إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
103

الأمر السابع

في علائم الوضع

أو تمييز الحقيقة عن المجاز

قد ذكروا لتمييز الموضوع له عن غيره أو تمييز الحقيقة عن المجاز علائم أربع ، نذكرها واحدةً بعد الأُخرى.

العلامة الأُولى :

التبادر

التبادر عبارة عن سبق المعنى من اللفظ عند الإطلاق بنفسه من غير قرينة.

وبعبارة أُخرى : انسباق المعنى إلى الذهن من حاقِّ اللفظ لا عن القرينة بحيث كان السبق مستنداً إلى اللفظ نفسِه لا إلى القرينة فيكون دليلاً على أنّه موضوع له ، إذ ليس لحضور المعنى منشأ إلاّ أحد أمرين : إمّا القرينة أو الوضع فإذا انتفى الأوّل ثبت الثاني.

ثمّ التبادر إنّما يكون كاشفاً عن الوضع إذا كان سبق المعنى من اللفظ أمراً

104

مرتكزاً في النفس كما هو الحال في أهل اللغة حيث إنّ الإنسان إذا نشأ وترعرع بين أهل اللغة يرتكز معنى اللفظ في ذهنه فإذا تبادر بلا قرينة يكون دليلاً على الوضع.

فإن قلت : إنّ سبق المعنى إنّما يكون دليلاً على الحقيقة إذا فُسّـر المجاز باستعماله في غير ما وضع له ، وأمّا على القول المختار من أنّ المجاز هو اللفظ المستعمل في الموضوع له ـ كالحقيقة ـ لكن بادّعاء انّ المنطبق عليه من مصاديق اللفظ ، فلا يكون دليلاً على الحقيقة لاشتراكهما في أنّ المستعمل فيه هو الموضوع له.

قلت : إنّ المستعمل فيه في الحقيقة والمجاز و إن كان واحداً لكن يفترقان بانسباق نفس المعنى الحقيقي من اللفظ مجرداً عن الادّعاء بخلاف المجاز فانّ الانسباق فيه على أساس الادّعاء.

مشكلة الدور في التبادر

وقد أورد على كون التبادر علامة الوضع لاستلزامه الدور ، فانّه يُستخدم للعلم بالوضع ، وعلى ذلك فالعلم بالوضع متوقّف على التبادر ، وهو متوقّف على العلم بالوضع ، إذ لولا العلم به لما تبادر.

يلاحظ عليه : بأنّ المستعلِم ( بالكسر ) إمّا من أهل اللسان أو من غيره ، فإن كان من أهل اللسان فالعلم التفصيلي بالوضع ، موقوف على تبادره ولكن تبادره موقوف على العلم الارتكازي بالوضع الذي ربّما يعبّر عنه بالعلم الإجمالي ، وهذا النوع من العلم الارتكازي يحصل للإنسان الناشئ بين أهل اللغة منذ نعومة أظفاره.

وإن كان المستعلم من غيرهم فعلمه تفصيلاً بالوضع موقوف على تبادر

105

المعنى من اللفظ عند أهل اللسان وتبادرهم موقوف على علمهم بالوضع من طرق شتّى.

ثمّ إنّ هناك كلاماً للمحقّق العراقي في رفع الدور حيث قال : إنّ العلم المستفاد بالتبادر غير العلم الذي يتوقف عليه التبادر حتى لو قلنا بتوقفه على العلم التفصيلي ، لأنّه يكفي في ارتفاع الدور تغاير الموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع ولا بالصنف ، ولا شبهة في مغايرة العلم الشخصي الحاصل بالتبادر للعلم الشخصي الذي يتوقف عليه التبادر. (1)

يلاحظ عليه : أنّه إذا كان العلم التفصيلي الثاني موجوداً في لوح النفس قبل التبادر ، فلا معنى لتحصيل مثله كما لا يخفى.

بقيت هنا أُمور :

الأوّل : ربما يقال إذا كان الموضوع للاحتجاج هو ظهور الكلام سواء أكان حقيقة أم مجازاً فلا فائدة في معرفة الموضوع له ، وتمييز المعنى المجازي عن المعنى الحقيقي والذي يعتبره العقلاء هو ظـهور الكلام سواء كان الموضوع له أو لا. (2)

يلاحظ عليه : أنّه إذا كان الكلام ظاهراً في معنى ، كان لما ذكره وجه ، وأمّا إذا كان الكلام مجملاً فانعقاد الظهور موقوف على العلم بالوضع ، وهو يُعرف بالتبادر فيكون لمعرفة الموضوع له أثر وفائدة.

الثاني : انّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت كونه المعنى الحقيقي في عصر الرسول والأئمّة (عليهم السلام) حتى يحمل اللفظ الوارد من الكتاب والسنّة عليه إلاّ أن يعضد بأصالة عدم النقل ، وقلنا بأنّ مثبتاتها حجّة ، ولعلّه على هذا جرت سيرة

____________

1 ـ المحقّق العراقي : بدائع الأفكار : 1/97.

2 ـ المحقّق العراقي : المقالات : 31 ، والتعبير منّا.

106

المفسرين للقرآن حيث يفسرون الأشعار الجاهلية والرسائل القديمة بالمعاني الرائجة في أيامهم.

الثالث : انّ التبادر كما قلنا إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة ، وإلاّ فالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة ، وعلى هذا فلو أحرزنا أنّ التبادر مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فهو ، وإلاّ فهل يُجدي أصالة عدم القرينة لإثبات كون المعنى متبادراً من حاق اللفظ أو لا ؟ الظاهر لا ، لا لأجل عدم حجّية الأصل المثبت ـ لما علمت أنّ الأصل اللفظي حجّة في مثبتاته ـ بل لأنّ العقلاء إنّما يستخدمون ذلك الأصل عند الشكّ في المراد فيعيّنون به المراد ، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة وانّه هل هو على نحو الحقيقة أو المجاز فلا ، وما هذا إلاّ لأنّ العقلاء يستخدمون الأُصول فيما يمسّ بحاجاتهم ، و أمّا تعيين كيفية الإرادة وانّها هل هي على وجه الحقيقة أو المجاز فخارج عن مقاصدهم.

بحث استطراديّ

قد انتهى البحث عن التبادر وهناك بحث استطرادي ، وهو أنّ الدور المتوهم في التبادر ، نفس الدور المتوهم في الشكل الأوّل ، حيث إنّ العلم بالنتيجة موقوف على العلم بكلّية الكبرى ، والعلم بكليتها موقوف على العلم بثبوت الأكبر للأصغر ، ففي المثال المعروف : العالم متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث ، فلا شكّ أنّ العلم بالنتيجة موقوف على العلم بكلية الكبرى ، أي أنّ كلّ متغير ( حتى العالم ) حادث ، والعلم بكليّتها فرع العلم بالنتيجة ، إذ لولا العلم بأنّ الأصغر ( العالم ) من مصاديق الأوسط ( المتغير ) لما أمكن له الحكم بنحو الكلية.

وقد نقل أنّ العارف أبا سعيد أبا الخير أورد تلك الشبهة على الشيخ الرئيس

107

أبي علي ابن سينا قائلاً : بأنّ الاستنتاجات كلها من طرق الأشكال الأربعة والثلاثة الأخيرة تنتهي إلى الشكل الأوّل وهو مستلزم للدور ، لأنّ ثبوت النتيجة يتوقف على كلية الكبرى ، ولا يعلم صدق الكبرى على النحو الكلي حتى يكون الأكبر ( الحادث ) صادقاً على الأصغر ( العالم ).

وكان في وسع الشيخ أبي سعيد تبيين الشبهة بأقوى من ذلك بأن يقول : إنّ الموادّ التي تتألف من الأقيسة لا تتجاوز عن خمسة أقسام.

فالقسم الشعري والمغالطي خارجان عن حيّز الاعتبار ، وقسم الجدل لإسكات الخصم وتبكيته ، وربما يكون باطلاً عند المجادل ، والقياس الخطابي لإقناع الإنسان العاجز عن إدراك البرهان ، والقياس البرهاني يصاغ بأحد الأشكال الأربعة ، وأفضلها هو الشكل الأوّل وهو لا ينتج لاستلزامه الدور.

وقد نقل انّ الشيخ ملا خليل القزويني الذي تتلمذ على الشيخ بهاء الدين العاملي والمحقّق الداماد كان ممّن يجوّز الترجيح بلا مرجّح ويستشهد برغيفي الجائع وطريق الهارب وانّه يختار أحدهما بلا مرجح ، كما يعتقد ببطلان الشكل الأوّل لاستلزامه الدور بالبيان الآتي ، ولما وقف على أنّ المحقّق آغا حسين الخوانساري أجاب عن شبهته ، غادر قزوين متوجهاً إلى إصفهان ولما نزل بها ودخل المدرسة صادف بها أحد تلاميذ الخوانساري أعني الشيخ ميرزا محمد حسن الشيرواني فسأله عن سبب مجيئه إلى إصفهان ، فقال : جئت لأناظر الخوانساري لاعتقاده بصحّة الشكل الأوّل وأنا أعتقد بكونه عقيم.

فقال الشيرواني : لماذا ؟

أجاب : لأنّه مستلزم للدور ، والدور باطل ، فالشكل الأوّل باطل.

فقال الشيرواني : يا للعجب ما أتقن برهانَك حيث تستدل بالشكل الأوّل على بطلان الشكل الأوّل ، فانّ ما ذكرته نفس الشكل الأوّل.

108

فلمّا سمع القزويني الجوابَ ركب راحلتَه وعاد إلى قزوين من دون أن يرى حاجة لمواجهة الخوانساري.

إنّ هذا النوع من التفكير الذي كان عليه القزويني شائع بين أهل العرفان المجرّدين عن البرهان حتى انّ جلال الدين الرومي من تلك الزمرة حيث يبرهن بالعقل على عدم حجّية العقل ويقول :

پاى استدلاليان چوبين بود* * *پاى چوبين سخت بى تمكين بود

و حاصله : انّ البرهان كالقدم الخشبي ، والقدم الخشبي ضعيف المقاومة ، فينتج انّ البرهان ضعيف المقاومة ، ترى أنّه يستدلّ بالبرهان العقلي على صورة الشكل الأوّل على بطلان البرهان.

هذا وقد أجاب الشيخ الرئيس عن الدور الذي طرحه العارف أبو سعيد أبو الخير وقال : إنّ كلية الكبرى موقوفة على العلم باندراج الأصغر في الأكبر إجمالاً ، والمقصود من النتيجة حصوله تفصيلاً ؛ وقد أوضحه المحقّق السبزواري في شرحه على منطق منظومته وقال : إنّ الحكم يختلف باختلاف العنوان ، حتى يكون الموضوع بحسب وصف ، معلوم الحكم ، وبحسب وصف آخر مجهولاً ، فيستفاد حكمه باعتبار وصف ، من العلم بحكمه باعتبار وصف آخر ، فإذا قلنا كلّ إنسان حيوان ، وكلّ حيوان حساس ، أخذنا أفراد الحيوان الذي هو الحد الأوسط بعنوان الحيوان ، لا بعنوان الإنسان و مجانساته ، فلا دور ولا مصادرة ، وتختلف الأحكام باختلاف العنوانات اختلافاً بيناً. (1)

فالإنسان بما انّه حيوان ، نعلم أنّه حساس ، ونريد أن نقف على أنّه حساس ، بما انّه إنسان فالعلم الثاني موقوف على الأوّل بلا عكس.

____________

1 ـ الحكيم السبزواري : شرح المنظومة : قسم المنطق ، 79.

109

وأوضحه المحقّق الآشتياني بقوله : إنّ العلم بالنتيجة ، أي أنّ العالَم ـ بالخصوص وبالتفصيل ـ حادث يتوقف على العلم بالمقدمتين ، وأمّا العلم بأنّ كلّ متغيّر حادث لا يتوقف على العلم بأنّ العالم بما هو عالم وبعنوان كونه عالَماً بخصوصه وتفصيلاً ، حادث ، بل على العلم إجمالاً بعنوان انّه شيء متغير ، حادث لا بعنوان انّه عالَم بخصوصه ، فالعلم به من حيث إنّه متصف بعنوان خاص وهو العالمية محكوم بصفة أُخرى وهي الحدوث ، متوقف على العلم به من حيث إنّه متصف بصفة أُخرى بعنوان آخر ، وهو كونه شيئاً متغيراً ، فلا دور لاختلاف طرفي التوقف. (1)

جواب آخر عن الدور

وهو انّ العلم بالنتيجة موقوف على كلية الكبرى ، ولكن العلم بكلية الكبرى موقوف على الدليل العقلي الدال على الملازمة بين التغيّر والحدوث من دون نظر إلى مصداق دون مصداق ، فإذا دلّ الدليل العقلي على أنّ التغير عبارة عن التدرّج في الوجود ، والتدرج يلازم تحقّق الشيء شيئاً فشيئاً يكون التغير ملازماً للحدوث ، فالعقل ينتزع من هذه الملازمة قانوناً كلياً باسم كل متغير حادث.

هذا إذا كان الموضوع في الكبرى دليلاً على الملازمة كالتغير ، وربما لا يكون كذلك وإنّما تعلم كلية الكبرى من دليل خارجي ، مثلاً نقول : هذا مثلث وكلّ مثلث زواياه تساوي زاويتين قائمتين ، فالعلم بالكبرى رهن البرهان الهندسي على انّ مقدار زوايا المثلث ، تساوي زاويتين قائمتين.

تمّ الكلام في التبادر وإليك البحث في العلامة الثانية.

____________

1 ـ الآشتياني : التعليقة على شرح المنظومة.

110

العلامة الثانية :

صحّة الحمل وصحّة السلب

إنّ صحّة الحمل تعرب عن كون الموضوع هو المعنى الحقيقي كما أنّ صحّة السلب آية كونه مجازاً.

وتحقيق المقام يحتاج إلى بيان أُمور :

الأوّل : انّ الحمل إمّا أولي ذاتي أو شائع صناعي ، فالأوّل عبارة عمّا إذا كان بين المحمول والموضوع وحدة مفهومية ، وأمّا الثاني فهو عبارة عن كون الموضوع من مصاديق المحمول ، وكان الاتحاد في مقام الوجود والعينية دون المفهوم كما إذا قلنا : زيد إنسان.

ثمّ إنّ صحّة الحمل إنّما تجدي في القسم الأوّل كأن يقال : الحيوان المفترس أسد ، والحيوان الناطق إنسان ، بخلاف الحمل الشائع الصناعي فانّه لا يثبت كون الموضوع هو الموضوع له للمحمول ، وإنّما يثبت كونه من مصاديق المحمول ، وهو ليس بمطلوب في المقام ، ولذلك نركّز في المقام على الحمل الأوّلي دون الحمل الشائع الصناعي.

الثاني : انّ كيفية الاستعلام تتحقّق بالنحو التالي :

يُتخذ المعنى موضوعاً وينظر إليه لا بما هو لفظ بل بما انّه مفهوم ، ويجعل اللفظ الذي نريد استعلام معناه ، محمولاً ويقال : الحيوان المفترس أسد أو الحيوان الناطق إنسان ، فإذا صحّ الحمل يكون ذلك علامة على أنّ الموضوع ، هو الموضوع له ، كما أنّ صحّة السلب آية انّه ليس بموضوع له ، كما إذا قال : الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة.

الثالث : انّ المحقّق القمي فرّق بين صحّة الحمل وصحّة السلب ، فاكتفى

111

في الأوّل بصحّة حمل معنى واحد على الموضوع ، وقال في الثاني بأنّه لا يكون علامة إلاّ إذا صحّ سلب جميع المعاني الحقيقية عن المستعمل فيه لئلا يرد النقض في المشترك فانّه يصحّ سلب بعض المعاني عن مورد ، كالعين بمعنى الذهب عن الفضة ولا يصحّ سلب جميعها. (1)

الرابع : قد أورد السيّد الأُستاذ على كون صحّة الحمل علامة الوضع ، أو صحّة السلب علامة المجاز ، بأنّ الاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع ، السابق على الحمل وسلبه ، فيكون اسناده إلى الحمل وسلبه في غير محله.

فإن قلت : إنّما يصحّ ما ذكر إذا كان المستعلم من أهل اللسان ، وأمّا إذا كان من غيرهم فلا تبادر ولا وحدة عنده بين الموضوع والمحمول فحينئذ إذا رأى صحّة الحمل عند العرف أو صحّة السلب يجد ضالّته.

قلت : إنّ صحّة الحمل عند أهل اللغة أو عدم صحّته يرجع إلى تنصيص أهل اللغة واللسان وليست بعلامة مستقلة ، لأنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير. (2)

يلاحظ عليه : انّا نختار الشق الأوّل وانّ المراد هو صحّة الحمل عند المستعلم لكن إنّما تكون صحّة الحمل مسبوقة بالتبادر إذا كان زمان الاستعلام مقارناً بزمان الحمل وسلبه فيسبقه التبادر ويغني عن غيره.

وأمّا إذا كان زمان الحمل مقدّماً على زمان الاستعلام ، كما إذا صدر الحمل عن الإنسان في مقام إلقاء الخطابة أو المحاضرات العلمية ولم يكن حينذاك بصدد الاستعلام وإنّما تكلم بما تكلم ارتجالاً ، ولما صار بصدد الاستكشاف وقف

____________

1 ـ قوانين الأُصول : 1/21.

2 ـ تهذيب الأُصول : 1/58.

112

على حمله أو سلبه السابقين ، فيستدل به على كون الموضوع حقيقة أو مجازاً.

ونختار الشق الثاني ونقول : إنّ المراد من تنصيص أهل اللغة هو تصريحهم بالموضوع على وجه تفصيلي كقاموس اللغة وأساس البلاغة ولسان العرب ، وما أفاده من أنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير فيرجع إلى تنصيصه ، غير تامّ ، بل العلم بها يحصل من الوقوف ولو بالقرائن الخارجية على كون الحمل أو السلب صحيحاً عندهم وإن لم يصرّحوا بصحّة الحمل.

الخامس : قد سبق انّ التبادر لا يثبت إلاّ انّ الموضوع هو المعنى الحقيقي في عصر المتعلّم ، وامّا انّه هو الموضوع له في عصر النبي والأئمّة فلا يتم إلاّ بأصالة عدم النقل المتفق عليها عند العقلاء ، ومثله صحّة الحمل أو عدم صحّة السلب فلا يثبت إلاّ كون الموضوع هو المعنى الحقيقي في عصرنا.

نعم لو قلنا بأنّ المدار في الحجّية هو الظهور الواصل للسامع كفى نفس التبادر وصحة الحمل المثبتين لهذا الظهور.

وأمّا لو كان المدار هو الظهور حين صدوره من المتكلّم فهو يحتاج ـ وراء التبادر أو صحة الحمل ـ إلى أصالة عدم النقل.

السادس : انّ مشكلة الدور وحلها في المقام نفسها في التبادر طابق النعل بالنعل.

113

العلامة الثالثة :

الاطّراد

إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كلي بحيثية خاصة ، كرجل باعتبار الرجولية في زيد وعمر ، مع القطع بكونه غير موضوع لكل واحد على حدة ، استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذاك الكلي ، وعلم أنّه موضوع للجامع بين الأفراد. واحتمال كونه مجازاً لأجل العلاقة ، مدفوع بعدم الاطّراد في علائق المجاز ، فانّ علامة الجزء والكل ليست مطردة بشهادة انّه يصحّ استعمال العين في المراقب ولا يصحّ استعمال الشعر فيه ، ويصحّ استعمال اللسان في الوكيل دون الصدر فيه وغير ذلك.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة :

1. انّ المجاز وإن لم يطرد في نوع علائقه ومطلق المشابهة إلاّ انّه في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز مطرد كالحقيقة. (1)

يريد أنّ استعمال الجزء في الكل وإن كان ليس بمطّرد في نوع تلك العلاقة بأنْ يطلق الجزء كالشعر ويراد الكل أي الإنسان ، لكنّه مطّرد في خصوص ما كان للجزء دور خاص في مورد الاستعمال كالعين في المراقبة ، والتبيين في اللسان ، والعمل في اليد.

ثمّ إنّه لما التفت إلى وجود الفرق بين الاطّرادين حيث إنّ الاطّراد في الحقيقة عار عن التأويل ، بخلاف الاطّراد في المجاز فانّه لا يصحّ إلاّ مع التأويل ، أي تنزيل الجزء منزلة الكل ، وكأنّه ليس للإنسان الجاسوس شأن سوى العين والنظر ،

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/28.

114

وللعامل سوى العمل باليد ، وهكذا ، وعلى ذلك فالاطّراد بلا تأويل علامة الحقيقة ، والاطّراد معه آية المجاز.

ولما التفت إلى ذلك الإشكال حاول الإجابة عنه من دون أن يذكر الإشكال وقال :

2. وزيادة قيد من غير تأويل أو على وجه الحقيقة وإن كان موجباً لاختصاص الاطّراد كذلك في الحقيقة إلاّ انّه حينئذ لا يكون علامة لها إلاّ على وجه دائر. (1)

توضيحه : انّ العلم التفصيلي بالحقيقة موقوف على الاطّراد من غير تأويل أي الاطّراد على وجه الحقيقة تفصيلاً فيلزم اتحاد الموقوف والموقوف عليه.

ثمّ قال : إنّه لا يمكن الإجابة عن الدور بما ذكر في التبادر وصحة الحمل ، لأنّ أحد الطرفين فيهما كان تفصيلياً والآخر إجمالياً بخلاف المقام فانّ الطرفين على نحو التفصيل.

3. وإلى الإشكال الثالث يشير المحقّق الخراساني بقوله : ولا يتأتّى التفصّي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا ضرورة أنّه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطّراد أو بغيره. (2)

وحاصل كلام المحقّق الخراساني يرجع إلى أُمور ثلاثة :

الأوّل : انّ المجاز مطرد كالحقيقة في صنف العلامة.

الثاني : انّ إضافة قيد « بلا تأويل » في تعريف الاطّراد يوجب الدور.

الثالث : الجواب المذكور عن الدور في العلامتين الماضيتين لا يأتي هنا.

وقبل الإجابة عن هذه الإشكالات نوضح واقع الاطّراد وانّه لو كان هناك

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/29.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/29.

115

علامة للتعرف على الحقيقة لمن يريد الوقوف على اللغة هو الاطّراد غير انّ المشهور لم يعيروا أهمية لهذه العلامة حتى أنّ البعض ترك البحث فيها ، غير أنّ المتتبع لاستعمالات اللغة يجد أنّ الاسلوب الوحيد للتعرّف على معاني الألفاظ هو الاطّراد.

توضيح ذلك : انّ الجاهل باللغة إذا أراد أن يعرف معاني اللغات الأجنبية من أهل اللسان ليس له طريق إلاّ الاستماع لمحاضرات أهل اللغة في مقامات مختلفة ، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصاً تستعمله طوائف مختلفة مع ثقافات متنوعة بحيثية واحدة في معنى واحد ينتقل إلى أنّه هو الموضوع له وانّ الاستعمال خال عن القرينة ، مثلاً : رأى أنّ الفقيه يقول : الماء طاهر ومطهّر ، أو قليل أو كثير ، ويقول الكيميائي : الماء مركب من عنصرين أوكسيجين وهيدروجين ، ويقول الفيزيائي : الماء لا لون له ، والكل يستعمل ذلك اللفظ في مورد خاص بحيثية واحدة وهو المايع السيال ، وبما انّ المستعملين ذوو ثقافات مختلفة فمن البعيد أن يكون بينهم اتفاق على الاستعمال ، فإذاً ينتقل الإنسان إلى أنّ الماء في لغة العرب موضوع للجسم الرطب السيال ، فالفقيه العربي كالكيمياوي العربي مثل الفيزياوي كلّ يطلق ذلك اللفظ على هذا المعنى بما هو من أبناء تلك اللغة لا بما هو فقيه أو كيمياوي أو فيزياوي.

وبذلك يعلم أنّ طريق اقتناص معاني اللغة الأجنبية إنّما هو الاطّراد ، فلنفترض انّا لا نعلم معنى الغنيمة الواردة في قوله سبحانه : ( وَاعْلَمُوا انّما غَنِمْتُم من شَيْء فأَنّ للّهِ خُمُسَه ) (1) حيث إنّ معناها مردد بين غنيمة الحرب أو مطلق ما يفوز به الإنسان ، فالسنّة على الأوّل ، والشيعة على الثاني ، ومن الطرق الموضحة

____________

1 ـ الأنفال : 41.

116

لمعناها هو التتبع في لغة العرب واستعمالها في كلمات أهل اللسان في خصوص الغنيمة الحربية أو مطلق ما يفوز به الإنسان ، فإذا رجعنا إلى القرآن نرى أنّه يستعمله في المعنى الثاني ويقول : ( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرَة ) (1) ، فالمراد من الغنائم عند اللّه هو الثواب الأُخروي ، وإذا رجعنا إلى السنّة نرى أنّها تستعمله في ذلك المعنى ، يقول رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : « غنيمة مجالس الذكر الجنة » (2) وفي حديث آخر : « رمضان غنم المؤمن » (3) إلى غير ذلك من الموارد التي تستعمل في ألسنة أهل اللغة في معنى عام ، فإذاً يحدس الإنسان بأنّه الموضوع له ، وأمّا استعمالها في الغنيمة ا لحربية فلأجل أنّها من مصاديق ذلك المعنى ، وإن شاع الاستعمال الثاني في ألسن المفسرين والفقهاء.

إذا وقفت على ما ذكرنا فلنرجع إلى نقد ما ذكره المحقّق الخراساني.

أمّا الإشكال الأوّل : أعني وجود التسوية بين الحقيقة والمجاز حيث إنّ الثاني مطرد في صنف العلائق كالحقيقة.

فالإجابة عنه واضحة ، وذلك لأنّ المجاز غير مطّرد حتى في مورد صنف العلاقة ، لأنّ المجاز عبارة عن حسن استعمال اللفظ في الموضوع له لكن بادّعاء أنّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي ، ولكن حسن هذا الادّعاء رهن أمرين :

أ : أن يستحسنه الذوق ، فلو قال أسد وأراد به الحيوان المفترس وطبّقه على الرجل الشجاع يستحسنه الذوق ، دون ما إذا قال أسد وأراد الحيوان المفترس لكن طبقه على الرجل الأبخر بادعاء أنّ الحيوان المفترس أيضاً أبخر.

ب : كون المقام مناسباً لإظهار هذا الادّعاء ، فلا يستعمل الأسد في المعنى

____________

1 ـ النساء : 94.

2 ـ انظر الاعتصام بالكتاب والسنّة : 292 تجد فيها أحاديث أُخرى مع مصادرها.

3 ـ انظر الاعتصام بالكتاب والسنّة : 292 تجد فيها أحاديث أُخرى مع مصادرها.

117

المجازي إلاّ إذا كان المقام مناسباً لإظهار بطولته وشجاعته ، كما في قول الشاعر :

لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم

بخلاف ما إذا لم يكن المقام مقتضياً له كما إذا حاول أن يشاركه في الغذاء فلا يصحّ أن يقول يا أسد تفضل إلى الطعام بل يجب أن يقول : يا صديق تفضل إلى الطعام.

فهناك فرق بين يا رجل و يا أسد ، فالثاني لا يصحّ إلاّ إذا كان المقام مختصاً ببيان شجاعته ، بخلاف الأوّل فانّه يطّرد مطلقاً في عامة المقامات ، وبذلك يظهر اختصاص الاطّراد بالحقائق دون المجازات ، ولأجل ذلك قلنا لو صحّ استعمال اللفظ في موارد مختلفة مع محمولات مختلفة ، لكشف عن كون المجوز هو الوضع دون القرينة.

ومثله إذا قلنا « فلان عين » فليس له اطّراد ، كاطّراد لفظ الإنسان إلاّ في مقام خاص وهو كونه مراقباً للأُمور.

وأمّا الإشكال الثاني : أعني إضافة « من غير تأويل » إلى تعريف الاطّراد يستلزم الدور.

فالظاهر أنّ المحقق الخراساني زعم أنّ العلم بالموضوع له على وجه الحقيقة متوقف « على الاطّراد من غير تأويل » على نحو يجب أن يحرز قبل الاستعلام « الاطّراد بلا تأويل » ثمّ يستخدمه المستعلم في التعرف على الموضوع له ، فلو كان هذا هو المراد لكان لإشكاله وجه ، إذ مع العلم بالمعنى الحقيقي ، لا جهل حتى نتوسل إلى رفعه ، مضافاً إلى اتحاد الموقوف والموقوف عليه.

وأمّا إذا كان المراد أنّ العلم بالمعنى الموضوع له على وجه الحقيقة موقوف على إعمال الاطّراد بكثرة حتى يقف المستعلم بأنّ الاستعمال في هذه الموارد الكثيرة

118

ليس مقروناً بالتأويل ، فهو لا يستلزم الدور ، لأنّ قيد « من غير تأويل » ليس قيداً للاطّراد من أوّل الأمر وإنّما هو نتيجة الإطراد.

وعلى ذلك فالعلم بالموضوع له على وجه الحقيقة متوقّف على الاطّراد ، لكن إلى حد يحصل العلم بأنّه ليس في المقام أي تأويل وتنزيل ، وإلاّ فلو كان لعُلم ، فهو ( أي من غير تأويل ) نتيجة الاطّراد وفي طوله لا في عرضه.

وعلى ذلك فينشأ من الاطّراد أُمور ثلاثة :

أ. انّ الاطّراد نتيجة الوضع.

ب. الاطّراد ليس مقروناً بالتأويل.

ج. انّ المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي.

إلى هنا تمّت الإجابة عن الإشكالين.

وأمّا الإشكال الثالث من انّ الجواب عن الدور على النحو السابق في التبادر وصحّة الحمل لا يأتي في المقام فقد علم جوابه ممّا ذكرنا ، وذلك لأنّ العلم بالحقيقة على وجه التفصيل هو الموقوف ولكن الموقوف عليه هو الاطّراد إلى حد ينتهي إلى العلم بعدم التأويل ، فعندئذ يحصل العلم بالعلم بالحقيقة.

وقد أورد على الاطّراد السيّد الأُستاذ إشكالاً آخر وحاصله :

أنّ الاطّراد مسبوق بصحّة الحمل فيكون غير محتاج إليه.

ويمكن الإجابة عنه ، بأنّ الاطّراد إنّما يكون مسبوقاً بصحّة الحمل لو علم انّ الحمل صحيح بلا قرينة ، وأمّا إذا شكّ في أنّ المصحّح للحمل ذات الموضوع ، أو بضميمة قرينة فلا يكون مسبوقاً به ، فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة مع الحمل عليه بمحمولات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة ، وأنّ المجوز هو الوضع ، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف.

119

ثمّ إنّ كون الاطّراد دليلاً على الحقيقة ليس بمعنى أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة كما عليه المرتضى ، وذلك للفرق بين القولين فانّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في كلّ استعمال ما لم يعلم كونه مجازياً كون المستعمل فيه معنى حقيقياً ، ولأجل ذلك ذهب إلى أنّ اشتراك صيغة الأمر في الوجوب والندب لأجل استعماله فيهما.

وبالجملة : هو يكتفي بمجرّد الاستعمال ويجعله دليلاً على الحقيقة.

وما ذكرنا يرجع إلى أنّ استعمالاً واحداً أو اثنين لا يكشف عن كون المستعمل فيه حقيقة إلاّ إذا انتهى إلى حدّ نطمئنّ بأنّ الانتقال من اللفظ إلى المعنى ، مستند إلى الوضع لا إلى القرينة إذ لو كان لبان ، ولو خفي في مورد فلا يكاد يخفى في الموارد المختلفة ، وكم فرق بين القولين.

العلامة الرابعة :

تنصيص أهل اللغة

قد ذكروا انّ تنصيص أهل اللغة على معنى اللفظ من أسباب التعرّف على المعنى الحقيقي وتمييزه عن المعنى المجازي ، والمراد من أهل اللغة هم الذين ألّفوا معاجم اللغة وقواميسها ، منهم :

1. الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي سيد أهل الأدب ، فهو أوّل من دوّن لغة العرب على وفق حروف المعجم لكنّه رتب الحروف حسب مخارجها من الحلق ، فاللسان فالأسنان ، فالشفتين ، وبدأ بحرف العين وختمها بحروف العلة ( واي ) وقد طبع أخيراً ، توفّـي عام 170 هـ.

120

2. محمد بن الحسن بن دريد ، صاحب الجمهرة في اللغة ( المتوفّى عام 321 هـ ).

3. إسماعيل بن حمّاد الجوهري ، صاحب كتاب صحاح اللغة ، ( المتوفّـى عام 391 هـ ).

إلى غير ذلك من أُمّهات كتب اللغة المؤلفة في العصور الأُولى ، أو المؤلفة في العصور الوسطى ، كلسان العرب لابن منظور المصري ( المتوفّـى عام 707 هـ ) ، و « القاموس المحيط » للفيروز آبادي ( المتوفّـى عام717 هـ ).

ثمّ إنّه استشكل على تلك العلامة بأنّ شأن اللغوي هو بيان موارد الاستعمال من غير فرق بين كونه معنى حقيقياً أو مجازياً ، مع أنّ المطلوب هو تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.

يلاحظ عليه بوجهين :

الأوّل : أنّ كتب اللغة على قسمين : قسم منه يتعرّض للمعنى الأصلي الذي اشتقّ منه سائر المعاني وتفرّع منه بمناسبة من المناسبات ، ومن أحسن ما ألف في هذا المضمار كتاب « المقاييس » لأحمد بن فارس بن زكريا ( المتوفّـى عام 395 هـ ) ، و « أساس البلاغة » للزمخشري ( المتوفّـى عام 538 هـ ) فقد بذل المؤلفان الجهودَ لتعيين أُصول المعاني وتميزها عن متفرعاتها ، فالرجوع إلى هذين المعجمين يوقف المراجع على المعنى الموضوع له ، دون خصوص المستعمل فيه.

الثاني : ان همّ أغلب المعاجم وإن كان بيان المستعمل فيه ، من دون تركيز على المعنى الأصلي ، لكن الممارس لها ، ممارسة تامة يكتسب ملكة يستطيع بها تمييز المعنى الحقيقي عن المعاني المشتقة منه ، وذلك رهن الممارسة الممتدة بكتب اللغة ، على نحو يخالط علمُ اللغة دمَه ولحمَه ، مضافاً إلى قريحة أدبية يقتنص على ضوئها

121

الحقائقَ ، ونمثل لذلك مثالين :

1. انّ أهل اللغة يذكرون للفظ الوحي معان : كالإشارة السريعة ، والصوت الخفي ، والإلهام القلبي ، والتسخير ، إلى غير ذلك من المعاني ، ولكلّ واحد منها شاهد في القرآن الكريم (1) ، لكن الإمعان فيها يقضي أنّ له معنى واحداً وهو الافهام بخفاء و البواقي صور له.

2. يذكر أهل اللغة للقضاء عشرة معاني كالحكم ، الصُنع ، الحتم ، البيان ، الموت ، الإتمام ، بلوغ النهاية ، العهد ، الإيصاء ، والأداء ، ولكن الإمعان يثبت أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى واحد ـ وهو العمل المتقن ، والباقي صور له ، ولذلك أرجع صاحب المقاييس الجميع إلى أصل واحد.

وعلى ذلك فالرجوع إلى هذه القواميس على النحو المذكور ربّما يرفع الستار عن وجه الحقيقة.

____________

1 ـ الإشارة ، كقوله سبحانه : ( فَأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّاً ) ( مريم : 11 ).

الصوت الخفي ، كقوله سبحانه ( شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض ) ( الأنعام : 112 ).

الإلهام القلبي ، كقوله سبحانه : ( وَأوحينا إلى أُمّ موسى أن ارضعيه ) ( القصص : 7 ).

التسخير ، كقوله سبحانه : ( وأوحى في كلّ سماء أمرها ) ( فصلت : 12 ).

122

الأمر الثامن

في تعارض الأحوال

لا شكّ أنّه إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي والمجازي ، فالأصل هو الحقيقة حتى يثبت خلافه ، أو إذا دار الأمر بين العام والخاص ، أو المطلق والمقيّد ، فالأصل هو الأخذ بالعموم والمطلق حتى يثبت خلافها.

إنّما الكلام فيما إذا دار الأمر بين أحد الأُمور الخمسة التي كلها على خلاف الأصل كالتجوز والتخصيص والاشتراك ، والنقل والإضمار ، وغيرها كالاستخدام والتقييد فهل هناك ترجيح لأحدها على الآخر ، أو لا ؟ قد ذكر الأُصوليون وجوهاً استحسانية لترجيح بعض على البعض الآخر ، وقد أطنب المحقّق القمي (1) الكلام في ذلك لكنّها وجوه عقلية ظنية ، لا تثبت الظهور.

مثلاً إذا دار الأمر في قوله سبحانه : ( وَاسْئَلِ الْقَرْيَةِ الّتي كُنّا فِيها ) (2) بين إضمار لفظ « أهل » ، أو استعمال القرية في غير معناها الحقيقي فقد ذكروا لكلّ وجهاً غير مقنع ، فالبحث عن هذه الوجوه ونقدها إضاعة للعمر والمتّبع لدى أهل المحاورة هو الظهور فإن تحقّق فهو وإلاّ فلا تعتبر ، لأنّ هذه الوجوه ، علل فكريّة ، أشبه بأُمور عقلية بعيدة عن الأذهان العرفية ، فلا يلتفت إليها العرف الدقيق حتى يثبت بها الظهور للكلام.

____________

1 ـ قوانين الأُصول : 1/31 ـ 35.

2 ـ يوسف : 82.

123

الأمر التاسع

في الحقيقة الشرعية

الحقيقة الشرعية عبارة عن صيرورة ألفاظ العبادات حقائق في المعاني المخصوصة بوضع الشارع تعييناً أو تعيّناً ، أو بنحو آخر ـ كما سيوافيك ـ وهل هي ثابتة أو لا ؟

وتحقيق المقام يتوقف على نقل الآراء في المسألة.

إنّ النظريات المطروحة في المقام لا تتجاوز عن أربع :

الأُولى : بقاء ألفاظ العبادات على معانيها اللغوية.

وهذه النظرية هي المنسوبة إلى أبي بكر الباقلاني ( المتوفّى403 هـ ) وهو من أكابر الأشاعرة وقد ادّعى أنّ ألفاظ العبادات استعملها النبي في معانيها اللغوية وطبَّقها على تشريعاته ، لأنّها من مصاديقها التي كشف عنها الشارع وإن كان العرف غافلاًعنها ، فالألفاظ باقية على معانيها اللغوية إلى يومنا هذا.

الثانية : انّ ألفاظ العبادات نقلت على لسان النبي من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية بالوضع الجديد.

الثالثة : انّ النبي استعملها في تلك المعاني مجازاً ثمّ صارت حقائق في تلك المعاني في لسان المتشرعة ، فهي حقائق متشرعية لا شرعية.

الرابعة : انّها كانت حقائق في تلك المعاني الشرعية قبل بعثة النبي وبعده

124

وانّ العرب كانت تستعمل تلك الألفاظ في هذه الماهيّات بلا قرينة مقالية أو حالية ، وقد خاطب النبي الأُمّة الإسلامية بلغتهم. وإليك دراسة الأقوال :

أمّا النظرية الأُولى : فهي مردودة ، إذ كيف يمكن أن يدّعى أنّ الصلاة من مصاديق الدعاء التي كشف عنها الشارع ، إذ بين الدعاء والصلاة بون شاسع ، فإذا استعملها النبي في تلك المعاني في حين مغايرتها مع المعنى اللغوي فلابدّ له من مسوّغ ، وهو أحد أمرين : إمّا النقل والوضع فيدخل في القول الثاني ، أو العلاقة بين المعنيين فيدخل في القول الثالث ، فنظرية الباقلاني مردّدة ثبوتاً بين القولين ولا يمكن أن تكون نظرية مستقلة.

واستدلّ للنظرية الثانية بتبادر المعاني الشرعية من هذه الألفاظ في محاورات النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو رهن الوضع ، إذ لولا الوضع لم يصح التبادر.

وبالجملة : انّ المثبِت يعتمد على التبادر في لسان النبي ويراه ملازماً للقول بالوضع.

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره صحيح لو لم يصحّ تفسير التبادر عن طريق القول الرابع ، وإلاّ فلو كانت تلك الألفاظ حقائق عرفية في عصر التشريع في لسان العرب لصحّ تفسير التبادر عن ذلك الطريق من دون أن يكون للنبي دور في تحقّق التبادر كما سيوافيك. فهذا القول متين إذا لم يثبت القول الرابع.

واستدل للنظرية الثالثة بأنّ كونها حقائق شرعية في لسانه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يتوقف على الوضع وهو إمّا تعييني أو تعيّني ، والأوّل بعيد جداً ، وإلاّ لنقل ، والثاني يتوقف على الاستعمال بكثرة ولا يكفي عصر الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) واستعمالاته في تحقّق النقل.

يلاحظ عليه بوجهين :

الأوّل : لماذا لا تكفي فترة الرسالة لتحقق الوضع التعيّني مع أنّ بلالاً

125

ينادي كلّ يوم ويقول : « حي على الصلاة » عشر مرات ، فيكفي في تحقق الحقيقة الشرعية مضيّ أيام أو شهور ؟!

الثاني : الوضع غير منحصر بالتعيينيّ و التعيّني ، إذ هناك طريق آخر للوضع وهو الاستعمال بداعي الوضع كما يقول الأب عند تسمية المولود الجديد مخاطباً أُمّه : إئتيني ولدي الحسين يحاول بذلك تسميته به.

ومن الممكن أن يتولّى النبي عملية الوضع من خلال هذا الطريق ، فلما صلّى أمام قومه ، فقال : صلّوا كما رأيتموني أُصلي ، فهو بنفس ذلك الاستعمال نقل الصلاة من معناها اللغوي إلى الحقيقة الجديدة.

نعم ربّما يقال بأنّه يمتنع الاستعمال بداعي الوضع ، لأنّه يستلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد ، فبما انّه بصدد الوضع فيلاحظ لفظ الحسين لحاظاً استقلالياً ، و بما انّه بصدد استعماله في المولود الجديد يلاحظ اللفظ استعمالاً آلياً ، فليزم الجمع بين اللحاظين في آن واحد.

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من أنّ وضع اللفظ يستلزم لحاظه على وجه الاستقلال ممّا لا غبار عليه ، إنّما الكلام في الشق الثاني وهو أنّ الاستعمال يلازم لحاظ اللفظ آلياً وتبعياً ، إذ حينئذ يسأل عن معنى التبعية والآلية فإن أُريد منها مغفوليةُ اللفظ ، فهو غير صحيح ، فانّ الإنسان في مقام إظهار الفصاحة يتوجه إلى اللفظ مثل توجهه إلى المعنى فينتخب السهلَ العذْب ويترك خلافه لا سيما إذا كان سياسياً يحاسَب على كلّ لفظ يتفوّه به.

وإن أُريد من التبعية كون اللفظ وسيلة لإفادة المعنى والمعنى ، هو الأصل ، فهذا النوع من التبعية لا ينافي اللحاظ ولا يلازم المغفوليّة.

126

دراسة النظرية الرابعة

وحاصل هذه النظرية : أنّ هذه الألفاظ كانت حقيقة في هذه المعاني قبل البعثة ومتزامناً معها وقد استعملها النبي فيها كاستعمال سائر الألفاظ من غير فرق بينها. وتوضيح ذلك يتوقف على ثبوت أمرين وإن ذكر أحدهما القوم وغفلوا عن الثاني ، ولذلك استشكلوا على تلك النظرية غفلة عن الأمر الثاني.

1. انّ هذه العبادات كانت موجودة في الشرائع السابقة ، ويشهد لها كثير من الآيات القرآنية ، ونكتفي بالبعض منها.

قال تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيام كَما كُتِبَ علَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ). (1)

وقال تعالى : ( وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُل ضامر يَأْتينَ من كُلِّ فَجّ عَميق ). (2)

وقال تعالى : ( قالَ إِنّي عبدُ اللّه آتاني الكتابَ وَجَعَلني نَبيّاً * وَجَعَلَني مُباركاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوصانِي بالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً ). (3)

وقال تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الكِتاب إِسماعيل إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْد وَكانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكانَ يَأْمُرُ أَهلهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرضِيّاً ). (4)

فانّ هذه الآيات وغيرها ممّا يجده المتتبع في القرآن ، تدل على وجود تلك الماهيات في الشرائع السابقة وانّها ليست ماهيات مخترعة.

هذا هو الأمر الأوّل وإليك الكلام في الأمر الثاني :

____________

1 ـ البقرة : 183.

2 ـ الحج : 27.

3 ـ مريم : 30 ـ 31.

4 ـ مريم : 54 ـ 55.

127

2. إذا كانت هذه الحقائق موجودة في الشرائع السماوية ، وكانت للعرب صلة وثيقة باليهود والنصارى ، فقد كانت « يثرب » معقل اليهود و « نجران » مركزاً للنصارى ، وكانت لقريش رحلتان في الشتاء والصيف ، فرحلة في فصل الشتاء إلى « اليمن » التي كانت تتواجد فيها اليهود بكثرة ، ورحلة في فصل الصيف إلى الشام التي كانت يوم ذاك مركزاً للنصارى ، فلم يكن للعرب يوم ذاك بُدّ من وجود لفظ ، يعبّر به عن عباداتهم : صلاتهم وصومهم ، ولم يكن ذلك اللفظ سوى نفس هذه الألفاظ.

ويؤيّد ذلك انّ القرآن استعملها في نفس تلك المعاني في بدء البعثة فجاءت الآيات التالية في السور المكية النازلة في صدر البعثة :

1. ( أَرأيتَ الذي ينهى * عبداً إِذا صلّى ). (1)

2. ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَولّى ). (2)

3. ( قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكين ). (3)

4. ( إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثَر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر ). (4)

فقد نزلت هذه الآيات في أوائل البعثة ، مع أنّ الصلاة فرضت في ليلة المعراج وكان عروجه إلى السماء في العام العاشر من الهجرة ، وقد ورد لفظ الصلاة في السور المكية قرابة 35 مرة. كلّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر الرسالة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني ، بلا قرينة. وانّ الوحي اتبع اللغة الدارجة بين قوم النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

وبالجملة : المهم في هذا الأمر ، هو الوقوف على أنّ العرب كانت لهم صلة

____________

1 ـ العلق : 9 ـ 10.

2 ـ القيامة : 31 ـ 32.

3 ـ المدثر : 43 ـ 44.

4 ـ الكوثر : 1 ـ 2.

128

وثيقة ، مع أتباع الشرائع السماوية الذين كانوا يصلّون ، ويصومون ولم يكن لهم بدّ من التعبير عن هذه الحقائق بلفظ خاص ، وليس هذا اللفظ إلاّ ما استخدمه القرآن في بدء البعثة غاية الأمر قد أضاف جزءاً أو شرط شرطاً ، وعين موانع وقواطع لها.

ويؤيد ذلك أيضاً أنّ جعفر بن أبي طالب عرّف دين النبي لملك الحبشة بكلام مفصل وكان ذلك في العام الخامس من البعثة ، و قد جاء في ثناياه :

أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ـ إلى أن قال : ـ و أمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا ... ». (1)

كل ذلك يعرب عن شيوع استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني يوم ذاك وقد خاطب رئيس الوفد ( جعفر بن أبي طالب ) ملكَ الحبشة بلغة قومه ، وبالتالي خاطب النبي الناس أيضاً بلغة قومه و قال سبحانه : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَومِهِ ). (2)

ثمّ إنّ القوم نظروا إلى القسم الأوّل من الآيات الدالة على ثبوت هذه الحقائق في الشرائع السماوية ، وغفلوا عن القسم الثاني منها الدال على التعبير عنها في بدء البعثة بنفس هذه الألفاظ ، كما غفلوا عن انتشار هذه المفاهيم بين الجزيرة العربية فقد كانوا يعبّرون عنها بهذه الألفاظ ، ولذلك استشكل على هذه النظرية جماعة منهم المحقق النائيني حيث قال :

إنّ المعاني وإن كانت ثابتة في الشرائع السابقة إلاّ أنّها لم تكن يعبّر عنها

____________

1 ـ السيرة النبوية : 1/338 ؛ اقناع الاسماع : 21 ؛ بحار الأنوار : 18/414.

2 ـ إبراهيم : 4.

129

بهـذه الألفاظ بل بألفاظ أُخر ، فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن الحقيقة الشرعية. (1)

ومنهم المحقّق المشكيني حيث قال :

إنّ وجود هذه المخترعات عند الأُمم السابقة لا يقدح في الحقيقة الشرعية ، لأنّ تلك الألفاظ لم تكن حقيقة في هذه المعاني كما هو كذلك بالنسبة إلى أكثر الشرائع الواردة على غير لسان العرب. (2)

ومنهم المحقّق الخوئي حيث يقول : إنّ مجرّد الثبوت هناك لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ ، وليس في المقام إلاّ التعبير عنها بهذه الألفاظ في الكتاب العزيز ، ومن الواضح أنّه لا يدل على وجود تلك الألفاظ في الشرائع السابقة كما هو الحال بالقياس إلى جميع الحكايات والقصص القرآنية التي كانت بالسريانية كما في لغة عيسى أو العبرانية في لغة موسى ، و من المعلوم أنّ تلك المعاني كان يعبر عنها بألفاظ سريانية أو عبرانية. (3)

وأنت ترى : أنّ أساس الاستدلال ليس مجرّد ورودها في الشرائع السابقة حتى يستشكل بما ذكر ، بل أساسه هو وجود هذه المفاهيم وانتشارها في الجزيرة العربية بحكم الصلة الوثيقة بينهم و بين اليهود والنصارى ، فلم يكن لهم بدّ من ألفاظ يعبّر بها عن هذه الحقائق.

وتوهم أنّ ما هو الموجود من هذه الحقائق ، يغاير ما هو الموجود في الشريعة الإسلامية مردود بتصريح القرآن على الوحدة في مورد الصيام والحج كما هو صريح الآيات السابقة.

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/34.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/33 قسم التعليقة.

3 ـ المحاضرات : 1/138.

130

وعلى كلّ تقدير تظهر الثمرة فيما إذا وردت هذه الألفاظ في لسان النبي والأمير ، بلا قرينة مفهمة ، فعلى القول بالحقيقة الشرعية يحمل على تلك المعاني ، و على القول الآخر ، تحمل على المعنى اللغوي.

لكن الثمرة افتراضية بحتة إذ ليس لنا مورد نشك في المراد من تلك الألفاظ حتى يُتوقف رفع إجماله ، على تلك المسألة.

لو افترضنا مورداً دار الأمر فيه بين الحمل على المعنى اللغوي أو الشرعي ، فهل هنا أصل يعيّن أحد المعنيين أو لا ؟ نقول : إنّ هنا صوراً :

1. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال معلومين.

2. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال مجهولين.

3. إذا كان تاريخ النقل مجهولاً والاستعمال معلوماً.

4. إذا كان تاريخ النقل معلوماًو الاستعمال مجهولاً.

أمّا الصورة الأُولى فخارجة عن مورد الافتراض ، كما أنّ الصورة الثانية لا يجري فيها الأصلان ، ولو جرى تساقطا بالتعارض.

أمّا الكلام في الصورتين الأخيرتين :

الف : إذا علم تاريخ الاستعمال و أنّ النبي قال في العام الأوّل من الهجرة : « إذا رأيتم الهلال فصلّوا » وجهل تاريخ النقل وانّه هل كان قبل ذلك العام أو بعده ، وجاره أمر الصلاة بين الدعاء والعبادة الخاصة فهل تجري أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال فتكون النتيجة ، هو الحمل على المعنى اللغوي ؟ فيه خلاف بين المحقق الخراساني و شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ، فقال الأوّل : بالمنع ، لأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي مجراه هو الشكّ في أصل النقل ، لا

131

العلم بالنقل والشك في تقدّمه وتأخره كما في المقام.

وقال الثاني : إنّ الوضع السابق لا ترفع عنه اليد إلاّ بعد العلم بالوضع وحيث لم يعلم وجوده حين الاستعمال فيحمل على المعنى اللغوي فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم النقل.

يلاحظ عليه : أنّ الحجّة هو ظهور الكلام لا العلم بالوضع الأوّل ، ومع هذا العلم الإجمالي بالنقل والشك في تقدمه أو تأخره عن الاستعمال ، لا يبقى للكلام ظهور حتى نتبعه.

ب : إذا علم تاريخ النقل وانّه كان في العام الأوّل من الهجرة ، ولكن جهل تاريخ الاستعمال وانّه هل كان قبل النقل أو بعده ، فهل تجري أصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل فتكون النتيجة هو الحمل على المعنى الشرعي أو لا ؟ وجهان :

1. أنّ الأصل المزبور ليس أصلاً عقلائياً إذ ليس عندهم منه عين ولا أثر ، بل هو أصل شرعي ، وجريانه فرع وجود أثر شرعي مرتب عليه بلا واسطة وهو ليس بموجود.

2. ما عليه شيخ مشايخنا العلامة الحائري بحمل اللفظ على المعنى اللغوي ، لأنّ الوضع الأوّل حجّة ولا يرفع عن الحجّة إلاّ بالحجة ، فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل ، وقد عرفت أنّ الحجّة هو الظهور وهو غير متحقّق مع العلم الإجمالي.

132

الأمر العاشر

في أنّ ألفاظ العبادات

وضعت للصحيح أو الأعم

تمهيد

عنون صاحب الكفاية المسألة بالنحو التالي وقال : « ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو للأعم منه » فخصّ البحث بالعبادات لأجل أنّه عقد باباً خاصّاً للمعاملات ، وعنوان البحث في كتب القوم بالنحو التالي : أسماء العبادات والمعاملات « هل هي موضوعة للصحيح أو للأعم منه ؟ » أو هل هي أسام للصحيح أو الأعم ؟

وعنوان البحث متفرع على ثبوت الحقيقة الشرعية عندهم ، وأمّا على القولين الآخرين ، أعني : استعمالها في لسان الشارع في معانيها الشرعية مجازاً وصيرورتها حقائق متشرعية كما هو القول الثالث ، أو بقائها على معانيها اللغوية إلى يومنا هذا وقد أضاف الشارع أجزاءً وشرائط لها ، فالعنوان غير شامل لهما إذ ليس من الوضع والتسمية أثر على القولين.

لكن عدم شمول العنوان شيء ، وعدم جريان النزاع على ذينك القولين أمر آخر ، بل النزاع يجري على جميع الأقوال الأربعة.

133

1 ـ 2. أمّا جريانه على القول بالحقيقة الشرعية أو الحقيقة العرفية التي كانت هي المختار فواضح ، فانّه يبحث عمّا هو الموضوع له عند الشارع على القول بالحقيقة الشرعية ، أو ما هو الموضوع له عند العرب المعاصرين لنزول القرآن عند نقلهم ألفاظ العبادات من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية.

3. وأمّا جريانه على القول بالحقيقة المتشرعية فيقع النزاع في أنّ الشارع هل لاحظ العلاقة بين المعاني اللغوية والمعاني الصحيحة ، أو لاحظ العلاقة بينها و بين الأعم من هذه المعاني الجديدة ؟ وعلى كلّ تقدير يكون الأصل في استعمالات الشارع هو المعنى الذي لاحظ العلاقة بينه و بين المعنى اللغوي ، ويكون إرادة المعنى الآخر محتاجة إلى القرينة ، وإلاّ فيحمل على المعنى الذي وقع طرفاً عند ملاحظة العلاقة.

4. وأمّا جريانه على القول ببقاء الألفاظ على معانيها اللغوية وانّ إرادة الخصوصيات من طريق الدوال الأُخر ، فيقع النزاع في أنّ القرينة التي نسبها الشارع لإفادة الخصوصيات هل كانت دالة على إرادة المعنى الصحيح أو كانت دالة على المعنى الأعم ؟ ويكون الأصل في الاستعمال هو المعنى الذي نصب عليه القرينة في هذا الاستعمال بحيث يكون إرادة المعنى الآخر محتاجة إلى القرينة المعينة.

إذا عرفت هذا فيقع البحث في جهات :

الجهة الأُولى

ما هو معنى الصحّة ؟

قد ادّعى المحقّق الخراساني أنّ الصحّة بمعنى التمام ، ثمّ ذكر أنّ تفسير

134

المتكلّم الصحّة بموافقة الشريعة ، أو الفقيه بما يسقط الإعادة والقضاء ، تفسير باللازم ، وبما يهم كلّ واحد منهما ، فالمتكلّم يهمّه التعرف على ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله والعقاب والثواب من أفعاله ، وهما يترتبان على الموافقة والمخالفة ، ولأجل ذلك فسره بموافقة الشريعة ، كما أنّ الفقيه يهمه تعيين تكليف المكلّف من الإعادة والقضاء وعدمهما ولذلك فسّره بسقوطهما.

يلاحظ عليه : أنّ بين الصحّة والفساد تقابل التضاد ، فالصحّة كيفية وجودية عارضة للشيء باعتبار اتصافه بكيفية ملائمة لنوعه أو باعتبار ترتب أثر يترقب منه ، كما أنّ الفساد كيفية منافرة لطبعه أو باعتبار ترتّب أثر لا يترقب منه ، و بهذا المعنى توصف الدهون والأدوية والمعاجين بالصحّة والفساد. وعلى هذا فلا وجه لتفسير الصحّة بمعنى التمام ، لأنّ الصحّة بمعنى التمام لا يقابلها الفساد بل يقابلها النقص ، يقال : تام وناقص ، فيطلقان على الشيء باعتبار اجتماع أعضائه أو أجزائه وعدمه ، وبذلك ظهر أنّ الصحة في مقابل الفساد والتمام في مقابل النقص وتفسير الصحّة بالتمام ليس تفسيراً تاماً.

ويظهر من أهل اللغة أنّ الصحّة تستعمل تارة في مقابل المرض وأُخرى في مقابل العيب ، قال ابن فارس : الصحّة ، أصل يدلّ على البراءة من المرض والعيب ، وعلى الاستواء من ذلك. الصحّة ذهاب السقم ، والبراءة من كلّ عيب ، قال رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : « لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ ». (1)

فقوله : « يدلّ على البراءة من المرض » يعرب عن أنّ الصحّة كيفية وجودية في مقابل المرض الذي هو أيضاً كذلك ، وقوله : « على البراءة من العيب » يدل على أنّ الصحّة بمعنى تام الأجزاء في مقابل المعيب الذي هو ناقص الأعضاء.

هذا هو حال اللغة ، وأمّا اصطلاحاً فتطلق الصحّة تارة على الجامع للصفة

____________

1 ـ المقاييس : 3/281.

135

المعتبرة في العبادة في مقابل الآخر إذا كانت متصفة بصفات مقابلها. ككون القراءة صحيحة أو ملحونة ، فيكون بينهما من التقابل ، هو تقابل التضاد. وأُخرى على الجامع للأجزاء والشرائط وغير الجامع لهما ، فيكون بينهما من التقابل هو تقابل العدم و الملكة. فالأوّل يناسب كون الصحّة في مقابل المرض ، والآخر كون الصحّة في مقابل المعيب.

الجهة الثانية

ما هو المقصود من الوضع للصحيح ؟

هل المراد من الصحيح هو الصحيح بالحمل الأوّلي ، أو المراد هو الصحيح بالحمل الشائع ، أو لا هذا ولا ذاك بل ماهية لو وجدت في الخارج لوصفت بالصحّة ؟

لا طريق إلى القول الأوّل لاستلزامه كون الصلاة مرادفة لمفهوم الصحّة ، كما لا طريق إلى الثاني لاستلزامه أن يكون الموضوع له خاصّاً مع أنّ الجميع متفق على أنّ الموضوع له هو الأمر الكلي المردد بين الصحيح أو الأعم منه وغيره ، فتعيّن الثالث ، أي الماهية الاعتبارية التي لو وجدت في الخارج لوصفت بالصحّة ، فالصحّة الفعلية من صفات وجودها والتعليقية من أوصاف الماهية.

الجهة الثالثة

ما هو الداخل في المسمّى ؟

لا شكّ أنّ الأجزاء داخلة في المسمّى ، إنّما الكلام في دخول الشرائط فيه على

136

القول بالصحيح سواء أكان شرطاً شرعياً كالطهارة ، أو شرطاً عقلياً غير قابل للأخذ في المتعلق كقصد الأمر ، أو شرطاً لتحقّق المأمور به كعدم الابتلاء بالضد.

ذهب الشيخ الأنصاري إلى خروج الشرائط عن تحت المسمّى ، قائلاً : بأنّ رتبة الأجزاء رتبة المقتضي ، ورتبة الشرائط متأخرة عن رتبة المقتضي ، فلا يسوغ إدخالها في المسمّى لتستوي مع الأجزاء رتبة. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ تقدّم الأجزاء على الشرائط في عالم العين والكون لا يكون مانعاً من اجتماعهما في مقام التسمية ، كما أنّ الواجب والممكن كذلك ولكنّهما داخلان تحت عنوان الوجود.

أقول : الظاهر دخول الشرائط في المسمّى على القول بالصحيح ، بشهادة أنّ المحقّق الخراساني يجعل الموضوع له هو الجامع بين أفراد الصحيح الذي يترتب عليه النهي عن الفحشاء ، ومن المعلوم أنّ ذلك الأثر لا يترتب إلاّ على الجامع للأجزاء والشرائط ، ويدلّ على ذلك ( دخول الشرائط في المسمّى عند الصحيحي ) اعتراض الأعمّي على الصحيحي من أنّ القول بالوضع للصحيح يلزم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلّقة بها ، لأنّ الأمر حينئذ يرجع إلى الأمر بالمطلوب إذ هو معنى الصحيح ، فيكون المعنى أطلب المطلوب. (2) ومن المعلوم أنّ المطلوب هو التام جزءاً وشرطاً. ومع ذلك فالرائج بين العقلاء هو الفرق بين شرائط الماهية وشرائط التحقق بإدخال الأوّل في المسمّى كالطهارة ، وعدم دخول الثاني « كعدم الابتلاء بالأهم منه » وأمّا قصد الأمر فهو متفرّع على القول بإمكان أخذه في المتعلق أو لا. فعلى الأوّل يكون داخلاً في المسمّى دون الثاني.

____________

1 ـ مطارح الأنظار : 6.

2 ـ الفصول : 48.

137

الجهة الرابعة

في لزوم جامع على كلا القولين

إنّ الأثر الفقهي المترتّب على المسألة هو صيرورة المسمّى مجملاً على القول بالصحيح ، ومبيّناً على القول بالأعم ، فلا يجوز التمسّك بالإطلاق على القول بالصحيح دون القول بالأعم. ومن المعلوم أنّ تصوير ذلك الأثر الفقهي فرع وجود جامع واقع تحت الأمر يكون مبيّناً على أحد القولين ومجملاً على القول الآخر.

أضف إلى ذلك أنّه لولا القول بوجود الجامع يلزم أن يكون لفظ العبادات مشتركاً لفظياً ، لأنّ للصحيح مراتب مختلفة كما للأعم كذلك ، وجواز الإطلاق على الجميع رهن أحد الأمرين : كونه مشتركاً معنوياً أو مشتركاً لفظياً والثاني باطل ، فتعيّن الأوّل ، وهو يلازم وجود الجامع في البين.

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ تصوير الجامع على القول بالأعم من السهولة بمكان ، لأنّه يقسم الأجزاء إلى قسمين : أجزاء المسمّى ، وأجزاء المأمور به ، فالأركان الأربعة مثلاً ، أجزاء للمسمّى ولا تخلو صلاة منها إمّا بعينها أوبأبدالها ، وخلوّ صلاة الغرقى غير مضر ، لأنّها ليست صلاة ، بل دعاء وابتهال ، بخلاف الصحيحي فانّ الاجزاء كلّها عنده أجزاء للمسمّى وليس من أجزاء المأمور به لديه عين ولا أثر ، وعندئذ يشكل تصوير جامع ، يصدق على عامة الصلوات الصحيحة رباعيتها ، وثلاثيتها ، وثنائيتها وأحاديتها ، مع أنّ لكلّ منها مراتب مختلفة حسب اختلاف حالات المكلّف ، لأنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء الكثيرة

138

هو خروج الصلوات الصحيحة القليلة الأجزاء عن المسمّى. كما أنّ وضعه للأجزاء القليلة من الصلوات الصحيحة يستلزم كون الأجزاء الأُخرى أمراً خارجاً عنها.

والحاصل : أنّ الأعمّي جعل بعض الأجزاء جزء المسمّى ، أعني : الأركان الأربعة ، والأجزاء الباقية جزء المأمور به وبذلك تخلّص عن الإشكال.

وأمّا الصحيحي فبما أنّه يدّعي الوضع للصحيح يجعل الجميع جزء المسمّى وليس عنده من جزء المأمور به عين ولا أثر ، فعند ذلك يتوجه إليه الإشكال المتقدم ، حيث إنّ وضعها للأجزاء الكثيرة يوجب خروج الأجزاء القليلة عن المسمّى ، كما أنّوضعها للأجزاء القليلة يوجب اشتمال الأجزاء الكثيرة على الصلاة وغير الصلاة.

ثمّ إنّ ذلك صار سبباً لالتجاء المحقّق الخراساني إلى الجامع البسيط حتى يتمكن له ادّعاء وجوده في عامة الصلوات قليلة كانت أو كثيرة.

وبالجملة : انتخابه كون الموضوع له هو الأمر البسيط لأجل الفرار عن الإشكال المتقدم ، فإليك تقريبه مع سائر التقريبات الواردة للأعلام.

التقريب الأوّل للمحقّق الخراساني

حاصله : انّ الجامع بين أفراد الصلاة ليس مشخصاً باسمه ، ولكنّه يمكن الإشارة إليه بخواصه وآثاره ، قال : فانّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثر الكل فيه بذاك الجامع ، فيصحّ تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلاً ، بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن ونحوهما. (1)

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/36.

139

يلاحظ عليه أوّلاً : وجود التعارض بين الصدر والذيل ، فالصدر ظاهر في أنّ الموضوع له شيء والأثر المترتب عليه معرف له ، ولكن الذيل ظاهر في أنّ الموضوع له هو نفس الناهية عن الفحشاء ، إلاّ أن يحمل حرف الباء في قوله بالناهية على السببية أي بسبب الناهية عن الفحشاء ومن خلالها.

وثانياً : أنّ الهدف من الوضع تفهيم ما قام في الذهن في المعنى ، فلو كان المعنى غير قابل للتفهيم إلاّ بالإشارة إليه بالأثر الخاص كان الوضع له لغواً ويتعين الوضع للأثر ، وهذا يجرّنا إلى القول بوجوب كون الجامع أمراً عرفياً مخطوراً إلى أذهان العرف.

وثالثاً : أنّ استخدام قاعدة الواحد ـ أعني : « لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد » ـ في المقام حيث استدلّ باشتمال عامة الصلوات الصحيحة في الأثر الواحد ، أعني : النهي عن الفحشاء على وجود جامع بينها ، غير تام ، وذلك لأنّها حسب برهانها مختصة بالواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات من دون أن يكون فيه أي شائبة كثرة وإلاّ فيخرج عن تحت القاعدة.

وأمّا برهان القاعدة فهو أنّ المعلول الواحد البسيط من جميع الجهات الخالي عن شائبة أيّة كثرة يجب أن يصدر عن علّة معينة فقط ، وإلاّ فلو صدر عن كثير يلزم طروء الكثرة عليه.

وذلك لأنّه يلزم أن يكون بين المعلول والعلة رابطة ظلية تصحح صدوره عنها ، وإلاّ فلو صدر عنها بلا تلك الرابطة يلزم صدور كلّ شيء من كلّ شيء ، وعلى ذلك فلو صدر المعلول البسيط عن علة فلابدّ أن يصدر عنها بحيثية خاصّة ، ومع ذلك فلو صدر عن علّة أُخرى يلزم أن يصدر عنها بحيثية مغايرة للحيثية الأُولى ، وهذا يستلزم انقلاب الواحد إلى الكثير ففرض كون المعلول واحداً

140

بسيطاً لا كثرة فيه يساوق حصر صدوره عن علة واحدة.

وعلى ضوء ذلك فالقاعدة مختصة بالواحد البسيط من جميع الجهات ، وأين هو من النهي عن الفحشاء الذي هو واحد بالنوع حيث إنّ النهي عن الكذب غير النهي عن الغيبة وكلاهما غير النهي عن النميمة ؟!

ورابعاً : انّ الأثر المترتب على الصلاة مختلف ، واختلافه يكشف عن وجود الكثرة في الصلاة ، فالصلاة كما هي تنهى عن الفحشاء ، فهي عمود الدين ، وقربان كلّ تقي ، ومعراج المؤمن ، فيلزم أن يكون في الصلاة جوامع كثيرة كلّ مصدر لأثر خاص.

وخامساً : انّ القول بوضع الصلاة للجامع البسيط الموجود في جميع المراتب وإن كان يرفع الإشكال وهو وجود الجامع في عامة مراتب الصحيح أُحادية كانت الصلاة أو ثُنائية أو ثلاثية أو رباعية ، كانت الصلاة صلاة اختيار أو صلاة اضطرار ، لكنّه يوجب الإشكال في أمر آخر وهو أنّ مشاهير الأُصوليين في مبحث الشك في الجزئية والشرطية ذهبوا إلى القول بالبراءة بادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى أمر يقيني وشكّ بدوي ، وهذا إنّما يصحّ إذا تعلّق الأمر بأمر مركب ذي أبعاض حتى يكون بعضه متيقناً والبعض الآخر مشكوكاً ، الذي هو قوام الانحلال ، وأمّا إذا كان الأمر متعلّقاً بأمر بسيط وكانت نسبة الأجزاء إليه نسبة المحصِّل إلى المحصَّل يكون المرجع هو الاشتغال لكون المأمور به واضحاً ، والشكّ إنّما هو في محقّقه ودورانه بين الأقل والأكثر ، ومن المعلوم انّ العقل يحكم عندئذ بالاحتياط للعلم بالاشتغال القطعي والشكّ في سقوطه بالأقل ، وهذا ما يعبّر عنه تارة بالشكّ في المحصل أو الشكّ في السقوط.

هذا هو الإشكال الذي تنبّه إليه المحقّق الخراساني وأجاب عنه بقوله :

141

إنّ الجامع مفهوم واحد منتزع عن هذه المركّبات المختلفة زيادة ونقيصة ، بحسب اختلاف الحالات ، متّحد معها نحو اتحاد وفي مثله تجري البراءة ، وإنّما لا تجري فيما إذا كان المأمور به أمراً واحداً خارجياً مسبباً عن مركب مردّد بين الأقل والأكثر كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شكّ في اجزائهما. (1)

توضيح الجواب : وجود الفرق بين المسبب الذي له وجود مستقل منفصل عن السبب ، وبين المنتزع عن المركب المتحقّق معه من دون أن يكون له وجود مستقل ، فالأُولى كالطهارة إذا فسِّرت بالطهارة النفسانية التي تتحقق بالغسلات والمسحات فظرف المسبب هو النفس كما أنّ ظرف السبب هو الخارج ، ففي هذا المورد إذا شكّ في حصول الطهارة النفسانية لأجل الشكّ في اعتبار الاستنشاق في الوضوء وعدمه يجب الاحتياط ، لأنّ الاشتغال اليقيني بالمسبب البسيط ، أعني : الطهارة النفسانية ، يقتضي البراءة اليقينية ولا يحصل إلاّ بضمّ الاستنشاق إليه والثاني كما في المقام ، فانّ للعنوان البسيط نحو اتحاد في الخارج مع الأجزاء والشرائط ولا يضر اختلاف المنتزع منه قلة وكثرة في انتزاعه كالإنسان المنتزع من الإنسان التام والناقص ، فوجود هذا الجامع البسيط عين وجود المركبات وليس مغايراً لها حتى يكون الشكّ في قلتها أو كثرتها من قبيل الشكّ في المحقّق.

يلاحظ عليه : أنّ الالتزام بالجامع البسيط بأيّ نحو كان ، يوجب الاشتغال لا البراءة ، وكون المسبب غير السبب كما في الصورة الأُولى أو متّحداً معه كما في المقام ، لا تأثير له في اختلاف الأصل ، وذلك لأنّ متعلّق الأمر هو العنوان الكلي المنتزع وهو أمر بسيط ، لا المنتزع منه الذي يتّحد فيه الأمران ، فمنشأ الخلط تصوّر أنّ الأمر يتعلّق بالوجود الخارجي الذي يتّحد فيه المنتزع والمنتزع منه غافلاً عن

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/37.

142

أنّ الأمر يتعلّق بالعنوان الكلي الموجود في الذهن لغاية الإيجاد ، وهو غير المنتزع منه في مقام تعلّق الأمر.

إلى هنا تمّ الكلام حول الجامع الأوّل ، وإليك الكلام في الجامع الثاني.

التقريب الثاني للمحقّق الاصفهاني

ذهب المحقّق الإصفهاني إلى أنّ الماهية إذا كانت من الماهيات الحقيقية تكون واضحة في مقام الذات ومبهمة من حيث الطوارئ والعوارض ، وهذا كالإنسان الذي هو معلوم جنساً وفصلاً ، وإنّما الإبهام في عوارضه المشخّصة.

وإذا كانت الماهية من الأُمور المؤتلفة من عدّة أُمور بحيث تزيد و تنقص كمّاً وكيفاً ، فمقتضى الوضع لها أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكّة عنها ، وهذا كالصلاة حيث إنّها مركبة من ماهيات مختلفة : كالوضع ، والكيف والفعل ، فلا محيص من وضع اللفظ لسنخ عمل مبهم لا يعرف إلاّ من جانب أثره ، وهو النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرّفات ، بل العرف لا ينتقل من سماع لفظ الصلاة إلاّ إلى سنخ عمل خاص مبهم إلاّ من حيث كونه مطلوباً في الأوقات وهذا هو الذي تصوّرناه في ما وصفت له الصلاة بتمام مراتبها ، من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي ، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي. (1)

يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ الصلاة مركّب اختراعي ، وكلّ مخترع أعرف بما اخترع من غيره ، يقول سبحانه : ( أَلا يَعْلَم مَنْ خَلَق وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير ) (2) وعندئذ كيف يمكن اختراع مركب لغاية الأمر به وعدم التعرف عليه إلاّ من جانب أثره ؟!

____________

1 ـ نهاية الدراية : 1/39.

2 ـ الملك : 14.

143

وعلى ضوء هذا لا يصحّ كلامه بأنّ الصلاة مبهمة في ذاتها وفي مقام تجوهرها. كيف ! وانّ الآمر هو الذي يتصوّر الموضوع ويأمر به ، وعند ذلك لابدّ له من تصوّر ما يأمر به.

ثمّ إنّه (قدس سره) قاس المقام بالخمر قائلاً « بأنّه مبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما ، ولذا لا يمكن وصفه إلاّ ببعض الآثار كالمسكرية » ولكن الفرق بين المقيس والمقيس عليه واضح ، فانّ الخمر من الأُمور التكوينية وليست ذاتها وتجوهرها رهن تصور متصوّر ولحاظ لاحظ ، فلا مانع من أن يكون لها واقع مبهم غير معلوم إلاّ من ناحية أثره كالاسكار ، وهذا بخلاف المركّبات الاختراعية الاعتبارية فانّ واقعيتها وتجوهرها بيد مخترعها ولاحظها فلابدّ أن تكون ذاتها معلومة لمخترعها في مقام الذات لا أن تكون مبهمة إلاّ من حيث الأثر.

ثانياً : انّ ما ذكره قريب ممّا ذكره أُستاذه غير انّه يفارقه في أنّ الأُستاذ صرّح ببساطة الجامع دونه فيرد عليه ما أورد عليه أخيراً. (1) وهو انّ الموضوع له مع إبهامه وإجماله إمّا مركب أو بسيط ، والبسيط إمّا جامع مقولي أو جامع عنواني ، والمجموع غير تام.

أمّا المركّب فيرد عليه أنّه مردّد بين الأقل والأكثر أجزاءً ، فلو وضعت الصلاة على الأكثر أجزاءً لا يصدق على القليل وإن وضعت على العكس يكون الأكثر أجزاءً صلاة مع شيء خارج عن ماهيتها.

وأمّا البسيط ، فالمقولي منه غير متصوّر ، لأنّ الصلاة مركب من مقولات مختلفة كالوضع ، والكيف ، والفعل ، ومن المعلوم أنّ الجميع من الأجناس العالية التي ليس فوقها جنس فلو كانت للصلاة جامع مقولي يلزم أن يكون الجامع فوق

____________

1 ـ قد تقدّم عند مناقشة قول المحقّق الخراساني تحت عنوان « وخامساً ».

144

تلك الأجناس مع أنّها ليس فوقها جنس « ليس وراء عبادان قرية ».

وأمّا الجامع العنواني الذي يعبّر عنه بالانتزاعي كالناهي عن الفحشاء والمنكر فهو يستلزم خلاف المطلوب إذ يلزم عليه وجوب الاحتياط عند الشكّ في الأقل والأكثر.

إلى هنا تمّ التقريبان للعلمين : المحقّق الخراساني والمحقّق الإصفهاني (قدس سره)ما ، وهناك تقريب ثالث للمحقّق النائيني.

التقريب الثالث للمحقّق النائيني

قال : إنّ الموضوع له هو خصوص التام الأجزاء والشرائط كصلاة المكلّف المختار ، وإطلاقها على الصلوات الناقصة الاضطرارية إنّما يكون بعد التصرّف في الأمر العقلي ، وجعل الصلوات العذرية المجزية مشابهة للصلوات التامّة في الإسقاط وعدم وجوب الإعادة والقضاء وتنزيلها منزلتها من جهة المسقطية والإجزاء وبعد هذا التنزيل صارت صلوات ادّعائية ثمّ أطلقت الصلاة عليها. (1)

وحاصله : انّ الموضوع له أوّلاً هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط ، والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي ، أو الأعمّ منها على الأعمّي ، من باب الادّعاء والتنزيل ، أي تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة ، كما في جملة من الاستعمالات. (2)

يلاحظ عليه : بأنّ صلاة المكلّف المختار ليست على نمط واحد ، فالرباعية والثنائية كلاهما من صلاة المكلّف المختار ، فما هو الموضوع له ؟ فان وضعت

____________

1 ـ هذا ما نقله شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ من كتاب نتائج الأفكار : 1/93 الذي هو تقرير لبحوث المحقّق الشاهرودي ، وكان من أبرز تلاميذ النائيني و محيطاً بآراء أُستاذه.

2 ـ السيد الخوئي : أجود التقريرات : 1/36.

145

للثنائية تكون الرباعية مشتملة على الصلاة وغيرها ، ولو وضعت للرباعية تخرج الثنائية عن اسم الصلائية ، وبما انّه لا يتصوّر الجامع بين الواجد والفاقد فيلزم أحد المحذورين.

إلى هنا تمّت التقريبات الثلاثة للصحيحي وكلّها غير ناجعة.

ثمّ إنّ هناك تقريبات أُخرى لتصوير الجامع على القول بالصحيح نذكرها تباعاً ، ولكن نود أن نشير إلى نكتة وهي أنّ الجامع المتصور للصحيحي يجب أن يعالج الأُمور التالية وهي :

1. شمول الجامع لعامة الصلوات الصحيحة بوضع واحد لا بأوضاع متعددة.

2. كون الاجزاء مطلقاً في الثنائية والثلاثية نفس الجامع دون أن يكون البعض جزء المسمّى ، والبعض الآخر جزء الماهية.

3. كون المرجع عند الشكّ في الجزئية والشرطية هو البراءة ، فكلّ تقريب يؤمِّن هذه الأهداف الثلاثة فهو ممّا يرتضيه الصحيحي ، وإليك دراسة التقريبات الباقية من هذا المنظار.

التقريب الرابع للمحقّق البروجردي

يقول : إنّ الجامع الذاتي المقولي لا يتصوّر في المقام ، فانّ الأشياء المتباينة بالذات لا يعقل فرض الجامع بينها بالوحدة الحقيقية الذاتية في مرتبة واحدة من مراتب الصلاة ، فكيف بالجامع بين جميع المراتب من الكامل المختار تام الأجزاء والشرائط إلى أنقص المراتب كمية وكيفية ؟ فتصوير الجامع الذاتي ممّا لا سبيل إليه.

146

وأمّا الجامع العرضي فالذي يخطر ببالنا أنّ حال المركّبات العبادية كالصلاة والصوم والزكاة وأمثال ذلك حال المركّبات التحليلية كالإنسان ونظائره ، فكما أنّ الإنسان محفوظ في جميع أطوار أفراده زادت خصوصية من الخصوصيات أو نقصت ، كان في أقصى مراتب الكمال أو حضيض النقص ، وذلك لأنّ شيئية الشيء بصورته فكذلك حال المركبات الاعتبارية العبادية ، بمعنى انّه يمكن اعتبار صورة واحدة تمتاز بها عن غيرها وتكون تلك الصورة ، ما به الاجتماع لتمام الأفراد وجميع المراتب ، وتكون محفوظة في جميع المراحل ، وهذا الشيء هو الخشوع الخاص في الصلاة ، فانّ التخشّع الخاص ـ الذي كون محصل شيئية الصلاة وبه تصير الصلاة صلاة ـ محفوظ في جميع أفراد الصلاة ومراتبها المختلفة ، وهذا هو المناسب لمقام عبودية العبد بالنسبة إلى مولاه. (1)

وإن شئت قلت : إنّ جميع مراتب الصلاة بمالها من الاختلاف في الأجزاء والشرائط تشترك في كونها توجّهاً خاصّاً وتخشّعاً مخصوصاً من العبد ، ويوجد هذا التوجّه بإيجاد أوّل جزء منها و يبقى إلى أن تتم ، فيكون هذا التوجّه بمنزلة الصورة لتلك الأجزاء المتباينة بحسب الذات ، المختلفة كمالاً ونقصاً باختلاف المراتب ، فالتخشّع بوجوده الخارجي بمنزلة الصورة لهذه الأجزاء ، فهو موجود بعين وجودات الأجزاء فيكون الموضوع له لنفس الصلاة هذا المعنى المحفوظ في جميع المراتب. (2)

وحاصله : انّ الصلاة عبارة عن توجّه الإنسان إلى اللّه سبحانه وتخشّعه وخضوعه متقارناً مع الأجزاء والشرائط بحيث يكون للمجموع من الصورة

____________

1 ـ الحجة في الفقه مهدي الحائري اليزدي ، تقريراً لبحث العلاّمة البروجردي : 1/58.

2 ـ نهاية الأُصول : 1/40.

147

والأجزاء وجود واحد.

يلاحظ عليه : أنّ التقرير المزبور غير دافع للإشكال ، وذلك لأنّه لو كان الموضوع له هو التوجّه والتخشّع القائم بالأجزاء والشرائط ، محدَّداً بحدّ خاص يتوجّه عليه الإشكال ، وهو انّه يلزم أن تكون الصلاة المشتملة على ذلك الحدّ وغيره من الصلوات الصحيحة ، مشتملة على الصلاة وغيرها ، كما يلزم أن لا يكون الأقل من المحدد في الهيئة والمادة مصداقاً للصلاة ، وذلك لازم التحديد من كلا الجانبين.

اللّهمّ إلاّ أن يكون الموضوع له لابشرط من كلا الجانبين ، بمعنى أنّه يكون عين الصلاة عند الوجود وغير مضر عند الفقدان ، وكان على السيد البروجردي التصريح بهذا الأمر ، وإلاّ فمجرّد القول بكون الموضوع له التوجّه إلى اللّه المتّحد مع الأجزاء ، لا يدفع الإشكال.

التقريب الخامس ما ذكره السيّد الأُستاذ

إنّ المركّبات الاعتبارية إذا اشتملت على هيئة و مادة ، يمكن أن يؤخذ كلّ منهما في مقام الوضع لا بشرط. و المراد من أخذهما لابشرط هو أخذ المادة والهيئة بعرضها العريض. و ذلك كالمخترعات من الصنائع المستحدثة ، فإنّ مخترعها بعد أن صنعها من موادّ مختلفة و ألّفها على هيئة خاصّة ، وضع لها اسم الطيّارة أو السيّارة آخذاً كلاً من موادّها و هيئاتها لا بشرط. و لأجل ذلك ترى أنّ تكامل التصنيع كثيراً ما يوجب تغييراً في موادّها و هيئاتها ، و مع ذلك يطلق عليها اسمها ، كما كان يطلق في السابق و ليس ذلك إلاّ لأخذ الهيئة و المادّة لابشرط ، أي عدم لحاظ مادّة خاصّة و هيئة مقيّدة.

148

وأوضح مقالته هذه بقوله : المركّبات الاعتبارية على قسمين : قسم يكون الملحوظ فيه كثرة معيّنة كالعشرة ، فإنّها على وجه لو فقد منها جزء ، تنعدم العشرة. و قسم يكون فيه الأمر الاعتباري ، على نحو لم تلحظ فيه كثرة معيّنة في ناحية الموادّ ، بحيث ما دامت هيئتها و صورتها العرضية موجودة ، يطلق عليها اللفظ الموضوع و إن قلّت موادّها أو تكثّرت.

والحاصل : أنّ المادّة لم تلحظ فيها كثرة معيّنة ، و يكفي فيها ذكر بعدَ ( التكبيرة ) ركوع و سجود و طهور و تصدق على الميسور من كلّواحد.

وأمّا الهيئة فهي أيضاً مأخوذة بنحو اللابشرط مثل مادّتها ، بعرضها العريض ، و تكفي صورة اتصالية حافظة لمادّتها أخذت لابشرط في بعض الجهات.

ونظير ذلك ، لفظ الدار والبيت فانّها من حيث المادة لابشرط ، سواء أخذت موادّها من الطين ، أو الآجر ، أو من الحجر والحديد ، كما أنّها من حيث الهيئة أيضاً كذلك ، سواء بنيت على هيئة المربع أو المثلث ، وعلى طبقة واحدة أو طبقتين ، فهو موضوع لهيئة مخصوصة غير معيّنة من بعض الجهات مع مواد فانية فيها.

إذا عرفت ذلك نقول : إنّ لفظ الصلاة موضوع لنفس الهيئة اللابشرط ، الموجودة في الفرائض والنوافل قصرها و تمامها ، و ما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها ، فيكفي في صدقها ، وجود هيئة بمراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون صلاة كصلاة الغرقى ، لعدم وجود مواد من ذكر و قرآن و سجود و ركوع. (1)

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/77 ـ 78 ، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

149

التقريب السادس للمحقّق الخوئي

إنّ كلّ مخترع هو أعرف بما اخترعه سواء كان المخترع شارعاً أم غيره ، و تدلّ الروايات على أنّ التكبيرة و التسليمة معتبرتان فيها حيث إنّ الصلاة أوّلها التكبير و آخرها التسليم ، كما أنّ الركوع والسجود والطهارة معتبرة فيها ، حيث إنّ كلاً منها ثُلث الصلاة ، وأمّا غير ذلك من الأجزاء والشرائط فهي خارجة عن حقيقتها و دخيلة في المأمور به على اختلاف الأشخاص والحالات ، و المراد من دخل الطهارة والركوع والسجود ، هو الأعمّ منها و من أبدالها ، ولا بأس أن يكون مقوّم الأمر الاعتباري على سبيل البدلية.

كما أنّه لا مانع من دخول شيء في مركّب اعتباري عند وجوده ، وخروجه عنه عند عدمه إذا كان المسمّى بالنسبة مأخوذاً على نحو لابشرط كما هو الحال بالنسبة إلى غير المأخوذ في المسمّى من القراءة و التشهد و غيرهما فلو وجب يكون عينها ، ولو لم يجب ، لم يضرّ بتحقق الصلاة كما هو الحال في لفظ الدار فانّه موضوع بما اشتمل على ساحة وحيطان وغرفة ، فإن كان هناك إيوان ونهر و سرداب يكون جزءاً منه و إلاّ فلا يضرّ عدمه. (1)

ففي ظل هذين التقريرين يرتفع الإشكال ويتحقق مطلوب الصحيحي.

أمّا أوّلاً : فالجامع إذا أُخذ لابشرط من حيث الهيئة والمادة يصدق على عامة مراتب الصحيح ومصاديقه.

وثانياً : انّ الاجزاء مطلقاً في الثنائية والثلاثية والرباعية نفس الجامع ، إذ هو مقتضى أخذه لابشرط دون أن يكون البعض جزء الماهية والآخر جزء المأمور به.

____________

1 ـ تعليقة أجود التقريرات : 1/40 ـ 41.

150

بما انّ الموضوع له هو الهيئة والمادة المركبة ففي ظرف الشك في الشرطية والجزئية الزائدة يكون المرجع هو البراءة لانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي.

التقريب السابع للعلاّمة الطباطبائي

إذا هيّأ الإنسان معجوناً من المعاجين للحصول على أثر خاص ، ربّما يوصله التتبع إلى أنّ الأثر لا يقتصر على الأجزاء المعيّنة للمعجون فحسب بل ربما يترتب مع تبديل بعض أجزاء المعجون بأجزاء أُخرى مغايرة مع الأجزاء الأوّلية فيطلق عليه نفس الاسم لاشتراك جميع الأجزاء في الأثر ، وكأنّ الاشتراك في الأثر يكون سبباً لانتزاع جامع أعمّ من الجامع الأوّل ، وهكذا الحال إذا وجد ذلك الأثر في أجزاء أُخرى مغايرة لأجزاء المعجون الأصلية.

وفي النتيجة يكون الاشتراك في الأثر سبباً لسبك جامع من جامع أوّلي وهكذا ، ونظيره صناعة الحلوى إذا عملها من دقيق البر ثمّ وجد انّ دقيق الشعير يفي بالغرض المطلوب فيسمّيه أيضاً بنفس الاسم ، ثمّ يقف على أنّ دقيق الارز والذرة يفيان بالغرض يتوسع في الاسم ، وما هذا إلاّ لأنّ الوحدة في الأثر تكون سبباً في كلّ مرتبة لانتزاع جامع أوسع من سابقه.

ونظير ذلك المصباح فقد كان يطلق في البداية على الحطب المشتعل ، ثمّ وصل الإنسان بنضوج عقله إلى أنّه يمكن أن يصل إلى مُنيته من الدهن المائع إذا وقع فيه فتيلاً ليمس الدهن بسهولة فأسماه أيضاً مصباحاً مع البون الشاسع بين المسمّيين ، وبهذا المنوال سمّى المصباح الغازي أو الكهربائي مصباحاً ، وما هذا إلاّ لأنّ ترتّب الأثر المطلوب عليها صار سبباً لتبسيط الاسم توسيع الجامع.

151

إذا عرفت ذلك فنقول : كانت الصلاة يوم فرضت ركعتين مع مالها من الأجزاء والشرائط فصار له جامع متواطئ يصدق على أفراده على نحو واحد.

ثمّ أُضيف إليهاما فرضه النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فسمّيت أيضاً بنفس التسمية مع ما بين المسمّيين من الفرق ، و ما هذا إلاّ لأنّ وحدة الأثر صارت سبباً لتبسيط الجامع الأوّل ، ثمّ طرأت عليه التصرّفات المختلفة بالعفو بحسب الحالات الطارئة والآثار اللاحقة من السفر والحضر والخوف والمرض والاضطرار ، كلّ ذلك صار سبباً لتسمية الفاقد بنفس الاسم لاشتراك الجميع في الأثر ، فكأنّ لوحدة الأثر دوراً في تبسيط الجامع الأوّل وتبديله إلى جامع أوسع ، وإن شئت قلت : سبباً لسبك جامع من جامع آخر. (1)

وليس هذا بمعنى كثرة الوضع حسب اختلاف المراتب ، بل لأجل أنّ الاجزاء لم يؤخذ في المسمّى في المرحلة الأُولى ـ بما هي هي ، بل بما أنّ لها دوراً في الأثر المطلوب ، فإذا قام متى آخر بذلك الدور يجوز إطلاق الاسم عليه لكونه واجداً لنفس الحيثية التي بررت تسميته بنفس الاسم ، وعلى ضوء ذلك فعامّة الأجزاء والشرائط في كلّ مرتبة نفس المسمّى وليس خارجاً عنه ، كما انّه عند الشكّ في الجزئية والشرطية يكون المورد مصبّاً للبراءة ، وما ذلك إلاّ لأنّ الواجب نفس الأجزاء لا الأمر البسيط.

إلى هنا تم تصوير الجامع على الصحيحي ، ومعنى هذا هو إمكان القول بالصحيح ثبوتاً ، وأمّا إثباتاً فيحتاج إلى دراسة أدلّته ، فنقول :

____________

1 ـ حاشية الكفاية : 1/42 ، 43 ، بتوضيح منّا.

152

الجهة الخامسة

أدلّة القول بالصحيح

احتجّ القائل بالصحيح بوجوه نذكر بعضها :

الأوّل : التبادر ، ودعوى انّ المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح ، ولما كان المختار عند المحقّق الخراساني هو إجمال مفهوم الصلاة ، توجّه إليه إشكال يختص بمقالته ومقالة تلميذه القائلين بإجمال مفهوم الصلاة ، وانّها لا تعرف إلاّ بآثارها.

وحاصل الإشكال انّه : كيف يمكن الجمع بين تبادر الصحيح والقول بإجمال مفهومها وعدم تبيّنها ؟ فأجاب عنه بقوله : ولا منافاة بين دعوى ذلك و بين كون الألفاظ على هذا القول مجملات ، فانّ المنافاة إنّما تكون إذا لم تكن معانيها على هذا الوجه مبينة بوجه ، وقد عرفت كونها مبينة بغير وجه.

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ تبادر الصحيح بمعرفية بعض الآثار ، يلازم عدم تبادر شيء من حاق اللفظ أصلاً ، و رجوع هذا الدليل إلى الدليل الثالث المذكور في كلامه وهو التعرّف على معنى الموضوع له من خلال آثاره ويعلم ذلك بملاحظة أمرين :

أ : التبادر عبارة عن فهم المعنى من ذات اللفظ وحاقه بلا استعانة بقرينة خارجية أو من آثاره وخواصّه.

ب : انّ اللفظ في هذه المرحلة حسب فرض المستدلّ مجمل ، مغمور في