إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
203

الثاني : النزاع لغوي لا عقلي

الظاهر أنّ النزاع في المقام لغوي ، والبحث في حدود الموضوع له ، وانّ الواضع هل وضعه لخصوص المتلبّس بالمبدأ أو وضعه للأعم منه وممن تلبّس به آناً ما وإن زال عنده ؟ والدليل على أنّه لغوي هو استدلال الطرفين بالتبادر وصحّة السلب وعدمه ، ولو كان النزاع عقلياً لما كان لهذه الاستدلالات وجه ، خلافاً لصاحب المحجة حيث ذهب إلى أنّ النزاع عقلي ، وانّه لا خلاف في المفهوم والمعنى ، بل الاختلاف في الحمل ، فانّ القائل بعدم صحّة الإطلاق على من انقضى عنه المبدأ يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقات والجوامد ، فكما لا يصحّ إطلاق الماء على البخار بعد ما كان ماءً ، كذلك لا يصحّ إطلاق المشتق على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به ، والقائل بصحّته يدّعي تفاوت الحملين ، فانّ الحمل في الجوامد « حمل هو هو » ، فلا يصحّ أن يقال للهواء ماء ، والحمل في المشتقات « حمل ذي هو » و « حمل انتساب » و يكفي في الانتساب مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود فيصحّ الحمل على المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ.

حاصله : انّ المفهوم واحد عند الطرفين ، والقائل بالمجازية يدّعي كون الحمل في الجامد والمشتق حمل مواطاة ، والقائل بالحقيقة يقول إنّ الحمل في الجامد مواطاة وفي المشتق « حمل ذي هو ».

يلاحظ عليه : أنّه لا معنى للنزاع في صحّة الإطلاق وعدمه عقلاً إذا تسالموا على المفهوم ، والمعنى بداهة بطلان عدِّ ما كان واجداً للمبدأ ثمّ صار فاقداً ، من مصاديقه بحسب نفس الأمر ، لأنّ الصدق والجري يدور مدار الواجدية ومعه لا وجه له.

204

الثالث : المشتق بين الأُدباء والأُصوليين

قد عرفت معنى المشتق عند الأُدباء ، وهو أخذ اللفظ من لفظ آخر ، وأمّا المشتق في لسان الأُصوليين فهو عبارة عمّا يجري على الذوات باعتبار كونها واجدة للمبدأ واتحادها معه بنحو من الاتحاد.

وبذلك يعلم أنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه ، فالأفعال قاطبة ماضيها ومستقبلها وأمرها ، وإن كانت مشتقة عند الأُدباء لكنّها خارجة عن تعريف المشتق عند الأُصوليين ، لأنّ الأفعال تدلّ على قيام مبادئها بالذات ، قيام صدور أو حلول أو طلب فعل أو طلب ترك ، ولا تدل على وصف الذات بها ، ونظير الأفعال المصادر المجرّدة والمزيدة لعدم جريها كالأفعال على الذوات بنحو الهوهوية ، بل هي تدل على نفس المبادئ.

كما أنّ بعض الجوامد الذي يجري على الذوات ، وينتزع منه باعتبار اتحاده بالمبدأ كالزوج والرق والحرّ ، داخل في تعريف المشتق عند الأُصوليين وخارج عن تعريف المشتق عند الأُدباء.

وأمّا الاجتماع فيصدقان جميعاً على أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الزمان والمكان ، وأسماء الآلة والصفات المشبهة وصيغ المبالغة ، لوجود الملاك في الجميع وهو : انتزاعها من الذات وحملها عليه.

وبالجملة : الميزان وجود ذات ومبدأ قائم بها ، من غير فرق بين القيام الصدوري والحلولي ، أو كون المبدأ فعلاً ، أو حرفة ، أو ملكة ، كما لا فرق بين النسب ، أي النسبة القائمة بين الصفات والذات ، سواء أكانت النسبة ثبوتية ، أو تجددية ، أو وقوعاً عليه ، أو وقوعاً فيه ، أووقوعاً به ، أو غير ذلك ممّا يجده الإنسان في أسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة والصفة.

205

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أيّد كون ملاك البحث أعمّ من المشتق عند الأُدباء وانّه يعمّ بعض الجوامد كالزوج للفرع الذي طرحه صاحب الإيضاح فيمن كان له زوجتان كبيرتان ارضعتا زوجته الصغيرة ، قال : تحرم الأُولى والصغيرة ، وأمّا الثانية فحرمتها وعدمها مبنيّة على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس ، أو كونه حقيقة في الأعمّ منه وممّن انقضى عنه المبدأ ، فإن قلنا بالأوّل ، لم يصدق على الثانية انّها أُمّ زوجته ، بل هي أُمّ البنت ، وليست أُمّ البنت محرّمة ، وإن قلنا بالأعمّ ، يصدق أنّها أُمّ من كانت زوجته سابقاً. (1)

ثمّ إنّ الكلام يقع في تحريم المرتضعة أوّلاً ، والكبيرة الأُولى ثانياً ، والكبيرة الثانية ثالثاً.

أمّا المرتضعة ، فلا شكّ أنّها تحرم على الزوج إذا كان اللبن له ، إذ حينئذ تكون الزوجة الصغيرة المرتضعة ، بنته الرضاعية ، والبنتية والزوجية غير مجتمعتين.

نعم لو كان اللبن لزوجها السابق الذي خرج عن حبالتها وتزوّجت بالثاني ، تكون المرتضعة عندئذ ربيبة رضاعية للزوج الثاني ، وحرمتها مبنية على حرمة الربيبة النسبية إذا تأخرت ولادتها ، كما إذا طلّقها الزوج وتزوّجت بآخر وأنجبت بنتاً فلو قلنا بحرمة المتأخّرة للزوج الأوّل فتعمّ الحرمة البنت الرضاعية المتأخّرة في المقام أخذاً بقوله : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

وأمّا الكبيرة فقد اتّفقت كلمتهم على بطلان زوجيتها ، لأنّها صارت أُمّ الزوجة مع أنّها كالكبيرة الثانية لا تحرم إلاّ على القول بوضع المشتق للأعم لا لخصوص المتلبس فلا خصوصية للأُولى في ذلك.

بيان ذلك بوجهين :

____________

1 ـ إيضاح الفوائد في شرح القواعد : 3/52.

206

الأوّل : انّ المتضائفين متكافئان قوّة وفعلاً ، ولا يمكن التفكيك بينهما ، وعليه فبنتية المرتضعة وأُمومة المرضعة متضائفتان ، لأنّه عندما صارت المرضعة أُمّاً صارت المرتضعة بنتاً ، فهي أُمّ البنت ، لا أُمّ الزوجة ، وإلاّ لزم تفكيك أحد المتضائفين ( الأُمومة ) عن الآخر ( البنتية ).

الثاني : إنّ زوجية المرتضعة وبنتيتها ، متضادتان شرعاً ، فمرتبة البنتية ، مرتبة زوال الزوجية ، والمفروض أنّها أيضاً مرتبة حصول الأُمومة ، فينتج أنّ مرتبة الأُمومة ، مرتبة زوال الزوجية فليس لنا زمان ولا مرتبة تضاف فيه الأُمومة إلى الزوجية.

وحاصل التقرير الأوّل : أنّ صدق الأُمومة على الكبيرة ، والزوجية على الصغيرة غير معقول ، لعدم صحّة انفكاك أحد المتضائفين ( الأُمومة ) عن المتضائف الآخر ( البنتية ).

وحاصل التقرير الثاني : أنّ مرتبة حصول البنتية والأُمومة ، مرتبة زوال الزوجية ، فكيف تكون أُمّاً للزوجة بل تكون أُمّاً للبنت ، وأُمّ البنت ليست من المحرمات.

هذا هو الإشكال ، وانّ المرضعتين في الحكم على حد سواء ، وحرمة الكل مبنيّة على كون المشتق حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر أجاب عن الإشكال بما هذا لفظه : من أنّ صدق البنتية للمرتضعة وزوال زوجيتها ، وأُمومة المرضعة الأُولى ، متّحدات في الزمان ، فآخر زمان الزوجية متصل بأوّل زمان حدوث الأُمومة. (1)

يلاحظ عليه : أنّ الاكتفاء بهذا المقدار ، خلاف منصرف العمومات ، فانّ الظاهر من « أُمّهات نسائكم » أن تكون المرأة أُمّاً حقيقة أو تنزيلاً لزوجة فعلية ، وأمّا الأُمومة المقارنة لآخر جزء الزوجية الزائلة ، فليست داخلة تحتها.

____________

1 ـ الجواهر : 29/329 ـ 330.

207

والأولى أن يقال انّ التفريق بين المرضعتين لأجل النصّ الخاص ، وذلك لمعتبرة علي بن مهزيار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قيل له : انّ رجلاً تزوج بجارية صغيرة ، فأرضعتها امرأته ، ثمّ أرضعتها امرأة له أُخرى.

فقال ابن شبرمة : حرمت عليه الجارية وامرأتاه ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : « أخطأ ابن شبرمة ، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً ، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه ، كأنّها أرضعت ابنته ». (1)

ولعلّ الرواية تؤيد ما ذكره صاحب الجواهر من أنّه يكفي صدق الأُمومة عند زوال الزوجية. وذلك من خلال انّ حكم التفصيل بين المرضعتين ، مقتضى القاعدة : دخول الأُولى تحت الآية دون الثانية ، ولا وجه لهذا الاستظهار إلاّ إذا قلنا بمقالة صاحب الجواهر.

الأمر الرابع : في دخول أسماء الزمان في محط النزاع

ربّما يتوهم خروج أسماء الزمان عن حريم النزاع كالمضرب إذا أُريد منه زمان الضرب ، إذ لا يتصور له إلاّ قسم واحد وهو الذات المتلبّسة بالمبدأ ، أي الزمان الذي وقع فيه الضرب ، وأمّا القسم الآخر ، أعني : ما انقضى عنه المبدأ فلا يتصوّر في الزمان ، لأنّ الذات في اسم الزمان كالمضرب والمقتل هو الزمان و هو ليس شيئاً باقياً بل هو أمر منقض جزءاً فجزءاً.

وقد أجاب عنه في « الكفاية » بأنّ انحصار مفهوم في فـرد لا يلازم وضع اللفظ لهذا الفرد كما في لفظي الإله (2) والواجب ، فهما كليان مع أنّ المصداق

____________

1 ـ الوسائل : 14 ، الباب 14 من أبواب الرضاع ، الحديث 1.

2 ـ وفي المصدر لفظ الجلالة ، والظاهر انّه علم للذات الجامعة لصفات الجلال والكمال ، ولم يقل أحد بكونه كلياً وإنّما قال به من قال في لفظ الإله.

208

منحصر في واحد.

يلاحظ عليه : بوجود الفرق بين اسم الزمان وذينك اللفظين ، فانّ انحصار اسم الزمان في مصداق واحد ، أعني : المتلبس أمر تدركه عامّة الناس ، وهذا بخلاف انحصار الإله والواجب في فرد ، فهو ليس بهذا الوضوح ، ولذلك ذهبت الثنوية إلى تعدد الإله والواجب.

أضف إلى ذلك أنّ عطف « الواجب » على الإله غير تام ، لعدم انحصار الثاني بفرد خاص ، بل هو يعم الواجب بالذات والواجب بالغير ، والواجب بالقياس إلى الغير كالمتضائفين ، فانّ وجود الأب واجب بالقياس إلى الابن وبالعكس.

وقد أجاب المحقّق النائيني عن التوهّم بأنّه لو كان الزمان المأخوذ فيها ، شخص ذاك اليوم بعينه لا كليه فللتوهم المذكور مجال ، لكن كون المأخوذ فيها هو الشخص ، في حيّز المنع ، بل الظاهر أنّه الكلي.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّه لو كان الإشكال منصبّاً على صدق عنوان المقتل على اليوم الثاني أو الثالث من السنة الثانية والثالثة كان لما ذكره وجه ، وهو أنّ المقتل اسم كلي له مصاديق متعددة عبر الزمان حسب السنوات ، غير أنّ الإشكال منصبّ على صدقه في نفس اليوم الأوّل بعد طروء القتل ، فانّ المقتل عبارة عن الزمان الذي وقع فيه القتل وهو جزء من اليوم ، مع أنّه يطلق على جميع الأجزاء.

وثانياً : انّ المقتل وإن كان كلّياً ، لكنّه بعد انطباقه على اليوم المعيّن تشخّص الكلي في ضمن ذلك الفرد ، فصار ذلك اليوم ( اليوم العاشر من محرم عام 61 هـ ) مصداقاً لمقتل الحسين (عليه السلام) فقط فلا يكون له مصداق آخر.

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/56.

209

والصحيح أن يقال : انّ لكلّ شيء بقاءً بحسبه ، فالأشياء المادية على أقسام ثلاثة ، ولكلّ بقاء عند العرف :

1. الجوامد ، كالإنسان والفرس.

2. الزمانيات كالتكلم وسيلان الماء.

3. الزمان كاليوم والليل.

ولا شكّ أنّ للقسم الأوّل بقاء ًحسب الحسّ ، فزيد اليوم هو نفس زيد في الأمس أو الغد.

وأمّا القسم الثاني ـ فمع أنّ الإنسان يحس زواله وعدم بقائه ، ومع ذلك يفترض الإنسان له بقاءً كسيلان الماء ونبعه فانّ له ابتداء وانتهاء ، وللتكلم مبدأ و منتهى ، فيتلقاها العرف أمراً واحداً ثابتاً ، ومثله الزمان كاليوم فانّه له مبدأ بطلوع الشمس وبقاءً إلى غروبها عند العرف مع أنّ أجزاءه غير مجتمعة ، فإذا وقع القتل في أوّل اليوم صحّ إطلاق المقتل إلى آخر اليوم لما عرفت من أنّ لليوم في نظر العرف بقاءً ، و لذلك يقول : رأيته في أوّل اليوم أو وسطه أو آخره.

وأمّا صحّة إطلاقه بعد مضي سنة أو سنوات فلأجل اعتقاد الناس بعود الزمان بنفسه في ذلك اليوم وهم يرون اليوم في السنة الثانية نفس اليوم الماضي وعينه لا مثله. ولذلك يقولون اليوم مقتل الحسين (عليه السلام).

ثمّ إنّه ربّما يتوهم أيضاً بخروج اسم المفعول عن حريم النزاع لا لأجل عدم بقاء ذاته على ما توهم في اسم الزمان ، بل لأجل كونه متلبساً دائماً ، فالشخص مادام موجوداً يطلق عليه أنّه مضروب أو مقتول فتكون أسماء المفعولين خارجة عن محط النزاع.

يلاحظ عليه : أنّه يجب أن يُحدّد مفهوم المضروب ، فلو أُريد منه المعنى

210

الحدوثي التجددي فهو قابل للانقضاء ، ففي الآن الذي وقع عليه الضرب هو مضروب دون الآنات المتتالية.

نعم لو أُريد منه المعنى الناعت والمعرّف كما يقال : علي قالع باب خيبر فلا يتصوّر فيه الانقضاء.

وبعبارة أُخرى : فهو بالمعنى الحدوثي يتصوّر له التلبس والانقضاء ، وبالمعنى الوصفي فهو متلبّس دائماً لا يتصوّر له الانقضاء.

ثمّ إنّ المحّقق النائيني استثنى من محط البحث ، ألفاظ العلة والمعلول والممكن والواجب والممتنع ، قائلاً : بأنّ منزلة هذه الألفاظ منزلة العناوين الذاتية كالإنسان ، إذ لا يعقل بقاء الذات مع ذهاب الإمكان وإلاّ لزم انقلاب الممكن إلى الواجب والممتنع.

يلاحظ عليه بوجهين : أوّلاً : أنّ ما ذكره إنّما يتم في العلل غير الاختيارية فلا يمكن ذهاب الوصف ( العلية ) مع بقاء الذات ، دون العلل الاختيارية فلا مانع من بقاء الذات وازالة وصف العلية في العلل المختارة.

وثانياً : أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كانت هذه الألفاظ موضوعة بوضع خاص ، فبما أنّه لا يتصور فيها الأعمية ، فلا معنى للوضع بالأعم ، وأمّا إذا كان الموضوع له هو الهيئة الكلية في أسماء الفاعلين والمفعولين من دون نظر إلى مادة ، فعدم جريان النزاع في بعض الموارد لا يوجب عدم جريانه في الهيئة على الوجه الكلّي من دون نظر إلى مادة خاصّة ، كما لا يخفى.

الأمر الخامس : في دلالة الأفعال على الزمان

المعروف بين الأُدباء أنّ الفعل يدلّ على الزمان ، فالماضي يدل على تحقّق

211

الحدث فيما سبق ، والمضارع على تحقّقه فيما يأتي أو الحال ، وصيغة الأمر تدلّ على الطلب في زمان الحال حتى أنّ ابن الحاجب عرّف الفعل بقوله : ما دلّ على معنى في نفسه مقترناً بأحد الأزمنة الثلاثة. (1)

ولكن المشهور بين الأُصوليين المتأخّرين عدم دلالته على الزمان ، واستدلّوا عليه بوجوه غير تامّة ، وإليك سردها :

الأوّل : انّ المادة في الأفعال تدلُّ على نفس الحدث ، والهيئة على نسبة الحدث إلى الفاعل ، فما هو الدال على الزمان ؟

يلاحظ عليه : بأنّ الدالّ عليه ـ عند القائل بدلالة الفعل على الزمان ـ هي الهيئة التي تدلّ على نسبة الحدث إلى الفاعل في زمان خاص كما سيوافيك بيانه.

الثاني : النقض بصيغة الأمر والنهي ، فانّ مدلولهما إنشاء طلب الفعل أو الترك ، غاية الأمر أنّ نفس الإنشاء بهما متحقّق في الحال وهو غير القول بدلالتهما عليه.

يلاحظ عليه : بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه ، فانّ الأفعال من قبيل الإخبار الملازم للزمان لكونه ينبئُ عن فعل محقّق أو سيتحقق في المستقبل ، بخلاف الأمر والنهي فانّهما من مقولة الإنشاء ، ولا يلازم مدلولُ الإنشاء الزمانَ.

أضف إلى ذلك انّ القائل بالفورية في كلتا الصيغتين يقول بدلالة الأمر والنهي على الزمان الحاضر.

الثالث : لو دلّ على الزمان لما صحّ اسناده إلى نفس الزمان ، كما في قوله « مضى الزمان » وإلاّ لزم أن يكون للزمان زمان. ولما صحّ اسناده إلى المجرّد من دون فرق بين أن يكون المجرّد فاعلاً كما في قولك : « علم اللّه » ، فانّ فعله فوق

____________

1 ـ شرح الكافية : للرضي : 1/11.

212

الزمان ، أو مفعولاً كما في قولك « خلق اللّه الأرواح ».

يلاحظ عليه : أنّ ذلك إثبات اللغة بالبرهان ، مع أنّ الوضع لا يقتضي أن يكون على وفقه ، فالبرهان العقلي شيء والوضع شيء آخر ، فانّ الواضع لم يكن فيلسوفاً حتى يلتفت إلى هذه المحاذير ويضع الفعل للحدث المنتسب إلى الفاعل المجرّد عن الزمان حتى يصحّ اسناده إلى المجردات فاعلاً ومفعولاً ، والمحذور المتوهم في المثال الأوّل ممّا يلتزم به العرف بشهادة أنّه يعتقد أنّ للزمان زماناً ويقول : « كان يوم ، ولم يكن مع اللّه سبحانه شيء ، ثمّ خلق السماوات والأرض والأيّام والليالي » حتى أنّ هذا الزعم سرى إلى بعض المتكلّمين الذين أثبتوا لمجموع العالم حدوثاً زمانياً ، فقالوا : كان زمان ولم يكن شيء سوى اللّه ثمّ خلق ما خلق.

ومن هنا يعلم الحال في المثال الثاني ، فإنّ قولنا « علم اللّه » يدلّ على الزمان و إن كان البرهان يقتضي كون فعله فوق الزمان بمعنى أنّ علمه سابق على الزمان أو أنّ فعله غير مقيّد به.

وأمّا قوله : « خلق اللّه الأرواح » فمعنى تجرّد الأرواح كونها غير متقيدة بالزمان وإن كانت غير خارجة عنه.

والحاصل : انّ إثبات اللغة بالبراهين الفلسفية ليس طريقاً صائباً ، فاللازم تحليل مسائل كلّ علم حسب الأُسلوب الخاص به.

الرابع : المضارع عندهم مشترك في الحال والاستقبال وليس بمشترك لفظي ، وإلاّ لزم استعماله فيهما استعمالاً في أكثر من معنى واحد كما في قولنا : « يضرب زيد اليوم وغداً » ، ولا معنوي لعدم الجامع بين الحال والاستقبال لتباين أجزاء الزمان.

يلاحظ عليه : بأنّ الجامع بين الحال والاستقبال أمر انتزاعي ، وهو « ما لم

213

يمض من الزمان » ، و هو كاف في الوضع إذ يمكن به الإشارة إلى الموضوع له.

الخامس : انّ الماضي عندهم ربّما يستعمل فيما هو مستقبل حقيقة ، وبالعكس ، مثل قولك : « يجيئني زيد بعد عام ، وقد ضرب قبله بأيّام » و قولك : « جاء زيد في شهر كذا ، وهو يضرب في ذلك الوقت » أو « فيما بعده » أو « فيما مضى ».

يلاحظ عليه : أنّ الملاك في كون الشيء ماضياً أو مضارعاً ، إمّا حال التكلّم أو الحدث الذي قورن به الكلام ، والمثالان من قبيل الثاني لا الأوّل ، فانّ الملاك هو المجيء و « ضرب زيد » ماض بالنسبة إليه ، كما أنّ « ضربه » مضارع بالنسبة إليه فلا تعارض.

فهذه الأدلّة التي ذكر أكثرها المحقّق الخراساني في الكفاية لا تسمن ولا تغني من جوع.

والحقّ أن يقال : أنّ الأفعال ماضيها ومستقبلها تدلّ على الزمان الماضي أو المستقبل بالدلالة الالتزامية ، لا بالدلالة المطابقية ولا التضمنية.

ويعلم ذلك بملاحظة أمرين :

أ. لا يمكن لأحد أن يُنكر وجود الفرق بين قولنا : ضرب و يضرب ، فانّ الأوّل يقارب من قولنا ضرب في الماضي مثلاً ، والثاني من قولنا يضرب في المستقبل.

هذا من جانب ، ومن جانب آخر أنّ الزمان ماضيه ومستقبله من المفاهيم الاسمية ولا معنى لأخذها في مداليل الهيئة التي هي من المفاهيم الحرفية.

فالأمر الأوّل يجرّنا إلى القول بدلالته على الزمان ، والأمر الثاني يصدّنا عن القول به ، فالذي يمكن أن يقال : انّ المتبادر من الهيئة معنى ينبئُ عن صدور الحدث من الفاعل كما في الأفعال المتعدية ، أو قيامه به كما في الأفعال اللازمة ، أو

214

ترقّب الصدور عن الفاعل أو ما يقرب من ذلك في الفعل المضارع ، ومن الواضح أنّ الإخبار عن التحقّق أو الترقّب يلازم دلالة الفعل على الماضي والحال والمستقبل ، فالقول بالدلالة صحيح إذا أُريد منه ما ذكرنا.

وإن شئت قلت : إنّ الهيئة موضوعة لسبق الحدث ، أو لترقّب وقوعه ، والسبق والترقّب يلازمان الزمان الماضي أو الحال أو الاستقبال.

نعم ليس المراد من وضع الهيئة على مفهوم التحقّق والسبق أو مفهوم الترقّب واللحوق بصورة المعنى الاسمي حتى يقال : انّ الهيئة من الأدوات الحرفية فكيف تدل على المعنى الاسمي ؟! بل المراد واقع السبق وحقيقته أو مصداقه ، وهذا نظير ما يقال انّ لفظة « من » موضوعة للابتداء و انّ « إلى » موضوعة للانتهاء ، فليس المراد انّهما موضوعان لمفهومهما الاسمي بل لواقعهما ومصداقهما وما يعد ابتداءً وانتهاء في الخارج.

وما ذكرناه هو خلاصة ما أفاده المحقّق الاصفهاني في تعليقته والسيّد الأُستاذ في درسه.

قال الأوّل : إنّ هيئة الماضي موضوعة للنسبة المتقيّدة بالسبق الزماني بنحو يكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً ، وهيئة المضارع موضوعة للنسبة المتقيّدة بعدم السبق الزماني ، لا أنّ الزمان الماضي أو الحال أو الاستقبال أو غير الماضي بهذه العناوين الاسمية ، مأخوذة في الهيئة كي يقال انّ الزمان عموماً وخصوصاً من المعاني المستقلة بالمفهومية فلا يعقل أخذها في النسبة التي هي من المفاهيم الأدوية.(1)

والحاصل : انّ هنا دلالة واحدة وهي الدلالة على سبق الحدث أو ترقّب

____________

1 ـ نهاية الدراية : 1/75 ، ط عبد الرحيم ، طهران.

215

حصوله ، لكن العقل يحلّله إلى دلالات كثيرة ، وهو أنّ هنا حدثاً ونسبة وفاعلاً وصدوراً سابقاً أو لاحقاً. كما هو الحال في قولنا باللغة الفارسية « زد » أو « مى‌زند ».

الأمر السادس : ما هي مادة المشتقات ؟

لا شكّ انّ العارف باللغة يُحسّ أنّ هناك معنى سارياً في عامّة المشتقات بحيث إنّ المفاهيم المختلفة تطرأ على ذلك المعنى ، ويصوّره بصور مختلفة ، وهذا ما يسمّى بمادة المشتقات ، فالهيئات تفيد معاني مختلفة لكن الجميع ينصبُّ على معنى واحد ، فتارة يلاحظه صادراً عن الفاعل ، وأُخرى واقعاً عليه ، وثالثة متحقّقاً في زمان ومكان ، إلى غير ذلك من المعاني الطارئة ، وهذا يدلّنا على أنّ في المشتقات مادة سيّالة متضمّنة معنى سارياً في عامّة الصحيح في جميع الصور.

ويؤيد ذلك أنّه كثيراً ما يعلم الإنسان مفهوم الهيئة ولكن يجهل بمفاد المادة ، وهذا آية تعدد الوضع وانّ هناك شيئا موضوعاً لمعنى ، و الهيئة موضوعة لمعنى آخر ، وقد اختلفت كلمتهم في تعيين ما هي المادة السارية لهذه المشتقات الكثيرة إلى مذاهب :

الأوّل : انّ المصدر أصل ، والفعل والوصف مشتقان منه ، وهذا خيرة البصريين.

الثاني : انّ الفعل أصل ، والمصدر مشتق منه ، وهذا مذهب الكوفيين ، وإلى المذهبين يشير ابن مالك في ألفيته ، يقول :

المصدر اسم ما سوى الزّمان من* * *مدلولي الفعل كامن من أمن

بمثله أو فعل أو وصف نصب* * *وكونه أهلاً لهذين انتخب

الثالث : انّ المصدر أصل ، والفعل مشتق منه ، والصفات مشتقة من الفعل.

216

الرابع : انّ كلاً من المصدر والفعل أصل برأسه. (1)

وهناك مذهب خامس سيوافيك بيانه وهو خيرة السيّد الأُستاذ (قدس سره).

وهم وإزاحة

إنّ بعض المتأخّرين من الأُصوليين نفوا كون المصدر أصلاً ومادة للمشتقات قائلين بأنّ الأصل يجب أن يكون محفوظاً في فروعه بمادته وهيئته مع أنّ هيئة المصدر مانعة من كونه أصلاً لسائر المشتقات ، لعدم إمكان حفظ الهيئة فيها.

وبالجملة : انّ نسبة مادة المشتقات إليها كالمقسم بالنسبة إلى سائر الأقسام ، فكما أنّه يشترط وجود المقسم في عامة الأقسام ، فيجب وجود المصدر بهيئته ومادته في جميع المشتقات ، ولكنّه أمر غير ممكن ، لأنّ هيئة المصدر آبية عن انضوائها في هيئة أُخرى ، فلابد من إزالة الهيئة السابقة وهي لا تجتمع مع مبدئيتها للمشتقات.

يلاحظ عليه : بأنّه نشأ من قياس المبدأ في عالم الألفاظ بما هو المبدأ في عالم التكوين والحقائق العينية ، فانّ الهيولى الأُولى مادة الكون وهي عارية عن كلّ الفعليات حتى تصلح لئن تتعاقب عليها صور كثيرة ، وأمّا المبدأ في عالم الألفاظ فلا دليل على لزوم كونه عارياً عن كلّ الخصوصيات ، بل يكفي وجود سريان حروفه مع ترتيبها في عامة المشتقات.

فالمصدر أشبه بالمبدأ في التراكيب الصناعية ، فانّ القطن يُعد مبدأ لكثير من الألبسة حيث إنّه مادة للخيط والثياب ، والنفط مادة للصناعات البلاستيكية

____________

1 ـ لاحظ شرح ابن عقيل : 1/473 ـ 474.

217

مع أنّهما غير مأخوذتين بعامة الخصوصيات في فروعهما.

فإذا كان الحال كذلك في التراكيب الصناعية ، فليكن كذلك في عالم الألفاظ فانّ المصدر لما كان أقل وأبسط من حيث المعنى عن سائر المشتقات ، أخذ مبدأ لها ، وأمّا لزوم حفظ عامّة خصوصيات المبدأ في الفروع فهو أشبه بلزوم ما لا يلزم.

فإن قلت : إنّ المصدر يشتمل على نسبة ناقصة ، فهي تمتنع عن كون المصدر مادة المشتقات.

قلت : إنّ اشتما ل المصدر على النسبة الناقصة لا يضرّ بالمقصود ، لأنّها نسبة مبهمة قابلة لتوارد النسب المختلفة عليه.

نعم لو اشتمل على نسبة تامّة كالفاعلية أو المفعولية فهي تمنع عن التلوّن بألوان النسب.

فإن قلت : فعلى هذا فاسم المصدر أولى بأن يكون مادة المشتقات ، لأنّه فاقد حتى نفس هذه النسبة الناقصة ، وإنّما يدل على مجرّد الحدث.

قلت : إنّ اسم المصدر نادر الوجود فلا يكن اتخاذه مبدأ ومصدراً.

فإن قلت : لو كان للمادة وضع مستقل وراء وضع الهيئات ، للزم تعدد الدلالة ، وهو يستلزم تعدد المداليل ، وهو لا يناسب بساطة المشتق الذي اتّفقت عليه كلمتهم في هذه الأعصار ، على أنّ تعدد المداليل خلاف المتبادر في عامّة الصيغ.

قلت : إنّ وجود المادة لما كان مندكّاً في الهيئة ومتحصلاً بتحصلها ، ومتحداً معها بنحو من الاتحاد ، اندكت دلالتها في دلالة الهيئة ، فصار اللفظ بهيئته و مادّته مفيداً لمعنى واحد.

ثمّ إنّ هيئة المصدر لما كانت مانعة عن كون المصدر مادة للمشتقات عند

218

السيّد الأُستاذ (قدس سره) ذهب إلى أنّ المبدأ عبارة عن الحروف المترتبة مجرّدة عن كلّ هيئة ، كحروف « ض ، ر ، ب » فهي موضوعة لنفس المعنى مجردة عن كلّ خصوصية ونسبة فاعلية أو مفعولية.

فإن قلت : إنّ اللفظ الموضوع لابدّ وأن يكون قابلاً للتنطّق والتلفظ ، والمادة العارية عن كلّ صورة غير قابلة له.

قلت : إنّ وضع المادة لما كان وضعاً تهيئياً لأن تتلبس بالهيئات الكثيرة من الماضي والمضارع ، فلا يلزم أن تكون قابلة للتنطق. (1)

يلاحظ عليه : أنّ العرف العام لا يضع لفظاً لمعنى ما لم ينطق به فهو بالنطق به يضع اللفظ غالباً ، وقد مرّ أنّ وضع غالب الألفاظ وضع تعيني لا تعييني ، ووضع المادة بلا هيئة يحتاج إلى قدرة فكرية خارج عن إطار قدرة الواضع الساذج. ولذلك استقرّ نظره أخيراً على أنّ المصدر مادة المشتقات ، لكن الهيئة غير دخيلة في المبدئيّة بل دخيلة في إمكان النطق به ، ولو أمكن النطق به بلا هيئة لوضعها بلا هيئة ، و على ذلك يصبح النزاع أشبه باللفظيّ.

الأمر السابع : التفصيل في بعض المشتقات ونقده

ربّما يفصل بين المشتقات فيتوهم أنّ بعضها حقيقة في المتلبّس والبعض الآخر في الأعم ، وذلك فيما لو كان المبدأ فيه حرفة أو قوّة أو ملكة فانّ المشتق يصدق مع عدم التلبّس بالمبدأ وذلك كالكاتب والمثمر والمجتهد.

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بما حاصله : أنّ اختلاف المشتقات في المبادئ وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة ، وفي بعضها قوّة وملكة ، وفي بعضها

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/105 ـ 106.

219

فعلية ، لا يوجب تفصيلاً في المسألة ، بل يوجب طول التلبّس وقصره حسب اختلاف المبادئ ، فلو كانت المادة فعلية يكون المتلبّس أقل مدّة مما إذا كانت المادة حرفة أو ملكة أو قوّة.

توضيح ذلك : أنّ المبدأ تارة يؤخذ على نحو الفعلية كقولنا قائم ، وأُخرى على نحو الحرفة كقولنا تاجر ، وثالثة على نحو الصناعة كقولنا : حدّاد ونسّاج ، ورابعة على نحو القوّة كالشجر المثمر ، وخامسة على نحو الملكة كالطبيب والمجتهد ، وسادسة على نحو الانتساب إلى الأعيان الخارجية كقولنا لابن وتامر.

فعند ذلك يختلف واقع التلبّس حسب اختلاف المبادئ ، ففي القسم الأوّل : يشترط كونه واجداً للمبدأ فعلاً ولذلك لا يصدق القائم على القاعد.

وفي الثاني والثالث : يكفي اتخاذه حرفة وصنعة مادام لم يعرض عنهما وإن لم يكن يمارس فعلاً.

وفي الرابع : يكفي كونه واجداً لقوة الإثمار في مقابل فقدانها وإن لم يثمر الآن ، فالشجرة الواجدة لتلك القوّة شجرة مثمرة حتى في أيام الشتاء. نعم لو زالت قوّة الاثمار لخرجت عن كونها مثمرة. وهكذا الأمر في الخامس والسادس ، فمادام الطبيب والمجتهد يملكان ملكة الطبابة والاجتهاد يصدق عليهما أنّهما طبيب ومجتهد إلاّ إذا زالت الملكة.

وإلى ذلك يرجع قول بعضهم من أنّ تلبّس كلّ شيء بمادة حسب اختلاف المادة. وعند ذلك يقع النزاع في أنّ هيئة المشتق هل رخصت للمتلبّس الذي تقتضيه مادته أو للأعم منه وممّن انقضى عنه المبدأ ؟

وبذلك يعلم أنّ اختلاف كيفية التلبّس لا يوجب اختلافاً فيما هو الملاك غير أنّ الظاهر من المحقّق الخراساني أنّ الاختلاف في كيفية التلبّس ينشأ من

220

جانب المادة كما هو الغالب فيما مضى ، ولكنّه ربّما ينشأ من الهيئة وذلك كما في المفتاح والمسجد ، فانّ المادة فيهما أعني الفتح والسجود من قبيل الفعليات لكن الهيئة وُصفت لما يصلح للفتح أو يكون معداً للسجود وإن لم يفتح به أو لم يسجد فيه.

بل ربّما ينشأ الاختلاف من كيفية الجري ، فإذا قلت : هذا المائع سم قاتل ، يستفاد منه أنّ المبدأ أخذ بالقوّة ، وأمّا إذا قلت ، زيد قاتل ، فيراد منه أنّه قاتل بالفعل.

الأمر الثامن : ما هو المراد من الحال في عنوان البحث ؟

المذكور في عنوان المسألة في الكتب هو أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس في الحال أو الأعم منه وممّن انقضى عنه المبدأ ، فاختلفت كلمتهم في تفسير الحال إلى أقوال :

الأوّل : أنّ المراد هو زمان النطق بالمشتق.

وهذا الاحتمال مردود بوجوه :

أ. عدم دلالة المشتق على الزمان.

ب. اتّفاقهم على أنّ قولنا : كان زيد ضارباً أمس ، أو سيكون ضارباً غداً ، حقيقة إذا كان متلبّساً بالمبدأ في ظرف النسبة ، وهذا يدل على أنّ المشتق لم يوضع للمتلبّس في زمان النطق.

ج. أنّ هذا الاحتمال يوجب كون المشتق مجازاً في أغلب الموارد ، لأنّ التلبّس في زمان النطق أقلّ مصداقاً من غيره.

الثاني : انّ المراد زمان التلبّس.

221

وهذا الاحتمال لا ينسجم مع عنوان البحث لاستلزام أن يكون اللفظ « في الحال » أمراً زائداً حيث إنّهم عنونوا البحث بالشكل التالي وقالوا : « هل المشتق حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدأ في الحال أو فيما يعمّه » ولا معنى لقولنا : « تلبّس بالمبدأ في حال التلبس » لأنّ المتلبّس بالمبدأ يتلبّس في حال التلبّس.

الثالث : انّ المراد زمان الجري والنسبة.

وهذا هو الذي اختاره المحقّق الخراساني وغيره ، وحاصله : أنّه موضوع للمتلبّس بالمبدأ في ظرف النسبة ، فلو كان ظرف التلبس موافقاً لظرف النسبة فهو حقيقة وإلاّ فهو مجاز ، فإذا قلت : زيد ضارب غداً ، فلو أردت أنّ المتلبّس بالضرب غداً ، ضارب غداً يكون حقيقة ، ولو أُريد انّ المتلبّس بالضرب غداً ، ضارب فعلاً فهو مجاز. (1)

يلاحظ عليه بأُمور :

الأوّل : انّ مدلول المشتق بسيط ووضعه للمتلبّس في حال الجري وزمان النسبة يستلزم كونه مركّباً ودالاً على الزمان تضمناً ، وهو لا يجتمع مع كونه بسيطاً.

الثاني : انّ ما ذكره إنّما يتمشّى في الجمل الإخبارية ، وأمّا الجمل الإنشائية مثل قولك : « أكرم العالم » لأنّ الجمل الإنشائية لا تدلّ على الزمان حتى يقال : إذا طابق زمان التلبّس مع زمان النسبة فهو حقيقة وإلاّ فهو مجاز.

الثالث : وهو بيت القصيد في المقام أنّ النزاع في مفاهيم المفردات و معاني الكلمات وانّ لفظ المشتق بما هو هو ـ مع قطع النظر عن كونه مبتدأ أو فاعلاً أو مفعولاً ـ هل هو موضوع للمتلبّس أو موضوع للأعم ؟

والنسبة والجري وتطابق زمان التلبّس مع زمان الجري يوجب أن يكون

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/66.

222

البحث في الجمل والمركبات ، والمفاهيم التصديقية مع أنّ البحث إنّما هو في المفاهيم التصورية ، وبذلك يعلم أنّ هذه الاحتمالات كلّها ضعيفة وانّه لابدّ من تفسير الحال بمعنى آخر.

ما هو المختار في تفسير الحال ؟

والحقّ أن يقال أنّ المراد من الحال في عنوان البحث هو فعلية اتصاف الذات بالمبدأ ، ويرجع النزاع إلى سعة المفاهيم وضيقها.

فعلى القول بالأخصّ يكون الموضوع له هو الذات المتزامنة مع المبدأ ، وعلى القول الآخر يكون الموضوع له الأعم من المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ.

وبذلك ظهر أنّ المراد من الحال هو فعلية التلبّس ومقارنة الذات بالمبدأ.

وإن شئت قلت : إنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ ولا يرى ذلك الجامع بين المتلبّس وما انقضى عنه المبدأ ، ولو كان هناك جامع ، فالجامع ـ كما سيوافيك ـ جامع انتزاعي فالنزاع في أنّ الموضوع له هو الجامع الحقيقي أو الجامع الانتزاعي فالنزاع حقيقة في تحديد معاني المفردات لا فيما هو المراد من الجمل ، فانّ الثاني يتبع الأوّل. فلو كان المشتق موضوعاً لحكم إنشائي كقولنا : « أكرم العالم » و « صل خلف العادل » فعلى القول بالتلبّس يختص الحكم بالموضوع المتّصف بالمبدأ ، فلا يجب إكرام من نسي علمه كما لا يجوز الصلاة خلف من كان عادلاً وأُزيلت عدالته ، بخلافه على القول بالأعم.

هذا في القضايا الإنشائية ، وأمّا القضايا الخبرية كقولنا : إنّ زيداً ضارب ، فعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبّس بالفعل فهو ينطبق على التلبّس في زمان الجري والنسبة ، بخلافه على القول الآخر ، فهو ينطبق على كلا الظرفين ، ظرف

223

الجري والنسبة وظرف الانقضاء.

وبعبارة أُخرى : على القول بوضعه للمتلبّس ، فلو قلنا زيد ضارب ، و أردنا منه أنّه ضارب أمس ، فهو حقيقة في ذلك الظرف دون الآخر ؛ وأمّا إذا قلنا بالقول الآخر ، فهو حقيقة في ذلك الظرف وغيره.

والقول بأنّ الموضوع له هو المتلبّس بالفعل غير القول بأنّه موضوع للمتلبّس في ظرف النسبة والجري ، نعم ، ينطبق المتلبّس بالفعل عندما ورد في الجملة الخبرية على المتلبّس في ظرف النسبة في الجمل الخبرية ، لكن الانطباق غير كونه موضوعاً له ، وبذلك ظهر الفرق بين المختار و ما ذهب إليه المحقّق الخراساني.

الأمر التاسع : ما هو الأصل في المسألة ؟

المراد من الأصل ما ينتهي إليه المجتهد بعد اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي ، فلو ثبت بالدليل الاجتهادي بأنّ المشتق موضوع للمتلبّس أو للأعم فالمستنبط في غنى عن هذا الأصل ، وإنّما يحتاج إليه إذا لم يتبين له ما هو الواقع حسب الدليل الاجتهادي ، فكون الأصل مرجعاً فرع اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي.

ثمّ إنّ الأصل في المقام إمّا لفظي أو عملي ، والعملي إمّا موضوعي أو حكمي.

أمّا الأوّل : فالمراد منه هل الأصل تقديم المجاز على الاشتراك المعنوي ، أو الأصل العكس ؟ فعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبّس يكون استعماله في ما انقضى عنه المبدأ من باب المجاز ، وأمّا على القول الآخر يكون اللفظ موضوعاً لمعنى جامع بين المصداقين ، ويكون مشتركاً معنوياً ، وبما أنّه لا ترجيح عندنا

224

لتقديم أحد الأصلين على الآخر ـ كما أوضحنا حاله فيما سبق ـ فليس هنا أصل لفظي ، وانحصر البحث في الأصل العملي وهو إمّا موضوعي جار في تنقيح الموضوع وإمّا حكمي.

أمّا الأوّل : فكقولنا : الأصل عدم الوضع للأخص ، أو الأصل عدم وضعه للأعم ، فهذا الأصل ساقط في المقام لوجوه :

أ. تعارض الأصلين في كلّ من الجانبين.

ب. انّ هذا الأصل مثبت ، فانّ عدم الوضع للجامع بين أفراد المتلبّس لا يثبت كونه موضوعاً للجامع الوسيع الشامل للمتلبّس وغير المتلبّس ، لأنّه من اللوازم العقلية.

ج. انّ هذا النوع من الأصل غير معتبر عند العقلاء ، فانّ الغاية من إجراء الأصل عندهم هو كشف المراد لا تحديد المعنى اللغوي كما هو المفروض في المقام.

وأمّا الأصل الحكمي الشرعي في موارد الشكّ ، فهو يختلف حسب اختلاف الموارد.

قال المحقّق الخراساني : فلو كان الانقضاء قبل انشاء الحكم وشككنا في سعة الحكم وضيقه لأجل الشكّ في معنى المشتق ، تكون أصالة البراءة محكّمة ، كما إذا قال : « أكرم العلماء » وقد انقضى المبدأ قبل إنشاء الحكم عن بعض الأفراد ، وأمّا إذا كان الانقضاء بعد إنشاء الحكم فاستصحاب الوجوب محكَّم. (1)

وحاصله : انّه إن كان الشكّ في الحدوث تجري أصالة البراءة ، وإذا كان الشكّ في البقاء تجري قاعدة الاشتغال ، فلو كان الانقضاء قبل إنشاء الحكم يرجع

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/68.

225

الشكّ إلى سعة الحكم وضيقه فتجري فيه البراءة ، وأمّا إذا كان الانقضاء بعد انشاء الحكم يرجع الشكّ إلى بقاء الوجوب والأصل بقاؤه.

هذا فيما إذا كان الواجب عامّاً استغراقياً ، وأمّا إذا كان الواجب عامّاً بدلياً كما إذا قال : « أكرم عالماً » ، فالثمرة أيضاً مترتبة فلا يسقط التكليف إلاّ بإكرام المتلبّس في الصورة الأُولى ، ولا يسقط بإكرام المنقضي عنه المبدأ للشكّ في شمول الحكم له حتى يسقط بامتثاله ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالأعم ، فيجوز الاقتصار بإكرام من انقضى عنه المبدأ لشمول الحكم له على ذلك الفرض.

فاتضح بذلك ظهور الثمرة في كلا المقامين : إذا كان الواجب استغراقياً ، وإذا كان الواجب عامّاً بدلياً.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات اختار أنّ الأصل على كلا القولين هو البراءة فيما إذا كان الواجب عامّاً استغراقياً ؛ أمّا إذا كان إنشاء الحكم بعد الانقضاء ، فواضح لكون الشكّ في الحدوث ؛ وأمّا إذا كان الانقضاء بعد الإنشاء ، فلا يجري سواء قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية وعدمها ، أمّا على الثاني ، أعني : عدم جريانه في الأحكام الكلية فواضح ، وأمّا على القول بجريانه فوجه عدم الجريان في المقام لأجل نكتة خاصة وهي عدم إحراز بقاء الموضوع ، فانّ الشبهة فيه مفهومية ، لأنّ الموضوع له مردد بين خصوص المتلبّس أو الأعمّ منه ومن المنقضي ، فالاستصحاب لا يجري في الحكم لعدم إحراز وحدة القضية المتيقنة مع المشكوكة ، مثلاً : العالم بما له من المعنى موضوع للحكم ، فالتمسّك باستصحاب بقاء الحكم غير ممكن للشكّ في بقاء الموضوع. (1)

أقول : وتحقيق المقام يتوقّف على البحث في موضعين :

____________

1 ـ المحاضرات : 1/257 ـ 258.

226

الأوّل : حكم الاستصحاب في الأحكام الكلية ، سواء أكانت الشبهة مفهومية أو لا.

الثاني : حكم الاستصحاب في الأحكام الكلية في خصوص ما إذا كانت الشبهة مفهومية.

أمّا الأوّل : فلأنّ الإشكال الماثل في نظر الأعلام هو ارتفاع الموضوع ، فإذا قال الشارع ( الماء المتغيّـر نجس ) فلو فرضنا زوال تغيّره بنفسه وشككنا بقاء الحكم لا يصحّ استصحاب الحكم الكلي ، لأنّ الموضوع هو الماء المتغيّـر ، والمفروض زواله ، فكيف يستصحب ؟ ونظيره استصحاب النجاسة المترتبة على العنب المغلي واسرائه إلى الزبيب المغلي مع أنّهما موضوعان متغايران.

هذا هو حقيقة الإشكال في جريان الأصل في الأحكام الكلية على وجه الإطلاق ، وأمّا دفع هذا الإشكال فحاصله : أنّ هنا خلطاً بين استصحاب الحكم الكلي المترتب على عنوان الماء المتغيّر وإسرائه إلى عنوان آخر وهو الماء غير المتغيّـر ، وبين استصحاب الجزئي بعد انطباق الحكم الكلي على مصداقه الخارجي ، وزوال الموضوع يختص بالأوّل دون الثاني ، إذ لا شكّ أنّ إسراء حكم عنوان إلى عنوان آخر أشبه بالقياس ولا يصدق عليه النقض إذا لم يترتب حكم الأوّل على الثاني.

وأمّا إذا افترضنا أنّ هذا الحكم الكلي ( الماء المتغيّر نجس ) انطبق على الخارج ومصداقه الجزئي ، فصار الماء الموجود في الحوض محكوماً بالنجاسة ، فعند ذلك يصير الموضوع هو الماء الموجود في الخارج لا عنوان الماء المتغيّـر.

فإذا افترضنا أنّه زال تغيّره بنفسه فبما أنّ الموضوع ـ للحكم الشرعي بعد الانطباق ـ هو ذلك الماء المشخّص لا ( العنوان الكلي ) فنشير إلى ما بين أيدينا من

227

الماء ، ونقول : كان هذا نجساً والأصل بقاء نجاسته ، ومن الواضح أنّ الوحدة محفوظة في كلتا الحالتين وليس هاهنا ماءان ، بل هو ماء واحد في الحوض زال شيء من أوصافه ، فالوحدة محفوظة ومرجع الشكّ إلى أنّ التغيّر في الدليل هل هو حيثية تقييدية فتدور النجاسة مدار وجودها ، أو حيثية تعليلية فيكفي وجود التغيّر آناً ما ؟

والحاصل : أنّ عالم المفاهيم مثار الكثرة ، فالموضوع في لسان الدليل هو مفهوم الماء المتغيّر ـ وإن كان يشار به إلى الخارج ـ لكنه في عالم العقل غير الماء الذي زال تغيّـره ، وأمّا بعد الانطباق وصيرورة الهوية الخارجية موضوعاً للنجاسة ، فجواز الاستصحاب وعدمه يدور مدار حفظ الهوية الخارجية ، وقد عرفت أنّ الماء في كلتا الحالتين ماء واحد وموضوع فارد وإنّما تغيّر بعض أوصافه ، فعندئذ يحكم ببقاء نجاسة هذا الماء.

وبذلك تعلم صحّة استصحاب الحكم ، المترتب على العنب المغلي وإسرائه إلى الزبيب وذلك بالبيان السابق ، فانّ العنب والزبيب وإن كانا موضوعين وهما كثيران متعددان ، متغايران في عالم المفهوم ولا يصحّ إسراء حكم العنب إلى الزبيب لأنّه أشبه بالقياس ، لكن إذا انطبق الحكم الكلّي على العنب الخارجي المغلي فيصير الموضوع بعد ذلك العنب الخارجي لا عنوان العنب ، وعندئذ يشار إليه بأنّه كان إذا غلى ينجس ، وهكذا إذا صار زبيباً لوحدة الهوية الخارجية وإنّما طرأ التغيّر على حالات الموضوع من حيث اشتماله على الرطوبة وجفافها.

هذا كلّه حول استصحاب الحكم الكلّي على وجه الإطلاق.

وأمّا الثاني : أي استصحاب الحكم الكلي فيما إذا كانت الشبهة موضوعية.

بيانه : أنّه إذا كان الشكّ في البقاء ناشئاً عن إجمال الموضوع كالمغرب لتردده

228

بين كونه نفس استتار القرص أو هو مع ذهاب الحمرة المشرقية ، فلو افترضنا استتار القرص وعدم ذهاب الحمرة ، وشككنا عندئذ في حرمة الإفطار فالموضوع بمفهومه الكلّي مشكوك إذ هو على فرض مرتفع ، وعلى فرض آخر باق ، لكن موضوع الاستصحاب ـ أي استصحاب الحكم الجزئي ـ ، ليس هو مفهوم النهار بل الزمان الموجود فيشار إليه بأنّه كان الإمساك فيه واجباً والأصل بقاؤه. أو كانت إقامة العصر فيه واجبة والأصل بقاؤها ، وقد ثبت في محله انّ للزمان بقاءً بحسبه كالزمانيات والجوامد.

وهذا إجمال ما تلقيناه من السيّد الأُستاذ ، وقد حكاه عن شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في درسه الشريف ، وسيوافيك مزيد توضيح في مبحث الاستصحاب ، وممّا ذكرنا يعرف حا ل المقام فلا نطيل.

الأمر العاشر : نفي الملازمة بين التركّب والوضع للأعم

ذهب المحقّق النائيني إلى الملازمة بين نظرية تركّب المشتق ووضعه للأعم ، ونظرية بساطته والقول بوضعه للأخص. قال : إنّ الركن الوطيد على القول بالوضع للمركّب هو الذات وانتساب المبدأ إليها. ومن المعلوم أنّ النسبة الناقصة لم يؤخذ فيها زمان دون زمان ، وقد تبيّن عدم دلالة الأفعال على الزمان ، فالمشتقات لا تدلّ عليه بالأولوية. ولذا كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركيب هو الوضع للأعم ، وهذا بخلاف القول بوضعه لمعنى بسيط فانّ الركن في صدق المشتق بناء على البساطة هو نفس المبدأ ، غاية الأمر أنّه ملحوظ بنحو يصحّ معه الحمل ، ولا يكون مبائناً للذات بحسب الوجود ، فيقوم الصدق بالمبدأ فإذا انعدم وانقضى فلا محالة لا يصدق العنوان الاشتقاقي إلاّ بالعناية. (1)

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/75 ـ 76.

229

يلاحظ عليه : أنّه لا ملازمة بين التركّب والوضع للأعم ، كما لا ملازمة بين البساطة والوضع للأخص.

أمّا الأوّل : فلو افترضنا أنّ الركن الركين على القول بالتركّب هو الذات لكن يمكن ملاحظتها مع المبدأ ( غير الركن ) بإحدى الصورتين التاليتين :

أ. الذات المتلبّسة بالمبدأ.

ب. الذات المنتسب إليها المبدأ.

فالأوّل : لا يصدق إلاّ على المتلبّس بالفعل ، وأمّا الثاني فيكفي في الصدق مجرّد الانتساب إلى المبدأ و إن انقضى عنه.

وما أفاده من أنّ المشتق لا يدلّ على الزمان ( زمان النطق أو زمان التلبّس ) وإن كان صحيحاً لكنّه لا يفيده لما عرفت من أنّ المراد من الحال ليس أحد الزمانين ، بل فعلية التلبّس ، فيرجع النزاع إلى أنّ الموضوع له هل هو المتلبس بالفعل أو المنتسب إليه المبدأ ؟

وأمّا الثاني : فلأنّ ما ذكره مبني على ما اختاره الشريف من أنّ المشتق عين المبدأ ، والفرق بينهما هو كون الأوّل لابشرط والآخر بشرط لا ، وعندئذ يكون الركن الركين هو المبدأ ، ومع زواله لا معنى لصدقه.

ولكن سيوافيك عدم صحّة مختار الشريف ، وأنّ الفرق بين المشتق والمبدأ أوسع ممّا ذكره ، بل بينهما مغايرة تامّة وإن كان كلّ بسيطاً ، فالمبدأ هو نفس الحدث أو نفس العنوان ، والمشتق هو ، المعنون ، وهو مفهوم وحداني بسيط منحل عند العقل إلى ذات وعنوان ونسبة.

وعندئذ يقع الكلام في أنّ الموضوع له هو المفهوم الوحداني الذي لا ينطبق إلاّ على المعنون بالمبدأ حدوثاً وبقاءً ، أو المفهوم الوحداني الذي يكفي في انطباقه عبر الزمان كونه معنوناً حدوثاً وإن زال العنوان بقاءً.

230

دعوى أُخرى : للمحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ القول بالأعم يحتاج إلى تصوير جامع بين المتلبّس والمنقضي ولا جامع بينهما ، فإذا لم يعقل وجود الجامع فلا مجال لدعوى الوضع للأعم. (1)

وقد استحسنه سيّدنا الأُستاذ ، وقال : لا محيص للقائل بالأعم من تصوير جامع بينهما ، وإلاّ يلزم الاشتراك اللفظي ، ولو امتنع تصوير الجامع يسقط دعواه. ولكن الجامع غير موجود إذ الجامع الذاتي بين الواجد والفاقد غير موجود ، وأمّا الجامع الانتزاعي فهو إمّا بسيط أو مركّب ، والجامع البسيط على قسمين لأنّه إمّا جامع بسيط لا ينحلّ إلى شيئين وإمّا ينحل.

والأوّل غير معقول لعدم وجود جامع بسيط يتكفّل إفهام كلا المعنيين وإخراج المتلبّس فيما بعد ، والجامع البسيط المنحل إلى المركب غير متصور إذ هو لابدّ أن ينتزع من الواقع ، والانتزاع فرع صلاحية الواقع ، إذ كيف يصحّ انتزاع مفهوم بسيط منحل واحد من الواجد والفاقد ، أمّا الجامع التركيبي التفصيلي فهو وإن كان ممكناً حتى يدخل المعنيان ويخرج الثالث لكنّه ممّا لا يرضى به القائل بالأعم.(2)

يلاحظ عليه : أنّ الجامع هو الجامع البسيط المنحل إلى المركب ، وهو المعنون بما هو معنون وهو ينحل عقلاً إلى ذات ثبت لها العنوان والمبدأ بنحو من أنحاء الثبوت ، وما أفاده « من أنّ الجامع ينتزع من الواقع ، والانتزاع فرع صلاحية الواقع ، إذ كيف يصحّ انتزاع مفهوم بسيط من الواجد والفاقد » ، صحيح لو كان

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/78 ؛ المحاضرات : 1/249.

2 ـ تهذيب الأُصول : 1/114 ـ 115.

231

منشأ الانتزاع هو حيثية الفقدان والوجدان ، بل منشأ الانتزاع في كلا الموردين حيثية الوجدان ، لأنّ القائل بالأعم يقول بأنّ ثبوت المبدأ للذات آناً ما في التكوين يوجب اتصاف الذات بحيثية ( تعنونها بمن ثبت له المبدأ ) كافية في انتزاع المفهوم عن الذات في كلتا الحالتين ، وذلك لأنّ الحيثية الاعتبارية المصححة للانتزاع موجودة دائماً و إن زال عنه المبدأ ، فالعنوان البسيط المنحل إنّما ينتزع من هذه الحيثية الوجودية المتحقّقة في المنقضي والمتلبس ، فالمعنى الجامع منتزع من الواجد على كلا القولين لا من الواجد والفاقد.

هذه هي الأُمور العشرة التي تسلط الضوء على البحث ، فإذا فرغنا عن بيانها فلندخل في صلب الموضوع ، وهو أنّ الحقّ أنّ المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ.

المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ

إنّ القوم استدلّوا على كون المشتق موضوعاً للمبدأ بوجوه سيوافيك بيانها : ولكن الأولى أن يستدلّ عليها بطريق أسهل وهو ما يلي :

وهو أنّ الإمعان في الصيغ يثبت أنّ الواضع يريد توارد المعاني المختلفة على المبدأ وتصوير المبدأ بألوان النسب بينه و بين الذات ، فتارة يلاحظ المبدأ بما أنّه منتسب إلى الذات بالصدور عنها ، وأُخرى بالوقوع على الذات ، وثالثة بثبوته فيها كما في الصفة المشبهة ، ورابعة بملاحظة الزمان والمكان ظرفاً للمبدأ وهكذا ، فالمشتق هو المبدأ الملحوظ مع الذات بنسب وإضافات مختلفة ، وما هذا شأنه يكون المحور هو المبدأ لا الذات ، فالنسب المختلفة المتداولة تصاغ من المبدأ وتضاف إلى الذات.

وإن شئت قلت : إنّ الواضع يتلاعب بالمبدأ من خلال صياغته في قوالب

232

مختلفة ، فالمبدأ هو الذي يتجلّى بصور وأشكال مختلفة ، وليس هناك تلاعب بالذات ولا صياغتها بأشكال مختلفة ، وما هذا شأنه لا يمكن غض النظر عنه عند الاستعمال ، فانّ القول بكونه حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ أشبه بغض النظر عنه عند الاستعمال.

وبعبارة أُخرى : انّ النسبة تتوقف على أمرين : الذات ، والحدث. والواضع يصبّ اهتمامه على طروء النسب المختلفة على المبدأ عند نسبته إلى الذات ، فالمحور هو الذات ، لكن وجود الذات ضروري لا لكونه محوراً بل لأجل انّ النسبة قائمة بالطرفين.

أدلّة القائلين بالوضع للمتلبّس

استدلّ القائلون بالوضع للمتلبّس بوجوه :

الأوّل : التبادر ، إذ المرتكز عند أهل اللسان عند إطلاق المشتق هو المتلبّس بالمبدأ لا من هو كان متلبّساً ، فإذا قيل : صلّ خلف العادل ، أو أدّب الفاسق ، أو إذا قيل : لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون ، أو إذا قيل : الاعرابي لا يؤم المهاجرين. (1) لا يفهم منه إلاّ المتلبّس بالمبدأ ، وهذا هو الظاهر في اللغات الأُخرى.

وبما أنّ النزاع في كون المشتق حقيقة في المتلبّس أو الأعم فيما إذا يتصور له الانقضاء ويتصور له الاستمرار ، وعلى ذلك فخرج الاستدلال بلفظ « الممكن » على القول بالأخص لعدم تصوّر الانقضاء فيه ، كما خرج الاستدلال بالسارق والزاني على القول بالأعم إذ لا يتصوّر فيه الاستمرار.

____________

1 ـ الوسائل : 5 ، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 1.

233

الثاني : صحّة سلب المشتق عمّن انقضى عنه المبدأ فيقال : زيد الناسي ليس بعالم ، وهي آية المجازية.

وأورد عليه : أنّه إن أُريد بصحّة السلب صحّته مطلقاً ، فغير سديد ؛ وإن أُريد مقيداً فغير مفيد ، لأنّ علامة المجاز هي صحّة السلب المطلق.

توضيحه : انّ علامة المجازية هو سلب اللفظ بما له من المعنى عن المورد حتّى يدلّ على أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً ، وأمّا سلب معنى خاص للفظ عن المورد فلا يدلّ إلاّ على أنّه ليس من مصاديق ذلك المقيّد ، وأمّا أنّه ليس من مصاديق المعنى على وجه الإطلاق فلا ، فإذا قلت ـ مشيراً إلى الرقبة الكافرة ـ إنّها ليست برقبة مؤمنة ، لا يدلّ على أنّها ليست برقبة أصلاً ، فعلى ذلك إذا قلت : زيد الناسي ليس بعالم بالفعل ، يدلّ على أنّه ليس من مصاديق المتلبس بالفعل وأمّا انّه ليس من مصاديقه مطلقاً ولو باعتبار من انقضى عنه المبدأ فلا.

وقد أجاب عنه في « الكفاية » بما هذا توضيحه : انّ قولنا بالفعل تارة يكون قيداً للمسلوب أي العالم ، وأُخرى أن يكون قيداً للسلب أي ( ليس ) ، فلو قلنا : زيد ـ الناسي ، أو الذي انقضى عنه المبدأ ـ ليس بعالم بالفعل ، يصير المسلوب مقيّداً ، ويكون معناه أنّ زيداً الناسي ليس من مصاديق العالم بما له علم بالفعل ، ومثله لا يكون علامة للمجازية لوضوح انّ عدم كونه مصداقاً للعالم بملاك العلم الفعلي لا يكون دليلاً على عدم كونه مصداقاً له الآن ولو بملاك علمه السابق الزائل.

وأمّا لو قلنا : زيد ـ الناسي ، أو الذي انقضى عنه المبدأ ـ ليس بالفعل بعالم يكون المسلوب مطلقاً ، ويرجع مفاده إلى أنّ زيداً الذي نسي علمه ليس ـ بالفعل ـ بعالم ، أي ليس مصداقاً بالفعل بأيّ عنوان من العناوين ، للعالم ، لا بملاك العلم الفعلي ، ولا بملاك العلم السابق الزائل ، ومثل هذا يكون علامة للمجازية.

234

ولعلّ ما ذكرناه في توضيح الكفاية أقرب إلى المتن ممّا ذكره المحقّق المشكيني (قدس سره) في تعليقته.

يلاحظ عليه : أنّ الغاية من التمسّك بصحّة السلب وعدمه هو تبيين كون المورد مصداقاً للّفظ وعدمه وتحديداً لمفهوم اللفظ ـ سعة وضيقاً عرفاً ـ و من المعلوم أنّه لو كان هذا هو الغاية المتوخّاة ، فالعرف لا يعير أهمية لهذه الدقة الفلسفية ، فلا يفرق بين كون القيد قيداً للمسلوب أو قيداً للسلب ، وعند ذلك لا يمكن نسبة النتيجة الحاصلة من التفريق إلى العرف.

والحاصل : أنّ العرف هو المرجع في تحديد المفاهيم وتبيين المصاديق ولكن يجب أن يكون المحكم في هذا الباب هو العقل العرفي الدقيق لا الفعل الفلسفي ، فسلب مصداقية المنقضي عنه المبدأ بالنحو المذكور لا يفهمه العرف حتى يحكم بأنّه ليس بمصداق.

والشاهد على ذلك أنّ صاحب الكفاية اتبع في الجواب ما ذكره الحكماء في تعريف الماهية ، فقد ذكروا في حدّ الماهية تعبيرين :

1. الماهية ليست من حيث هي هي إلاّ هي.

2. الماهية من حيث هي هي ليست إلاّ هي.

ففرقوا بين تقديم السلب على الحيثية وتأخرها عنه ، يقول السبزواري :

وقدّ مَنْ سلباً على الحيثية* * *حتى يعم عارض الماهية

فإثبات المصداقية أو نفيها بهذه الدقائق لا يلتفت إليها العرف ولا يكون مصداقاً له وإن أصرّ عليه العقل لانّ الموضوع له هو المفاهيم المنطبقة على المصاديق العرفية.

الثالث : ربّما يستدل على وضع المشتق للمتلبّس بالدليل التالي : وهو أنّه لا

235

ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادة على ما ارتكز لها من المعاني ، فلو كان المشتق حقيقة في الأعم لما كان بينها مضادة بل مخالفة لتصادقها فيما انقضى عنه المبدأ وتلبّس بالآخر.

وأورد عليه المحقّق الرشتي من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني : من أنّ التضاد أمر ارتكازي من غير فرق بين المشتقات كالأبيض والأسود ومباديهما كالبياض و السواد.

يلاحظ عليه بوجهين :

1. انّه يرجع إلى التبادر وليس دليلاً مستقلاً ، وذلك انّ الحكم بالتضاد بين المشتقين بأنّهما من الأُمور غير القابلة للجمع فرع إحراز معنى كلّ بالتبادر ، وأنّ المتبادر من كلّ واحد هو تلبّس الموضوع بالمبدأ ، وعندئذ يحكم العقل بعدم صحّة اجتماعهما ، فالحكم بالتضاد متأخر عن إحراز المعنى بالتبادر ، ومعه لا حاجة إلى دليل آخر.

2. انّ الأعمّي لا يسلم التضاد إلاّ بين المبدأين لا بين العنوانين ، فصدق الأبيض والأسود لا يستلزم إلاّ اجتماع العنوانين من غير ملازمة بين صدقهما واجتماع المبدأين.

هذه هي الوجوه المهمة وبقيت هنا وجوه أُخرى تطلب من محالها.

أدلّة القول بالأعم

استدلّ القائل بالأعم بوجوه :

الأوّل : التبادر ، ولكنّه غير تام ، لأنّ المتبادر من قولنا : « لا تصل خلف الفاسق » وأمثاله ، هو المتلبّس ، وادّعاء وجود القرينة في أمثال هذه الموارد وإن كان محتملاً ، لكن ليس كلّ مورد كذلك.

236

مضافاً ـ إلى ما عرفت ـ من أنّ الصيغ المشتقة من المبدأ ، نوع تلاعب بالمبدأ لا بالذات ، فكيف يصدق الفرع دون الأصل.

الثاني : عدم صحّة السلب في المقتول والمضروب إذا انقضى عنه المبدأ.

يلاحظ عليه : أنّه إن أُريد منها المعنى الحدوثي أي من وقع عليه القتل والضرب ، فلا نسلم صدقه عندما انقضى عنه المبدأ ، وإن أُريد الأثر الباقي بعد القتل والضرب ، فالصدق لأجل كونه متلبساً بالأثر الباقي.

ثمّ إنّ أكثر الإطلاقات في الجمل والتراكيب بلحاظ ثالث وهو الإطلاق بلحاظ حال التلبّس خصوصاً فيما إذا لم تقبل التكرار كالمقتول والمصلوب ، أو ما يقبل التكرار ولا يقبل الاستمرار كالسارق والزاني.

الثالث : هو استدلال الإمام بآية الابتلاء على عدم صلاحية الخلفاء الثلاثة لإشغال منصب الإمامة بعد رحلة الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ، وإليك الآية ونصّ الإمام وكيفية الاستدلال ، قال سبحانه :

1. ( وَإِذِ ابْتلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيّتي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمين ). (1)

وفي الآية جهات مهمة للبحث نشير إليها :

1. ما هو الغرض من ابتلاء الأنبياء ؟

2. كيف كان ابتلاء إبراهيم (عليه السلام) ؟

3. ما هو المراد من الكلمات ؟

4. ما هو المراد من الإتمام ؟

5. ما هو المراد من جعله إماماً ـ بعدما كان نبيّاً ورسولاً ـ ؟

6. ما هو المقصود من العهد المنسوب إليه سبحانه ، وكيف تكون الإمامة

____________

1 ـ البقرة : 124.

237

عهد اللّه ؟

7. كيف تدل الآية على عصمة الإمام ؟

وقد حققت هذه الأُمور في موسوعة مفاهيم القرآن. (1)

2. وأمّا استدلال الإمام بالآية ، فقد روى الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله : ( لا يَنالُ عَهْدي الظّالِمين ) انّه قال : إنّ الإمامة لا تصلح لمن عبد وثناً أو صنماً أو أشرك باللّه طرفة عين ، وإن أسلم بعد ذلك ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وأعظم الظلم الشرك باللّه قال اللّه تعالى : ( إِنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيم ) (2). (3)

3. وأمّا كيفية الاستدلال فلأنّه مبني على صغرى مسلّمة وكبرى قرآنية.

أمّا الصغرى : هؤلاء كانوا ظالمين مشركين.

وأمّا الكبرى : والظالمون لا تنالهم الإمامة.

فينتج : هؤلاء لا تنالهم الإمامة.

وإنّما يصحّ وصفهم بعنوان الظالمين عند التعدي إذا قلنا بوضع المشتق للأعم بحيث يصدق على المتلبّس بالمبدأ والمنقضي عنه حتى يصحّ عدّهم من الظالمين حين تصدّوا للخلافة وقد انقضى المبدأ ، ولو قلنا بوضع المشتق على المتلبس تبقى الكبرى بلا صغرى ، إذ لا يصحّ أن يقال : هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدّي بل يجب أن يقال : كانوا ظالمين قبل التصدي ، وأمّا بعده فقد صاروا موحّدين.

يلاحظ عليه : أنّ الاستدلال على عدم صلاحيتهم للإمامة يصحّ على كلا

____________

1 ـ مفاهيم القرآن : 5/197 ـ 259.

2 ـ لقمان : 13.

3 ـ البحراني : البرهان : 1/149.

238

القولين ، أمّا على الأعم فلما عرفت.

وأمّا على القول بالأخص فللاستدلال أساس آخر ، غير مبني على كونهم ظالمين حين التصدي ، بل هم غير لائقين لها وإن لم يكونوا ظالمين حين التصدي.

وذلك لأنّ الإمامة كالنبوّة منصب إلهي يجب أن يتنزه المتصدّي عمّا يوجب نفرة الناس وتباعدهم عنه ، ولا تتحقّق تلك الأمنية إلاّ بتباعده عن ألوان الشرك والأعمال القبيحة طيلة عمره حيث إنّ الناس يفرون عمّن كان في فترة من عمره مشركاً مقترفاً للمعاصي.

وبما أنّ هؤلاء كانوا كذلك في فترات من أعمارهم فكانوا ظالمين ، فصار هذا سبباً لحرمانهم منه.

وهناك بيان آخر للاستدلال بالآية نقله السيد الطباطبائي عن بعض مشايخه وانّه قال : إنّ الناس حسب التقسيم العقلي على أربعة أقسام :

أ. من كان ظالماً في جميع عمره.

ب. من لم يكن ظالماً طيلة عمره.

ج. من كان ظالماً في مقتبل عمره وتائباً في أواخره حين التصدّي.

د. من لم يقترف الشرك في أوان عمره واقترفه في أواخره حين التصدي.

فيجب إمعان النظر في تحديد ما هو المسؤول لإبراهيم الخليل ، والعقل يحكم بأنّ إبراهيم أجلّ شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع من ذريّته ، فيبقى القسمان الآخران وقد نفى اللّه أحدهما أي من كان ظالماً في مقتبل عمره وغير ظالم حين التصدّي ، وبقي الآخر وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره.

على أنّه يمكن أن يفسر استدلال الإمام بالآية بأنّ الإطلاق باعتبار حال التلبّس.

239

خاتمة المطاف

في ثمرات البحث

تظهر الثمرة بين كون المشتق موضوعاً لخصوص المتلبّس أو الأعم في الموارد التالية ـ ويجمع الكل كون المشتق موضوعاً للحكم ـ :

1. قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) : أين يتوضّأ الغرباء ؟ قال : « تتّقي شطوط الأنهار ، والطرق النافذة وتحت الأشجار المثمرة ... » (1) فعلى التلبّس يختص الحكم بما إذا كان مثمراً ولو بالقوّة ، بخلاف القول بالأعم ، فيشمل حتى الشجرة اليابسة الساقطة عن التوريق والأثمار.

2. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود ، وولد الزنا ، والأعرابي لا يؤم المهاجرين ». (2)

3. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة تغسلها ، قال : « يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق ». (3) فلو قلنا بكون المشتق حقيقة في المنقضي فللزوج المطلّق لها ، التغسيل عند فقد المماثل.

____________

1 ـ الوسائل : 1 ، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة ، الحديث 1.

2 ـ الوسائل : 5 ، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 6.

3 ـ الوسائل : 2 ، الباب 24 من أبواب غسل الميت ، الحديث 8.

240

وربما يمثل بالماء المشمَّس أو المسخَّن ، ولكن الوارد في لسان الأدلّة ، التعبير عنه بصيغة الفعل لا بصيغة المشتق ، فقد ورد عن رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : « الماء الذي تسخّنه الشمس لا تتوضّأوا به ولا تغسلوا ولا تعجنوا به فانّه يورث البرص ». (1)

____________

1 ـ الوسائل : 1 ، الباب 6 من أبواب الماء المضاف ، الحديث 2.

241

مسائل في المشتق

المسألة الأُولى : في خروج الذات عن مفهوم المشتق

هل المشتق في مفهومه الابتدائي يدلّ على الذات أو لا ؟ فالمحور في المقام هو التركيز على دخول الذات في المشتق وعدمه ، وأمّا ما هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة الآتية ـ أعني : الفرق بين المبدأ والمشتق ـ فسيوافيك بيانه.

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ في المسألة أقوالاً :

الأوّل : انّ الذات خارجة عن المشتق ابتداءً وانتهاءً ، فالمشتق لا يدلّ عليها لا بمفهومه الابتدائي ولا بمفهومه الانحلالي ، وهذا هو قول الشريف على ما في تعليقاته على شرح المطارح ، وهذا مبنيّ على أنّ المفهوم من المشتق ، نفس المفهوم من المبدأ والاختلاف في أنّ الأوّل لابشرط والثاني بشرط لا. (1)

الثاني : أنّ المشتق مشتمل على الذات ، والمبدأ والنسبة ، ابتداء وانتهاء ، أي في مفهومه الابتدائي والانحلالي ، وهذا القول يقابل القول الأوّل تماماً.

الثالث : أنّ المشتق يدلّ على معنى بسيط ، غير أنّه ينحلّ عند التحليل إلى ذات وعنوان ونسبة ، فهو بسيط لفظاً ودلالة ومدلولاً في مقابل الجمل المركبة.

والمختار هو الأخير ، و ببيان برهانه يظهر عدم تمامية القولين ، وإليك البيان :

إنّ المشتق بسيط لفظاً ودلالة ومدلولاً ، في مقابل الجمل التي هي مركبة لفظاً

____________

1 ـ شرح المطارح : 11.

242

ودلالة ومدلولاً ، لكنّه ينحل عند العقل إلى أُمور ثلاثة : ذات وعنوان واتّصاف ، في مقابل الجوامد التي هي بسائط في المراتب الثلاثة ، وغير منحلّة إليها عند التعمّل ، وفي مقابل المركبات التي تتألف ابتداءً من أُمور ثلاثة من ذات وعنوان واتصاف.

وإن شئت قلت : إنّ العقل تارة يدرك الذات بلا عنوان ، كزيد ، وربّما يدرك العنوان بلا ذات كالعلم ، وربّما يدرك الذات مع العنوان ، فقد وضع للأوّل الجوامد ، وللثاني المبادئ ، وأمّا الثالث فله صورتان :

الأُولى : يدرك الذات والعنوان والاتصاف على وجه التفصيل ، بحيث يتعلّق بكلّ منها إدراك مستقل ، فهذه هي المركبات التفصيلية ، ويقال : زيد متصف بالعلم.

الثانية : يكون الذات والعنوان والنسبة مدركة بنحو وحدانيّ وبإدراك واحد فيعبّر عنه بالمشتق ، فهو حاك لا عن الذات وحدها ، ولا عن العنوان كذلك ، ولا عن الذات والعنوان والنسبة تفصيلاً ، بل عن المعنون بما هو مفهوم واحد منحل عند التعمّل إلى الثلاثة عند الإطلاق.

والفرق بين الصورتين واضح ، ففي الأُولى ألفاظ ودلالات ومدلولات تفصيلية ، بخلاف المشتق ففيه لفظ واحد ودلالة واحدة ومدلول واحد ، لكن تنحل إلى ألفاظ ودلالات ومداليل عند التعمّل.

والدليل على ذلك هو التبادر ، ومعه لا نحتاج إلى إقامة دليل آخر « فالكاتب والضارب » في لغة العرب و « نويسنده و زننده » في لغة الفرس ، تدلاّن على معنى وحداني له التحليل في مرحلة ثانية. فمن قال ببساطة المشتق وأراد هذا المعنى فهو صحيح ، كما أنّ من قال بالتركيب وأراد التركّب عند التحليل فهو أيضاً صحيح.

243

وأمّا من قال بالبساطة في المرحلتين ، أو التركيب كذلك فقد نازع وجدانه وإليك تحليلهما :

أمّا الثاني : أعني دلالة المشتق على الذات والمبدأ والنسبة في مفهومه الابتدائي فهو ساقط جدّاً للفرق الواضح بين قولنا « ضاحك » وقولنا « الإنسان له الضحك » أو « كاتب » و « الإنسان له الكتابة » فادعاء التركيب في المفهوم الابتدائي من السخافة بمكان.

أمّا القول الأوّل فظاهره أنّه يريد نفي دخول الذات في مفهوم المشتق مطلقاً ، لا ابتداءً ولا تحليلاً ، فقد استدلّ عليه بوجوه.

الأوّل ما استدلّ به الشريف وقال :

لو قلنا بدخول الذات في المشتق يلزم أحد محذورين :

أ. دخول العرض العام في الفصل ، إذا كان الداخل فيه مفهوم الشيء كما في قولنا « الإنسان ناطق ».

ب. انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية ، إذا كان المأخوذ مصداق الشيء كما في قولنا « الإنسان كاتب ».

فدخول الشيء في مفهوم الناطق يستلزم دخول العرض العام في الفصل ، كما أنّ دخول الإنسان في المثال الثاني يوجب انقلاب القضية من الممكنة إلى الضرورية ، لأنّ معنى قولنا : « الإنسان كاتب » هو « الإنسان ، إنسان كاتب » وثبوت الإنسانية للإنسان بالضرورة.

وقد أُجيب عن الشق الأوّل بوجوه :

1. ما أفاده صاحب الفصول من أنّ أخذ الناطق فصلاً مبني على تجريده عن مفهوم الشيء. (1)

____________

1 ـ الفصول : 62 ، ط الحجرية.

244

وهو غير تام ، لأنّ المنطقيين جعلوا الناطق فصلاً للإنسان بما له المعنى من دون تجريد.

2. ما أجاب به المحقّق الخراساني من أنّ الناطق ليس فصلاً حقيقياً بل من أظهر خواص الإنسان ، ولذا ربّما يجعلون لازمين وخاصتين مكان فصل واحد ، فيعرفون الحيوان ، بأنّه حساس متحرك بالإرادة ، مع أنّ الشيء الواحد لا يكون له إلاّ فصل واحد.

والوجه في عدم كون الناطق فصلاً حقيقياً ، هو أنّ المبدأ للناطق لو كان هو النطق بمعنى التكلّم فهو كيف محسوس ، وإن كان بمعنى التفكّر ودرك الكليات فهو كيف نفساني على القول بأنّ العلم من مقولة الكيف.

3. انّ الفصل الحقيقي للإنسان هو النفس ، غير أنّ الناطق عنوان وصفي لهذا الفصل الحقيقي ومن أظهر خواصه ، فلما كانت حقيقة الفصل مجهولة لنا ، أُشير إلى توضيحه بالعنوان الوصفي كما لا يخفى.

وأمّا الشقّ الثاني : فقد أجاب عنه صاحب الفصول بأنّ المحمول ليس مصداق الشيء والذات وحده بل المقيّد بالوصف ، وليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة ، لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضرورياً.

والحقّ أنّ ما أجاب به صاحب الفصول جواب كاف ، وما أورد عليه صاحب الكفاية ليس بكلام جدير بالدراسة بل يورث الإطالة بلا فائدة.

كما أنّ ما تنظر صاحب الفصول ـ حسب ما نقله في الكفاية لا على النحو الموجود في نفس الفصول ـ فيما أفاده سابقاً ليس كلاماً تامّاً جديراً بالدراسة ، فنحن نضرب صفحاً عن كليهما.

والذي أضيف في المقام ردّاً على دليل الشريف هو أنّ ما ذكره إثبات اللغة

245

بالدليل الفلسفي وهو بعيد عن جادة الصواب ، فانّ لتحليل مسائل كلّ علم أُسلوباً خاصاً به ولم يكن الواضع يحمل ذهنية فلسفية حتى يخرج الذات على المشتق بغية الفرار من دخول العرض العام في الفصل ، أو انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية ، فهذا الجواب يحسم هذا الدليل كما يحسم سائر الأدلّة التي هي على غرار هذا الدليل.

الثاني : ما ذكره صاحب الفصول استلهاماً من دليل المحقّق الشريف الذي طرح قضية منفصلة وقال : « لو كان المأخوذ مفهوم الشيء يلزم دخول العرض العام في الفصل ، ولو كان المأخوذ مصداقه يلزم الانقلاب » ، وقد انتقل صاحب الفصول منه إلى أمر آخر ، وهو أنّ الانقلاب غير منحصر بأخذ المصداق فيه ، بل يلزم من أخذ مفهوم الشيء أيضاً فيه ، لأنّ الشيئية أمر ضروري للإنسان.

يلاحظ عليه : بمثل ما أورد هو على كلام الشريف في الشق الثاني ، وحاصله : أنّ المحمول ليس الشيئية المطلقة بل المتقيدة بالكتابة وهي ليست بضرورية.

الثالث : لو كان الشيء داخلاً فيه بمفهومه أو مصداقه لزم تكرار الموصوف في قولنا : « زيد الكاتب ».

يلاحظ عليه : بأنّ المأخوذ فيه هو المفهوم المعرّى من كلّ قيد ، ما عدا قيام المبدأ به ولا تعيّن له لينطبق على ذوات معينة كزيد وعمرو ويلزم التكرار.

وبعبارة أُخرى : إنّما يلزم التكرار لو كانت الذات مأخوذة على نحو التفصيل ، ولا أظن أنّ القائل يعتقد به ، لأنّها مأخوذة على نحو الإجمال.

الرابع : أنّ المادة في المشتق تدل على نفي الحدث ، والهيئة من الدوال الحرفية ، فيجب أن يكون مدلولها معنى حرفياً لا اسمياً ، وليس هو إلاّ نسبة الحدث إلى

246

الذات بحيث تكون نفس الذات خارجة والتقيّد داخلاً. والقول بأنّ المشتق موضوع للذات المتلبّسة ، قول بدلالة الدوال الحرفية على المعنى الاسمي ، وهو غير تام ، فانتزاع المشتق من الذات المتلبسة ودلالته عليها أشبه شيء بدلالة الدوال الحرفية على المعاني الاسمية.

يلاحظ عليه : أنّ الاستدلال إنّما يتمّ لو قلنا بدخول الذات على وجه التفصيل في المشتق وأمّا لو قلنا بأنّ المتبادر منه في المفهوم الابتدائي أمر بسيط ، لا الذات وحدها ولا العنوان وحده ، ولا النسبة وحدها ، بل شيء بسيط ينحل لدى التحليل إلى أُمور ثلاثة ، وذلك البسيط القابل للانحلال هو المعنون فلا يتوجّه الإشكال.

إلى هنا تمّ ما أُقيم من الوجوه على خروج الذات عن المشتق ، وكلّها أدلة غير صالحة لإثبات اللغة ـ حتى وإن خلت من الإشكالات المذكورة ـ لما عرفت من أنّ اللغة لا تثبت بالدليل العقلي.

المسألة الثانية : في الفرق بين المشتق ومبدئه

لمّا ذهب الشريف ومن تبعه إلى أنّ الذات خارجة عن مفاد المشتق ابتداءً وتحليلاً ، توجه إليه سؤال وهو انّه ما هو الفرق بين « الضارب » الذي هو ـ على مختاره ـ بمعنى الضرب ، فحاول إبداء الفرق بينهما.

والحاصل : انّه لو قلنا بأنّ مفاد المشتق مركّب دالّ على الذات والعنوان والنسبة.

أو قلنا بأنّ مفاد المشتق بسيط وحداني ـ أي المعقول ـ ولكن ينحلّ إلى أُمور ثلاثة.

247

لكُنّا في غنى عن عقد مسألة باسم « ما الفرق بين المبدأ والمشتق » لأنّ الفرق جوهري واضح لا حاجة إلى البيان.

نعم لو قلنا بمقالة الشريف أي بخروج الذات عن المشتق ، ابتداء وتحليلاً ، وانّ مفاد المشتق نفس مفاد المبدأ جوهراً ، لزم عقد مسألة باسم الفرق بينهما ، ولذلك عمد القائل إلى بيان الفرق.

قال في « الكفاية » : الفرق بين المشتق ومبدئه مفهوماً أنّه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبّس بالمبدأ ، ولا يعصي على الجري عليه لما هما عليه من نحو من الاتحاد.

بخلاف المبدأ فانّه بمعناه يأبى عن ذلك ، بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره لا هو هو ، وملاك الحمل والجري إنّما هو نحو من الاتحاد والهوهوية ، وإلى هذا يرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما من أنّ المشتق يكون لابشرط والمبدأ يكون بشرط لا. أي لا يكون مفهوم المشتق غير آب عن الحمل ومفهوم المبدأ يكون آبياً عنه.

ثمّ إنّهم شبّهوا الفرق بين المشتق والمبدأ بالفرق بين الجنس والمادة ، فهما اسمان لشيء واحد كالحيوان ، غير أنّه بما أنّه لابشرط يسمّى جنساً ويحمل على النوع ، ويقال : الإنسان حيوان ، وبما أنّه بشرط لا ، مادة فلا يحمل على الإنسان.

ومثله الناطق فهو باعتبار كونه لابشرط فصل ، وباعتبار كونه بشرط لا صورة.

هذا خلاصة ما ذكره المحقّق الخراساني وهو من الإجمال بمكان.

وتوضيحه : أنّ اللابشرط وبشرط لا ، يستعمله أهل المعقول في موردين :

الأوّل : أحدهما لحاظ مفهوم واحد تام بالنسبة إلى عوارضها وطوارئها

248

كالرقبة حيث يلاحظ بالنسبة إلى الإيمان بأنحاء ثلاثة ، فيقال : رقبة بشرط الإيمان ، ورقبة بشرط عدمه ، ورقبة مطلقة سواء كانت مؤمنة أو كافرة.

وفي هذا الصدد يقول المحقّق السبزواري :

مخلوطة مطلقة مجرّدة عند اعتبارات عليها موردة

من لابشرط وكذا بشرط شيء ومعنيي بشرط لا استمع إليّ

ففي هذا النوع من اللحاظ ، الملحوظ ، ماهية واحدة تامّة ، تلاحظ بالنسبة إلى ما يعرضها من الطوارئ وتطرأ المفاهيم الثلاثة الاعتبارية ، أعني : بشرط شيء ، ولا بشرط ، وبشرط لا ، وهي خارجة عن واقع الملحوظ ومفهومه وإنّما يعرض عليها بنوع من اللحاظ ، فهذا القسم من لحاظ الماهية لا صلة له بالمقام ولا بما ذكره أهل المعقول في باب الفرق بين الجنس والمادة ، أو الفصل والصورة.

الثاني : ما ذكروه في التفريق بين كون الحيوان جنساً ومادة ، أو كون الناطق فصلاً وصورة ، فيفارق الملحوظ في هذا المورد ما هو الملحوظ في المورد الأوّل ، بالوجه التالي :

إنّ المفهوم في القسم الأوّل مفهوم واحد تعرض عليه الاعتبارات الثلاثة ، ولا تنثلم وحدة الملحوظ بعروضها عليها ، ولذلك قلنا تلاحظ الماهية بالنسبة إلى عوارضها وطوارئها ، بخلاف القسم الثاني فانّ الملحوظ يخرج عن كونه مفهوماً واحداً باعتبار كون اللابشرطية داخلاً في صميم الجنس ، والبشرط اللائية داخلاً في صميم المادة ، فيكون المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر ، فالجنس هو المفهوم المبهم المغمور الذي هو على عتبة الاكتمال بالفصل ولذلك يكون قابلاً للحمل ولذلك يوصف باللا بشرط بالنسبة إلى الحمل.

وأمّا المادة فهي ماهية محصّلة مبينة غير قابلة للحمل ولذلك توصف بشرط

249

لا ، فيكون كلّ من القيدين : اللابشرط وبشرط لا ، داخلاً في جوهر المعنى ومكملاً له على خلاف ما مرّ في السابق. فيسمّى الحيوان والناطق عند اعتبارهما جنساً وفصلاً ، بالأجزاء الحملية ، وعند اعتبارهما مادة وصورة ، بالأجزاء الحدّية.

وبهذا يعلم عدم صحّة ما اعترض به صاحب الفصول على هذا النوع من الفرق حيث قال :

إنّ أخذ العرض لابشرط لا يصحح حمله على موضوعه ، فانّا إذا قلنا : زيد عالم ، أو متحرك ، يمتنع حمل العلم والحركة عليه وإن اعتبر لابشرط ، بل مصحح الحمل أنّ مفاد المشتق باعتبار هيئته مفاد ذو هو فلا فرق بين قولنا ذو بياض وقولنا ذو مال ، فكما أنّ المال إن اعتبر لابشرط لا يصحّ حمله على صاحبه ، فكذلك البياض ، ومجرّد استقلال أحدهما ( المال ) بالوجود دون الآخر ( البياض ) لا يجدي فرقاً في المقام ، فالحقّ أنّ الفرق بين المشتق ومبدئه هو الفرق بين الشيء وذي الشيء ، فمدلول المشتق أمر اعتباري منتزع من الذات بملاحظة قيام المبدأ بها. (1)

وجه الإشكال : انّه خلط بين المقامين وزعم أنّ لحاظ الماهية لابشرط في المقام الثاني على غرار لحاظ الماهية لابشرط في المقام الأوّل ، ولذلك أورد انّ العلم والحركة مهما لوحظا لابشرط ، لا يصحّ حملهما على الذات ما لم يقدّر فيهما لفظة « ذو » ولكنّه غفل عن الفرق بين اللحاظين ، فاللابشرطية والبشرط لائية في المقام الأوّل غير داخلين في جوهر الملحوظ ، ولذلك يبقى الملحوظ على وحدته ، بخلاف المقام الثاني ، فالمفهومان داخلان في جوهر الملحوظ فيصبح الملحوظ كمفهومين مختلفين يكون لأحدهما قابلية الحمل دون الآخر. ولذلك يقول الشيخ الرئيس في المقام الثاني :

____________

1 ـ الفصول : 62.

250

إنّ الماهية قد تؤخذ بشرط لا ، بأن يتصور معناها بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده بحيث يكون كلّ ما يقارنه زائداً عليه ، فيكون جزءاً لذلك المجموع مادة له ، فيمتنع حمله على المجموع ( الإنسان ) لانتفاء شرط الحمل ، وقد تؤخذ لابشرط ، بأن يتصوّر معناها مع تجويز كونه وحده ، وكونه لا وحده ، بأن يقترن مع شيء آخر فيحمل على المجموع ، والماهية المأخوذة كذلك قد تكون غير محصلة بنفسها في الواقع ، بل يكون أمراً محتملاً للمقولية على الشيء مختلفة الماهيات ( كما هو شأن الجنس ) ، وإنّما يتحصل بما ينضاف إليها فيتخصص به ويصير بعينها أحد تلك الأشياء فيكون جنساً والمنضاف إليه الذي قومه وجعله أحد تلك الأشياء فصلاً. (1)

إلى هنا أوضحنا ما ذكره صاحب الكفاية ، كما أوضحنا مقصود صاحب الفصول وعدم تمامية كلامه ، غير أنّ الواجب إيضاح ما ذكره أهل المعقول حول كون الحيوان جنساً تارة ومادة أُخرى وكذلك الناطق فصلاً وصورة.

والذي يمكن أن يقال في المقام ( والتفصيل موكول إلى محله ) هو أنّ الحد كالحيوان الناطق ، بالنسبة إلى المحدود كالإنسان يلاحظ على وجهين :

الأوّل : أن يلاحظ كلّ من المفهومين على وجه الإبهام والإجمال من دون أن يكون لها مفهوم تام ، فيلاحظ الحيوان بما انّه جسم نام حساس متحرك بالإرادة الذي يصلح لأن يشكّل أحد الأنواع كالإنسان والفرس ، فعندئذ إذا نسب إلى الإنسان أو غيره من الأنواع يكون نفس النوع ، لا جزءاً من النوع ، إذ معنى ذلك أن الحيوان في حركته الجوهرية يصل إلى مقام الإنسانية ، وعندئذ يتّحد مع الناطق ، وفي هذا اللحاظ لا يعد الحيوان جزءاً ( للمحدود ) ولا الناطق كذلك ، بل تُتناسى الجزئية لما عرفت من أنّ الجنس في هذا اللحاظ يتحصّل بالناطق ويكون نفس

____________

1 ـ المنظومة : قسم الحكمة : 91. نقلاً عن الشيخ الرئيس.

251

الإنسان ، فلذلك يصحّ أن يقال : الإنسان حيوان أو الحيوان ناطق ، أو غيرهما ، ويسمّى « الحيوان الناطق » أجزاء حملية في مقابل ما سيوافيك في المورد الثاني.

الثاني : أن يلاحظ كلّ من الحيوان والناطق بما هما مفهومان متحصلان ويكون كلّ واحد جزءاً من ماهية الإنسان ويتشكل الإنسان من اجتماعهما ، ففي هذا اللحاظ أي النظر إليها بعنوان الجزئية للمحدود يسمّى الحيوان مادة ذهنية ، والناطق صورة ذهنية ، ويمتنع حمل الحيوان على الإنسان لأنّه أصبح عندئذ جزء الإنسان لا نفسه ، ولا يصحّ حمل الجزء على الكلّ فلا يقال : زيد يد ، ولأجل تلك الحالة يوصفان بكونهما أُخذا بشرط لا ، غير قابلين للحمل ، كما يسمى بالأجزاء الحدية.

وبذلك يعلم مضمون الجملة المعروفة بين أهل المعقول حيث قالوا : إنّ الجنس والفصل (1) من أجزاء الحد لا من أجزاء المحدود أي الإنسان ، ومعنى الجملة أنّ الحيوان والناطق إذا لوحظا جنساً و فصلاً للمحدود ، يصبح كلّ منهما نفس الإنسان لا جزئه ، ولو وصفا بالجزئية فإنّما هو باعتبار كونهما من أجزاء الحد ، لا من أجزاء المحدود ـ أي الإنسان ـ لما عرفت من أنّهما في هذا اللحاظ عين المحدود ونفسه.

نعم لو لوحظا بما انّهما مادة وصورة ففي هذه الحالة يكون كلّ جزء للمحدود فيكون الحيوان جزءاً لماهية الإنسان فيمتنع الحمل ، كما يكون الناطق جزءاً له فيمتنع الحمل فيطلق عليهما المادة والصورة ( الذهنيتين ) مكان الجنس والفصل.

ولعلّ هذا المقدار من الإيضاح كاف في المقام ، والتفصيل يطلب من محله.

____________

1 ـ أي ما ينطبق عليه الجنس والفصل كالحيوان الناطق لا عنوانهما ، إذ بهذا العنوان ليسا من أجزاء الحدّ كما مرّ.

252

هذا هو الكلام في المشبه به ، وأمّا الكلام في المشبه فنقول :

إنّ المشتق والمبدأ كالجنس والمادة ، فالأوّل منهما مفهوم مبهم غير متحصّل وإنّما يتحصّل بما يحمل عليه ، بخلاف الثاني فانّه مفهوم متحصّل في نفسه آب عن الحمل.

أقول : إنّ قياس المشتق والمبدأ بالجنس والمادة ، قياس مع الفارق ، فانّ مصحح حمل الجنس على الفصل هو تقوّمه بالفصل في عالم المفهوم ، لما عرفت من أنّ الجنس مفهوم مغمور ، مبهم ، يحتاج إلى ما يخرجه من الإبهام في ذلك الظرف ، وهذا بخلاف المشتق بالنسبة إلى موضوعه لعدم تقوّم مفهوم المشتق بالموضوع فهو غير الموضوع مفهوماً ، وإن اتحدا وجوداً ، وشتّان بين الاتحادين ، فالأوّل يتّحد مع الموضوع في المفهوم ، والآخر يختلف معه فيه ويتّحد معه في الوجود.

وبعبارة أُخرى : انّ الجنس هو المفهوم المغمور الذي لم تتعين حدوده وخصوصياته إلاّ بالفصل بحيث لو وجد في الخارج يكون عين الفصل عينية اللامتحصل مع المتحصل ، وهذا بخلاف المشتق فانّ مسوغ الحمل ليس إبهام مفهومه ، فانّه ذو مفهوم متحصّل ومتعيّن إلاّ من جهة الموضوع ، وهذا غير الإبهام في المفهوم ، بل مسوّغ الحمل قيامه بالموضوع في عالم التكوين ، فشتان بين المسوّغين ، فوجه الشبه بين الجنس والمشتق غير موجود كما لا يخفى.

إيضاح وإكمال

لما كان ما ذكروه من الفرق بين المشتق والمبدأ من خلال التشبيه بالجنس والفصل ، مجرّد دعوى بلا برهان ، بل كان صرف التشبيه ، حاول غير واحد من أهل المعقول إقامة البرهان عليه بوجوه أربعة ، ترجع بعضها إلى المحقّق الدواني ، وإليك البيان :