إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
253

الأوّل : ما ذكره أهل المعقول في الفرق بين العرض والعرضي ، أنّ العرض تارة يلاحظ بما هو هو وانّه موجود في قبال موضوعه فهو بهذا اللحاظ بياض ولا يصحّ حمله على موضوعه مثل الجسم ، كيف والمفروض أنّه لوحظ بنحو المبائنة مع الموضوع ، والحمل هو الاتحاد في الوجود.

وأُخرى يلاحظ بما أنّه ظهور موضوعه وطور لوجوده وشأن من شؤونه ، وظهور الشيء وطوره وشأنه لا يباينه فيصحّ حمله عليه ، إذ المفروض انّ هذه المرتبة من مراتب وجود الشيء ، والحمل هو الاتحاد في الوجود.

وبعبارة أُخرى : انّ واقع البياض يطرد العدم من جانب ماهيته أوّلاً ، فيكون اللا بياض بياضاً ، ومن جانب موضوعه فيكون اللا أبيض ، أبيض ، فبما أنّه يطرد العدم عن جانب ماهيته يقال له البياض ، وبما انّه يطرد العدم عن جانب موضوعه ، يقال له : الأبيض.

وهكذا الضرب بما أنّه يطرد العدم عن ماهيته ، يطلق عليه الضرب ، وبما أنّه يطرد العدم عن جانب موضوعه يطلق عليه الضارب.

فتحصل من ذلك أنّ للبياض والأبيض مفهوماً واحداً ، يختلفان بالاعتبار ، فوزان الضرب وزان البياض ، ووزان الضارب كوزان الأبيض.

وهذا التقرير ، بيان جديد لكون الفرق بين المبدأ والمشتق بشرط لا ولا بشرط.

يلاحظ على ذلك البيان بوجهين :

أوّلاً : انّه لا يتم في كلّ مشتق كأسماء الأزمنة والأمكنة حيث لا يعدّ المبدأ « الضرب » من شؤون الزمان والمكان ، ومع ذلك يصح حمله عليه هنا مقتل الحسين أو هذا اليوم مقتله (عليه السلام) ، وإنّما يجري في بعض المشتقات كالمبدأ بالنسبة إلى الفاعل والمفعول.

254

وثانياً : انّ ابتناء الفرق بين المبدأ والمشتق على هذا التقرير الوارد عن الحكماء في دراسة عالم الكون من غير نظر إلى عالم الألفاظ ابتناء غير صحيح ، فانّ معاني الألفاظ إنّما تؤخذ من الإمعان فيما يتبادر منها عند أهل اللسان لا ممّا حقّقه الحكماء عند دراسة صحيفة الكون الذي لا صلة له بعالم الألفاظ فإنّ ما ذكروه في الفرق بين العرض والعرضي يرجع إلى دراساتهم صحيفة الكون ، يقول الحكيم السبزواري :

وعرضي الشيء غير العرض* * *ذاك البياض ذاك مثل الأبيض

الثاني : ما نقله الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار من انّا إذا رأينا شيئاً أبيض ، فالمرئي بالذات هو البياض ، ونحن قبل ملاحظة أنّ البياض عرض والعرض لا يوجد قائماً بنفسه ، نحكم بأنّه بياض وأبيض ، ولولا الاتّحاد بالذات بين البياض والأبيض لما حكم العقل بذلك في هذه المرتبة ، ولم يجوِّز قبل ملاحظة هذه المقدمات ، كونه أبيض ، لكن الأمر بخلاف ذلك.

يلاحظ عليه : بأنّا وإن نحكم عند رؤية البياض ـ قبل ملاحظة أنّه عرض وانّ العرض لا يوجد قائماً بنفسه ـ بأنّه أبيض ، و الملاحظة التفصيلية وإن كانت غير موجودة عند الرؤية ، لكن الملاحظة الإجمالية موجودة ارتكازاً ، لأنّ الإنسان طيلة حياته يشاهد أنّ البياض لا يوجد إلاّ مع موضوعه ، فهو مع هذا العلم الموجود في خزانة ذهنه إذا رأى البياض ، وحمل عليه الأبيض ، فإنّما حمل على البياض الذي لا يفارق الموضوع ، فلا يدلّ ذاك الحمل على خروج الذات والنسبة عن مفهومه.

الثالث : أنّ المعلّم الأوّل ومترجمي كلامه عبروا عن المقولات بالمشتقات ، ومثلوا لها بها فعبّروا عن الكيف بالمتكيف ومثلوا لها بالحار والبارد ، فلولا الاتحاد

255

بالذات لم يصحّ ذلك التعبير والتمثيل إلاّ بالتكلّف ، بأن يقال : ذكر المشتقات لتضمنها مبادئها. (1)

الرابع : نقل عن بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس قال : إنّ الحرارة لو كانت قائمة بذاتها ، لكانت حرارة وحارة. (2)

يلاحظ عليه : بأنّه لا حجّية لكلام أرسطو ومترجمي كلامه.

ومثله ما نقل عن تلميذ الشيخ الرئيس ، إذ هو قضية شرطية لا تثبت بها اللغة.

المسألة الثالثة : في ملاك الحمل

قد اشتهر بينهم أنّ ملاك الحمل أمران :

المغايرة من جهة والاتحاد من جهة أُخرى ، والمغايرة إمّا تكون بالاعتبار كما في قولنا : « زيد زيد » فالأوّل منهما يغاير الثاني اعتباراً ، حيث يحتمل فيه في بادئ النظر ، جواز سلب الشيء عن نفسه فيرده بقوله « زيد » ، أو بالإجمال والتفصيل كما في قولنا : « الإنسان حيوان ناطق » أو مغايراً بالمفهوم كما في الحمل الشائع الصناعي « زيد قائم ».

هذا هو حال التغاير ، وأمّا الوحدة فالمثالان الأوّلان يتّحد الموضوع مع المحمول في المفهوم كما أنّ المثال الثالث يتحدان مصداقاً.

هذا هو المعروف بين المنطقيّين واختاره المحقّق الخراساني ، وقال : ملاك الحمل هو الهوهوية والاتحاد من وجه والمغايرة من وجه آخر كما يكون بين المشتقات والذوات. (3)

____________

1 ـ الأسفار : 1/42.

2 ـ نهاية الدراية : 1/94.

3 ـ كفاية الأُصول : 1/84.

256

وأوضحه المحقّق الاصفهاني بأنّ ملاك المغايرة في الحمل الأوّلي ، هو المغايرة بالاعتبار الموافق للواقع ، وفي الحمل الشائع هو المغايرة بالمفهوم. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكروه وإن كان صحيحاً لكنّه ليس ملاكاً ومصححاً للحمل وذلك أنّ مناط الحمل هو الوحدة والهوهوية لا التغاير والاثنينية ، فاشتراط وجود التغاير بين الموضوع والمحمول في صحّة الحمل أمر غير صحيح.

نعم يشترط في كون الحمل مفيداً وخارجاً عن اللغو والعبث أن يكون بينهما تغاير إمّا اعتباراً أو إجمالاً وتفصيلاً ، أو مفهوماً.

والحاصل : انّ ملاك الحمل هو تناسي التغاير حتى يجوز الحمل بأنّه هو والتوجه إلى التغاير يعوق الإنسان عن الحمل.

نعم الحمل المفيد رهن وجود التغاير بينهما ، وإلاّيصير أمراً لغواً ، فهؤلاء خلطوا بين ملاك الحمل وكونه مفيداً.

ثمّ إنّه يظهر من صاحب الفصول الاكتفاء بهذا الملاك في مورد يكون التغاير اعتبارياً والوحدة حقيقة ، كما في قولك : « هذا زيد » أو « الناطق إنسان » وأمّا إذا انعكس بأن كان التغاير حقيقياً والاتحاد اعتبارياً كقولك : الإنسان جسم ، فيحتاج وراء ذلك إلى أمرين آخرين :

الأوّل : أخذ الأجزاء لابشرط كما في المثالين ، ولأجل ذلك لا يصحّ حمل البدن والنفس على الإنسان ، ولا يصحّ أن يقال : الإنسان بدن ( مكان الجسم ) ، أو نفس ، مكان الناطق.

الثاني : تنزيل الأشياء المتغايرة منزلة شيء واحد وملاحظتها من حيث المجموع والجملة ، فتلحقه بذلك الاعتبار وحدة اعتبارية ، فيصحّ حمل كلّ جزء من

____________

1 ـ نهاية الدراية : 1/97.

257

الأجزاء لابشرط ، عليه. وحمل كلّ واحد منها على الآخر بالقياس إليه نظراً إلى اتحادهما فيه. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ ملاحظة التركيب يعطي للمحمول وصف الجزء من الكل ، وعندئذ يمتنع حمله عليه كامتناع حمل كلّ جزء على الكلّ ، مثل زيد يد أو رجل ، اللّهمّ إلاّ بالعناية والمجاز ، وإلى هذا الإشكال يشير المحقّق الخراساني بقوله : « بل يكون ذلك مخلاً لاستلزام المغايرة بالجزئية والكلية أي كون الموضوع كلاً والمحمول جزءاً.

وثانياً : انّه خلط بين الأجزاء الحدية والأجزاء الحملية ، فلو لوحظ كلّ من الجنس والفصل جزءاً للنوع وتركبه منهما فعندئذ يصير كلّ من الحيوان والناطق من الأجزاء الحدية ولا يصحّ حمل واحد منهما على النوع ، وهذا بخلاف ما لو لوحظا على نحو الإبهام على نحو يكون كلّ عين الآخر ، وعندئذ يصبحان من الأجزاء الحملية ، فيصحّ أن يقال « الإنسان حيوان » فما ذكره من حديث الجزئية والكلية من آثار الأجزاء الحدية لا الأجزاء الحملية.

المسألة الرابعة : مغايرة المبدأ للذات

قد مرّ سابقاً أنّه يشترط في صحّة الحمل أو كونه مفيداً ـ على ما عرفت ـ مغايرة المحمول مع الموضوع ، فعند ذلك ربّما يشتبه الأمر على بعضهم من أنّه إذا كان ملاك الحمل هو المغايرة ، فكيف تحمل صفاته سبحانه مثل « العالم » و « القادر » عليه سبحانه مع أنّه صفاته تعالى عين ذاته لا تغاير بينهما ؟

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني من أنّ المراد من المغايرة هو التغاير

____________

1 ـ الفصول : 62.

258

الاعتباري أو الإجمالي والتفصيلي أو التغاير المفهومي ، وكلّ منها لا ينافي الاتّحاد العيني والخارجي ، فمفهوم العالم والقادر وإن كان غير مفهوم الموضوع ولكنّهما عينه خارجاً ، وعلى هذا لا نحتاج في إجراء الصفات إلى التأوّل بالنقل أو التجوز.

أقول : لو كان محور البحث وروح الإشكال هو ما ذكره المحقّق الخراساني في وجود توهّم التضاد بين شرطية التغاير في صحّة الحمل وعينية صفاته مع ذاته لكان لما أجابه مجال ، وذلك لأنّه يشترط في التناقض الوحدات الثمانية وهي هنا منتفية ، وذلك لأنّ مصب التغاير هو المفاهيم ، ومصب الوحدة هو العينية الخارجية ، فلا تصادم بين الكلامين.

وأمّا لو كان محور البحث أمراً آخر وهو أنّ المتبادر من المشتق هو زيادة العنوان على الذات ، وعندئذ يصبح جواب المحقّق الخراساني أجنبياً عن البحث ، وإليك التفصيل :

إنّ مذهب الحقّ أنّ صفاته تعالى قديمة لا حادثة خلافاً للكرامية.

وانّها عين ذاته لا زائدة عليها خلافاً للأشاعرة.

فالإمامية والأشاعرة يتفقان في كون الصفات قديمة لا حادثة ، ولكنّها عند الأشاعرة زائدة على الذات تمسّكاً بظواهر بعض الآيات مثل قوله سبحانه : ( أنزله بعلمه ) (1) الظاهر في أنّ علمه غير ذاته ، ولكن الإمامية قائلة بعينية الصفات ، وإلاّ يلزم القدماء الثمانية عدد الذات والصفات السبعة الجمالية.

هذا من جانب ، ومن جانب آخر أنّ المتبادر من المشتق هو المعنون ، لا المبدأ فقط كما عليه الشريف ، ولا الذات والنسبة والمبدأ على نحو التفصيل ، بل المفهوم الوحداني المنحل عند التعمل إلى ذات وعنوان.

____________

1 ـ النساء : 166.

259

فإذا كان المتبادر من الصفات كالعالم والقادر هو المعنون بما هو معنون يلزم عدم صحّة إجراء الصفات الثبوتية عليه تعالى ، لأنّ مقتضى المحمول في قولنا : « اللّه عالم » هو زيادة العنوان على المعنون مع أنّ العقيدة على خلافها.

فلو كان محور البحث هو هذا لأصبح كلام المحقّق الخراساني في « أنّ صفاته وإن كانت عين ذاته خارجاً لكنّه غيرها مفهوماً » أمراً لا صلة له بالإشكال.

نعم يكون كلام صاحب الفصول من الالتزام بالنقل والتجوّز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى كلاماً مرتبطاً وإن كان غير صحيح ، وذلك لانّا نجري تلك الصفات على اللّه سبحانه كجريها على غيره من دون تجوّز ولا نقل. فعلى ذلك يجب حلّ المسألة من طريق آخر.

ويمكن حل الإشكال بوجهين :

الأوّل : ما أجاب به سيدنا الأُستاذ بأنّه لا يفهم من لفظ العالم إلاّ المعنون من حيث هو كذلك ، وأمّا زيادة العنوان على المعنون وقيامه به فهو خارج عن مفهومه ، فالمشتق يدل على المعنون ، والعينية والزيادة من خصوصيات المصاديق. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ دلالة الهيئة على مغايرة المبدأ لما يحمل عليه ليس أمراً خفياً لقضاء التبادر بذلك.

الثاني : أنّ المتبادر من المشتق هو المعنون ، والذات المتلبّسة بالمبدأ ، وظاهره زيادة العنوان على الذات ، ونحن نجري أوصافه سبحانه عليه بهذا المعنى ، ونستعملها في المعنى المتبادر عرفاً بالإرادة الاستعمالية غير انّ البرهان قام على

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/228.

260

عينية صفاته مع ذاته ، فترفع اليد عن هذا الظهور بالدليل العقلي ، فالمراد الجدي عند من قام الدليل عنده على العينية ، غير المراد الاستعمالي الذي يشترك فيه العالم والجاهل والفيلسوف والمتكلّم.

وقيام البرهان على الوحدة لا يكون سبباً لتغيير اللغة والمتبادر العرفي ، غاية الأمر أنّ الأكثرية الساحقة من الناس لا يتوجهون إلى هذه الدقائق ، فيستعملون اللفظ فيه سبحانه على النحو الذي يستعملونه في غيره ولا يرون الزيادة مخلّة بالتوحيد.

والحاصل أنّ هنا مقامين :

الأوّل : اللغة ، الظهور ، والتبادر.

الثاني : العقيدة والبرهان والاستدلال.

وليس من شأن العقيدة تفسير اللغة والمتبادر العرفي ، كما أنّه ليس للظواهر أنْ تصادم البراهين العقلية ، فلكلّ طريقه ومجراه.

المسألة الخامسة : في قيام المبدأ بالذات

هل يشترط في صحّة الحمل قيام المبدأ بالموضوع أو لا ؟ وجوه وآراء.

الأوّل : يشترط قيام المبدأ بالذات قياماً حلولياً ، وهذا ما عليه الشيخ الأشعري حيث فسّر كونه سبحانه متكلّماً بأنّ التكلّم من صفات الذات القائم بها قياماً حلولياً ، وكلامه هو الكلام النفسي لا الكلام اللفظي ، ولا ما هو المفهوم من اللفظ.

الثاني : عدم اعتبار قيامه بالذات ، بشهادة أنّه يصدق على الفاعل أنّه ضارب ومؤلم مع أنّ الضرب غير قائم بهما بل بالمولم والمضروب.

261

الثالث : ما اختاره صاحب الفصول من أنّه يعتبر قيام المبدأ بالذات قياماً أعم من الحلول كما في قولنا « زيد عالم » أو بالصدور كما في « زيد ضارب ومولم » أو بغير هذا النحو من القيام بالوقوع عليه كما في المفعول به أو الوقوع فيه كما في أسماء الزمان والمكان كالمضرب.

نعم لا يشترط على مختاره قيام المبدأ بالذات إذا كان المبدأ ذاتاً لا وصفاً كصفاته سبحانه بالنسبة إلى ذاته ، أو كان كمثل اللابن والتامر إذ ليس المبدأ ـ أعني : التمر واللبن ـ قائماً ببائعهما.

الرابع : ما اختاره صاحب الكفاية من لزوم قيام المبدأ بالذات وتلبّسها به ، غير أن تلبّس كلّ شيء بحسبه ، ففي صفاته الجارية عليه تعالى ، يكون المبدأ مغايراً له تعالى مفهوماً ، وقائماً به عيناً بنحو من القيام لا أن يكون هناك اثنينية أو كان ما بحذائه غير ما بحذاء الذات. وعدم اطّلاع العرف على مثل هذا التلبّس من الأُمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة ولو بنحو من التأمل والتعمل من العقل.

فإن قلت : إنّ مثل هذا التلبّس لا يعد عرفاً من مصاديق القيام وتلبّس الذات به.

قلت : إنّ العرف مرجع في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على مصاديقها.

يلاحظ عليه أوّلاً : إنّ المتبادر في القيام والتلبّس ، التعدّد والاثنينية ، فإذا كان المبدأ عين الذات في عامّة المراحل ، كيف يمكن أن نتصوّر قيام شيء بشيء أو تلبّسه به ؟ وما ذكره من التعابير المتكررة نوع تلاعب بالألفاظ وليس له من الحقيقة نصيب.

وثانياً : أنّ ما ذكره من أنّ العرف مرجع لتحديد المفاهيم لا لتعيين المصاديق

262

أمر غير تام ، بل العرف مرجع في كلا الموردين ، ولذلك لا يعدّ لون الدم دماً واجب الاجتناب ، وذلك لأنّ لون الدم غير الدم عرفاً وإن كان حسب التحليل الطبي أو العقلي مرتبة من اللون.

والحقّ أن يقال : انّ العقيدة لا تمسّ اللغة ولا تغيّـرها ، فنحن نجري صفاته تعالى عليه بما له من المعنى من دون أي نقل وتجوّز ، وظاهره زيادة العنوان على المعنون ، أو تلبّس الذات بشيء ورائها ، أو قيامه بها ، لكن دلّ البرهان على أنّ هذا الظهور غير معتبر عقيدة ، لدلالة العقل على أنّ صفاته سبحانه عين ذاته.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : « شهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه. (1)

وقوله (عليه السلام) : « لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف » إشارة إلى ما ذكرناه من المتفاهم العرفي من الصفات ، ولكن الإمام نفى الاثنينية بالبرهان ، لا بالتصرّف في معاني المشتقات ، ولا إشكال في أنّه يستعمله العامي والحكيم في معنى واحد في حقّه سبحانه إرادة استعمالية غير أنّ المراد الجدي لدى الحكيم يغاير الاستعمالي.

وأظن أنّ القوم لو فتحوا باباً خاصّاً للألفاظ ومعانيها ، وباباً آخر للعقائد ، بحيث لا يكون ظهور اللفظ مبدأً للعقيدة ، ولا العقيدة صادمة لظهور اللفظ ، لكان أحسن.

والحاصل : نحن نشاطر المحقّق الخراساني الرأي في أنّ الصفات الكمالية ، تطلق على الممكن والواجب بمعنى واحد من دون أن يكون في الإطلاق الثاني

____________

1 ـ نهج البلاغة ، الخطبة الأُولى.

263

تجوّز أو نقل لكن نختلف معه في أنّه يدّعي انّ مفهوم المشتق الذي هو التلبس والقيام صادق على الممكن والواجب ولا يتنافيان مع عينية صفاته لذاته لأن تلبّس كلّ شيء بحسبه ولا يتوقفان على أن يكون ما بحذاء أحدهما عين الآخر.

ولكنا نجري الصفات عليه تعالى بنفس المفهوم العرفي ولكن نعتقد انّ البرهان لا يوافق هذا الظهور فيكون الظهور مراداً استعمالياً ولكنّ المراد الجدي لمن التفت إلى ذلك ، غيره.

المسألة السادسة : في عدم اعتبار التلبّس الحقيقي

ربما يقال بأنّ تلبّس الذات بالمبدأ ليس شرطاً في صحّة الحمل فربّما يكون هناك حمل بلا تلبّس كما في « الميزاب جار » والجريان قائم بالماء مع أنّه حمل على الميزاب.

والجواب : انّ الجريان قائم بالماء حقيقة وبالميزاب ادّعاءً وتنزيلاً ، فلا يشترط في القيام والتلبّس ، القيام والتلبس الحقيقيّان ، بل يكفي التنزيليان منهما ، وهذا هو الحال في عامّة المجازات في الاسناد ، فلفظ الجاري مستعمل في معناه اللغوي غير أنّ اسناده إلى الميزاب اسناد مجازي لا حقيقي ولا يشترط التلبّس الحقيقي وهذا من الوضوح بمكان.

تمّ الكلام في الأُمور الأربعة عشر التي جعلها

المحقّق الخراساني كالمقدمة الواحدة لمقاصد الكتاب.

264

-

265

المقصد الأوّل

في الأوامر

وفيها فصول :

الفصل الأوّل : في مادّة الأمر وفيه جهات من البحث

الفصل الثاني : فيما يتعلّق بصيغة الأمر وفيه مباحث

الفصل الثالث : في أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء

الفصل الرابع : في مقدّمة الواجب

الفصل الخامس : في أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه وفيه أُمور

الفصل السادس : في جواز أمر الأمر مع العلم بانتفاء شرطه

الفصل السابع : في تعلّق الأوامر بالطبائع أو الافراد

الفصل الثامن : إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز ؟

الفصل التاسع : في الواجب التخييري وحلّ مشاكله

الفصل العاشر : في الواجب الكفائي

الفصل الحادي عشر : في المطلق والمؤقت ، والموسع والمضيّق

الفصل الثاني عشر : في الأمر بالأمر بفعل ، هل هو أمر بالفعل ؟

الفصل الثالث عشر : الأمر بالشيء بعد الأمر به ، ظاهر في التأكيد أو التأسيس

266

-

267

الفصل الأوّل

مادة الأمر

وفيه جهات من البحث :

الجهة الأُولى : معنى لفظ الأمر لغة

قد ذكروا للفظ الأمر معان متعددة :

أ. الطلب ، كما يقال أمره بكذا.

ب. الشأن ، كما يقال شغله أمر كذا.

ج. الفعل كما في قوله : ( وَما أَمْرُ فِرعَونَ بِرَشيد ). (1)

هـ. الفعل العجيب كما في قوله : ( وَلَمّا جاءَأَمْرُنا ). (2)

و. الغرض كما يقال : جاء زيد لأمر كذا.

ز. الحادثة كما يقال : وقع الأمر.

ولا شكّ أنّ ما ذكروه من التفاصيل من باب خلط المصداق بالمفهوم كما هو الحال في أكثر المعاجم اللغوية حيث ذكروا للفظة « القضاء » معاني عشرة مع أنّه ليس له إلاّ معنى واحد وهو إتقان الفعل ، وما ذكر من المعاني مصاديق له : كقوله سبحانه : ( وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تعبُدُوا إِلاّّ إِيّاه ) (3). فانّ التشريع الإلهي بما أنّه يتمتّع

____________

1 ـ هود : 97.

2 ـ هود : 58.

3 ـ الإسراء : 23.

268

بالإتقان استعمل في حقّه القضاء أي الحكم المتقن. ومثله المقام فانّ قسماً من هذه المعاني من المصاديق وبعضها من الوضوح بمكان ، فانّ الغرض في قوله : « جاء زيد لأمر كذا » مستفاد من اللام فالمدخول مصداق الغرض لا مفهومه ، وهكذا في قوله سبحانه : ( فَلَمّا جاءَ أَمْرنا ) فالمدخول مصداق للتعجب لا مستعمل في مفهومه.

بقي الكلام في تحديد معنى الأمر ، فهناك آراء نشير إلى بعضها.

انّه موضوع لمعنيين :

الطلب والشأن وهو خيرة صاحب الفصول

الطلب والشيء وهو خيرة المحقّق الخراساني

الطلب والفعل وهو المختار عندنا

أمّا الأوّل : فقد استند صاحب الفصول في كون الشأن من معاني الأمر إلى قول القائل : « شغلني أمر كذا » مع أنّه من المحتمل أن يكون المراد هو الفعل أي شغلنا فعل كذا ، كما اعتمد المحقّق الخراساني في استعماله في الشيء على قول القائل : رأيت اليوم أمراً عجيباً ، مع أنّه من المحتمل أن يكون الأمر بمعنى الفعل.

أضف إلى ذلك انّه لو كان الأمر بمعنى الشيء يلزم صحّة استعمال أحد المترادفين مكان الآخر ، فكما يقال : « اللّه شيء » و « العقل شيء » ، يجب أن يصحّ القول بأنّ اللّه أمر ، والعقل أمر ، كلّ ذلك يعرب عن عدم كون الأمر بمعنى الشيء.

هذا كلّه حول القولين ، وأمّا القول الثالث أي كون المعنى الثاني للأمر هو الفعل ، فيكفي في ذلك قولـه سبحانـه : ( إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُـونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا

269

لا يُبْدُونَ ). (1)

أي كلّما يجري في الكون من السنن التي هي من أفعاله سبحانه بيد اللّه ، وقوله : ( قُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُور ). (2)

وقوله : ( وشاوِرْهُمْ فِي الأَمر ) (3) أي شاور هؤلاء في أُمورك وأفعالك وما تفعل وما تترك.

ثمّ إنّ الأمر بمعنى الطلب بالقول المخصوص يجمع على أوامر ، كما أنّه بمعنى الفعل يجمع على أُمور.

نعم لو قلنا بأنّ الأمر هو نفس الأمر المخصوص فلا يصحّ منه الاشتقاق لكونه معنى جامداً غير قابل للسيلان ، بخلاف ما إذا قلنا إنّه حقيقة في الطلب بالقول المخصوص.

ثمّ إنّ الثمرة تظهر فيما لو ورد لفظ الأمر في الكتاب والسنّة ولم يعلم المقصود منه ، فعندئذ تصل النوبة إلى الأُصول العملية ، فلو كان للحكم حالة سابقة يستصحب ، وإلاّ فلو كان الشكّ في التكليف ، يقع مجرى للبراءة وإلاّ ، يقع مجرى الاشتغال.

الجهة الثانية : في اعتبار العلو والاستعلاء

هل يعتبر العلو والاستعلاء في صدق مفهوم الأمر ، أو لا يعتبران أو فيه تفصيل ؟ فيه أقوال وآراء :

الأوّل : اعتبار العلو دون الاستعلاء.

الثاني : اعتبار أحدهما.

____________

1 ـ آل عمران : 154.

2 ـ البقرة : 210.

3 ـ آل عمران : 159.

270

الثالث : اعتبار كليهما وهذا هو المختار.

الرابع : عدم اعتبار واحد منهما.

وإليك دراسة الكلّ واحداً تلو الآخر.

أمّا القول الأوّل : فهو خيرة المحقّق الخراساني ، فذهب إلى اعتبار العلو في معنى الأمر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً ، ولو أطلق عليه الأمر ، كان بنحو من العناية.

كما أنّ الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء ، فيكون الطلب من العالي أمراً ولو كان مستخفضاً بجناحه.

أقول : ما ذكره (قدس سره) من اعتبار العلو لا غبار عليه ، والدليل عليه هو التبادر ، فانّ في لغة العرب ألفاظاً ثلاثة لكلّ مورده :

1. الأمر ، ويرادفه في اللغة الفارسية « فرمان ».

2. الالتماس ، وهو طلب المساوي من المساوي.

3. السؤال ، وهو طلب السافل من العالي.

فالأوّل هو الطلب الصادر من العالي ، والثاني هو الطلب الصادر من المساوي ، والثالث هو الطلب الصادر من السافل.

وهذا يُثبت دخول العلو في مادة الأمر وأمّا عدم اعتبار الاستعلاء فلم يذكر عليه دليلاً وسيوافيك اعتباره أيضاً.

وأمّا القول الثاني : فقد نقله في « الكفاية » وضعّفه ، وحاصل استدلاله أنّه يكفي أحدهما ، أمّا العلو فلما مرّ ، وأمّا كفاية الاستعلاء فلأجل تقبيح العقلاء ، الطالب السافل من العالي المستعلي عليه ، وتوبيخه لأجل أنّه يصدق عليه الأمر.

وردّه بقوله : إنّ التوبيخ ليس على الأمر ، بل على استعلائه حقيقة ، ولو أطلق

271

عليه الأمر فإنّما هو بالمشاكلة ، أو لكونه بصورة الأمر لأنّه مقتضى استعلائه.

وأمّا القول الثالث : أعني : اعتبار كليهما ، فهذا هو المختار أمّا العلو فواضح لما عرفت من التبادر.

وأمّا الاستعلاء فنمنع صدق الأمر على طلب العالي من السافل بلسان الاستدعاء ، وذلك لأنّ مورد البحث هو ما إذا صدر الطلب بلسان المولوية والعبودية ، وفي مثله يعتبر الاستعلاء ، ولو كان الكلام خارجاً عن تلك الدائرة فلا يطلق عليه انّه الأمر بل يطلق عليه الاستدعاء حتى ولو صدر عن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ويشهد لذلك ما رواه ابن عباس حيث إنّ بريرة كانت زوجة للعبد فلما اعتقت كان لها الخيار ـ حسب الحكم الشرعي ـ بين البقاء على حبالة زوجها أو المفارقة ، فاختارت هي ، المفارقة ؛ فاتّصل زوجها بعمّ النبي العباس بن عبد المطلب ليكلّم النبي حتى يأمرها بالبقاء ، فلمّـا كلمها النبي ، وقال لها : « إنّه زوجك » فقالت بريرة : أتأمرني يا رسول اللّه ؟ فقال : لا ، إنّما أنا شافع ، قال : فخيّـرها ، فاختارت نفسها. (1)

ترى أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لما يخاطبها ، بقوله : « إنّه زوجك » ، الظاهر في أنّ الإبقاء مع حبالة الزوج السابق ، كان مورد رغبة النبي ، فسألته (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقالت : أتأمرني بكلامك هذا ؟ فنفى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الأمر وأثبت الشفاعة ، فلو كان وجود العلو كافياً في صدق الأمر لما كان لبريرة السؤال عن مقصود النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لملازمة العلو وحده مع الأمر.

وهذا ـ أي سؤالها عن مقصود النبي ـ يدلّ على أنّ خطاب العالي على قسمين :

قسم يكون مقروناً بالاستعلاء فيكون أمراً ، وقسم آخر يكون بلسان الاستدعاء فيكون شفاعة.

____________

1 ـ مسند أحمد : 1/215.

272

وأمّا القول الرابع : فهو خيرة المحقّق البروجردي القائل بعدم أخذ واحد منهما في صدق الأمر مستدلاً ، بقوله : إنّ حقيقة الطلب على قسمين : قسم يطلب فيه انبعاث المطلوب منه من نفس الطلب ، بحيث يكون داعيه ومحرّكه إلى الامتثال صرف هذا الطلب ، وهذا ما يسمّى أمراً.

وقسم يقصد فيه انبعاث المطلوب منه من الطلب منضماً إلى بعض المقارنات التي توجب وجود الداعي في نفسه ، كطلب المسكين من الغني ، وهذا القسم من الطلب يسمّى التماساً (1) والقسم الأوّل يناسب العالي. ولا يراد منه كون الطالب عالياً ، مأخوذاً في مفهوم الأمر ، حتى يكون معنى « آمرك بكذا » أطلب منك وأنا عال.

فعلى هذا فحقيقة الطلب على قسمين غاية الأمر أنّ القسم الأوّل منه حقّ من كان عالياً ، ومع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان أمراً أيضاً ولكن يذمّه العقلاء على طلبه بالطلب الذي ليس شأناً له فيقولون أتأمره ؟! كما أنّ القسم الثاني يناسب شأن السافل ، ولو صدر عن العالي أيضاً لم يكن أمراً فيقولون لم يأمره بل التمس منه ويرون هذا تواضعاً منه. (2)

يلاحظ عليه : أنّ تقسيم الطلب إلى قسمين ، وإن كان تقسيماً صحيحاً ، لكن الكلام في كيفية وضع لفظ الأمر للقسم الأوّل فما هو المخصص لعدم شموله للقسم الثاني ، فلابدّ أن يضمّ إلى معنى الطلب شيء آخر حتى يصدّه عن الشمول للقسم الآخر ، فما هو ذاك القيد ؟ فهل هو :

1. ما يكون الانبعاث من نفس الطلب ، وهو كما ترى.

____________

1 ـ طلب السافل من العالي يسمّى سؤالاً ودعاءً لا التماساً.

2 ـ نهاية الأُصول : 1/75 ـ 76 بتلخيص.

273

2. ما يكون الطالب ، عالياً بالنسبة إلى المطلوب منه.

ولا ثالث ، والثاني هو المتعيّن ، ولا يعني هذا القول دخول العلو بالمعنى الاسمي في مدلول الأمر حتى يكون معنى قوله : « آمرك » أي أطلب منك وأنا عال ، ولو فسّر بذلك فهو من قبيل زيادة الحدّ على المحدود ، بل يراد دخوله على وجه الإجمال وعلى نحو المعنى الحرفي.

الجهة الثالثة : في دلالة مادة الأمر على الوجوب

اختلفت كلمتهم في أنّ لفظة الأمر حقيقة في الوجوب ، أو مشترك معنوي بينه و بين الوجوب.

ذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل ، واستدلّ عليه بوجوه تالية :

1. انسباق الوجوب منه عند الإطلاق.

2. الأمر بالحذر من مخالفة أمر الرسول ، كقوله سبحانه : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليم ) (1) والضمير في « أمره » يرجع إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لما تقدم من قوله سبحانه : ( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينكُمْ كَدُعاءِ بَعْضكُمْ بَعْضاً ) (2) و « المخالفة » يتعدى بنفسه يقال خالف أمره ، ولكن جاءت هنا مقروناً بـ « الجارّ » لتضمنها معنى الإعراض ، أي يعرضون عن أمر الرسول. (3)

3. وقوله : « لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك » (4) الدالّ على أنّ الأمر

____________

1 ـ النور : 63.

2 ـ النور : 63.

3 ـ مجمع البيان : 4/158 ط صيدا.

4 ـ وسائل الشيعة : الجزء2 ، الباب 3 من أبواب السواك ، الحديث 4.

274

يلازم المشقة وهي آية الوجوب.

4. قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لبريرة بعد قولها : أتأمرني يا رسول اللّه ؟ قال : « لا إنّما أنا شافع » أي أتلزمني بالبقاء مع الزوج؟ فأجاب : لا.

5. وصحّة توبيخ العبد الذي خالف أمر المولى ، كقوله سبحانه : ( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذ أَمَرْتُك ). (1)

6. والإيعاد بالسجن عند المخالفة ، كقوله سبحانه حاكياً عن امرأة العزيز : ( وَلئن لَمْ يَفْعَل ما آمره لَيُسْجَنَنّ ). (2)

ثمّ إنّه (قدس سره) أجاب عن أدلة القائلين بالاشتراك المعنوي حيث استدلّوا بالوجوه التالية :

أ : الأمر ينقسم إلى الإيجاب والاستحباب والتقسيم آية أنّه حقيقة في الجامع بينهما.

يلاحظ عليه : أنّ التقسيم بنفسه قرينة على أنّ المراد من المقسم هو الأعم من الوجوب ، والكلام فيما لا يكون هناك قرينة.

ب : انّ الأمر يستعمل في الوجوب والندب فلو لم يكن موضوعاً للقدر المشترك بينهما لزم أن يكون إمّا مجازاً في الندب أو مشتركاً لفظياً وكلاهما على خلاف الأصل.

يلاحظ عليه : بأنّه لا دليل على هذه الترجيحات ـ كما تقدّم في تعارض الأحوال ـ فانّ الأُصول اللفظية إنّما يحتجّ بها فيما إذا كان الشكّ في المراد لا في مثل المقام حيث إنّ الهدف تبيّن كيفية الإرادة ، وانّها هل على نحو الحقيقة أو الأعمّ منها ومن المجاز ؟ إلى غير ذلك.

____________

1 ـ الأعراف : 12.

2 ـ يوسف : 32.

275

ج : انّ فعل المندوب طاعة ، وكلّ طاعة فهو فعل المأمور به ، ففعل المندوب ، فعل المأمور به.

يلاحظ عليه : منع الكبرى لو أُريد من المأمور به ، المعنى الحقيقي أي فعل الواجب ، ولو أُريد الأعم منه ومن غيره لا يثبت المدعى. هذا توضيح ما في الكفاية.

هناك نكتة مهمة كان على صاحب الكفاية التنبيه عليها ، وهي :

أنّه لا شكّ في استفادة الوجوب من لفظة الأمر ومن مرادفه في الفارسية ( فرمان ) إنّما الكلام في مَنْشَئِها ، فهل الوجوب مدلول لفظي وضعي ، بمعنى أنّ لفظه موضوع للوجوب ، أو هو مقتضى الإطلاق وانّ الوجوب لا يحتاج إلى بيان زائد ، بخلاف الندب ، فإذا لم يكن هناك بيان زائد يحمل على الوجوب ، أو لا هذا ولا ذاك ، بل هو مقتضى حكم العقل ؟ هنا احتمالات ثلاثة ندرسها.

لا سبيل إلى الأوّل ، إذ ليس الوجوب والندب من مداليل لفظ الأمر ، بل الكل من المفاهيم الانتزاعية ، فانّ لفظ الأمر وضع لنفس الطلب وحده ، وإنّما ينتزع الوجوب من استعماله مقروناً بشيء يدل على شدّة رغبة المولى بالفعل وعدم رضاه بتركه ، كما أنّ الندب ينتزع من استعماله مقروناً بما يدل على خلاف ذاك. (1)

نعم الاحتمال الثاني قريب بناء على إلقاء الأمر (2) بلا قرينة دالة على الندب كاف في بيان الوجوب ، بخلاف الندب فهو رهن بيان زائد من تجويز المخالفة وسيوافيك أنّ مقتضى صيغة الأمر هو كونه نفسيّاً ، عينياً تعيينياً ، لأنّها لا تحتاج إلى

____________

1 ـ وسيوافيك تفصيله في دلالة صيغة الأمر على الوجوب أو الندب والكلام في المقام في لفظ « الأمر » فلا يختلط عليك البحث.

2 ـ من فرق بين لفظ الأمر وصيغته.

276

بيان زائد سوى الأمر والبعث ، بخلاف مقابليها فانّها رهن القيود التي تفيد انّ الأمر غيري لا نفسي ، أو كفائي لا عيني ، أو تخييري لا تعييني ، وسيأتي توضيح ذلك في محله العاجل.

والاحتمال الثالث هو الأقرب وهو حكم العقل بأنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب ، وانّه يلزم تحصيل المُؤمِّن من العقوبة ، ولا يجوز تركه باحتمال انّه يرضى لتركه.

ولذلك ، يجب العمل بالأمر إلاّ إذا دلّ الدليل على الترخيص ، فيكون الوجوب من المداليل العقلية ، لا اللفظية الوضعية ، ولا الإطلاقية.

الجهة الرابعة : في أنّ الموضوع له هو الطلب الإنشائي

لما اختار المحقّق الخراساني أنّ مفاد الأمر ، هو الطلب ، حاول بيان واقع هذا الطلب وأنّ المراد منه هو الطلب الإنشائي لا الحقيقي الذي يقال له الطلب بالحمل الشائع الصناعي.

ولا يختص هذا البحث بمادة الأمر ، بل يعم صيغته فانّها أيضاً موضوعة ـ حسب مختاره ـ للطلب ، وانّ المراد منه هو الإنشائي ، لا الحقيقي.

وعلى هذا كان الأنسب إيراده في الفصل الثاني المختص بصيغة الأمر ، وأن يبحث عن مفاد الأمر بمادته وصيغته بصفقة واحدة.

وعلى كلّ تقدير ، انّ الطلب على قسمين :

1. اعتباري إنشائي.

2. واقعي حقيقي.

والذي يمكن إنشاؤه باللفظ هو المعنى الاعتباري منه ، لا الحقيقي كما هو

277

الحال في عامّة الإنشائيات ، فانّ الزوجية الحقيقية غير قابلة للإنشاء ، بل القابل له ، هو الاعتباري المنتزع من الحقيقي بنوع من التشبيه.

وكذا الرئاسة ، فمنها تكويني وقد منح اللّه سبحانه الرأس تدبير الأعضاء فهو يدير ويدبّر تكويناً ، ومنها اعتباري وهو المدير المنصوب لإدارة مجتمع خاصّ ، يأمر وينهى.

والتكويني من كلّ هذه الأُمور ، رهن علّة تكوينية ، فاللّه سبحانه خلق العين والأُذن زوجين ، بخلاف الاعتباري منه ، فهو رهن ترتّب غرض عقلائي لاعتباره وفرضه ، فالرجل الهندي يتزوج امرأة إيرانية ، وبينهما من حيث الموطن والثقافة ، بعد المشرقين ، لكن الاعتبار يفرضهما زوجين يتساهمان في الحياة حلوها ومرّها.

ونظير ذلك ، الإرادة ، فمنها حقيقيّة تتجلّـى في الذهن بعد مقدّمات ، من تصوّر الشيء المراد والتصديق بفائدته ، والميل إليه ، و ... إلى أن تنتهي تلك الأُمور إلى استتباعها حركة العضلات ، نحو إنجاز العمل أو نحو الأمر به فالإرادة التكوينية ، رهن علّة تكوينية توجب ظهورها على لوح النفس.

كما أنّ منها قسماً إنشائياً ، يفرض لأجل ترتب غرض عقلائي عليه فقول المولى : « افعل » أو آمرك بكذا إنشاء للإرادة باللفظ على غرار الإرادة التكوينية ، غير انّها تفترق عن الثانية ، انّ الإرادة الحقيقية أمر واقعي ظاهر على لوح النفس ، بخلاف الأُخرى فهي صرف اعتبار وفرض.

وعلى ضوء ذلك فالطلب والإرادة كفرسي رهان في عامّة المجالات والمظاهر من حيث المفهوم والمصداق والإنشاء.

الف : فالطلب والإرادة يتّحدان مفهوماً وبينهما من الحمل ، الحمل الأوّلي.

ب : الطلب والإرادة يتّحدان مصداقاً ، فالظاهر في لوح النفس طلب وإرادة بالحمل الشائع.

278

ج : الطلب والإرادة يتّحدان إنشاءً ، فالمنشأ بلفظ الأمر أو افعل أمر واحد ، له اسمان لكن كلّما أُطلق الطلب ينصرف إلى القسم الإنشائي من هذه الأقسام ، وكلما أُطلقت الارادة تنصرف إلى القسم الحقيقي منها.

ولعلّ بعض من ذهب إلى تعدّد الطلب والإرادة ، وعدم وحدتهما ، أراد مغايرة الإنشائي من الطلب ، مع الفرد الحقيقي من الإرادة وإلاّ فلا وجه للتعدد.

ويشهد على الوحدة أنّ الإنسان إذا حاول أن يفعل شيئاً مباشراً ، أو يقوم به غيره نيابة لم يجد في قرارة ذهنه ، سوى شيئاً واحداً يعبّر عنه تارة بالطلب التكويني وأُخرى بالإرادة الحقيقية ، ولذلك ذهب الأصحاب إلاّ من شذّ إلى وحدتهما في مجال التكوين والحقيقة ، كوحدتهما في عالم المفهوم والإنشاء ، ومن ذهب من الأصحاب إلى التعدّد ، فإنّما أخذ من الطلب ، الجانب الإنشائي ومن الإرادة القسم الحقيقي ، ولا شبهة في مغايرتهما ، إنّما الكلام مقايسة كلّ إلى الآخر في رتبة واحدة.

وليس هذا من خصائص الطلب والإرادة ، بل الأمر كذلك في مورد النهي فلا تجد في لوح النفس إلاّ أمراً واحداً كالكراهة وليس شيء آخر سواها حتى تسمّيه بلفظ آخر ، خلافاً لمورد الأمر حيث نجد هناك لفظين مختلفين ، لكن يشير إلى معنى واحد.

ومثلهما : الترجّي والتمنّي ، بل الجمل الخبرية ، فليس في مورد الجميع سوى أمر نفساني ، يعبّر عنه في مورد الإنشاء بالترجي والتمنّي ، وفي مورد الخبر بالعلم ، فليس في عامة الموارد ـ إنشائية أو إخبارية ـ سوى أمر واحد ، ويعبّر عنه بلفظ واحد كما هو الغالب أو بلفظين كما في مورد الأمر.

هذا توضيح ما في « الكفاية » مع ما في تعبيره من التعقيد.

279

و كان عليه (قدس سره) الإشارة إلى نكتة مهمة وهي ما هو السبب لطرح هذه المسألة ؟ أي : وحدة الطلب والإرادة أو تعددهما.

ولأجل إزاحة النقاب عن وجه الحقيقة يلزم البحث في النقاط التالية :

أ. ما هو السبب لطرح هذه المسألة في علم الكلام ؟

ب. ما هو المراد من الكلام النفسي الذي أعقب طرحَ تلك المسألة ؟

ج. الأدلة الأربعة للأشاعرة على إثبات الكلام النفسي ونقدها.

د. ما معنى كونه سبحانه متكلّماً عند المعتزلة والإمامية ؟

هـ. ما هو موقفنا من المسألة المطروحة : وحدة الطلب والإرادة ؟

وإليك البحث فيها واحدة تلو الأُخرى.

الأُولى : ما هو السبب لطرح هذه المسألة في علم الكلام ؟

ربّما يسأل الإنسان نفسَه عما هو السبب لطرح مسألة وحدة الطلب والإرادة ( كما عليه الإمامية والمعتزلة ) أو تعددهما ( كما عليه الأشاعرة ) وما دور تلك المسألة في علم الكلام ؟

ويعلم السبب من خلال الوقوف على سيرها التاريخي.

إنّ صفاته سبحانه تنقسم إلى ذاتي وفعلي ، والمائز بينهما هو أنّ الأوّل أُحادي التعلّق ، بمعنى أنّه لا يقبل النفي والإثبات ، وهذا كالعلم والقدرة ، فهو سبحانه يعلم ويقدر على الإطلاق ولا يصحّ أن يقال ولو في مورد خاص لا يعلم ولا يقدر عليه ، وهذا بخلاف صفات الفعل المنتزعة من إيجاده سبحانه وخلقه ، فهي ثُنائية التعلّق ، أي تقبل النفي والإثبات ويقال : يُحيي ولا يحيي ، يميت ولا يميت ، يخلق ولا يخلق ، ولو باعتبار تعلّق أحدهما بموجود والآخر بغيره.

280

وقد ذكر شيخنا الكليني ذلك الميزان في كتاب الكافي حيث قال : ألا ترى انّا لا نجد في الوجود ما لا يُعلم ولا يُقدر عليه وكذلك صفاته الذاتية الأزلية ، فلسنا نصفه بقدرة ، وعجز ، وعلم ، وجهل ، وسفه ، وحكمة ، وعزة ، ودولة. ولكن يجوز أن يقال : يُحب من أطاعه ، ويُبغض من عصاه ، ويُوالي من أطاعه ، ويُعادي من عصاه ، وانّه يرضى و يسخط ، إلى آخر ما أفاد. (1)

هذا وقد اختلفت كلمة أهل العلم في صفة التكلّم ، فأهل الحديث أي أتباع أحمد بن حنبل ( المتوفّى عام 241 هـ ) والأشاعرة الذين يقتفون أثر الشيخ أبي الحسن الأشعري ( 260 ـ 324 هـ ) على أنّها من صفات الذات كالعلم ، والقدرة والإرادة ، وهي غير هذه الثلاثة.

واختارت الإمامية والمعتزلة أنّها من صفات الفعل وإن اختلفت الطائفتان في كيفيّة تقرير كونها من صفات الفعل بعد الاتفاق على عدم كونها من صفات الذات ، وسيوافيك الفرق بين التقريرين.

ولما كان القول بأنّ التكلّم من صفات الذات مستلزماً لكونه قديماً كالذات ذهب أهل الحديث والأشاعرة برُمّتهم إلى أنّ كلامه سبحانه قديم ليس بمخلوق.

قال أحمد بن حنبل : القرآن كلام اللّه ليس بمخلوق ، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ، ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ، ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل ، ومن زعم بأنّ ألفاظنا وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام اللّه ، فهو جهمي ، ومن لم يُكفّر هؤلاء القوم فهو مثلهم. (2)

وعلى هذا اتّفقت الحنابلة والأشاعرة على أنّ التكلّم وصف ذاتي قديم ، و كلامه مثل ذاته قديم ، وبالتالي : القرآن قديم.

____________

1 ـ الكافي : 1/111.

2 ـ السنة : 49.

281

وبذلك تشبّهوا في كلامهم هذا من غير وعي بقول النصارى ، حيث قالوا : بأنّ المسيح كلمة اللّه وهي قديمة ، وهؤلاء أيضاً قالوا بأنّ القرآن كلام اللّه وهو قديم ، وقد أثبتنا في بحوثنا الكلامية أنّ القول بأنّ التكلّم من صفات الذات وانّ كلامه قديم والقرآن أمر غير حادث ، إنّما تسرّب من قبل علماء النصارى الذين كان لهم صلة وثيقة بعلماء البلاط الأموي والعباسي. (1)

ثمّ بعد الاتّفاق بأنّ التكلّم من صفات الذات اختلفت الأشاعرة والحنابلة في تفسير تلك الصفة ، فالحنابلة قالوا بأنّ كلامه وحروفه وجمَله وأصواته قديمة حالّة في الذات (2) ، ولما كان هذا القول واضح البطلان ، حاول الإمام الأشعري ـ لما تاب عن الاعتزال والتحق بأهل الحديث ـ حاول أن يصحح عقيدة أهل الحديث بكون التكلّم من صفات الذات وانّه قديم بقدم الذات ، خالياً عن تلك الوصمة العالقة بعقيدة أهل الحديث ، وذلك من خلال تفسير كلامه بالكلام النفسي.

وكان من نتائج القول بالكلام النفسي هو تعدد الطلب والإرادة ، وسيوافيك عند دراسة أدلة الأشاعرة انّ القول بالكلام النفسي يلازم تعدد الطلب والإرادة.

الثانية : ما هو المراد من الكلام النفسي ؟

إنّ الكلام النفسي الذي طرحه الإمام الأشعري في تفسير كلامه سبحانه قد اكتنفه غموض كثير ، حتى أنّ المحقّق الطوسي وصفه بأنّه غير معقول ، وقال : والنفساني غير معقول. (3)

وقد نقل الشريف المرتضى عن شيخه المفيد أنّه كان يقول : ثلاثة أشياء لا

____________

1 ـ انظر كتاب بحوث في الملل والنحل : 3/379 ، لشيخنا الأُستاذ ( مد ظله ).

2 ـ شرح المواقف : 8/92.

3 ـ كشف المراد : قسم الإلهيات : 32.

282

تُعقل ، وقد اجتهد المتكلمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلّ حيلة فلم يظفروا منهم إلاّ بعبارات تناقض المعنى فيها مفهوم الكلام ، اتحاد النصرانية يعني التثليث مع ادّعاء التوحيد ، وكسب النجارية ، وأحوال البهشمية. (1)

وكان على الشيخ المفيد أن يعطف عليها الكلام النفسي.

وعلى الرغم من ذلك ففي الأشاعرة من تصدّى لتفسيره ، منهم :

1. قال العضدي في « المواقف » : هو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ ونقول هو الكلام حقيقة ، وهو قديم قائم بذاته تعالى ، وهو غير العبارات ، إذ قد تختلف بالأزمنة والأمكنة ، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي. (2)

2. الفاضل القوشجي في شرحه على تجريد الاعتقاد ، فقال : إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك ، يجد في نفسه معاني يعبر عنها بالألفاظ التي يسمّيها بالكلام الحسّي ، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه ، هو الذي نسمّيه الكلام النفسي. (3)

3. وقال الفضل بن روزبهان ( المتوفّى عام 927 هـ ) في ردّه على كتاب العلاّمة باسم كتاب نهج الحقّ :

إذا أراد المتكلّم بالكلام ، فهل يفهم من ذاته أنّه يزوّر ويرتب المعاني فيعزم على التكلم بها ، كما انّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فانّه يرتب معاني وأشياء ويقول في نفسه سأتكلم بهذا ؟ فالمنصف يجد في نفسه هذا ألبتة. (4)

____________

1 ـ الفصول المختارة : 2/128 ـ 129 ط النجف الأشرف.

2 ـ شرح المواقف : 8/94.

3 ـ شرح التجريد للقوشجي : 420.

4 ـ محمد حسين المظفر ، دلائل الصدق : 1/146.

283

ما ذكره هؤلاء الأعلام أوضح شيء وقفت عليه في الكتب الكلامية للأشاعرة. ومع ذلك كلّه فما ذكروه لا يسمن ولا يغني من جوع ، لأنّ التكلّم عندهم من صفات الذات وصفة التكلّم عندهم غير صفة الإرادة والعلم ، وما ذكروه من المعاني المنتظمة في النفس التي لاتختلف مع اختلاف اللغات ترجع إلى أحد الأمرين : إمّا معاني إخبارية فترجع إلى التصور والتصديق ، أو إنشائية فترجع إلى الإرادة والكراهة ونظائرهما من الترجي والتمني والاستفهام ، فعندئذ يكون الكلام النفسي من فروع العلم في الإخبار ، وفروع الإرادة والكراهة في الإنشائيات.

وبذلك أصبح الكلام النفسي بين الأُحجيّة واللغز وما يرجع إلى العلم والإرادة.

إلى هنا تمّ الكلام في النقطة الثانية.

الثالثة : أدلّة الأشاعرة على الكلام النفسي

استدلّت الأشاعرة على وجود الكلام النفسي بوجوه نذكر منها أربعة :

الأوّل : استدلّ السيد الشريف على الكلام النفسي وتبعه الفضل بن روزبهان في شرحه على كتاب « نهج الحقّ » للعلاّمة الحلي بأنّ الرجل قد يأمر بما لا يريده ، كأمره للاختبار فليس فيه الإرادة ولكن يطلق عليه الأمر ، وهذا دليل على وجود شيء في النفس المصحح لإطلاق الأمر عليه ، وليس هو إلاّ الطلب وهو الكلام النفسي. (1)

فهذا الدليل متضمّن لإثبات الكلام النفسي كما يتضمن تعدد الإرادة والطلب.

والجواب : أنّ الأوامر الاختبارية على قسمين :

____________

1 ـ شرح المواقف : 8/94.

284

قسم تتعلّق الإرادة فيه بنفس المقدمة ، ويكون نفس الفعل غير مراد ، كما هو الحال في الأمر بذبح إسماعيل ، فانّ المقصود هو ترفيع إبراهيم بهذا العمل حتى يُؤثر رضا ربِّه على عواطفه النفسية ، وهذا يتم بالتهيؤ للعمل من خلال الإتيان بالمقدمات ولذلك لما جاء إبراهيم بالمقدمات أُوحي إليه ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُُّّؤيا ). (1)

ففي هذا القسم نمنع عدم وجود الإرادة ، بل هي موجودة متعلّقة بالمقدمة ، وبذلك ينخرم الاستدلال ، لأنّه مبني على عدم وجود الإرادة حتى يثبت بذلك وجود شيء آخر باسم الطلب الذي يصحِّح صدق الأمر.

وقسم آخر تتعلّق الإرادة بنفس الإنشاء دون المقدّمة ولا ذيها ، وهذا كما إذا أمر الوالد ولده بالأمر لغاية تدريبه للرئاسة وتدبير الأُمور ، ففي هذا المقام أيضاً الإرادة موجودة لتعلّقها بنفس الأمر بالأمر.

وبذلك ظهر أنّه ليس في الأوامر الاختيارية مورد يفقد الإرادة حتى نحتاج في تصحيح الأمر إلى شيء ثان باسم الطلب.

الثاني : انّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كُلّف به أهل الطاعة والإيمان ، وتكليفهم لا يكون ناشئاً من إرادة اللّه سبحانه ، وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده ، فلابدّ أن يكون هناك مبدأ آخر للتكليف وهو الطلب. وهذا يدل على تغاير الإرادة والطلب أوّلاً ، ووجود صفة أُخرى في ذاته غير الإرادة.

وحاصل الاستدلال : أنّ الأمر في مورد العصاة والكفّار لا يخلو من حالتين :

1. إمّا أن تكون هناك إرادة من اللّه بالنسبة إليهما.

2. أو لا تكون إرادة منه إليهما.

____________

1 ـ الصافات : 105.

285

فعلى الأوّل يكون هؤلاء مكلفين لكن يلزم تفكيك المراد من الإرادة ، بشهادة المخالفة.

وعلى الثاني يلزم عدم كونهم مكلفين فلا يصحّ العقاب. (1)

فلا محيص عن القول بأنّهم مكلّفون لا بملاك الإرادة بل بملاك الطلب ، وتفكيكه عن المطلوب غير ضائر.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بالتفكيك بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية ، بأنّ ما لا ينفك عن المراد هي الأُولى من الإرادتين دون الثانية ، وإليك نص كلامه حيث قال :

إنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينية وهو العلم بالنظام على النحو الكامل التام دون الإرادة التشريعية وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف ، ومالا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية. (2)

ثمّ إنّه (قدس سره) أورد في مسألة أُخرى وهي أنّ سبب الإطاعة والإيمان هو موافقة الإرادة التشريعية من اللّه مع الإرادة التكوينية منه ، فعندئذ يختار العبد الإيمان والطاعة ، وسبب الكفر والعصيان مخالفة الإرادة التشريعية مع التكوينية منه سبحانه ، فالتشريعية تتعلّق بالإيمان والطاعة ، والتكوينية منه تتعلق بالخلاف فيصدر منه الكفر والعصيان.

أقول : إنّ ما ذكره ذيلاً خارج عمّا هو المطلوب في المقام ولذلك نرجئه إلى المقام الثاني الذي يأتي بعد الفراغ عن مسألة وحدة الطلب والإرادة وتعدّدهما.

ولو كان (قدس سره) مقتصراً بما قبل الذيل لأغنانا عن الخوض في المسألة الثانية غير أنّ كلامه في الذيل جرّه إلى البحث عن الجبر والاختيار إلى أن وصل إلى مقام

____________

1 ـ شرح المواقف : 8/95.

2 ـ الكفاية : 1/99.

286

انكسر رأس يراعه ، ونحن نرجع إلى ذلك البحث بعد الفراغ من وحدة الطلب (1) والإرادة وعدمها.

وعلى كلّ حال فما ذكره في الجواب غير صحيح لوجهين :

الأوّل : أنّ تفسير الإرادة في كلا الموردين بالعلم تفسير خاطئ لاستلزامه إنكار الإرادة في ذاته ـ تقدّست أسماؤه ـ والفاعل الفاقد للإرادة أشبه بالفاعل غير المختار ، وهو إنكار لذات جامعة لجميع الصفات الجمالية والجلالية.

الثاني : انّ ظاهر كلامه أنّ الإرادة التكوينية تتعلّق بفعل النفس ولذلك لا تنفك عن المراد لكونها تحت اختيار النفس ، والإرادة التشريعية تتعلق بفعل الغير ، وبما أنّه خارج عن اختيار النفس ربّما تنفك الإرادة عن المراد فيريد المولى شيئاً ويريد العبد شيئاً آخر.

ولكنّه غير تام ، لأنّ الإرادة لا تتعلق إلاّ بما يقع تحت اختيار المريد ، والذي هو تحت اختيار الفاعل إنّما هو أفعاله ، سواء كان مبدأً للتكوين أو مبدأً للتشريع ، وأمّا فعل الغير فهو خارج عن اختيار الآمر فكيف تتعلق الإرادة بالخارج عن حيطة اختياره ؟

والحاصل : أنّ دراسة ماهية الإرادة يدفعنا إلى القول بأنّها لا تتعلق إلاّ بما يقع تحت اختيار المريد وهو ليس إلاّ فعل نفسه ، وأمّا فعل الغير فهو خارج عن اختياره ، فكيف يطلبه ويريده من دون فرق بين أن يكون الآمر هو اللّه سبحانه أو الموالي العرفية.

نعم انّ اللّه سبحانه قادر على أن يلجئه إلى الطاعة ولكن المفروض غير ذلك وأنّ المطلوب قيامه بالفعل عن اختيار.

____________

1 ـ لاحظ ص 296.

287

وبهذا تبيّن أنّ جواب المحقّق الخراساني غير تام.

والأولى في الجواب أن يقال : انّ الإرادة في كلا المقامين تعلقت بفعله سبحانه وأنّه ليس هنا أي تفكيك بين الإرادة ومتعلقها ، ففي القسم التكويني منها تعلقت بإيجاد العالم ، فإذا قال له كن فيكون.

وفي القسم التشريعي تعلقت إرادته بإنشاء البعث وانشاء الطلب وقد تحقّق الانشاء ولم يلزم منه تفكيك الإرادة عن المراد.

وعلى ضوء ذلك نحن نختار أنّ الكفار والعصاة مكلّفون ، وملاك التكليف إرادته سبحانه لكن ليس متعلقها أفعالهم الجوانحية والجوارحية ، بل متعلقها إنشاء البعث والطلب وإقامة الحجة عليهم ، وهو متحقّق. ويكفي هذا المقدار كونهم مكلفين.

الثالث : ما ذكره الفضل بن روزبهان ، قال : إنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم ، وخالق الكلام لا يقال انّه متكلّم ، كما أنّ خالق الذوق لا يقال انّه ذائق ، فيجب أن يكون كلامه قائماً بنفسه وذاته ، وليس هو إلاّ الكلام النفسي. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما استدلّ به مبني على أنّ الهيئة موضوعة للدلالة على القيام الحلولي ، وعليه لا يكون سبحانه متكلماً إلاّ بحلول الكلام في ذاته ، وبما أنّ حلول الحروف والجمل والأصوات في ذاته أمر محال فالحال في ذاته هو الكلام النفسي أي المعاني المنتظمة.

ولكن المبنى غير تام ، إذ قد يكفي في صدق المشتق قيام المبدأ بالذات بنحو من الأنحاء سواء كان القيام حلولياً كالحي والميت أو صدورياً كالضارب ، أو لأجل صلتها بالمبدأ كاللابن والتامر ، وليس صدق المشتقات بإحدى هذه

____________

1 ـ دلائل الصدق : 1/147.

288

الملابسات قياسياً حتى يقاس الذائق والطاعم على المتكلّم ويستدل بصدق الأخير على صدق الأولين.

ويمكن أن يقال : انّ اختلاف المبادئ من حيث التعدية واللزوم يوجب صدق بعض المشتقات عليه سبحانه دون بعض ، فما كان منها متعدياً ، يكفي فيه الإيجاد والصدور ، ويستند إليه سبحانه ، كالقابض والباسط والمتكلّم ، وما كان من قبيل اللازم يشترط فيه الحلول فلا يطلق عليه سبحانه كالنائم والذائق والقائم.

ثمّ إنّ هذا الدليل يركِّز على إثبات الكلام النفسي ولا صلة له بوحدة الطلب والإرادة أو تعدّدهما.

ومثله الدليل التالي.

الرابع : انّ الكلام كما يصحّ إطلاقه على الكلام اللفظي كذلك يصحّ إطلاقه على الكلام الموجود في النفس ، كما في قوله سبحانه : ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُور ) (1) فأطلق « القول » على الموجود في الذهن. وقوله سبحانه : ( إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسبكُمْ بِهِ اللّه ). (2)

والجواب عن الآية الأُولى : انّ إطلاق القول فيها على الموجود في الضمير من باب العناية فانّ القول من التقوّل باللسان فلا يطلق على المعاني المنتظمة في النفس إلاّ بالعناية كما يقول الإنسان : إنّ نفسي صحيفة علم ، وأمّا الآية الثانية فلا صلة لها بالمقام لأنّـها ترجع إلى أنّ نية السوء يُحاسَب بها العبد.

وحصيلة البحث : انّ الكلام النفسي أمر باطل وما تصوّروه من الكلام النفسي فهو في الإنشائيات من قسم الإرادة والكراهة أو التمنّي والترجّي أو الاستفهام ، وفي الإخبار من قبيل التصوّر والتصديق ، فإذا كان المبنى باطلاً فما فرّعوا عليه من تغاير الطلب والإرادة مثله.

____________

1 ـ الملك : 13.

289

الرابعة : معنى كونه سبحانه متكلّماً عند العدلية

اتّفق المسلمون على أنّ من صفاته سبحانه كونه متكلّماً ولكن اختلفوا في تفسيره إلى مذاهب أربعة :

أ. إنّه سبحانه متكلّم بمعنى حلول الحروف والأصوات والجمل والكلمات في ذاته ، وهو مذهب أهل الحديث.

ب. انّه متكلّم بالكلام النفسي ، وهو مذهب الشيخ الأشعري الذي قام به بإصلاح عقيدة أهل الحديث ، وقد زاد الطين بلّة.

ج. انّه سبحانه متكلّم بمعنى أنّه يوجد ألفاظاً في الشجر والجبل والحجر ، وهذا مذهب المعتزلة.

د. كلامه سبحانه فعله وهو نظرية الإمامية.

قد وقفت على التفسيرين الأوّلين وضعفهما ، وإليك التفسير الثالث الذي عليه أئمّة المعتزلة.

قالوا : كلامه سبحانه أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو النبي ، وقد صرح بذلك القاضي عبد الجبار ، فقال : حقيقة الكلام الحروف المنظومة والأصوات المقطعة ، وهذا كما يكون منعِماً بنعمة تُوجد في غيره ، ورازقاً برزق يوجد في غيره ، فهكذا يكون متكلّماً بايجاد الكلام في غيره ، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ تفسير التكلّم بهذا المعنى لا يختص بالمعتزلة بل

____________

1 ـ شرح الأُصول الخمسة : 528 ؛ شرح المواقف : 495.

290

هو شيء تقبله عامة الطوائف الإسلامية ، وهذا هو شارح المواقف يقول : هذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره ، بل نحن نقوله ونسمّيه كلاماً لفظيّاً ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى ولكن نُثبت أمراً وراء ذلك.

وثانياً : أنّ تفسير التكلّم بهذه الصورة إنّما يصح فيما إذا كلّم سبحانه شخصاً من أنبيائه كما في قوله سبحانه : ( وَكَلّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً ) (1). وليس تكليمه ـ عندئذ ـ منحصراً بما ذكر ، بل له أقسام ثلاثة أشار إليها سبحانه في بعض الآيات ، فقال : ( وَما كانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّه إِلاّ وَحياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنّهُ عَليٌّ حَكِيم ). (2)

وقد بين تعالى انّ تكليمه الأنبياء لا يعدو عن الأقسام التالية :

1. ( إِلاّ وَحياً ).

2. ( أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب ).

3. ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ).

فقد أشار بقوله ( إِلاّ وَحياً ) إلى الكلام الملقى في روع الأنبياء بسرعة وخفاء.

كما أشار بقوله ( أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب ) إلى الكلام المسموع لموسى (عليه السلام) في البقعة المباركة. قال تعالى : ( فَلَمّا أَتاها نُوديَ مِنْ شاطِىِ الوادِ الأَيْمَن فِي البُقْعَةِ المُباركةِ مِنَ الشَّجَرةِ أَنْ يا مُوسى إِنّي أَنَا اللّهُ رَبُّ العالَمِين ). (3)

وأشار بقوله ( أَوْ يُرسل رَسُولاً ) إلى الإلقاء الذي يتوسط فيه ملك الوحي ، قال سبحانه : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ * عَلى قَلْبِك ). (4)

____________

1 ـ النساء : 164.

2 ـ الشورى : 51.

3 ـ القصص : 30.

4 ـ الشعراء : 193 ـ 194.

291

ففي الحقيقة الموحي في الأقسام الثلاثة هو اللّه سبحانه تارة بلا واسطة بالإلقاء في الروع ، أو بالتكلّم من وراء حجاب بحيث يسمع الصوت ولا يرى المتكلّم ، وأُخرى بواسطة الرسول ( أمين الوحي ) ، فهذه الأقسام الثلاثة هي الواردة في الآية المباركة.

هذا كلّه حول مذهب المعتزلة ؛ وأمّا مذهب الإمامية فحاصله ما يلي :

مذهب الإمامية في كونه متكلّماً

مذهب الإمامية ، وهو يتركب من أمرين :

أ. حقيقة كلامه إذا خاطب الأنبياء وهذا هو الذي سبق تفسيره.

ب. وصفه بالتكلّم إذا لم يكن هناك مخاطب خاص ، فلابدّ من تفسيره بوجه آخر ، وهو أنّ كلامه ليس من قبيل الأصوات والألفاظ ، بل عبارة عن الأعيان الخارجيةوالجواهر والأعراض ، وقد سمّى سبحانه فعله كلاماً في غير واحد من الآيات ، كما سيوافيك ، وتسمية الكون بعامّة أجزائه كلاماً لأجل أنّه يفيد ما يفيده الكلام اللفظي.

توضيحه : أنّ الكلام في أنظار الناس هو الحروف والأصوات الصادرة من المتكلّم ، القائمة به وهو يحصل من تموج الهواء واهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج ، زال الكلام معه ، ولكن الإنسان الاجتماعي يتوسّع في إطلاقه ، فيطلقه على الخطبة المنقولة ، والشعر المروي مع أنّ الكلام الواقعي قد زال بزوال الموجات والاهتزازات ، وليست الخطب والأشعار المكتوبة منها ، ومع ذلك يطلق عليهما الكلام توسّعاً ، ووجه التوسّع اشتراك الثاني مع الأوّل في الأثر وهو الكشف عمّا في

292

ضمير الإنسان.

كما يتوسّع أكثرمن ذلك فيطلقه على كلّ فعل يكشف عمّا في ضمير الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال ، غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر وضعيّة اعتبارية ، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل من العظمة ، تكوينية.

ولأجله نرى أنّه سبحانه يسمّي عيسى بن مريم كلمة اللّه ويقول : ( يا أَهلَ الكتاب لاتَغْلُوا فِي دينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلى اللّه إِلاّ الحَقَّ إِنّما المَسِيحُ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلمتُهُ أَلقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه ) (1) وجه الإطلاق هو أنّ ولادة المسيح من أُمّه من دون أن يكون هناك لقاح الذكر والأُنثى ، يعد آية من آياته ومعجزة من المعاجز وكاشفاً عن قدرته وعظمته سبحانه.

وفي ضوء هذا الأصل يَعُدّ سبحانه كلّ ما في الكون من كلماته ويقول : ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلماتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلهِ مَدَداً ). (2)

ويقول سبحانه : ( وَلَوْ أَنَّما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّه ). (3)

قال أمير المؤمنين وسيد الموحدين (عليه السلام) في « نهج البلاغة » :

« يُخْبِرُ لا بِلسان وَلَهَوات ، ويَسْمَعُ لا بخُروق وأدوات ، يقولُ ولا يَلفِظُ ، وَيَحْفَظُ ولا يَتَحَفَّظُ ، وَيُريد ولا يُضْمِر ، يُحِبّ ويرضى مِنْ غَيرِ رِقَّة ، وَيُبْغِضُ وَيغضب من غير مشقّة ، يقول لمن أراد كونه : كن. فيكون ، لا بصوت يُقْرَع ، ولا

____________

1 ـ النساء : 171.

2 ـ الكهف : 109.

3 ـ لقمان : 27.

293

بِنداء يُسمَع ، وإنّما كلامه سبحانه فِعْلٌ منه أنشأه وَمَثَّلَهُ ، لم يكن من قبل ذلك كائناً ، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً ». (1)

وقد نقل عنه (عليه السلام) أنّه قال مبيّناً عظمة خلقة الإنسان :

أتزعم أنّك جرمٌ صغيرٌ* * *وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ

وأنت الكتابُ المبينُ الذي* * *بأحرُفِهِ يَظهَرُ المُضْمَرُ

فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلماته ، وتخبر عمّا في المبدأ من كمال وجمال وعلم وقدرة.

وإلى ذلك يشير المحقّق السبزواري في منظومته بقوله :

لسالك نهج البلاغة انَتَهَج* * *كلامه سبحانه الفعل خَرَج

إنّ تَدْرِ هذا ، حمدَ الأشيا تعرِف* * *إن كلماتُه إليها تُضف (2)

إلى هنا تمّ البحث عن النقطة الرابعة ، وحان البحث عن النقطة الخامسة وهي موقفنا من اتحاد الطلب والإرادة.

الخامسة : موقفنا من وحدة الطلب والإرادة

قد عرفت أنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى اتّحاد الطلب والإرادة في المـراحـل الثلاث ، أي مفهوماً وإنشاءً ومصداقاً ، ولكن مقتضى التحقيق خلاف ما أفـاد.

أمّا المرحلة الأُولى أي وحدتهما مفهوماً فهو غير تام للفرق بينهما بوجوه :

1. المفهوم من الطلب ، غير المفهوم من الإرادة ، بدليل عدم صحّة استعمال الطلب مكان الإرادة وبالعكس يقول سبحانه : ( يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ

____________

1 ـ نهج البلاغة ، الخطبة 179 ، ج2 ، ص 122 ، ط عبده.

2 ـ شرح منظومة السبزواري ، لناظمها ، ص 190.

294

بِكُمُ الْعُسْر ) (1) ولكن لا يصحّ أن يقال يطلب اللّه منكم اليسر ولا يطلب منكم العسر.

قال رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ». (2) فلا يقوم مكانه الإرادة ، بأن يقال إرادة العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة.

2. تستعمل الإرادة فيما إذا كان المراد قريب الوصول غير محتاج إلى مقدمات كثيرة ، بخلاف الطلب فانّه السعي الذي يكون الوصول إلى المطلوب رهن مقدّمات كثيرة.

3. الإرادة أمر قلبي جانحي ، والطلب أمر خارجي جارحيّ.

ومع هذه الاختلافات كيف يمكن ادّعاء الترادف بين اللفظين ، وانّهما متحدان مفهوماً.

وأمّا المرحلة الثانية : مرحلة الإنشاء والاعتبار فالمشكلة فيها تكمن في أنّ الأُمور الاعتبارية ، بما أنّها أُمور عرفية ترجع حقيقتها إلى جعل مثال لأمر خارجي ملموس كالزوجية والمالكية ، وأمّا الأُمور البعيدة عن الحسّ القائمة بالنفس كالإرادة ، فلا تمس الحاجة إلى جعل فرد اعتباريّ منها حتى يسمّى بالإرادة الإنشائية أو بالترجّي أو التمنّي الإنشائيين ، بل غاية ما يطلبه العقلاء في تلك الموارد ، إظهارها وإبرازها.

وأمّا الطلب فلا مانع من جعل فرد انشائي يقوم مقام فرد تكويني ، فانّ الإنسان ربّما يطلب خروج زيد من البيت ، فتارة يقوم بالتكوين ، فيأخذه بيده ويُخرجه منه ، وأُخرى بإنشاء ذلك الأمر التكويني ، بالإشارة باليد أو الحاجب ، أو التكلّم بلفظ أخرج.

____________

1 ـ البقرة : 185.

2 ـ الكافي : 1/30.

295

وبذلك اتضح انّه ليس لنا إرادة إنشائية ، وأمّا الطلب فله وجود تكويني وإنشائي ، ومعه كيف يمكن أن يتّحدان في مقام الإنشاء مع أنّه ليس للإرادة فرد إنشائي ؟!

وأمّا المرحلة الثالثة : أي عدم اتحادهما مصداقاً ، فلأنّ الإرادة التكوينية من الأُمور النفسانية موطنها النفس والطلب من الأُمور الجوارحية ، موطنها الخارج عن حيطة النفس ، فكيف يمكن الحكم باتحادهما ؟!

وبذلك تبيّن تغاير الطلب والإرادة في المراحل الثلاث ، لكن لا بالمعنى الذي عليه الشيخ الأشعري ، فانّ الكلام النفسي باطل ، ومع ذلك فالطلب يغاير الإرادة في عامّة المراحل.

ومن آفات التحقيق قلة التتبع ، وأنّ أكثر المفكرين يغترون بإبداعاتهم دون أن يتحملوا عبء التحقيق ، وعلى ذلك فلا غرو في رمي المحقّق الخراساني النزاعَ القائم بين الأشاعرة والمعتزلة طِوال قرون على قدم وساق ، باللفظي و انّ من قال بالوحدة ، فقد رام وحدة كلّ مع الآخر ، مع حفظ المرحلة ، فقال : إنّ كلاًمنهما متحدان مفهوماً وإنشاء ومصداقاً ، و من قال بالتعدد ، فقد نسب الفرد الحقيقي من الإرادة مثلاً إلى الفرد الإنشائي منه ، ثمّ تبجّح (قدس سره) بتحقيقه وتصليحه فقال « ثمّ إنه يمكن مما حققنا ان يقع الصلح بين الطرفين و لم يكن نزاع في البين بأن يكون المراد من حديث الاتحاد ، ما عرفت من العينية مفهوماً ووجوداً حقيقياً وإنشائياً ، ويكون المراد من المغايرة والاثنينية ، هو اثنينية الإنشائي من الطلب ، والحقيقي من الإرادة.

ولكنّك بعد الوقوف على السير التاريخي للمسألة تقف على عدم صحّة هذا النوع من التصالح وأنّ النزاع حقيقي ، كيف ؟! وكان النزاع بين الطائفتين ، عنيفاً ، والتاريخ يعبّر عنه بمحنة أحمد وأتباعه.

296

إكمال

إنّ المحقّق الخراساني لما ذكر أنّ للّه سبحانه إرادتين : تكوينية وتشريعية ، وانّ ما لا ينفك عن المراد إنّما هو القسم الأوّل لا الثاني ، عرج على مبحث آخر من دون ملزم ، وهو أنّ الإيمان رهن موافقة الإرادة التكوينية للّه سبحانه مع الإرادة التشريعية منه ، كما أنّ الكفر والعصيان رهن مخالفتهما ، فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة والإيمان ، وإذا تخالفتا فلا مناص من اختيار الكفر والعصيان.

ثمّ إنّه بعد ما ذكر هذا لمع في ذهنه إشكالان ذكرهما بصيغة السؤال والجواب ، نذكرهما كالتالي :

الإشكال الأوّل : فإذا كان الكفر والعصيان ، والإطاعة والإيمان بإرادته سبحانه التي لا تتخلف عن المراد فلا يصحّ أن تتعلّق بها الإرادة لكونها خارجية عن الاختيار المعتبر في التكليف عقلاً.

هذا هو السؤال أو الإشكال.

فأجاب عنه : بأنّ تعلّق الإرادة التكوينية بفعل الإنسان لا يلازم الجبر لأنّها تعلّقت بصدور الفعل عن العبد بقيد الإرادة والاختيار ، فلو صدر عنه جبراً يلزم تخلّف إرادته عن مراده تعالى.

وبالجملة هناك أُمور ثلاثة :

الأوّل : تعلّق الإرادة الإلهيّة بفعل العبد.

الثاني : تعلّقها بصدور الفعل عنه لكن لا مطلقاً ، بل عن إرادة واختيار.

الثالث : ما يترتّب على فعل العبد من الكفر والعصيان.

وإنّما يلزم الجبر لو لم يتوسط الثاني بين الأوّل والثالث.

الإشكال الثاني : إنّ الكفر والإيمان وإن صدرا عن العبد بإرادة واختيار إلاّ

297

أنّ هنا أمراً آخر يُضفي على الفعل طابَع الجبر ، وهو أنّ كلّ ما في الكون قد تعلقت به الإرادة الأزلية والمشيّة الإلهية ، وبما أنّ الإرادة جزء من صحيفة الكون ، فقد تعلّقت بها الإرادة الأزلية ، فيصبح وجودها أمراً حتمياً ، ومعه لا يكون الفعل أمراً اختيارياً.

وأجاب عنه (قدس سره) بقوله : إنّ ثمة أُموراً أربعة :

الأوّل : العقاب.

الثاني : الكفر والعصيان.

الثالث : الاختيار والانتخاب.

الرابع : الشقاء الذاتي.

والأوّل مسبب عن الثاني وهكذا ، فالعقاب مسبب عن الكفر ، وهو بدوره مسبب عن الاختيار الذي ينتهي إلى الشقاء الذاتي. وحيث إنّ الذاتي لا يعلل فلا يصحّ القول لم جعل السعيد سعيداً والشقي شقياً. فانّ السعيد سعيد في بطن أُمّه ، والشقي شقي في بطن أُمّه. فلا مناص من دخول الكافر النار كما لا مناص من دخول المؤمن الجنة ، لكون الأوّل شقيّاً بالذات والثاني سعيداً كذلك.

وبما انّ المحقّق الخراساني لم يخرج من البحث بنتيجة باهرة بل أثار في نفس الوقت إشكالين لم يخرج من عهدة الاجابة عنهما ، وهما :

1. انّ كفر الكافر متعلّق الإرادة الأزلية فلا محيص عن كفره.

2. انّ عقوبة الكافر معلول للشقاء الذاتي ولو بوسائط فلا مناص من كفره.

وكلا الإشكالين لا ينتجان إلاّ الجبر.

اعتذر عن هذه النتيجة السيئة للبحث بقوله : « قلم اينجا رسيد سر

298

بشكست » أي وصل اليراع هنا وانكسر رأسه ، كناية عن عدم الخروج بنتيجة صحيحة.

وهذا ما دعانا إلى عقد بحث مستقل حول الجبر والتفويض وإن كان البحث فيه استطراداً. (1)

ولولا كلام المحقّق الخراساني في المقام لاقتصرنا على القدر الذي قدّمناه.

____________

1 ـ بما انّ هذا البحث من بحوث شيخنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ كان بحثاً مسهباً مترامي الأطراف ننشره مستقلاً بفضل من اللّه سبحانه.

299

الفصل الثاني

في صيغة الأمر

وفيه مباحث :

المبحث الأوّل

ما هو معنى صيغة « افعل » ؟

قد خصّصنا المبحث الأوّل من مباحث هذا الفصل لبيان الموضوع له لصيغة « افعل » كما خصّصنا المبحث الثاني لبيان كيفية استفادة الوجوب والندب منها. غير أنّ القدماء خلطوا بين المبحثين والأولى ما صنعه صاحب الكفاية فقد فصل المبحث الأوّل عن الثاني ، فنقول :

لا شكّ أنّ صيغة افعل تستعمل ويراد منها البعث تارة ، والتمنّي ثانياً ، كقول امرئ القيس :

ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجلي* * *بصبح وما الإصباح منك بأمثل

والتعجيز ثالثاً كقوله سبحانه : ( وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ ). (1)

____________

1 ـ البقرة : 23.

300

والتحقير رابعاً كقوله سبحانه : ( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُور ) (1) إلى غير ذلك من المعاني التي تراد من صيغة الأمر.

إنّما الكلام فيما هو الموضوع له لهذه الصيغة ، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّه وضعت لإنشاء الطلب وانّه استعمل في عامّة الموارد في هذا المعنى فلو كان هنا اختلاف فإنّما هو في الدواعي والبواعث فربّما يكون الداعي الطلب الحقيقي ، وأُخرى التمنّي ، وثالثة التعجيز ، ورابعة الإهانة ، فهي موضوعة لانشاء الطلب بلا قيد وشرط ، ومستعملة فيها في عامّة الموارد ، فبما أنّ المستعمل فيه واحد في الجميع وإنّما الاختلاف في الدواعي ، يوصف الجميع بالحقيقة.

لكنّه احتمل في ذيل كلامه أنّ استعمالها فيما إذا كان الداعي ، هو البعث والتحريك ، حقيقة وفي غيره كالتمني والتعجيز مجاز ، لا لأجل الاختلاف في المستعمل فيه ، لأنّه واحد حسب المفروض ، بل لأجل كون الوضع لإنشاء الطلب مقيّداً بما إذا كان الداعي هو التحريك لا غيره. فلأجل تخلّف شرط الوضع توصف سائر الاستعمالات بالمجازية.

يلاحظ عليه بأُمور :

1. الظاهر أنّ هيئة افعل موضوعة للبعث الإنشائي مكان البعث التكويني ؛ كما في بعث العبد والغلام إلى العمل ، باليد ، وكإغراء الكلب المعلَّم للصيد. نعم لازم البعث الإنشائي هو كون المأمور به مطلوباً ومراداً ، ويدل على ذلك أنّ مفاد « افعل » مضاد لمفاد « لا تفعل » و مفاد الثاني هو زجر المكلف عن الفعل فيكون مفاد « افعل » هو بعثه نحو الفعل.

2. انّ ما احتمله في آخر كلامه بأنّ استعماله فيما إذا كان الداعي غير التحريك مجاز ، غير صحيح على مذهبه ، لأنّ المجاز عنده عبارة عن استعمال

____________

1 ـ آل عمران : 119.

301

اللفظ في غير ما وضع له ، والمفروض أنّ صيغة « افعل » مستعملة في عامّة الموارد فيما وضع له ـ أعني : إنشاء الطلب ـ وإنّما الاختلاف في المبادي والبواعث فلا ينطبق عليه حدّالمجاز ، وإنّما ينطبق عليه حدّ الغلط ، لأنّ وضع الهيئة للطلب الإنشائي إذا كان مقيّداً بكون الداعي هو التحريك ، يكون استعماله في الطلب الإنشائي لكن بداعي التعجيز ، خارجاً عما رخّصه الواضع فيكون الاستعمال ـ مع وحدة المستعمل فيه ـ غلطاً نظير استعمال الابتداء الاسمي في المعنى الحرفي وبالعكس ، حيث ذهب المحقّق الخراساني إلى وحدة المعنيين وانّ الاختلاف في شرط الوضع حيث شرط الواضع استعمال كلّ في الابتداء الاسمي أو الحرفي ، فلو عكس يكون الاستعمال غلطاً.

وأمّا على المذهب المختار في المجاز فقد بنى شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة (1) على أنّه مجاز حيث إنّ المجاز يشارك الحقيقة في أنّه استعمال اللفظ فيما وضع له ويختلف عنه بادّعاء الفردية للمعنى الموضوع من المجاز دون الحقيقة مثل المقام حيث يدّعي المشابهة والفردية ، بين الطلب الإنشائي ، والتعجيز ، والتحقير ، والتمنّي.

ولكنّه ـ مدّ ظله ـ عدل عنه في هذه الدورة فبنى على أنّه من قبيل الكنايات بداهة عدم وجود ادّعاء الفردية أو المشابهة بين البعث الإنشائي ، والتعجيز وما عطف عليه. نعم ينطبق عليه حدّ الكناية ، حيث طلب من الليل ، الانجلاء ومن الكافر الإتيان بسورة ، وأريد منه لازمه في هذه الموارد ، وهو التمنّي ، والتعجيز ، والإهانة وغير ذلك. وسيوافيك نظيره في الجمل الاخبارية التي أُريد منها إنشاء الحكم ، كقوله : « ولدي يصلّي » ونقول إنّه من باب الكناية.

تمّ الكلام في المبحث الأوّل.

____________

1 ـ لاحظ المحصول : 1/332.

302

المبحث الثاني

في أنّ الأمر بلا قرينة يدل على الوجوب

هل يتبادر من صيغة الأمر ، الوجوب بالوجوه الأربعة التالية أو لا ؟

ويقع الكلام في مقامين :

الأوّل : تبيين حقيقة الوجوب والندب ثبوتاً وإثباتاً.

الثاني : في حمل الأمر الفاقد للقرينة على أحد المعنيين ، على الوجوب بأحد الوجوه وإليك البيان :

الأوّل : تبيين حقيقة الوجوب والندب ثبوتاً وإثباتاً

انّ الوجوب والندب من أقسام البعث الإنشائي ، وإنّما الكلام فيما يميّز أحدهما عن الآخر فهناك وجوه مذكورة في كتب القوم.

1. الوجوب والندب مشتركان في الطلب الإنشائي غير أنّ أحدهما مقيّد بالمنع عن الترك والآخر مقيّد مع عدم المنع من الترك. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره معنى تحليلي لهما والمطلوب تبيين المعنى المطابقي ، وهذا كالماء له معنى مطابقي ومعنى تحليلي يذكره علماء الكيمياء حيث يفسرونه

____________

1 ـ معالم الدين : 63 ، ط منشورات الرضيّ.