ليس بمراد المولى قبل تحقّق شرطه في الخارج ، فكيف يتصوّر أن يتوصّل العاقل إلى تحصيل ما لا يريده فعلاً ؟ فلابدّ أن يلتزم المشهور في دفع هذا الإشكال

473

بوجود غرض في نفس إنشاء التكليف المشروط قبل تحقّق شرطه وهو كما ترى. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه لم يتوصّل بكلامه إلى طلب الإيجاد فعلاً حتّى يقال كيف يتوصّل بكلام ما لا يريد إيجاده فعلاً ، بل توصّل به إلى طلب الإيجاد على تقدير حصول الشرط وكم فرق بينهما.

ثمّ إنّ هذا السؤال يوجّه إلى الخطابات الشخصية القائمة بمخاطب واحد ، فيقال ما فائدة هذا الخطاب بالنسبة إلى شخص ليس واجداً للشرط ؟ وأمّا الخطابات القانونية الكلّية المتعلّقة بعنوان كالمؤمنين أو الناس فيكفي في تشريع الحكم الكلّي المشروط وجود عدّة من المكلّفين الواجدين للشرط وإن لم يكن الجميع واجداً له ، فعندئذ ينشأ الحكم الكلي القانوني فيكون باعثاً فعلياً في حق الواجد وباعثاً ، إنشائياً بالنسبة إلى غير الواجد وإنّما يصير فعلياً عند حصول الشرط.

المسألة الثالثة : ما هو الأصل عند الشكّ في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادة ؟

إذا لم تكن أدلّة الطرفين مقنعة وشكّ في رجوع القيد ، فما هو مقتضى الأصل ؟ وقد طرحها السيّد الأُستاذ تبعاً للمحقّق العراقي في هذا المقام ، ولكن طرحها المحقّق الخراساني في التقسيم الثاني للواجب ، أعني : تقسيمه إلى منجّز ومعلّق ، ونحن نرجئ البحث فيها إلى المسألة الثانية ، كما نرجئ البحث عن المقدّمات المفوتة إلى ذلك البحث.

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/346.

474

التقسيم الثاني

تقسيم الواجب المطلق

إلى منجّز ومعلَّق

ربّما يقسم الواجب المطلق إلى منجّز ومعلّق بالبيان التالي :

إنّ الوجوب إذا تعلّق بالمكلّف به ، ولم يتوقّف حصول الواجب على أمر غير مقدور ، كالمعرفة يسمّى منجّزاً ، وإن تعلّق به وتوقّف حصول الواجب في الخارج على أمر غير مقدور ، كالوقت في الحج يسمّى معلقاً ، فانّ وجوبه يتعلّق بالمكلّف من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة ، ويتوقّف فعله على مجيء وقته وهو غير مقدور. (1)

وحاصل مرامه : إذا لم يكن وجوب الواجب ولا نفس الواجب متوقّفين على حصول أمر غير مقدور فهو الواجب المنجز كالمعرفة ، وإن كان وجوبه غير متوقّف على شيء لكن كان الواجب متوقّفاً على حصول أمر غير مقدور فهو الواجب المعلّق أي علق الإتيان به على مجيء زمنه ، وعلى ذلك فالوجوب والواجب في المنجّز حاليّان ، وفي المعلّق الوجوب حاليّ والواجب استقبالي.

وفي الحقيقة أنّ ما اختاره صاحب الفصول في تفسير المعلّق هو نفس ما

____________

1 ـ الفصول : 81 بتلخيص.

475

فسّر به الشيخ الواجبَ المشروط حيث إنّ الوجوب في الواجب المشروط لدى الشيخ مطلق والواجب مقيّد ، غير انّ صاحب الفصول خصّ القيد في كلامه المتقدّم بغير المقدور وهو عمّمه إلى المقدور وغير المقدور. وبالتالي المعلّق قسم من الواجب المشروط لدى الشيخ.

ثمّ إنّه أورد على هذا التقسيم إشكالات ستة نذكرها تباعاً مع ما فيها من الانظار.

الأوّل :

ما أورده المحقّق الخراساني قائلاً : بأنّه لاوجه لتخصيص المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور ، بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور متأخّر أخذ على نحو لا يكون مورداً للتكليف ويترشح عليه الوجوب من الواجب. (1)

يلاحظ عليه : أنّ صاحب الفصول لم يخصّه بغير المقدور بشهادة أنّه قال بعد العبارة المتقدمة : واعلم انّه كما يصحّ أن يكون وجوبه على تقدير حصول أمر غير مقدور ، كذلك يصحّ أن يكون وجوبه على تقدير أمر مقدور ، فيكون بحيث لا يجب على تقدير عدم حصوله. (2)

الثاني :

ما أورده هو أيضاً بقوله : لا وقع لهذا التقسيم ، لأنّه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط ، وخصوصية كون الواجب حالياً أو استقبالياً لا توجبه ما لم توجب الاختلاف في المهم ، ولا اختلاف فيه ، فإنّ ما رتبه عليه من وجوب المقدّمة فعلاً كما يأتي إنّما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليته لا من استقبالية الواجب. (3)

توضيحه : انّ الداعي إلى تصوير الواجب المعلّق إنّما هو دفع الإشكال عن

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/164.

2 ـ الفصول : 81.

3 ـ كفاية الأُصول : 1/161.

476

المقدّمات المفوتة ، حيث أطبق القوم على وجوب الغُسل على الجنب الصائم قبل طلوع الفجر ، وقطع المسافة على المستطيع قبل زمان الحجّ ، ولا يتعلّق الوجوب بهما إلاّ بجعل الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً ، فعندئذ وجوب المقدّمة إنّما هو من آثار إطلاق الوجوب وحاليته لا من استقبالية الواجب ، فلا ثمرة لهذا التقسيم ، لأنّ الذي يميّز المعلّق عن المنجّز إنّما هو استقبالية الواجب في الأوّل دون الثاني وليس لذلك القيد أثر عملي. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه لم يرتب الثمرة على المعلّق في مقابل المنجّز حتّى يقال بأنّ الثمرة مشتركة بينهما ، بل على المعلق في مقابل الواجب المشروط ـ على مذهب المشهورـ ، فالواجب المشروط بما انّ الوجوب غير حالي لا تجب مقدّماته بخلاف الواجب المعلّق فبما أنّ وجوبه حالي تجب مقدماته المفوتة.

الثالث :

ما أورده المحقّق ملا علي النهاوندي وربّما ينسب إلى السيد العلاّمة الفشاركي وقد نقله المحقّق الخراساني بتلخيص مخل ، وقال :

إنّ الطلب والإيجاب إنّما يكون بأزاء الإرادة المحركة للعضلات نحو المراد ، فكما لا يكاد تكون الارادة منفكة عن المراد فليكن الإيجاب غير منفك عمّا تتعلّق به ، فكيف يتعلّق بأمر استقبالي فلا يكاد يصحّ الطلب والبعث فعلاً نحو أمر متأخّر. (2)

وحاصل هذا الإشكال : انّ تجويز الواجب المعلّق يستلزم تفكيك الإرادة عن المراد وهو محال ، بتوضيح أنّ وزان الإرادة التشريعية وزان الإرادة التكوينية ، غير أنّ الثانية تتعلق بفعل النفس والأُولى بفعل الغير ، فكما أنّ الإرادة في

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/161.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/162.

477

التكوينية لا تنفك عن المراد فهكذا الثانية.

أمّا ّ التكوينية فإذا ظهرت الإرادة في لوح النفس ، استعقبت حركة العضلات التي يستتبعها المراد ، فهناك أُمور ثلاثة : إرادة ، وتحريك للعضلات ، وإيجاد للمراد.

فهكذا الأمر في الإرادة التشريعية فهناك إرادة تشريعية التي تستعقب الإيجاب على المكلّف ، وهو لا ينفك عن حركة العبد وإطاعته إذا كان مطيعاً.

ولازم ذلك استحالة الواجب المعلّق ، لأنّه يستلزم انفكاك الإيجاب عن حركة العبد ، وهو مستحيل ، فالإيجاب بمنزلة تحريك العضلات ، وحركة العبد نحو المراد بمنزلة حركة الشخص نحو المراد كلمة بكلمة.

أقول : ما ذكره يتركّب من أمرين :

1. الفرق بين الإرادتين هو أنّ التكوينية تتعلّق بفعل النفس والتشريعية بفعل الغير.

2. الوجه المشترك بين الإرادتين هو امتناع انفكاك الإرادة عن المراد ، فاستنتج من المقدمتين أنّ الإرادة لا تتعلّق بأمر استقبالي في التكوين والتشريع.

أقول : أمّا الوجه الأوّل وهو بيان الفرق بين الإرادتين فهو غير صحيح ، لما سمعت منّا مراراً من أنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بالفعل الاختياري ، والفعل الاختياري هو فعل النفس ، فينتج أنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بفعل النفس ، وأمّا فعل الغير فهو خارج عن سلطان المريد ، فكيف يريده مع أنّه ليس تحت قدرته ؟ ولذلك ربّما يعصي ولا يطيع ، كلّ ذلك يدلّ على أنّ التشريعية كوزان التكوينية تتعلّق بأمر اختياري غير أنّ متعلّقها في التشريعية هو إنشاء البعث وفي غيرها تحريك

478

الأعضاء أو انجاز المراد الخارجي كما سيوافيك.

وأمّا الوجه الثاني ، أعني : تفكيك المراد عن الإرادة فنبحث عنه في مقامين :

الأوّل : في الإرادة التشريعية.

والثاني : في الإرادة التكوينية.

أمّا الأوّل : سواء أجاز تفكيك المراد عن الإرادة أم لم يجز ، فالإرادة في التشريعية مطلقاً غير منفكّة عن المراد ، وذلك لأنّ المراد فيها هو إنشاء الطلب والبعث أو إنشاء الزجر ، والمفروض تحقّق الإنشاء بعد الإرادة ، وكون المراد حالياً أو استقبالياً لا يضر بفعلية المراد في الإرادة التشريعية ، لما عرفت من أنّ المراد فيها هو فعل المريد وهو نفس إنشاء البعث.

وأمّا فعل المكلّف فهو خارج عن حيطة الإرادة التشريعية.

فظهر من ذلك أنّ الإرادة غير منفكّة عن المراد في هذا القسم.

وأمّا المقام الثاني ، أعني : عدم تفكيك المراد عن الإرادة التكوينية أو تفكيكه عنها ، فهو بحث فلسفي لا يمت إلى المسائل الأُصولية بصلة ، غير انّا نبحث فيه بمقدار الحاجة.

قد عرفت استدلال المحقّق النهاوندي حيث إنّه سلّم عدم الإنفكاك في الإرادة التكوينية ولم يقم عليه دليلاً ، غير انّ المحقّق الإصفهاني قد أقام عليه دليلاً في تعليقته على الكفاية حيث قال : إنّ النفس في وحدتها كل القوى ، وفي كلّ مرتبة عينها ، فإذا أدركت في مرتبة العاقلة فائدة الفعل تجد في مرتبة القوة الشوقية شوقاً إليه ، وإذا لم تجد مزاحماً تخرج منها إلى حدّ الكمال الذي يعبّر عنه بالقصد والإرادة وينبعث منها هيجان في القوة العاملة ويحرك العضلات ، ومن

479

الواضح أنّ الشوق وإن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي ، إلاّ انّ الإرادة لا يمكن تعلّقها بأمر استقبالي ، وإلاّ يلزم تفكيك العلّة التامة عن معلولها ، أعني : انبعاث القوة العاملة المنبثَّة في العضلات ، وأمّا الشوق المتعلّق بالمقدّمات بما هي مقدّمات فإنّما يحصل من الشوق إلى ذيها ، لكنّه فيها يحصل إلى حد الباعثية لعدم المزاحمة ، دون ذي المقدّمة فانّه فيه يبقى بحاله إلى أن يرفع المانع. (1)

وحاصل ما أفاد : انّ الإرادة علّة تامّة لتحريك العضلات ، فلو كان المراد فعليّاً صارت الإرادة سبباً لتحريك العضلات ، لأنّ تعلق الإرادة بالمراد الفعلي دليل على عدم الحوائل والموانع لنيل المراد فتتعلق الإرادة بمعلولها ، أي تحريك العضلات ، وأمّا إذا كان المراد استقبالياً فبما أنّ هناك حوائل بين النفس المريد والمراد بشهادة كون المراد استقبالياً فلا تستعقب الإرادة تحريك العضلات مع أنّ الإرادة علّة تامة لتحريكها وهو بمنزلة تفكيك المعلول ( تحريك العضلات ) عن علته و ( الإرادة ).

هذا توضيح مرامه.

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره مبنيّ على أنّ في الأفعال الإرادية إرادة واحدة وهي تستمدّ وجودها من العلم بالفائدة إلى الشوق ومنه إلى حصول القصد والإرادة الذي يستعقب تحريك العضلات نحو الفعل الإرادي ، فلو صحّ ذلك لصحّ ما ذكره من أنّ تعلّق الإرادة بأمر استقبالي يستلزم تفكيك العلة التامة ( الإرادة ) عن معلولها أي تحريك العضلات ، لأنّ في مثل المقام لا تستعقب الإرادةُ تحريك العضلات ، لعلمها بوجود حوائل بين النفس والمراد ، فلا فائدة في مثله لتحريك العضلات.

____________

1 ـ نهاية الدراية : 2/72 طبعة آل البيت.

480

وأمّا لو قلنا بأنّ في كلّ فعل خارجي إرادي إرادتين إحداهما تتعلّق بتحريك العضلات والأُخرى بإنجاز العمل الخارجي.

فلو كان متعلّق الإرادة الثانية أمراً فعلياً تستعقب ذلك ظهور إرادة أُخرى متعلّقة بتحريك العضلات لاستشعار النفس بعدم الموانع بشهادة أنّ الإرادة تعلّقت بأمر فعلي.

وأمّا لو كان متعلّق الإرادة الثانية أمراً استقبالياً ، ففي مثله لا تحدث إرادة متعلّقة بتحريك العضلات ، لأنّ تعلّقها بأمر استقبالي قرينة على وجود الحائل بين النفس والمراد ، وبالتالي لا تظهر في لوح النفس إرادة محرّكة للعضلات حتى يقال : يلزم تفكيك العلة عن المعلول.

والذي يدلّ على تعدّد الإرادة هو أنّه لو كان هناك إرادة واحدة ، متعلّقة بتحريك العضلات كان الفعل الخارجي فعلاً غير إرادي لعدم تعلّق الإرادة به ، وتصوّر انّ إرادة واحدة تتعلّق بتحريك العضلات وإنجاز العمل بالفعل الخارجي ، أمر مرفوض ، وذلك لأنّ تشخّص الإرادة بالمراد ، فإذا تعدّد المراد ( تحريك العضلات وإنجاز العمل ) فلا محالة تتعدد الإرادة.

والذي يدعم تعلّق الإرادة بأمر استقبالي هو أنّ إرادته سبحانه إرادة بسيطة قديمة تعلّقت بخلق الأشياء حسب التدريج في عالم المادة فالإرادة قديمة والمراد أمر حادث.

وبذلك يعلم أنّ ما اشتهر بين الأعاظم من أنّ الإرادة علّة تامّة لا تتخلّف عن المراد بين صحيح وغير صحيح ، فإن أُريد الإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات فهو صحيح ، وإن أُريد تعلّقها بالعمل الخارجي فليس بصحيح ، لأنّها ليست علّة تامة فيمكن تخلّفها عن المراد إلاّ إذا كانت هناك إرادة ثانية متعلّقة بتحريك

481

العضلات.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات فسّر إمكان تعلّق الإرادة بأمر استقبالي بأنّه إن كان المراد من الإرادة هو الشوق فلا شكّ في تعلّقها بأمر استقبالي كتعلّقها بأمر حالي ، وهذا لا يحتاج إلى إقامة برهان ، بل هو أمر وجداني ، وإن أُريد منها الاختيار وإعمال القدرة فهي لا تتعلّق بفعل الإنسان نفسه إذا كان في زمن متأخّر فضلاً عن فعل غيره ، ولذا لا يمكن تعلّقها بالمركب من أجزاء طولية كالصلاة دفعة واحدة. (1)

يلاحظ عليه : أنّ الإرادة ليست نفس الشوق بشهادة أنّ الإنسان يريد شرب الدواء المرّ مع عدم الشوق ، ولا إعمال القدرة ، فانّه من آثار الإرادة ونتائجها ، بل هي عبارة عن إجماع النفس وتصميمها وجزمها بحيث لا يرى المريد في نفسه أيَّ تردد في الإتيان بالعمل ، فحينئذ إذا كان المقتضي موجوداً والمانع مفقوداً ، تتعقبها إرادة أُخرى بتحريك العضلات ، وإن كانت هناك موانع لا تكون هناك إلاّ إرادة واحدة متعلّقة بالمطلوب بالذات إلى أن يرتفع المانع ، فتنقدح إرادة أُخرى بتحريك العضلات.

وأمّا ما استشهد به في ذيل كلامه على مدّعاه ( الإرادة لا تتعلّق بأمر استقبالي ) بعدم تعلّقها بالمركّب من أجزاء طولية كالصلاة دفعة واحدة ، فغير تام ، لأنّ عدم تعلّقها به لأجل أنّه مستلزم لاجتماع النقيضين ، لأنّ كون الشيء تدريجياً يستلزم التعاقب في الوجود ، وكونه دفعياً يستلزم خلافه. وهذا بخلاف ما إذا تعلّقت بالمركب من أجزاء طولية على نحو التدريج فانّه في غاية الإمكان ، بل لا محيص عنه ، وإلاّ يلزم تعدّد الإرادة حسب تعدّد الأجزاء الكثيرة وهو كما ترى.

____________

1 ـ المحاضرات : 2/352.

482

الإشكال الرابع

ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري من أنّ إطلاق الوجوب وكون القيد راجعاً إلى الواجب ، يقتضي ايجاب الفعل مع القيد وهذا إنّما يتصوّر في القيود الاختيارية ، وأمّا القيود الخارجة عن قدرة المكلّف فيستحيل تعلّق الطلب بما ليس تحت قدرة المكلّف ، فلا محيص عن إرجاع القيد إلى الهيئة ، فيكون الطلب المتعلق بالفعل المقيد بالزمان من أقسام الطلب المشروط. (1)

يلاحظ عليه : أنّ الشيء تارة يلاحظ جزءاً للواجب وأُخرى شرطاً له ، ففي الأوّل يكون القيد والتقيّد داخلين في الواجب ، وأمّا على الثاني فيكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً.

إذا عرفت ذلك فانّ الإشكال إنّما يرد إذا كان الوقت جزءاً للواجب فيجب إيجاده بحكم إطلاق الوجوب مع أنّه خارج عن اختيار الإنسان.

وأمّا إذا كان شرطاً على نحو يكون ذات القيد خارجاً والتقيّد داخلاً فامتثاله أمر ممكن ، مثلاً انّ الزمان والسماء خارجان عن اختيار المكلّف ، إلاّ انّ إيجاد الصلاة تحت السماء مقدور وإتيانها في الوقت المزبور أمر ممكن.

الخامس :

ما حكاه المحقق الخراساني من عدم القدرة على المكلّف به في حال البعث مع أنّها من الشرائط العامة.

والإجابة عنه واضحة حيث إنّ الشرط كما ذكره المحقّق الخراساني القدرة على الواجب في زمان لا في زمان الإيجاب والتكليف. (2)

____________

1 ـ درر الفوائد : 1/76.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/164.

483

السادس :

ما ذكره المحقّق النائيني في كلام مفصّل كما جاء في تقريراته ويتألف كلامه من أُمور ثلاثة :

1. كلّ القيود ترجع إلى الموضوع

إنّ الأحكام الشرعية موضوعة على نهج القضايا الحقيقية ، وهي عبارة عن وضع الحكم على العنوان الكلي الصادق على الأفراد المتحقّقة أو المقدرة عبر الزمان على نحو يكون الإنشاء أزلياً وفعلية الحكم مشروطة بتحقّق الموضوع ، فقوله سبحانه : ( وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاعَ إِليهِ سَبيلاً ) (1) ، بمنزلة قولنا : « الإنسان العاقل البالغ المستطيع يجب عليه الحجّ » فالحكم مترتب على موضوع كلي لا تنحصر مصاديقه بالموجودين وقت التشريع بل يشمل مصاديقه عبر الزمان.

فإذا كانت القيود راجعة إلى الموضوع فلا معنى لاستثناء قيد الزمان فهو أيضاً راجع إلى الموضوع كسائر الشروط ، فكأنّه يقول : الإنسان البالغ العاقل المستطيع المدرك لزمان الحج يجب عليه الحجّ ، ومن المعلوم أنّ كلّ حكم مشروط بوجود الموضوع فيكون الموضوع بعامّة شروطه قيداً للحكم أي الوجوب ، من غير فرق بين الاستطاعة والزمان ، فكما أنّه لولا الاستطاعة لا وجوب فهكذا لولا الزمان لا بعث فعلي.

____________

1 ـ آل عمران : 97.

484

2. لا فرق بين الاستطاعة والزمان

يقول (قدس سره) : نحن نسأل القائل بالواجب المعلّق ، أيّة خصوصية في الوقت حتى يتقدّم الوجوب عليه ؟ مع أنّا لم نقل بذلك في سائر القيود من البلوغ والاستطاعة مع اشتراك الكلّ في كونه مأخوذاً قيداً للموضوع ، فأيّ فرق بين الوقت والاستطاعة ، بحيث يتقدم الوجوب على الأوّل دون الثاني ؟

3. الزمان أولى أن يكون قيداً للوجوب

ثمّ إنّه (قدس سره) أفاض الكلام وقال : إنّ الأمر في الوقت أوضح ، لأنّه لا يمكن أخذه إلاّ مفروض الوجود ، لأنّه أمر غير اختياري ينشأ من حركة الفلك ، ويكون فوق دائرة الطلب ، ويكون التكليف بالنسبة إليه مشروطاً ، وإلاّ يلزم تكليف العاجز. (1)

يلاحظ على الأوّل : أنّ إرجاع عامّة القيود إلى الموضوع غير تام ، وذلك لما عرفت عند البحث في الواجب المطلق والمشروط انّ القيود ثبوتاً على قسمين :

قسم لها دور أساسي في ظهور الإرادة وانقداحها في النفس على نحو لولاه لما أراده المولى ـ وإن كان المتعلق ذا مصلحة ـ وهذا كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ ، فانّ الحجّ مطلقاً ذو مصلحة من غير فرق بين المستطيع والمتسكع ، لكن إيجابه على نحو الإطلاق مستلزم للحرج ، ولذلك قيّد المولى الوجوب بالاستطاعة لئلا يكون حرج بالنسبة إلى غير المستطيع ، فهذا القسم من القيود يرجع إلى الوجوب. وبعبارة أُخرى يرجع إلى الموضوع ، ويصحّ قوله : إنّ الموضوع البالغ العاقل المستطيع.

____________

1 ـ لاحظ فوائد الكاظمي : 1/187 ؛ أجود التقريرات : 1/141.

485

وقسم منه يرجع إلى المتعلّق بمعنى أنّه لولا القيد لما كان فيه أيّة مصلحة ، وهذا كما في الطواف بالبيت والصلاة مع الوضوء ، فلولا البيت لا يوصف الطواف بالصلاح ، كما أنّه لولا الوضوء لا توصف الصلاة بالمصلحة ، ففي هذا النوع من القيود لا محيص من القول برجوعها إلى المتعلق دون الوجوب وبالتالي دون الموضوع.

فإذا كانت القيود ثبوتاً على قسمين فكيف جعلها قسماً واحداً ؟!

ويلاحظ على الثاني : بوجود الفرق بين الاستطاعة والزمان فانّ للاستطاعة دوراً في ظهور الإرادة وانقداحها في لوح النفس ولذلك يكون قيداً للوجوب وبالتالي جزء الموضوع ، وأمّا الزمان فليس له مدخلية في انقداح الإرادة ، بل له دور في ترتب المصلحة على الأعمال التي يقوم بها الحاج في أيّام الحج ، فالأعمال إنّما تكون ذات مصلحة إذا أتى بها الحاج في الأراضي المقدّسة والأزمنة المحددة ، ولو كان له دور في ظهور الإرادة فإنّما هو بتبع تأثيره في المتعلّق ، ولأجل ذلك صارت الاستطاعة قيداً للوجوب ، وهذا ( الزمان ) قيداً للواجب.

ويلاحظ على الثالث بأنّ ما ذكره مبني على عدم الفرق بين كون الزمان جزءاً وشرطاً ، والإشكال إنّما يرد إذا كان الزمان جزءاً وهو عبارة عن كون القيد والتقيّد داخلين في المتعلّق مع أنّ الزمان فوق دائرة الطلب فكيف يقع مورد الطلب ؟!

وأمّا إذا قلنا إنّ الزمان شرط لا جزء ، فالجزء وإن كان خارجاً عن حيّز القدرة ولكن التقيّد داخل في إطار الاختيار فللمكلّف الإتيان بالأفعال في ذلك المقطع من الزمان كما أنّ له الاختيار في الإتيان بها في غير ذلك المقطع. وهذا نظير استقبال الكعبة فانّ الكعبة خارجة عن اختيار المكلّف لكن إيقاع الصلاة نحوها

486

داخل في اختياره.

وبالجملة ، هذه الإشكالات لا تورد أيَّ خدشة على تقسيم الواجب المطلق إلى معلّق ومنجّز ، ومن أوضح الأدلّة على إمكان القسمين هو وجود المعلّق والمنجّز بين العقلاء.

بقي هنا إشكال آخر وإن شئت فاجعله سابع الإشكالات ، فنقول :

السابع :

ما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ الواجب المعلّق ليس من أقسام الواجب المطلق في مقابل المشروط بل هو قسم منه ، وذلك لأنّ وجوب الحجّ مثلاً إمّا مشروط بيوم عرفة أو مطلق ، وبما أنّ التكليف لم يتعلّق بذات الفعل على الإطلاق وإنّما تعلّق بإيقاعه في زمن خاص ، فعلم من ذلك أنّ للزمان دخلاً في ملاكه وإلاّ فلا مقتضى لأخذه في موضوعه ، وعليه فبطبيعة الحال يكون الوجوب مشروطاً به غاية الأمر على نحو الشرط المتأخر. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ ما ذكره مبني على عدم التفريق ثبوتاً بين القيود الراجعة إلى الإرادة والوجوب والقيود الراجعة إلى المتعلّق ، وعلى وفق ما ذكرنا من الضابطة ، فالزمان بما له مدخلية في ترتّب المصلحة على المتعلّق على نحو لولا إيقاع الفعل في تلك الفترة لما ترتب على الفعل أي مصلحة ، ـ فالزمان ـ قيد للمادة.

وما ذكره من أنّ وجوب الحجّ إمّا مشروط بيوم عرفة أو مطلق ، لا يثبت مرامه ، لأنّا نختار أنّ وجوبه مطلق وله مدخلية في ملاك الواجب ، وما رتّب عليه من أنّه إذا كان دخيلاً في الملاك يكون الوجوب مشروطاً به ، غير تام لما فيه :

أوّلاً : بالنقض فانّ الوضوء له مدخلية تامّة في الصلاة ، مع أنّ الوجوب غير مشروط به.

____________

1 ـ المحاضرات : 2/348.

487

وثانياً : انّ عدم تعلّق الوجوب بغير ما فيه الملاك ، ليس بمعنى اشتراط الوجوب به ، بل بمعنى عدم تعلّق الوجوب بما ليس فيه الملاك وتضيّقه ذاتاً لا اشتراطه بالقيد ، وهذا كتضيق كلّ حكم بالنسبة إلى موضوعه ، إذ ليس كلّ حكم مشروطاً بموضوعه ، ومع ذلك ليس له دعوة إلاّ إلى موضوعه.

488

المقدمات المفوتة

أو ثمرات الواجب المعلّق

إنّ الغاية من تقسيم الواجب المطلق إلى منجّز ومعلّق هو رفع الإشكال في قسم من المقدمات الوجودية التي أفتى المشهور بوجوب المقدّمة مع عدم وجوب ذيها ، وعندئذ أشكل عليهم بأنّ وجوب المقدّمة نابع عن وجوب ذيها ، ومعه كيف وجد المعلول دون العلة ، وذلك في الموارد التالية :

1. وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت.

2. وجوب الغسل للمستحاضة قبل الفجر في الصيام الواجب.

3. وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية للحج قبل وقته.

4. تعلّم الأحكام للبالغ قبل مجيء وقت وجوب العمل ، إذا ترتب على تركه فوت الواجب.

إلى غير ذلك من الموارد التي يتقدّم فيها وجوب المقدّمة على وجوب ذيها ، وهو بمنزلة تقدّم المعلول على العلة.

فقد اختار كلّ مهرباً نشير إليه.

489

1. ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ القيد في الواجب المشروط يرجع إلى المادة ، والوجوب مطلق والواجب مقيّد بقيد اختياري أو غير اختياري ، ففي الموارد المذكورة وجوب المقدّمة رافق وجوب ذيها ، لإطلاق الوجوب وعدم تقيّده بقيد ، حتّى لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّقه والمفروض عدم تحقّقه.

2. تخلّص صاحب الفصول بجعل هذه الموارد من قبيل الواجب المعلّق حيث إنّ الوجوب حاليّ والواجب استقباليّ ، وما اختاره من المعلّق هو نفس ما اختاره الشيخ الأنصاري في تفسير الواجب المشروط ، غير أنّ صاحب الفصول ، قسّم المطلق إلى منجّز ومعلّق ، مع تسليمه تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط فهو مع القول بالواجب المشروط ، أبدى ذلك التقسيم.

3. ما اختاره المحقّق الخراساني من جعل الشرط في هذه الموارد من قبيل الشرط المتأخّر الذي مرجعه عنده إلى الشرط المقارن فيكون وجوب ذيها فعلياً ، ولا يلزم منه محذور وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها ، وإنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به ، قال (قدس سره) : لا إشكال في لزوم الإتيان بالمقدّمة قبل زمان الواجب إذا لم يقدر عليه في الموارد الثلاثة :

1. فيما إذا كان منجزاً وكان الوجوب والواجب حاليّين.

2. فيما إذا كان معلّقاً وكان الوجوب حالياً دون الواجب.

3. أو مشروطاً بشرط متأخّر كان معلوم الوجود فيما بعد ضرورة فعلية وجوبه وتنجّزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدّمة فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة ، ولا يلزم منه محذور وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها وإنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به. (1)

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/165 ـ 166.

490

4. ما اختاره المحقّق الأردبيلي في خصوص مسألة خصوص التعلّم قبل الوقت وهو القول بالوجوب النفسي التهيئي للجاهل البالغ الذي يعلم عدم تمكّنه من التعلّم بعد دخول الوقت فهو واجب نفسي لكن يُهيّئ الإنسان لواجب آخر.

5. ما اختاره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في سالف الزمان وهو أنّ الوجوب هنا وجوب عقلي إرشادي إلى حفظ غرض المولى ، لأنّ العقل لا يفرق في القبح بين مخالفة التكليف الشرعي وبين مخالفة التكليف العقلي حيث إنّ العقل يستقل بلزوم الإتيان بالمقدّمات المفوّتة قبل وجوب ذيها ، لأنّ في ترك الإتيان تفويت للملاك والغرض اللازم وإلى هذا الجواب أشار المحقّق الخراساني حيث قال : بل لزوم الإتيان بها عقلاً ولو لم نقل بالملازمة.

6. ما اختاره السيّد الأُستاذ وهو القول بوجوب المقدّمة غير المترشحة من وجوب ذيها ، ومحصله : انّه لا مانع من فعلية وجوب المقدّمة دون فعلية وجوب ذيها ، فانّ الإشكال ينشأ من توهم أنّ وجوب المقدّمة ناشئ ونابع عن وجوب ذيها. وعندئذ كيف يتصوّر وجود المعلول قبل وجود العلّة ، وأمّا إذا قلنا بأنّ لكلّ من الوجوبين مبادئ مستقلة في نفس الأمر ، فكما أنّ لذيها مبادئ من تصوّر الفائدة والشوق ثمّ التصميم والجزم ، فهكذا في جانب المقدّمة حيث إنّ المولى يتصوّر فائدة المقدّمة ويشتاق إليها ثمّ يريدها بالطلب والإيجاب وعندئذ لا مانع من إيجاب المقدّمة قبل إيجاب ذيها.

وبذلك يعلم معنى الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها ، فإن أُريد الملازمة في مقام الفعلية فهي غير صحيحة ، وإن أُريد منها انّ وجوب المقدّمة لا يفارق وجوب ذيها ولو في موطنه ومحلّه ، لأنّ وجوبها غيري ومثله لا ينفك عن الوجوب النفسي ولو بعد فترة فهذا صحيح.

491

وبذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده المحقّق الخراساني من تصوير أنّ وجوب المقدّمة معلول لوجوب ذيها ، ولذلك يكشف وجوبها آناً عن وجوب ذيها حيث قال : إنّ وجوب المقدّمة إنّما يكشف بطريق الإنّ عن سبق وجوب ذيها ، لو كان وجوبها ناشئاً عن وجوبه ، وإرادتها ناشئة من إرادته.

ولكنّك عرفت خلافه ، وإنّ وجوب ذيها أو إرادته بمنزلة العلّة الغائية التي لا يعتبر إلاّ تقدّمها ذهناً لا خارجاً ، ويكفي في المقام العلم بأنّه سوف يأمر به المولى.

وإن شئت قلت : إنّ وجوب المقدّمة إنّما يكشف عن وجوب ذيها إنّاً ، لو كان وجوبها مترشحاً من وجوبها وإرادتها مترشحة من إرادته ، وأمّا إذا كان وجوب ذيها علّة غائية لا علة فاعلية فيمكن أن يتقدّم وجوب المقدّمة على وجوب ذيها ، فالخلط حصل من تصوّر أنّ وجوب ذيها علّة فاعلية مع أنّها علّة غائية.

تطبيقات

لقد عرفت انقسام الواجب إلى المطلق والمشروط ، والمطلق إلى المعلّق والمنجّز ، فحان البحث عن سرد تطبيقات في هذا المجال.

1. قال سبحانه : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ). (1)

قال المفسرون : المراد من شهود الشهر هو رؤية الهلال أو كون المكلّف حاضراً لا مسافراً ، والآية ظاهرة في الوجوب المعلّق حيث أوجب على الشاهد في أوّل الشهر وجوبَ صيام الشهر كلّه ، فالوجوب حالي والواجب استقبالي.

2. قال سبحانه : ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً ). (2)

____________

1 ـ البقرة : 185.

2 ـ آل عمران : 97.

492

فالظاهر من الآية أنّ وجوب الحجّ بالنسبة إلى الاستطاعة واجب مشروط ولكنّه بالنسبة إلى زمان الحجّ واجب معلق ، لأنّه إذا تمكن المكلّف من الزاد والراحلة وجب عليه الحجّ لانقلاب الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى المطلق فيصير الوجوب فعلياً ، لكن الواجب متأخر عن زمان الوجوب فلا مانع من أن يكون وجوب الحجّ بالنسبة إلى الاستطاعة واجباً مشروطاً وبالنسبة إلى زمان الحجّ واجباً معلقاً.

3. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال : « إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ، ولا صلاة إلاّ بطهور ». (1)

والرواية ظاهرة في كون وجوب الصلاة مشروطاً بالوقت والواجب ، واجب مشروط.

إلى غير ذلك من التطبيقات التي في وسع الباحث أن يتدبر فيها.

سؤال وإجابة

أمّا السؤال : أيّ فرق بين إراقة الماء قبل الوقت مع العلم بعدم إمكان تحصيله بعده ، وإجناب الرجل نفسه اختياراً بمواقعة أهله قبل الوقت ، مع علمه بعدم تمكّنه من الطهارة المائية بعده ، حيث أفتوا بعدم جواز الأوّل وجواز الثاني. فهذا التفريق لا يصحّ على أيّ وجه من الوجوه المذكورة.

وأمّا الجواب : فهو ما أفاده المحقّق الخراساني بما هذا حاصله : أنّ الواجبات الشرعية مختلفة من ناحية المقدّمة ، فقد تكون القدرة المعتبرة قدرة مطلقة ، فعندئذ

____________

1 ـ الوسائل : 1 ، الباب 4 من أبواب الوضوء ، الحديث 1.

493

يجب تحصيلها أوحفظها ، وقد يكون الواجب قدرة خاصّة وهي القدرة على الصلاة مع الطهارة المائية إذا لم يقدم على مواقعة أهله. فالتجويز من الفقهاء كاشف عن كون المعتبر هو القدرة الخاصّة لا العامة.(1)

إذا دار الأمر بين رجوع القيد إلى الهيئة أو المادة

إنّ هنا بحثين : أحدهما ما مرّ من حكم المقدّمات المفوِّتة ، والثاني انّه إذا لم يكن دليل الطرفين مقنعاً لإثبات أحد القولين فما هو المرجع ؟ وقبل الخوض في البحث نذكر أُموراً :

1. ليس البحث بحثاً علمياً صرفاً ، بل له ثمرة عملية ، وذلك لأنّه إن دلّ الدليل على رجوع القيد إلى الهيئة يكون من قبيل الواجب المشروط فلا يجب تحصيل الشرط ، وإن رجع إلى المادة فإنّ إطلاق الوجوب يقتضي وجوب تحصيل القيد إذا كان أمراً اختيارياً ، إلاّ إذا دلّ الدليل على أنّ المطلوب حصول القيد لا تحصيله.

نعم لا تظهر الثمرة في القيود الخارجة عن الاختيار كطلوع الفجر وزوال الشمس.

2. انّ عقد هذا البحث يصحّ ممّن يرى كلاًمن الهيئة والمادة صالحة للتقييد ، وامّا من يرى تقييد الهيئة أمراً محالاً فلا يصلح له البحث في هذا الموضوع ، والعجب من الشيخ مع اعتقاده بالامتناع ، طرح هذا البحث.

3. إنّ محط البحث ما إذا كان القيد منفصلاً ، وأمّا إذا كان القيد متّصلاً ودار الأمر بين رجوعه إلى الهيئة أو المادة ، يصير الكلام مجملاً شأن كلّ كلام محتف

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/167.

494

بما يصلح للقرينية مع عدم وجود ظهور لغوي أو انصراف أو قرينة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الكلام يقع تارة في مقتضى الأُصول اللفظية وأُخرى في مقتضى الأُصول العملية ، وإليك بيان الأمرين :

مقتضى الأصل اللفظي عند الترديد

استدلّ الشيخ على أنّه إذا دار الأمر بين تقييد الهيئة وتقييد المادّة ، فمقتضى الأصل اللفظي إرجاع القيد إلى المادة دون الهيئة بوجهين :

الأوّل : تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي

وحاصل هذا الوجه : انّ مفاد الهيئة إطلاق شمولي ، وإطلاق المادة إطلاق بدلي ، وإذا دار الأمر بين تقييد أحد الإطلاقين فتقييد البدلي أولى من تقييد الشمولي.

إنّ الدليل مؤلف من صغرى وكبرى.

أمّا الصغرى فهي أنّ إطلاق الهيئة شمولي وإطلاق المادة بدلي.

وأمّا الكبرى فهي أنّه إذا دار الأمر بين تقييد أحدهما ، فتقييد البدلي أولى من تقييد الشمولي ، وإليك توضيح الأمرين :

أمّا الصغرى فلانّه إذا قال : أكرم زيداً ( ولم يقيّده ) فمقتضى إطلاق الهيئة ، وجوب الإكرام على كلّ التقادير سواء أسلّم أم لا ، سواء أجاء أم لم يجئ.

وهذا بخلاف المادّة فانّ المطلوب هو الإتيان بفرد من الطبيعة ، وقد اشتهر أنّ الطبيعة توجد بفرد واحد وتنعدم بعامّة الأفراد. هذا هو بيان الصغرى.

وأمّا الكبرى فهو تقديم الإطلاق البدلي على الشمولي ، لأنّ الدلالة الثانية أقوى من الدلالة الأُولى.

495

وقد أورد عليه المحقّق الخراساني بما هذا حاصله : وهو انّ المقرر عند الأُصوليّين وحتّى الشيخ نفسه في باب التعادل والترجيح (1) هو تقديم العام الشمولي على الإطلاق البدلي لا تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي ، وذلك لأنّه إذا كان الشمول بالدلالة اللفظية الوضعية ( العام الشمولي ) تكون دلالته تامّة غير معلقة بشيء ، بخلاف ما إذا كان الإطلاق البدلي مستفاداً من الإطلاق فدلالته معلّقة على عدم ورود البيان بخلافها ، والمفروض أنّ العام الشمولي الذي دلالته وضعية يصلح لأن يكون قرينة وبياناً للقيد في جانب الإطلاق البدلي.

وإن شئت قلت : إنّ الميزان في حفظ أحد المدلولين : الشمولي والبدلي وإيراد القيد على الآخر ليس هو الشمولية أو البدلية ، بل الميزان هو قوّة الدلالة وهو يرجع إلى كون أحدهما مدلولاً بالدلالة اللفظية والآخر مدلولاً بالدلالة العقلية ، فاللفظية مقدّمة على العقلية ، سواء كانت في جانب الشمولي أو في جانب البدلي ، فإذا قال : أكرم كل العلماء ، ثمّ قال : أهن فاسقاً ، وبما انّ النسبة بين الدليلين عموم وخصوص من وجه يتعارضان في العالم الفاسق ، فيقدّم العام الوضعي وهو الشمولي على الإطلاق وهو البدلي ، وذلك لأنّ دلالة العام دلالة تامّة ودلالة الإطلاق معلّقة على عدم القرينة على خلافه ، والمفروض أنّ العام يصلح أن يكون قرينة على الإطلاق ، ففي هذا المثال يقدّم الشمولي على البدلي لا بملاكهما ، بل ملاك أنّ الأوّل مدلول لفظي والآخر مدلول عقلي ، ولو عُكِس ، عُكِس ، مثلاً إذا قال : أكرم أي واحد من العلماء ، بصورة العام البدلي ثمّ قال : ولا تكرم فاسقاً ، وبما أنّ بين الدليلين عموماً من وجه ، يتعارضان في العالم الفاسق ،

____________

1 ـ الفرائد مبحث التعادل والترجيح ص 457 طبعة رحمة اللّه عند قوله : « ومنها تعارض الإطلاق والعموم ».

496

فيقدّم البدلي على الشمولي بحكم أنّ دلالة البدلي دلالة وضعية ودلالة الشمولي دلالة عقلية. فدلالة اللفظ على البدل غير معلّقة على شيء بخلاف دلالته على الشمولي فانّها معلّقة على عدم ما يصلح أن يكون قرينة للخلاف.

فقد علم بذلك أنّ الميزان هو تقدّم الدلالة الوضعية على الدلالة الإطلاقية من غير فرق بين الشمولي والبدلي ، وأمّا المقام فالمفروض أنّ المدلولين على شاكلة واحدة ، حيث إنّ كلاً من الشمولي والبدلي مفهومان من الإطلاق ، فهما سيّان في الأقوائية ، فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر.

إلى هنا تمّ الوجه الأوّل لتقديم إطلاق الهيئة على إطلاق المادة ، وإليك بيان الوجه الثاني.

الوجه الثاني : تقييد الهيئة يوجب تقييد المادة أيضاً ولا عكس

وحاصله : أنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الإطلاق في المادة ويرتفع به مورده ، بخلاف العكس ، وكلّما دار الأمر بين تقييدين كذلك ، كان التقييد الذي لايوجب بطلان الآخر أولى.

توضيحه : أنّ هذا الوجه كالوجه السابق مؤلّف من صغرى و كبرى.

أمّا الصغرى فلأنّ تقييد الهيئة يوجب تقييد المادة ولا عكس.

أمّا الكبرى فلأنّ الأمر إذا دار بين تقييدين أو تقييد واحد فالثاني مقدّم.

أقول : الظاهر أنّ الكبرى أمر لا سترة عليه ، إنّما المهم هو بيان الصغرى. فنقول : إذا فرض أنّ المولى قال : أكرم زيداً إن جاءك يوم الجمعة ، فلو فرضنا أنّ القيد يرجع إلى الوجوب الذي هو مفاد الهيئة ، فبما أنّه لا وجوب قبل مجيء يوم الجمعة ، يكون الواجب أيضاً هو الإكرام التوأم مع مجيء زيد ، وهذا بخلاف ما

497

إذا كان القيد راجعاً إلى المادة حيث يكون الإكرام المقيّد بالمجيء يومئذ واجباً ، فلا يسري التقيد إلى مفاد الهيئة ـ أعني : الوجوب ـ لجواز أن يكون الوجوب حالياً قبل يوم الجمعة والمطلوب استقبالياً.

وأورد عليه المحقّق الخراساني : بأنّه إنّما يتمّ إذا كان القيد منفصلاً ، بحيث ينعقد لكلّ من الهيئة والمادة إطلاق ، فيدور الأمر بين التصرّفين والتصرّف الواحد ، وأمّا إذا كان القيد متّصلاً فبما أنّه لم ينعقد للكلام أي ظهور وإطلاق ، فلو رجع القيد إلى الهيئة فهو لا يستلزم تقييد المادة ، بل يستلزم إبطال محلّ الإطلاق وإلغاء القابلية في المادة ، وهو ليس أمراً مخالفاً للأصل.

فلو دار الأمر بين تقييد واحد كالمادة ، وتقييد واحد وإبطال محلّ الإطلاق في الآخر ، بمعنى أنّه لا ينعقد الإطلاق فيه من أوّل الأمر فلا دليل على الترجيح. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره خروج عن موضع النزاع لما عرفت من أنّ النزاع فيما إذا كان القيد منفصلاً ، وأمّا إذا كان متّصلاً فيعود الكلام مجملاً لا يعتبر كلّ من الظهورين.

والأولى أن يجاب بأنّ ما ذكره الشيخ وجه عقلي لا ينعقد به الظهور حتّى يكون موجباً لتقديم ما هو الأقوى دلالة وظهوراً على الأضعف كذلك ، وقد مرّ منّا القول عند البحث في تعارض الأحوال أنّ ما ذكروه من الوجوه لتقديم بعض الأحوال على بعض كالنقل المجاز مثلاً وجوه استحسانية لا يلتفت إليها العرف ولا ينعقد بها الظهور.

ثمّ إنّ هنا كلاماً للمحقّق النائيني لا يخلو من نكتة حيث قال :

إنّا لو فرضنا ثبوت أقوائية الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي ، فلا

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/169 ـ 170.

498

يوجب ذلك تقديمه عليه ، لأنّ الأقوائية إنّما توجب التقديم ، لو كان التخالف والتكاذب بينها بالذات ، كما في المثالين : « لا تكرم فاسقاً » ، « أكرم عالماً » والأوّل يفيد الشمول ، والثاني يفيد البدلية ، فانّ كلّ واحد منها يكذّب الآخر ، إذ لا تجتمع حرمة إكرام الفاسق على إطلاقه ولو كان عالماً مع وجوب إكرام مطلق العالم ولو كان فاسقاً ، ففي مثله يقدّم الأقوى على الأضعف ، وهذا هو محل الكلام في مبحث التعادل والترجيح ، لا في المقام إذ ليس بين إطلاق الهيئة والمادة في أنفسهما تكاذب في المقام إذ لا مانع من كونهما مطلقين غير مقيدين ، وإنّما جاء التعارض لأجل علم إجمالي بطروء القيد على أحدهما مع تساويه بالنسبة إلى الأقوى والأضعف ، وفي مثله ، لا وجه لتقديم الأقوى على الأضعف لما ذكرناه من تساوي العلم الإجمالي. (1)

مقتضى الأصل العملي

قد عرفت أنّه لا أصلَ لفظي في المقام يعتمد عليه ، وانّ القيد إذا كان متصلاً يلزم منه الإجمال في الكلام ، وإن كان منفصلاً فالعلم الإجمالي بتقييد أحد الإطلاقين يمنع عن الأخذ بواحد منهما ، فلابدّ من الرجوع إلى الأصل العملي.

وأمّا مقتضاه فلانّ الشكّ في كون القيد راجعاً إلـى الهيئـة ( فلا يجب تحصيله ) وإلى المادة ( فيجب تحصيلـه ) شكّ في وجـوب تحصيـل القيـد والمرجع فيه البراءة.

نعم الأصل العملي ، أعني : البراءة لا يثبت أحد الظهورين أي كون القيد قيداً للهيئة أو المادة.

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/163 ـ 164.

499

التقسيم الثالث (1)

تقسيمه إلى نفسي وغيري

عرّف القوم الواجب النفسي والغيري بالتعريف التالي :

النفسي ما أُمر به لنفسه.

والغيري ما أمر به لغيره.

وأورد عليه الشيخ الأعظم بأنّ تعريف النفسي غير جامع ، كما أنّ تعريف الغيري غير مانع.

أمّا الأوّل : فلأنّ النفسي ينحصر بمعرفة اللّه تعالى التي أمر بها لنفسها ، وأمّا سائر الواجبات النفسية كالصلاة والصوم والزكاة فتخرج عن التعريف ، لأنّها لم يؤمر بها لأنفسها ، بل أمر بها لغاياتها المعلومة من النهي عن الفحشاء وكونه جُنّة من النار واختباراً للأغنياء إلى غير ذلك من الغايات.

وأمّا الثاني : فقد علم ممّا ذكر ، لأنّ غير المعرفة إذا خرج عن تحت الواجب النفسي يدخل في الواجب الغيري ، لأنّه أمر به لغيره ، أعني : المصالح والغايات. (2)

يلاحظ عليه : بأنّ المراد من كلمة « لنفسه » هو ما أمر به لا لبعث آخر ، كما أنّ المراد من لفظة « لغيره » ما أمر به لبعث آخر ، فالمقيس عليه في تسمية الأمر نفسياً

____________

1 ـ مرّ التقسيم الثاني ، ص474.

2 ـ مطارح الأنظار : 66.

500

أو غيرياً هو ملاحظة كون البعث لأجل بعث آخر وعدمه ، فالأوّل هو الغيري ، والثاني هو النفسي.

وبعبارة أُخرى : الملاك في كون الواجب نفسياً أن يتعلّق به البعث في ملاك فيه لا لأجل بعث آخر ، كما أنّ الملاك في كون الواجب غيرياً أن يتعلّق به البعث لأجل بعث آخر ، وعندئذ تدخل الواجبات النفسية المعلومة كونها نفسية في التعريف الأوّل ولا يعمّه التعريف الثاني.

تعريف ثان للنفسي والغيري

ثمّ إنّ الشيخ لما لم يرتض بالتعريف المتقدّم حاول التعريف بوجه آخر نقله المحقّق الخراساني في « الكفاية » ، قال : فإن كان الداعي فيه هو التوصّل به إلى واجب لا يكاد يمكن التوصّل بدونه إليه لتوقّفه عليه فالواجب غيري ، وإلاّ فهو نفسي ، سواء كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه كالمعرفة باللّه أو محبوبيته بما له من فائدة مترتبة عليه كأكثر الواجبات من العبادات والتوصليات. (1)

وبما أنّ الشيخ عمّم الواجب النفسي إلى ما إذا كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه كالمعرفة أو محبوبيته بما له من الغايات ، أورد عليه في الكفاية ، بأنّه لو كان الداعي هو اشتماله على الفائدة المترتبة عليه كان الواجب غيريّاً ، فانّه لو لم تكن هذه الفائدة لازمة ، لما دعا إلى إيجاب ذي الفائدة. (2)

يلاحظ عليه : أنّ الإشكال نابع من عدم الإمعان في كلام الشيخ حيث إنّه جعل المعيار كون الداعي إلى الأمر التوصّل إلى واجب آخر وعدمه ، لا التوصّل إلى الغايات والأغراض وعدمها ، والأغراض وإن كانت محبوبة بالذات ولكنها ليست

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/171.

2 ـ المصدر نفسه.

501

واجبة في الشريعة ولم يتعلّق بها الأمر والطلب.

والحاصل : انّ المعيار في الواجب الغيري كون الداعي إلى الأمر هو التوصّل إلى واجب آخر دلّ الدليل على وجوبه في الشريعة ، فمثل هذا التعريف لا يشمل الصلاة والصوم ، إذ لم يكن الداعي إلى الأمر بها هو التوصّل إلى واجب ورد في الشريعة ، وكون الداعي من الأمر وإن كان هو التوصّل إلى الأغراض والغايات لكن الأغراض لما لم تقع في إطار الأمر الظاهري لا يصدق على الصلاة كون الأمر بها للتوصل إلى واجب في الشريعة ، وكون الأمر بها للتوصل إلى الغاية ليس معياراً في تحديد الواجب الغيري.

وبذلك ظهر صحّة كلا التعريفين ورجوعهما إلى تعريف واحد سواء أقلنا :

النفسي ما أمر به لنفسه لا لبعث آخر.

والغيري ما أمر به لغيره ولبعث آخر ، أو قلنا :

الغيري : ما يكون الداعي إلى الأمر ، التوصّل إلى واجب آخر.

النفسي : ما لا يكون الداعي التوصّل إلى واجب آخر ، وإن كان الداعي إلى الأمر ـ لبّاً ـ هو تحصيل الغايات والأغراض التي ليست واجبة في الشريعة الإسلامية.

فإن قلت : ينتقض التعريف بالظهر والمغرب إذ فيهما كلا الملاكين : النفسيّة والغيرية ، وبأفعال الحج ، وذلك لأنّ المتقدّم منها واجب نفسي وفي الوقت نفسه وجب لبعث آخر أو لواجب آخر على اختلاف في التعبيرين.

قلت : تقدّم أنّ المقدّمة ليس هي نفس الصلاة أو نفس العمل في أعمال الحجّ ، بل المقدّمة هو تقدّمه على العصر ، والعمل شيء والتقدّم شيء آخر ، أو الشرط تأخّر العصر عن الظهر أو تأخّر السعي عن الطواف ، وتأخّرهما لا صلة له

502

بالظهر والعمل المتقدّمين.

فإن قلت : ما هو حكم المقدّمات المفوتة ، إذ هي ليست واجباً غيريّاً لعدم وجوب ذي المقدّمة حتّى يكون البعث بها لأجل بعث آخر ، ولا نفسياً لعدم استلزام تركها العقاب ، بل العقاب في مسألة اغتسال المستحاضة على ترك الصوم.

قلت : نلتزم بأنّها واجب غيري ، فانّ البعث بها لأجل بعث آخر وإن لم يكن البعث. الثاني فعلياً وقد تقدّم أنّه يمكن فعلية وجوب المقدّمة قبل فعلية ذيها. (1)

دوران الوجوب بين النفسي والغيري

إلى هنا تمّ تعريف الواجب النفسي والغيري ، فلو تبيّن كون شيء نفسيّاً أو غيرياً فهو ، وإلاّ فيرجع إلى الأصل اللفظي أوّلاً ، والأصل العملي ثانياً ، فيقع الكلام في إمكان التمسّك بالأصلين.

الأوّل : ما هو مقتضى الأصل اللفظي ؟

إنّ مقتضى الأصل اللفظي كون الواجب نفسياً لعدم حاجة النفسي إلى القيد وحاجة الغيري إليه ، فالأمر بالشيء مع السكوت عن شيء آخر آية كونه نفسياً ، وأمّا الغيري فلا يكفي فيه الأمر بالشيء ، بل يتوقّف على الأمر بالشيء الآخر حتّى يكون الأمر الأوّل لأجل الأمر الثاني ، هذا ما لا إشكال فيه ، إنّما الكلام في إمكان انعقاد الإطلاق في مفاد الهيئة ، وإلاّ فلو قلنا بالإطلاق فمقتضاه هو النفسية ، والمتأخّرون من الأُصوليّين في المقام بين ناف لإمكان انعقاد الإطلاق

____________

1 ـ لاحظ ص 490 ، حول مختار السيد الأُستاذ (قدس سره).