إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
303

بأنّه سائل مركب من عنصري الأُوكسجين والهيدروجين.

2. الوجوب هو الطلب المترتب عليه العقوبة عند المخالفة بخلاف الندب ، فالاستحقاق وعدم الاستحقاق يميّز الوجوب عن الندب.

يلاحظ عليه : أنّ الاستحقاق وعدمه من آثار الوجوب والندب ، والكلام في تبيين واقع المؤثر مع قطع النظر عن الأثر.

3. الوجوب والندب يشتركان في البعث المسبوق بالإرادة ويختلفان في شدّة الإرادة في الأوّل وضعفها في الثاني.

وإن شئت قلت : البعث الإنشائي فعل اختياري للنفس ولابدّ من سبق إرادة تكوينية ، فالإرادة التكوينية إذا كانت شديدة والأغراض والمصالح لازمة الاستيفاء ينتزع عنه الوجوب ، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك فينتزع منه الندب.

وعلى ذلك فالوجوب والندب من المفاهيم البسيطة تنتزعان من طلب نابع من إرادة شديدة أو نابع من إرادة ضعيفة.

هذا كلّه هو الفرق المفهومي من حيث الثبوت ، وأمّا من حيث الإثبات وانعقاد الظهور في أحد الأمرين ، فيمكن استظهاره بالقرائن التالية :

1. كيفية أداء المطلب بشدّة وصلابة أو رخوة وفتور.

2. علو الصوت وانخفاضه.

3. اشتمال الأمر على نون التوكيد وعدمه.

4. الوعيد على الترك وعدمه.

هذا كلّه فيما إذا علم أحد الأمرين ، وأمّا إذا كان الكلام غير مقرون بهذه القرائن ، فهل يمكن أن يستفاد منها الوجوب أو الندب أو لا يستفاد واحد منهما ؟

304

الثاني : حمل الأمر على الوجوب إذا لم يكن قرينة

ذهب الأكثر إلى أنّها ظاهرة في الوجوب واختلفوا في منشأ هذا الظهور إلى وجوه.

الأوّل : دلالة الهيئة على الوجوب بالدلالة اللفظية الوضعية.

يلاحظ عليه : بأنّ الموضوع له لصيغة الأمر كما مرّ هو البعث الإنشائي وليس الوجوب داخلاً في حقيقته ولا الندب ، وقد عرفت أنّها من المفاهيم الانتزاعية من الطلب المقرون بالإرادة الشديدة أو الضعيفة. وعندئذ فكيف تدل الصيغة بالدلالة اللفظية على الوجوب ؟

الثاني : انصراف الصيغة إلى الوجوب.

يلاحظ عليه : بأنّ الانصراف إمّا لكثرة الوجود ، أو كثرة الاستعمال ، والوجوب والندب متساويان في هذين الأمرين فقد استعملت صيغة الأمر في الندب كثيراً كما أنّ مصاديقه أيضاً متوفرة.

الثالث : انّ الوجوب مقتضى مقدّمات الحكمة ، وهو خيرة المحقّق العراقي في « بدائع الأفكار ». (1)

وحاصل مرامه بتوضيح منّا : انّه إذا كان لحقيقة واحدة فردان يتوقّف تفهيم أحدهما على بيان زائد دون الفرد الآخر فيحمل بمقتضى كون المتكلّم حكيماً على الفرد الذي لا يحتاج بيانه إلى أمر زائد ، مثلاً : الرقبة لها قسمان :

أ. مطلق الرقبة سواء كانت كافرة أو مؤمنة.

ب. الرقبة المؤمنة.

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/214.

305

فإذا قيل : اعتق رقبة من دون أن يقيّد بالإيمان يحمل على القسم الأوّل ، لأنّه لو كان الأوّل هو المراد لكان اللفظ وافياً بالمراد ، بخلاف ما إذا كان المراد هوالثاني فاللفظ قاصر عن إفادته ، فلا يكون اللفظ وافياً بالمراد ، وهو خلاف مقتضى الحكمة.

ومثله المقام فانّ الوجوب هو نفس الإرادة بلا قيد ، وأمّا الندب فهي الإرادة المحدودة بحدّ خاص به تكون إرادة ندبية ، وعليه يكون إطلاق الكلام كافياً في الدلالة على كونها وجوبية إذ لا حدّ لها ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحد ، وهذا بخلاف ما لو كانت الإرادة ندبية فانّها محدودة بحدّ خاص ليس من سنخ المحدود ، ولهذا يفتقر المتكلّم في مقام بيانه إلى تقييد الكلام بما يدل عليه. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه غير تام ثبوتاً ولا إثباتاً.

أمّا الأوّل : فلما عرفت من أنّ الوجوب والندب ينتزعان من البعث الإنشائي النابع عن إرادة شديدة أو إرادة لينة ، فكلّ منهما يشتركان في البعث الإنشائي ويتميزان بقيدين ، فالإرادة في الأوّل مقيدة بالشدّة ، وفي الثاني بالضعف ، فإن قيل انّ الشدّة ليست شيئاً سوى الإرادة قلنا هكذا الضعف ليس شيئاً سوى الإرادة كما حقّق في محلّه.

وأمّا الثاني : فإذا كان كلّ واحد قسمين من مقسم واحد ـ أي البعث الإنشائي ـ فكلّ يتميز في مقام الإثبات بقيد وانّ العرف يتلقّى الأمر بلا قيد مساوياً للوجوب ، فالوجوب هو الأمر المطلق ، بخلاف الندب فهو الأمر المقيّد بجواز الترك زائد على المقسم ، وإلاّ فلو اشتمل أحدهما على القيد دون الآخر لزم أن يكون القسم عين المقسم.

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/214.

306

نعم يمكن تصحيحه ببيان يأتي عند البحث في أنّ الأمر يحمل على النفسي العيني التعييني لا على مقابلاتها ، فانتظر.

الرابع : انّ دلالة الأمر على الوجوب بحكم العقل بمعنى أنّ العقل يرى مطلق الأمر موضوعاً لوجوب الطاعة ولاستحقاق العقوبة عند الترك ما لم يحرز كون الأمر ندباً ، وهذا معنى كون الأمر ظاهراً في الوجوب.

وإن شئت قلت : إذا صدر عن المولى أمر يحكم العقل بتحصيل المؤمّن لوجوب دفع الضرر المحتمل وهو امّا الطاعة وإمّا تحصيل الحجّة على كون الأمر بالندب.

وإن شئت قلت : وظيفة المولى هي إنشاء البعث وإصدار الأمر ، وأمّا بيان أنّه للوجوب أو الندب فهو ليس من وظائفه ، بل على العبد السعي ، فإن تبيّن له أحدهما عمل على طبق ما تبين ، وإلاّعمل على مقتضى حكم العقل وهو أنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب.

فعلى هذا يحمل الأمر المجرّد عن القرينة على الوجوب ما لم يدل الدليل على كونه للندب.

إيضاح

قال صاحب المعالم : يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعاً في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها في اللفظ ، لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المـرجِّح الخارجي ، فيشكل التعلق في إثبات وجوب أمر ، بمجرّد ورود الأمر به

307

منهم (عليهم السلام). (1) وقد أجاب المحقّق الخراساني بالنقض تارة والحل أُخرى.

أمّا النقض : فبالعمومات الواردة في لسان الشرع حيث إنّ أكثرها خُصِّصت حتى قيل : ما من عام إلاّ وقد خصّ ، مع أنّه لا يمنع من حمل العام على العموم عند عدم المخصص.

وأمّا الحل فلأنّ الاستعمال في الندب وإن كان كثيراً لكن الاستعمال لما كان مصحوباً بالقرينة فلا يوجب صيرورته مجازاً مشهوراً حتى يوجب التوقّف في حمله على الوجوب أو يرجح المجاز ، الندب عليه.

يلاحظ عليه : بعدم تمامية كلا الوجهين :

أمّا النقض فلأنّ المدعى استعمال الأمر ابتداءً في المعنى المجازي أي الندب ، وهذا لا ينطبق على العام المخصص ، لأنّ العام قبل التخصيص وبعده مستعمل في المعنى الموضوع له ، والتخصيص إنّما يرد على الإرادة الجدية لا الاستعمالية ، والمقياس في المجاز كون اللفظ مستعملاً في غير الموضوع له بالإرادة الاستعمالية ، فكيف يقاس الأمر المستعمل في الندب ، بالعام المستعمل في العموم قبل التخصيص وبعده ، وأمّا الحلّ فلأنّ صاحب المعالم يدّعي استعمال الأمر في الندب بلا قرينة ، فأين هذا من الردّ عليه بأنّ الاستعمال كان مصحوباً مع القرينة.

والأولى في الجواب أن يقال : انّ الوجوب والندب ليس من المداليل اللفظية وإنّما هما من المفاهيم المنتزعة من البعث الإنشائي النابع عن إرادة شديدة ثبوتاً ، وأمّا إثباتاً فقد عرفت أنّ لكلّ ، أمارة وعلامة في مقام الدلالة.

وأمّا إذا كان الكلام مجرّداً عن القرينة فقد عرفت أنّ الأمر على وجه الإطلاق موضوع لوجوب الطاعة عند العقل ما لم يعلم الإذن في الترك فليس للمكلّف ترك المأمور به باحتمال وجود الإذن في الترك ، فأئمّة أهل البيت استعملوا الأمر في عامّة

____________

1 ـ المعالم : 48 ـ 49 ، قوله « فائدة » الطبعة الحجرية.

308

الموارد في البعث الإنشائي ، غير أنّه دلّت القرائن تارة على الوجوب وأُخرى على الندب وإن كان أكثر ، وثالثة تجرّدت عن القرينة فيجب بحكم العقل الطاعة ما لم يدل دليل على الإذن في الترك.

وحاصل الردّ : انّ الإشكال إنّما يتوجّه إذا كان الوجوب والندب من مداليل الأمر لا من أحكام العقل ، وعلى الثاني لا يترك أمر المولى بلا دليل إلاّ إذا كان هناك دليل على الترك.

309

المبحث الثالث

دلالة الجملة الخبرية على الوجوب

ربّما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب والبعث يقول سبحانه : ( والمطلّقاتُ يَتربصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء ) (1) وقال سبحانه : ( وللْمُطَلّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى المُتَّقِين ) (2) وقال سبحانه : ( والوالِداتُ يُرضِعنَ أَولادهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْن ) (3) وقد تضافرت في الروايات عنهم (عليهم السلام) في أبواب الطهارة والصلاة وغيرهما « يغتسل » ، « يعيد الصلاة » ، « يستقبل القبلة » ، إلى غير ذلك ، فالجمل الخبرية في هذه الموارد استعملت لداعي الطلب أو البعث ، والكلام يقع في أُمور أربعة :

أ. هل الاستعمال مجاز أو حقيقة أو كناية ؟

ب. هل يلزم الكذب إذا لم يمتثل العبد ؟

ج. هل الجملة ظاهرة في الوجوب ؟

د. هل الجملة آكد في إفادة الوجوب من الجمل الإنشائية ؟

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر :

أمّا الأوّل : فلا شكّ انّها ليست بمجاز لا على مذهب المشهور ولا على المختار.

____________

1 ـ البقرة : 228.

2 ـ البقرة : 241.

3 ـ البقرة : 233.

310

أمّا مذهب المشهور فلأنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ ابتداءً في غير ما وضع له ، وأمّا المقام فالجملة الخبرية استعملت في الإخبار لا في الإنشاء فلا يكون مجازاً.

وأمّا على المختار من أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في نفس ما وضع له لكن بادّعاء المشابهة وادّعاء أنّ المورد من مصاديق الموضوع له. فليست الجملة الخبرية موصوفة بالمجاز ، إذ ليس هناك مشابهة بين الإخبار والانشاء ، كما ليس هناك ادّعاء أنّ الانشاء من مصاديق الاخبار ، والنتيجة أنّه لا ينطبق تعريف المجاز على مثل هذه الموارد ، كما قلنا نظير ذلك في استعمال الإنشاء بداعي الإخبار بأنّ المستعمل فيه وإن كان البعث الإنشائي ، لكنّه ليس بمجاز لا على مذهب المشهور لكون الاستعمال فيما وضع له ، ولا على المختار لعدم وجود المشابهة والادّعاء.

وأمّا كونه حقيقة فذهب المحقّق الخراساني إلى كونها حقيقة قائلاً بأنّ الجمل الخبرية في هذا المقام مستعملة في معناها ، إلاّ أنّه ليس بداعي الاعلام بل بداعي البعث كما هو الحال في الصيغ الإنشائية على ما عرفت من أنّها أبداً تستعمل في معانيها الإيقاعية لكن بدواع أُخر.

يلاحظ عليه : بأنّ استعمال اللفظ في معناه الحقيقي ليس تعريفاً تامّاً للحقيقة ، بل يحتاج إلى قيد آخر وهو أن يكون الموضوع له متعلقاً للإرادة الاستعمالية والجدية معاً ، وإلاّ فلو كان المعنى الحقيقي موضوعاً للإرادة الاستعمالية فقط دون الجديّة ، بل صار المعنى الحقيقي جسراً وواسطة لتفهيم المعنى الآخر فهذا ليس بحقيقة ، بل يسمّى في الاصطلاح كناية ، فإذا قال : زيد جبان الكلب ، أو كثير الرماد ، أو طويل النجاد ، فالجمل الثلاثة مستعملة فيما وضعت له ولكن الموضوع له مراد بالإرادة الاستعمالية ، وأمّا المراد الجدي فهو

311

وصفه بالسخاء والشجاعة ، والدليل على ذلك أنّه لو لم يكن في بيته أيُّ كلب ولا رماد ولا طول النجاد لا توصف الجمل بالكذب ، لعدم استقرار الذهن على المعنى الموضوع له ، بل يستقر على المعنى الثاني اللازم للمعنى الموضوع له.

وقد قلنا (1) نظير ذلك في الجمل الإنشائية المستعملة بداعي التعجيز والتمنّي والإهانة ، فهي وإن استعملت في البعث الإنشائي لكن المراد الجدّي شيء آخر وهو التعجيز والتمنّي والإهانة ، فيعد اللفظ كناية ، أي ذكر الملزوم وإرادة اللازم.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل أي كونه مجازاً أو حقيقة أو كناية.

وأمّا الأمر الثاني : أي عدم لزوم الكذب فلما أفاده المحقّق الخراساني بأنّه إنّما يلزم الكذب إذا أتى بها بداعي الإخبار والإعلام لا لداعي البعث ، كيف ؟ وإلاّ يلزم الكذب في غالب الكنايات ، فمثل زيد كثير الرماد ، أو مهزول الفصيل ، لا يكون كذباً إذا قيل كناية عن جوده ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلاً ، وإنّما يكون كذباً إذا لم يكن بجواد.

وأمّا الثالث : أي دلالته على الوجوب فالأظهر أنّه كذلك بشهادة أنّ الجملة تكشف عن شدة رغبته بالموضوع حتى يراه في الخارج مجسّماً موجوداً ، وهذا يكشف عن شدّة الرغبة وكثرة العناية بالموضوع ، مثلاً انّ الرجل في مقام دعوة ابنه إلى الصلاة يقول في مجمع : إنّ ولدي هذا يصلِّي ، فرغبته إلى إقامة الصلاة كانت على درجة يرى الصلاة بعينها في مستقبل أيّام الولد.

ومنه يظهر الأمر الرابع من أنّه آكد كما هو واضح.

إلى هنا تمّ الكلام في المباحث الثلاثة من الفصل الثاني ، وأمّا المبحث الرابع الذي عقده المحقّق الخراساني ، فنحن في غنى عنه ، لأنّنا أدرجنا مطالب هذا المبحث في المبحث الثالث.

____________

1 ـ لاحظ ص 301 من هذا الجزء.

312

المبحث الرابع

التوصلي والتعبدي

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً تسلّط أضواءً على المسألة.

الأوّل : ماذا يقصد من التوصلي ؟

يستعمل التوصّلي في موارد كلّها مصاديق من مفهوم واحد.

1. ما لا يعتبر فيه المباشرة ، بل يكفي تبرّع الغير كأداء الدين ، فلو قام متبرّع بأداء دين الغير كفى ، ويقابله ما يشترط فيه المباشرة ، كما إذا سلَّم شخص على شخص خاص فلا يسقط بجواب شخص آخر.

2. ما لا يعتبر في سقوطه الاختيار والالتفات كتطهير البدن والثوب من الخبث ، فلو غمست الأُمّ يد الطفل في الماء لطهرت وإن كان الطفل غير مختار بل غير ملتفت ، ويقابله ما يشترط فيه قصد العنوان ، كعناوين المعاملات كالبيع وغيره ، فلا يتحقّق البيع بلا قصد عنوانه.

3. ما لا يشترط في سقوطه تحقّقه في ضمن فرد سائغ بل يسقط في ضمن فرد محرّم ، كما إذا وجب قتل الحية فيسقط الواجب ولو بقتلها بآلة مغصوبة.

وهذا لا يعني أنّ الواجب هو الفرد الأعم من السائغ والمحرّم ، بل لما حصل الغرض بقتل الحية بآلة مغصوبة سقط الوجوب لانتفاء الموضوع أو

313

لحصول الغرض وإلاّ فالواجب هو الكلي المتحقق في ضمن السائغ.

4. ما يحصل الغرض بمجرّد ايجاد الواجب بأيّ داع كان ، ويقابله ما لا يسقط بايجاده ، بل لابدّ من إتيانه لأمره سبحانه أو لأجله ، والأوّل كدفن الميت ، والثاني كالواجبات العباديّة.

هذه الموارد الأربع يستعمل فيها كلمة التوصل فله معنى عام يشمل هذه الموارد.

والمقصود من التوصلي في المقام هو المورد الرابع ، أي ما لا يشترط في سقوطه الإتيان به لأجل أمره سبحانه.

الثاني : ماذا يقصد من التعبّدي ؟

يطلق التعبّدي ويراد منه أحد الأُمور التالية :

أ. الإتيان بالواجب بقصد أمره سبحانه.

ب. الإتيان بالواجب للّه تبارك وتعالى.

ج. الإتيان بداعي التقرّب إليه سبحانه.

د. الإتيان بداعي كونه تعظيماً وتقديساً له.

هـ. الإتيان بداعي المحبوبية للمولى ، فيكون الداعي إلى العمل كونه محبوباً ومطلوباً للّه لا سائر الدواعي.

و. الإتيان بقصد المصلحة المعنوية المترتبة على العمل ، كالتقوى في الصوم ، والانتهاء عن الفحشاء في الصلاة ، قال سبحانه : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) (1) وقال : ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحشاءِ وَالْمُنْكَر ). (2)

____________

1 ـ البقرة : 183.

2 ـ العنكبوت : 45.

314

نعم لا يكفي الإتيان بالعمل لأجل المصالح الدنيوية كالصحة في الصوم والتجارة في الحجّ والرياضة في الصلاة ، لأنّ الإتيان لأجل هذه الغايات لا يضفي للعمل عنوان العبادة.

وعلى ضوء ذلك فالعبادة عبارة عن إتيان العمل بواحد من هذه الغايات.

الثالث : هل هناك عبادة ذاتية ؟

ثمّ إنّه ربّما يتصور أنّ هناك أُموراً تعد من العبادات الذاتية ، وهي التي تعدّ من مظاهر التعظيم والتقديس بين عامّة الشعوب.

يلاحظ عليه : أوّلاً : بأنّ السجود لو كان عبادة ذاتية ، فكيف أمر اللّه سبحانه الملائكة بالسجود لآدم ، أو كيف سجد يعقوب وأولاده لولده يوسف ، قال سبحانه : ( فَإِذا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدين ) (1) وقال أيضاً : ( وَخَرُّوا لَهُ سُجّداً ). (2)

وثانياً : انّ كونهما من مظاهر التقديس والتعظيم إنّما هو بالجعل والاعتبار بشهادة انّه يمكن أن يجعل الركوع أمام الشخص آية التحقير والإهانة.

الرابع : ما هو حدّ العبادة ؟

العبادة عبارة عن الخضوع بالجوارح نابعاً عن الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له ، أو ربوبيته ، والمراد من الأُلوهية هو الاعتقاد بأنّ المخضوع له إله العالم أو يملك شيئاً من أفعاله من الإمطار والغفران و ... ، وعلى ذلك فالعبادة متقوّمة بعنصرين : عنصر ظاهري وهو الخضوع عملاً ، وعنصر باطني وهو الاعتقاد بكون المخضوع له إلهاً أو ربّاً. (3)

____________

1 ـ الحجر : 29.

2 ـ يوسف : 100.

3 ـ لاحظ للمزيد من التفصيل كتاب مفاهيم القرآن : 1 ، فصل التوحيد في العبادة.

315

وبذلك يعلم انّ مجرد الخضوع لا يعدّ عبادة ما لم ينبع من الاعتقاد الخاص ، وهو كون المخضوع له إله العالم أو ربّه.

والشاهد على ذلك أنّ عبادة المسلمين للّه سبحانه ، وعبادة المشركين للأصنام والأوثان واجدة لهذا الشرط ، فالمسلمون يعبدون اللّه تعالى بما أنّه إله العالم وربّ العالمين وربّ الإنسان ، كما أنّ المشركين يعبدون الأوثان والأصنام بما انّها آلهـة وأرباب ، ولذلك يقول سبحانه ردّاً عليهم : ( لَوْ كانَ فِيهما آلهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا ) (1) وقال سبحانه : ( أَجعلَ الآلهةَ إِلهاً واحداً إنّ هذا لشيءٌ عُجاب) (2) وقول يوسف لصاحبيه في السجن : ( أ أربابٌ مُتفرِّقُونَ خيرٌ أَمِ اللّهُ الواحدُ القَهّار ). (3)

ومن هنا يعلم أنّ كلّ خضوع وخشوع أمام الأنبياء والأولياء لا تعدّ عبادة ما لم يعتبرهم الخاضع أرباباً وآلهة ، بل اتّخذهم عباداً مكرمين.

والكلام الحاسم مع من يرى كلّ تعظيم وتقديس للأنبياء والأولياء عبادة أو دعوتهم شركاً هو أن يحدد ذلك القائل العبادة بحد منطقي فما لم تحدد به لا يمكن القضاء الحاسم ، وقد علمت الحد المنطقي لها.

الخامس : التقسيم ثنائي لا ثلاثي

المعروف أنّ الواجب إمّا توصلي أو تعبّدي ، وذهب السيّد الأُستاذ إلى أنّ التقسيم ثلاثي ، وذلك أنّ ما يعتبر في ثبوته قصد القربة ينقسم إلى قسمين تعبّدي وتقرّبي ، فانّ ما يؤتى به متقرّباً إلى اللّه ، إمّا ينطبق عليه عنوان العبودية للّه ، بحيث يعد العمل عبودية للّه سبحانه كالصلاة والاعتكاف والحجّ ، أو لا ينطبق عليه ذاك

____________

1 ـ الأنبياء : 22.

2 ـ ص : 5.

3 ـ يوسف : 39.

316

العنوان ، وإن كان يعد إطاعة ، كالزكاة والخمس ، ويعتبر في سقوط الواجب الإتيان به للّه سبحانه ، لكن لا يعدّ عبادة وعبودية ، أعني ما يساوق عنوان : « پرستش » في الفارسية. وعلى ذلك فالأولى تبديل عنوان البحث إلى التوصلي والتقربي ، حتّى يعم القسم الأخير.

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره مبني على أن ترادف العبادة للفظ « پرستش » في الفارسية مع أنّه غير ثابت ، فانّ للثاني ضيقاً لا ينطبق على الفرائض المالية التي يشترط في صحّتها الإتيان بها متقرّباً إلى اللّه ، ولكن العبادة في لغة العرب أعمّ من ذلك اللفظ ، لأنّ العبادة لغة هي : الخضوع والخشوع والتذلّل ، لكن لا مطلقاً بل الخضوع النابع من اعتقاد خاص وهو الاعتقاد بما انّه إله ، أو خالق أو انّه قائم بالأفعال الإلهية ، فصلاة الموحّد وصيامه عبادة ، لأنّه قام بها لأجل انّ المعبود إله أو ربّ ، كما أنّ خضوع المشركين أمام الوثن والصنم كان عبادة لا لأنّ الأصنام خلاّق العالم ، بل لتخيّلهم أنّه سبحانه فوّض أفعاله إليها ، من المغفرة ، والشفاعة ، فإذا شفعت تقبل شفاعتها من دون حاجة إلى إذنه سبحانه في الشفيع ، وارتضائه المشفوع له.

فإذا كان هذا معنى العبادة فكلّ عمل يشعر بالخضوع ، ويعرب عن تعظيم الغير بما أنّه إله أو ربّ أو مفوّض إليه أفعاله سبحانه ، يكون عبادة من غير فرق بين الصلاة وإعطاء الخمس والزكاة. والوقوف في عرفات والمشعر الحرام ومنى ، والذبح وحلق الرأس والسعي والطواف ، فروح العبادة عبارة عن كون المحرّك ، هو استشعار العظمة استشعاراً نابعة من الاعتقاد بكون المعبود خالقاً أو ربّاً أو ما يماثل ذلك من كونه مالكاً لبعض أفعاله سبحانه.

317

السادس : ما هو الأصل فيما شكّ أنّه توصلي أو تعبّدي ؟

إذا علم أنّ الواجب تعبدي أو توصلي يعمل به حسب ما علم ، وأمّا إذا شكّ ، فهل هناك أصل لفظي يثبت كونه توصلياً أو لا ؟

ثمّ إذا لم يكن هناك أصل لفظي فما هو حكم الأصل العملي في المقام.

لا شكّ أنّه إذا شككنا في قيد المتعلّق يتمسك بالإطلاق كما إذا قال : اعتق رقبة ، نتمسّك بإطلاق المتعلق ويحكم بعدم وجوب الإيمان ، وأمّا المقام فهناك خصوصية ربّما تكون مانعة عن التمسّك بإطلاق المتعلق ، فإذا قال الشارع : أقم الصلاة لدلوك الشمس ، فربّما لا يمكن التمسّك ، بإطلاق الصلاة لدفع الشك في اعتبار قصد القربة مثلاً ، وذلك لأنّ قيود المتعلق على قسمين :

قسم ما ينوع المتعلّق إلى قسمين كرقبة مؤمنة ورقبة كافرة ، فهذا ما يسمّى من القيود الواقعة تحت دائرة الطلب ، فكأنّ الطلب يقع على المتعلق مطلقة أو مقيدة.

وقسم آخر لا ينوع المتعلّق إلى قسمين ، وهو عبارة عن القيود الناشئة من جانب الأمر بالمتعلّق بحيث لولا الأمر لما يكون عن هذا القيد عين ولا أثر ، وهذا كقصد الأمر في الصلاة ، فالصلاة المقيّدة بقصد الأمر متقيّدة بقيد يأتي من قبل الأمر ، فلولا أمر الآمر لما يوصف المتعلق بقصد الأمر ، ولأجل هذا التفاوت بين القيدين صار القسم الثاني محطاً للنزاع ، وانّ إطلاق المتعلّق هل يدل على كون الواجب توصلياً أو لا ؟ فمن قال بإمكان أخذ هذا القسم من القيود في المتعلق قال بأنّ الأصل هو التوصلية إلاّ أن يدلّ الدليل على خلافه ، وهذا خيرة الفقهاء من القدامى والمتأخّرين إلى عصر الشيخ الأنصاري.

وأمّا من قال بعدم جواز أخذه في المتعلّق ، فذهب إلى أنّ الأصل هو التعبدية إلاّ أن يدل دليل على التوصلية وعليه الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني.

318

واستدلّوا على امتناع الأخذ في المتعلّق بوجوه نذكرها تباعاً ، ونقدّم ما ذكره صاحب الكفاية أوّلاً ثمّ نعرّج على ما ذكره الآخرون.

الأوّل : استلزامه التكليف بغير المقدور

إنّ أخذ « قصد الأمر » في المتعلّق يستلزم التكليف بغير المقدور ، فإذا افترضنا أنّ الموضوع قبل الأمر هو « الصلاة مع قصد الأمر » فهو فعل غير مقدور قبل الأمر ، فكيف يأمر بشيء غير مقدور قبله مع أنّه يشترط تعلّقه بالمقدور ؟

يلاحظ عليه : أنّه يشترط كون المتعلّق مقدوراً حين الامتثال لا حين الأمر ، والمفروض أنّه بعد الأمر يصير امتثاله أمراً ممكناً.

الثاني : استلزامه داعوية الأمر إلى نفسه

إنّ الأمر لا يدعو إلاّ إلى متعلقه ، والمتعلّق هاهنا هو الشيء المقيّد بقصد الأمر ، فنفس الصلاة مثلاً لا تكون مأموراً بها حتى يقصد المأمور امتثال أمرها ، والدعوة إلى امتثال المقيّد محال ، للزوم كون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه ومحرّكاً لمحرّكية نفسه.

وإلى ذلك يشير صاحب الكفاية بقوله : لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها لعدم الأمر بها ، فانّ الأمر حسب الفرض تعلّق بها مقيّداً بداعي الأمر ولا يكاد يدعو الأمر إلاّ إلى ما تعلّق به لا إلى غيره.(1)

وحاصل الاستدلال : أنّ الأمر إمّا يدعو إلى امتثال نفس الصلاة ، وهي ليست متعلّق الأمر ، وإمّا يدعو إلى امتثال المركب من الصلاة وقصد الأمر ، وهو

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/109.

319

يستلزم كون الشيء داعياً إلى نفسه.

وهذا الوجه غير تام بكلا شقّيه ، إذ لنا أن نختار كلاً من الشقين ونجيب عنه ، فنقول :

أمّا الشقّ الأوّل : فنحن نقول إنّ الصلاة بما هي هي متعلقة بالأمر وواجبة إمّا بالوجوب الغيري على القول بوجوب الأجزاء الداخلية ، أو بالوجوب الضمني حسب ما ذهب إليه المحقّق البروجردي حيث يترشح من الوجوب النفسي وجوبات متعددة حسب تعدد الأجزاء ، أو بالوجوب النفسي حسب المختار في باب الأجزاء الداخلية حيث إنّ الإنسان يأتي بكلّ جزء داخلي بنيّة امتثال الأمر النفسي ، فإذا قال المولى : ابن مسجداً ، فالمهندس أو البنّاء إنّما ينوي امتثال الأمر النفسي عند الاشتغال بالتخطيط وتهيئة مواد البناء ، وحفر الأرض لنصب الأعمدة ، فهذه الأعمال كلها نوع امتثال للأمر النفسي ، غير أنّ هذا الامتثال يتم بنحو تدريجي. وعلى جميع الأقوال فالصلاة مأمور بها.

وأمّا الشقّ الثاني : فنلتزم بأنّ الأمر يدعو إلى كلا الجزءين : الصلاة ، وقصد الأمر ، غير أنّ داعوية الأمر إلى متعلّقه ليست داعوية تكوينية حتّى يلزم محرّكية الأمر لنفسه ، بل داعوية تشريعية التي مرجعها إلى بيان موضوع الطاعة ، وعلى ذلك فالأمر يبيّـن موضوع الطاعة وهما أمران : الصلاة وقصد الأمر ، ولا ضير في ذلك.

نعم لو قلنا بأنّ الأمر محرّك تكويني بالنسبة إلى المتعلّق يلزم ما ذكر ، ويدل على ذلك أنّ الأمر لو كان محركاً لما وجد على أديم الأرض كافر أو عاص ، بل المحرّك هو الخوف من العذاب أو الطمع في الثواب.

ثمّ إنّ « الأمر بالصلاة مقيّدة بداعي أمرها » ليس بمعنى أنّه يأتي الجزء

320

الثاني « داعي أمرها » بقصد أمره ، فانّ هذا التفسير غفلة عن معنى أخذ « قصد الأمر » في متعلّق الأمر ، فانّ الهدف من أخذه ليس إلاّ لبيان كيفية امتثال الجزء الأوّل فقط ، فإذا أتى بالصلاة بقصد أمرها فقد امتثل الأمر بالمركب من الصلاة وقصد الأمر ، قهراً ، ومعه لا يبقى موضوع لامتثال الجزء الثاني.

وهذا كما إذا أمر المولى بالصلاة مع الطهارة فمن لم يكن متطهراً يكون الأمر داعياً إلى كلا الجزئين ، وأمّا من كان واجداً لها فتنحصر داعويته إلى الصلاة وحدها.

والحاصل : انّ المستدل زعم أنّ هناك واجبين يجب امتثالهما :

أ. نفس الصلاة بقصد أمرها.

ب. قصد الأمر بقصد أمره.

فيخيل إليه أنّ الإتيان بالجزء الأوّل غير كاف في صدق الامتثال ، بل لابدّ من امتثال الجزء الثاني بقصد أمره ، وعندئذ يترتب عليه محذور وهو عدم إمكان إتيان الجزء الثاني بقصد أمره ، ولكنّه غفل عن أنّ الواجب بالذات هو الجزء الأوّل وإنّما أخذ الجزء الثاني في الموضوع طريقاً إلى الصلاة وعنواناً لها ، فإذا أتى بالصلاة مع قصد الأمر فقد حصل الجزء الثاني قهراً من دون حاجة إلى إتيانه بقصد الأمر.

الثالث : استلزامه التسلسل

وبيانه يحتاج إلى بيان مقدمة وهي :

كان المبنى في الدليل الثاني على أنّ الصلاة فاقدة للأمر ، والمجموع وإن كان واجداً للأمر لكن الأمر لا يمكن أن يدعو إلى المركب لاستلزامه داعوية الأمر إلى نفسه كما تقدّم.

ولقائل أن يقول : إنّ الصلاة إنّما تفقد الأمر إذا كان الجزء الثاني شرطاً لا

321

شطراً ، وإلاّ فيوصف كلّ جزء بالوجوب.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أبطل هذا البيان باستلزامه التسلسل ، وذلك لما اختاره في باب اختيارية الشيء حيث ذهب إلى أنّ ملاك الاختيارية كون الشيء مسبوقاً بالإرادة ، وعلى ضوء هذا فكلّ شيء اختياري إذا صدر عن إرادة ، وأمّا الإرادة فليست اختيارية لعدم صدورها عن إرادة.

وعلى ضوء ذلك فالصلاة اختيارية ، وقصد الأمر الذي هو عبارة أُخرى عن إرادة الأمر غير اختيارية ، ولو قلنا بأنّ الجزء الثاني اختياري أيضاً يجب أن يسبق بإرادة ثالثة وهلم جراً.

وإلى هذا الدليل أشار المحقّق الخراساني بقوله :

« فانّه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير اختياري ، فانّ الفعل وإن كان بالارادة اختيارياً ، إلاّ أنّ إرادته ـ حيث لا تكون بإرادة أُخرى وإلاّ لتسلسلت ـ ليست باختيارية. (1)

يلاحظ عليه : عدم تمامية المبنى ، فانّ الملاك في اختيارية الفعل أحد أمرين : إمّا أن يكون مسبوقاً بالإرادة كما هو الملاك في الأفعال الصادرة عن الجوارح.

وإمّا أن يكون صادراً عن فاعل مختار بالذات وإن لم يكن مسبوقاً بالارادة وهذا كالأفعال الصادرة عن الجوانح مثل الإرادة ، فانّها فعل اختياري لصدورها عن نفس المختار بالذات.

ثمّ إنّ الإرادة لو كانت غير اختيارية لزم عدم صحّة جعلها قيداً أيضاً مع أنّ المحقّق الخراساني خصّ الإشكال بكون الإرادة شطراً لا شرطاً.

أضف إلى ذلك انّه لو كان قصد الأمر غير اختياري كيف يحكم العقل

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/110.

322

بوجوب تحصيله مع أنّ تعلق التكليف بغير المقدور أمر ممتنع سواء كان الحاكم هو الشرع أو العقل ؟

إلى هنا تمّت الأدلة الثلاثة التي أوردها المحقّق الخراساني دليلاً لامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق وهي :

1. استلزام التكليف بغير المقدور.

2. داعوية الأمر إلى نفسه.

3. استلزامه التسلسل.

وقد عرفت وهن الجميع.

وهناك أدلّة أُخرى ذكرها غير المحقّق الخراساني ، وإليك تفصيلها :

الرابع : استلزام الدور

إنّ الأمر يتوقف على موضوعه توقّفَ العرض على موضوعه ، فلو كان قصد الأمر مأخوذاً في الموضوع ، لزم الدور ، لعدم تحقّق جزء الموضوع إلاّ بالأمر.

يلاحظ عليه : أنّ الأمر الصادر من المولى يتوقف على تصور « الصلاة في الذهن مع قصد الأمر » وهذا لا يتوقف على صدور الأمر من المولى ، بل يمكن تصوّر الصلاة مع قصد الأمر وإن لم يكن هناك أمر ، وعندئذ فلا دور.

الخامس : تقدّم الشيء على نفسه

ويلوح من هذا الدليل أنّ في القول بالأخذ مفسدة الدور ، والفرق بين الرابع والخامس ، أنّ الأوّل يصر على نفس « الأمر » وانّه عرض ، وهذا الدليل يصر على عنوان « القصد » في قصد الأمر ويقول :

إنّ الأخذ في المتعلّق يستلزم تقدّم الشيء ( أي القصد ) على نفسه برتبتين ،

323

وذلك لأنّ قصد الأمر متأخر عن الأمر ، والأمر متأخر عن الموضوع ، فينتج انّ القصد متأخر عن الموضوع برتبتين. وأخذه في الموضوع يستلزم تقدّم الشيء ( القصد ) على نفسه.

يلاحظ عليه : أنّه نفس الإشكال السابق ، لكن ببيان آخر ، وهو بيان مفسدة الدور ، والجواب أنّ المتأخر عن الموضوع هو القصد الخارجي المتعلّق بالأمر الواقعي الصادر عن المولى ، فهما ( الأمر والقصد ) متأخران عن الموضوع ، إمّا برتبة ( كما هو الحال في الأمر ) ، أو برتبتين ( كما هو الحال في قصده ).

والمأخوذ في الموضوع هو مفهوم « قصد الأمر » الكلي لا القصد الخارجي المتعلّق بالأمر الواقعي الصادر عن المولى ، فما هو المتأخر ليس جزء الموضوع ، وما هو جزء الموضوع ليس متأخراً.

وبعبارة أُخرى : ما هو المتأخر عبارة عن قصد الأمر بالحمل الشائع الصناعي ، وما هو المتقدّم عبارة عن مفهومه الكلي الذي ينطبق عليه قصد الأمر بالحمل الأوّلي ، فالموقوف والموقوف عليه مختلفان.

السادس : لزوم اتحاد الحكم والموضوع

انّ ما لا يوجد إلاّ بنفس انشائه كيف يعقل أخذه مفروض الوجود في موضوع نفسه ، فانّ مرجعه إلى اتحاد الحكم والموضوع ، والأمر في « قصد الأمر » ممّا لا يوجد إلاّ بالإنشاء ، وكيف يصحّ أخذه في المتعلّق. (1)

يلاحظ عليه : أنّ المأخوذ في الموضوع ليس نفس الحكم الخارجيّ ، بل المأخوذ

____________

1 ـ هذا ، هو الوجه الذي يظهر من المحقّق الخوئي في أثناء تقرير برهان أُستاذه ، ولكن لا صلة له ببرهانه وإنّما هو وجه مستقل ( لاحظ المحاضرات : 2/156 ).

324

مفهوم كلي ، وما هو الحكم مصداق له ، والفرق بينهما هو الفرق بين الحمل الأوّلي والشائع الصناعي.

السابع : لزوم تقدّم الشيء على نفسه في المراحل الثلاث

وحاصله : انّ أخذ قصد الأمر في المتعلّق يستلزم تقدّم الشيء على نفسه في مقام الإنشاء والفعلية والامتثال.

أمّا في مقام الإنشاء فلأنّ الموضوع في القضايا الحقيقية لابدّ وأن يكون مفروض الوجود في الخارج في مقام أخذه موضوعاً ، سواء أكان خارجاً عن اختيار المكلّف كالوقت أم داخلاً تحت اختياره كما في قوله ( أُوفُوا بالعُقُود ) فانّ معناه انّه إذا فرض حصول عقد في الخارج يجب الوفاء به ، وحينئذ لو أخذ قصد امتثال الأمر قيداً للمأمور به ، يكون الأمر موضوعاً للتكليف ومفروض الوجود في الإنشاء ، فيكون وجود التكليف مشروطاً بفرض وجود نفسه فرضاً مطابقاً للواقع ، ويستلزم عندئذ كون الأمر مفروض الوجود قبل وجود نفسه ، وهو بعينه محذور الدور.

وأمّا في مقام الفعلية فلأنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية موضوعه ، أعني : متعلقات متعلّق التكليف ، وحيث إنّ المفروض انّ نفسه هو الموضوع لنفسه ومتعلّق لمتعلّقه فطبيعة الحال تتوقف فعليته على فعلية نفسه.

وبعبارة أُخرى : إذا أمر المولى بواجب مقيد بداعي أمره ، ففعلية خطابه تتوقّف على فعلية موضوعه والمفروض انّ الأمر لنفسه ، جزء الموضوع وعليه تتوقّف فعلية الأمر على فعلية نفسه.

وأمّا في مقام الامتثال فانّ قصد امتثال الأمر متأخر عن الإتيان بتمام أجزاء المأمور به وقيوده ، وحيث إنّ من جملة الأجزاء والقيود حسب الفرض نفس قصد

325

الامتثال الذي هو عبارة عن دعوة شخص ذاك الأمر فلابدّ وأن يكون المكلّف في مقام امتثاله قاصداً للامتثال قبل قصد امتثاله ، فيلزم تقدّم الشيء على نفسه ، لأنّه بما هو جزء المأمور به مقدّم ، وبما أنّ ماهية قصد امتثال الأمر عبارة عن الإتيان بالأجزاء بقصد الأمر متأخر عن الاجزاء. (1)

يلاحظ على الأوّل : بأنّ أقصى ما يلزم هو فرض وجود الشيء ( قصد الأمر ) قبل تحقّقه وهو ليس بمحال ، وإنّما المحال وجوده واقعاً قبل تحقّقه ، فما عبّر بقوله « يلزم كونه مفروض الوجود قبل وجوده وهو بعينه محذور الدور » غير تام فانّ محذور الدور هو وجوده واقعاً قبل تحقّقه لا فرض وجوده قبل تحقّقه ، وشتان بينهما.

وعلى الثاني : فلأنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية الموضوع لا بمعنى وجوده خارجاً بل بمعنى قدرة المكلّف على الإيجاد والامتثال ، والمفروض أنّ المكلّف قادر على الصلاة بقصد أمرها ، وأمّا القدرة على إيجاد المتعلّق والصلاة ( بقصد الأمر ) فهي موقوفة على صدور الأمر الإنشائي قبل فعلية الموضوع لا على الأمر الفعلي.

فينتج : الأمر الفعلي موقوف على القدرة على إيجاد الصلاة بأمرها ، والقدرة الكذائية ليست موقوفة على الأمر الفعلي ، بل على الأمر الإنشائي السابق.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ أجاب عن الإشكال بوجه آخر ، وقال : إنّ فعلية الحكم لا تتوقف على فعلية الموضوع توقّف المعلول على علته ، بل لابدّ في حال فعلية الحكم من فعلية الموضوع ولو صار فعلياً بنفس فعلية الحكم ، لأنّ الممتنع هو التكليف الفعلي بشيء لم يكن متحقّقاً بالفعل ، وأمّا التكليف الفعلي بشيء يصير فعلياً بنفس فعلية الحكم فالضرورة قاضية بجوازه.

وعلى الثالث : فلأنّ قصد الامتثال الذي هو متأخر عن إتيان المأمور به

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/107 ـ 108 وأوضحه تلميذه المحقّق الخوئي في المحاضرات : 2/157.

326

المركب من الصلاة وقصد الأمر إنّما هو قصد بالحمل الشائع الصناعي ، فهو بهذا المعنى متأخر عن المتعلّق وجزئه ، وأمّا المتقدّم الذي يجب على المكلف قصد امتثاله فإنّما هو قصد الأمر بمفهومه الكلي الذي يقال انّه قصد الأمر بالحمل الأوّلي.

الثامن : استلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي

إنّ التكليف بالصلاة بقصد أمرها مستلزم للجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي ، لأنّ الموضوع بقيوده لابدّ وأن يكون ملحوظاً استقلالاً ، والأمر بما أنّه آلة البعث ملحوظ باللحاظ الآلي ، فكون شيء مأخوذاً في ناحية الأمر والمأمور به يستلزم كونه ملحوظاً بلحاظين مختلفين. (1)

يلاحظ عليه : بما سبق من أنّ الملحوظ استقلالاً هو قصد الأمر المأخوذ في المتعلّق وهو أمر بالحمل الأوّلي ، والملحوظ آلياً هو الأمر الجزئي المتعلّق بالمتعلّق الكلي.

والحاصل : انّ الأمر الخارجي الذي هو بعث بالحمل الشائع ملحوظ آلياً والمأخوذ في المتعلّق هو الصورة الكلية للأمر الذي لا يقال انّه حمل بالشائع الصناعي.

التاسع : التهافت في اللحاظ

لو أخذ قصد الأمر في متعلّق متعلقه يلزم منه التهافت في اللحاظ والتناقض في العلم ، لأنّ موضوع الحكم متقدّم عليه في اللحاظ ، وقصد الأمر متأخر عنه في

____________

1 ـ راجع نهاية الأُصول : 99.

327

اللحاظ ، كما أنّه متأخر عنه في الوجود فيكون متأخراً عن موضوع الأمر برتبتين ، فإذا أخذه جزءاً من موضوع الأمر أو قيداً فيه لزم أن يكون الشيء الواحد في اللحاظ الواحد متقدّماً في اللحاظ ومتأخراً فيه ، وهو في نفسه غير معقول وجداناً امّا للخلف أو لغيره. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً : بأنّ الملحوظ متقدّماً غير الملحوظ متأخراً ، فالملحوظ متقدّماً هو قصد الأمر بمفهومه الكلي ، والملحوظ متأخراً هو الأمر بالحمل الشائع ، فهناك لحاظان وملحوظان ، لا انّ هناك لحاظاً واحداً لشيء واحد متقدّم ومتأخر.

وثانياً : انّ أقصى ما يترتّب عليه لحاظ الشيئين المترتبين في رتبة واحدة وهو ليس بمحال كلحاظ العلة والمعلول المترتبين في رتبة واحدة واللحاظ خفيف المؤونة ، وإنّما المحال كون المترتبين في رتبة واحدة في عالم الوجود.

العاشر : وجود التسلسل في المدعو إليه

هذا الوجه ، نقله المحقّق البروجردي عن أُستاذه المحقّق الخراساني ، وحاصله : إذا تعلّق الأمر بالصلاة بداعي الأمر ، فيسأل عن داعي الأمر وانّه إلى مَ يدعو ؟ فإن دعا إلى ذات الصلاة ، فهو خلف ، إذ ليس له أمر وإن دعا إلى المركب أي ( الصلاة بداعي الأمر ) ننقل الكلام إلى هذا الداعي الثالث وهلم جراً.

والجواب : نختار الأمر الأوّل ، وانّه يدعو إلى نفس الصلاة ، والقول بأنّه فاقد للأمر قد مرّ جوابه بأنّ الأجزاء مأمور بها بالأمر النفسي ، وانّ من شرع في الصلاة فقد شرع بامتثال الأمر النفسي.

ثمّ نختار الأمر الثاني بأنّه يدعو إلى الصلاة بداعي الأمر ، ولكن ليس معناه

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 230.

328

هو الإتيان بكلّ من الجزءين بداعيه ، أي الاتيان بالصلاة بداعي الأمر والإتيان بداعي الأمر بداعي أمره ، وذلك لأنّ الجزء الثاني لما لم يكن مقصوداً بالذات ، بل كان المقصود هو إتيان الجزء الأوّل بداعي أمره ، فإذا أتي بالجزء الأوّل بداعي الأمر ، يسقط امتثال الجزء الثاني ، لأنّه لم يؤخذ على وجه الموضوعية ، بل لأجل الطريقية إلى الجزء الأوّل وبيان كيفية امتثاله.

ولعمر القارئ انّ ما ذكروه من الوجوه العشرة مغالطات ظهر وجهها ممّا ذكرنا ، ومقام الشيخ الأنصاري وتلاميذه وتلامذة تلاميذه أرفع من أن يعتمدوا على هذه الوجوه ، خصوصاً وانّ المقام من قبيل الاعتباريات والاعتبار سهل المؤونة ، فكيف يدعى فيها الاستحالة والامتناع ؟!

تصحيح الأخذ بأمرين

ثمّ إنّ من قال بامتناع قصد الأمر في المتعلّق بأمر واحد حاول أن يصحح الأخذ في المتعلّق بأمرين :

أحدهما يتعلق بنفس الطبيعة ويقول : أقم الصلاة ، والأمر الثاني يتعلّق بالإتيان بها بداعي أمرها كما إذا قال : امتثل أمر الصلاة بقصد أمرها.

وعلى هذا فيكون الأصل في الأوامر التوصلية ، فانّ الأخذ في متعلّق الأمر الأوّل وإن كان محالاً ولكن لما كان الأخذ في المتعلق بالأمر الثاني جائزاً فعدم وجود الأمر الثاني يكشف عن عدم مدخليته فيه.(1)

وأورد المحقّق الخراساني على هذا الوجه بأنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط

____________

1 ـ مطارح الأنظار : 60.

329

بمجرّد موافقته ، ولو لم يقصد به الامتثال كما هو قضية الأمر الثاني فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله ، فلا يتوصل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة وإن لم يكد يسقط بذلك فلا يكاد يكون له وجه إلاّ عدم حصول غرضه بذلك من أمره لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله وإلاّ لما كان موجباً لحدوثه ، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدد الأمر ، لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض الآمر بمجرّد موافقة الأمر ، بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط أمره.(1)

يلاحظ عليه : بأنّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان للمكلّف إحدى الحالتين ، إمّا عالماً بالتوصلية ، أو شاكّاً فيها وفي التعبدية ، فعلى الأوّل يسقط البحث ، وعلى الثاني يعمل بقاعدة الاشتغال ، وأمّا إذا كان المكلّف قاطعاً بأنّه توصلي قطعاً مخالفاً للواقع ، أو غير ملتفت إلى أنّه تعبدي أو توصلي ، فعندئذ يحتاج المولى في استيفاء غرضه إلى التوصل بالأمر الثاني فلا يكون لغواً.

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي أورد على تصحيح الأخذ بإشكالين :

الأوّل : إذا كانت المصلحة قائمة بالمركّب من الصلاة وقصد الأمر ، فكيف يبعث المولى عبده إلى الجزء ( الصلاة ) الفاقد للمصلحة ؟

الثاني : انّ الأمر الأوّل لما تعلّق بالفاقد للمصلحة لا يكون إلاّ أمراً صورياً ، ولا يكون قصد الأمر الكذائي مصحّحاً لكون الشيء عبادة. (2)

والظاهر عدم تماميتهما أمّا الأوّل ، فلأنّ الصلاة بما هي هي ، ليست مجرّدة عن المصلحة ، بل هي حاملة لبعضها.

وإن شئت قلت : تعدّمقتضياً بالنسبة إليها ، ولأجل ذلك يصحّ الأمر بها.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/111.

2 ـ نهاية الأُصول : 115.

330

نعم إنّما يمتنع إذا بعث إليها واكتفى بالأمر الأوّل.

ومنه يظهر حال الجواب الثاني ، إذ ليس الأمر الأوّل صورياً بل أمر جدّي غاية الأمر على نحو الأمر بالمقتضي كما مرّ.

نعم يمكن أن يؤاخذ على تصحيح الأخذ بالأمرين بأنّ الأخذ لا يتوقف على الأمرين بل يصحّ بأمر واحد ولكن بوجهين :

الأوّل : أخذه في المتعلّق بصورة جملة خبرية بأن يقول : أقم الصلاة ويجب أن تُقيمها بقصد أمرها ، فانّ أكثر الإشكالات غير متوجهة على هذه الصورة.

الثاني : أن ينهى عن الضد حتى يتعيّن الضد الآخر بأن يقول : « أقم الصلاة لا بداع نفساني » فإذا كان أحد الضدين اللّذين لا ثالث لهما منهياً عنه يتعيّن الضد الآخر أي بداع إلهي.

الإطلاق المقامي

إذا قلنا بامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق فالإطلاق اللفظي يكون منتفياً بانتفاء موضوعه ، إذ ليس للمولى إمكان الأخذ للمتعلّق حتى يُستدل بعدم الأخذ على عدم الوجوب ، ولكن هناك أصلاً آخر باسم الإطلاق المقامي فيتمسّك به ويستدل به على التوصلية.

والفرق بين الإطلاقين هو أنّ الإطلاق اللفظي عبارة عن كون المولى بصدد بيان كلّ ما له دخل في متعلّق الحكم ، فإذا سكت نستكشف عن عدم مدخليته ، بخلاف الإطلاق المقامي فانّه عبارة عن كون المولى بصدد بيان كلّ ما له دخل في غرضه وإن لم يكن له دخل في المتعلّق فإذا سكت نستكشف عن عدم وجوبه.

وعلى ضوء ذلك فيمكن أن يتمسّك بالإطلاق المقامي على عدم مدخلية

331

قصد الأمر ، وحتى قصد الوجه والتمييز في الغرض ، إذ لو كان له مدخلية لوجب على المولى التنبيه على مدخليته ولو ببيان خارج عن الخطاب كأن يقول بعد الأمر بالصلاة أيّها المكلّف ، الواجب الذي أمرت به واجب تعبّدي لا توصّلي ، فسكوته في كلّ مورد مشكوك كاشف عن عدم مدخليته في غرض المولى وعدم مدخليته في المتعلّق.

وبهذا ظهر أنّ الأصل في التعبّدية والتوصّلية هو التوصّلية ، وذلك من وجوه شتى :

أ. إمكان أخذه في المتعلّق ، وقد عرفت عدم تمامية الوجوه التي استدلّوا بها على الامتناع.

ب. إمكان أخذه في المتعلّق بأمر ثان.

ج. إمكان أخذه في المتعلّق مقيّداً بجملة خبرية.

د. إمكان تفهيمه بالنهي عن ضده بعد الأمر بالشيء.

هـ. إمكان التمسّك بالإطلاق المقامي وانّه لو كان له مدخلية لكان على المولى البيان.

بقي الكلام في أدلّة القائلين في أنّ الأصل هو التعبديّة.

أدلّة القائلين بأنّ مقتضى الأصل هو التعبديّة

استدلّ القائلون بانّ الأصل هو التعبّدية بوجوه :

الأوّل : ما نقله المحقّق النائيني عن العلاّمة الكلباسي : أنّ المولى إنّما يأمر عبده بشيء ويطلبه منه ليجعل أمره محرّكاً إيّاه نحو العمل وباعثاً له نحو المراد.

وإن شئت قلت : إنّ الغرض من الأمر ، كون الأمر داعياً ، فحينئذ إن أتى

332

المكلّف به بداعي أمره ، فقد حصل الغرض وسقط الأمر ، وإلاّ فلا. (1)

يلاحظ عليه : أنّه خلط بين كون الغرض من الأمر أن يكون داعياً للمكلّف إلى المأمور به ، وبين كون الغرض منه هو الإتيان به بذاك القصد. والمسلّم إنّما هو الأوّل ، وأمّا الثاني فيفتقر إلى دليل.

وبعبارة أُخرى : انّ الغرض من الأمر هو تعيين موضوع الطاعة حتّى يقف المكلّف على واجبه ، وأمّا الإتيان لأجل أمر المولى فلم يعلم أنّه غرض الأمر.

الثاني : قوله سبحانه : ( وَما أُمِرُوا إِلاّ ليَعبُدُوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاة وَذلِكَ دينَ القَيّمة ). (2)

وهو يدل على حصر الأوامر الصادرة منه سبحانه في التعبّدية ، حيث جاءت غاية للأمر ، في قوله ( وما أُمروا إِلاّ ليعبدوا اللّه ) أي ما أُمروا بشيء في مورد من الموارد من الطهارة إلى الديات إلاّ لأجل عبادة اللّه ، فكانت الغاية للأمر في جميع الموارد هي عبادة اللّه ، وعليه فكلّ أمر ورد في الشريعة ، عباديّ ، إلاّ ما قام الدليل على كونه غير عبادي ، وهذا العموم متّبع إلى أن يدلّ دليل على خلافه.

يلاحظ عليه : بأنّ الآية بصدد بيان حصر العبادة والطاعة في اللّه سبحانه ، لا حصر عامة أوامره في التعبّدية ، وعلى ذلك فمعنى قوله ( وما أُمروا ) أي ما أُمروا ( في مجال العبادة ) إلاّ بالعبادة الخالصة. وليس معناه انّهم ما أمروا بشيء مطلقاً إلاّ ليعبدوا اللّه به حتى تكون الغاية من الأمر مطلقاً في تمام الموارد عبادة اللّه سبحانه ، ويؤيد ذلك قوله سبحانه : ( اتّخذوا أَحبارهُمْ وَرُهبانَهُمْ أَرباباً مِنْ دُونِ اللّهِ وَالمَسيحَ ابنَ مَرْيَمَ وَما أُمِروا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُون ) (3) فالآية ظاهرة في أنّهم ما أمروا في مجال العبادة إلاّ عبادة إله واحد لا

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/112 ـ 113.

2 ـ البينة : 5.

3 ـ التوبة : 31.

333

عبادة الآلهة ولا اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دُون اللّه.

الثالث : قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : « إنّما الأعمال بالنيّات ، وإنّما لامرئ ما نوى » (1) أي واقعية كلّ عمل بنيّة القربة وإيجاده للّه سبحانه ، فيكون المراد من النيّة ، نيّة القربة ، فكلّ عمل خلا عن نيّة القربة لا يُعدّ عملاً ، فلا يحصل الامتثال.

يلاحظ عليه : أنّ الاستدلال مبني على تفسير النيّة في الحديث بنيّة القربة ، مع أنّه لا دليل عليه ، بل المراد منه قصد العناوين التي ربّما ينطبق على العمل ، كضرب اليتيم للأدب أو للإيذاء ، وعليه لا يكون للروايتين مساس بالمقام.

وإن شئت قلت : إنّ اتّصاف العمل بالحسن والقبح ، أو بكونه مقرّباً وغير مقرّب منوط بكيفية النيّة.

وأنّ كلّ عمل أتاه المكلّف بنيّة صالحة ، يوصف بالحسن والقربة ، وإلاّ فلا ، وأمّا أنّ سقوط كلّ أمر يتوقّف على نيّة التقرّب إلى اللّه ، وأنّه لولاها لفسد العمل فلا يدل عليه.

وفي بعض الروايات : انّ اللّه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم.

إلى هنا تبيّن أنّ مقتضى الأصل اللفظي هو التوصّلية إلاّ أن يدلّ دليل على كون الواجب قربياً.

مقتضى الأصل العقلي

لو افترضنا أنّه لم نخرج بنتيجة قطعية حسب الأدلة الاجتهادية فلا محيص من الرجوع إلى الأصل العقلي أوّلاً والشرعي ثانياً ، فما هو مقتضى الأصل العقلي ؟

____________

1 ـ الوسائل : 1 ، الباب 5 من أبواب مقدمات العبادات ، الحديث 7.

334

إنّ مقتضاه هو البراءة ، سواء أقلنا بإمكان أخذه في المتعلّق أم لا ؟ أمّا على الأوّل فواضح ، وأمّا على الثاني فلأنّ المولى وإن كان غير متمكّن من الأخذ في المتعلّق لكن يمكن أن ينبه على شرطيته بالأمر الثاني أو بالطرق التي تعرفت عليها.

لكن المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ الأصل الجاري في المقام عند الشكّ هو الاشتغال ، قائلاً :

بأنّ الشكّ هاهنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم ، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها ، فلا يكون العقاب ـ مع الشكّ وعدم إحراز الخروج ـ عقاباً بلا بيان ، ضرورة أنّه بالعلم بالتكليف ، تصحّ المؤاخذة على المخالفة ، وعدم الخروج عن العهدة ، لو اتّفق عدم الخروج عنها بمجرّد الموافقة بلا قصد القربة ، وهكذا الحال في كلّ ما شكّ دخله في الطاعة ، والخروج به عن العهدة ممّا لا يمكن اعتباره في المأمور به ، كالوجه والتمييز. (1)

توضيحه : أنّه (قدس سره) بصدد بيان الفرق بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين ، والمقام بأنّ الشكّ في الثاني يرجع إلى الشكّ في السقوط دون الأوّل فانّ الشكّ فيه يرجع إلى سعة المتعلّق وضيقه.

وأساس الفرق هو التمكّن من أخذ القيد في المتعلّق في الارتباطيين ، دون المقام حيث إنّ الأخذ فيه مستلزم للمحال ، وعلى ضوء ذلك لا ملازمة بين القول بالبراءة فيهما والقول بالبراءة في المقام ـ مضافاً ـ إلى أنّه (قدس سره) يعول بالاشتغال في كلا المقامين كما سيوافيك في مبحث الاشتغال.

يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ ما ذكره مبني على تقسيم الجزء إلى ما يمكن أن يكون

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/113 ـ 114.

335

مأخوذاً في المتعلّق وما لا يمكن ، فتجري البراءة في الأوّل دون الثاني.

وأمّا على المختار من أنّ جميع الشروط والأجزاء على سنخ واحد ، و انّ الكلّ يرجع إلى المتعلّق ، وانّ للمولى أن يأخذ قصد الأمر جزءاً للمأمور به كالقنوت وجلسة الاستراحة ، فلا يصحّ الفرق بين المقام والأقل والأكثر الارتباطيين.

وثانياً : أنّ ما ذكره من الدليل على الاشتغال في المقام ليس أمراً جديداً ، بل هو دليل القائلين بالاشتغال في الأقل والأكثر الارتباطيين في ذلك المبحث حيث قالوا : بأنّ الأمر بالأقل معلوم ونشك في سقوطه لأجل ارتباطية الأجزاء ، وانّ الغرض المستكشف من الأمر معلوم ونشك في سقوطه بإتيان الأقل ، فيجب الإتيان بكلّ ما احتمل دخله في الغرض.

فإذا كان روح الدليل في المقامين هو الشكّ في السقوط وحصول الغرض ، فنقول :

إنّ تحصيل غرض المولى واجب لكن في المقدار الذي قام الدليل عليه ، وأمّا ما لم يقم عليه الدليل فليس بواجب تحصيله ، كما في المقام.

وبعبارة أُخرى : فالعبد مسؤول أمام اللّه حسب ما أعطي من الحجة لا ما شك فيه ، والشكّ في سقوط الأمر في المقامين لاحتمال عدم حصول الغرض لا يؤثر في الاشتغال ، وقد نبّه ببعض ما ذكرنا المحقّق العراقي في تقريراته ، فقال :

إنّ التقريب المذكور ليس موجباً للفرق بين المقام والأقل والأكثر الارتباطيين ، بل هو أحد الوجوه التي ذكرت للدلالة على لزوم الاحتياط فيهما. (1)

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/240.

336

حكم الأصل الشرعي

قد عرفت أنّ حكم الأصل العقلي هو البراءة ، وأمّا حكم الأصل الشرعي فهو أيضاً كالعقلي على ما اخترنا من إمكان أخذه في المتعلّق بطرق مختلفة ، فإذا شككنا في جزئيته أو شرطيته فيكون ممّا لا يعلمون ، فيرفع بحديث الرفع.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لما بنى على عدم إمكان أخذه في المتعلّق ذهب في المقام إلى عدم جريان البراءة الشرعية قائلاً :

بأنّه لابدّ في عمومها لشيء من كونه قابلاً للرفع والوضع ، وليس المقام كذلك ، فانّ دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعي ، بل واقعي ، ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان كذلك ، إلاّ أنّهما قابلان للوضع والرفع شرعاً. فبدليل الرفع ـ ولو كان أصلاً ـ يكشف أنّه ليس هناك أمر فعلي بما يعتبر فيه الشكوك ، يجب الخروج عن عهدته عقلاً ، بخلاف المقام ، فانّه علم بثبوت الأمر الفعلي وشكّ في كيفية الخروج. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ ما ذكره مبني على امتناع أخذه في المتعلّق مطلقاً ، فعندئذ يكون دخله في الغرض تكوينياً لا جعلياً ، والأمر التكويني غير قابل للوضع والرفع.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار في ذيل كلامه إلى وجود الفرق بين المقام والشكّ في الجزئية والشرطية ، بعد اشتراكهما في أنّ مدخلية الجزء والشرط أمر عقلي ، ولكنّه في غير قصد الوجه قابل للرفع والوضع ، فلأجل ذلك يشمله حديث الرفع بخلاف المقام.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/114 ـ 116.

337

نقل كلام عن المحقّق العراقي

إنّ المحقّق العراقي تابع المحقّق الخراساني في عدم جريان البراءة الشرعية ، وأيّده بوجهين ، لكن مبنى الوجه الأوّل غير مبنى الوجه الثاني.

فالأوّل منهما مبني على عدم جريان البراءة العقلية.

كما أنّ الوجه الثاني مبني على القول بعدم إمكان أخذه فيه بأمر واحد وإمكان أخذه بأمرين ، ولولا التوجّه إلى أنّ لكلّ وجه مبنى خاصاً لانقلب كلامه إلى ألغاز.

أمّا الأوّل فقال :

أمّا الوجه الأوّل فمحصّله أنّ ملاك البراءة النقلية هو كون الأمر المشكوك فيه إذا لم يبينه المولى كان ناقضاً لغرضه ، ومورد الكلام ليس كذلك ، فانّ القيد المزبور على فرض كونه مراداً للمولى لا يكون ناقضاً لغرضه إذا لم يبينه لكفاية حكم العقل بلزوم الإتيان به في مورد الشكّ ، فلا يلزم من عدم البيان نقض الغرض ، وإذا كان المورد كذلك لا يكون مجرى للبراءة النقلية. (1)

يلاحظ عليه : أنّ حكم العقل بالاشتغال حكم في مقام الشكّ ، وليس حكماً واقعياً ، فكم فرق بين الحكم بحسن العدل وقبح الظلم فلا يمكن للشارع نقضه وبين حكمه بالاشتغال في المقام في مقام الشكّ ، فعندئذ يكون حكم الشارع بالبراءة النقلية بما انّه حكم مولوي رافعاً لحكم العقل.

وأمّا الوجه الثاني : انّ جريان البراءة النقلية عن وجوب قيد الدعوة بنحو الأمر الثاني ، لا يثبت أنّ متعلّق الأمر الأوّل هو تمام المطلوب إلاّ على القول بحجّية

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/243.

338

الأصل المثبت ، ضرورة أنّ نفي الوجوب من متمم الجعل ، وإثبات انّ الباقي واف بالغرض بالأصل المذكور من أظهر مصاديق الأصل المثبت ، بخلاف ما لو قلنا بإمكان أخذ قيد الدعوة ونحوه في متعلّق الأمر الأوّل فانّه عليه يرجع الشكّ إلى انبساط الأمر على الجزء أو القيد المشكوك في دخله ، فإذا جرت البراءة في انبساط الأمر عليه وتعلقه به استفدنا أنّ باقي الأجزاء هو تمام المأمور به في نظر العرف وليس ذلك من المثبت لخفاء مثل هذه الواسطة في نظر العرف. (1)

وحاصله : انّه لو قيل بإمكان الأخذ بأمر واحد تثبت أصالة البراءة الشرعية انّ المأتي به تمام الموضوع ، وأمّا على القول بعدم إمكان أخذه بأمر واحد وإنّما يمكن بأمر ثان ، فنفي الأمر الثاني بالبراءة وبالتالي نفي التعبدية لا يثبت كون المأتي به تمام الواجب.

يلاحظ عليه : بأنّ الالتزام بوجوب العلم بكون المأتي به تمام المأمور به من قبيل الالتزام بما لا يجب الالتزام به ، إذ ليس الواجب إلاّ عنوان الصلاة لا عنوان تمام المطلوب حتى يجب إحرازه ، بل يجب إحراز ما قامت عليه الحجّة سواء أكان تمام المأمور به أو لا.

إلى هنا خرجنا عن هذا البحث الضافي بالنتائج التالية :

1. انّ مقتضى الأصل اللفظي في التوصلية والتعبدية هو التوصلية.

2. انّ مقتضى الأصل العقلي والشرعي عند عدم الدليل كالإطلاق وغيره على التوصلية ، هو التوصلية.

3. انّ المعتبر في صحّة الواجب هو الإتيان به للّه سبحانه ، ولا يعتبر الإتيان به لأمره سبحانه.

____________

1 ـ بدائع الأفكار : 1/244.

339

إنّ هذا البحث مبنيّ على القول بأنّ ملاك العبادة هو الإتيان لأمره ، وأمّا على القول بأنّ ملاك العبادة هو الإتيان للّه سبحانه فالبحث أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

340

المبحث الخامس

في دوران صيغة الأمر

بين كونه

نفسياً ، تعيينياً ، عينياً ، وما يقابلها

إذا دار أمر الصيغة بين كونه نفسياً أو غيرياً ، كما إذا قال : اغتسل للجنابة ، واحتمل كونه واجباً بنفسه أو غيرياً واجباً للغير كالصلاة والصوم.

أو دار أمرها بين كونه تعيينياً أو تخييرياً ، كما إذا قال : ( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَومِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّه ) (1) ودار بين كونه واجباً تعيينياً لا يسقط بالإتيان بشيء آخر ، أو تخييرياً ساقطاً بفعل الظهر أيضاً.

أو دار أمرها بين كونه عينيّاً أو كفائياً ـ كما إذا قال : قاتل في سبيل اللّه ، ودار أمره بين كونه واجباً عينياً و واجباً عليه في جميع الحالات قام به الآخر أو لا ، أو كفائياً ساقطاً إذا قام به الآخر.

فالمعروف في جميع الصور الثلاث هو الحمل على النفسي التعييني العيني ، غير أنّهم اختلفوا في وجه ذلك بعد الاتفاق على أصل الحمل ، وقد ذكروا في المقام وجوهاً.

____________

1 ـ الجمعة : 9.

341

الوجه الأوّل : الحمل مقتضى الإطلاق

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الحمل مقتضى إطلاق الصيغة قال : مقتضى إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسياً ، تعيينيّاً ، عينياً ، لأنّ الوجوب في مقابلاتها مقيّد بقيد ، ومضيقة دائرته به ، فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه ، فالحكمة تقتضي كون الوجوب مطلقاً ، وجب هناك شيء آخر أو لا ، أتى بشيء آخر أو لا ، أتى به آخر أو لا. (1)

وحاصله : انّ الوجوب في الثلاثة الأول ، مطلق ، وفي مقابلاتها مقيّد ، فإذا لم يأت بالقيد مع كونه في مقام البيان ، يؤخذ بإطلاقه ويحمل على كونه نفسياً تعيينياً ، عينيّاً.

وأورد عليه السيّد الأُستاذ : بأنّ كلاً من القسمين ، من أقسام الوجوب ، يمتاز عن المقسم بقيد ، ولا معنى لأن يكون أحد القسمين مقيّداً دون الآخر ، وإلاّ يلزم أن يكون القسم عين المقسم ، وإليك بيان قيد كلّ واحد من القسمين :

الواجب النفسي ما وجب لنفسه.

والغيري ما وجب لغيره.

الواجب التعييني ما وجب وإن أتى بشيء آخر.

والتخييري ما وجب إذا لم يأت بشيء آخر.

الواجب العيني ، ما وجب وإن أتى به شخص آخر.

والكفائي ما وجب إذا لم يأت به شخص آخر.

وعلى ضوء ذلك يكون كلّ واحد منهما في مقام التحديد مشتملاً على قيد زائد على نفس البعث ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود ، وعليه تصير النفسية

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/116.

342

مبائنة للغيرية ، لا تتعين إلاّ بدال آخر ، فلو كان هناك قرينة على أحد الطرفين فهو ، وإلاّ يصير الكلام من هذه الجهة مجملاً. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره صحيح إذا لوحظ كلّ من القسمين برؤية عقلية ، فلكلّ ، قيد يمتاز به عن المقسم والقسم الآخر ، وأمّا إذا لوحظ برؤية عرفية فالعرف يرى الوجوب النفسي ، نفس الوجوب بلا قيد ، وهكذا الآخران ، من دون أن يزيد على الوجوب بشيء ، وذلك لأنّ القيد في الواجب النفسي ، أعني قوله : « ما وجب لذاته أو لنفسه » ليس شيئاً زائداً على أصل الأمر ، بل هو تأكيد له ، فلا يتلقّاه العرف أمراً زائداً على أصل الوجوب وإن كان في نظر العقل قيداً زائداً.

وبه يتبين حال الأمرين الآخرين ، فانّ تفسير التعييني « بما وجب وإن أتى بشيء آخر » ، وتفسير العيني « بما وجب وإن أتى به آخر » ، ليس قيداً زائداً على الوجوب ، بل هو تفسير لإطلاق الوجوب وسعته وانّه غير محدد ولا مقيّد ، وواجب في كلتا الحالتين ، وعليه يكفي في بيانه السكوت بخلاف القيد في الأقسام الثلاثة ، فانّه تحديد للوجوب وتضييق له فلا يكفي في بيانه السكوت ، بل لابدّ من التكلّم به ، فإذا سكت يحمل على الفرد الذي يكون إطلاق الوجوب كافياً في بيانه وإفادته.

وبعبارة أُخرى : انّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم ، ويكون وافياً بإفادة المقصود ، فلو أُريد النفسي ونظيره ، فالوجوب المطلق من غير قيد باللفظ واف بإفادة المراد ، وإن أُريد المقيّد ، فالتعبير غير واف ، وقد عرفت انّ النفسي والتعييني والعيني ، نفس الوجوب المطلق في منظر العرف لا تزيد عليه بشيء في ذهنه. وكأن العرف يتلقى السكوت وافياً ببيان الثلاثة الأول ، دون الثلاثة الأُخر.

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/167.

343

الوجه الثاني : الحمل مقتضى حكم العقل في مجال العبودية

قد عرفت أنّ أمر المولى ، تمام الموضوع لوجوب الطاعة والعلم بالخروج عن العهدة ، ولا يصحّ له ترك المأمور به باحتمال كونه مندوباً ، فلا يترك أمر المولى بلا جواب ، والجواب إمّا العلم بكونه مندوباً وإمّا الإتيان بالمأمور.

وعلى ضوء ذلك يجب أن يحمل على كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً ، إذ على هذا الفرض يقوم بامتثال الأمر في جميع الأحوال ولا يترك أمر المولى بلا جواب بخلاف ما إذا حمل على مقابلاتها فحينئذ يصحّ له ترك المأمور به باحتمال انّه واجب مقدّمي بشيء لم يجب بعد ، أو واجب تخييري أتى بعدله ، أو كفائي أتى آخر به ، ومن المعلوم أنّ ترك المأمور به بهذه الاحتمالات ترك بلا عذر قاطع وجواب حاسم.

الوجه الثالث : المختص بمورد التعييني والعيني

إنّ الوجوب في الواجب التخييري متعلّق بعنوان انتزاعي وهو أحد الفعلين أو الأفعال كما أنّه في الواجب الكفائي متعلّق بأحد المكلّفين ، فلو أتى المكلّف بأحد الأعدال أو قام به أحد المكلّفين فقد امتثل الحكم ، لكون المأتي به موافقاً للمأمور به ، وعلى هذا فمقتضى الإطلاق كون الواجب تعيينياً عينياً ، وذلك لأجل أنّ الفرق بين الواجب التعييني والتخييري هو أنّ الواجب في الأوّل هو الجامع الحقيقي والعنوان المتأصّل المنطبق على مصاديقه انطباقاً ذاتياً ويكون لنفس العنوان مدخلية في الحكم ، مثل قوله : « صلّ » ويكون المكلّف مخيّراً بين مصاديقه الذاتية في مقام الامتثال ، وأمّا الواجب في الثاني ، فالواجب فيه هو العنوان الانتزاعي والجامع غير المتأصّل ، والمكلّف مخيّر بين مصاديقه كعنوان أحد الفعلين

344

أو أحد الأفعال ، ولا مدخلية للعنوان في ثبوت الحكم ، إلاّ أنّه اتخذ وسيلة لبيان ما هو الواجب ، وتعلّق الإرادة والعلم بهذه العناوين ، بمكان من الإمكان فضلاً عن تعلّق الحكم الذي ليس إلاّ أمراً اعتبارياً.

فإذا قال المولى : « أطعم » فظاهر البيان مدخلية ذاك العنوان ، بما هو هو ، في الحكم ، لا بما أنّه أحد أفراد العنوان الانتزاعي ، ولو كان المتكلّم في مقام البيان ، وكان الواجب تعيينياً لكفى البيان المزبور ، بخلاف ما إذا كان تخييرياً ، فانّه يكون البيان ناقصاً غير واف.

وبذلك يعلم حال التردد بين العيني والكفائي ، فانّ مردّ التردد إلى أنّ التكليف توجّه إلى نفسه أو إلى عنوان أحد المكلّفين ، فانّ ظاهر الخطاب أنّه متوجّه إلى شخصه أو إلى عنوان ذاتي كالمستطيع الذي هو من مصاديقه ، وهذا بخلاف ما إذا كان واجباً كفائياً فالخطاب فيه ليس متوجّهاً إلى شخص المكلّف ولا إلى عنوان ذاتي ، بل إلى عنوان انتزاعي كأحد المكلّفين.

يلاحظ عليه : انّ ما ذكره مبني على تفسير الفرق بين التعييني والتخييري أو العيني والكفائي بما ذكر ، وسيوافيك عدم صحّته وانّ التعلق في الجميع بنحو واحد. وإنّما الاختلاف في سنخ الوجوب ، لا في متعلقه على النحو الذي مرّ.

هذا كلّه حول الأصل اللفظي ، وأمّا مقتضى الأصل العملي فقد فرّقه الأُصوليون المتأخرون فبحثوا عن مقتضى الأصل فيما إذا دار بين النفسي والغيري في مبحث وجوب المقدمة ، وعن الأمرين الأخيرين في مبحث البراءة والاشتغال.

345

المبحث السادس

الأمر عقيب الحظر أو توهمه

لو قلنا بإفادة صيغة الأمر الوجوب وضعاً أو إطلاقاً أو لأجل حكم العقل ، فهل الأمر كذلك إذا وقع عقيب الحظر أو توهمه ؟ وإليك بعض الأمثلة :

1. قال سبحانه : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحيض قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلُوا النّساء فِي الْمَحيضِ وَلا تَقْربُوهُنّ ) وقال بعد النهي ( فإِذا تَطَهّرْنَ فأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّه ) (1) فالحظر والنهي في آية واحدة.

2. قال سبحانه : ( أُحِلّت لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعام إِلاّ ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْر مُحِلِّي الصيدِ وأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ ما يُريد ) (2) أي غير مستحلّين اصطيادها في حال إحرامها.

وجاءت الآية الثانية بالأمر بالاصطياد بعد الاحلال ، وقال : ( وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ). (3)

فما هو مفاد الأمر بعد النهي أو توهمه ؟ وهناك أقوال :

أ. فمن قائل بظهورها في الاباحة.

ب. إلى آخر قائل بظهورها في الوجوب.

ج. إلى ثالث بتبعية حكم الموضوع لما قبل النهي إذا علّق الأمر بزوال علّة

____________

1 ـ البقرة : 222.

2 ـ المائدة : 1.

3 ـ المائدة : 2.

346

النهي ، كما قال : ( وَإِذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ).

د. إلى رابع بإجمال الكلام لاكتنافه بما يصلح للقرينية ، فالمرجع بعد الإجمال هو الأُصول العملية كما هو مختار المحقّق الخراساني وهو الأقوى.

وجه ذلك : هو ما عرفت من أنّ دلالة الأمر على الوجوب تدور على أحد محاور ثلاثة :

1. دلالة الصيغة على الوجوب بالدلالة اللفظية.

2. دلالتها على الوجوب من باب الإطلاق ، وهو أنّ البعث المطلق يساوق الوجوب ، بخلاف الندب ، فانّه يحتاج في إفادته ـ وراء البعث ـ إلى قيد زائد ، وقد مرّ نظير ذلك في دوران الأمر بين النفسية والغيريّة فلو أراد الوجوب ، يكون اللفظ وافياً ببيانه ، بخلاف الندب.

3. دلالتها على الوجوب ، من باب حكم العقل والعقلاء ، بأنّ أمر المولى لا يُترك بلا جواب ، وليس للعبد ترك المأمور به باحتمال كون الطلب مندوباً.

وعلى أيّ وجه من هذه الوجوه الثلاثة ، اعتمد في استفادة الوجوب ، فهو غير جار في المقام.

أمّا على الوجه الأوّل ، فانّ استعماله في الوجوب حقيقة وفي غيره مجاز ، فإذا دار مفاد الصيغة في قوله ( فأْتوهنّ من حيث أمركم ) بين الحقيقة والمجاز فلا يمكن التمسّك بأصالة الحقيقة لأنّها إنّما تجري إذا لم يكتنف الكلام بمحتمل القرينية كما في المقام حيث إنّ تقدّم النهي ربّما يصلح أن يكون قرينة على أنّ الأمر لبيان الترخيص ورفع الحظر ، لا لزوم الامتثال.

و منه يظهر حال الوجه الثاني ، فانّ الأخذ بالإطلاق رهن تمامية مقدّمات الحكمة أعني كون المتكلّم في مقام البيان ، وعدم القدر المتيقن في مقام التخاطب ،

347

وفقد ما يصلح للقرينية ، فثبوت الإطلاق ، المساوق للوجوب ، فرع عدم وجود ما يصلح للقرينية ، لكن النهي المتقدّم يصلح لها وانّ المراد من الأمر ، هو نقض النهي والحظر لا البعث الجدّي إلى المتعلّق.

أمّا على المذهب المختار فهو أيضاً كذلك ، لأنّ الموضوع لوجوب الطاعة ، هو الأمر ، غير المكتنف بما يصلح لأن يصرفه إلى أنّ المقصود رفع الحظر المحقق ، أو المتوهم وليس هذا الاحتمال ، نظير احتمال إرادة الندب من الأمر المطلق ، غير المكتنف بما يصلح للقرينية ، إذ لا إجمال فيه ، ولا يكون الاحتمال المجرّد عذراً في ترك المأمور به ، بخلاف المقام.

و من ذلك يعلم ، أنّ أقوى الأقوال هو القول بالإجمال والرجوع إلى الأُصول العملية إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي فوقهما وإلاّ فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي وهذا كما في مورد المرأة الحائض.

فقد ورد مفاد النهي في قوله سبحانه ( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحيض ).

وورد الأمر بعده عند زوال ملاك النهي وقال : ( فإذا تَطَهّرْنَ فأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أمرَكُمُ اللّه ) ولاحتفاف الأمر بما يصلح للقرينة ، يصبح الأمر مجملاً غير دال إلاّ على حكم شرعي مردد بين الأحكام الأربعة.

ولكن لما كان في المقام تشريع فوقاني دال بإطلاقه الأحوالي على حكم الزمان الذي ورد فيه الأمر ، يكون هو المرجع ، أعني قوله سبحانه : ( نساؤكُمْ حَرثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حرثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ) (1) فهو بإطلاقه يعم حال المحيض والطهارة ، خرج عنه الأوّل ، وبقي الباقي تحته ، ويكون الحكم الشرعي هو الإباحة الشرعية.

____________

1 ـ البقرة : 223.

348

المبحث السابع

دلالة الأمر على المرّة والتكرار

ولنقدّم أمام البحث أُموراً :

الأوّل : فيما إذا كانت هناك قرينة على أحد الأمرين

إنّ البحث في دلالة الأمر على المرّة والتكرار مركّز فيما إذا لم يدل دليل خارجي على أحد الأمرين كالتكرار في قوله سبحانه : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمس ) (1) أو المرّة في الأمر الوارد في الحج في الروايات الذي يعبر عنه قوله سبحانه : ( للّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْت ). (2)

الثاني : في تحرير محلّ النزاع

هل النزاع في دلالة المادة ، أو الهيئة أو مجموعهما على أحد الأمرين ؟ وجوه ، ذهب صاحب الفصول إلى أنّ محلّ النزاع في دلالة الهيئة لا في المادة ، لإجماع أهل الأدب على أنّ المصدر المجرّد من اللام والتنوين لا يدلّ إلاّ على صرف الطبيعة.

وأورد عليه المحقّق الخراساني : بأنّه إنّما يتم إذا كان المصدر هو مبدأ المشتقات ، وليس كذلك ، بل هو أحد المشتقات ، فعدم دلالته لا يدل على عدم

____________

1 ـ الإسراء : 78.

2 ـ آل عمران : 97.

349

دلالة مبدأ المشتقات عليهما.

يلاحظ عليه : أنّ عدم دلالة المصدر ، يكشف عن عدم دلالة مادة المشتقات على أحدهما ، لاشتراك المصدر مع سائر المشتقات في مادتها ، فإذا كان المصدر مادة وهيئة غير دالّ إلاّ على نفس الطبيعة فينتج أنّ مادة المشتقات مطلقاً ـ في أي واحد منها ـ لا تدل على أحدهما لوجود مادتها في المصدر بلا تغيير.

الثالث : الفرق بين الدفعة والمرة و ...

الفرق بين الدفعة والدفعات والمرّة والتكرار ، هو أنّ الملاك في الدفعة والدفعات ، هو وحدة الحركة وتعددها ، ولكن الملاك في الثاني ، هو وحدة المصداق للطبيعة وكثرته.

و على ضوء ذلك ربّما يجتمع الدفعة مع التكرار كما إذا أتى العبد بإناءين مملوءين من الماء فقد امتثل دفعة ، ولكن بفردين مكررين ، و على كلّ تقدير فكلّ من المعنيين قابل لأن يقع محلّ النزاع.

وتظهر الثمرة فيما لو قلنا بدلالته على المرّة بمعنى الدفعة ، إذ يكون الإتيان بفردين دفعة ، مجزياً وواقعاً ، تحت الأمر بخلاف ما لو فُسرت بالفرد ، فيضرّ تعدد الفرد وإن كانت الحركة واحدة.

ثمّ إنّ صاحب الفصول أصرّ على أنّ المراد من المرّة والتكرار هو الدفعة والدفعات لا الفرد والأفراد ، قائلاً بأنّه لو كان المراد ، هو الفرد والأفراد ، لكان الأنسب جعله ذيلاً للبحث الآتي في تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد ، فلو قلنا بالثاني ، يلزم أن يبحث بأنّ المدلول هل هو الفرد الواحد أو الأكثر أو لا واحد منهما ؟

وأمّا لو أُريد بها الدفعة فلا علقة بين المسألتين.

350

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه لا علقة بين المسألتين سواء أُريد من المرّة والتكرار ، الدفعة والدفعات ، أو أُريد منهما ، الفرد والافراد.

وذلك لأنّه إنّما يصحّ جعل هذه المسألة ذيلاً لمسألة تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد ، إذا أُريد من الطبيعة في عنوان المسألة الثانية : تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد ، الطبيعة بما هي هي ، فبما انّه لا يتصوّر في الطبيعة بهذا المعنى ، الفرد والأفراد ، فتصبح دلالة الأمر على الفرد والأفراد ، ذيلاً للشق الثاني من تلك المسألة ويقال : فعلى القول بتعلّقها بالفرد ، فهل يتعلّق بفرد واحد ، أو أفراد ؟

ولكن تفسير الطبيعة بالمعنى المذكور في عنوان المسألة الثانية ، خاطئ جداً ، لأنّها بما هي هي ليست محبوبة ولا مبغوضة ، فكيف يتعلّق بها الأمر ؟ بل المراد منها في عنوان المسألة الوجود السعي بلا لحاظ المشخصات ، وعندئذ وقع النزاع في أنّ متعلّق الأمر ، هل وجود الطبيعة بوجودها السعي من دون أن يكون للمشخصات دور في المطلوب أو انّ متعلقها وجود الطبيعة مع مشخّصاتها الفرديّة ، مثلاً إذا قال : اسقني بالماء فجاء بالماء في إناء بلّور ، فهل المتعلق إحضار الماء بوجوده السعي ، سواء أكان في إناء بلور أو نحاس أو غيره من دون نظر إلى تلك الخصوصيات ، أو أنّ المتعلّق هو تلك المشخصات مضافاً إلى وجود الطبيعة.

فإذا كان هذا معنى النزاع في تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد ، يصحّ النزاع في أنّ الأمر يدل على المرّة والتكرار بمعنى الفرد والافراد على كلا القولين ، وأمّا على القول الأوّل أي تعلقه بالطبيعة بمعنى الوجود السعي ، فيقع النزاع في دلالة الأمر على الوجود الواحد لها أو الوجودات الكثيرة ، وأمّا على القول الثاني فواضح لا يحتاج إلى بيان.

فاتضح أنّ البحث عن المرّة والتكرار سواء فسّرنا بالدفعة أو الدفعات أو

351

بالفرد والافراد ، مسألة مستقلة فيصحّ النزاع في دلالة الأمر على المرّة والتكرار بكلا المعنيين ، فليست المسألة ، ذيلاً للقول الثاني في مسألة متعلق الأمر ، فلاحظ.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الحقّ عدم دلالة الصيغة على واحد من الأمرين ، لأنّ الدالّ إمّا الهيئة فهي موضوعة للبعث والاغراء ، أو المادة وهي موضوعة للطبيعة بما هي هي من دون تقيّد بالوحدة أو الكرة ، فأين الدال ؟!

وأمّا الاكتفاء بالمرة فلأجل حصول الامتثال بها عقلاً ، لا من باب دلالة الصيغة عليها لفظاً.

نعم يمكن القول بأنّ المرّة مقتضى الإطلاق بالبيان الذي مرّ في كون الوجوب أو النفسية مقتضى إطلاق الأمر ، فلاحظ.

بقي هنا شيء وهو انّه ـ على المختار ـ من عدم الدلالة على واحد من المرّة والتكرار ، لو امتثل المكلّف بالاتيان بعدة افراد من الطبيعة دفعة واحدة ، كما إذا قال المولى : أكرم عالماً فأكرم عدّة منهم دفعة ، فهل هو يعد امتثالاً واحداً أو متعدّداًً ؟

ذهب سيد مشايخنا المحقّق البروجردي إلى القول الثاني قائلاً بأنّ الطبيعة تتكثر بتكثر أفرادها ، وكلّ فرد من الأفراد محقّق للطبيعة ، ولما كان المطلوب هو الطبيعة بلا تقيّد بالمرّة والتكرار فحينئذ إذا أتى المكلف بأفراد متعددة فقد أوجد المطلوب ـ أي الطبيعة ـ بايجاد كلّ فرد ، ويكون كلّ فرد امتثالاً برأسه ـ كما أنّه موجود برأسه.

ومن هذا القبيل الواجب الكفائي حيث إنّ الأمر فيه متعلّق بنفس الطبيعة ويكون جميع المكلّفين مأمورين بإتيانها فلو أتى واحد منهم بها سقطت عن الباقي

352

ولا مجال للامتثال ثانياً ، ولو أتى عدّة منهم بها دفعة يكون كلّ واحد منهم ممتثلاً وتتحقق امتثالات لا امتثال واحد من الجميع. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ فيه خلطاً بين تعدد الطبيعة وتعدد الامتثال ، أمّا الأوّل فلا شكّ فيه ، لأنّ كلّ واحد من المصاديق والافراد ، محقق للطبيعة فزيد إنسان تام ، وعمرو إنسان تام آخر كما أفاده الشيخ الرئيس في تحقيق أنّ وجود الطبيعة في الخارج بمعنى وجود أفرادها.

وأمّا الثاني : انّ تعدد الامتثال فهو رهن تعدد الطلب والبعث ، حتّى يعدّ امتثال كلّ بعث امتثالاً مستقلاً ، لكن المفروض عدمه حيث إنّ هنا بعثاً واحداً متعلقاً بالطبيعة غير المقيّد بالمرة والتكرار ، ومعه كيف يتعدد الامتثال ؟ وليس الأمر بإكرام العالم ، كالأمر بإكرام العلماء ، حيث إنّ الأمر في الثاني ينحلّ إلى أوامر حسب عدد المصاديق ولكلّ امتثال ، بخلاف الأوّل ، فهو أمر واحد ، متعلّق بالطبيعة المطلقة غير المقيّدة ، ومعها يكون البعث مثلها واحداً ، كما يكون الامتثال أيضاً واحداً.

وبما ذكرنا يعلم الفرق بين المقام والواجب الكفائي حيث إنّ البعث هناك متعدد حسب تعدد الأفراد ، فالكلّ مأمور بتجهيز الميت ومواراته لكن لو أتى به فرد منهم سقط عن الباقي لارتفاع الموضوع أو غيره و على ضوئه لو أتى به عدّة دفعة واحدة يعد الجميع ممتثلاً ، لقيام الكلّ بالخطاب الموجَّه إليه.

____________

1 ـ لمحات الأُصول : 84