إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
53

ولكنّك عرفت أنّ الانتقال من العام إلى الخاص يمكن أن يتمّ عن طريق ضميمة لفظ « كلّ » إلى الملحوظ حتى يكون مشيراً وحاكياً عن الخصوصيات ، بأن يضع لفظة هذا لكلّ مفرد مذكر ، فالوضع عام ، لأنّ الملحوظ عام وهو المفرد المذكر ، والموضوع له خاص وهو ما أُشير إليه بقولنا كل.

الجهة الخامسة : في المعاني الحرفية

يقع البحث في الحروف في موضعين :

1. ما هي معانيها ومضامينها.

2. ما هي كيفية وضعها.

والنظر في كيفية الوضع وأنّه خاص أو عام يتبع اتخاذ النظر في الموضع الأوّل ، والبحثان مختلطان في كلام القوم.

ونحن نركز البحث على الموضع الأوّل ونبحث عن الموضع الثاني في الجهة السادسة.

التعريف المعروف لكلّ من الاسم والحرف ، وهو ما ذكره ابن الحاجب ( 570 ـ 640 هـ ) صاحب الكافية حيث قال :

« الاسم ما دلّ على معنى في نفسه ، والحرف ما دلّ على معنى في غيره ، والمراد من الموصول هو الكلمة ، والضمير في كلّ من « نفسه » و « غيره » يرجع إلى المعنى. وأنّه في حدّ ذاته على قسمين ، قسم يكون مفهوماً محصلاً في نفسه ، لا يحتاج في تحصيله في الذهن إلى معنى آخر ، وقسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن يتبع غيره ». (1)

____________

1 ـ شرح الكافية : 5 ، في معنى الحرف.

54

ثمّ إنّه ظهرت بعد ابن الحاجب آراء في معنى الحروف وهي بين الإفراط والتفريط ، وإليك دراسة هذه الآراء :

1. نظرية المحقّق الرضي ( المتوفّى 668 هـ )

إنّ الشيخ الرضي اختار في تفسير التعريف المذكور بأنّ الضمير في كلّ من نفسه وغيره يرجع إلى الموصول الذي أُريدت منه الكلمة ، وانتهى إلى أنّ معنى الاسم ( الابتداء ) مضمون نفسه ، ولكن معنى الحرف ( من ) مضمون لفظ آخر ، يضاف ذلك المعنى ( مضمون من ) إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي ، وإليك نصّه.

قال الرضي : انّ معنى « من » الابتداء ، فمعنى « من » و معنى لفظة « الابتداء » سواء ، إلاّ أنّ الفرق بينهما انّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر ، بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة ، ومعنى « من » مضمون لفظ آخر يضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي ، فلهذا جاز الاخبار عن لفظ الابتداء في قولك « الابتداء خير من الانتهاء » ولم يجز الاخبار عن لفظ « من » لأنّ الابتداء الذي هو مدلولها ، في لفظ آخر ، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه ، بل في لفظ غيره ، وإنّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة ، فالحرف وحده لا معنى له أصلاً ، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدل على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما ، فإذا أفرد من ذلك الشيء بقي غير دال على معنى في شيء أصلاً ، فظهر بهذا انّ المعنى الافرادي للاسم والفعل في أنفسهما وللحرف في غيره. (1)

يلاحظ عليه : أوّلاً : وجود التناقض بين الصدر والذيل ، فانّ صدر كلامه يوحي إلى أنّ لفظة « من » موضوعة لنفس ما وصفت له كلمة الابتداء ، حيث يقول :

____________

1 ـ شرح الرضي لمقدمة ابن الحاجب ( الكافية ) : 4.

55

فمعنى « من » و معنى « لفظة الابتداء » سواء. فينطبق على نظرية المحقّق الخراساني الآتية.

لكن الذيل يشير إلى نظرية غير معروفة ، هي انّ وزان الحروف وزان الأعاريب في أواخر الكلم ، فكما أنّ التنوين يشير إلى كون اللفظ فاعلاً ، ومفعولاً من دون أن يكون له معنى خاص فهكذا الحروف.

وثانياً : أنّ الميزان في كون اللفظ ذا معنى أو غيره إنّما هو التبادر ، ولا شكّ انّه يتبادر من الحروف معاني خاصة مندكة في معاني متعلقاتها لا انّها خالية من المعنى.

والفرق بين الحروف والاعراب واضح فانّ الحروف ممّا ينطق بها مستقلاً فيليق أن يكون لها وضع خاص دون الاعراب.

2. نظرية المحقّق الخراساني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المعاني الحرفية والاسمية متحدة جوهراً فلا فرق بينهما ، وانّ الاستقلال والآلية خارجان عن حريم المعنى وحقيقته وإنّما يعرضان عند الاستعمال. فيكون الوضع عاماً والموضوع له عاماً. (1)

وإنّما ذهب إلى هذا القول تخلصاً من المضاعفات الموجودة في القول بأنّها موضوعة للمعاني الآلية من الابتداء والانتهاء ، لأنّ أخذ الآلية جزء للمعنى يوجب كون الموضوع له خاصاً ؟ وعندئذ يعود السؤال بأنّه ما هو المراد من كونه خاصاً ؟ فإن أُريد منه الجزئي الخارجي ، فربما يكون المستعمل فيه عاماً كما إذا قال : سر من البصرة إلى الكوفة ، وإن أُريد منه الجزء الذهني بحيث يكون لحاظ الآلية قيداً له فيترتب عليه عدّة أُمور :

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/15.

56

1. لزوم تعدد اللحاظين عند الاستعمال ، لاستلزامه لحاظ المعنى ، مضافاً إلى اللحاظ الموجود فيه عن طريق الوضع.

2. عدم انطباقه على الخارج لكون جزء الموضوع أمراً ذهنياً.

3. لزوم كون لحاظ الاستقلالية جزءاً للمعاني الاسمية فيُصبح المعنى الاسمي خاصاً ، وهو خلاف ما اتّفقوا عليه.

وحاصل تلك النظرية انّ الأسماء والحروف موضوعة لمعنى واحد معرّى عن كلّ قيد ، أعني : الاستقلالية والآلية ، لكنّ تعرضهما تلك الخصوصية عند الاستعمال فليستا جزء الموضوع ولا جزء المستعمل فيه ، بل من طوارئ الاستعمال وعوارضه.

والفرق بين تلك النظرية وما هو المشهور واضح جدّاً ، إذ المعنى على مبنى المحقّق الخراساني خال عن كلا القيدين : لحاظ الاستقلال ولحاظ الآلية ، وكلاهما يعرضان على المعنى في درجة متأخرة عن الوضع ، وهذا بخلاف ما عليه المشهور من أنّ الاستقلال من صميم المعنى الاسمي وجوهره ، كما أنّ الآلية والتدلّي والقيام بالغير مقوم للمعنى الحرفي بحيث لو حذفت التبعية لما يبقى للمعنى الحرفي أثر.

هذا مذهبه فهلم معي لتحليله ونقده.

يلاحظ عليه : أوّلاً : انّ لتبيين معاني الألفاظ وتشخيص الموضوع له عن غيره طرقاً مألوفة عند العقلاء والاخصائيين في ذلك العلم وما سلكه (قدس سره) من إقامة البراهين العقلية في ذلك الموضوع نهج غير مألوف ولا مفيد ، فإنّ لكلّ علم مبادئ ومقدمات خاصة يجب التطرق من تلك المبادئ إلى النتائج ، فإثبات اللغة بالبرهان الفلسفي أشبه باصطياد المعاني الفلسفية واقتناصها من الاعتبارات العرفية ، وممن نبّه على هذه النكتة أساتذتي الكرام لا سيما السيّد الأُستاذ والعلاّمة الطباطبائي ـ (قدس سره)ما ـ.

57

وثانياً : إذا كانت المعاني في الخارج ، مستقلة وغير مستقلة ، قائمة بنفسها ومتدلّية بغيرها. فلماذا يترك الواضع هذين المعنيين ولم يُعْرِ لهما أهمية فانّ تعلّق الغرض ببيان هذين المعنيين بنفس خصوصياتهما أكثر من تعلّق غرضه بالجامع بينهما.

وثالثاً : إذا فرضنا انّ الخصوصيتين ـ أعني : الاستقلالية والآلية ـ غير داخلتين في الموضوع له وإنّما تعرضان للمعنى عند الاستعمال فما هو الدليل المفهم لتلك الخصوصية فانّ المفروض انّ الدالّ هو اللفظ ، واللفظ دالّ على المعنى الجامع ، فكيف تفهم الخصوصية عند الاستعمال مع أنّها غير داخلة لا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه ؟!

ورابعاً : انّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ من الاسم والحرف مكان الآخر ، مع أنّه غير جائز ، وما ذكره من أنّ هذا النوع من الاستعمال على خلاف شرط الواضع ، غير تام ، لعدم لزوم اتّباع شرطه ، حتى وإن شرطه في ضمن الوضع.

وخامساً : ماذا يريد من خروج الاستقلالية والتبعية من صميم المعنى الاسمي والحرفي ؟ فإن كان يريد خروجهما عن مفهومهما واقعاً ، فهذا نفس القول بارتفاع النقيضين ، فانّ المعنى في حدّ الذات إمّا مستقل أو غير مستقل.

وإن أراد خروج لحاظ الاستقلالية والآلية لا نفسهما عن صميم المعنى كما هو ظاهر كلامه ، فيرد عليه انّ مقوم المعنى الحرفي ليس لحاظ الآلية حتى يلزم من خروجه عن صميم المعنى ، وحدة المعاني الحرفية والاسمية ، بل المعيار في كون المعنى حرفياً هو كون جوهره وحقيقته قائماً بالغير متدلّياً به في مقابل خلافه.

ولو كان الملاك للمعنى الاسمي والحرفي هو لحاظ الاستقلال في الأوّل ولحاظه الآلية في الثاني كان لما ذكره وجه حيث يصحّ ردّه بالبراهين الثلاثة على

58

خروجها ، فنخرج بالنتيجة التالية : وحدة المعاني الاسمية والحرفية حقيقة واختلافاً عند الاستعمال.

وأمّا إذا كان ملاك التمييز بينهما هو جوهر معانيهما على نحو يكون أحدهما مستقلاً بالذات ، وإن لم يلاحظ الاستقلال ، و يكون ثانيهما متدلّياً بالذات وقائماً بالغير ، وإن لم يلاحظ التدلّـي والقيام بالغير ، لم يكن لما ذكر وجه ، ولأجل ذلك ذهب المحقّقون إلى أنّ التفاوت بين المعنيين لا يمتّ إلى اللحاظ بصلة ، بل يمتّ إلى جوهرهما وواقعهما ، وإليك شرح هذه النظرية.

النظرية الثالثة : تمايزهما بنفس الذات

هذه النظرية هي النظرية المعروفة من عصر ابن الحاجب إلى يومنا هذا ، فقد تقدّم تعريف المعنى الاسمي والحرفي عنه. وشرحه الشريف الجرجاني في تعليقته على شرح الكافية للشيخ الرضي ، ونقله عبد الرحمن الجامي في شرحه على الكافية تارة باسم الحاصل وأُخرى باسم المحصول.

وأوّل من شرحه بأمانة ودقة صدر الدين الشيرازي ، وتبعه شيخنا المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية ، والسيد الطباطبائي في تعليقته عليها ، والسيد الإمام الخميني في محاضراته ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ ، ونحن نذكر النظرية بأوضح العبارات وأبينها.

إنّ الغاية من وضع الألفاظ سواء أكان بالوضع التعييني أو التعيّني هو رفع الحاجة وإظهار ما يقوم بالنفس من المفاهيم والمعاني التي ينتقل إليها الذهن من طرف الحواس وغيرها من أدوات المعرفة.

هذا من جانب ، ومن جانب آخر انّ الوجود في النشأة الخارجية على أقسام ثلاثة :

59

1. ما هو مستقل ذاتاً وماهية كما هو مستقل خارجاً ووجوداً.

وبعبارة أُخرى : مستقل في كلتا النشأتين : الذهنية والخارجية ، فله استقلال في صحيفة الذهن كما له استقلال في صحيفة الوجود ، كالجواهر بأقسامها ، وهذا ما يعبّر عنه الفلاسفة بقولهم : « في نفسه لنفسه » فكلمة « في نفسه » إشارة إلى استقلاله في مفهومه وذاته ، كما أنّ لفظة « لنفسه » إشارة إلى استقلاله في الوجود من دون أن يكون قائماً بالغير ناعتاً له.

2. ما هو مستقل ذاتاً وماهية ، لكن غير مستقل خارجاً ووجوداً ، بل إذا وجد في الخارج وجد في موضوع ، ناعتاً لغيره واصفاً له.

وبعبارة أُخرى : مستقل في صحيفة الذهن دون صحيفة الخارج ، وذلك كالأعراض بأقسامها التسعة ، فالبياض له مفهوم مستقل يُعرف : انّه لون مفرّق لنور البصر. لكنّه إذا وجد في الخارج بحاجة إلى موضوع يقوم به. ومثله سائر الأعراض ويعبّر عنه : « في نفسه مفهوماً لغيره وجوداً ».

3. ما هو غير مستقل في كلتا النشأتين لا في الذهن ولا في الخارج وليس له مفهوم تام كما ليس له وجود مستقل ، فهو في عالم التصوّر اندكاكيّ المعنى ، وفي عالم التحقّق اندكاكيّ الوجود ، فمفهومه فان في مفهوم آخر كما أنّ وجوده كذلك.

وهذا كالمعاني الحرفية حيث لا تتصور إلاّ تبعاً للمعاني المستقلة وفي ظلها ، كما لا تتحقق إلاّ مندكة في الغير وفانية فيه ، ويعبّر عنه في مصطلحهم بقولهم : « ما وجوده في غيره لغيره ».

فالقسم الأوّل هو الوجود النفسي ، والثاني هو الوجود الرابطي ويعبّر عنه بالاعراض أيضاً ، والثالث هو الوجود الرابط ، كما يقول الحكيم السبزواري :

انّ الوجـود رابط ورابطـي* * * ثمة نفسي فهناك واضبطي

60

وإن أردت التوضيح فاستوضح الأمر في المثال التالي :

تقول زيد في الدار ، فهاهنا أمران مستقلان مفهوماً ومصداقاً وهو « زيد » و « دار » وهناك مفهوم ثالث وهو « كون زيد في الدار » فهو مفهوم لا يتصوّر إلاّ مضافاً إلى زيد ودار كما لا يتحقق إلاّ بهما. والاندكاكية واللااستقلالية في صميم ذاته وجوهر حقيقته على نحو لو انسلخ المعنى عن هذا الوصف ، لعدم المعنى وانقلب المعنى الحرفي معنى اسمياً ، وبذلك أصبح المعنى الحرفي أخسَّ المعاني تصوراً ووجوداً.

وقس عليه سائر الأمثلة الرائجة كقولك : سرت من البصرة إلى الكوفة ، فهاهنا مفهومان مستقلان ماهية وذاتاً ، أحدهما السير ، والآخر البصرة ، وهناك مفهوم ثالث وهو كون ابتداء السير من البصرة هو غير مستقل مفهوماً إلاّ إذا أُضيف إلى سائر المعاني كالسير والبصرة ، كما هو غير مستقل وجوداً فلا يتحقّق الابتداء بهذا المعنى إلاّ قائماً بالسير من البصرة. إلى غير ذلك من الأمثلة.

وبذلك يعلم انّ الفرق بين المعاني الاسمية والحرفية جوهري ، ينبع الفرق من جوهر معانيهما وصميم ذاتهما سواء أكان هناك ملاحظ أم لا.

وبعبارة أُخرى : الاستقلالية والآلية من صميم ذاتهما على نحو لو سلختا عن هذين المعنيين لانعدما.

قال الشريف الجرجاني : كما أنّ في الخارج موجوداً قائماً بذاته ، وموجوداً قائماً بغيره ، كذلك في الذهن معقول هو مدرك قصداً ملحوظ في ذاته ، يصلح أن يحكم عليه وبه ، ومعقول هو مدرك تبعاً وآلة ، كملاحظة غيره ، فلا يصلح لشيء منهما ، فالابتداء مثلاً إذا لاحظه العقل قصداً وبالذات كان معنى مستقلاً بالمفهومية ، ملحوظاً في ذاته ، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء فقط ، ولا حاجة في الدلالة

61

عليه إلى ضمّ كلمة أُخرى إليه لتدل على متعلّقه ، وهذا هو المراد بقولهم إنّ للاسم والفعل معنى كائناً في نفس الكلمة الدالة عليه ، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة مثلاً و جعله آلة لتعرف حالهما كان معنى غير مستقل بالمفهومية ولا يصلح أن يكون محكوماً عليه وبه و لا يمكن أن يتعقّل إلاّ بذكر متعلّقه بخصوصه ولا أن يدلّ عليه إلاّ بضم كلمة دالّة على متعلّقه. (1)

ثمّ إنّه أفاض القول في ذلك ، فمن أراد فليرجع إلى الكتاب.

وبذلك يعلم ضعف كلام المحقّق الخراساني حيث جعل المعاني الاسمية والحرفية واحداً بالذات تصوراً وذاتاً لكن الاستقلالية والآلية تعرضان على المعنى الوارد عند الاستعمال ، فجعل ما هو جزء الذات أو صميمها أمراً عرضياً للمعنى.

أسئلة وأجوبة

فإن قلت : قد عدّ العرض في البيان السابق من القسم الثاني وهو ما يكون مستقلاً مفهوماً ، وغير مستقل وجوداً ، مع أنّ هذا التعريف للأعراض لا يصدق إلاّ على الكم والكيف ولا يصدق على الأعراض النسبية كالأين ومتى ، فانّ الأوّل عبارة عن كون الشيء في المكان ، كما أنّ الثاني عبارة عن كون الشيء في الزمان ، وما هذا معناه فهو من المعاني الحرفية القائمة بالغير مفهوماً ووجوداً لا وجوداً فقط.

قلت : إنّ تفسير المقولتين بما ذكر تفسير خاطئ ، بل الأين عبارة عن الهيئة الحاصلة للشيء من كونه في المكان أو من كونه في الزمان ، والهيئة الحاصلة معنى اسمي مستقل مفهوماً ، وإن كان غير مستقل وجوداً ، وهذا نظير الجِدَة فانّ الجدة ليست إلاّ الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء كالهيئة الحاصلة للإنسان بالتعمم

____________

1 ـ شرح الكافية المشهور بشرح الجامي : 15.

62

والتقمّص.

فإن قلت : إنّ ما ذكر من التعريف للمعنى الحرفي لا ينطبق على بعض الحروف كالكاف في قوله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ) (1). فانّ معناه « ليس مثلَ مثله شيء » ونظيره « واو » الاستئناف و « تاء » التأنيث في « ضربت » ، ولفظة « قد » في الفعل الماضي.

قلت : إنّ الكاف في الآية ليس حرفاً بل اسم بمعنى « مثل » ولذلك تقسم الكافُ إلى حرف واسم ، وأمّا الباقي فالأولى المعاملة معها معاملة العلائم كالتنوين في الفاعل ، والنصب في المفعول ، ولا مانع من كون بعض العلائم مشيرة إلى المعنى الاسمي.

فإن قلت : إنّ المحقّق صاحب الحاشية ( المتوفّى 1248 هـ ) قسّم معاني الحروف إلى قسمين : إخطارية وإيجادية ، والمراد من الأُولى ما يكون حاكياً عن معنى متحقّق في الخارج مثل قولك : « سرت من البصرة إلى الكوفة » ، كما أنّ المراد من الثانية ما لا يكون حاكياً عن معنى متحقّق في الخارج بل المعنى يوجد بنفس الاستعمال ، مثل قولك : يا زيد أو « إياك » فالجميع ينشئُ معنى النداء والخطاب ، فالقسم الأوّل أشبه بالجمل الخبرية والقسم الثاني أشبه بالجمل الإنشائية ، فهل يخالف ذلك المعنى ، المختار ؟

قلت : إنّ تقسيم معاني الحروف إلى إخطارية وإيجادية تقسيم بديع ، ولكن الإخبار والإيجاد يتحقّقان بما للحروف من المعنى ، فلابدّ من التركيز على المعنى الحرفي أوّلاً ـ و قد أهمله صاحب الحاشية ـ ثمّ تقسيم ذلك المعنى إلى إخطاري

____________

1 ـ الشورى : 11.

63

وإيجادي فقد تكلّم هو عن خصوصيات المعنى الحرفي وأقسامه دون حقيقته وواقعه.

وبذلك يعلم انّ نظرية المحقّق النائيني أيضاً لا تخالف مختارنا حيث قال : إنّ شأن أدوات النسبة ليست إلاّ إيجاد الربط بين جزئي الكلام ، فانّ الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات ، فلفظ « زيد » بما له من المعنى مباين للفظ « قائم » بما له من المعنى ، وكذا لفظ « السير » مباين للفظ « الكوفة » و « البصرة » بما لهما من المعنى ، لكن أدوات النسبة إنّما وضعت لإيجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم على وجه يفيد فائدة تامة يصحّ السكوت عليها ، فكلمة « من » و « إلى » إنّما جيء بهما لإيجاد الربط وإحداث العلقة بين « السير » و « البصرة » و « الكوفة » الواقعة في الكلام بحيث لولا ذلك لما كان بين هذه الألفاظ ربط وعلقة أصلاً. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من شأن الحروف أمر لا سترة عليه لكن الربط يحصل بواقع المعنى الحرفي فكان عليه أن يحدد المعنى الحرفي ثمّ يتكلّم في أوصافه وقُدُراته.

وبذلك يظهر انّ نظرية المحقّق الخوئي في الحروف أيضاً لا تخالف ما ذكرنا حيث قال : إنّ الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها ، ومع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجية ، بل التضييق إنّما هو في عالم المفهوم ، ثمّ مثّل بمثال و قال : الصلاة في المسجد حكمها كذا ، فانّ الصلاة لها إطلاق إلى الخصوصيات المسنونة والمصنفة والمشخصة ، فغرض المتكلّم قد يتعلّق ببيان المفهوم على إطلاقه وسعته ويقول : الصلاة خير موضوع ، وقد يتعلّق بإفادة حصة خاصة منه و يقول : الصلاة في المسجد حكمها كذا ، حتى تدلّ على

____________

1 ـ فوائد الأُصول : 1/42 ؛ أجود التقريرات : 1/18.

64

انّ المراد ليس الطبيعة السارية إلى كلّ فرد بل خصوص حصة منها. (1)

يلاحظ عليه : لو سلمنا انّ دور الحروف دور التضييق فهو يحصل بما للحرف من المعنى فلابدّ أن نتعرف على ذات المعنى ثمّ على وصفه من الضيق.

على أنّ فيما ذكره من وضع المعاني الحرفية للضيق إشكالاً واضحاً ذكره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة. (2) وبذلك علم أنّ النظريات الثلاث ليست مخالفة للمختار وإنّما ركّز أصحابها على صفات المعاني الحرفية دون ذاتها وواقعها ، فهذه النظريات الأربع ترجع إلى أمر واحد.

الجهة السادسة : في بيان كيفية وضع الحروف

قد تقدّم البحث في حقيقة المعنى الحرفي وحان البحث عن كيفية وضعها ، فهناك نظريات :

أ : الوضع عام كما أنّ الموضوع له كذلك ، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

ب : الوضع عام لكن الموضوع له خاص ، وهو المختار.

أمّا الأُولى : فهي خيرة المحقّق الخراساني ، وحاصلها : انّه لا فرق بين المعنى الاسمي والحرفي جوهراً وذاتاً وانّهما وضعا لمعنى واحد غير انّ الاختلاف بالاستقلال والآلية يعرضان على المعنى عند الاستعمال.

فالواضع نظر إلى مفهوم كـ « آغاز » باللغة الفارسية و وضع له لفظ الابتداء ولفظة « من » لكن اشترط على المستعملين باستعمال الأوّل في الابتداء المستقل والثاني في الابتداء غير المستقل ، فهما يعرضان على المعنى عند الاستعمال ، فالملحوظ « آغاز » بما انّه عام فالوضع عام وبما انّه الموضوع له فكذلك.

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/18.

65

ولكنّك عرفت عدم اتقان المبنى وانّ معاني الحروف تتمايز عن الأسماء بجوهرهما لا باللحاظ.

وأمّا الثانية : فهي خيرة السيّد الأُستاذ (قدس سره) ، وتوضيحها يحتاج إلى مقدّمة ، وهي انّه لا جامع مقولي للمعاني الحرفية ، وذلك لأنّ الجامع المقولي عبارة عن المفهوم العام المنتزع من الأفراد باعتبار اشتراكهما في حقيقة واحدة ، وما هو كذلك يكون له مفهوم مستقل يلاحظه الذهن مرة بعد مرة ، ومثل ذلك لا يكون جامعاً مقولياً للحروف ، لأنّ واقع الحروف هو القيام بالغير والاندكاك فيه ، فلو انسلخت هذه الخصوصية عنه لانقلب المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي.

وبذلك يعلم أنّه لا يمكن أن يكون هناك جامع مقولي للحروف ، لأنّه بما هو جامع مقولي يلازمه الاستقلال ، وبما هو جامع مقولي للحروف يلازمه الاندكاك والتبعية ، وهما لا يجتمعان في مفهوم واحد في زمان واحد.

وبعبارة أُخرى : لا جامع مقولي بين المعاني الحرفية ، إذ لو كان الجامع من سنخ المعنى الحرفي لوجب أن يكون متدلّياً بالذات وهو بهذا الوصف يمتنع أن يكون مقولة ، لأنّ المقولة تحمل على مصاديقها ، والحمل يستلزم الاستقلال في التصور ، وهو لا يجتمع مع كونه معنى حرفياً غير مستقل في المفهوم.

وإن شئت قلت : إنّه لو كان الجامع من سنخ المعاني الاسمية ، فهو لا يكون جامعاً للمعاني الحرفية.

فإن قلت : إذا لم يكن هناك جامع ذاتي للمعاني الحرفية ، فكيف توضع الحروف لمصاديق المعنى الكلي حتى يكون الموضوع له عاماً ؟

قلت : لا محيص للواضع من التمحل بأن يتوصل عند الوضع بمفاهيم اسمية لا تكون جامعاً ذاتياً لها ، كما لا تكون ربطاً حقيقياً وتدلياً واقعيا ، كمفاهيم

66

الظرفية والابتداء الآلي وغيرهما. فيضع الحروف لما هو مصداق لها بالحمل الشائع ، ويشير بهذه العناوين إلى المصاديق ، وبهذه المفاهيم إلى الأفراد.

وبذلك يعلم أنّ الموضوع له خاص ، لأنّه وضع لما هو المصداق للابتداء أو الانتهاء ، والمصداق يلازم الجزئية.

فإن قلت : قد استدلّ المحقّق الخراساني على كون معاني الحروف كلية بقوله : إنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلياً كما إذا وقع تحت الأمر كقوله : « سر من البصرة إلى الكوفة » بشهادة انّه إذا بدأ بسيره من أي نقطة من نقاط البصرة يكون ممتثلاً ولو كان المستعمل فيه جزئياً لما صحّ الامتثال إلاّ من نقطة واحدة.

يلاحظ عليه : أنّا لا نجد فرقاً بين هذا المثال المدّعى استعمال الحرف فيه في المعنى الكلي ، وبين قولنا : « سرت من البصرة إلى الكوفة » المدّعى استعمال الحرف فيه في المعنى الجزئي ، والظاهر انّ المتكلّم لاحظ البصرة أمراً واحداً شخصياً و استعمل الحرف في ذلك الواحد الشخصي ، وإنّما التكثر جاء من جانب العقل ، حيث إنّ العقل بعدما لاحظ انّ البصرة واحد ذو أجزاء ، يصلح أن يتبدأ بالسير من كلّ جزء ، حكم بأنّ الامتثال يحصل من أي جزء تحقق ، وكم فرق بين أن يكون المستعمل فيه أمراً كلياً من أوّل الأمر ، و بين أن يكون واحداً حقيقياً منحلاً إلى كثير بحكم العقل ، نظير انحلال الحكم الواحد إلى الكثير كما لا يخفى.

ثمرة البحث

وقد ذكرت ثمرات للبحث عن كيفية الوضع والموضوع له نشير إلى بعضها :

أ : لو كان الموضوع له فيها خاصاً لا يتصور تقييده ، وذلك لأنّ التقييد فرع الإطلاق وهو فرع السعة ، والخاص فاقد لها فلا يمكن تقييده ، وعلى ذلك رتبوا انّ

67

القيد في الواجب المشروط لا يرجع إلى الهيئة ، لأنّ مدلول الهيئة معنى حرفي ، والمعنى الحرفي بما انّ الموضوع له فيه خاص لا يقبل التقييد فلا مناص من إرجاعه إلى المادة ، نظير قولك : « أكرم زيداً إن سلّم » فقوله : « أكرم » مركب من هيئة ومادة ، فلو كان الموضوع له للهيئة هو الوجوب الشخصي فهو لا يقبل التقييد فلا يمكن القول بأنّ الوجوب مشروط بالتسليم ، بل يجب القول بأنّ التسليم قيد للمادة ، ومعنى الجملة هو ان سلم زيد أكرمه إكراماً مقيداً بكونه بعد التسليم.

يلاحظ عليه : بما ذكرناه في محلّه من أنّ الجزئي غير قابل للتقييد من حيث الأفراد لكنّه قابل له من حيث الأحوال ، فزيد بما انّه جزئي لا يقبل التقييد الافرادي ، ولكن يقبل التقييد الأحوالي ، لأنّ له أحوالاً كثيرة ككونه قائماً قاعداً ، متعمماً ، وغير متعمّم ، فيمكن أن يقيّد بحال من الأحوال ، ولذلك لو شككنا انّ الموضوع للوجوب هو زيد أو هو مع قيد التعمم يحكم بالإطلاق على الأوّل. وعلى هذا ، الوجوب أو إنشاء البعث وإن كان أمراً شخصياً لكن له أحوالاً مختلفة ، فالوجوب المقيّد بتسليم زيد غير الوجوب المقيّد بعدم تسليمه فيصحّ تقييده بالتسليم.

ب : إنكار المفهوم للقضايا الشرطية ، فانّ القول بالمفهوم على أساس انّ المنفي سنخ الحكم لا شخصه ، وإلاّ فانّ الشخص يرتفع بارتفاع قيده وهو لا يجتمع مع كون مفاد الهيئة أمراً جزئياً بخلاف ما إذا قلنا بأنّ مفادها أمر كلي فمع ارتفاع شخص الحكم ، يقع الكلام في ارتفاع سنخه وعدمه.

يلاحظ عليه : بمثل ما ذكرنا في الثمرة الأُولى فانّ الموجود الشخصي وإن لم يكن قابلاً للتقييد من حيث الافراد ، لكنّه قابل له من حيث الأحوال ، فانّ وجوب الإكرام المقيّد بتسليم زيد غير وجوب الإكرام في حالة أُخرى ، فللوجوب وجود

68

سعي حسب الحالات.

وعلى ضوء هذا فللحكم الشخصي الجزئي حالتان :

1. ملاحظته مع التسليم فلا شكّ انّه في هذا اللحاظ مرتفع بعدم التسليم على كلا القولين.

2. ملاحظته مع عدم التسليم فالمثبت للمفهوم يقول بارتفاعه أيضاً دون المنكر.

فالقول بالمفهوم وإنكاره لا يبتني على كون مفاد الهيئة كليّاً بل يجري على القول بجزئية معناها.

وبذلك ظهر انّ المسألة فاقدة الثمرة.

الجهة السابعة : في وضع أسماء الإشارة والضمائر والموصولات

وفي المسألة آراء نشير إليها :

1. نظرية المحقّق الخراساني

لقد اختار المحقّق الخراساني فيها ما اختاره في الحروف من أنّ الوضع عام والموضوع له والمستعمل فيه كذلك ، وانّ أسماء الإشارة مثل « هذا » و الضمائر الغائبة والحاضرة كلّها وضعت لنفس المفرد المذكر على النحو الكلي ، إمّا ليشار بها إلى معانيها كأسماء الإشارة والضمائر الغائبة ، أو يخاطب بها كما في الضمائر الخطابية ، ولما كانت الإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص ، لأنّ الإشارة والتخاطب لا يكاد يكون إلاّ إلى الشخص أو معه ، فتعرض الخصوصية من ناحية الاستعمال كما لا يخفى. (1)

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/16.

69

فعلى ما ذكره يكون الموضوع له هو ذات المفرد المذكر ونفس المشار إليه مع قطع النظر عن كونه بوصف المشار إليه ، لكن النظرية يحيطها شيء من الغموض لأنّه يقول : « وضعت لنفس المفرد المذكر على النحو الكلّي ليشار بها إلى معانيها ».

فماذا يريد من الإشارة ؟ فإن أراد الإشارة بنفس اللفظ ، فهو غير معقول ، لأنّه إذا كان موضوعاً لنفس المفرد المذكر فاستعماله فيه لا يستلزم إلاّ إحضار نفس المعنى لا أمراً زائداً عليه.

و إمّا أن يراد الإشارة الحسية بالاصبع وغيره ، فمع أنّه يستلزم عدم صحّة استعماله إلاّ مع الإشارة يلزم عدم صحّة الضمائر الخطابية ، فانّ الخطاب لا يتحقّق إلاّ بنفس اللفظ لا بأمر آخر حيث نقول : « خرجت أنت ».

2. النظرية الثانية : نظرية المحقّق البروجردي

وهذه النظرية على طرف النقيض من النظرية السابقة ، لأنّها تعتمد على أنّ أسماء الإشارة وضعت لنفس الإشارة من دون أن يدخل فيها المشار إليه ، أعني : المفرد المذكّر ، وقد تبعه السيّد الأُستاذ (قدس سره).

وحاصل النظرية : انّ أسماء الإشارة والضمائر والموضوعات ، التي يجمعها « المبهمات » وضعت لنفس الإشارة فيكون لفظ « هذا » بمنزلة الإشارة بالاصبع فيكون آلة للإشارة ، والإشارة أمر متوسط بين المشير والمشار إليه. وعلى ذلك يكون عمل المبهمات كلّها عملاً إيجادياً ، ولأجل ذلك ينتقل الذهن بعد سماعها إلى المشار إليه.

ولعلّه إلى ذلك يشير ابن مالك في ألفيّته بقوله :

بذا ، لمفرد مذكر أشر* * * بذي وذه ، تي تا على الأُنثى اقتصر

فهو يقول : إنّ لفظ « ذا » موضوع لنفس الإشارة لا للمشار إليه ، ومثله

70

الضمائر فيشار بلفظ « أنا » إلى المتكلّم ، وبلفظ « أنت » إلى المخاطب ، وبلفظ « هو » إلى الغائب. ولأجل ذلك يجب أن يكون المشار إليه متعيّناً إمّا تعيّناً خارجياً أو ذكرياً ، كما في ضمير الغائب ، أو وصفياً كما في الموصولات حيث يشار لها إلى ما يصدق عليه مضمون الصلة. (1)

يلاحظ عليه : أنّه إذا كانت أسماء الإشارة موضوعة لنفس الإشارة ، فالإشارة معنى حرفي قائم بالمشير والمشار إليه ، ولازم ذلك أن لا يقع مبتدأً مع أنّ الواقع خلافه ، وقد أجاب عن هذا الإشكال السيّد الأُستاذ بقوله : بأنّ المبتدأ هو الشخص الخارجي وقد أُحضر بواسطة اللفظ ، والمحمول إنّما يحمل على ذلك الشخص الخارجي.

لكن الإجابة غير مقنعة ، إذ لازم ذلك تركيب الكلام من جزء ذهني وهو المحمول ، وجزء خارجي وهو الموضوع. والالتزام بصحّة هذا النوع من الكلام كما ترى.

على أنّ بعض المبهمات مثل « من » ، « ما » ، « أي » لا يتبادر منها الإشارة كقوله : ( يُسَبِّحُ للّهِ ما فِي السَّموات وَما فِي الأَرْض ). (2)

وقوله تعالى : ( فَأَيُّ الفَريقينِ أَحَقُّ بالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون ). (3)

وقوله (عليه السلام) : « من كان على يقين وشكّ فليمض على يقينه ». (4)

3. النظرية المختارة

إنّ أسماء الإشارة لم توضع لنفس المفرد المذكر كما في النظرية الأُولى ، ولا لنفس الإشارة مع قطع النظر عن المشار إليه كما في النظرية الثانية ، بل وضعت

____________

1 ـ نهاية الأُصول : 21 ـ 22.

2 ـ الجمعة : 1.

3 ـ الأنعام : 81.

4 ـ الوسائل : 1 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث 6.

71

للمفرد المذكر في حال الإشارة على نحو يكون القيد ( أي الإشارة ) خارجاً والتقيّد داخلاً ، وهذا هو الذي اختاره المحقّق الاصفهاني فقال : إنّ أسماء الإشارة والضمائر و بعض المبهمات موضوعة لنفس المعنى في حال تعلّق الإشارة به خارجاً أو ذهناً على نحو القضية الحينية (1). فقولك « هذا » لا يصدق على زيد إلاّ إذا صار مشاراً باليد أو بالعين ، والفرق بين مفهوم لفظ « المشار إليه » و لفظ « هذا » هو الفرق بين لفظ الربط ومفهوم « في » و « من ». (2)

توضيحه : انّه يمكن استظهار حال أسماء الإشارة من الإشارة التكوينية فانّ دورها هو إحضار المشار إليه عن طريق الإشارة بالاصبع والعصا ، وكان الإنسان البدائي يحضرها بالاستعانة بالإشارة التكوينية ، ولمّا تقدّم في مجال الحضارة قامت الألفاظ مكان الأعمال ، ووضع لفظ « هذا » مكان العمل التكويني فكانت النتيجة إحضار المشار إليه عن طريق الإشارة اللفظية فيكون الموضوع له ، الذاتَ الواقعة في إطار الإشارة ومجالها أو حين الإشارة.

وبالجملة المتبادر من أسماء الإشارة هو الذات المتقيدة بالإشارة على نحو يكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً. ودخول الإشارة بالمعنى الحرفي لا بالمعنى الاسمي.

وبذلك تظهر كيفية الوضع فهو عام فيكون الملحوظ قبل الوضع عاماً ( الذات في مجال الإشارة ) لكن الموضوع له خاص ، لأنّ الإشارة الخارجية ( لا مفهوم الإشارة ) معنى حرفي لا جامع مقولي بين أفرادها. فيتوصل بلفظ ( المفرد المذكر عند الإشارة ) إلى مصاديقها فتوضع عليها ، فيكون الموضوع له خاصاً.

ومنه تظهر حال الضمائر : الخطاب والتكلّم والغيبة حرفاً بحرف ، فالمتبادر

____________

1 ـ بل المقيدة بالإشارة كما سيوافيك في التوضيح.

2 ـ نهاية الدراية : 1/21.

72

من لفظ « أنت » و « أنا » و « هو » الذات عند الإشارة وإن كانت الإشارة في الضمير الغائب أضعف من الأوّلين.

ثمّ إنّ الإشارة اللفظية تتكفّل وراء إحضار المشار إليه ، بيان إفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه ، حضوره وغيبته ، ولذلك مسّت الحاجة إلى وضع الألفاظ وعدم الاكتفاء بالإشارات التكوينية.

وأمّا الموصول فالظاهر عدم وجود الإشارة فيه فهو بأسماء الأجناس أشبه ، ولأجل اشتمالها على الإبهام المطلق دون أسماء الأجناس تلزم الصلة بعدها ، فالظاهر انّ الوضع فيها عام كالموضوع له.

الجهة الثامنة : في الإخبار والإنشاء

الجمل الإنشائية على ضربين :

فضرب منها يُستخدم في باب الأمر والنهي ، وقسم منها في العقود والإيقاعات ، مثل قولك « بعت » أو « أنت طالق » إذا كنت في مقام الإنشاء ، وقد اختلف الأُصوليون في تبيين الفرق بين الإخبار والإنشاء على وجوه :

1. نظرية المحقّق الخراساني

اختار المحقّق الخراساني في المقام نفسَ ما اختاره في المعاني الاسمية والحرفية من عدم دخول واقعية الانشاء والاخبار في الموضوع له ، وإنّما هما من قيود الوضع وطوارئ الاستعمال. فمفاد « بعت » نسبة مادة البيع إلى المتكلّم إمّا بقصد ثبوت معناه في موطنه فإخبار ، أو بقصد تحقّقه وثبوته بنفس الاستعمال فإنشاء. (1)

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/16.

73

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره خلاف الحكمة فإذا كان المعنى في حدّ ذاته على قسمين ويريد المتكلّم تارة حكاية المعنى وأُخرى إيجاده بنفس الاستعمال ، فلا وجه للعدول عن هذا الطريق الطبيعي وجعل اللفظ لمعنى مشترك بين القسمين.

وبالجملة : اخراج مفاد الإخبار والإنشاء عن نطاق الموضوع له وجعلهما من قيود الوضع خلاف الوضع الطبيعي.

2. نظرية المحقّق الخوئي

إنّ للمحقّق الخوئي في باب الفرق بين الإنشاء والإخبار نظرية شاذة خالف فيها المشهور ، توجد جذورها في كلام المحقّق الإيرواني. (1) وقد ذكره في تعاليقه في أجود التقريرات. (2) وقرره تلميذه في المحاضرات ، ونحن نذكر ما في الأخير حيث قال : إنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر نفساني خاص ، وكلّ متكلّم متعهد بأنّه متى ما قصد إبراز ذلك ، يتكلّم بالجملة الإنشائية. مثلاً : إذا قصد إبراز اعتبار الملكية ، يتكلّم بصيغة « بعت » أو « ملكت » وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجية ، يبرزه بقوله : « زوجت » أو « أنكحت » وإذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب ، يتكلم بصيغة « إفعل » ونحوها.

فالجمل الإخباريةوالإنشائية تشترك في الدلالة على الإبراز ، إلاّ أنّ الأُولى مبرزة لقصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر ، وتلك مبرزة لاعتبار من الاعتبارات كالملكية والزوجية ونحوهما.

واستدلّ على ذلك بأنّ المراد من كون الإنشاء للإيجاد ، إمّا الإيجاد التكويني فهو بيّـن البطلان ، وإمّا الإيجاد الاعتباري ، كإيجاد الوجوب والحرمة والملكية

____________

1 ـ نهاية الدراية : 1/13.

2 ـ أجود التقريرات : 1/25 ـ 26.

74

والزوجية ، فيرده أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم ، فإنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني سواء أكان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن ، ومن هنا يعلم أنّه لا فرق بينها وبين الجمل الاخبارية. (1)

يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ لازم ما ذكره هو رجوع الإنشاء إلى الإخبار وقبوله الصدق والكذب مثل الاخبار ، فإذا كانت الجملة مطلقاً سواء كانت إنشائية أو إخبارية موضوعة للإبراز غير انّ المبرَز تارة يكون قصد الحكاية والإخبار عن الواقع ، وأُخرى الابراز عمّا في الذهن من اعتبار المالكية للمشتري والزوجية لزيد. فعندئذ يكون مفاد الجملة الإنشائية كالجملة الإخبارية ، غير أنّ إحداهما تحكي عن الخارج والثانية عن عمل الذهن ، ويتوجه عليه انّه يحتمل الصدق والكذب ، وهذا هادم لما هو المعروف من أنّ الجملة الإنشائية لا يصحّ وصفها بالصدق أو الكذب.

ثانياً : أنّ لازم ذلك كون « بعت » و « زوجت » مرادفاً لاعتبار الملكية للمشتري أو الزوجية للزوج وهو كما ترى.

ثالثاً : أنّ ما ذكره من أنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني سواء أكان هناك لفظ يتلفّظ به أم لم يكن ، غير تام ، وذلك لأنّه مبني على أنّوعاء الاعتبار هو الذهن ، وقد تم فيه مع أنّ الأُمور الاعتبارية لا خارجية ولا ذهنية ، بل لها واقعية في عالم الاعتبار ، والأثر مترتب على إيجاد الموضوع في ذلك الوعاء لا في وعاء الذهن.

فقولك : زوجت هذه لهذا إيجاد للزوجية في عالم الاعتبار لا في وعاء الذهن ، فما اعتبره في الذهن يكون كالمقدمة والأرضية الصالحة لإنشاء ما اعتبره في الذهن في عالم الاعتبار باللفظ على نحو يعد ذلك العمل في تلك الظروف وعاءً للإنشاء.

____________

1 ـ المحاضرات : 1/94 ـ 95.

75

وإن شئت قلت : إنّ الأثر غير مترتب على التصورات الذهنية وان ابرزه باللفظ ، بل الأثر مترتب على النقل والانتقال الإنشاءيّين بالسبب القولي أو السبب الفعلي. وأنت إذا لاحظت حقيقة المعاطاة تقف على أنّ الغاية هي إيجاد البيع بالسبب الفعلي الذي كان الإنسان البدائي يزاوله.

3. النظرية المختارة

إنّ مشاهير الأُدباء والأُصوليين ذهبوا إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية دور الإيجاد لمعانيها لا الكشف عن حقيقة خارجية أو ذهنية ، فقولك : « زوّجت » إيجاد للزوجية ، و « بعتُ » إيجاد للملكية ، و « هل قام زيد » إيجاد للاستفهام بالحمل الشائع ، والكلام في المقام في العقود والإيقاعات التي تدور عليها رحى الحياة فنقتصر على توضيحها ، وأمّا الكلام عن سائر الإنشائيات كمدلول الأمر والنهي فنرجئ البحث عنها إلى مكانها.

لا شكّ أنّ الزوجية والملكية والرئاسة اعتبارات اجتماعية ، إنّما الكلام في كيفية اعتبارها وانتقال الإنسان الاجتماعي إلى تلك الأُمور الاعتبارية ، فنقول :

إنّ سبب الانتقال إلى اعتبار هذه الأُمور إنّما هو التكوين ، مثلاً :

يرى الإنسان في الخارج أمرين مماثلين ، كالعينين والأُذنين والرجلين واليدين على نحو كلّ يدعم الآخر في العمل ومن جانب آخر يلمس الإنسان انّ بين الرجل والمرأة تجاذباً جنسياً وعاطفياً على نحو يُكمل كلّ منهما الآخر في مجالات مختلفة ، وهذا ما يدفع الإنسان الاجتماعي إلى اعتبارهما زوجين كالأُذنين ، غير انّ زوجية الأُذنين بالتكوين وزوجية الرجل والمرأة بالاعتبار والتنزيل.

ثمّ إنّ الزوجية الاعتبارية كالزوجية التكوينية تحتاج إلى عامل يوجدها

76

ويحقّقها ، فالعامل المكوّن للزوجية التكوينية هو خالق الكون ، والمكوّن للزوجية الاعتبارية هو السبب اللفظي أو السبب الفعلي ، فيقول : زوجت هذه بهذا ، أو زوجت المرأة المعلومة بالرجل المعلوم ، وبذلك يوجد ما اعتبره من الزوجية في عالم الاعتبار وعلى صعيد القانون بحيث يتلقّى العرف كلاً زوجاً للآخر.

ولك أن تجري ذلك البيان في الملكية الاعتبارية ، فانّ الإنسان يحسّ من جانب انّه مالك لكلّ عضو من أعضائه ولذلك يضيف الأعضاء إلى نفسه فيقول : يدي و رجلي وعيني وسمعي ، وهذه الملكية ملكية تكوينية.

ومن جانب آخر انّه يرى نفسه أولى من غيره لما جناه بيده من السمك من البحار والبلوط من الغابات ، بل يرى كلّ ما حصّله ببدنه وسائر أعضائه أولى بها من غيرها ، ولذلك يخاطب أمير المؤمنين (عليه السلام) جنوده ويقول : « فَجَناةُ أيديهم لا تكونُ لغيرِ أفواهِهِم ». (1)

ثمّ إنّه يحسّ في الحياة الاجتماعية إلى ضرورة التبادل بين ما يرى نفسه أولى به و ما يراه الآخر أولى به ، كدفع السمك الذي اصطاده من البحر إلى من يملك الحنطة فيقوم بالمبادلة يقول : بعت هذا بهذا ، أي ملكتك ما مَلِكتُ ، غير انّ الملكية التكوينية تحتاج إلى عامل تكويني ولكنّها في المقام بعامل لفظي.

وبذلك يعلم أنّ عالم الاعتبار عبارة عن تنزيل الفاقد منزلة الواجد ، أو تنزيل الموجود الاعتباري منزلة التكويني وأخذ الثاني أُسوة للجعل والإنشاء.

ولك أن تجري ذلك البيان في الرئاسة فانّ الرأس يدير البدن تكويناً فالإدارة بما أنّها أمر تكويني منحها اللّه سبحانه هذه المسؤولية إليه هذا من جانب ، ومن جانب آخر إذا كان هناك مجتمع لغاية عقلائية فالضرورة تقضي وجود مدير

____________

1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 232.

77

لهم وعند ذلك يعتبره رئيساً ، أي يعطي ما للرأس من الحكم التكويني لهذا الإنسان. وينشأ ما اعتبر ، بقوله : جعلته حاكماً ورئيساً لكم ، وبذلك يتبين انّ عامل الاعتبار كنفس المعتبرات ليس لها في الواقع والخارج مصداق يخصّه ولكن الحياة تدور على هذه المفاهيم الوهمية.

فخرجنا بتلك النتيجة : انّ الأحكام الإنشائية لا توصف بالصدق أو الكذب ، لأنّ السبب أعني : اللفظ أو الفعل وضعا للإيجاد ، والمفروض تحقّقه ويتلوه المسبب ، والصدق والكذب من آثار الحكاية.

الجهة التاسعة : في مفاد هيئة الجملة الاسمية

المعروف بين المنطقيين أنّ القضية تتركب من أُمور ثلاثة : الموضوع ، المحمول ، والنسبة ، وهي إمّا إيجابية أو سلبية ، وعلى ذلك فالقضية مشتملة على نسبة كلامية والدالّ عليها هيئة الجملة الاسمية.

ثمّ إن وافقت النسبةُ الموجودة في القضية الملفوظة أو المتصورة ، النسبةَ الخارجية ، فالقضية صادقة ، وإلاّ فهي كاذبة.

فيقع الكلام في مقامين :

الأوّل : في اشتمال القضية على النسبة التي نعبر عنها بالنسبة الكلامية.

الثاني : في وجود النسبة الخارجية.

والدليل الوحيد في المقام الأوّل هو التبادر ، كما أنّ الدليل في المقام الثاني هو البرهان العقلي. فلا يختلط عليك المقامان من حيث التحليل واختلاف البرهان.

أمّا الأوّل : فالظاهر عدم اشتمال القضية الحملية على النسبة الكلامية ، وذلك لأنّ هيئة الجملة الاسمية لم توضع لها بل وضعت للهوهوية وانّ هذا ذاك ،

78

فإذا لم يكن هناك دالّ على النسبة الكلامية ، فمن أين نعلم بأنّ القضية الكلامية تشتمل على النسبة ؟ هذا ، وانّ التبادر ببابك ، فلاحظ القضايا الحملية ترى أنّ المتبادر هو الهوهوية وانّ هذا ذاك لا أنّ هنا موضوعاً وهناك محمولاً وهناك نسبة تَربط المحمول بالموضوع ، فهذا غير متبادر جدّاً.

وإليك دراسة القضايا :

1. القضايا الحملية الأوّلية مثل : الإنسان إنسان أو حيوان ناطق.

2. القضايا الحملية الشائعة بالذات مثل : البياض أبيض.

3. القضايا الحملية الشائعة بالعرض مثل : الجسم أبيض.

والفرق بين القسمين الأخيرين أنّ الموضوع في الأوّل مصداق حقيقي للمحمول و في الثاني مصداق له بالعرض ، فانّ ما هو الأبيض واقعاً هو البياض ، وأمّا الجسم فإنّما يكون أبيض ببركة ذلك العارض له.

4. قضايا الهلية البسيطة مثل : زيد موجود.

5. قضايا الهلية المركبة مثل : زيد قائم.

ففي جميع هذه الموارد يتبادر من الهيئة الهُوهويّة ، أي كون المحمول عين الموضوع مفهوماً أو مصداقاً. ولا تتبادر الكثرة حتى يُربط أحدهما بالآخر بالنسبة ، فإذا سألك سائل بقوله : هل زيد قائم أو موجود ؟ فانّه يسأل عن أنّه هل هو ولا يسأل عن ثبوت الوجود أو القيام لزيد ، من دون فرق بين كون المشتق مركباً أو بسيطاً ، لأنّ الكلام ليس في مفهوم المشتق بل الكلام في مفهوم الجملة التركيبية فبساطة المشتق وتركبه غير مؤثر في ذلك.

هذا كلّه في الحمليات الموجبة بعامة أقسامها.

وأمّا الحمليات السالبة فالهيئة فيها موضوعة لسلب الحمل ونفي الهوهوية ،

79

فمعنى قول القائل : ليس زيد عالماً هو سلب كونه هو هو ، وانّه لا اتحاد بينهما ، وليس معناه حمل النسبة السلبية على زيد.

فالسوالب المحصلة من القضايا الحملية لسلب الهوهوية لا حمل النسبة السلبية على زيد.

هذا كلّه في الحمليات الحقيقية ، وأمّا الحمليات المؤوّلة ، أعني : ما تتخللها الأدوات مثل « في » و « على » فالحقّ انّ موجباتها تشتمل على النسبة الكلامية أوّلاً والخارجية ثانياً دون سالباتها ، فالأوّل مثل قولك : « زيد في الدار » أو « زيد على السطح » لأنّ تفسير الجملة عن طريق الهوهوية غير تام ، إذ لا يمكن أن يقال انّ زيداً هو نفس في الدار ، بل لابدّ من القول باشتمال الجملة على النسبة وهي انّ هنا زيداً ، كما أنّ هنا داراً وشيئاً ثالثاً وهو كون زيد فيها. وهو أمر وراء الموضوع والمحمول. وهذا من غير فرق بين مقام الدلالة ومقام الخارج ، ففي الخارج أيضاً زيد وسطح واستقرار زيد عليه نظير قولك : « الماء في الكوز » ، ففي هذا النوع من الحمليات ترافق النسبةُ الكلامية ، النسبةَ الخارجية.

وأمّا السوالب فهي لسلب النسبة ، فقولك : ليس زيد في الدار ، سلب للنسبة المذكورة الكلامية أو الخارجية.

وبذلك يعلم أنّ متعلّق السلب تابع لما هو مدلول القضية الحملية الموجبة ، فلو كان مدلولها هو الهوهوية فالسلب يتعلّق بسلب الهوهوية كما أنّه لو كان موجبها هو النسبة وحصول شيء في شيء أو على شيء فالسلب يتعلّق بسلب تلك النسبة.

إلى هنا تبيّن عدم اشتمال الجمل الاسمية على النسبة الكلامية إلاّ في الحملية المؤوّلة الموجبة ، فالقول بالاشتمال فيها هو الصحيح.

80

الثاني : في النسبة الخارجية

هذا كلّه حول المقام الأوّل ، وأمّا المقام الثاني أي عدم وجود النسبة الخارجية بين الموضوع والمحمول في عالم التطبيق ، فالدليل الوحيد هو البرهان لا التبادر.

والبرهان يثبت عدمها في القضايا التالية :

1. الحمل الأوّلي كقولك : الإنسان إنسان أو حيوان ناطق ، فلا نسبة خارجية بين الأمرين لامتناع جعل الربط بين الشيء ونفسه ، فانّ النسبة فرع التعدد والمفروض هو الوحدة في مقام المفهوم فضلاً عن مقام المصداق.

2. الهلية البسيطة ، مثل قولك : زيد موجود ، فانّ القول بوجود النسبة الحرفيّة بين الطرفين يستلزم استقلال الماهية وكونها طرفاً للنسبة وهو باطل.

3. الهلية المركبة ولكن المحمول من قبيل الذاتي في باب البرهان كقولك : زيد ممكن ، وإذ يمتنع أن تكون هناك نسبة خارجية بين زيد وإمكانه ، لأنّ المفروض انّ المحمول ينتزع من صميم الموضوع وحاقه على نحو يكون وضع الموضوع كافياً لوضع المحمول ، فكيف يمكن أن يكون هناك رابط بينهما ؟

4. الحمل الشائع بالذات ، مثل قولنا : البياض أبيض ، لامتناع تصور النسبة بين الشيء ومصداقه الذاتي.

فلم يبق إلاّ الحمل الشائع بالعرض ، مثل قولنا : الجسم أبيض أو زيد قائم ففيه التفصيل بين النسبة الكلامية والنسبة الخارجية ، فالأُولى منتفية لما عرفت من أنّ الهيئة الكلامية موضوعة للهوهوية لا للنسبة ، وأمّا الثانية فهي متحقّقة فانّ زيداً شيء و القيام شيء آخر ، وحصول القيام له أمر ثالث.

ومنه تظهر حال الحمليات المؤوّلة نحو زيد في الدار ، أو زيد على السطح ،

81

فالقول بالنسبة الخارجية فيها كالنسبة الكلامية ـ على ما مرّ ـ موافق للتحقيق ، فانّ زيداً شيء والسطح شيء آخر واستقراره عليه أمر ثالث الذي هو معنى حرفي.

إذا عرفت ما ذكرنا تقف على أنّ منهجنا في دراسة هذه المقدّمة أقرب إلى التحقيق لما عرفت من تفكيك النسبة الكلامية عن النسبة الخارجية ، وبرهنا على الأوّل بالتبادر ، وعلى الثانية بالبرهان ، خلافاً للسيّد الأُستاذ فانّه جعل برهان الأمرين شيئاً واحداً واستدلّ من عدم النسبة الخارجية على انتفاء النسبة الكلامية مع أنّه لا ملازمة بين الانتفاءين. إذ لم يكن الواضع فيلسوفاً حتى يضع الهيئة وفق مقتضى البرهان.

82

الأمر الثالث

في الحقيقة والمجاز

عرّف المجاز بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له لمناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، فإن كانت المناسبة هي المشابهة فالمجاز استعارة ، وإلاّ فالمجاز مرسل ، كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ وبالعكس ، كاستعمال العين في الإنسان مثل ما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « عيني بالمغرب كتب إليّ يُعلمني ». (1)

وعكسه كاستعمال الإنسان في عضو منه ، كما في قولك : ضربت إنساناً ، إذا ضربت عضواً منه.

وعلى قول هؤلاء يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالوضع وحسب تحديد الواضع حيث إنّ الواضع رخص فيما إذا كان هناك علقة مشابهة أو سائر العلائق البالغة إلى 25 علاقة.

هذا هو المعروف ولكن هناك نظرية جديدة أبدعهاالعلاّمة أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني ( 1285 ـ 1362 هـ ) في كتابه « وقاية الأذهان » وتبعه السيد المحقّق البروجردي ( 1292 ـ 1380 هـ ) والسيّد الأُستاذ ( قدس اللّه أسرارهم ) وهذه النظرية من بدائع الأفكار في عالم الأدب ، وقد أحدثت هذه

____________

1 ـ نهج البلاغة ، قسم الكتب ، برقم 33.

83

النظرية انقلاباً في عالم المجاز حيث استطاعت أن تغيّر العديد من المفاهيم السائدة آنذاك ، وحاصلها انّ اللفظ في مجال المجاز يستعمل في نفس المعنى الحقيقي بالإرادة الاستعمالية لكن بادّعاء انّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي ، يقول العلاّمة أبو المجد : إنّ تلك الألفاظ مستعملة في معانيها الأصلية ، ومستعملها لم يحدث معنى جديداً ولم يرجع عن تعهده الأوّل ، بل أراد بها معانيها الأوّلية بالإرادة الاستعمالية على نحو سائر استعمالاته من غير فرق بينهما في مرحلتي الوضع والاستعمال. (1)

والدليل على ذلك انّ الغاية المتوخاة من المجاز كالمبالغة في النضارة والصباحة أو الشجاعة أو إثارة التعجب لا يحصل إلاّ باستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي لا في المعنى المجازي ، ويعلم ذلك بالإمعان في الأمثلة التالية :

1. يحكي سبحانه عن امرأة العزير انّه لما سمعت بمكر نسوة في حاضرة مصر بقوله : ( ... أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَة مِنْهُنَّ سِكّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ للّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَريمٌ ). (2)

والغاية من وصفه بـ « ملك » هو المبالغة في النضارة والصباحة ، وهو لا يتم إلاّ أن يستعمل اللفظ في نفس المعنى الحقيقي « فرشته » لا في الإنسان الجميل ، لأنّه لا يؤمّن الغرض المنشود إلاّ به ، بشهادة انّك لو قلت هكذا : « ما هذا بشراً إنْ هذا إلاّ إنسان جميل » لسقطت العبارة عن قمة البلاغة.

2. لدى أسد شاكي السلاح مقـذف* * * له لبد اظفاره لم تقلم

فالشاكي مقلوب « الشائك » وهو حدة السلاح ، وقوله : مقذف ، أي من له

____________

1 ـ وقاية الأذهان : 103.

2 ـ يوسف : 31.

84

صولات في ساحات الوغى ، فالغرض هو المبالغة في الشجاعة وانّه أسد حقيقة بشهادة انّه أثبت له لبداً وأظفاراً غير مقلّمة ، والغاية المتوخّاة لا تحصل إلاّ باستعمال الأسد في نفس الحيوان المفترس لكن بادّعاء انّ المورد من مصاديقه. وأمّا إذا استعمل في الرجل الشجاع يكون الكلام بعيداً عن البلاغة بشهادة انّك لو قلت : « لدى رجل شجاع ذي سلاح حاد » ترى بوناً شاسعاً بين المعنيين.

3. قامت تظلّلني ومن عجب* * * شمس تظلّلني مـن الشمس

والغرض هو إثارة العجب من أنّ المحبوبة بما انّها شمس ساطعة صارت تظلّله من الشمس ، والتعجب إنّما يحصل إذا استعمل الشمس الأُولى في نفس معناها ، وعندئذ يتعجب الإنسان كيف تكون الشمس مظلّلة من الشمس ؟! بخلاف ما إذا قلنا بأنّها استعملت في المرأة الجميلة ، إذ لا موجب عندئذ للتعجب ، لأنّ الأجسام على وجه الإطلاق جميلة وغير جميلة تكون حائلة عن الشمس.

وبذلك تقف على حقيقة أدبية ، وهي انّ المجاز ليس من قبيل التلاعب باللفظ بل من قبيل التلاعب بالمعنى على حد تعبير السيّد الأُستاذ ، فالإنسان البليغ لا يستعير لفظ الأسد للرجل الشجاع وإنّما يستعير معناه له ، وهو لا يتحقّق إلاّ باستعماله في نفس الموضوع له ، غاية الأمر بادعاء ، فيكون المجاز هو استعمال اللفظ في المعنى ليكون قنطرة للفرد الادّعائي.

فإن قلت : إنّ تلك النظرية إنّما تصحّ في اسم الجنس الذي له فرد حقيقي وفرد ادّعائي لا في الاعلام كحاتم ويوسف اللذين ليس لهما إلاّ فرد واحد.

قلت : إنّ قوام المجازية هو ادّعاء العينية ، وهو يدّعي انّه نفس حاتم ونفس يوسف وليس مغايراً.

85

ويمكن أن يقال : انّ حاتم ويوسف قد خرجا عن العلمية وصارا عند المتكلم اسماً للسخي غاية السخاء ، والجميل غاية الجمال ، فعندئذ يستعمله في الجامع المنطبق على ذينك الفردين.

والذي يؤيد كون المجاز من مقولة الاستعمال فيما وضع له هو انّ الكناية عند القوم من قبيل استعمال اللفظ في الملزوم لغاية الانتقال إلى لازمه ، فهو أشبه بالمجاز حيث إنّه من قبيل الاستعمال في المعنى الحقيقي لغاية الانتقال إلى الفرد الادّعائي. والفرق بينهما وجود الادعاء في المجاز دون الكناية.

فإن قلت : ما الفرق بين هذه النظرية وما نسب إلى السكاكي في كتابه « مفتاح العلوم » حيث إنّه هو أيضاً يدّعي انّ المعنى المجازي فرد ادّعائي للمعنى الحقيقي ؟

قلت : الفرق بينهما واضح ، ذلك انّ السكاكي يعتقد كالمشهور بأنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له من أوّل الأمر لكن المجوز لاستعارته لما لم يوضع له هو ادّعاء كونه من مصاديق ما وضع له ادّعاءً على خلاف تلك النظرية التي تقول باستعمال اللفظ فيما وضع له مدّعياً بأنّه من مصاديق ما وضع له من أوّل الأمر ، وإليك نصّ عبارة السكاكي في « مفتاح العلوم » ، قال في علم البيان :

وأمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق ، استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها ، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع ، ثمّ أخذ في تفسير قيود التعريف.(1)

____________

1 ـ مفتاح العلوم : 153 ، ط مصر عام1318 هـ.

86

وعلى هذا البيان يمكن إرجاع كثير من المجاز في الاسناد إلى المجاز في الكلمة ، فقوله سبحانه حاكياً عن إخوة يوسف : ( وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ الّتي كُنّا فِيها وَالعِيرَ الّتي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُون ) (1)فالمشهور انّه من قبيل المجاز في الاسناد بتقدير أهل القرية ، نظير قول الفرزدق في مدح زين العابدين (عليه السلام) :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته* * * والبيت يعرفه والحل والحرم

فالمعروف انّه من قبيل المجاز في الاسناد أي يعرف أهل البطحاء وطأته ، ولكن الحقّ انّ الجميع من قبيل المجاز في الكلمة ، لأنّه بصدد المبالغة أنّ الأمر من الوضوح وصل إلى حدّ حتى أنّ جدران القرية مطّلعة على هذا الأمر ، وانّ البطحاء تعرف وطأة الإمام فضلاً عن أهلها.

وبذلك يظهر انّ صحّة الاستعمالات المجازية تستند إلى الوضع ، لأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له ، ولكن حسنه يستند إلى الطبع والذوق.

وبعبارة أُخرى : المصحح هو الوضع منضماً إلى حسن الطبع.

____________

1 ـ يوسف : 82.

87

الأمر الرابع

في استعمال اللفظ في اللفظ

إنّ استعمال اللفظ في اللفظ يتصوّر على أقسام أربعة :

1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه ، مثل زيد ـ في كلامي هذا ـ لفظ.

2. إطلاق اللفظ وإرادة مثله ، مثل زيد ـ في كلام القائل زيد قائم ـ لفظ.

3. إطلاق اللفظ وإرادة صنفه ، كقول القائل : زيد في ضرب زيد فاعل.

4. إطلاق اللفظ وإرادة نوعه ، كقولنا : زيد على وجه الإطلاق لفظ.

فيقع الكلام في مقامين :

الأوّل : صحّة الإطلاق.

الثاني : كون ذلك الإطلاق استعمالاً أم لا ؟ وعلى فرض كونه استعمالاً ، فهل هو حقيقي أو مجازي ؟

لا كلام في صحّة الإطلاق ، وأدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه ، فالأمثلة تعرب عن استحسان الذوق هذا النوع من الإطلاق ، ولم يخالف في ذلك أحد من الأُصوليين إلاّ صاحب الفصول في القسم الأوّل ، فلنرجع إلى المقام الثاني وانّ هذا الإطلاق هل يوصف بالاستعمال أو لا ؟ فلنأخذ كلّ قسم بالبحث.

88

1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه

إنّ حقيقة الاستعمال تقوم على أركان ثلاثة :

الأوّل : إطلاق اللفظ.

الثاني : انتقال المخاطب عند سماع اللفظ إلى الصورة الذهنية.

الثالث : انتقاله منها إلى الوجود الخارجي.

مثلاً إذا قلنا : « قام زيد » يتحقّق هناك الركن الأوّل وهو إطلاق اللفظ ثمّ يعقبه انتقال المخاطب إلى الصورة الذهنية من قيام زيد ، وبما انّ القضيّة ليست ذهنية ينتقل المخاطب من الصورة الذهنية إلى الوجود الخارجي ، ولذلك قلنا بأنّ الاستعمال ثُلاثي الأركان.

وأمّا المقام ، أعني : إطلاق اللفظ وإرادة شخصه ، فليس هناك إلاّ ركنان :

أ : إطلاق اللفظ.

ب : انتقال المخاطب إلى الصورة الذهنية ثمّ انتقاله إلى نفس اللفظ الصادر ( الركن الأوّل ) مكان الانتقال إلى الركن الثالث ، أعني : الوجود الخارجي المغاير للّفظ.

وبعبارة أُخرى : انّ الاستعمال أمر ثلاثي ، وهو الانتقال من اللفظ إلى الصورة الذهنية له ، ومنها إلى الخارج ، ولكن الأمر هنا ثنائي ينتقل من اللفظ إلى الصورة الذهنية ومنها إلى اللفظ.

وبعبارة ثالثة : انّ هنا وجوداً خارجياً للّفظ وهو أمر تكويني قائم بالمتكلّم ، وصورة ذهنية له حاصلة في ذهن المخاطب ثمّ انتقال إلى اللفظ الصادر من المتكلّم من دون أن ينتقل إلى شيء ثالث ، فالمنتقل إليه وإن كان لفظاً خارجياً لكنّه ليس شيئاً ثالثاً.

89

فالمقام من قبيل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب لينتقل منه إلى نفس الموضوع ثمّ يحكم عليه بأنّه كذا.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية وتبعه سيد مشايخنا البروجردي ذهب إلى أنّ هذا القسم من قبيل إلقاء نفس الموضوع في ذهن المخاطب ، ولعلّه من سهو القلم ، بل من قبيل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب ، لأنّ الهوية الخارجية لا تنالها النفس ولا تقع في لوحها.

ومن ذلك يعلم أنّ المقام ليس من قبيل الاستعمال لما عرفت من أنّ الاستعمال ثلاثي الأركان و المقام من قبيل ثنائي الأركان.

وأمّا وصف القضية بالدال والمدلول فلا مانع منه ، فاللفظ بما انّه موجد للصورة في ذهن المخاطب دال ، وبما انّه يُنتقل من الصورة الذهنية إلى نفس ذلك اللفظ فهو مدلول ، كما أنّ الدلالة ليست من قبيل الدلالة الوضعية ، لأنّ الدلالة عبارة عن دلالة اللفظ على معناه الخارجيّ الذي هو غير الصورة الذهنية للّفظ وغير شخص اللفظ ولكن ليس في المقام وراء الأمرين شيء.

ثمّ إنّه لم يخالف في هذا القسم إلاّ صاحب الفصول وقد ذكر دليلاً لمنع صحّة الإطلاق نقله صاحب الكفاية وأجاب عنه ، ولكن أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه حيث إنّ الطبع السليم يستحسن هذا النوع من الإطلاق فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضرات شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة.

2. إطلاق اللفظ وإرادة مثله

كما إذا قال : زيد في قولك : زيد قائم ، لفظ وأراد اللفظ الصادر من المخاطب. لا شكّ في إمكانه إنّما الكلام في كون الإطلاق استعمالاً ، أو لا ، والحقّ

90

انّه استعمال حيث يكون زيد وسيلة وآلة للحاظ مماثله وتصوّره ، فيكون دالاً والمماثل مدلولاً ، فالمماثل هنا بمنزلة المعنى.

وإن شئت قلت : إنّ التلفّظ بلفظ « زيد » يكون سبباً لإيجاد الصورة الذهنية للفظ في ذهن المخاطب ، ثمّ هو ينتقل من تلك الصورة إلى الصورة المماثلة وهو أمر ثالث لا إلى نفس ذلك اللفظ حتى يكون من قبيل القسم الأوّل.

نعم هذا النوع من الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز ، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي وإطلاقه وإرادة المماثل ليس استعمالاً فيما وضع له ولا في غير ما وضع له بنوع من العلاقة.

3 و 4. إطلاق اللفظ وإرادة صنفه ونوعه

المراد من الصنف هو النوع المحدود بقيود ، فإذا قال : زيد في ضرب زيد فاعل فقد حدّ طبيعة زيد بكونه بعد الفعل ، فأطلق لفظ زيد وأُريد منه صنف ذلك اللفظ وهو الواقع بعد فعل ضرب.

نعم الحكم لا يختص بزيد الوارد في الجملة ، بل يعمّه وكل ما ورد بعد فعل ضرب في كلام أيّ متكلّم كان.

وأمّا الرابع ، أعني : إطلاقه وإرادة النوع كما إذا قال : « زيد لفظ » وأراد منه نوع اللفظ لا خصوص ما تكلم ولا مثله ولا صنفه ، فزيد من أي متكلم صدر لفظ ولا شكّ في إمكان هذين الإطلاقين ، إنّما الكلام كونه استعمالاً أو لا ؟ والظاهر حسب المعيار الذي عرفت أنّه من قبيل الاستعمال ، لأنّ المخاطب ينتقل من سماع زيد إلى الصورة الذهنية ومنه إلى أمر ثالث وهو زيد الواقع بعد الفعل أو طبيعة اللّفظ.

91

والحاصل : انّ ركن الاستعمال الذي يقوم على أركان ثلاثة موجود ، فانّ المخاطب ينتقل من الصورة الذهنية إلى مراد المتكلّم ، أعني : الصنف أو النوع وهو أمر ثالث.

وبما انّ هذه المقدّمة لا تمتّ إلى الأُصول بصلة وإنّما هي بحث أدبي ، اكتفينا بهذا المقدار.

فتحصّل ممّا ذكرنا : انّ القسم الأوّل ليس استعمالاً كما أنّه ليس من قبيل إلقاء نفس الموضوع ، بل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب ، وأمّا الأقسام الثلاثة فهي من قبيل الاستعمال ، لأنّ المخاطب ينتقل بعد سماع اللفظ إلى الصورة الذهنية ومنها إلى الفرد المماثل أو الصنف أو النوع.

92

الأمر الخامس

في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية

وقبل الخوض في المقصود ، نذكر أمرين :

الأوّل : ما هو السبب لطرح المسألة ؟

عرّف المحقّق الطوسي في « منطق التجريد » ، الدلالةَ المطابقية : أنّها دلالة اللفظ على تمام المسمّى. والتضمنية : انّها دلالة اللفظ على جزئه.

وذكر العلاّمة في شرحه على « منطق التجريد » انّه أورد على المحقّق الطوسي الإشكال التالي وهو : انّ هذا التعريف غير مانع فيما إذا كان اللفظ مشتركاً بين الكلّ والجزء ، كما إذا كان لفظ الإنسان موضوعاً للحيوان الناطق تارة ولخصوص الناطق أُخرى فأطلق الإنسان وأراد الناطق ، فيصدق عليه انّه مطابقي ، لأنّه تمام الموضوع بالنسبة إلى الوضع الثاني ، وتضمني ، لأنّه جزء الموضوع بالنسبة إلى الوضع الأوّل.

ثمّ نقل العلاّمة عن المحقّق الطوسي أنّه أجاب عن الإشكال و قال : إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه ، بل باعتبار الإرادة والقصد واللفظ ، فحينما يراد منه المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمني فهو يدلّ على معنى واحد لا غير. ثمّ قال العلاّمة : وفيه نظر. (1)

____________

1 ـ الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد : 4.

93

توضيح جواب المحقّق الطوسي هو : انّ المتكلّم إذا أطلق الإنسان و أراد الناطق فإن أراده بما انّه تمام المعنى فلا يصدق انّه معنى تضمني ، وإن أراد أنّه جزء المعنى فلا يصدق عليه انّه معنى مطابقي.

و قد أجاب المحقّق الطوسي بنفس هذا الجواب عن إشكال أُورد على تعريف المفرد حيث عُرّف المفرد بأنّه الذي ليس لجزئه دلالة أصلاً ، واعترض عليه بعض المتأخرين بلفظ « عبد اللّه » إذا جعل علماً لشخص فانّه مفرد مع أنّ لجزئه دلالة ما.

فأجاب عنه المحقّق الطوسي بأنّ دلالة اللفظ لما كانت وضعية كانت متعلّقة بإرادة المتلفّظ الجارية على قانون الوضع ، فما يتلفّظ به ويراد به معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى ، يقال له انّه دال على ذلك المعنى ؛ وما سوى ذلك المعنى ممّا لا تتعلّق به إرادة المتلفّظ ، لا يقال إنّه دالّ عليه ، وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه ، بحسب تلك اللغة أو لغة أُخرى أو بإرادة أُخرى ، يصلح لأن يدل به عليه.

وإذا ثبت هذا فنقول ، اللفظ الذي لا يراد بجزئه الدلالة على جزء معناه ، لا يخلو من أن يراد بجزئه ، الدلالة على شيء آخر أو لا يراد ، وعلى التقدير الأوّل لا تكون دلالة ذلك الجزء متعلّقة بكونه جزءاً من اللفظ الأوّل ، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظاً برأسه دالاً على معنى آخر بإرادة أُخرى ، وليس كلامنا فيه ، فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدال من حيث هو جزء دلالة أصلاً وذلك هو التقدير الثاني بعينه ، فحصل من ذلك انّ اللفظ الذي لا يراد بجزئه دلالة على جزء معناه لا يدل جزؤه على شيء أصلاً. (1)

والحاصل : انّه إذا تلفّظ بلفظ عبد اللّه ، فإمّا يتلفّظ به بما انّ جزء لفظه يدل

____________

1 ـ شرح الإشارات : 1/31 ـ 32.

94

على جزء معناه أو لا يدل ؛ فعلى الأوّل مركب خارج عن التعريف ، وعلى الثاني مفرد لا ينتقض به التعريف.

وعلى كلّ تقدير فالمحقّق الطوسي ممّن ذهب إلى أنّ دلالة اللفظ على المعنى موقوفة على إرادة المتلفّظ ذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع ، إذ الغرض من الوضع تعدية ما في الضمير وذلك يتوقّف على إرادة اللافظ فما لم يرد المعنى من اللفظ لم تجد له دلالة عليه. (1)

الثاني : أشكال أخذ الإرادة جزءاً للمعنى

إنّ وضع اللفظ للمعنى المراد يتصوّر على وجوه :

1. أخذ الإرادة بالحمل الأوّلي ( مفهوم الإرادة ) جزءاً للمعنى.

2. أخذ الإرادة بالحمل الشائع الصناعي ( مصداق الإرادة ) جزءاً للمعلوم بالذات.

3. أخذ الإرادة بالحمل الشائع جزءاً للمعلوم بالعرض.

4. أخذ الارادة بالحمل الشائع الصناعي بنحو القضية الحينية فـي الموضـوع له.

5. أخذ الإرادة بالحمل الشائع الصناعي قيداً للوضع. هذه هي الوجوه المتصوّرة.

إذا عرفت هذين الأمرين ، فلنذكر حكم كلّ واحد من هذه الوجوه :

أمّا الوجه الأوّل ، فهو بديهي البطلان ، ولم يذهب إليه أحد.

وأمّا الثاني أي كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالذات ( الصورة الذهنية ) التي

____________

1 ـ المحاكمات لقطب الدين الرازي في ذيل الإشارات : 1/32.

95

تعلّقت بها الإرادة بالحمل الشائع ، فيلزم أن تكون القضايا إخباراً عن الأُمور الذهنية لا إخباراً عن الخارج ، لأنّ المعلوم بالذات الذي هو متعلّق الإرادة قائم بالذهن ، فالقيد والمقيد كلّها أُمور ذهنية وبالتالي لا ينطبق على الخارج.

وأمّا الثالث ، أي كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض الذي تعلّقت به الإرادة عن طريق الصورة الذهنية (1) ، فهذا أيضاً يستلزم عدم إمكان حمل قائم على زيد الخارجي ، لأنّ الموضوع في « قائم » مركب من أمر خارجي ( المعلوم بالعرض ) وأمر ذهني ( تعلّق الإرادة به ) فلا يصحّ أن يقال : « زيد قائم » إلاّ بالتجريد ، فانّ القيام وإن كان موجوداً في الخارج إلاّ أنّ الإرادة التي وصف بها القيام عن طريق الصورة الذهنية أمر ذهني.

وأمّا الرابع ، أي كون الموضوع له المعلوم بالعرض حين تعلّقت به الإرادة على نحو لا يصدق اللفظ إلاّ على المعنى المراد و في الوقت نفسه ليس كونه مراداً جزءاً للمعنى ، و هذا هو مفاد القضية الحينية.

توضيحه : انّ القضايا على أقسام ثلاثة :

أ : المشروطة ، مثل قولك : كلّ كاتب متحرك الأصابع مادام كاتباً ، فحركة اليد ثابتة للكاتب بشرط كونه كاتباً.

ب : المطلقة ، مثل قولك : كلّ كاتب متحرك الأصابع بالفعل ، أي في أحد الأزمنة الثلاثة ، فحركة اليد للكاتب على وجه الإطلاق.

ج : والحينية ، وهي نحو قولك : كلّ كاتب متحرك الأصابع حين هو كاتب ، فحركة اليد ثابتة للكاتب لا على وجه الإطلاق حتى يعم المحمول ( الحركة ) حالة

____________

1 ـ وإنّما يوصف الخارج بكونه معلوماً بالعرض ، لأنّ الإنسان يصل إليه عن طريق الصورة الذهنية ، فتكون الأخيرة معلومة بالذات وما قبلها معلوماً بالعرض.

96

عدم الكتابة و لا على وجه التقييد حتى يؤخذ في الموضوع مادام كونه كاتباً ، ولكنه في الوقت نفسه لا ينطبق إلاّ على حال الكتابة ، فالمحمول في الحينية وإن كان مطلقاً غير مشروط لكنّه على نحو لا ينطبق إلاّ على المشروطة ؛ وهذا كما إذا رأيت زيداً معمّماً ، فالتعمّم ليس قيداً للمرئيّ ولا للرؤية ، ولكنّه لا ينطبق إلاّ على المعمّم وأنت ما رأيت إلاّ زيداً المعمّم ، و في المقام ، اللفظ وضع لذات المعنى لكن حين كونها مراداً للمتكلّم واللافظ. وعلى ضوء ذلك لا يرد عليه ما أوردنا من انقلاب القضية الخارجية إلى الذهنية كما في الثاني ، ولا عدم انطباق القضية على الخارج كما في الثالث ، والحينية مع كونها نزيهة عما أورد على القسمين ولكنّها لا تنطبق إلاّ على المضيق وهو المعنى المراد.

يلاحظ عليه : بأنّ القضية الحينية وإن كانت رائجة بين المنطقيّين ولكن لم نتصور لها معنى محصلاً ، فانّ الكتابة في قوله : « حين هو كاتب » إمّا قيد للمحمول ( متحرك الأصابع ) فيكون من قبيل المشروط ، أو ليس قيداً له و للمحمول إطلاق ، فيكون من قبيل المطلقة العامة ، فما معنى هذا التذبذب بين المشروطة والمطلقة ، وإن نطق به المنطقيون ؟

وبعبارة أُخرى : انّ القول بأنّ المحمول هو المتحرك المقترن بالكتابة لا بقيدها لا يخلو من إبهام ، لأنّ المحمول إمّا مقيد بالاقتران بالكتابة أو لا ، وعلى الأوّل تعود الحينية إلى المشروطة ، وعلى الثاني يكون المحمول مطلقاً صادقاً في كلتا الحالتين : حالة وجود الكتابة وعدمها.

وبذلك يظهر انّ قوله إنّ الموضوع له هي المعاني حالة كونها مرادة لا مقيداً بها لا يخلو إمّا أن تكون القضية مطلقة فتعم المرادة و غير المرادة ، أو مقيدة فيرجع إلى المشروطة.

97

وبعبارة أُخرى : انّ تمييز الحصة التوأمة بالإرادة عن الحصة غير التوأمة يحتاج إلى قيد حتى يوضع لاحدى الحصتين دون الأُخرى. ومعه يرجع إلى المشروطة.

وأمّا الخامس : فهو خيرة المحقّق الإصفهاني فقال : العلقة الوضعية متقيدة بصورة الإرادة الاستعمالية وفي غيرها لا وضع ، وما يرى من الانتقال إلى المعنى بمجرّد سماع اللفظ من لافظ غير شاعر فمن جهة أُنس الذهن بالانتقال من سماعه إلى إرادة معناه. (1)

توضيح ما ذكره : هو أنّ الوضع فعل اختياري للواضع ، وكلّ فعل اختياري لابدّ له من غاية ، فالعلّة الغائية تضيق جانب الفعل وتحدده وتخصه بصورة وجوده الغاية وهو الإفادة والاستفادة أو إبراز ما في الضمير.

يلاحظ عليه : أنّ الغرض من الوضع وإيجاد العلقة الاعتبارية بين اللفظ والمعنى ، هي بيان الحقائق الواقعية بما هي هي لا ما وقعت في أُفق الإرادة ، فإذا قال القائل : « الماء جسم رطب سيال » ، فانّه يريد بيان الحقيقة الخارجية وانّ ذلك العنصر بما هو هو لا بما انّه واقع في ذهن القائل ، فإذا كانت الغاية محددة للفعل فالغاية هي بيان الحقائق وهو يوجب إطلاق العلقة الوضعية وعدم تقيّدها بإرادة المتكلّم.

بقي هنا أُمور :

الأوّل : انّ الدلالة تنقسم إلى : تصورية ، وتفهيمية ، وتصديقية.

أمّا الأُولى : فهي عبارة عن دلالة اللفظ على معناه عند سماعه ، وربّما يعبّر عنها بالدلالة الوضعية ، وهي لا تتوقف على شيء ما عدا العلم بالوضع ، ولأجل

____________

1 ـ نهاية الدراية : 1/23.

98

ذلك ينتقل الذهن إلى المعنى بمجرّد السماع ولو من لافظ غير شاعر.

وأمّا الثانية : أعني الدلالة التفهيمية ، فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ المتكلّم أراد تفهيم المعنى للغير ، وهذه الدلالة تتوقّف وراء العلم بالوضع على أنّ المتكلّم في مقام التفهيم ، لا في مقام تمرين الخطابة وأمثالها أو تعلم اللغة.

وأمّا الثالثة : أي الدلالة التصديقية ، فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجديّة ، وهي تتوقف وراء الأمرين على أمر ثالث وهو أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية. وهذا الأصل وما قبله أي كونه بصدد التفهيم من الأُصول العقلائية إذا لم يقم دليل على خلافه.

الثاني : انّ المحقّق الخراساني لما قال بوضع الألفاظ للمعاني الواقعية حاول تأويل الكلام المنقول عن العلمين الطوسي والحلي ، بأنّ مرادهما من تبعية الدلالة للإرادة ، هو الدلالة التصديقية ولذلك لا يصحّ لنا أن نُسند مضمون الكلام إلى شخص ما لم يُحرز أنّه أراد ذلك المعنى ، وعليه لو تكلّم مورّياً أو تقيّة أو لغير ذلك لا يصحّ أن يسند مضمونه إليه.

أقول : ما ذكر من تبعية الدلالة التصديقية لإرادة المتكلّم وإن كان صحيحاً لكنّه ليس نظرية خاصّة للعلمين ، بل هي ممّا لم يختلف فيه اثنان ، فاشتمال كلامهما على التبعية ناظر إلى معنى آخر وهو تبعية الدلالة التصورية أو الوضعية للإرادة. وعذر المحقّق الخراساني في هذه النسبة ، عدم مراجعته لكلامهما في محلّه.

الثالث : انّ كلّ من فسّر الوضع بالتعهد والالتزام وقال إنّه عبارة عن التعهد بأنّ كلّما أطلق اللفظ أراد منه المعنى الخاص لا مناص له عن القول باختصاص الدلالة الوضعية بصورة قصد التفهيم وإرادة المعنى من اللفظ.

لأنّ الالتزام أو التعهد الذي هو مقوّم الوضع إنّما يتعلّق بالأمر الاختياري ،

99

وما هو تحت اختيار الواضع هو ذاك ( كلّما أطلق اللفظ أراد منه المعنى ) ، وأمّا الالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه و لو صدر منه عن غير شعور أو اختيار ، فلا يعقل أن يكون طرفاً للالتزام والاختيار.

وبالجملة : إنّما يتعلّق الالتزام بفعل الإنسان لا بفعل غيره. وفي أفعال النفس يتعلّق بالاختياري منها لا بالخارج عنه ، كالنطق نائماً أو ساهياً.

100

الأمر السادس

في وضع المركّبات

ربّما نسب إلى بعض الأُدباء القول بوضع خاص للمركّبات وراء المفردات.

توضيحه : انّ قولنا « زيد إنسان » حاو لأوضاع ثلاثة ، فللموضوع وضع ، وللمحمول وضع آخر ، وللهيئة وضع ثالث ، فنسب إلى بعض الأُدباء انّه يقول : إنّ هنا وضعاً رابعاً وهو وضع مجموع المادة والهيئة ، وربّما يتجاوز عدد الأوضاع عن الأربعة إلى الخمسة ومن خمسة إلى ستة ، مثلاً : قولنا : « زيد قائم » للمحمول وضعان : وضع للمادة ، ووضع للهيئة مضافاً إلى وضع المبتدأ والهيئة ، فيكون وضع المجموع وضعاً خامساً.

ولو كان لكلّ من الموضوع والمحمول وضع ، كقولنا : « الضارب متعجب » ينتهي عدد الوضع إلى ستة وهكذا يزداد عدد الأوضاع.

فسواء أصحت النسبة إلى بعض الأُدباء ( كما يظهر من شرح المفصّل لابن مالك انّ لهذا القول قائلاً ) أم لم تصح فالقول بوضع المجموع ساقط ، وذلك للوجوه التالية :

1. انّوضع المجموع أمر لغو ، لأنّ وضع المفردات والهيئة الاسمية كافيتان في إفادة المراد من دون حاجة إلى وضع المجموع من حيث المجموع.

2. ما ذكره ابن مالك في شرحه على المفصل ، وقال : إنّه لو كان للمجموع

101

وضع لما كان لنا أن نتكلّم بكلام لم يسبق إليه ، إذ المركب الذي أحدثناه لم يسبق إليه أحد.

توضيحه : انّه لو كان للمجموع وراء المفردات والهيئة وضع للزم أن تكون صحة الاستعمال متوقفة على الوضع المذكور ، وعلى ذلك فلو كانت الجملة مما سبق استعمالها وتعلق بها وضع الواضع يصحّ لنا الاستعمال ، وأمّا إذا كانت من الجمل المحدثة التي لم يسبق استعمالها ولم يتعلق بها الوضع لزم عدم صحّة استعمالها ، لأنّها ليست على موازين الوضع كقولنا : « ارمسترونغ أوّل رائد فضائي ».

وربّما يورد على تلك النظرية بأنّه : لو صحّ لزم الانتقال إلى المعنى مرتين في آن واحد ، لفرض وضع المفردات مرّة ، والمجموع من حيث المجموع مرّة أُخرى ، وهذا يكون نظير ما إذا أتى الإنسان أوّلاً بأسماء كلّ عضو من أعضاء الإنسان ، ثمّ أتى بلفظ الإنسان الجامع للأعضاء كلّها مرة ثانية.

يلاحظ عليه : أنّ الانتقال معلول للأُنس الحاصل من الاستعمال المعلول للوضع ، وتعدّد الوضع لا يوجب تعدّد الانس فلا يلزم الانتقال.

إكمال

المعروف انّوضع المواد شخصي ووضع الهيئات نوعي ، ويراد منه أنّ المصدر بوحدته الشخصية كالضرب والقتل موضوع لمعناه ، بخلاف الهيئات فانّها موضوعة بجامعها العنواني فيقال هيئة فاعل وضعت لمن قام بالفعل.

وقد أورد عليه بأنّه إن أُريد من نوعية الوضع في الهيئات عدم اختصاصها بمادة معينة فانّ المادة أيضاً غير مختصة بهيئة معينة ، فانّ المصدر له صيغ مختلفة كالضارب والمضروب التي هي كالهيئة بالنسبة إلى المصدر.

102

وإن أُريد من شخصية الوضع في المواد امتياز كلّ مادة عن الأُخرى ، فكل هيئة أيضاً تتميز عن الأُخرى إذ هيئة الفاعل غير هيئة المفعول.

والظاهر انّ مراد القائل بنوعية الوضع في الهيئات وشخصيته في المواد هو انّ الهيئة غير قابلة للحاظها مستقلّة بل تلاحظ في ضمن مادة لكن وضعها كذلك كالضارب يوجب عدم اطّرادها في مادة أُخرى ، فيجب أن توضع بشكل لا يكون للمادة ( الضرب ) فيها أي مدخلية كأن يقال : هيئة ضارب وما يشبهها ، وهذا معنى نوعية الوضع في الهيئة ، فليس الوضع متعلّقاً لهيئة شخصية قائمة بمادة معلومة ، بل لها ولما يشبهها.

وأمّا المادة فهي قابلة للحاظها استقلالاً فلا تكون مقيدة بالهيئة ولو استخدمنا الهيئة فإنّما هي لإمكان النطق بها لا للحاظها مستقلاً.

فإن قلت : فعلى ذلك يكون المصدر هو مادة المشتقات مع أنّ المادة يجب أن تكون موجودة بعامة خصوصياتها في المشتقات ، ومن المعلوم انّ المصدر وإن كان موجوداً بمادته في سائر المشتقات ولكن هيئته غير موجودة ، لأنّها تمنع طروء الصيغ المختلفة عليه.

قلت : إنّ هيئة المصدر ليست جزءاً ، وإنّما استخدمنا الهيئة لإمكان النطق بها. فالموضوع هو ( ض ، ر ، ب ) والهيئة آلة لإمكان النطق بها. وعليه تكون المادة متوفرة في جميع الصيغ.