إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
353

في دلالة الأمر على الفور أو التراخي وعدمها

إنّ الواجب ينقسم إلى قسمين : موسّع ومضيّق. فالأوّل ما لا يكون مقيّداً بالزمان ، كأداء الدين غير المؤجّل بأجل ، أو يكون الزمان المضروب على الفعل أوسع منه ، ويكون المكلّف مخيّراً في امتثاله بين الزمن الأوّل والثاني. كصلاة الظهر بالنسبة إلى وقتها.

وأمّا الثاني ، فعلى أقسام :

الأوّل : ما يكون محدوداً من حيث الزمان ، لا يجوز تقديمه ولا تأخيره ، كالصوم الواجب في شهر رمضان.

الثاني : ما يجب فوراً ، ويسقط وجوبه فضلاً عن فوريته لو أخّر. كردّ السلام ، فلو لم يردّ ، عصى ، وسقط الوجوب.

الثالث : ما يجب فوراً ، ولو عصى لسقطت فوريته لا أصله ، كصلاة الزلزلة : فلو عصى وأخّر ، سقطت فوريتها لا أصل وجوبها.

الرابع : ما لا يسقط أصل وجوبه ولا فوريته إذا عصى ، ولكن يجب عليه الإتيان به فوراً ففوراً ، كقضاء الفوائت.

وهذا التقسيم حسبَ الثبوت. وإليك الكلام حسب الإثبات. فهل الأمر يدلّ على كونه مضيّقاً أو موسّعاً أو لا يدلّ على واحد منهما ؟

استدلّ القائل بعدم الدلالة على واحد منهما بالدليل الماضي في مبحث المرّة والتكرار ، وحاصله : أنّ الأمر مركّب من هيئة ومادة ، والثانية دالة على الطبيعة

354

المطلقة ، والهيئة موضوعة للبعث ، فأين الدالّ على الفورية أو التراخي ؟!

هذا حسب الدلالة اللفظية وقد عرفت عدم دلالتها على واحد منهما.

إنّما الكلام في مقتضى الإطلاق فقال المحقّق الخراساني بأنّ قضية إطلاق الصيغة جواز التراخي.

ويمكن أن يقال انّ مقتضى الإطلاق هو الفور ، وذلك لما مرّ في وجه حمل الأمر على الوجوب دون الندب ، أو النفسية دون الغيرية ، فيقال في المقام انّ كلا من الفور والتراخي خارج عن مفهوم البعث ، وقسمان له ، وإرادة كلّ قسم يحتاج إلى بيان زائد وراء بيان البعث ، غير أنّ متلقّى العرف أنّ البعث يلازم الانبعاث فكأنّهما متلازمان فلو أراد الآمر ذاك الفرد ، فهو غني عن البيان ، و إن أراد التراخي فهو رهن بيان زائد.

هذا إذا كان المولى في مقام البيان ، وأمّا إذا كان في مقام الإجمال والإهمال فالمرجع هو البراءة عن الكلفة الزائدة على أصل التكليف وهي الفورية.

أدلة القائل بالفورية

استدل على القول بالفورية تارة بأنّها مقتضى صيغة الأمر ، وأُخرى بأنّها مقتضى الأدلّة الخارجية.

أمّا الأوّل : فهو خيرة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري حيث نزّل العلل التشريعية منزلة العلل التكوينية فكما أنّ مقتضى الثانية عدم انفكاك معاليلها عنها ، فهكذا الأُولى قال في قضاء الفوائت : إنّ الفورية وإن كانت غير ملحوظة قيداً في المتعلق ، إلاّ أنّها من لوازم الأمر المتعلق به فانّ الأمر تحريك إلى العمل وعلة تشريعية ، وكما أنّ العلة التكوينية لا تنفك عن معلولها في الخارج ، كذلك العلة

355

التشريعية تقتضي عدم انفكاكها عن معلولها في الخارج. (1)

وضعفه ظاهر ، فانّ عدم الانفكاك في التكوين ، لا يكون دليلاً على عدم انفكاكه في التشريع ، فانّ نظام العلّة والمعلول ، نظام الضرورة فوجود المعلول بعد العلة أمر ضروريّ لا محيص عنه ، وهذا بخلاف نظام التشريع فانّه نظام الاعتبار والفرض فيتبع كيفية الاعتبار ، فلو اعتبر البعث غير منفك عن الانبعاث التشريعي ، فلا محيص عن الفورية ، وإن اعتبره منفكاً عنه فلا محيص عن التأخير ، وإن اطلق ، يحتمل الأمران ، فوزان الزمان كوزان المكان وسائر القيود ، لا يتكفّل لبيانها نفس البعث بل لابدّ من دليل آخر.

وما ذكرناه لا ينافي ما تقدّم من أنّ الإطلاق يساوق الفورية وانّ التراخي رهن البيان الزائد ، وذلك لأنّ ما ذكرناه مبني على أنّ الفورية هو متلقى العرف في دائرة المولوية والعبودية ، من دون حاجة إلى قياس علل التشريع ـ كالأمر ـ بالعلل التكوينية كما عليه هذا البيان.

وأمّا الثاني أي الاستدلال بالأدلة الخارجية فقد استدلّوا بآيتين :

الأُولى : آية المسارعة

قال سبحانه : ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنّة عَرْضُهَا السَّموات وَالأَرضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين ). (2)

والدلالة مبنية على بيان أمرين :

1. انّ الأمر في « سارعوا » للوجوب فتكون المسارعة واجبة.

2. انّ المغفرة من أفعاله سبحانه ولا يمكن التسارع إليها فيكون قرينة على

____________

1 ـ كتاب الصلاة ، باب قضاء الفوائت : 392 ، ط1352 هـ.

2 ـ آل عمران : 133.

356

انّ المراد بها ، هو أسبابها أعني الواجبات فينتج وجوب المسارعة إلى الإتيان بالواجبات.

يلاحظ عليه : أنّ سبب المغفرة بين المتشرعة هو الاستغفار بشرائطه ، وعليه كتاب اللّه العزيز يقول سبحانه : ( وَالّذينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون * أُولئكَ جَزاؤهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ العامِلين ). (1)

فلو تمت دلالة الآية ، لدلّت على المبادرة إلى الاستغفار ، لا إلى سائر الواجبات.

الآية الثانية : ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُل جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في ما آتيكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَيُنَّبِئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ ). (2)

وجه الاستدلال أنّ ظاهر الآية وجوب الاستباق إلى الخيرات التي من أظهر مصاديقها هو فعل الواجبات فلو عصى ، يجب عليه الإتيان في الآن الثاني وهكذا.

يلاحظ عليه : أنّ مفهوم الآية هو وجوب تسابق العباد ـ في ميدان المباراة ـ نحو عمل الخير ، على نحو لو بادر أحد لم يبق موضوع للآخر ، و أين هذا من وجوب مبادرة كلّ إلى واجبه وإن لم يكن في جانبه أيّ مكلف ؟!

____________

1 ـ آل عمران : 135 ـ 136.

2 ـ المائدة : 48.

357

والآية نظير قوله سبحانه ( وَاسْتَبَقا الباب ) (1) حيث تسابق كل من يوسف وامرأة العزيز نحو الباب فحاول يوسف فتحه والأُخرى غلقه والمنع عن خروجه.

أضف إلى ذلك أنّ الإمعان في الآية يعطي انّ المراد منها هو الحكم بما أنزل اللّه وعدم اتّباع الأهواء ، ويدل عليه قوله سبحانه : ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَل اللّه وَلا تَتَّبع أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرعَة وَمِنْهاجاً ). (2)

إكمال : لو قلنا بدلالة الصيغة على الفور امّا بالدلالة اللفظية أو لكونه مقتضى الإطلاق ، فلو عصى المكلّف فهل يجب عليه الإتيان بالمأمور به ثانياً أو لا ؟ فيه تفصيل بين كون المقام من قبيل وحدة المطلوب كما في السلام فيسقط عصياناً ، أو تعدده ، كما في قضاء الفوائت بناء على المضايقة. ولا يمكن استظهار واحد منهما من صيغة الأمر فالمرجع أحد الأمرين :

1. الإطلاق القاضي بعدم الوجوب في الآن الثاني لو تمّت مقدّمات الحكمة.

2. الأصل العملي من الاستصحاب أو البراءة ، فلو جرى استصحاب الوجوب لأجل القول بأنّ الفورية ليست قيداً للموضوع ، وإلاّ فالمرجع البراءة من الإتيان ثانياً.

____________

1 ـ يوسف : 25.

2 ـ المائدة : 48.

358

الفصل الثالث

في الاجزاء

وقبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أُموراً :

الأوّل : في عنوان المسألة

اختلفت كلمة الأُصوليين في عنوان المسألة ، فعنونه المرتضى في « الذريعة » (1) بقوله : هل الأمر يقتضي الإجزاء أو لا ؟ وتبعه صاحب الفصول. (2)

وعنونه الشيخ في « مطارح الأنظار » (3) بقوله : إتيان المأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء أو لا ؟

والفرق بين العنوانين واضح ، فالنزاع على الأوّل لفظي ، منصبٌّ على دلالة لفظ الأمر على الإجزاء ، كما أنّه على الثاني ، عقلي منصبٌّ على وجود الملازمة بين الإتيان بالشيء على وجهه والإجزاء.

الثاني : ما هو المراد من لفظة « على وجهه » ؟

قد جاء في العنوان الذي طرحه الشيخ في المطارح لفظة « على وجهه » فما هو المراد منه ؟ هناك احتمالات :

____________

1 ـ الذريعة إلى أُصول الشريعة : 1/121.

2 ـ الفصول الغروية : 116.

3 ـ مطارح الأنظار : 18.

359

1. المراد منه قصد الوجه ، أعني : قصد الوجوب أو الندب.

يلاحظ عليه : بعدم اعتبار قصد الوجه عند الأصحاب إلاّ من شذّ منهم كابن إدريس ، فلا وجه لأخذه في العنوان.

2. المراد منه الكيفيات الشرعية المعتبرة في المأمور به من الأجزاء والشرائط الشرعية.

يلاحظ عليه : باستلزامه أن يكون القيد زائداً لدخولها في قوله : « المأمور به » فلا وجه للتعبير بلفظ آخر.

3. المراد منه الكيفية التي لا يمكن أخذها في المأمور به ، ويعدّ من القيود الواقعة فوق دائرة الطلب دون تحتها ، أعني قصد الأمر حيث إنّه من الأُمور التي تتحقّق بعد تعلّق الأمر.

يلاحظ عليه : أنّ تقسيم القيود إلى ما يقع تحت دائرة الطلب وما لا يقع ، من التقسيمات التي ظهرت من عصر الشيخ الأنصاري إلى يومنا هذا ، وقد عرفت أنّ القيود عند القدماء كانت على وزان واحد ، فقصد الأمر كالسورة والقنوت فالجميع يتعلّق بها الأمر ، وعند ذلك يدخل قصد الأمر في قولهم « إتيان المأمور به ».

نعم على خيرة الشيخ والمحقّق الخراساني يكون قصد الأمر خارجاً عنه ويحتاج إلى التعبير عنه بلفظ آخر ، لكن العنوان ليس للشيخ نفسه بل لغيره.

ويمكن أن يقال : أنّ المراد من قوله « على وجهه » التنبيه على بعض صور المسألة ممّا يعد موافقاً للشرع حسب الظاهر دون الواقع ، كما إذا صلّى بالطهارة الاستصحابية ثمّ بان كونه محدثاً فقد صلّى وأتى بالمأمور به لا على وجهه الواقعي ، لما قرر في محله من أنّ الطهارة شرط واقعي لا ظاهري والقيد على هذا وإن أصبح

360

توضيحياً لكن أتي به لغرض التنبيه على هذا النوع من الموارد الذي ربما يغفل عنه بعض الأفراد.

الثالث : ما هو المراد من الاقتضاء ؟

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الاقتضاء في العنوان ( الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء ) بمعنى العلية والتأثير لا بنحو الكشف و الدلالة ، بشهادة أنّه نسب إلى الإتيان لا إلى صيغة الأمر. (1)

ثمّ استشكل على نفسه بقوله : هذا إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره ، وأمّا بالنسبة إلى أمر آخر كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الأمر الواقعي فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره بنحو يفيد الإجزاء أو بنحو آخر لا يفيده. (2)

وبعبارة أُخرى : أنّ الإتيان إنّما يكون علّة ومؤثراً لسقوط الأمر المتعلّق بالمأتي به ، وأمّا بالنسبة إلى الأمر الآخر الذي لم يمتثل بعدُ : أعني الأمر الواقعي فلا معنى لكون الامتثال بالأمر الاضطراري أو الظاهري علّة لسقوط الأمر الواقعي ، فلا محيص في تصحيح النزاع من تفسير الاقتضاء بالدلالة والكشف ، بأن يكون مصب النزاع في دلالة الدليل على اشتمال المأتي به بالمصلحة الجابرة للمصلحة الفائتة فيجزي وإلاّ فلا. مثلاً انّ قوله : « إنّ التيمّم أحد الطهورين » (3) وقوله : « ويكفيك الصعيد عشر سنين » (4) دالّ على اشتمال المورد على المصلحة

____________

1 ـ بخلاف العنوان الأوّل فقد عرفت أنّ الاقتضاء فيه نسب إلى الأمر.

2 ـ الكفاية : 1/125.

3 ـ الوسائل : 2 ، كتاب الطهارة ، الباب 23 من أبواب التيمم ، الحديث 5.

4 ـ الوسائل : 2 ، كتاب الطهارة ، الباب 24من أبواب التيمم ، الحديث 12.

361

التامّة الجابرة للمصلحة الفائتة ومعه لا يبقى مجال للشكّ في السقوط.

ثمّ إنّه (قدس سره) أجاب عن الإشكال بقوله :

نعم لكنّه لا ينافي كون النزاع فيهما كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدّم ، غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما إنّما هو الخلاف في دلالة دليلهما ، هل أنّه على نحو يستقل العقل بأنّ الإتيان به موجب للإجزاء ويؤثر فيه وعدم دلالته ويكون النزاع فيه صغروياً أيضاً ، بخلافه في الإجزاء بالاضافة إلى أمره فانّه لا يكون إلاّ كبروياً لو كان هناك نزاع كما نقل عن بعض. (1)

وحاصله : انّ ما ذكر ليس مانعاً من تفسير الاقتضاء بالعلية والتأثير في نفس المورد ، غاية الأمر يحتاج إلى إحراز الصغرى وهو اشتمال المأتي به على المصلحة الجابرة للمصلحة الفائتة ؛ فعندئذ يقع النزاع في الكبرى وهو عليّة امتثال الأمر الاضطراري أو الظاهري لسقوط الأمر الواقعي ، فالنزاع في أنّ إتيان كلّ شيء مسقط لأمره كبروي ، وفي غيره صغروي وكبروي.

وأورد عليه السيد الأُستاذ : بأنّه لا يصحّ تفسير « الاقتضاء » بالعليّة ، سواء كان المعلول هو الإجزاء بالمعنى اللغوي أي الكفاية ، أو سقوط الأمر ، أو سقوط إرادة المولى.

أمّا الأوّل : فهو أمر انتزاعي لا يقع مورد التأثر والتأثير ، مثلاً أنّ العطشان إذا شرب ماءً وتروّى يقول كفى ، فينتزع من التروّي ورفع العطش عنوان « الإجزاء » فليس هو شيئاً وراء التروّي.

وأمّا الثاني : فانّ الإتيان علّة لحصول الغرض ، ومع حصوله ينتفي الأمر ، بانتفاء مقتضيه ، وسببه حصول الغرض لا انّه يسقط.

____________

1 ـ الكفاية : 1/125.

362

وأمّا الثالث : فلأنّ الإتيان معلول لإرادة الآمر ، فلا يكون المعلول علّة لارتفاع علّته فلا يكون علّة لسقوط الإرادة. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ المعلول أمر آخر وراء هذه الأُمور الثلاثة ، ولعلّ لفظ الإجزاء كناية عنه وهو حكم العقل بالإجزاء ، والمراد من العلّية كون الإتيان موضوعاً لحكم العقل ، كما أنّ العدل موضوع لحكم العقل بالحسن ، والظلم موضوع لحكمه بالقبح ، فتصبح المسألة عقلية بحتة في مورد ، وعقلية وشرعية في مورد آخر ، كما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره).

ثمّ إنّ ما أفاده من أنّ إتيان المأمور به ، من معاليل إرادة المولى فكيف يكون المعلول طارداً لعلّته ؟ قد مرّ الكلام فيه ، وهو أنّ الإرادة مطلقاً ـ تكوينية كانت أو تشريعية ـ إنّما تتعلق بالفعل الاختياري وليس فعل الغير في اختيار المريد ، ولذلك قلنا إنّ الإرادة التشريعية متعلّقة بالبعث والطلب وهو فعل اختياري للمريد ، وهو بالنسبة إلى العبد مبيّن لموضوع الطاعة ، وأمّا الانبعاث فهو من آثار الخوف من تبعات المخالفة كما لا يخفى.

الرابع : للإجزاء حقيقة متشرعيّة ؟

ربّما يتصوّر أنّ للإجزاء حقيقة متشرعيّة ، فقد نقل من معناه اللغوي ـ أي الكفاية ـ إلى سقوط الإعادة في الوقت ، والقضاء في خارجه.

والظاهر خلافه وأنّه ليس له إلاّ معنى واحداً ، وأمّا السقوط فهو من لوازم المورد ، فإجزاء المأتي به يلازم عدم التعبّد به في وقته أو خارجه ثانياً ، كما في إجزاء المأتي به بالأمر الاضطراري ، فهو يلازم سقوط التعبّد بالأمر الاختياري ، أو إجزاء

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/178 ـ 179 ، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

363

المأتي به بالأمر الظاهري فهو يلازم سقوط التعبّد بالأمر الواقعي ، فكلّ ذلك من لوازم المورد ، أو المستعمل فيه من دون أن يكون هناك وراء الفقه مصطلح خاصّ.

الخامس : الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرّة والتكرار

ربّما تتصور وحدة المسألتين وانّ القول بالإجزاء نفس القول بدلالة الأمر على المرّة ، كما أنّ القول بعدمه عبارة أُخرى عن عدم الإجزاء.

يلاحظ عليه بأنّ تصادق المرة مع الإجزاء أو تصادق التكرار مع عدمه ، لا يكون دليلاً على وحدة المسألتين بعد تعدد الملاك الذي يُصحح عقد مسألتين مختلفتين ، فانّ البحث في أُولى المسألتين إنّما هو في تعيين ما هو المأمور به شرعاًحسب دلالة الصيغة بنفسها ـ كما عليه شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري على ما مرّ ـ أو بدلالة أُخرى كما عليه الآخرون.

وأمّا البحث في المقام فإنّما هو بعد الفراغ عن تعيين ما هو المأمور به ، سواء أكان المأمور به هو الطبيعة المجرّدة أو المقيدة بالمرّة أو التكرار ، ويقال إذا أتى المكلف بما هو المأمور به بكماله وتمامه ، سواء أكان المأمور به ، هو الطبيعة أو المقيّدة بالمرة أو التكرار هل هو يجزي أو لا ؟

نعم القول بالإجزاء يتصادق مع القول بالمرة ، كما أنّ القول بالتكرار ، يتصادق مع عدم الإجزاء ، ولكن التصادق الموردي لا يكون دليلاً على وحدة المسألتين.

السادس : الفرق بين المقام ومسألة تبعية القضاء للأداء

إنّ هنا مسألة أُخرى باسم تبعية القضاء للأداء وعدم تبعيّتها له ويعبّر

364

عنها بأنّ القضاء بالأمر الأوّل أو بالأمر الجديد فإذا فات الأمر الواقعي منه وامتثل مكانه الأمر الاضطراري أو الظاهري يكون القول بالإجزاء مساوقاً للقول بأنّ القضاء بالأمر الجديد ، كما يكون القول بعدمه مساوقاً للقول بأنّ القضاء بالأمر الأوّل.

يلاحظ عليه : أنّ المسألتين مختلفتان من حيث الموضوع أوّلاً وأنّ بينهما من حيث المورد عموم و خصوص من وجه ثانياً.

أمّا الأوّل : فلأنّ الموضوع في مسألة تبعية القضاء للأداء هو فوت المأمور به ، كما أنّ الموضوع في المقام هو إتيان المأمور به بنحو من الأنحاء ، ومع الاختلاف في الموضوع كيف تكونان مسألة واحدة ؟!

وأمّا الثاني ، ففيما إذا أتى بالمأمور به على وجهه الواقعي يبحث فيه عن الإجزاء وعدمه دون مسألة تبعية القضاء للأداء ، إذ لا موضوع لها لعدم الفوت ، كما إذا فات منه الواقع ولم يأت بالواجب أصلاً لا واقعياً ولا اضطرارياً ولا ظاهرياً ، لا موضوع للإجزاء ، بل يتمحض المقام لمسألة التبعية.

نعم يجتمعان فيما إذا أتى بالواجب بأمر اضطراري أو ظاهري فيصح البحث فيه من الجهتين.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فرّق بين المسألتين بأنّ البحث في المقام عقلي وفي مسألة تبعية الأداء للقضاء لفظي حيث يبحث عن دلالة الأمر على تبعية القضاء للأداء وعدمها. (1)

يلاحظ عليه : أنّ معنى ذلك أنّ المسألتين متحدتان في الماهية ومختلفتان في أُسلوب الاستدلال إلاّ انّ هذا لا يصحح عقد مسألتين مختلفتين ، بل يُلزم الأُصولي

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/126.

365

على عرض مسألة واحدة ، يستدلّ عليها تارة بالعقل وأُخرى بالنقل.

إذا عرفت هذه الأُمور فاعلم أنّه يقع الكلام في مواضع ثلاثة :

1. امتثال كلّ أمر يجزي عن التعبّد بنفس ذلك الأمر سواء أكان واقعياً أم اضطرارياً أو ظاهرياً.

2. إتيان المأمور به بالأمر الاضطراري يجزي عن الإتيان به بالأمر الواقعي.

3. إتيان المأمور به بالأمر الظاهري يجزي عن الإتيان به بالأمر الواقعي.

إذا عرفت عناوين المواضع ، فلنأخذ كلّ واحد بالبحث.

366

الموضع الأوّل

امتثال كلّ أمر يجزي عن التعبّد به ثانياً

إنّ إجزاء امتثال كلّ أمر عن التعبّد به ثانياً من قبيل القضايا التي قياساتها معها ، وذلك لأنّ عدم السقوط رهن أحد أُمور كلّها منتفية.

1. تعدد المطلوب وانّه أتى بمطلوب واحد دون الآخر ، وهو باطل ، لأنّ الواجب هو نفس الطبيعة وهي تصدق على الإتيان بفرد واحد.

2. عدم حصول الغرض ، وهو أيضاً باطل ، لأنّ المأتي به سبب تام لحصول الغرض وإلاّ لما أمر به.

3. بقاء الأمر مع حصول الغرض ، وهو أيضاً باطل ، لاستلزامه الإرادة الجزافية.

فإذا انتفت الأُمور الثلاثة فلا وجه لبقاء الأمر ، نعم ربّما يعترض بالحج الفاسد بالجماع محرّماً ، فانّه يجب عليه الإعادة.

يلاحظ عليه : بأنّ من جامع وهو محرم ، إمّا أن يكون عالماً بالحكم أو جاهلاً ، فالحج في الصورة الأُولى فاسد فلم يأت بالمأمور به على وجهه ، فيجب عليه القضاء في العام القابل ، وهو في الصورة الثانية وإن كان صحيحاً لكن إيجاب الإعادة لأجل العقوبة لا لإيجاب التعبّد بما امتثل ثانياً.

وتدلّ عليه رواية زرارة ، قال : « فأي الحجّتين لهما » قال : الأُولى التي أحدثا

367

فيها ما أحدثا ، والأُخرى عليهما عقوبة ». (1)

فما حكي عن أبي هاشم الجبائي ( المتوفّـى321 هـ ) و القاضي عبد الجبار ( المتوفّى 415 هـ ) المعتزليين من عدم اقتضاء الإتيان بالمأمور به للإجزاء مستدلاً بإعادة الحجّ على من أفسد ، فكأنّه في غير محلّه ، إذ العالم بالحرمة ما أتى بالواجب على وجهه ، والجاهل وإن أتى على وجهه ، لكن الحجّ الثاني عقوبة وليس امتثالاً للأمر الأوّل.

تبديل امتثال بامتثال آخر

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني قد وافق المشهور في أنّ الإتيان بالمأمور به على ما هو عليه يوجب الإجزاء ، ولكنّه ذهب أيضاً إلى أنّ للعبد تبديل امتثال بامتثال آخر ، والقولان بظاهرهما متناقضان ، فانّ الإجزاء يلازم سقوط الأمر ، ومعه لا يبقى موضوع للامتثال الثاني ، فانّ مفاده هو الإتيان بالشيء بقصد أمره السابق والمفروض انّه قد سقط ، فكيف يمكن القول بالجمع بالإجزاء الذي يلازم سقوط الأمر بتاتاً وتبديل امتثال بامتثال آخر وهو يستلزم بقاء الأمر الأوّل وهو كما ترى ؟

هذا هو الإشكال الواضح على الكفاية لكنّه (قدس سره) حاول الجمع بين القولين ( الإجزاء وتبديل امتثال بامتثال آخر ) وأفاد في وجهه : بأنّه ربّما لا يكون مجرّد امتثاله علّة تامة لحصول الغرض ، وإن كان وافياً به لو اكتفى به ، كما أنّه إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد ، فانّ الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعدُ ، ولذا لو أُهرق الماء واطلع عليه العبد وجب عليه إتيانه ثانياً كما إذا لم يأت به أوّلاً ، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه وإلاّ لما وجب حدوثه ، فحينئذ يكون له

____________

1 ـ الوسائل : 9 ، الباب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع ، الحديث 9.

368

الإتيان بماء آخر موافق للأمر كما كان له قبل إتيانه الأوّل بدلاً عنه. (1)

يلاحظ عليه : بماعرفت بأنّ الامتثال الأوّل يوجب سقوط الأمر ولا يعقل صدق امتثال ثان بعد سقوطه.

وأمّا المثالان ، فيلاحظ على الأوّل بأنّه من قبيل تبديل مصداق امتثال لمصداق آخر ، لا تبديل امتثال بامتثال آخر ، فانّ الأمر بظاهره وحقيقته وملاكه قد سقط وإنّما للمكلّف أن يبدّل مصداقاً بمصداق آخر.

وأمّا الأمر الثاني ، وهو أنّ الإتيان بالماء ثانياً ليس لأجل بقاء الأمر فانّه قد سقط بتمامه وإنّما الملزم هو العلم بالغرض وإن لم يكن هناك أمر ، كما إذا رأى انّ ابن المولى سقط في الماء وكان المولى غافلاً فعلى العبد إذا اطّلع عليه أن ينقذه وإن لم يكن هناك أمر من المولى لكفاية العلم بالغرض.

ثمّ إنّه استدل على جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر بالروايات الواردة في الأبواب الثلاثة التالية :

أ. باب الكسوف إذا صلّى والشمس بعد لم تنجل.

ب. الصلاة جماعة مع المخالف وقد صلّى الفريضة قبله.

ج. إعادة الصلاة إذا وجد جماعة.

ولكن الروايات لا صلة لها بالمدعى كما ستعرف.

فنقول :

1. ما ورد في باب الكسوف

روى معاوية بن عمّار ، قال : قال أبو عبد اللّه : « صلاة الكسوف إذا فرغت

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/127.

369

قبل أن ينجلي ، فأعد ». (1)

يلاحظ عليه : بأنّ المتبادر من الرواية هو إعادة الصلاة بأمر جديد لا بالأمر الساقط بالامتثال ، وكأنّ الإعادة مستحبة شرعاً ، وهو ينوي ذلك الأمر الثاني لا الأمر الأوّل ، بخلافه على القول بجواز تبديل امتثال بامتثال آخر فانّه ينوي في الإتيان الثاني امتثال الأمر الأوّل الذي وصفه المحقّق الخراساني بأنّه بحقيقته وملاكه لم يسقط.

2. ما ورد في إعادة الصلاة مع المخالف

هناك روايات تدلّ على أنّ من صلّى وحده يجوز له أن يعيد الصلاة خلف المخالف.

روى عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال : « ما منكم أحد يصلّي فريضة في وقتها ثمّ يصلّي معهم صلاة تقية وهو متوضّئ إلاّ كتب اللّه له بها خمس وعشرين درجة فارغبوا في ذلك ». (2)

يلاحظ عليه : أنّ هذه الرواية لا مساس لها بتبديل امتثال بامتثال آخر ، بل هي كروايات الباب السابق تدلّ على استحباب إعادة الفريضة جماعة تقية ، فهو من قبيل امتثال أمر بعد امتثال آخر. (3)

3. استحباب الإعادة إذا وجد جماعة

روى هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : في الرجل يصلّي الصلاة

____________

1 ـ الوسائل : 5 ، الباب 8 من أبواب صلاة الكسوف ، الحديث 1.

2 ـ الوسائل : 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 1 ولاحظ 2و3.

3 ـ لاحظ ما لم نذكر من الروايات في ذلك الباب.

370

وحده ثمّ يجد جماعة ، قال : « يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء ». (1)

وروى زرارة ، عن أبي جعفر في حديث ، قال : « لا ينبغي للرجل أن يدخل معهم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة ، بل ينبغي له أن ينويها و إن كان قد صلّى ، فانّ له صلاة أُخرى ». (2)

يلاحظ عليه : أنّ روايات هذا الباب تتحد مع نفس ما أوردها صاحب الوسائل في الباب السابق ( أي الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة ) وإن فرّق بينهما صاحب الوسائل فزعم أنّ روايات الباب السابق راجعة إلى إعادة الصلاة بالمخالف وهذه الروايات مطلقة تعم المخالف وغيره إذا كان إماماً ، فيجوز لمنفرد إعادة الصلاة خلف الموافق أيضاً.

ولكن دراسة روايات الباب البالغة إحدى عشرة رواية تعرب ـ إذا كان عارفاً بلحن كلماتهم وكيفية إشاراتهم ـ أنّ الروايات تعود إلى إعادة الصلاة خلف المخالف جماعة ، ولا ينافي ما ذكرنا وصف الصلاة الثانية بالفريضة ، ويقول : « ويجعلهما الفريضة » كما في رواية هشام بن سالم (3) وحفص بن البختري. (4)

فانّ المراد أنّه ينوي الفريضة التي أقامها ، ولكن الإعادة مستحبة.

وحصيلة الكلام : انّا لم نجد رواية تدل على جواز تبديل امتثال بامتثال آخر.

ثمّ إنّ السيد الأُستاذ فسّر القسم الثالث من الروايات بأنّه من قبيل تبديل مصداق المأمور به الذي تحقّق به الامتثال بمصداق آخر غير محقّق للامتثال لكن

____________

1 ـ الوسائل : 5 ، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 1و2.

2 ـ الوسائل : 5 ، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 1و2.

3 ـ الوسائل : 5 ، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 1.

4 ـ الوسائل : 5 ، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 11.

371

محصل للغرض اقتضاء مثل المصداق الأوّل ، أو بنحو أوفى ، فهو لا يتوقف على بقاء الأمر ، لأنّه من قبيل تبديل مصداق المأمور به بمصداق آخر لا بوصف كونه مأموراً به. (1)

يلاحظ عليه : أنّه إنّما يصحّ في التوصّليات ، وأمّا الفرد التعبّدي فيحتاج إلى قصد الأمر ، فما هو الأمر الداعي ؟ فإن كان الأمر الأوّل ، فقد سقط كما اعترف به ، وإلاّ يكون من قبيل تبديل امتثال بامتثال آخر وهو بصدد الردّ عليه ، وإن كان الأمر الاستحبابي ، أو الوجوبي القضائي ، فهذا يكفي في الجواب من دون حاجة إلى القول بأنّه من قبيل تبديل مصداق المأمور به بمصداق آخر.

تمّ الكلام في الموضع الأوّل

ويليه الكلام في الموضع الثاني

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/183.

372

الموضع الثاني

في إجزاء الأمر الاضطراري عن الواقعي

وقد يعبّر عن العنوان باجزاء الأمر الواقعي الثانوي عن الأمر الواقعي الأوّلي ، كالصلاة مع الطهارة الترابيّة أو على وفق التقية ، وظاهر العنوان يعطي انّ هنا أمرين : أمراً واقعياً ثانوياً ، وأمراً واقعياً أوّلياً ، ومحط البحث إغناء امتثال الأمر الأوّل ، عن امتثال الأمر الثاني ، لكن الحقّ أنّ هنا أمراً واحداً متعلقاً بالجامع الواحد ، الصادق على جميع أفراده ، غير أنّ المختار مكلّف بامتثاله بكيفية ، والمضطرّ مكلّف بامتثاله بكيفية أُخرى ، والصلاة بكلتا الكيفيتين من مصاديق الجامع المنطبق على عامّة أفراد الصحيح على ما مرّ في مبحث الصحيح والأعمّ.

وإن شئت مزيد توضيح فنقول : إذا زالت الشمس ، يخاطب عامّة المكلفين بخطاب وأمر واحد متعلق بالصلاة في قوله سبحانه : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (1) ، فالصلاة قائماً أو قاعداً ، راكباً أو راجلاً ، مع الطهارة المائية أو الترابية من مصاديق الصلاة الواردة في تلك الآية وهي تعمها بوضعها للجامع الشامل لعامة أفراد الصحيح ، فالأمر واحد ، والمأمور به واحد ، ولو كان هنا اختلاف فانّما هو في كيفية امتثال الأمر الواحد.

____________

1 ـ الاسراء : 78.

373

فإن قلت : الاختلاف في الكيفية يكشف عن تعدد المأمور به ، الملازم لتعدد الأمر.

قلت : إنّ الاختلاف فيها إنّما يكشف عن تعدد المأمور به إذا كانت الكيفيات بصورها المختلفة كالطهارة المائية والترابية مأخوذة في الموضوع ، وعندئذ يكون لفظ الصلاة مشتركاً لفظياً لا معنوياً ، والمفروض خلافه ، لأنّ المأخوذ في الصلاة هي الطهارة بعرضها العريض الشامل لكلتا الطهارتين ، ومثلها عدد الركعات ، فلم يؤخذ فيه عدد معيّن كالثنائية أو الرباعية ، وإلاّ لصار اللفظ مشتركاً لفظيّاً ، بل الموضوع له هي الهيئة الصلائية الصادقة على الثنائية والرباعية ، فالصلاة بما لها من المعنى الواحد ، الشامل لصلاة المختار والمضطر (1) ، أو الآمن و (2) الخائف ، والحاضر والمسافر (3)وقعت موضوعة للأمر الواحد ، ودلّ الدليل الخارجي على أنّ الصلاة مع الطهارة المائية للواجد ، ومع الترابية للفاقد ، وهكذا سائر الأفراد.

في العذر غير المستوعب

إذا عرفت أنّ في المقام أمراً واحداً ، يقع الكلام في الاجزاء ، وعدمه عندما كان العذر غير مستوعب فنقول هنا صور ثلاث :

1. أن يكون لدليل البدل ـ أعني دليل التيمم ـ إطلاق (4) ، بمعنى شمول دليله ، لمن فقد الماء في بعض الوقت دون الجميع ، فيجب على غير المستوعب كالمستوعب ، امتثال الأمر بالطهارة الترابية ، وفي مثله يكون القول بالإجزاء من

____________

1 ـ المائدة : 6.

2 ـ البقرة : 238 ـ 239.

3 ـ النساء : 101.

4 ـ المراد من الإطلاق كون العذر غير المستوعب مسوّغاً للتيمّم وإيقاع الصلاة منه.

374

قبيل قضايا قياساتها معها ، بل يدخل في المبحث السابق ، من أنّ امتثال كلّ أمر موجب لإجزاء نفسه ، لأنّ المفروض أنّ هنا أمراً واحداً وواجباً فارداً ، والامتثال ، آية الإجزاء وليس هنا أمر آخر حتى يبحث عن إجزائه عنه.

2. أن يكون لدليل المبدل فقط إطلاق أعني قوله سبحانه : ( إِذا قُمْتُمْ إِلى الصلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (1) الخ بحيث يفرض على المكلف الواجد للماء في بعض الأوقات دون كلها ، الصلاةَ مع الطهارة المائية أيضاً ، فلا شكّ في عدم الإجزاء.

3. أن يكون الدليلان مهملين ، كأن يكون عدم الوجدان في بعض الأوقات دون بعض غير داخل تحت موضوع المبدل والبدل ، فيكون المرجع ـ عندئذ ـ هو الأُصول العملية ، والظاهر أنّ المرجع هو الاحتياط ، لأنّ مرجع الشك إلى الشك في سقوط الأمر بالصلاة بالطهارة الترابية وعدمها.

وبعبارة أُخرى : انّه يشكّ في سقوطه بالطهارة الترابية إذا كان فاقداً في بعض دون بعض.

هذا على المختار ، وأمّا على مختار القوم من تعدد الأمر والشكّ في إغناء امتثال أحد الأمرين عن الآخر ، فقد بحث عنه المحقّق الخراساني تارة من حيث الثبوت وأُخرى من حيث الإثبات ، وقال ما هذا إيضاحه : (2)

حكم الإجزاء ثبوتاً على القول بالتعدّد

إنّ الفرد الاضطراري من حيث وفائه لمصلحة الفرد الاختياري على أقسام أربعة :

____________

1 ـ المائدة : 6.

2 ـ كلّما يمرّ عليك بحوث مبنية على تعدد الأمر والمختار غيره. المؤلّف

375

الأوّل : أن يكون الفرد الاضطراري في حال الاضطرار كالاختياري في حال الاختيار في كونه وافياً بتمام المصلحة والملاك.

الثاني : أن لا يكون وافياً به ، ولكنّه لو أتى بالفرد الاضطراري يكون مانعاً عن استيفاء المصلحة الفائتة بعد رفع الاضطرار.

الثالث : تلك الصورة ولكن تكون المصلحة الفائتة واجبة الاستيفاء.

الرابع : تلك الصورة ، ولكن تكون المصلحة الفائتة مستحبّة الاستيفاء.

إذا عرفت أنّ نسبة الفرد الاضطراري إلى الاختياري من حيث الثبوت على أقسام أربعة ، فاعلم أنّه يجب البحث في كلّ قسم عن أمرين :

أ : إجزاء امتثال الأمر الاضطراري عن امتثال الأمر الاختياري.

ب : جواز المبادرة إلى الامتثال بالفرد الاضطراري وعدمه.

فكلّ قسم من هذه الأقسام الأربعة تقع موضوعاً للبحث عن الإجزاء أوّلاً ، وجواز المبادرة ثانياً.

فأخذ المحقّق الخراساني بدراسة كلّ قسم من حيث الإجزاء أوّلاً ، والمبادرة ثانياً ، وقال ما هذا مثاله :

1. أمّا الصورة الأُولى : فلا شكّ في إجزاء الفرد الاضطراري عن الفرد الاختياري ، لعدم قصور مصلحته عن مصلحته.

وأمّا تصوير البدار فيدور مدار كون الفرد مشتملاً على المصلحة مطلقاً وإن كان العذر غير مستوعب ، أو مشروطاً بالانتظار إلى حدّ يضيق الوقت إلاّ عن الصلاة بالطهارة الترابية ، أو مشروطاً باليأس وإن حصل في أوّل الوقت.

فعلى الأوّل يجوز البدار دون الثاني ، وأمّا الثالث فيدور مدار حصول اليأس.

2. وأمّا الصورة الثانية : فلو أتى بالفرد الاضطراري يجزي قطعاً لعدم تمكّنه من الفرد الاختياري بعد الإتيان بالاضطراريّ لكونه مانعاً عن درك مصلحة الفرد

376

الاختياري.

وأمّا البدار فلا ، لأنّ الفرد الاضطراري مفوِّت لمصلحة الواقع التي لا يمكن تداركها ، فلا يسوغ البدار إلاّ لمصلحة فيه كالإتيان بالصلاة في أوّله.

3. وأمّا الصورة الثالثة : فلا شكّ أنّه لا يجزي ، بل لابدّ من الإعادة أو القضاء ، لأنّ المفروض عدم وفاء الفرد الاضطراري بمصلحة الفرد الاختياري وكان استيفاء المصلحة الباقية ممكنة وواجبة

وأمّا البدار فيجوز بشرط أن يأتي بالفرد الاختياري أيضاً بعد زوال العذر ، وعلى ذلك فهو مخيّر بين البدار بإتيان الفرد الاضطراري أوّلاً والاختياري بعد رفع الاضطرار ، أو الصير إلى أن يأتي بالفرد الاختياري وحده.

4. وأمّا الصورة الرابعة : فلا شكّ أنّ الفرد الاضطراري يجزي لكون الفائتة مستحبّة التدارك.

وأمّا البدار فالظاهر من الكفاية المطبوعة مع حاشية المشكيني أنّه يتعيّن عليه البدار.

هذا كلامه في مقام الثبوت ، وسيوافيك كلامه في مقام الإثبات.

أقول : يلاحظ عليه أوّلاً : انّ التقسيم حسب الثبوت انّما يفيد إذا كان عندنا دليل في مقام الإثبات ما يمكن به الاهتداء إلى كلّ واحد من هذه الصور مع أنّه ليس في الأدلّة ما يشير إلى أكثرها.

وثانياً : لم يعلم وجه تعين البدار في رابع الأقسام ، فانّه إذا كان الباقي ممكن الاستيفاء بعد ارتفاع العذر وإن لم يكن واجبه فلا وجه لتعيّن البدار المفوت للمصلحة الفائتة غير الملزمة.

غاية ما يمكن أن يقال : انّه يستحب البدار إذا كان لأوّل الوقت فضيلة

377

رابية على سائر الأوقات.

ثمّ إنّه أورد صاحب المحاضرات على المحقّق الخراساني بأنّ التخيير في الصورة الثالثة غير معقول ، لأنّ الشارع إذا لم يكتف بالعمل الناقص في أوّل الوقت ، وأوجب على المكلّف الإتيان بالعمل التام الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار والعذر ، سواء أتى المكلّف بالعمل الاضطراري الناقص في أوّل الوقت ، أم لم يأت به ، فبطبيعة الحال لا معنى لإيجابه العمل الاضطراري الناقص وإلزام المكلّف بإتيانه ولو على نحو التخيير ، فانّه بلا ملاك يقتضيه حيث إنّه لا يترتب على وجوبه أثر. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ تسويغ البدار بالناقص مع لزوم الإتيان بالكامل في آخر الوقت بعد ارتفاع العذر ، لأجل ترتّب رجحان ما عليه غير واف بمصلحة الفرد التام ، فيصحّ تسويغه والحكم بجواز الإتيان به مع لزوم الإتيان بالفرد التام في آخر الوقت ، أشبه ببدل الحيلولة إذا لم يتمكّن الإنسان من أداء العين عاجلاً ، فيلجأ إلى الناقص إلى أن يتمكّن من الكامل.

والفرد الناقص وإن لم يشتمل على تمام المصلحة لكنّه مشتمل على مصلحة تامّة راجحة. هذا كلّه حول ما ذكر في مقام الثبوت.

وأمّا مقام الإثبات فيقع الكلام تارة في العذر غير المستوعب ، وأُخرى في المستوعب منه ، وإليك الكلام فيهما فنقول :

المقام الأوّل : في العذر غير المستوعب

فقد ذكر المحقّق الخراساني في المقام أمرين :

____________

1 ـ انظر المحاضرات : 2/233.

378

1. أن يكون لدليل البدل إطلاق بمعنى ، فلو قال : « التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين » وفرضنا شموله للعذر غير المستوعب ولم يذكر شيئاً من الإعادة والقضاء ، فالظاهر هو الإجزاء.

2. إذا لم يكن لدليل البدل إطلاق ، فالمرجع هو البراءة ، لكونه شكّاً في أصل التكليف ، من غير فرق بين الإعادة والقضاء.

أقول : إنّ هنا صوراً ثلاثاً :

الأوّل : أن يكون لدليل البدل إطلاق دون دليل المبدل.

الثانية : أن يكون لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل.

الثالثة : أن يكون كلّ من دليلي البدل والمبدل مهملين.

أمّا الصورة الأُولى : فالظاهر هو الإجزاء كما مرّ في كلامه ، لأنّ المفروض أنّ دليل البدل يعم العذر غير المستوعب ، وهو بصدد بيان ما هي الوظيفة فلو وجبت الإعادة والقضاء وراء الإتيان بالبدل لأشار إليه في نفس الدليل.

كما أنّ مقتضى الإطلاق هو البدار ، إذ لو كان الانتظار لازماً وكان الشرط هو العذر المستوعب لصرّح به.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أنكر وجود الإطلاق في أدلّة التيمم وقال :

إنّه لا إطلاق لأدلّة مشروعية التيمم بالقياس إلى من يتمكّن من الإتيان بالعمل الاختياري في الوقت ، بداهة أنّ وجوب التيمم وظيفة المضطر ، ولا يكون مثله مضطراً لفرض تمكّنه من الصلاة مع الطهارة المائية في الوقت ، ومجرّد عدم تمكّنه منها في جزء منه لا يوجب كونه مكلفاً بالتكليف الاضطراري ما لم يستوعب تمام الوقت. (1)

____________

1 ـ المحاضرات : 2/235 ـ 236.

379

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ حكم الوضوء والتيمم جاءا في آية واحدة وهي الآية السادسة من سورة المائدة والفقهاء يحتجون بإطلاق الآية في مورد الوضوء ، فكيف يمكن أن يقال أنّها في مورد التيمم ليست في مقام البيان ؟

وثانياً : أنّ الموضوع في التيمم هو غير الواجد لا المضطر ، والفاقد وإن كان مضطراً لكنّه عنوان ملازم وليس بموضوع للحكم ، فإذا كان الموضوع هو الفاقد للطهارة المائية يتحقق الموضوع في المقام ، ويحكم بإيجاب التيمم وعدم لزوم الإعادة والقضاء بحكم أنّ الآية في مقام البيان.

نعم انّه (قدس سره) سلّم جواز البدار عند التقية لدليل خاص وقال : قد ثبت جواز البدار في بعض الموارد لكن بدليل خاص مع فرض تمكن المكلف من الفعل الاختياري التام في الوقت : منها موارد التقيّة حيث يجوز البدار فيها واقعاً وإن علم المكلّف بارتفاعها في أثناء الوقت وتمكّنه من العمل بلا تقية. (1)

وأمّا الصورة الثانية : أعني ما إذا كان لدليل المبدل إطلاق دون دليل البدل ، بمعنى أنّ ما دلّ على شرطية الطهارة المائية شاملة لهذه الصورة ، وانّ الشارع لم يرفع اليد عن الشرط في هذه الصورة ، فعدم الإجزاء واضح فيحتاج إلى الإعادة في الوقت والقضاء خارجه.

وأمّا الصورة الثالثة : أعني ما إذا كان الدليلان مهملين ، فالمتّبع هو الأصل ، وهو عند المحقّق الخراساني ـ في المقام ـ هو البراءة عن إيجاب الإعادة والقضاء ، لأنّه شكّ في التكليف.

توضيحه : أنّ التكليف بالأمر الواقعي لم يكن فعلياً في زمن الاضطرار وإنّما الفعلي هو التكليف الظاهري ، والمفروض انّه امتثله ، وبعد ارتفاع العذر يشكّ في

____________

1 ـ المحاضرات : 2/235 ـ 236.

380

فعلية الحكم الواقعي وعدمها ، ومعه يكون الشكّ في حدوث تكليف آخر بالإعادة أو القضاء وهو مدفوع بالأصل مع احتمال كون الأمر الظاهري وافياً بمصلحة الأمر الواقعي.

يلاحظ عليه : بأنّ محط البحث عدم وجود إطلاق في ناحية البدل ، ومعه لا علم بفعلية التكليف الظاهري أيضاً إذ يحتمل أن يكون الشرط المسوّغ للتيمّم هو استيعاب العذر والمفروض خلافه ، وعند ذلك يكون مرجع الشكّ في المقام إلى دوران الأمر بين الواجب التخييري أو التعييني ، إذ لو كان العذر في بعض الوقت كافياً في إقامة الصلاة مع الطهارة الترابية يكون المكلّف مخيراً بين إتيانها في أوّل الوقت بالطهارة الترابية أو الصبر إلى ارتفاع العذر والإتيان بها مع الطهارة المائية ، و هو مخيّر بين هذا و بين الصبر إلى ارتفاع الضرر والتمكّن من الطهارة المائية ، ومن المعلوم أنّ في دوران الأمر بين الواجب التخييري والواجب التعييني هو الأخذ بالثاني. لأنّ في العمل بما يحتمل التعيين علم بالبراءة القطعية بخلاف الأخذ بأحد طرفي الواجب التخييري المحتمل ففيه احتمال البراءة.

ثمّ إنّ السيّد الأُستاذ وافق القائل في كون المرجع هو البراءة ولكن خالفه في التقرير.

فانّ الأوّل اعتمد على أنّ التكليف الظاهري الفعلي قد امتثل ، والتكليف الواقعي غير الممتثل مشكوك حدوث وجوبه.

وأمّا السيّد الأُستاذ فقد دعمه بوجه آخر ، وقال :

بأنّه في حال العذر المؤقت قاطع بعدم الأمر بالإتيان بالصلاة

381

مع الطهارة المائية ، ولكن يحتمل أن يكون مأموراً بالأمر الاضطراري فقط ، فيأتي به رجاء امتثاله على فرض الأمر به ، فإذا أتى به رجاءً يشكّ في حدوث الأمر الآخر بالصلاة مع الطهارة المائية ، فيرجع الشكّ إلى حدوث التكليف لا إلى سقوطه بعد العلم به. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه إنّما يصحّ بعد الإتيان بالأمر الاضطراري المحتمل ، فيقال : الأوّل قطعي الارتفاع والثاني مشكوك الحدوث ، وأمّا إذا لوحظ التكليف أوّل الوقت قبل الإتيان بالفرد الاضطراري فانّه عندئذ يعلم بتوجه أحد الأمرين :

1. التخيير بين امتثال الأمر الظاهري أو الأمر الواقعي.

2. تعيّن امتثال الأمر الواقعي فقط.

ومن المعلوم أنّ المرجع في مثله ، هو الأمر التعييني المحتمل ، لأنّ فيه البراءة القطعية من التكليف دون الأوّل.

المقام الثاني : في العذر المستوعب

والصور المتصوّرة فيه اثنتان :

1. أن يكون لدليل البدل إطلاق.

2. أن يكون كلّ من دليلي البدل والمبدل مهملين.

ولا يتصور هناك عكس الصورة الأُولى بأن يكون لدليل المبدل إطلاق دون البدل ، لأنّ لازم شرطية الطهارة المائية في الصلاة في العذر المستوعب هو جواز ترك الصلاة بتاتاً ، وهو غير جائز لعدم جواز ترك الصلاة على كلّ حال.

أمّا الصورة الأُولى فلا شكّ في الإجزاء ، لأنّ المفروض انّ لدليل البدل إطلاقاً يعمُّ العذر المستوعب ، ولم يرد فيه الأمر بالقضاء خارج الوقت ، من غير فرق بين القول بوحدة الأمر كما هو واضح ، و بين تعدده كما عليه القوم.

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/188.

382

أمّا الأوّل فلأنّ الواجب هو الجامع المتحقّق بالفرد الاضطراري ، ومن المعلوم أنّه يسقط التكليف عندئذ لفرض تحقّق الطبيعة في فرد واحد.

وأمّا على القول بتعدد الأمر فالأصل أيضاً هو البراءة ، لأنّ البحث على أساس أنّ القضاء بأمر جديد مستفاد من قوله (عليه السلام) : « من فاتته فريضة يقضي ما فاته كما فاته ». (1) فإيجاب القضاء يحتاج إلى صدق عنوان الفوت وهو مردّد بين العناوين التالية :

1. فوت الواجب بالأمر الظاهري ، والمفروض أنّه لم يفت.

2. فوت الفريضة الواقعية الفعلية ، وهو خلاف المفروض ، إذ لا فعلية لأمر الصلاة بالطهارة المائية حتى يصدق على المورد فوت الفريضة الواقعية الفعلية.

3. فوت الملاك الواقعي ، وهو مشكوك ، لاحتمال قيام الطهارة الترابية مكان الطهارة المائية في هذه الحالة ، فلا علم بفوت الملاك.

فتلخّص من ذلك أنّه لا محيص من القول بالبراءة في العذر المستوعب على كلا المبنيين ، سواء كان هناك أمر واحد أو أمران.

أمّا الأمر الواحد فقد امتثله ، وأمّا الأمران فالثاني منهما مشكوك الحدوث لأنّ حدوثه فرع صدق الفوت وهو دائر بين فوت الفريضة الظاهرية الفعلية أو فوت الفريضة الواقعية الفعلية أو فوت الملاك.

أمّا الأوّل فقد امتثله ، وأمّا الثاني والثالث فهما مشكوكا الحدوث.

____________

1 ـ الوسائل : 5 ، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات ، الحديث 1.

383

الموضع الثالث

إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أمراً :

إنّ العمل بالأمارات والأُصول تارة يكون لأجل استكشاف أصل التكليف ؛ كما إذا قامت الأمارة على أنّ الواجب هو صلاة الجمعة ، وتبين أنّ الواجب هو الظهر ، فلا معنى للبحث في الإجزاء ، أي إجزاء امتثال أمر موهوم عن امتثال أمر واقعي ، فلأجل ذلك نضرب الصفح عنه في كلا الموردين : الأمارات والأُصول.

وأُخرى يكون لغاية استكشاف خصوصيات المكلّف به من كون شيء جزءاً أو شرطاً أو مانعاً أو عدم كونه كذلك ، فالنزاع منصبّ على هذا القسم.

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في موردين :

الأوّل : العمل بالأمارة لاستكشاف كيفية التكليف

إذا عمل بالأمارة لاستكشاف خصوصيات المكلّف به ، مثلاً : إذا صلّى إنسان أو توضأ أو اغتسل أو حجّ على وفق ما أخبر به الثقة اعتماداً على قول الشارع بحجّية خبره ثمّ بان الخلاف ، فهل يكون مجزياً أو لا ؟

ذهب المتأخرون من الأُصوليين ، منهم : المحقّق الخراساني والسيد الأُستاذ ، إلى عدم الإجزاء عند ظهور الخلاف ، سواء انكشف الخلاف بعلم وجداني أو

384

بأمارة شرعية ، وذلك :

لأنّ لسان الأمارات لسان ما هو الشرط واقعاً ، فانّ دليل حجّيتها حيث كان بلسان أنّه واجد لما هو شرطه الواقعي فبارتفاع الجهل ينكشف أنّه لم يكن كذلك بل كان شرطه فاقداً. (1)

وبعبارة أُخرى : انّ لسان دليل التعبد بالأمارات هو التعبّد بها بما انّه طريق إلى الواقع وكاشف عنه وانّ الواقع متحقّق هنا ، فإذا تعبّدنا الشارع بالعمل بالأمارة لأجل هذه الحيثية ثمّ تبيّن الخلاف وانّه لم يكن طريقاً ولا كاشفاً ولا الواقع متحقّقاً ، يتبين أنّه لم يكن هنا تعبد بالعمل بها في هذا المورد ، ومعه كيف يمكن القول بالإجزاء ؟

وبعبارة ثالثة : انّ العمل بالأمارات لأجل الكشف عن الواقع دون تصرّف فيه ولا انقلاب الواقع عنه إلى مدلول الأمارة ، فعندئذ فالذي تعلق به الأمر لم يحصل ، لتخلّف الأمارة ، والذي حصل لم يتعلق به الأمر. (2)

هذا هو الظاهر من كلّ من قال بعدم الإجزاء في العمل بالأمارات والبيّنات.

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ المعيار في حجيّة الأمارة وإن كان هو الكشف عن الواقع غير أنّ المراد من الكشف هو الكشف النوعي الغالبي لا الكشف الدائمي ، وذلك واضح لمن لاحظ الأمارة ، فانّ الثقة ليس بمعصوم وإنّما يُصيب قوله الواقع في أكثر الموارد لا جميعها ، فمن اعتبره حجّة فإنّما اعتبره بهذا الملاك أي كونه كاشفاً عن الواقع في غالب الموارد ، فإذا كان هذا هو الملاك فهو موجود في عامّة الموارد حتّى فيما خالف الواقع.

____________

1 ـ الكفاية : 1/133.

2 ـ تهذيب الأُصول : 1/147.

385

ثانياً : أنّ بين الأمر بالعمل بالأمارة ـ حتّى على القول بالطريقية ـ والاكتفاء بمدلول الأمارة في مقام الامتثال ملازمة واضحة ، وتعد هذه الملازمة من المداليل العرفية التي هي حجّة عندهم وتكون حجّة على العبد ، ونوضح الملازمة بالمثالين التاليين :

أ. إذا أمر المولى عبده بأن يهيئ له دواء ليتداوى به ، وأمره بأن يسأل صيدلياً بالخصوص عن نوعية اجزائه وكميته وكيفية تركيبه ، فاتّبع العبد إرشادات الصيدليّ الذي جعل قوله حجّة في هذا الباب ، ثمّ ظهر أنّ الصيدلي كان قد أخطأ في مورد أو موردين ، فانّ العرف يعدّون العبد ممتثلاً لأمر مولاه ، ويرون عمله مسقطاً للتكليف ، من دون إيجابه بالقيام مجدّداً بتهيئة الدواء ، اللّهمّ إلاّ أن يأمره المولى مجدداً.

ب : إذا أمر عبده ببناء بيت ، وأمره أن يرجع في كلّ ما يتعلّق بالبناء إلى مهندس متخصص ومعمار ماهر ، واتبع العبد أوامره فبنى البيت ، لكن تبيّن خطأ المهندس أو المعمار ، فانّ العبد معذور ، والعمل مجز ، اللّهمّ إلاّ أن يأمره بالإعادة.

والإنسان المتشرع إذا خوطب بهذه الارتكازات ، بوجوب العمل بقول الثقة ينتقل منه إلى أنّ الشارع قد اكتفى في تحصيل مقاصده بما تؤدي إليه الأمارة تسهيلاً للأمر على العباد ، فانّ الشارع واقف على أنّ إلزام المكلّف بتحصيل العلم يوجب العسر والحرج ورغبة الناس عن الدين. هذا من جانب ، ومن جانب آخر وقف على أنّ العمل بالأمارة يؤدّي إلى تحصيل مصلحة المولى بنسبة عالية أي تسعين بالمائة ، ولذلك أمر بالعمل بها مكتفياً في تحصيل مقاصده ومصالحه بهذا المقدار لما أنّ في الأمر بتحصيل العلم عسراً وحرجاً.

وهذا البيان يقتضي كون العمل بالأمارة موجباً للاجزاء عند كشف الخلاف

386

مطلقاً ، سواء انكشف بدليل قطعي أو بأمارة.

فإن قلت : إنّ لسان دليل حجّية الأمارة هو الطريقية ، لأنّ الشارع تعبّدنا بالأمارة بحيثية خاصة وهي كونها طريقاً إلى الواقع كاشفة عنه ، وتحقّق الواقع في موردها ، والمفروض عدم تحقّق هذه الحيثية فينتج عدم وجود التعبّد في ذلك الموضع وإنّما تخيلنا التعبد.

قلت : إنّ الملاك للتعبّد هو الكشف النوعي ، والملاك بهذا المعنى متحقّق في العمل بالأمارات.

والمستدل تصوّر أنّ الملاك هو كونه كاشفاً في عامّة الموارد ، وهو كما ترى ! لأنّ الأمارات توافق الواقع غالباً لا دائماً فالخلط بين كون التعبّد بملاك الكشف الدائم أو الكشف الغالب صار سبباً لاختيار القول بعدم الإجزاء.

والأوّل وإن كان غير موجود لكنّه ليس بملاك ، والثاني موجود وهو الملاك.

أسئلة وأجوبة

إن قلت : إنّ الملازمة بين الأمر بالعمل بالأمارة ، والإجزاء غير مختصة بالعمل بها لأجل استكشاف الأجزاء والشرائط ، بل يعمّ ما إذا عمل بها عند استكشاف أصل التكليف وعلى ضوء ذلك يلزم القول بالإجزاء في كلتا الصورتين.

قلت : فرق واضح بين عدم امتثال أمر المولى أصلاً ، وبين امتثاله على وجه غير تام ، ففي مجال استكشاف أصل التكليف ـ إذا تخلفت الأمارة عن الواقع ـ لم يُمتثل أمر المولى ، أصلاً ، فكيف يحكم بالإجزاء ؟! بخلاف التخلف في استكشاف الأجزاء والشرائط فقد قصد الأمر المتوجّه إلى صلاة الظهر ، مثلاً ، غاية الأمر أتى بالمأمور به ناقصاً فبانسحاب الأمر عن الأجزاء العشرة إلى الأجزاء التسعة ، كما هو

387

مقتضى جريان البراءة عند الشكّ في الجزئية والشرطية ، يكون المأتي به متعلّقاً للأمر الواقعي لأجل انسحاب الأمر عن الجزء المجهول واستقراره على ما سواه.

فإن قلت : إنّ القول بالإجزاء يستلزم التصويب ، لأنّ رفع اليد عن جزئية السورة في حقّ من قامت عنده الأمارة على عدم الجزئية يوجب اختصاص الحكم بالعالم دون الجاهل وهكذا سائر الموارد.

قلت : إنّ التصويب عبارة عن إنكار الحكم المشترك الإنشائي بين العالم والجاهل ، وهو موجود ، وانّ المرتفع هو فعلية الحكم أو تنجزه ، وهو ليس بمحذور ، وليس للقائل بعدم الاجزاء أيضاً القول بفعلية الحكم أو تنجزه في حقّ الجاهل.

فإن قلت : إنّ لازم إيجاب العمل على وفق الأمارة بما أنّها كاشفة هو عدم الإجزاء ، لأنّ لازم الكشف كون الواقع هو الميزان دون مؤدّى الأمارة وهو يناقض القول بالإجزاء الذي مقتضاه كون المحور مؤدى الأمارة. (1)

قلت : هذا ما استند إليه السيّد الأُستاذ في القول بعدم الإجزاء ، ولكنّه غير تام ، لأنّ إيجاب العمل على وفق الأمارة بما أنّها كاشفة غالباً لا دائماً ، ومثل هذا لا يستلزم أن يكون الملاك هو الواقع ، بل يستلزم كون الملاك هو الواقع الغالب وهو متحقّق ، فلا يلزم من القول بالكاشفية والإجزاء الجمع بين النقيضين.

وحصيلة الكلام : انّ الأمارات حجّة من باب الكاشفية النوعية ، والتعبّد بها لأجل هذا الملاك ، وهذا الملاك موجود في عامة الموارد هذا من جانب ، ومن جانب آخر وجود الملازمة العرفية بين الأمر بالعمل على وفق الأمارة وبين اجتزاء المولى بما أدّت إليه الأمارة وإن خالفت في بعض الموارد.

ولذلك قوّى شيخنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ في كافة دوراته الأُصولية كون

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/191.

388

العمل بالأمارات في إثبات الجزئية والشرطية والمانعية أو نفيها موجباً للإجزاء وإن خالف الواقع. وليس هذا القول ملازماً للقول بالتصويب لثبوت الحكم المشترك بين العالم والجاهل ، كما ليس القول بالإجزاء مضاداً للقول باعتبار الأمارة من باب الكاشفية ، لأنّ الكاشفية الغالبية لاتزاحم القول بالاجزاء ، وانّما تزاحمه إذا كان الملاك هو الكاشفية الدائمية.

الاستدلال على الإجزاء بوجه آخر

ثمّ إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي (قدس سره) ممّن تفرّد بين معاصريه في القول بالإجزاء عند تخلّف الأمارة ، واستدلّ على ما رامه بما هذا حاصله : انّ دليل حجّية الأمارة حاكم على دليل الشرائط والاجزاء والموانع ـ فيما إذا كانت الشبهة موضوعية ـ فإذا قال الشارع : صلّ في طاهر ، كان المتبادر من لفظ « طاهر » هو الطهارة الواقعية ، وكان الشرط ـ لولا الدليل الحاكم ـ لصحّة الصلاة هو الطهارة الواقعية ، ولكن لما جعل الشارع قول الثقة حجّة وأخبر هو عن طهارة الثوب المعيّن تصير نتيجة الجمع بين الدليلين هو توسعة المأمور به ـ الصلاة في الثوب الطاهر ـ وانّه تجوز الصلاة في ثوب طاهر واقعاً أو محكوم بالطهارة ظاهراً ، فلو صلّى مع ثوب هذا شأنه ، فقد حازت صلاته شرط الصلاة واقعاً ، لأنّ الشرط واقعاً أعمّ من الواقعي والظاهري ، وتخلّف الأمارة يوجب ارتفاع الشرط من حين التخلّف. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره صحيح في أدلة الأُصول العملية كقاعدتي الطهارة والحلية اللتين للشارع دور تأسيسي في حجيّتهما.

____________

1 ـ نهاية الأُصول : 1/129.

389

فإذا قال الشارع صلّ في طاهر ، ثمّ قال : « كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر » ، فاقتران الثاني بالأوّل يوجب حكومته عليه ، بمعنى أنّ الشرط للصلاة واقعاً هو الطهارة الأعم من الواقعية والظاهرية ، وأمّا أدلّة حجّية الأمارات فليس للشارع هناك دور لا تأسيساً ولا إمضاءً ، بل غاية الأمر هو عدم الردع ، ومن المعلوم أنّ الحكومة تقوم باللفظ ، والمفروض سكوت الشارع في مقابل عمل العقلاء بقول الثقة ، وكون سكوته كاشفاً عن الرضا ، فما هذا حاله كيف يكون حاكماً على دليل الشرائط والاجزاء ؟! مع أنّه لم يرد منه في مورد حجّيتها دليل لفظي ، وسيوافيك عند البحث في حجّية خبر الواحد أنّ ما استدل به القوم على الحجّية ناظر إلى بيان الصغرى لا إلى الكبرى ، وكأنّ الكبرى كانت عندهم أمراً مسلماً وإنّما حاولوا إحراز الصغرى وانّ فلاناً هل هو ثقة أو لا ، وفي مثل هذا المورد الذي ليس هناك دليل لفظي حول الحجّية كيف يمكن استظهار الحكومة التي هي قائمة باللفظ ؟

والأولى التمسّك بما ذكرنا من الملازمة في دائرة المولوية والعبودية بين صحّة العمل بقول الثقة والاكتفاء في مجال الطاعة على ما أدّت إليه الأمارة.

تفصيل بين الانكشاف الوجداني وغيره

وربّما يفصل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلم وجداني فلا يجزي ، أو بحجّة معتبرة فيجزي ، لأنّ الحجّة اللاحقة كالسابقة ، فكما يحتمل أن تكون الحجّة اللاحقة مطابقة للواقع كذلك يحتمل أن تكون الحجّة السابقة مطابقة للواقع وإن كان الواجب على من قامت عنده الحجّة الثانية العمل على مفادها.

يلاحظ عليه : أنّه لو أغمضنا النظر عن الملازمة العرفية ، فالحقّ هو عدم الإجزاء في كلتا الصورتين ، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية ، والمفروض

390

في كلتا الصورتين عدم تحصيل البراءة اليقينية فيهما ، فالعلم السابق بالتكليف كاف في عدم الإجزاء حتى يعلم الخروج عنه ، إمّا بعلم قطعي أو بحجّة شرعية ، فالعلم غير موجود والحجّة الشرعية الأُولى متعارضة مع الحجّة الشرعية الثانية.

التفصيل بين الطريقية والسببية

وقد فصّل صاحب المحاضرات بين الطريقية والسببية ، وأنّ الحقّ على الأولى هو عدم الإجزاء ، لأنّ ما أُتي به ليس بمأمور به ، والمأمور به ليس بمأتي به. والمفروض أنّ الصحّة إنّما تنتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به في الخارج ، الموجبة لسقوط الإعادة في الوقت ، والقضاء في خارجه ، كما أنّ الفساد ينتزع من عدم مطابقة المأتي به للمأمور به. (1)

يلاحظ عليه : بمنع عدم مطابقة المأتي به للمأمور به ، فانّ الملازمة العرفية تكشف عن انسحاب الوجوب عن الجزء أو الشرط الذي قام الدليل الاجتهادي على عدم وجوبه فعلاً ، فيكون الواجب الفعلي في حقّه ما أتى به ، فيكون المأتي به مأموراً به.

بقي الكلام في الإجزاء على القول بحجّيتها من باب السببية فقبل الخوض في المقصود نذكر أقسام السببية.

أقسام السببية

إنّ للسببية تفاسير ثلاثة :

الأوّل : ما ينسب إلى الأشاعرة ، وهو إنكار الحكم المشترك بين العالم والجاهل ، وانّ أحكامه سبحانه تابعة لآراء المجتهدين أو الأمارات والأُصول

____________

1 ـ المحاضرات : 2/260.

391

القائمة في المورد ، وهذا النوع من التصويب يستلزم الدور ، لأنّ البحث والتفحّص والاجتهاد آية وجود الحكم المشترك بين العالم والجاهل ، فيبحث عن العثور عليه ، فلو فرض تحقّق وجوده تابعاً للفحص والبحث يلزم الدور لكن لا أظن انّ الأشاعرة تقول بالسببية بهذا المعنى ، وقد أثبتنا في رسالة الاجتهاد والتقليد أنّهم لا يقولون بالتصويب إلاّ فيما لا نصّ فيه من الأحكام التي فوّض تشريعها في نظرهم إلى الحكام والمجتهدين ، وامّا المشرَّع من الأحكام فالحكم الواقعي غير تابع لآراء المجتهدين وقيام الأمارة ، فلو كان للسببية مفهوم عند الأشاعرة فإنّما هو بهذا المعنى.

الثاني : ما هو منسوب إلى المعتزلة ، وحاصله : تسليم الحكم المشترك بين العالم والجاهل ، غير أنّه إذا طابقت الأمارة الواقع تنجزه ، وإن خالفت الأمارة الواقع ينقلب الواقع إلى مضمون الأمارة ، فيكون مضمونها هو الحكم الواقعي عند من قامت الأمارة على وفقه.

وهذا القول وإن كان يسلّم وجود الحكم الواقعي المشترك بين العالم والجاهل ، ولكنّه يخصّه بالعالم دون من قامت الأمارة عنده على خلاف الواقع ، وإلاّينقلب الواقع إلى مضمون الأمارة.

الثالث : ما اختاره بعض علمائنا الإمامية وعلى رأسهم الشيخ الأنصاري حيث ذهب إلى أنّ الأمارة إذا طابقت الواقع تجزي بلا إشكال.

وأمّا إذا خالفت الواقع فبما أنّ العمل بها مفوت لمصلحة الواقع يجب أن يكون هناك ما يجبر به تلك المصلحة الفائتة.

وليس هنا شيء سوى القول بالمصلحة السلوكية ، وانّ في تطبيق العمل على مفاد الأمارة مصلحة ، فهذه المصلحة القائمة بنفس السلوك ـ لا بمؤدى الأمارة ـ

392

جابرة للمصلحة الفائتة القائمة بالمؤدّى.

وقد اعترض المحقّق الخوئي على هذا النوع من السببية وقال : بأنّ المصلحة الواقعية إذا كانت حاصلة بأحد أمرين :

الأوّل : الإتيان بالواقع كصلاة الظهر مثلاً.

الثاني : سلوك الأمارة الدالّة على وجوب الجمعة في تمام الوقت من دون كشف الخلاف ، فيمتنع عندئذ تخصيص الوجوب الواقعي بخصوص صلاة الظهر ، لقبح الترجيح من دون مرجح ، ومعه كيف يكون الحكم الواقعي مشتركاً بين العالم والجاهل ؟! بل يكون الحكم الواقعي تعيينياً في حقّ العالم ، وتخييرياً في حقّ الجاهل. (1)

يلاحظ عليه : انّ المطلوب بالذات هو المصلحة القائمة بالمتعلّق وأمّا المصلحة السلوكية فهي في طول الاولى تحدث لأجل جبر ما فات ، فإذا كان لها تلك المكانة فكيف يمكن أن يؤمر بها على وجه التخيير ؟

حكم الإجزاء على التفاسير الثلاثة

إذا عرفت أنّ السببية على أقسام ثلاثة فلا شكّ أنّ العمل بالأمارة موجب للإجزاء على القولين الأوّلين ، إذ لا واقع للحكم الشرعي ـ فيما لا نصّ فيه ـ سوى مفاد الأمارة من أوّل الأمر على القول الأوّل ، وانقلاب الواقع إلى مفادها عند المخالفة على القول الثاني فلا يتصوّر فيه التخلّف.

إنّما الكلام في الإجزاء على القول بالسببية بالمعنى الثالث ، ويختلف حكم الإجزاء حسب اختلاف الفائت ، فإن كان الفائت فضيلةَ أوّل الوقت ، كما إذا بان

____________

1 ـ المحاضرات : 2/272.

393

الخلاف قبل خروج الوقت ، فالمتدارَك هي الفضيلة لا مصلحة أصل الوقت ولا الصلاة فتجب الإعادة ، وأمّا إذا كان الفائت مصلحة الوقت وبالتالي مصلحة الصلاة فلابدّ أن تكون المصلحة الفائتة متداركة بالسلوكية كما هو المفروض ، فلا يجب القضاء.

هذا كلّه إذا كان وجه الحجّية معلوماً وانّ الأمارة حجّة من باب الطريقية المحضة أو السببية المحضة ، وأمّا إذا لم يعلم وجه الحجّية بل صار وجهها مردداً بين الطريقية والسببية ، وهذا هو الذي أفاض فيه الكلام المحقّق الخراساني قرابة صفحة واحدة مع غاية الإيجاز ، فخرج بالنتيجة التالية : أنّه تجب الإعادة دون القضاء ، وبما انّ هذا الموضع من الكفاية معقد جدّاً نشرحه على النحو التالي :

إذا كان وجه الحجّية غير معلوم

ذكر المحقّق الخراساني ما هذا حاصله :

إذا بان الخلف و الوقت باق ، تجب عليه الإعادة ، للأصل وهو أصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف ، فهذا الأصل يقتضي الإعادة في الوقت.

لا يقال : انّ هنا أصلاً آخر يعارضه وهو استصحاب عدم كون التكليف في الواقع فعلياً في الوقت.

وبعبارة أُخرى : لم يكن الواقع فعلياً قبل الزوال وبعده مع قيام الأمارة على خلاف الواقع ونشكّ في فعليته ، فالأصل بقاؤه على ما كـان عليه من عدم الفعلية.

لأنّا نقول : إنّ الواجب على المكلّف احراز إنّ ما أتى به مسقط للتكليف ، وقد علم اشتغال ذمته وشكّ في فراغها بالمأتي. وما أُشير إليه من الأصل أي عدم فعلية الواقع لا يثبت أنّ المأتي به مسقط إلاّ على القول بالأصل المثبت.

394

والحاصل : انّ المطلوب بعد العلم باشتغال الذمة هو العلم بالمسقط أو قيام الحجّة عليه ، والأصل الثاني لا يثبت كون المأتي به مسقطاً ، وإنّما يدلّ على عدم فعلية الواقع في حقّه ، ولازم ذلك وإن كان مسقطية المأتي به لكنّه أصل مثبت.

فإن قلت : ما الفرق بين المقام و بين المقامين الآخرين :

1. الأوامر الاضطرارية ، إذا فقد الماء في أوّل الوقت ووجده في آخره.

2. الأوامر الظاهرية ، إذا أحرزت انّ الحجّية من باب السببية ، حيث مرّ عدم وجوب الإعادة في هاتين الصورتين عند ارتفاع الاضطرار أو تبين الخلاف ؟

قلت : الفرق بينهما واضح وهو وجود العلم بوجوب الفرد الاضطراري أو الفرد المأمور به بالأمر الظاهري ( لأجل القول بالسببية ) فيهما ، وقد امتثل ما علم به وبعد ارتفاع الاضطرار أو الجهل في الوقت يشك في حدوث وجوب آخر يتعلّق بإتيان الفرد الاختياري أو الفرد الواقعي والأصل عدم حدوثه.

وأمّا المقام فليس هناك أيّ علم بوجوب الفرد الظاهري ، وذلك لأنّ الأمارة لو كانت حجّة من باب السببية فالفرد مأمور به ، وإن كانت حجّة من باب الطريقية فليس بمأمور به ، فينتج أنّه ليس لنا علم قطعي بوجوب الفرد المأتي به حتى يقال : انّ ما علم قد امتثل وما لم يمتثل ( الفرد الواقعي ) يُشك في حدوث الوجوب المتعلق به ، فيكون المرجع هو أصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف وهي تقتضي الإعادة في الوقت.

وقد أشار المحقّق الخراساني إلى السؤال والجواب من دون طرح السؤال بقوله : « وهذا بخلاف ما إذا علم أنّه مأمور به واقعاً وشكّ في أنّه يجزي عمّا هو المأمور به الواقعي الأوّلي ، كما في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية بناءً على أنّ

395

الحجّية على نحو السببية ». فهذه العبارة تشتمل على سؤال مقدر مفاده أي فرق بين المقام وتينك الصورتين ؟ كما تشتمل على جواب وهو وجود العلم بالتكليف قبل رفع العذر والجهل وقد امتثله والشكّ في حدوث تكليف آخر في الصورتين ، بخلاف المقام فانّ الشكّ فيه في أصل سقوط التكليف.

هذا كلّه حول الأداء وأمّا القضاء فقد بنى الحكم بالقضاء على ما اختاره في الإعادة من أنّ المحكم هو عدم الإتيان بالمسقط ، فهنا صور ثلاث :

1. إذا قلنا إنّ القضاء بالأمر الجديد ، أعني « من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته » و انّ الفوت الذي هو موضوع لهذا الأمر ، أمر وجودي لا يحرز بالأصل أي أصالة عدم الإتيان بالواقع.

2. تلك الصورة ، لكن الفوت الذي هو موضوع للأمر الجديد ، أمر عدمي قابل للإثبات بالأصل.

3. انّ القضاء بنفس الأمر الأوّل من دون حاجة إلى الأمر بالقضاء فكان إتيان الطبيعة مطلوباً وإتيانه في الوقت مطلوباً ثانياً.

فعلى الأوّل لا يجب القضاء لعدم ثبوت الموضوع حتّى يثبت التكليف الجديد بخلاف الصورتين الأخيرتين ، فيجب القضاء امّا لثبوت الموضوع بالأصل ، إذا كان بأمر جديد ، أو لكفاية نفس الأمر الأوّل في إثبات القضاء.

هذا إيضاح ما أفاده في « الكفاية ».

يلاحظ على ما ذكره في أمر الإعادة : أنّ الظاهر عدم وجوب الإعادة في المقام كالصورتين الأخيرتين لعدم العلم بثبوت التكليف أزيد ممّا أتى ، وذلك لأنّه لو كانت الأمارات حجّة من باب الطريقية ، أو السببية السلوكية فالواجب هو الواقع دون ما أدّت إليه الأمارة ، غاية الأمر تكون المصلحة السلوكية جابرة لفضيلة

396

الوقت ، دون مصلحة أصل الوقت والفعل ، فتجب الإعادة.

وإن كانت الأمارات حجّة من باب السببية بالمعنيين الأوّليين ، فقد أتى بما اشتغلت به ذمّته ، وعند ذلك ينحل العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي ، لأنّه يعلم بتوجّه الوجوب إليه وهو متعلّق إمّا بالصلاة التي صلاّها أو الصلاة التي لم يصلها ، ومثل هذا العلم لا يؤثر ، لأنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون العلم محدثاً للتكليف على كلّ تقدير ، وليس هذا النوع من العلم كذلك ، لأنّه على فرض لا يحدث تكليفاً ، لأنّ المفروض أنّه امتثله ، وعلى الفرض الثاني وإن كان محدثاً للتكليف لكنّه مشكوك ، وهذا نظير ما إذا علم بعد إقامة صلاة الجمعة بأنّ الواجب إمّا الصلاة التي صلاّها أو صلاة الظهر التي لم يصلّها ، فلا يؤثر ذلك العلم الإجمالي ، نعم لو كان ذلك العلم قبل إقامة صلاة الجمعة يكون مؤثراً.

هذا كلّه حول الإعادة ، وأمّا ما أفاده حول القضاء ، فالظاهر عدم القضاء على جميع المباني حتى على القول بأنّ القضاء بالأمر الأوّل ، أو الأمر الثاني لكن الفوت أمر عدمي يثبت بالأصل ، وذلك لأنّ القضاء معلّق في لسان الدليل على الفوت الذي هو عبارة أُخرى عن عدم الإتيان بالواجب في الوقت ، والمفروض أنّ الموضوع ـ عدم الإتيان بالواجب في الوقت ـ بعد لم يثبت لأنّه على القول بحجّية الأمارة من باب السببية فقد أتى بالواجب ، فلم يحرز عدم الإتيان به حتى يتبعه الأمر بالقضاء. نعم لو كان ملاكها هو الطريقيّة وجب القضاء لكنّ الملاك مشكوك.

397

المورد الثاني

العمل بالأُصول العملية

لاستكشاف كيفية التكليف

قد عرفت حكم الامتثال بالأمارات في مجالي استكشاف أصل التكليف ، واستكشاف الأجزاء والشرائط عند ظهور المخالفة ، فحان البحث في حكم الامتثال بالأُصول العملية عند ظهور المخالفة.

وبما انّه قد مرّ أنّ التخلّف في أصل الحكم لا يوجب الإجزاء ، من غير فرق بين الأمارة والأصل ، نخص البحث بما إذا عمل بالأُصول لاستكشاف أجزاء المكلّف به وشرائطه وموانعه وقواطعه.

واللازم بالبحث في المقام هي الأُمور التالية :

1. أصالة الطهارة.

2. أصالة الحلّية.

3. الاستصحاب.

4. أصالة البراءة.

5. قاعدة التجاوز.

6. تبدل رأي المجتهد بالنسبة إلى أعماله وأعمال مقلّديه.

وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.

398

1. أصالة الطهارة والإجزاء

ذهب أعلام المتأخرين إلى أنّ امتثال قاعدة الطهارة موجب للإجزاء وإن بان التخلّف ، معتمدين في ذلك على ما ذكره المحقّق الخراساني ، وحاصله :

انّ دليل أصالة الطهارة حاكمة على أدلّة الأجزاء والشرائط ، بتوسعة الموضوع ، مثلاً إذا قال الشارع : « صلّ في طاهر ». فالظاهر منه أنّه يشترط أن يكون اللباس طاهراً واقعياً ، فإذا قال بعده : « كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر » فبالمقارنة نستكشف أنّ الثاني بصدد توسعة الموضوع وأنّ الطهارة التي هي شرط صحّة الصلاة أعمّ من الطهارة الواقعية والظاهرية.

وعلى ضوء ذلك : إذا تبيّن أنّ الثوب نجس فانكشاف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى نفس الطهارة والنجاسة حيث تبين انّ الثوب نجس ، وأمّا بالنسبة إلى شرط الصلاة فالانكشاف من حينه لامن أصله ، لما عرفت من أنّ شرط الصحّة هو الشرط الأعمّ من الظاهري والواقعي لا الشرط الواقعي فقط حتّى تصحّ نسبة انكشاف الخلاف بالنسبة إلى الشرط.

وهذا توضيح ما ذكره صاحب الكفاية في المقام حيث قال :

والتحقيق أنّ ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلّقه وكان بلسان تحقّق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية بل واستصحابهما في وجه قوي ونحوها بالنسبة إلى كـلّ ما اشترط بالطهـارة أو الحليـة ، يجزي ، فانّ دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط ومبينا لدائرة الشرط وانّـه أعمّ من الطهارة الواقعية والظاهرية ، فانكشاف الخلاف فيـه لا يكون موجبـاً لانكشاف فقدان العمل بشرطه ، بل بالنسبة إليـه يكـون من قبيل

399

ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل. (1)

وكان السيد البروجردي يعتمد في درسه الشريف على بيان آخر وهو أنّه إذا صلّى في ثوب طاهر تمسّكاً بأصالة الطهارة ، ينطبق على المأتي به عنوان الصلاة فيسقط التكليف المتعلّق به في قوله : (أَقِمِ الصَّلاة لدُلُوك الشَّمس ) وقد قام الإجماع على عدم وجوب صلاتين من نوع واحد للمكلّف في وقت واحد.

فالحكم بالإعادة والقضاء خرق لهذا الإجماع ، ومعناه وجوب صلاتي الظهر في وقت واحد.

وهناك دليل آخر على الإجزاء وهو التمسّك بالملازمة العرفية بين الأمر بالعمل بالأُصول في كيفية الامتثال واجزائه في مقام الامتثال مطلقاً ، سواء أوافق الواقع أم خالفه. وقد مرّ في مورد الأمارة.

2. أصالة الحلية والإجزاء

يظهر حكم قاعدة الحلية ممّا ذكرناه في أصالة الطهارة بالوجوه الثلاثة ، تارة لأجل حكومة القاعدة على أدلّة الأجزاء والشرائط ، وأُخرى بانطباق عنوان الصلاة على المأتي به وسقوط وجوبه بعد الإتيان وعدم وجوب صلاتين من نوع واحد للشخص في يوم واحد وثالثة من وجود الملازمة بين الأمر بالعمل بأصالة الحلية ، والإجزاء في مقام الامتثال ، والوجوه الثلاثة واضحة لا حاجة إلى التبيين.

3. الاستصحاب والإجزاء

ذهب المحقّقون من الأصوليّين إلى أنّ الاستصحاب أصل محرِز ، وانّ لسانه في الموضوعات كالطهارة والعدالة هو جعل المماثل عند الشكّ ، فإذا قال الشارع :

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/133.

400

صلّ في طاهر ، فإذا شككنا في طهارة ثوب بعد اليقين بطهارته وقال الشارع : « لا تنقض اليقين بالطهارة بالشكّ فيها » فمعناه أنّ الثوب محكوم بالطهارة ، فيكون بالنسبة إلى دليل الشرطية حاكماً وجاعلاً للمصداق ، غاية الأمر مصداقاً ظاهرياً لا واقعياً ، فلو ظهر التخلّف فالتخلّف إنّما هو بالنسبة إلى طهارة الثوب ونجاسته لا بالنسبة إلى كون المكلّف واجداً للشرط ، فصلاته كانت صلاة صحيحة تامّة إلى يوم القيامة حتّى وإن ظهر بالعلم القطعي كون الثوب نجساً ، فالعلم المتأخر يؤثر في مجال الشرط بالنسبة إلى المستقبل لا بالنسبة إلى الماضي ، لأنّ الشرط إذا كان أعمّ من الواقعي والظاهري لا يتصوّر فيه التخلّف.

وهذا البيان هو الذي نقلناه من المحقّق الخراساني ، ويمكن تعضيده بما نقلناه من كلام المحقّق البروجردي ، وبما أردفناه من حديث الملازمة ، فالجميع يهدف إلى أمر واحد ، وهو أنّ الشارع اقتصر في مجال امتثال تكاليفه بما تؤدي إليه هذه الأُصول ، سواء أوافقت الواقع كما هو الحال في 90% أم خالفه كما في 10% ، غير أنّ المصلحة التسهيلية دفعت بالشارع إلى الاكتفاء بما أدّت إليه الأُصول مطلقاً. ورفع اليد عن الجزئية والشرطية في مقام التنجيز عند المخالفة.

4. أصالة البراءة والإجزاء

إذا شكّ في جزئية شيء كوجوب السورة التامّة شبهة حكمية وأجرى الفحص اللازم فلم يعثر على الدليل في مظانه فأجرى البراءة عن الوجوب و صلّى صلاة بلا سورة تامّة ، ثمّ بدا خلافه وأنّ الواجب هو السورة التامّة ، فهل يجزي ما أتى به من العمل الناقص أو لا ؟ الأقوى هو الإجزاء.

والدليل على ذلك ما ذكرنا من حديث الملازمة ، فإذا قال الشارع : ( أَقم

401

الصلاة لدُلوكِ الشمس ) وكانت الصلاة موضوعة للصلاة التامّة التي من أجزائها السورة الكاملة.

ثمّ قال : إذا شككت في وجوب شيء من أجزاء الصلاة ، فهو مرفوع ، ( وليس المراد الرفع الواقعي لاستلزامه التصويب ، بل المراد الرفع الظاهري ، وهو الرفع في ظرف الشكّ ) تكون نتيجة الدليلين انّ المولى قد اكتفى في امتثال اغراضه ومقاصده بما أدّت إليه الأُصول في ظرف الشكّ ، وبما أنّ مؤداها يوافق الواقع في أكثر الموارد ويخالفه في أقلّها اقتصر بالأكثر ورفع اليد عن الأقل.

وهذه هي الملازمة العرفية التي اعتمدنا عليها في غير مرّة.

وأمّا القول بالإجزاء من طريق حكومة الأُصول على أدلّة الأجزاء والشرائط فإنّما يتصوّر في الشبهات الموضوعية ، وأمّا الشبهات الحكمية فلا يعقل حكومة الأُصول على الأدلّة الاجتهادية حيث إنّ الأصل دليل حيث لا دليل.

نعم لو كان مجرى البراءة هو الشبهة الموضوعية فهذا المانع غير موجود ، إنّما الكلام في كون لسان حديث الرفع لسان الحكومة. فانّ لسانه لسان النفي ( رفع ) لا جعل المصداق والإثبات.

5. قاعدة التجاوز والإجزاء

الظاهر من الروايات الدالّة على عدم الاعتداد بالشكّ عند التجاوز أنّه أصل عقلائي أمضاه الشارع ، فقد ورد في غير مورد قوله : « فشكك ليس بشيء » (1) وقوله : « فليمض ». (2) فهذان التعبيران يعبّران عن تجويز الإتيان بالمأمور به بهذه الكيفية ، وهو يلازم عرفاً باقتصار الشارع في تأمين مقاصده وأغراضه بما أدّت إليه

____________

1 ـ الوسائل : 5 ، الباب 23 من أبواب الخلل ، الحديث 1.

2 ـ الوسائل : 1 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث 6.

402

قاعدة التجاوز تسهيلاً للعباد ، فبحكم الملازمة يحكم بالإجزاء.

أضف إلى ذلك ما نقلناه من المحقّق البروجردي بأنّه بعد ما امتثل المأمور به في ظلّ القاعدة ينطبق عليه عنوان الصلاة ، لأنّها و إن وضعت للصلاة الصحيحة لكن لها عرضاً عريضاً ومصاديق مختلفة ، فإذا انطبق عليه عنوان المأمور به يسقط الأمر لزوماً وإيجاب الإعادة والقضاء يكون بلا ملاك ، مضافاً إلى الإجماع على عدم وجوب صلاتين من نوع واحد في يوم واحد.

وأما الحكم بالإجزاء عن طريق الحكومة فهو فرع أن يكون اللسان لسان الحكومة بجعل المصداق.

6. انكشاف الخلاف بدليل قطعي

قد عرفت أنّ مقتضى العمل بالأُصول في استكشاف الأجزاء والشرائط هو الإجزاء من غير فرق بين انكشاف الخلاف على وجه الظن أو على وجه القطع ، فلو صلّى صلاة الظهر بلا سورة أو مع سورة ناقصة اعتماداً على الأُصول ، أو صلّى في ثوب مشكوك محكوم بالطهارة ، وقام الدليل المفيد للعلم بوجوب السورة ، أو وجوب السورة الكاملة ، لكان ما أتى به مجزياً لما عرفت من حديث الحكومة ، أو حديث انطباق عنوان الصلاة ، أو الملازمة ، وكون الدليل الثاني قطعياً وحجّية القطع ذاتية لا يضرُّ بالمقام لأنّ القطع يكشف عن الحكم الواقعي ويهدم الحكم الظاهري عند وجوده لا الحكم الظاهري في ظرفه ، كما أنّه لا فرق بين العبادات والمعاملات تكليفاً وجزءاً وشرطاً ومانعاً ، فالأعمال المنطبقة على الأمارات والأُصول أو فتوى المجتهد مجزية وان تبيّن الخلاف بقيام حجج قطعية على خلافها.