إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
153

الإبهام لا نعرف منه شيئاً ، وإن كان الإجمال زائلاً بملاحظة آثاره وخواصّه.

فنقول : إنّ ادّعاء تبادر الصحيح على الافتراض الأوّل غير ممكن ، لأنّ المفروض أنّ اللفظ مجمل فيها ، ومهما رجع العارف باللسان إلى ارتكازه لا يتبادر منه شيء.

كما أنّ تبادر الصحيح منه على الافتراض الثاني وإن كان أمراً ممكناً لكنّه يرجع إلى الدليل الثالث ، وهو التعرف على الموضوع من حيث السعة والضيق من خلال آثاره كمعراج المؤمن.

وبالجملة : لمّا ذهب المحقّق الخراساني وتلميذه المحقّق الاصفهاني إلى إجمال معنى اللفظ وإبهامه وعدم وضوحه إلاّ من خلال آثاره ، لم يكن لهم بد من إرجاع الدليل الأوّل إلى الثالث وحذف التبادر بما انّه دليل مستقل ، إذ لا معنى للتبادر مع القول بالإجمال ، وبعد رفع الإجمال بالآثار لا حاجة إلى التبادر لمعلومية الموضوع من خلال آثاره.

وقد أورد على الاستدلال السيّد الأُستاذ (قدس سره) بما هذا حاصله :

إنّ أسماء الأجناس كالصلاة موضوعة للماهية المعرّاة عن كلّ شيء سوى نفسها ، وأمّا الصحّة فهي من لوازم وجود الماهية ، فانّ الماهية تتقرّر في مقام التسمية ، ثمّ توجد بفعل المكلّف ، ثمّ يعرضها الصحّة من المرحلة الثالثة ومعه كيف يمكن أخذ لازم الوجود في مرحلة التقرر الماهوي.

يلاحظ عليه : أنّ الموضوع له ليس الماهية الصحيحة بالحمل الأوّلي أو الصحيحة بالحمل الشائع ( الصحة الخارجية ) لأنّهما ـ كما أفاد (قدس سره) ـ متأخّران ، بل الموضوع له واقع الصحيح لا عنوانه ولا وجوده الخارجي نظير ذلك نسبة واقع التقدّم إلى عنوان التقدّم ، فانّ اليوم متقدّم على الغد بواقعه لا بعنوانه لأنّه لايوصف به ما لم يتحقّق الغد ، لأنّهما متضايفان ، هما متكافئان قوة وفعلاً ، ومع

154

ذلك فلليوم واقع التقدم وحقيقته. وقد صرح بذلك (قدس سره) في الشرط المتأخر.

وثانياً : انّ الدليل لا يثبت إلاّ كون الصحّة متبادراً في هذه الظروف ، وأمّا كونها كذلك في عصر النبي وبعده فلا يثبت بهذا النوع من التبادر.

اللّهمّ إلاّ أن يدفع الإشكال بأصالة عدم النقل التي من لوازمها كون المتبادر اليوم هو المتبادر في عصر النبي ، وعند ذلك لا يكون التبادر دليلاً مستقلاً بل بضميمة أصل عقلائي آخر.

الثاني : صحّة السلب عن الفاسد ، بسبب الإخلال ببعض أجزائه وشرائطه بالمداقة وإن صحّ الإطلاق عليه بالعناية ، فيقال الصلاة الفاسدة ليست بصلاة.

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ الصلاة على مسلك المحقّق الخراساني وتلميذه موضوع لمعنى مبهم من جميع الجهات مبيَّن من جانب الآثار ، فعندئذ لا يمكن سلب الصلاة على وجه الإطلاق عن الصلاة الفاسدة ، وإنّما يكون المسلوب الصلاة المبيّنة من طريق آثارها كالنهي عن الفحشاء والمنكر ومعراج المؤمن ، فعندئذ يعود مفاد السلب إلى القول التالي : الصلاة الفاسدة ليست صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ومن المعلوم أنّ السلب المقيّد لا يكون آية المجاز ، بل السلب المطلق دليل المجاز ، فلو قلنا العبد الكافر ليس رقبة مؤمنة لا يعدّ دليلاً على أنّه ليس برقبة على الإطلاق ، فآية المجاز هو ما إذا كان المحمول مسلوباً بنعت الإطلاق.

وثانياً : أنّ صحّة السلب عن الفاسد إنّما هو بحسب عرفنا ، وأمّا أنّه كذلك حسب عرف النبيّ فلا يثبت إلاّ بأصالة عدم النقل ، وقد عرفت حالها.

الثالث : الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسمّيات مثل « الصلاة عمود الدين » أو « معراج المؤمن » و « الصوم جنّة من النار » إلى غير ذلك ، أو نفي ماهياتها وطبائعها مثل : « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » ونحوه ممّا كان ظاهراً

155

في نفي الحقيقة بمجرّد فقد ما يعتبر في الصحّة شرطاً أو شطراً ، وإرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأُولى ، ونفي الصحّة من الثانية ، خلاف الظاهر لا يصار إليها مع عدم نصب قرينة عليه ، بل واستعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع حتى في مثل « لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد » ممّا يعلم أنّ المراد نفي الكمال بدعوى استعماله في نفي الحقيقة في مثله أيضاً بنحو من العناية لا على الحقيقة وإلاّ لما دلّ على المبالغة. (1)

و أورد عليه سيّدنا الأُستاذ بأنّ هذه الآثار إنّما تترتّب على الصلاة إذا انضم إليها قصد القربة وإلاّ فلا تكون معراجاً ولا ناهية ، ولم يقل أحد بدخول هذا الجزء في مدلول الصلاة ، وعندئذ تكون الصلاة بالنسبة إلى هذه الآثار مقتضية لا علة تامّة ، والاقتضاء كما هو موجود في الصحيحة موجود في الفاسدة غاية الأمر أنّها في الأُولى أقرب إلى الآثار.

يلاحظ عليه : أنّ القائل بالصحّة لا يدّعي أزيد من ذلك ، وهو أنّه وضع للماهية التامة من حيث الأجزاء والشرائط إذا انضم إليه قصد القربة تكون معراجاً للمؤمن وناهية عن الفحشاء والمنكر.

وهذا بخلاف القول بالأعمّي ، فانّ المسمّى عنده إذا انضم إلى قصد الأمر لا تترتب عليه تلك الآثار على وجه القطع.

نعم لو كان المدّعى كون الصلاة علّة تامّة لهذه الآثار بلا حاجة إلى شيء آخر ، لكان لما ذكر من الإشكال وجه ، لكن المدّعى غير ذلك كما عرفت.

فإن قلت : على هذا تكون الصلاة الصحيحة مقتضية لهذه الآثار لا علّة تامّة ، ومع هذا القول لا يبقى فرق بينها و بين الفاسدة منها فانّها أيضاً مقتضية لهذه الآثار إذا انضم إليها ، سائر الأجزاء أو الشرائط.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/45.

156

قلت : هذا ما ذكره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في الدورة السابقة ـ لكن عدل عنه في هذه الدورة بما هذا حاصله : انّ ظاهر الروايات ، عدم الفصل بين الصلاة وهذه الآثار وانّها مترتبة عليها بلا ترتيب ، خرجنا عنه في مورد قصد القربة لأنّها روح العبادة ومقومها ، فالصلاة مع هذا الجزء علة تامة لهذه الآثار ، بخلاف الأعمّ من الصحيح والفاسد ، فهي ليست علة تامة حتى مع هذا الجزء ، بل يتوقف على انضمام أجزاء أُخرى إليها ، والروايات المبينة للآثار ، منصرفة عن هذا النوع من العبادة.

نعم يرد على الاستدلال بالقسم الثاني من الروايات أنّ هذه التراكيب وإن كانت مستعملة في نفي الحقيقة حتى في نوعه « لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد » (1) ، وقوله : « يا أشباه الرجال ولا رجال » (2) لكن فرق بين نفي الحقيقة حقيقة و بين نفي الحقيقة مبالغة وعناية ، وهذه التراكيب كثيرة الاستعمال في نفي الحقيقة مبالغة وعناية مثل قوله : « لا رضاع بعد فطام » (3) ، و « لا رهبانية في الإسلام ». (4)

ومع هذه الكثرة فلا تصلح تلك الأخبار للاستدلال ، لأنّ كثرة الاستعمال إذا صارت إلى حدّ وافر ، تزاحم ظهور اللفظ في نفي الحقيقة حقيقة كما في قوله : « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » كما هو أساس الاستدلال. ولم يفرق المستدل بين نفي الحقيقة حقيقة ، ونفيها ادّعاءً ومبالغة.

____________

1 ـ التهذيب للشيخ الطوسي : 3/261 ، باب فضل المساجد والصلاة فيها ، الحديث 55 ؛ الوسائل : 3 ، الباب 2 من أبواب أحكام المساجد ، الحديث 1 ، ورواه الدارقطني في سننه : 1/420.

2 ـ نهج البلاغة : الخطبة27.

3 ـ الوسائل : 14 ، كتاب النكاح ، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ، الحديث 5.

4 ـ بحار الأنوار : 68/317.

157

الدليل الرابع : ويمكن تقريره بالنحو التالي ، وهو مركّب من مقدمات أربع :

أ : انّ طريقة العقلاء في وضع الألفاظ هي وضعها للصحيح.

ب : انّ الداعي إليه هو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح.

ج : انّ هذه الحكمة أيضاً موجودة في وضع الشارع.

د : لا يصحّ التخطّي عن هذه الطريقة. (1)

يلاحظ عليه : بمنع المقدمة الثانية وهو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح فانّ الحاجة إلى تفهيم الفاسد ليست بأقل من العكس ، والأولى أن يقرر بنحو آخر ، وهو أنّ الغاية تحدِّد فعل الفاعل ، فلا يتصور أن يكون الفعل أوسع من الغرض والهدف ، فالسفر لغاية زيارة الصديق تتحدد بتلك الغاية ، و إرادة السفر في إطار أعم من هذا لا يصدر من الفاعل الحكيم.

وعلى ضوء هذا فنقول : إنّ الشارع اخترع الصلاة لغاية خاصة ، وهي تهذيب الإنسان وتربيته ، ومن المعلوم أنّ تلك الغاية من نتائج الصلاة التامة لا الناقصة ، ومن آثار الصلاة الصحيحة لا الفاسدة ، فإذا كان الداعي للاعتبار هو تهذيب الإنسان وتربيته فيتحدد فعله ( أي اعتباره ماهية الصلاة ) بتلك الغاية ، فينتج أنّ ما هو المعتبر عند الشارع هو الصلاة الصحيحة لترتب الغرض عليه فقط ، وطبيعة الحال أن يكون المسمّى هو نفس المعتبر بأن يكون اللفظ موضوعاً لنفس ما اعتبره لا للأعم منه.

نعم ربّما يتعلق الغرض بتفهيم قسم آخر وهو الفاسد فله أن يطلق عليه عناية. فقد خرجنا بالنتيجة التالية : انّ ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح منها.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/26.

158

الجهة السادسة

في بيان أدلّة القول بالأعم

إنّ دراسة القول بالأعم كدراسة القول بالصحيح فرع تصوير جامع له أوّلاً ، ثمّ دراسة أدلّته ، ولما كان هذا القول ساقطاً عندنا فندرس أدلّته فقط ونحيل دراسة تصوير الجامع إلى الكفاية وغيرها ، فقد بحثوا عنه بحثاً وافياً ، فلنركِّز البحث على دراسة أدلّته. استدلّ القائل بالأعم بوجوه :

الأوّل : التبادر

الثاني : عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة

يلاحظ عليهما انّهما دليلان وجدانيان لا برهانيان ، إذ للخصم أيضاً أن يدّعي خلافها ، كما مرّ حيث إنّ الصحيحي كان يدّعي تبادر الصحيح من الصلاة كما يدّعي صحة سلب الصلاة عن الفاسدة ، فالأولى الإعراض عنهما و صبّ الجهود على دراسة سائر الأدلّة.

الثالث : صحّة التقسيم إلى الصحيحة والفاسدة

إنّ صحّة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة آية كونها اسماً للأعم ، وذلك لأنّ المقسم يجب أن يكون موجوداً في جميع الأقسام وإلاّ لما صحّ التقسيم ، فلا يقال : الصلاة إمّا صحيحة أو سعي بين الصفا والمروة.

159

وأجيب عن الاستدلال بأنّ الاستعمال لا يكون دليلاً على الحقيقة بل هو أعمّ من الحقيقة والمجاز.

والجواب لا يخلو من نظر ، لأنّ الاستعمال إنّما لا يكون دليلاً على الحقيقة إذا احتمل فيه أنّ الإطلاق من باب الادّعاء ، وأمّا إذا اطلق على الشيء من دون شائبة ادّعاء فهو يكون دليلاً على الحقيقة ، كما أنّ المقام كذلك.

نعم يرد على الاستدلال بأنّ صحّة التقسيم حسب أعصارنا حيث صار الابتلاء بالعبادات الفاسدة بين الناس أمراً رائجاً واتخذ التقسيم المزبور ذريعة لبيان حكم الفردين فعبروا عنها بالصحيح والفاسد ، وأمّا كون الأمر كذلك في عصر الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ، أعني : عصر التسمية ، فلم يثبت ذلك.

اللّهمّ إلاّ بمعونة أصالة عدم النقل حتى يثبت به صحّة التقسيم في عصره ، ولكن القدر المتيقن من هذا الأصل هو المورد الذي لم يكن هناك أي مظنة بالنقل ، بخلاف المقام فانّ الظن بالنقل موجود لأجل كثرة الحاجة إلى إفهام الفاسد من الموضوع.

الرابع : حديث الولاية

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « بني الإسلام على خمس : الصلاة ، والزكاة ، والحجّ ، والصوم ، والولاية ، ولم يناد أحد بشيء كما نودي بالولاية ، فأخذ الناس بالأربع وتركوا هذه ، فلو أنّ أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة ». (1)

وجه الاستدلال : أنّه لو كانت أسماء العبادات أسامي للأعم لصحّ وصفهم بالأخذ

____________

1 ـ الكافي2/19 ، باب دعائم الإسلام ، الحديث 5.

160

بالأربع ، وأمّا على القول بوصفها للصحيح فلا يتم لهم الأخذ مطلقاً لا الأربع ولا الولاية.

يلاحظ عليه : أنّ الاستدلال غيرتام على كلا القولين ، سواء أقلنا بصحّة عباداتهم لكن مع عدم ترتب الثواب عليه ، أو ببطلان عباداتهم.

أمّا على الأوّل : فالأخذ يحمل على الحقيقة ، فقد أخذوا بالأربع حقيقة ، لأنّ المفروض صحّة عباداتهم ، وأمّا على الثاني فالمراد من أخذهم هو أخذهم بها حسب اعتقادهم لا حسب الواقع ، وقد عقد صاحب الوسائل باباً أسماه « بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّة (عليهم السلام) » (1) أورد روايات تناهز تسع عشرة رواية ، أكثرها دالة على صحّة عباداتهم ولكن لا تقبل ولا يترتب عليها الثواب فلاحظ رقم 2 ، 4 ، 5 ، 7 ، 8 وغيرها ، وعلى ذلك فيكون الأخذ على وجه الحقيقة.

وهناك جواب آخر وهو أنّ المراد من الصحيح هو الصحيح النسبي أي الأجزاء والشرائط التامّة لا الصحيح المطلق كالصّحة لأجل الاعتقاد بالولاية فانّ الصحّة بهذا المعنى خارج عن المسمى قطعاً.

الخامس : الحديث النبوي ، روي عنه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال لجارية كانت تعرف أيام حيضها : « دعي الصلاة أيام أقرائك ». (2)

وجه الاستدلال : انّه لو لم يكن المراد منها الفاسدة لما صحّ النهي عنها لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها.

يلاحظ عليه : أنّه إنّما يتم إذا كان النهي مولوياً فيشترط فيه أن يكون المتعلّق مقدوراً ، والصحيح ليس بمقدور ، وأمّا إذا كان إرشادياً إلى المانعية فلا يشترط فيه التمكّن لأنّ النهي لأجل بيان المانعية. والمراد إرشادها إلى أنّ الصلاة لا تجتمع مع الحيض.

____________

1 ـ الوسائل : 1 ، الباب 29 من أبواب مقدمة العبادات.

2 ـ الكافي : 3/88 ، باب جامع في الحائض والمستحاضة ، الحديث 1.

161

السادس : انّه لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان تكره فيه ، وحصول الحنث بفعلها ، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوصَ الصحيحة لزم إشكالان :

الإشكال الأوّل : عدم إمكان حنث الحلف ، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيحة ، وهي غير مقدورة بعد نهي الشارع.

الإشكال الثاني : يلزم المحال ، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة ، ومع النذر لا تقع صحيحة ، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة عدم صحّتها.

أقول : إنّ الإشكال مشترك بين الصحيحي والأعمّي ، لأنّ متعلّق النذر على كلا القولين هو الصحيح لا الأعم ، لأنّ المنذور ليس ترك الأجزاء الرئيسية ، ولا الصورة المعهودة المشتركة بين الصحيح والفاسد ، فما هو الجواب عند الأعمّي هو الجواب عند الصحيحي. إذا عرفت ذلك فنقول :

الأوّل : ما أجاب به المحقّق الخراساني ، وقال : لو صحّ ذلك لاقتضى عدم صحّة تعلق النذر بالصحيح لا عدم وضع اللفظ له شرعاً.

مع أنّ الفساد من قبل النذر لا ينافي صحّة متعلّقه ، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها. (1)

أقول : أمّا الجواب الأوّل فواضح لا سترة عليه.

وأمّا الجواب الثاني : فحاصله أنّ النذر منعقد ، والصلاة باطلة ، والحنث متحقق ، وما ذلك إلاّ لأنّ النذر تعلّق بما هو الصحيح في نفسه لا الصحيح من الجهات الطارئة عليه ، والصلاة في الحمام بعد تعلّق النذر بتركها ، صحيحة في حدّ نفسها على وجه لو أتى بها في البيت أو المسجد لكانت صحيحة بالفعل ، وإن

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/48.

162

كانت بعد تعلّق النذر باطلة بالفعل.

بعبارة أُخرى : أنّ للصلاة في الحمام بعد تعلّق النذر بتركها نحوين من الصحة.

أ : كونها صحيحة في حدّ نفسها ، أي تامّة الأجزاء والشرائط ، وهذه هي المنذور تركها.

ب : ما هو الصحيح بالفعل وبالحمل الشائع ، وهو لم يتعلّق به النذر.

وعلى ضوء ذلك فالنذر منعقد لرجحان ترك تلك الصلاة ، والحنث محقّق لأنّه أتى بالمنذور تركها أعني الصلاة الصحيحة في حدّ ذاتها ، وفي الوقت نفسه هي باطلة بالحمل الشائع لتعلّق النهي بها وليست بمبرئة للذمة.

نعم لو تعلّق النذر بترك الصلاة المطلوبة بالفعل نمنع انعقاد النذر كما نمنع حصول الحنث بفعلها ، لأنّ ما أتى به ليس بصحيح بالفعل.

الثاني : ما أفاده المحقق البروجردي ، وحاصله : منع انعقاد النذر من رأس ، بدليل أنّ صرف المرجوحية الإضافية لا يكاد يكون مصححاً لتعلّق النذر بتركه ، وإلاّ فمن الجائز شرعاً تعلّق النذر بترك الصلاة في البيت لمرجوحيتها بالإضافة إلى الصلاة في المسجد ، ولا أظـن أن يلتزم به أحـد في الفقه ، فالصلاة في الحمام أيضـاً كذلك فانّها ليست مرجوحة في حدّ نفسها بل هي مرجوحة بالقياس إلى غيرها مـن أطراف التخيير ، واللازم في صحّة النذر بالتـرك هو المرجـوحية الذاتية ، وأظـن أنّ الجمود على لفظ الكراهة في الصلاة في الحمام ممّا أوجب القول بصحّة النذر بتركها.

وبعبارة أُخرى : المراد من كراهة الصلاة في الحمام هو كونها أقلّ ثواباً لا أنّ فيها حزازة ذاتية حتى يصحّ تعلق النذر بتركها ، وأمّا الأقلية فلا تكون مسوغة لتعلّق النذر ، وإلاّ لزم صحّة تعلق النذر بترك الصلاة في البيت أو في مسجد

163

المحلة لكونهما أقلّ ثواباً بالنسبة إلى المسجد الجامع. (1)

يلاحظ عليه : أنّ الكراهة في المقام هي من قبيل القسم الثاني ، أي كونها ذات حزازة ، فانّ الحمام محل الأوساخ والقذارات فإقامة الصلاة فيها أشبه بسقي المولى بماء عذب في وعاء قذر ، فقياس الصلاة في الحمام بالصلاة في البيت قياس مع الفارق ، ولذلك يتعلّق النذر بتركها في الحمام دون الثاني.

الثالث : ما أفاده المحقّق الحائري وتبعه سيدنا الأُستاذ وحاصل كلامهما بإيضاح منّا : أنّ النذر صحيح والصلاة صحيحة بالفعل والحنث واقع.

أمّا الأوّل : فلما عرفت من وجود الحزازة في الصلاة المأتي بها في الحمام فيصحّ تعلّق النذر بتركها كما يصحّ تعلّق النذر بترك سائر المكروهات.

وأمّا الثاني : أي كون الصلاة صحيحة بالفعل فلتعدد متعلّق الأمر في الصلاة والنهي عن الحنث ، فالأمر تعلق بطبيعة الصلاة بما هي هي من دون أن يتعدّى الأمر عن متعلقه إلى شيء آخر ، كما أنّ النهي تعلّق بعنوان الحنث ، فالصلاة المأتي بها في الحمام مصداق ذاتي للصلاة ومصداق عرضي للحنث ، وقد ثبت في محله جواز اجتماع الأمر والنهي بين عنوانين بينهما من النسبة عموم و خصوص من وجه ، فالصلاة المأتي بها مصداق للواجب بالذات كما هي مصداق بالعرض للمنهي عنه.

وأما الثالث : أي تحقّق الحنث لأنّ المفروض هو جواز اجتماع الأمر والنهي على شيء وعدم مزاحمة الأمر للنهي ، فهو صحيح بالفعل وقد حنث به نذره.

إلى هنا تمّت أدلة القائلين بالأعم ، وقد عرفت سقم الجميع وعدم نهوضها على المدّعى ، بقي الكلام في ثمرات المسألة وهذه هي التي سنوضحها في الجهة الآتية.

____________

1 ـ نهاية الأُصول : 54 ، الطبعة الثانية.

164

الجهة السابعة

في ثمرات المسألة في مورد العبادات

قد ذكر للمسألة ثمرات أربع نذكر واحدة منها :

جواز التمسّك بالإطلاق

وحاصل الثمرة : صحّة التمسك بالإطلاق على القول بالأعمّ وعدمها على القول بالصحيح.

وذلك لأنّ الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته ، عند الأعمّي يرجع إلى الشك في كونه داخلاً في المأمور به أو لا ، بعد إحراز الموضوع ، أعني : الجامع بين الصحيح والفاسد.

بخلاف الشكّ عند الصحيحي فانّ الشكّ فيهما يرجع إلى الشكّ في صدق الموضوع وعدمه ، ومع الشكّ فيه لا يجوز التمسّك بالإطلاق.

وجهه : أنّ الأركان الأربعة ـ مثلاً ـ تشكِّل عند الأعمي تمام المسمّى ، فيكون محرزاً باحرازه ، فيرجع الشك في جزئية

165

الاستعاذة إلى الشك في كونه جزءاً للمأمور به أو لا بعد إحراز الموضوع فتنفى جزئيته بالإطلاق.

وأمّا عند الصحيحي ، فما وجب من جليل ودقيق فهو عنده داخل في المسمّى ، وليس عنده من التقسيم المزبور عين ولا أثر. مثلاً الشك في جزئية الاستعاذة ، يرجع إلى الشكّ في دخوله في المسمّى وعدمه ، و مع هذا الشك يكون الموضوع مشكوك الإحراز ، ومعه لا يصحّ التمسّك بالإطلاق ، فانّ التمسّك فرع إحرازه وتعلّق الشك بالطوارئ والعوارض كشرطية الإيمان في الرقبة.

وردّت الثمرة بوجوه ثلاثة :

الوجه الأوّل : أنّ الصحيحي وإن كان لا يتمكن من التمسّك بالإطلاقات اللفظية لكن بإمكانه التمسّك بالإطلاقات البيانية نظير الإطلاق الوارد في صحيحة حمّاد حيث قام الإمام و صلّى ركعتين وبيّن ـ عملاً ـ أجزاء الصلاة وشرائطها (1) ، فإذا شكّ في وجوب الاستفادة فيتمسّك بهذا الإطلاق المسمّى بالإطلاق البياني.

يلاحظ عليه : أنّ ذلك خروج عن محط البحث ، فانّ الثمرة في المسألة هي جواز التمسّك بالإطلاقات اللفظية وعدمها ، وأمّا الإطلاقات البيانية فالصحيحي والأعمي أمامها سواسية.

الوجه الثاني : أنّ الثمرة عديمة الفائدة ، لأنّ المطلقات الواردة في الكتاب لا يجوز التمسّك بها لعدم ورودها في مقام البيان ، فقوله : « أقيموا الصلاة » نظير قول القائل « الغنم حلال » فكما لا يجوز التمسّك بإطلاق قوله : « الغنم حلال » على حلية المغصوب والجلاّل والموطوء لعدم كونه في مقام البيان ، فهكذا الحال في إطلاقات الكتاب ، فانّها في مقام بيان أصل الحكم والتشريع لا في مقام بيان الخصوصيات ، وعندئذ فالصحيحي والأعمّي أمامها سيّان فلا يجوز التمسّك على كلا القولين ، غاية الأمر أنّ الصحيحي ليس له التمسّك لوجهين : إجمال الموضوع ، وكون الخطاب في غير مقام البيان ، والأعمي لوجه واحد.

____________

1 ـ الوسائل : الجزء 4 ، الباب 1من أبواب أفعال الصلاة ، الحديث 1.

166

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً في قسم من إطلاقات الكتاب العزيز غير أنّ بعضها في مقام البيان مثلاً قوله سبحانه : ( يا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُُمُ الصِّيام ) (1) في مقام البيان بشهادة انّه سبحانه يأخذ ببيان الجزئيات والتفاصيل ويقول : ( أَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر ) (2) كما أنّه يأخذ ببيان مبدأ الإمساك ونهايته ويقول : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبيضُ مِنَ الخَيطِ الأَسود ) (3) فعلى هذا فلو شكّ في مدخلية ترك الارتماس في حقيقة الصيام فعلى القول بالصحيحي يكون مرجع الشكّ إلى صدق المسمّى ، وأمّا على القول بالأعمّي يكون مرجع الشكّ إلى جزئية أو شرطية أمر زائد وراء المسمّى فيتمسّك بإطلاق الآية ويثبت عدم مدخليته.

الوجه الثالث : أنّ الأعمّي أيضاً لا يصحّ له التمسّك بالمطلقات ، لأنّ المسمّى وإن كان الأعم لكن المأمور به هو القسم الصحيح فكلما شكّ في جزئية شيء أو شرطيته فهو شكّ في تحقّق الصلاة الصحيحة.

يلاحظ عليه : أنّ المستشكل خلط بين كون المأمور به ذات الصحيح أو المقيّد بعنوان الصحيح ، فعلى الأوّل إذا كان المسمّى محرزاً ـ كما هو المفروض عند القول بالأعم ـ وشكّ في جزئية شيء أو شرطيته يتمسّك بالإطلاق لإحراز ذات الصحيح لأجل كون الشكّ في شرطية شيء وراء صدق المسمّى.

وأمّا على الثاني فبما أنّ المأمور به مقيد بعنوان الصحّة فيجب على المكلف إحراز ذلك العنوان ويعود الشكّ إلى الشكّ في وجود جزء الموضوع فلا يحرز إلاّ بالإتيان بالمشكوك ، نظير المقام.

و بعبارة أُخرى : فرق بين أمر المولى بتهيئة معجون وعلمنا أنّ مراده هو

____________

1 ـ البقرة : 183.

2 ـ البقرة : 184.

3 ـ البقره : 187.

167

المعجون الصحيح ، وبين أمره بتهيئة معجون مقيّد بالصحّة ، فلو شكّ في مدخلية السكر فيه يصحّ التمسّك بالإطلاق على القول الأوّل لإحراز كونه معجوناً ، وإنّما الشكّ في جزئية شيء زائد على المعجون ، وأمّا على الثاني فالشكّ في صدق الموضوع ، لأنّ المأمور به هو المعجون المقيّد بعنوان الصحّة ، فكما يجب على العبد إحراز كونه معجوناً كذلك يجب إحراز كونه صحيحاً ، فالجزء الأوّل وإن كان محرزاً لكن الجزء الثاني بعد ليس محرزاً.

إلى هنا تبيّن أنّ الإشكالات الثلاثة الموجّهة إلى الثمرة الأُولى غير واردة.

نعم يرد على تلك الثمرة إشكالان آخران :

أ : قد عرفنا فيما ذكرنا أنّ ألفاظ العبادات كلّها مستعملة في لسان الشارع فيما هو الموضوع له من أوّل الأمر في العصور السابقة على الإسلام ، إذ ليست هذه الماهيات العبادية من مخترعات الشريعة الإسلامية ، بل كانت موجودة بين العرب قبل الإسلام ، وإنّما تصرّف فيها الشرع المقدس بإضافة بعض الخصوصيات. وعلى ذلك فالموضوع له الذي وضعت بازائه هذه الألفاظ محرز عند الشكّ في وجوب الاستعاذة على كلا القولين ، فيرجع الشكّ على كلا المبنيين إلى الشكّ في جزئية شـيء زائـد أو شرطيتـه ، فيجوز التمسّك بالإطلاقات على القول بالصحيـح والأعمّ.

ب : انّ ما ذكر ليس ثمرة أُصولية ، لأنّ الثمرة الأُصولية ما تقع كبرى في عملية الاستنباط ، وأمّا المقام فانّ غايته كشف وجود الإطلاق على القول بالأعم دونه على الصحيح ، وهذا أشبه بمبادئ المسائل الفقهية ، فالقول بوجود الإطلاق على الأعمّي دون الصحيحي كالقول بوجود الخبر في موضوع دون موضوع فلا يعد ثمرة لمسألة أُصولية.

168

وأمّا الثمرات الثلاث الباقية فقد طوى عنها الكلام شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في هذه الدورة وقد أشبع الكلام فيها في الدورات المتقدّمة. (1)

الجهة الثامنة

في أسماء المعاملات

وتحقيق المقام رهن أُمور :

الأوّل : لمّا كانت العبادات من مخترعات الشارع ومعتبراته يصحّ فيها البحث في أنّ ألفاظها هل هي موضوعة للصحيح أو الأعمّ منها ؟ لأنّ الموضوع له من مخترعاته ، وهو الذي وضع لفظ العبادة في مقابلها ، وهذا بخلاف المعاملات ، فانّها ليست من مخترعاته بل من مخترعات العقلاء وهم الذين وضعوا ألفاظ المعاملات في مقابل ما اعتبروه بيعاً أو نكاحاً أو إجارة وليس للشارع دور فيها ، سوى تحديدها بحدود وقيود ، وعلى ذلك فلا معنى للقول بأنّ ألفاظ المعاملات موضوعة في الشرع للصحيح أو الأعم ، بل لو صحّ طرحه فلابدّ أن يقال هل المعاملات موضوعة ـ عند العرف و العقلاء ـ لخصوص الصحيح أو الأعم ؟

الثاني : ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النزاع في أنّ أسماء المعاملات وضعت للصحيح أو للأعم إنّما يتأتى على القول بوضعها للأسباب دون القول بوضعها للمسببات ، وذلك لأنّ المسبب أمر بسيط دائر أمره بين الوجود والعدم ،

____________

1 ـ وقد سها قلم زميلنا السيد الجلالي (حفظه اللّه) في تقرير الثمرة الثالثة ، والتقرير الصحيح ما يلي : إذا نذر أن يعطى درهماً للمصلّـي فعلى القول بوضعها للصحيح لا يفي بنذره ولا تبرأ ذمّته إلاّ إذا دفع إلى من صلّى صلاة صحيحة ، بخلافه على القول الآخر فتبرأ ذمّته بالدفع إلى كلّ من صلّى ، صحيحة كانت صلاته أم فاسدة. ( المؤلف ).

169

فالعلقة الحاصلة في البيع والنكاح إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة ، ولا معنى لأن تكون متحقّقة فاسدة ، وهذا شأن الأُمور الاعتبارية البسيطة وهي بين الوجود والعدم ولا واسطة بينهما ، فعلى هذا لو عقد بالفارسية أو كان العاقد غير بالغ ، فعلقة الزوجية إمّا موجودة فتكون صحيحة ، أو غير موجودة.

نعم لو قلنا بوضعها للأسباب فللنزاع فيه مجال ، وذلك لأنّ الأسباب مركبة من أجزاء وشرائط كالإيجاب المتعقّب للقبول مع صدورهما من عاقل بالغ إلى غير ذلك من الشروط ، فيمكن أن يقال بأنّه هل وضعت للمركّب التام من الأسباب عند العرف للأعم. (1)

الثالث : أنّ اختلاف الشرع والعرف في اعتبار سبب وعدمه ـ في عالم الثبوت ـ كبيع المنابذة هل يرجع إلى الوحدة في المفهوم والاختلاف في المصداق كما عليه المحقّق الخراساني أو يرجع إلى الاختلاف في نفس المعتبر ؟ (2) ، فالمعتبر عند الشرع في عالم الثبوت غير المعتبر عند العرف.

استدلّ المحقّق الخراساني على مختاره بقوله :

لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً وانّ الموضوع له هو العقد

____________

1 ـ ولكن يمكن أن يقال : انّ النزاع لا يجري حتى على القول بأنّ ألفاظ المعاملات موضوعة للأسباب مثل عدم جريانه على القول بوضعها للمسببات ، وذلك لأنّ أمر الاعتبار يدور أمره بين الوجود والعدم ، فلو كانت العربية معتبرة في العقد ـ عند المعتبر ـ يختصّ اعتبار السببية بها ، ولا يكون غيرها سبباً أصلاً ، لا انّه يكون سبباً فاسداً لأنّ معناه انّه اعتبره لكن بوصف الفساد ، وهو بعيد عن عالم الاعتبار ، فانّه لو ترتب الأثر عليه ، يكون معتبراً ، وإلاّ فلا يعتبره ويحذفه عن قاموس حياته.

2 ـ قلنا في المعتبر لا الموضوع له لما سيوافيك من أنّ ألفاظ المعاملات في الأدلّة الامضائية موضوعة ومستعملة في الصحيح عند العرف ، وبذلك يتبين انّ هذا البحث راجع إلى مقام الثبوت. و انّ الأولى التعبير بوحدة المعتَبر وعدمها ، لا وحدة الموضوع له ، لما عرفت من أنّه ليس للشارع دور في وضع ألفاظ المعاملات. ( المؤلّف )

170

المؤثر لأثر كذا شرعاً وعرفاً ، والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى ، بل الاختلاف في المحققات والمصاديق وتخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره ، محقِّقاً لما هو المؤثر كما لا يخفى. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه لو كان المعتبر عند العرف والشرع هو العقد المؤثر « لأثر كذا » كان لما ذكره وجه ويلزم وحدة المعتبر ويرجع الاختلاف إلى المصاديق ويصحّ للشرع أن يخطِّئ العرف تخطئة مصداقية.

وأمّا إذا كان المعتبر أمراً تفصيلياً مثل : الإيجاب والقبول اللفظيين المتعاقبين الصادرين من بالغ عاقل ، فعندئذ يكون عدم اعتبار جزء من أجزاء هذا المعتبر اختلافاً في نفس المعتبر ، لا وحدة في المعتبر واختلافاً في المصداق.

أضف إلى ذلك أنّ التخطئة في المصداق إنّما تصحّ في الأُمور التكوينية التي يكون لها واقع محفوظ فبالقياس إليه يشار إلى أنّ هذا مصداق له وذاك ليس بمصداق كقوله « الفقاع خمر ، هي خمرة استصغرها الناس ». (2)

وأمّا الأُمور الاعتبارية التي لا واقع محفوظ لها ، وانّ محورها نفس الاعتبار ، فلا يصحّ لمعتبِـر أن يخطِّئ اعتبار معتبر آخر. لأنّ لكلّ معتبر سلطاناً في عالم الاعتبار حسب معاييره.

الرابع : قد عرفت أنّ النزاع في وضع ألفاظ المعاملات للصحيح أو الأعم إنّما يأتي على القول بوضعها للأسباب دون المسببات إذ الأُولى توصف بالصحّة عند اجتماع جميع أجزائها وبالصحّة عند فقدان بعضها ، فعلى ذلك فهي قابلة

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/49.

2 ـ الكافي : 6/423 ، باب الفقاع ، الحديث 91.

171

للوضع لأحد المعنيين ثبوتاً ، وإمّا إثباتاً فهي موضوعة للسبب الصحيح لما عرفت من أنّ الغرض يحدد فعل الإنسان فلا يصدر عنه فعل أوسع من غرضه ، وبما أنّ الداعي لاعتبار المعاملات ووضع اللفظ لها ، هو المصالح التي تترتب عليها وتدور عليها رحى الحياة ، فلابد أن يدور اعتباره ثبوتاً ووضع اللفظ إثباتاً ، مدار وجود الاغراض الداعية ، وهي منحصرة بالصحيح من الأسباب دون الفاسد منها ، فيكون الاعتبار والوضع منحصرين به ، فخرجنا بالنتائج التالية :

أوّلاً : اختصاص النزاع في أسماء المعاملات بالعرف دون الشرع.

ثانياً : أسماء المعاملات موضوعة للصحيح العرفي.

ثالثاً : أنّ اختلاف الشارع والعرف في اعتبار سبب وعدمه يرجع إلى الاختلاف في نفس المعتَبر ، حيث إنّ الشارع اعتبر في عالم الثبوت وجود اللفظ في الأسباب والقبول ولم يعتبره العرف ، وهذا يرجع إلى الاختلاف في المعتبر لا الوحدة في نفس المعتبر والاختلاف في المصداق.

الخامس : في وجه التمسّك بالإطلاقات والأدلّة الإمضائية بعد القول بأنّ أسماء المعاملات وضعت عند العرف للصحيح دون الأعم ، وهذا هو بيت القصيد في هذا المبحث فعلى الفقيه الذي يتمسّك بالأدلة الإمضائية في مقام الشك في التخصيص أو اعتبار قيد أو شرط أن يثبت أنّ القول بوضع الألفاظ للصحيح عند العرف لا يمنع من التمسّك بها ، فيقع البحث في مقامين :

المقام الأوّل : لو قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات وضعت للأسباب الصحيحة عرفاً فهل يجوز التمسّك بالإطلاق أو لا ؟

وبعبارة أُخرى : إذا قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات أسام للأسباب الصحيحة ، فهل يكون ذلك مانعاً من التمسك بإطلاقات الأدلة الإمضائية عند الشكّ في

172

صحّة سبب وفساده ، كتقدم القبول على الإيجاب ، أو إجراء الصيغة بلفظ المضارع أو لا ؟

التحقيق أنّه لا يكون مانعاً ويترتب عليه صحّة التمسّك بها.

أمّا على مذهب المحقّق الخراساني من اتفاق العرف والشرع فيما هو السبب للملكية أو علقة الزوجية ، وإنّماالاختلاف يرجع إلى التخطئة في المصداق ، فظاهر ، لأنّ إطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان يُنزَّل على أنّ المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف ولم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم ، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره حيث إنّه منهم ، ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره كان عليه البيان ونصب القرينة عليه ، وحيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضاً ، ولذا يتمسّكون بالإطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح. (1)

وأمّا على المختار من أنّ اختلاف الشارع والعرف في بعض الأسباب إنّما هو من حيث المعتَبر لا من باب الاختلاف في المصداق ، فربما يشكل التمسّك ، لأنّ مرجع الشكّ إلى التمسّك بالعام عند الشبهة المصداقية له ، وإلى هذا الإشكال يشير الشيخ الأعظم في آخر تعريف البيع حيث قال : ويشكل بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق نحو « أحل اللّه البيع » وإطلاقات أدلة سائر العقود في مقام الشك في اعتبار شيء منها مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات. (2)

أقول : الحقّ جواز التمسّك على هذا القول أيضاً ، ويعلم ذلك بأمرين :

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/50.

2 ـ المتاجر : 80 ، آخر تعريف البيع.

173

1. انّ المعتبر عند الشارع وإن كان يختلف مع المعتبر عند العرف ، لكن الاختلاف ليس بالتباين بل بالأقل والأكثر ، والمفهوم الشرعي لأجل زيادة القيود أضيق من المفهوم العرفي.

2. انّك قد عرفت أنّه ليس للشارع في باب المعاملات دور فالأسباب والمسببات ووضع اللفظ في مقابل الأسباب كلّها من العرف والعقلاء ، وعندئذ فإذا قال الشارع : « أوفوا بالعقود » فمعنى ذلك أوفوا بالأسباب الصحيحة العرفية ، غاية الأمر أنّ الأمر بالوفاء بعامة العقود إنّما هو بالإرادة الاستعمالية ، فلو افترضنا مورداً ما لم تتعلق به الإرادة الجدية كبيع المنابذة الذي هو بمعنى تعين المبيع برمي الحجارة على قطيع غنم بإصابة شاة معينة ، يشير إليه الشارع بقوله : « لا منابذة في البيع » فإذا سكت فيعلم أنّ السبب الصحيح عند العرف هو السبب الصحيح عند الشرع.

وبعبارة أُخرى : يتخذ السبب الصحيح عرفاً مرآة وطريقاً إلى السبب الصحيح شرعاً ، و إلاّ تلزم لغوية الخطابات الإمضائية ، وهذا هو الذي يشير إليه الشيخ الأعظم في آخر تعريف البيع ويقول : وأمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلة البيع ونحوه فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف ، حُمِل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف ، أو على المصدر الذي يراد من لفظ ( بعت ) فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثراً في نظر الشارع أيضاً. (1)

والحاصل : انّ المهم في المقام هو أنّ القول بوضع الألفاظ للصحيح لا يوجب إجمال الأدلة الإمضائية ، ولو قلنا بالإجمال في العبادات ـ على وجه الفرض ـ

____________

1 ـ المتاجر : 80 ، آخر تعريف البيع.

174

فلا نقول به في المقام لما عرفت من أنّه ليس للشارع دور في اختراع المعاملات ولا أسبابها ولا في وضع ألفاظها لها ، بل كلّها بيد العرف غير أنّ الشارع إذا تكلم إنّما يتكلم بلسان العرف ، فإذا أمضى العنوان الذي هو اسم للسبب الصحيح عرفاً يكون معناه أنّه كذلك عند الشرع ، فإذا شكّ في سببية شيء كعقد غير البالغ ، فلو كان سبباً عرفاً نستكشف انّه أيضاً سبب شرعاً ، أخذاً بحديث المرآتيّة ، وإلاّ كان عليه التصريح بعدم السببية كما صرح في باب الطلاق وعيّن السبب المعيّن وهو أن يقول المطلّق : « أنت طالق ».

المقام الثاني : إذا قلنا بوضعها للمسببات ، أعني : الملكية الحاصلة من العقد ، وعلقة الزوجية الحاصلة من الإيجاب والقبول ، فشككنا في صحّة واحد من المعاملات ، فالشك في الصحّة يتجلّى على قسمين ، فتارة يكون الشكّ نابعاً من احتمال خروج عنوان عن الإطلاقات ، وأُخرى يكون الشكّ نابعاً من جزئية شيء أو شرطيّته في أسبابها.

أمّا الأوّل : فيجوز التمسّك بالإطلاقات والأدلّة الإمضائية ، لأنّ الشرع إذا أمضى المسبب العرفي وكان الفرد المشكوك واجداً للمسبب حسب نظر العرف ، فبحكم الإطلاق يحكم ببقاء الفرد المشكوك تحته. كما إذا شكّ في خروج البيع الربوي في غير المكيل والموزون كالمعدود والمذروع والمشاهد عن تحت إطلاق قوله تعالى : ( أحل اللّه البيع ) فيحكم ببركة إطلاق الأدلة الإمضائية بعدم خروجها عن المسبب الممضى على وجه الإطلاق.

وأمّا الثاني : إذا كان الشكّ في صحّة المسبب نابعاً من احتمال مدخلية شيء في السبب كمدخلية البلوغ في العاقد ، وتقدّم الإيجاب على القبول في العقد ، فالشكّ في صحة النكاح والبيع بالمعنى المسببي ، نابع عن شرطية البلوغ أو تقدّم

175

الإيجاب على القبول في السبب ، فهل يمكن رفع الشكّ عن ناحية السبب بالتمسّك بالإطلاق المنصبّ على إمضاء المسبب العرفي أو لا ؟

ذهب المحقّق النائيني إلى القول الثاني ، وحاصل كلامه : أنّ إمضاء المسبب كما هو المفروض ( لافتراض أنّ أسماء المعاملات اسم للمسبب دون السبب ) لا يكون دليلاً على إمضاء السبب ، قال (قدس سره) : انّه إذا كان إمضاؤه للمسببات أي للمعاملات التي هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة ، مع قطع النظر عن الأسباب التي يتوسل بها إليها ، كما في قوله تعالى : ( وأحلّ اللّه البيع وحرّم الربا ) فانّه في مقام بيان أنّ المعاملات الربوية ـ من دون نظر إلى الأسباب ـ غير ممضاة في الشريعة ، بخلاف المعاملة البيعية ، فالإطلاق لو كان وارداً في هذا المقام فلا يدل على إمضاء الأسباب العرفية ، وذلك لعدم الملازمة بين إمضاء المسبب وإمضاء السبب ، إلاّ فيما إذا كان له سبب واحد فانّ إمضاءه لمسببه يستلزم إمضاءه لا محالة وإلاّ كان إمضاؤه لغواً ، وكذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقّن فإنّ نسبة المسبّب حينئذ إلى الجميع على حدّ سواء فلا يمكن الحكم بإمضاء بعض دون بعض ، وفي غير هاتين الصورتين لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن وفي الزائد يرجع إلى أصالة العدم. (1)

ثمّ إنّه (قدس سره) أجاب عن الإشكال بجواب فلاحظه. (2)

والأولى أن يجاب بوجهين :

أ : وجود الملازمة العرفية بين إمضاء المسببات والأسباب ، فهي وإن لم تكن

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/49 ـ 50 ؛ المحاضرات : 1/197.

2 ـ حاصله : إبداء الفرق بين إمضاء الأسباب وإمضاء الأدوات ، فنفى الملازمة في الأُولى وأثبتها في الثانية ، قائلاً بأنّ نسبة الإيجاب والقبول بالنسبة إلى المنشأ من قبيل الإيجاد بالآلة لا من باب السبب والمسبب.

176

عقلية ولكنّها ملازمة عرفية فإمضاء المسبب العرفي والذي له سبب مثله ، يلازم إمضاء الثاني.

ب : التمسّك بالإطلاق المقامي ، وحاصله : أنّ كلّ شيء لا يلتفت إليه إلاّ الأوحدي من الناس ، فلو كان معتبراً كان على الشارع التنبيه عليه ، وإلاّ لزم نقض الغرض ، فمثلاً : أنّ العرف يرى تحقّق المنشأ في باب الطلاق بأي صيغة اتفقت ، مثل قوله : « أنت خلية » ، و « أنت برية » ، ولكن الشارع لا يرى السبب إلاّ قوله : « أنت طالق » فإذا أمضى الشارع المسبب العرفي ( الطلاق العرفي ) ولكن كان هناك اختلاف بين الشرع والعرف في السبب نبّه عليه كما قال : إنّما الطلاق أن تقول : « أنت طالق ». (1)

وحيث لم يرد في باب المعاملات بيان خاص بالنسبة إلى السبب يستكشف من سكوت الشارع عدم اعتبار سبب خاص ، و انّ السبب الفعلي كالسبب القولي ، وهذا نظير قصد الوجه والتمييز اللّذين يدّعيهما ابن إدريس في امتثال الواجبات ، والمشهور لم يقل بوجوبهما وذلك تمسكاً بإطلاقات أدلّة الصلاة ، لأنّ قصد الوجه والتمييز من الأُمور العقلية التي لا يلتفت إليهما إلاّ الأوحدي من الناس فلو كان واجباً كان على الشارع التنبيه عليها ، ومثله المقام.

فإن قلت : فهل يمكن دفع الشكّ عن طريق المرآتية حسب ما قرر في المقام الأوّل ؟

قلت : ثمة فرق جوهري بين المقامين فانّ الإمضاء تعلّق في المقام الأوّل بالأسباب ، وتعلق الشكّ بسببية شيء كالمعاطاة ، فيمكن أن يقال انّ إمضاء السبب العرفي طريق إلى السبب الشرعي ، وهذا بخلاف المقام فانّ المفروض

____________

1 ـ الوسائل : 15 ، الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، الحديث 3و4.

177

أنّ الإمضاء تعلّق بالمسبب ، ولكن الشكّ تعلّق بشرطية شيء في السبب كتقدّم الإيجاب على القبول فلا يمكن إمضاء المسبب الصحيح عرفاً طريقاً إلى إمضاء السبب.

وعلى كلّ تقدير فهذا البحث هو بيت القصيد في هذا المقام ، فعلى الفقيه الجهد وبذل الجد حتى يرفع المحاذير الواقعة أمام التمسّك بالإطلاقات ، سواء أقلنا بوضعها للأسباب أو المسببات.

السادس : في أنّ أسماء المعاملات اسم للأسباب أو للمسببات

هل أسماء المعاملات موضوعة للأسباب أو للمسببات ؟ وهذه مسألة صغروية.

والجواب انّ الأدلّة على قسمين :

1. ما يكون العنوان اسماً للسبب كما هو الحال في قوله ( يا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا أُوفوا بالعُقُود ) (1) فالإمضاء يتعلّق بالأسباب.

فانّ العقد عبارة عن شدّ الحبلين ، و استعير في الآية للإيجاب والقبول ، فتكون الآية ظاهرة في إمضاء الأسباب فيؤخذ بإطلاقها في كلّ ما يراه العرف سبباً إلاّ إذا قام الدليل على إلغاء سببيته.

وما ربما يقال من أنّ العقد هو العهد المشدد فلا يصدق إلاّ في الأيمان والأقسام ، في غير محله ، لقوله سبحانه : ( إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاح ) (2) فالعقدة في الآية بمعنى الإيجاب والقبول المعبّر عنهما بالعُقْدة.

وربما يقال بأنّ الآية ناظرة إلى إمضاء المسببات ، لأنّها تأمر بالوفاء بالعقود والوفاء إنّما يتصوّر في أمر باق وما هو الباقي هو المسبب دون السبب فانّه أمر آني.

____________

1 ـ المائدة : 1.

2 ـ البقرة : 237.

178

يلاحظ عليه : أنّ الأسباب لها بقاء في عالم الاعتبار بشهادة أنّه ربّما يتعلّق بها الفسخ.

2. ما يكون العنوان ظاهراً في المسبب مثل قوله : ( أحَلَّ اللّهُ البَيْع ) (1) وقوله : « الصلح جائز بين المسلمين » (2) و « النكاح سنّتي » (3) و « الطلاق بيد من أخذ بالساق ». (4)

السابع : في أقسام الجزئية والشرطية و ...

إنّ دخالة شيء في شيء تارة تكون بنحو الجزئية وأُخرى بنحو الشرطية.

ثمّ إنّ الجزئية والشرطية تنقسمان إلى الجزئية والشرطية للماهية ، وأُخرى للفرد ، وبذلك تصير الأقسام أربعة.

كما أنّ تأثير الشيء تارة يكون وجوده مؤثراً في المطلوب أو في كماله ، وأُخرى يكون وجوده مخلاً ، ثمّ المخل ينقسم إلى قسمين ، فتارة يكون وجوده مخلاً للواجب ومبطلاً للغرض ، وأُخرى يكون وجوده مخلاً للهيئة الاتصالية وقاطعاً لها كالضحك والبكاء والفعل الكثير الماحي لصورة الواجب. فيسمى الأوّل بالمانع كالحدث والخبث ، والثاني بالقاطع كالبكاء الممتد.

وإليك التفاصيل :

أمّا إذا كان للشيء مدخل في قوام الماهية سواء أكان بنحو الجزئية كالركوع والسجود ، أو بنحو الشرطية كالطهارة ، فيسميان بجزء الماهية وشرطها ، والفرق بين الجزء والشرط واضح ، لأنّ الجزء بوجوده حاضر في حدّ الشيء فيكون القيد والتقيد داخلاً فيها ، وأمّا الشرط فهو بوجوده وإن لم يكن حاضراً في قوام الشيء

____________

1 ـ البقرة : 275.

2 ـ من لا يحضره الفقيه : 3/21 ، الحديث 2.

3 ـ لآلي الأخبار : 3/221.

4 ـ الجامع الصغير : 2/57.

179

ولكنّ لوجوده قبل المأمور به أو معه أو بعده تأثيراً في حصول المطلوب ، فيكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً ، فالطهارة قبل الصلاة واستقبال الكعبة حين الصلاة والأغسال الليلية للمرأة المستحاضة بعد الصوم من قبيل الشروط للماهية.

وبعبارة أُخرى ما يكون دخيلاً في أصل المطلوب بنحو الجزئية أو الشرطية يسمّى جزء الماهية وشرطها.

وأمّا إذا كان الشيء غير دخيل في قوام الشيء على نحو لو لم يكن محققاً لما يضرّبه ولكن له مدخلية في كمال المطلوب وجماله ، فإن كان دخيلاً على نحو الجزئية يسمى جزء الفرد ، وإن كان دخيلاً بنحو الشرطية يسمى شرط الفرد ، وهذا كالقنوت في الصلاة أو الصلاة في المسجد ، فالصلاة بلا قنوت أو في غير المسجد صلاة صحيحة وافية بالغرض المطلوب غير أنّ القنوت في الصلاة ، وإقامتها في المسجد يوجب كمال المطلوب وجماله ، وهذا ما يعبّر عنه بجزء الفرد وشرطه فالأمران يعدان من محققات الفرد ومشخصاته وإن لم يكونا من قوام الشيء والغرض المطلوب.

وبذلك يعلم أنّ القنوت في الصلاة جزء للصلاة الموجودة فهي بعامة أجزائها مصداق للواجب مثل الصلاة في المسجد لا أنّ أصل الصلاة واجبة والقنوت أمر مستحب في واجب.

وما هذا إلاّ لأنّ الصلاة مع القنوت فرد وحداني له حكم واحد وليس له حكمان ، ولا يعد القنوت أمراً زائداً على الصلاة الموجودة كردّ السلام إلى من سلّم على المصلي فانّ التسليم بعنوان الجواب شيء وراء الصلاة ، أو الصلاة على النبي إذا سمع اسمه ، فهي تعدّ أمراً زائداً على الصلاة ، مستحباً فيها بخلاف المشخصات الفردية فانّهما من أجزاء الفرد والفرد بوحدته مصداق للواجب.

وربّما يورد على هذا التصوير ـ أي تقسيم الجزء والشرط إلى كونهما جزءاً أو

180

شرطاً للفرد ـ بأنّ المراد من الجزء أو الشرط في المقام ، هو العوارض الفردية الخارجية عن ماهية الشيء ، وهذا إنّما يتصور في المركبات الخارجية ، مثلاً الإنسان له علل القوام ـ أعني الجنس والفصل ـ كما له العوارض الفردية من الأعراض التسعة من الطول والقصر واللون وغيرها ، وعندئذيحلّله العقل إلى أُمور مربوطة بجوهره وماهيته ، وأُمور مربوطة بعوارضه وخصوصياته الفردية.

وأمّا المركب الاعتباري فبما أنّه فاقد للوحدة الحقيقية فكلّ فرد منه له ماهية خاصّة فللفاقد ماهية ، وللواجد ماهية أُخرى ، مثلاً الصلاة مع القنوت موجودة ، والصلاة لا معه موجودة أُخرى ، فلا يعد القنوت من العوارض الفردية والبواقي من علل القوام.

يلاحظ عليه : بأنّ الأُمور الاعتبارية سهلة المؤونة ، فيمكن أن تسمّي ماله مدخلية في أصل الغرض بجزء الماهية وشرطها ، وماله مدخلية في كمال الغرض فهو جزء الفرد أو شرطه ، ويمكن أن يقال بصورة التقريب أنّ ذلك التقسيم بكلا شقيه نظير ما نشاهده في التكوين كالدار فهناك ما هو دخيل في أصل المطلوب على وجه لولاه لما يتحقق الغرض كالغرف ، وهناك ما يعد كمالاً للدار كالإيوان والسرداب ، فلو وجدا كانا جزءاً من الدار وإلاّ لم يضر.

هذا كلّه حول الجزئية والشرطية ، وأمّا المانعية والقاطعية ، فمدخلية الأُولى لأجل كون وجود المانع مخلاً للواجب ولملاكه ، وهذا ما يعبّر عنه مسامحة بجزئية عدمه أو شرطيته ، وإلاّ فحقيقة الأمر هو كون المانع بوجوده مخلاً ، و أمّا القاطع فهو أيضاً بوجوده يخل بالهيئة الاتصالية ويقطعها.

إلى هنا تمّت الأقسام الستة ، وأمّا القسم السابع فهو أن يكون الواجب ظرفاً للمستحب بدون مدخلية أحدهما في الآخر وذلك ، كالأدعية الواردة في أيّام شهر رمضان لخصوص الصائم.

181

الأمر الحادي عشر

في الاشتراك اللفظي

الاشتراك اللفظي : عبارة عن كون اللفظ موضوعاً لمعنيين أو أكثر من واضع واحد (1) بأوضاع متعددة بالوضع التعييني أو التعيّني.

ويقع الكلام فيه في جهات :

الجهة الأُولى : في إمكان الاشتراك اللفظي

لا شكّ في إمكان الاشتراك اللفظي والدليل عليه وجوده ، فهذه هي العين تستعمل في الباكية والجارية ، ولو افترضنا انّها كانت حقيقة في واحدة منهما واستعملت في الأُخرى لعلاقة المشابهة لنبع الماء فيهما ، لا يضرّ بالمقصود ، إذ ليس المدّعى تقارن المعنيين في الوضع ، بل يكفي التعاقب أيضاً.

ثمّ إنّ هناك من أحال الاشتراك اللفظي بدعوى أنّه مخل بتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرائن.

وأجاب عنه في « الكفاية » من إمكان الاتّكال على القرائن الواضحة أوّلاً ، ومنع كونه مخلاً بالمقصود لتعلّق الغرض بالإجمال ثانياً.

____________

1 ـ هذا القيد من قبيل « لزوم ما لا يلزم » ذكره من أحاله كالمحقق الخوئي ، وإلاّ فالمشترك اللفظي ليس رهن واضع واحد ، بل الغالب هو تعدّد الوضع ، لتعدّد الواضع ، فتدبّر.

182

ويمكن أن يقال انّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان الواضع واحداً فيصدّه الاخلال عن الوضع الثاني دونما إذا كان متعدداً.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات استدلّ على امتناع الاشتراك بأنّ الوضع الثاني يستلزم نقض الوضع الأوّل ، لأنّ الوضع ليس بمعنى جعل الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له ، أو جعله وجوداً تنزيلياً للمعنى ، بل بمعنى تعهد الواضع في نفسه بأنّه متى تكلّم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلاّ تفهيم معنى خاص ، و من المعلوم أنّ هذا التعهد لا يجتمع مع تعهده ثانياً بأنّه متى تكلّم بذلك اللفظ لا يقصد إلاّ تفهيم معنى آخر مبايناً للأوّل ، ضرورة أنّه بذلك نقض ما تعهده أوّلاً.

وإن شئت قلت : إنّ الوضع عبارة عن التعهد المجرّد عن الإتيان بأيّة قرينة ، وهذا غير متحقّق في الاشتراك اللفظي. (1)

يلاحظ عليه : أنّه إنّما يصحّ إذا كان الواضع واحداً ، وأمّا إذا كان متعدداً فلا ، وسيوافيك أنّ الاشتراك اللفظي مستند إلى تباعد القبائل العربية بعضهم عن بعض.

ثمّ إنّ هناك من زعم وجوب الاشتراك قائلاً : بأنّ الألفاظ والتراكيب المؤلّفة منها متناهية ، والمعاني غير متناهية والحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ ولا يتم ذلك إلاّ بالاشتراك.

وأجاب عنه في « الكفاية » : بأنّ المعاني إذا كانت غير متناهية فلا يمكن الوضع لها لا بالاشتراك ولا بغيره ، لاستلزامه الأوضاع غير المتناهية من الإنسان المتناهي.

____________

1 ـ المحاضرات : 1/213.

183

ولكن الظاهر أنّ مراد القائل هو كثرة المعاني لا كونها غير متناهية حقيقة.

نعم ما ذكره من الأجوبة الثلاثة عقيب هذا الجواب هو الصحيح ، قال :

1. إنّ المعاني على فرض تناهيها ، لا تمس الحاجة إلاّ بالقدر المتناهي منها ، لأنّ الأغراض المتداولة بين العقلاء متناهية.

2. مع أنّه يكفي الوضع للمفاهيم الكلية وإرادة الجزئيات بالقرائن.

3. انّ طريق التفهيم لا ينحصر بطريق الحقيقة ، بل يكفي إفهام المعاني بطريق المجاز ، وهو باب واسع. (1)

ويمكن أن يجاب أيضاً بأنّ الألفاظ كالمعاني غير متناهية عرفاً ، وذلك بسبب تلفيق الحروف الهجائية بعضها مع بعض لا سيما إذا أُضيف إليها الاختلاف في الحركات فلا تكون الألفاظ أقلّ عدداً من المعاني المطروحة للعقلاء.

الجهة الثانية : في منشأ الاشتراك

الظاهر أنّ منشأ الاشتراك هو تشتت الناطقين باللغة العربية ، حيث كانت طائفة تعبّر بلفظ خاص عن معنى ، وطائفة أُخرى تعبّر به عن معنى آخر من دون أن تطّلع على ما في حوزة الأُخرى من أوضاع ، فلما قام علماء اللغة بجمع لغات العرب من أفواه القبائل العربية ظهر الاشتراك اللفظي.

وهناك عامل آخر أقلّ تأثير من العامل الأوّل وهو ظهور الاشتراك في ظل كثرة الاستعمال في معنى مجازي إلى حدّ يصير حقيقة كما في لفظ « الغائط » فانّه موضوع للمكان الذي يضع فيه الإنسان ، ثمّ كنّى به القرآن عن فضلته إلى أن صار حقيقة.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/53.

184

الجهة الثالثة : في وقوع الاشتراك في القرآن

لا شكّ في وجود الاشتراك في لغة العرب ، وقد جمع علماء اللغة المشتركات اللفظية فيها.

وأمّا القرآن فقد ورد فيه النجم وهو مشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له ، قال سبحانه : ( والنّجم إِذا هَوى ) (1) وقال : ( وَالنَّجم وَالشَّجَر يَسْجُدان ) (2) ومثل النجم لفظة « النون » فانّه مشترك بين الحوت والدوات. (3)

قال سبحانه : ( وَذا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِ رَ علَيْه ). (4)

وقال سبحانه : ( ن وَالْقَلَم وَما يَسْطُرُون ). (5)

ثمّ إنّ علماء علوم القرآن فتحوا باباً في المشتركات القرآنية أسموه بمعرفة الوجوه والنظائر وألّفوا في هذا المضمار رسائل وكتباً ، ولكنّهم خلطوا في كثير بين المصداق والمعنى. (6) مثلاً : ذكروا للقضاء معاني مختلفة كالفراغ ، والأمر ، والأجل ، والفصل ، والمضي ، والهلاك ، والوجوب ، والإبرام ، والإعلام ، والوصية ، والموت ، والنزول ، والخلق ، والفعل ، والعهد ، مع أنّ الجميع من مصاديق المعنى الواحد وهو العمل المتقن والتنفيذ القاطع.

يقول ابن فارس (7) : ليس له إلاّ أصل واحد والجميع يرجع إلى ذلك وهو ما يدلّ على إحكام أمر ، وإتقانه وإنفاذه لجهة ، قال اللّه تعالى : ( فَقَضاهُنّ سبع

____________

1 ـ النجم : 1.

2 ـ الرحمن : 6.

3 ـ مجمع البيان : 5/330 ؛ الإتقان : 1/667 ، أخرجه عن الحسن وقتادة.

4 ـ الأنبياء : 87.

5 ـ القلم : 1.

6 ـ لاحظ الإتقان في علوم القرآن : 1/445.

7 ـ إنّ ابن فارس بطل في حلبة ردّ المعاني الفرعية إلى الأصلية ، وكتابه « المقاييس » من أحسن الكتب ، ويليه ما ألّفه الزمخشري باسم « أساس البلاغة ».

185

سَموات في يومين ) (1) أي أحكم خلقهن ، والقضاء : الحكم ، قال اللّه سبحانه في ذكر من قال : ( فاقض ما أَنت قاض ) (2) أي اصنع واحكم ، ولذلك سمّي القاضي قاضياً ، لأنّه يحكم الأحكام وينفذها ، وسمّيت المنية قضاء لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق.

إلى أن قال : وكلّ كلمة في الباب فانّها تجري على القياس الذي ذكرناه ، فإذا هُمز تغيّر المعنى ، يقولون : القُضاة : العيب ، يقال ما عليك منه قضاة ، وفي عينه قضاة : أي فساد. (3)

____________

1 ـ فصّلت : 12.

2 ـ طه : 72.

3 ـ لاحظ في ذلك المقاييس : 5/99 ـ 100 ، مادة قضى.

186

الأمر الثاني عشر

في جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى

كان البحث السابق يدور حول إمكان الاشتراك و عدمه ، فإذا ثبت وجود اللفظ المشترك يقع الكلام في جواز استعماله في أكثر من معنى واحد.

ومحلّ النزاع هو أن يكون كلّ من المعنيين ملحوظاً بحياله واستقلاله مثلما استعمل في واحد منهما ، فخرجت الصورتان التاليتان عن محط النزاع :

أ. إذا استعمل في مجموع المعنيين ، بحيث يكون كلّ منهما جزء المستعمل فيه ، نظير العام المجموعي عند الأُصوليين.

ب. إذا استعمل في معنى جامع لكلا المعنيين ، كما إذا استعمل في المسمّى بالعين الشاملة للذهب والفضة ، والباكية والجارية.

فإنّ هاتين الصورتين ليستا من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، بل الأُولى استعمال في معنى مركب من معنيين حقيقتين ، كما أنّ الثانية استعمال في جامع المعنيين ، والمستعمل فيه ذو أجزاء ، وفي الثانية ذو أفراد.

وعلى كلّ تقدير ، فالظاهر من القدماء أنّ البحث في الجواز وعدمه بحث لغوي ، ولكن الظاهر من المتأخرين أنّ البحث عقلي.

ولذلك استدلّوا للامتناع العقلي بوجوه ، نذكرها مع تحليلها.

187

1. جواز الاستعمال رهن لفظ ولحاظ ثان

استدلّ المحقّق الخراساني على الامتناع بأنّ الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة للمعنى حتى يصحّ جعل اللفظ الواحد علامة لشيئين ، بل الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى ، فإذا كان فانياً في أحد المعنيين ، فافناؤه في المعنى الثاني يحتاج إلى لحاظ اللفظ بغير اللحاظ الأوّل ، والمفروض انتفاؤه ، قال في « الكفاية » :

حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى ، بل جعله وجهاً وعنواناً له ، بل بوجه نفسه ، كأنّه الملقى ، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى ، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلاّ لمعنى واحد ، ضرورة انّ لحاظه هكذا في إرادة معنى ، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر ، حيث إنّ لحاظه كذلك ، لا يكاد يكون إلاّ بتبع المعنى فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون ، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد ، مع استلزامه للحاظ آخر ، غير لحاظه كذلك في هذا الحال ؟! (1)

يلاحظ عليه : أنّه إن أُريد من الإفناء ، المعنى الحقيقي بأن يتبدّل اللفظ إلى المعنى وتذهب فعلية اللفظ ، فهو غير صحيح ، ولا يلتزم به القائل ، وإن أُريد أنّ الغرض الذاتي يتعلّق بالمعنى دون اللفظ ، فالتالي غير ممتنع ، إذ أي مانع من أن يتعلّق الغرض الذاتي بمعنيين وينظر إليهما بلفظ واحد ملحوظ بلحاظ فارد.

2. اجتماع لحاظين آليّين في شيء واحد

استدلّ المحقّق العراقي بأنّ وضع اللفظ للمعنى ليس جعله علامة عليه

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/54 ، المطبوع بحاشية المشكيني (رحمه الله).

188

ولو بنحو التنزيل ، بل هو جعل اللفظ مرآة تحكي المعنى وتصوره للسامع ، واستعمال اللفظ في المعنى هو فعلية كون اللفظ الموضوع مرآة وحاكياً. وبما أنّ المرآة ملحوظة حين استعمالها باللحاظ الآلي ، فيلزم من استعمال اللفظ الواحد في معنيين أو أكثر ، أن يلحظ ذاك اللفظ الواحد ، في آن واحد ، بلحاظين آليينَ وحينئذ يجتمع اللحاظان في واحد شخصي.

نعم لو كانت حقيقة الوضع هو العلامة ، فلا مانع من كون شيء واحد علامة لشيئين. (1)

والفرق بين تقريري الأُستاذ ( الخراساني ) و التلميذ ( العراقي ) ، انّ تقرير الأُستاذ يركز على لزوم وجود لفظ ولحاظ آخر باعتبار انّ الاستعمال إفناء للّفظ ، ولابدّ في الاستعمال في المعنى الثاني من لحاظ ولفظ واستعمال آخر.

وهذا التقرير يركز على استلزام الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره مبني على أنّ تعدّد اللحاظ في المعنيين يلازم تعدده في اللفظ المستعمل فيها ، ولكن الظاهر أنّه لا ملازمة بين تعدّد اللحاظ في المعنى ، وتعدّده في اللفظ ، وذلك لأنّ كلاً من المعنيين تعلّق به الغرض الذاتي فيكون كلّ منهما ملحوظاً على وجه الاستقلال ، بخلاف اللفظ فانّه متعلّق بالغرض تعلقاً آلياً ، فيكفي في مقام استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى ، تصوّر المعنيين مستقلاً أوّلاً ، ثمّ الانتقال منهما إلى اللفظ ثانياً ، والانتقال منه إلى المعنيين ثالثاً.

3. اجتماع لحاظين مستقلين في صقع النفس

استدلّ المحقّق النائيني على الامتناع بأنّ لازم استعمال اللفظ في المعنيين

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/146 ، وما أفاده تعبير آخر عما في « الكفاية ».

189

على نحو الاستقلال ، تعلّق اللحاظ الاستقلالي بكلّ واحد منهما في آن واحد ، كما إذا لم يستعمل اللفظ إلاّ فيه ، ومن الواضح أنّ النفس لا تستطيع أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد. (1)

وهذا التقرير يغاير التقريرين السابقين ، فانّ الأوّل كان يركّز على أنّ الاستعمال رهن لحاظ ثان وهو غير موجود ، كما أنّ الثاني يركز على أنّ لازم الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.

وهذا التقرير يركز على أنّ النفس ليس بمقدورها ملاحظة معنيين بحيالهما واستقلالهما.

يلاحظ عليه : أنّ الممتنع هو اجتماع لحاظين مستقلين في آن واحد في معنى واحد ، لأنّه أشبه باجتماع المثلين.

وأمّا تعلّق اللحاظين المستقلين بمعنيين في آن واحد كما في المقام فليس يمتنع ، والشاهد على ذلك انّ النفس تستخدم العين والسمع والذائقة والشامة في آن واحد ويكون مدركات كلّ منها ملحوظة بالاستقلال أيضاً.

4. إيجاد ماهيتين مختلفتين بوجود واحد

استدلّ المحقّق الاصفهاني في تعليقته بأنّ حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ ، حيث إنّ وجود اللفظ في الخارج ، وجود لطبيعي اللفظ بالذات ، ( تكويناً ) ووجود لطبيعي المعنى بالجعل والمواضعة والتنزيل ، لا بالذات ، ولا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين بالذات ، وحيث إنّ الموجود الخارجي ( اللفظ ) بالذات واحد ، فلا مجال لأن يقال : انّ وجود اللفظ وجود لهذا المعنى

____________

1 ـ المحاضرات : 1/217 ولاحظ أجود التقريرات : 1/51 والمذكور في الثاني لا يخلو من إجمال.

190

خارجاً ، ووجود آخر لمعنى آخر ، حيث لا وجود آخر حتى ينسب إلى الآخر بالتنزيل ، وليس الاستعمال إلاّ إيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً ، وقد عرفت أنّ الإيجاد والوجود متحدان بالذات وحيث إنّ الوجود واحد فكذا الإيجاد. (1)

وحاصل ما أفاده يرجع إلى أمرين :

1. اللفظ وجود تنزيلي للمعنى ، فإذا صار وجوداً لأحد المعنيين ، فلا وجود آخر له.

2. الوجود والإيجاد واحد بالذات ، والاختلاف بالاعتبار ، فإذا كان وجود اللفظ واحداً بالذات ، فليكن إيجاداً كذلك ، لتفرّع الإيجاد على الوجود في الوحدة والكثرة.

يلاحظ عليه : أنّ أساسه خلط الاعتبار بالتكوين ، فانّ الإيجاد التكويني لا يتعلّق إلاّ بماهية واحدة دون ماهيتين ، وأمّا الإيجاد الاعتباري فلا دليل على أنّه كذلك ، إذ أيّ مانع من فرض اللفظ وجوداً لكلّ من المعنيين في وعاء الاعتبار ، وهل هذا إلاّ اجراء حكم التكوين على الاعتبار ؟

أضف إلى ذلك أنّه لا دليل على أنّ اللفظ إيجاد للمعنى ، بل وسيلة للالتفات إلى المعنى ، فاستعمال اللفظ أشبه بكونه سبباً للانتقال إلى المعنى.

إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل على امتناع الاستعمال ، لكن يقع الكلام في وجود المانع من جانب الواضع وعدمه ، فلو كان هناك مانع فإنّما هو من ناحية الوضع.

____________

1 ـ نهاية الدراية : 1/64.

191

المانع من جهة الوضع

ذهب المحقّق القمي إلى أنّ المانع هناك وضعي لا عقلي وهو أنّ الواضع وضع اللفظ للمعنى في حال الوحدة فلا يجوز استعمال المفرد في غير حال الانفراد لا حقيقة ولا مجازاً ، أمّا الأوّل فواضح ، وأمّا الثاني فلانّه لم تثبت الرخصة في هذا النوع من الاستعمال. (1)

يلاحظ عليه : أنّ اللفظ وإن وضع للمعنى حال الوحدة لكن القيد ( حال الوحدة ) ليس قيداً للموضوع له ولا قيداً للوضع فلا يكون مانعاً من الاستعمال.

فإن قلت : إنّ الوحدة وإن لم تكن قيداً لواحد منهما لكن الوضع لم يتحقّق إلاّ في هذه الحالة فكيف يستعمل في غيرها ؟

قلت : إنّ الضيق الذاتي إنّما يكون مانعاً إذا كان الاستعمال بملاك وضع واحد ، وأمّا إذا استعمله بملاك وضعين فلا يكون مثله مانعاً عن الاستعمال.

والحاصل : أنّ كون المعنى موضوعاً له في حال الوحدة لا يكون مانعاً من استعماله في أكثر من معنى واحد وإلاّ يرجع إلى كونه قيداً لأحدهما والمفروض عدمه.

ثمّ أدلّ دليل على إمكانه هو وقوعه ، فقد قام أحد المعنيين بالأدب العربي (2) بجمع شواهد على تحقّق استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى ، ونحن نقتصر على شيء قليل.

يقول الشاعر في مدح النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) :

المرتمي في الدجى ، والمبتلى بعمى* * *والمشتكي ظمأ والمبتغي دينا

____________

1 ـ قوانين الأُصول : 1/63 ، طبعة تبريز عام 1315 هـ.

2 ـ المحقّق أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني في كتاب « وقاية الأذهان ».

192

يأتون سدّته في كلّ ناحية* * *ويستفيدون من نعمائه عيناً

فاستعمل الشاعر لفظ « العين » في الشمس ، و البصر ، والماء الجاري ، والذهب حيث إنّ المرتمي « المرميّ » في الدجى ، يطلب الضياء ، والمبتلى بالعمى يطلب العين الباصرة ، والإنسان الظمآن يريد الماء ، والمستدين يطلب الذهب.

بقيت هنا أُمور :

الأوّل : لو قلنا بجواز استعمال اللفظ في الأكثر فالظاهر أنّه حقيقة في المفرد والمثنى والجمع ، لما عرفت من أنّ محط النزاع استعمال اللفظ في كلّ واحد من المعنيين مستقلاً ، بالنظر إلى الوضعين لا في مجموع المعنيين على نحو التركيب ولا في الجامع بين المعنيين وقد عرفت أنّ الوحدة ليست قيداً للوضع ولا للموضوع له.

نعم ذهب صاحب المعالم إلى أنّ استعمال المفرد في الأكثر مجاز ، واستعمال غيره كالتثنية والجمع في الأكثر حقيقة.

أمّا الأوّل ، فلاستلزامه سقوط قيد الوحدة المأخوذ في الموضوع له ؛ وأمّا الثاني ، فلأنّ التثنية بمنزلة تكرير اللفظ ، فكأنّك نطقت بلفظين ، واستعملت كلاً في معنى خاص.

وما ذكره غير تام ، أمّا في المفرد فلما عرفت من أنّ الوحدة ليست قيداً لا في الوضع ولا في الموضوع له.

وأمّا الثاني أي استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى حقيقة ، فلأنّ الظاهر أنّ الهيئة فيهما تدل على تعدد ما أُريد من المفرد ، فلو أُريد من المفرد أحد المعاني فيدلّ على الفردين منه ، وعندئذ لا يكون من قبيل استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى ، وإن أريد منه أكثر من معنى واحد فالهيئة تدل على الفردين

193

من كلّ من المعنيين ، كفردين من العين الجارية وفردين من العين الباكية ، ولا يكون الاستعمال حقيقة أيضاً على مبناه ، لاستلزامه حذف الوحدة الملحوظة.

وحاصل الكلام : انّ الاستعمال على وجه يكون حقيقة ولا يكون من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، وعلى فرض آخر يكون من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، ولكن لا يكون الاستعمال حقيقة على مبناه.

الثاني : إذا ثبت جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، فهل يحمل المشترك على جميع المعاني عند عدم قرينة على واحد منها ، أو لا ؟

ذهب المحقّق البروجردي إلى الأوّل ، قائلاً بأنّه حقيقة في الجميع فمقتضى أصالة الحقيقة في الاستعمالات حمله على الجميع.

يلاحظ عليه : أنّ المتَّبَع في الكلام هو الظهور العرفي ، حتى أنّ العمل بأصالة الحقيقة ، لأجل كون المجاز خلاف الظاهر المتبادر ، ولا شكّ أنّ المتبادر هو إرادة واحد من المعاني لا أكثر ، لأنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى نادر ، فلا يصار إليه إلاّ أن يدلّ عليه دليل.

الثالث : هل يجوز استعمال اللفظ الواحد في المعنى الحقيقي والمجازي معاً ؟

الظاهر أنّه لا يوجد مانع عقلي ولا قانوني ، نعم ربما يقال بامتناعه ، لأنّ استعماله في المعنى الموضوع له يصيّره حقيقة ، واستعماله في الوقت نفسه في غير الموضوع له يصيّره مجازاً ، والمجاز والحقيقة متضادان لا يجتمعان.

يلاحظ عليه : بأنّ ما ذكره إنّما يتم في الأعراض المتأصلة كالسواد والبياض دون الأُمور الاعتبارية كالحقيقة والمجاز. ولا مانع من وصف الاستعمال الواحد حقيقة باعتبار ، ومجازاً باعتبار آخر.

194

الرابع : قد ورد في الروايات أنّ للقرآن تنزيلاً وتأويلاً ، وأنّ لآياته ظهراً وبطناً ، فربّما استدلّ القائل بجواز استعمال المشترك في معنيين بهذه الروايات بذريعة أنّ التأويل غير التنزيل ، والبطن غير الظهر.

ولكن الظاهر انّه لا صلة لهذه الروايات بمحل النزاع ، وإليك التفصيل.

أمّا التأويل فيستعمل في موردين :

الأوّل : تأويل خصوص المتشابه.

الثاني : تأويل الآيات القرآنية.

أمّا الأوّل فقد أشار إليه سبحانه بقوله : ( هُوَ الَّذِي أنْزلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتاب وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَالْفِتْنَة وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّر إِلاّ أُولُوا الأَلْباب ). (1)

فالتأويل من آل ، يؤول : رجع ويرجع في هذه الآية بمعنى إرجاعها إلى ما هو المراد الواقعي ، فانّ للآيات المتشابهة ظهوراً غير مستقر ، فالذين في قلوبهم زيغ يتبعون الظهور المتزلزل ابتغاء الفتنة ، وأمّا غيرهم فيتأمّلون فيها ويرجعون الآية في ظل الآيات المحكمة إلى ما هو المراد واقعاً ويستقر بذلك ظهورها.

مثلاً قد وردت آيات حول صفاته سبحانه التي تسمّى بالصفات الخبرية كاليد والوجه والعين ، والاستواء على العرش ، إلى غير ذلك من الآيات التي لها ظهور بدوي وهو ظهور غير مستقر ، وظهور نهائي وهو ظهور مستقر.

أمّا الظهور البدوي فهو أنّ للّه سبحانه أعضاء كأعضاء الإنسان ، واستقراراً على العرش كاستواء الإنسان على السرير.

____________

1 ـ آل عمران : 7.

195

وأمّا الظهور المستقر فهو ما يتبادر من الآية بعد الإمعان في القرائن الحافّة بها ، بضميمة الرجوع إلى الآيات المحكمة التي هي كالقرائن المنفصلة بالنسبة إلى الآية ، وعلى ذلك فالمراد من التأويل الذي هو مصدر باب التفعيل ، بمعنى إرجاع الآية إلى ما هو المقصود بالتأمل في القرائن والشواهد المتصلة والمنفصلة.

ومن القول الخطأ تفسير التأويل بمعنى حمل الآية على خلاف ظاهرها ، لأجل مخالفتها لحكم العقل أو الحكم القطعي من الشارع فيؤوّل أي يصرف إلى خلاف ظاهرها بغية الجمع بين مفاد الآية وحكم العقل أو الآيات الأُخرى.

وجه الخطأ : انّ التأويل بهذا المعنى مصطلح جديد للمفسرين والأُصوليّين وليس له أثر في كتب اللغة ، وحاشا أن توجد في القرآن آية مخالفة لحكم العقل ، أو الحكم القطعي في الشرع حتى يصرف إلى خلاف ظاهرها ، فما يتبادر من المخالفة كما في مورد الصفات الخبرية فإنّما هي مخالفة بدوية وظهور غير مستقر ، وأمّا الظهور المستقر للآية فلا يكون مخالفاً لسائر الأدلة ، ولأجل المزيد من الإيضاح نأتي بمثال يرجع إلى استعمال اليد في الآيات :

1. يقول سبحانه ( قالَ يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَديّ أَسْتَكْبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالِين ). (1)

فنقول : إنّ اليد في الآية استعملت في العضو المخصوص ولكن كُنِّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم ، فقوله سبحانه : ( ما منَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بيدي ) كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له ، بحجّة أنّه لا صلة له بي ، مع أنّه موجود خلقتُه بنفسي ، ونفخت فيه من روحي ، فهو مخلوقي الذي قمت

____________

1 ـ ص : 75.

196

بخلقه ، فمع ذلك تمرّدتَ عن السجود له.

فأُطلقت الخلقةُ باليد وكُنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه ، وعنايته بإيجاده ، وتعليمه إيّاه أسماءه ، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد ، يقول : هذا ما بنيته بيدي ، أو ما صنعته بيدي ، أو ربيّته بيدي ، ويراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل ، وربّما استعان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء ، لكنّه لا يذكرها ويكتفي باليد. وكأنّه سبحانه يندد بالشيطان بأنّك تركتَ السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.

2. ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَت أَيْدِينا أَنعاماً فَهُمْ لَها مالِكُون ) (1) فالمجسّمة المتعبّدة بظواهر النصوص البدوية تستدلّ بالآية على أنّ للّه سبحانه أيدي يقوم بها بالأعمال الكبيرة ، ولكنّ المساكين اغترّوا بالظهور التصوريّ ولم يتدبّروا في الظهور التصديقي ، أخذوا بالظهور الجزئي دون الجُمْلي ، فلو كانوا ممعنين في مضمون الآية وما احتفّ بها من القرائن ، لميّزوا الظهور التصديقي الذي هو الملاك لتحديد مفاد الآية عن غيره ، فإنّ الأيدي في الآية كناية عن تفرّده تعالى بخلق الأنعام وانّه لم يشاركه أحد فيها ، فهي مصنوعة للّه تعالى والناس ينتفعون بها ، فبدل أن يشكروا ، يكفرون بنعمته ، وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي ، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التصديقي لا التصوري.

قال الشريف المرتضى (2) : قوله تعالى : ( لما خلقت بيدي ) جار مجرى قوله : « لما خلقت أنا » وذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم : هذا ما كسبتْ يداك ،

____________

1 ـ يس : 71.

2 ـ أمالي المرتضى : 1/565.

197

وما جرت عليك يداك. وإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون : فلان لا تمشي قدمه ، ولا ينطق لسانه ، ولا تكتب يده ، وكذلك في الإثبات ، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة ، بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.

3. قال سبحانه : ( وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيد وَإنّا لَمُوسِعُون ) (1) فاليد وإن كانت ظاهرة في العضو الخاص لكنّها في الآية كناية عن القوة والإحكام بقرينة قوله : ( وانّا لموسعون ) وكأنّه سبحانه يقول : والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها وإنّا لذو سعة في القدرة لا يعجزها شيء ، أو بنيناها بقدرة عظيمة ونوسعها في الخلقة. (2)

إلى هنا خرجنا بالنتائج التالية :

1. انّ اللازم في الصفات الخبرية ، أعني اليد والرجل والعين والاستواء ، هو تحصيل الظهور التصديقي لا التصوّري ، والظهور الجملي لا الجزئي ، فعندئذ يتعبّد به ولا يعدل عنه. ولا يحتاج إلى حمل الظاهر على خلافه.

2. انّ اليد في الآيات الثلاث ، إمّا كناية عن قيام الفاعل بالفعل مباشرة لا باستعانة من الغير كما في الآيتين الأُوليين ، أو كناية عن القدرة الخارقة.

3. حمل الآية على خلاف ظهورها البدوي أمر لا مانع منه ، لأنّ الظهور البدوي ليس بحجّة ومخالفته لا تعد خلافاً للحجة.

هذا كلّه حول تأويل المتشابه ، وأمّا الثاني أي تأويل القرآن فهو في مقابل التنزيل ، فللقرآن تنزيل وتأويل ، فالمراد من التنزيل ما انطبقت الآية عليه وقت

____________

1 ـ الذاريات : 47.

2 ـ الكشاف : 3 / 21.

198

نزولها ، وأمّا التأويل فالمراد هو المصاديق التي تتجدد للآية عبر الزمان ، وهانحن نستعرض المثالين التاليين :

1. يقول سبحانه : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا أُنْزلَ عَلَيْهِ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوم هاد ). (1)

نص القرآن الكريم بأنّ ّالنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بشخصه منذر ، كما نصّ بأنّ لكلّ قوم هاد ، وقد قام النبي بتعيين مصداق الهادي في حديثه ، وقال : « أنا المنذر وعليٌّ الهادي إلى أمري ».(2)

ولكن المصداق لا ينحصر بعلي ، بل الهداة الذين تواردوا عبر الزمان هم المصاديق للآية المباركة ، ولذلك نرى أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) يقول : « رسول اللّه المنذر ، وعليٌّ الهادي ، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه ». (3)

فالهداة المتواردون كلّهم تأويل للآية في مقابل التنزيل.

2. يقول سبحانه : ( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ). (4)

فهذه الآية تعطي ضابطة كلية في حقّ الناكثين للعهد الشرعي ، قد احتجّ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الجمل ، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « دخل عليّ أُناس من أهل البصرة ، فسألوني عن طلحة والزبير ، فقلت لهم : كانا من أئمّة الكفر ، انّ عليّاً يوم البصرة لمّا صفَّ الخيول ، قال لأصحابه : لا تعجلوا على القوم حتى أعذِّر فيما بيني و بين اللّه عزّ وجلّ وبينهم ، فقام إليهم فقال :

يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جوراً في حكم اللّه ؟

____________

1 ـ الرعد : 7.

2 ـ نور الثقلين : 2/482و 485.

3 ـ نور الثقلين : 2/482و 485.

4 ـ التوبة : 12.

199

قالوا : لا.

قال : فحيفاً في قسم ( جمع القسمة ) ؟

قالوا : لا.

قال : فرغبت في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم ، فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي ؟

قالوا : لا.

قال : فأقمت فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم ؟

قالوا : لا.

قال : فما بال بيعتي تُنكث ، وبيعة غيري لا تُنكث ؟ إنّي ضربت الأمر أنفَه وعينَه فلم أجد إلاّ الكفر أو السيف ، ثمّ ثنى إلى أصحابه ، فقال :

إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه : ( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ). (1)

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « والذي فلق الحبة وبرئ النسمة واصطفى محمداً بالنبوة انّهم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت ». (2)

ثمّ إنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو الذي سمّى هذا النوع من القتال ـ حسب ما ورد في الرواية ـ تأويلاً في مقابل التنزيل ، فقال مخاطباً لعليّ : « فتقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت معي على تنزيله ، ثمّ تقتل شهيداً تخضب لحيتك من دم رأسك ». (3)

روى ابن شهر آشوب عن زيد بن أرقم ، قال : قال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : « أنا أُقاتل على التنزيل ، وعليّ يقاتل على التأويل ». (4)

____________

1 ـ التوبة : 12.

2 ـ نور الثقلين : 2/189 ؛ البرهان في تفسير القرآن : 2/106.

3 ـ بحار الأنوار : 40/1 ، الباب 91.

4 ـ المناقب : 3/218.

200

فهذا هو عمار قاتل في صفين مرتجزاً بقوله :

نحن ضربناكم على تنزيله* * *فاليوم نضربكم على تأويله(1)

فوصف جهاده في صفين مع القاسطين تأويلاً للقرآن الكريم.

وعلى ذلك فالمراد من البطن هو المصاديق المتجددة عبر الزمان ، والتعبير بالسبعين كناية عن الكثرة.

منهج القرآن في الهداية

إنّ كثيراً من الآيات القرآنية نزلـت فـي ظـروف خاصـة ، غيـر أنّ مفادهـا لا يقتصر على هذه الظروف فحسب بل يعمّها وغيرها ، فمثلاً قوله سبحانه : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحي إِلَيهِمْ فاسئَلُوا أَهل الذِّكر إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُون ). (2)

إنّ كثيراً من المشركين كانوا يرفضون رسالة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بذريعة أنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يأكل الطعام كسائر الناس ، فأمرهم سبحانه أن يسألوا أهل الذكر عن الأنبياء السابقين ، وانّهم هل كانوا على تلك الوتيرة أو على غيرها ؟ فمورد السؤال هو ذاك ، كما أنّ المراد من أهل الذكر علماء أهل الكتاب ، ولكن مفهوم الآية وهو الرجوع إلى أهل الذكر في المشاكل العالقة عام لا يختص بأهل الكتاب ولا بمورد الآية ، ولذلك فسّر أهل الذكر في بعض الروايات بأئمّة أهل البيت ، وهو أيضاً من قبيل الجري ، أعني : تطبيق الكلي على أفضل أفراده ، ولذلك يستدل بالآية على لزوم التقليد ، لأنّه رجوع إلى أهل الذكر.

____________

1 ـ الاستيعاب : 2/472 ، المطبوع في حاشية الإصابة.

2 ـ النحل : 43 و الأنبياء : 7.

201

فالانتقال بالآية من مفادها الضيّق البدوي إلى هذا المعنى الوسيع تأويل وبطن لها ، وبذلك تستفيد الأُمّة من الآية حقائق ومعاني كثيرة. ولا صلة للتأويل بهذا المعنى لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسّر التأويل والبطن بوجه آخر لا يخلو من إشكال وقد بين شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ إشكاله في الدورة السابقة فليُرجع إلى المحصول.

202

الأمر الثالث عشر

في المشتق

اتّفقت كلمة علماء الأُصول على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ ، ومجازٌ فيما يتلبس به في المستقبل ، واختلفوا فيما انقضى عنه المبدأ ، وقبل الدخول في صلب الموضوع ، نقدّم أُموراً :

الأوّل : تعريف المشتق

المشتق هو اللفظ المأخوذ من لفظ آخر ، ويسمّى الأوّل فرعاً ، والثاني أصلاً ، ولابدّ بينهما من مناسبة حتى يتحقّق الأخذ وقد قسّموه إلى صغير وكبير وأكبر. لأنّ الفرع إمّا أن يشتمل على حروف الأصل وترتيبه ، فهو الأوّل ، وإذا أطلق لا ينصرف إلاّ إليه. وإمّا أن يشتمل على حروفه دون ترتيبه ، وهو الاشتقاق الكبير ، كما قيل : إنّ « فسر » مأخوذ من سفر ، ويقال : « أسفر النقاب » إذا رفع ، والتفسير أيضاً رفع النقاب عن وجه المراد ؛ وإمّا أن لا يشتمل على حروفه فضلاً عن ترتيبه وهو الأكبر كثلم وثلب. (1)

____________

1 ـ لاحظ في الوقوف على تفصيل الأقسام : الفصول الغروية : 58 ـ 59.