إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
403

7. تبدّل رأي المجتهد

إذا تبدّل رأي المجتهد إلى رأي آخر أو مات المقلَّد وقلّد مجتهداً آخر ، يخالف رأيه ، رأي الميت يكفي ما أتى به سابقاً ، وذلك لقصور أدلّة حجّية الاجتهاد الثاني ، عن شموله لما مضى ، بل القدر المتيقّن هو لزوم تطبيق العمل عليه في المستقبل.

ثمّ إنّ للمحقّق النائيني إشكالات على حكومة الأُصول العملية على أدلّة الأجزاء والشرائط وقد تعرّضنا لها في الدورات السابقة وبيّنا انّها غير تامّة ، فمن أراد فليرجع إلى المحصول. (1)

____________

1 ـ المحصول : 1/440 ـ 445.

404

تنبيهات ثلاثة

الأوّل : الامتثال اعتماداً على القطع بالأمر

كان الكلام في السابق هو امتثال أمر المولى اعتماداً على دليل شرعي كالأمارة والأُصول ، وأمّا إذا امتثل أمره اعتماداً على قطعه ويقينه فقطع بعدم وجوب السورة الكاملة ، أو قطع بطهارة ثوبه فصلى ثمّ بدا خلافه ، فهل يكون مجزياً أو لا ؟

الجواب : لا يكون مجزياً إذ لا دليل عليه.

لأنّ الدليل المهم على الإجزاء أحد الأمرين :

أ : ادعاء الملازمة بين الأمر بالعمل بالأمارة والأصل واكتفاء المولى في دائرة المولوية والعبودية بما أتى ، وهو إنّما يجري إذا كان هناك أمر من الشارع لكيفية الامتثال ، والمفروض انتفاؤه ، بل اتبع المكلف حكم العقل بأنّه يجب العمل بالقطع ، ونتيجة حكمه عبارة عن التنجّز إذا أصاب والتعذير إذا أخطأ ، وهذا غير الإجزاء.

ب : حكومة دليل الأمر الظاهري على الأدلّة الواقعية ، كما هو الحال في بعض الأُصول ، وهو أيضاً فرع وجود أمر من الشارع والمفروض انتفاؤه.

الثاني : القول بالإجزاء لا يلازم التصويب

ربّما يتهم القائل بالإجزاء بالقول بالتصويب مع أنّه لا ملازمة بين القولين ، سواء كان الدليل رافعاً للحكم أو موسّعاً لدائرة الشرط.

405

فالأوّل : كما إذا قامت الأمارة على عدم وجوب السورة الكاملة ثمّ بان الخلاف.

والثاني : كما إذا أثبت الأصل طهارة شيء وحليته.

أمّا عدم لزوم التصويب في الصورة الأُولى ـ أي إذا كان الدليل رافعاً لوجوب الشيء ـ فلأنّ مورد توهّم التصويب أحد الأُمور التالية :

أ : القول بالإجزاء بمعنى إنكار حكم اللّه المشترك بين العالم والجاهل ، فحكم العالم هو وجوب الصلاة مع السورة الكاملة ، وحكم الجاهل وجوبها بلا سورة ، فالحكم المشترك بينهما منتف.

يلاحظ عليه : أنّ الحكم المشترك بين العالم والجاهل في مرحلة الإنشاء محفوظ ، فما شرعه اللّه سبحانه وبلغه إلى النبي حكم مشترك بين الطائفتين بلا فرق بين العالم والجاهل.

ب : القول بالإجزاء يلازم عدم فعلية الحكم في حقّ الجاهل ، وفعليته في حقّ العالم ، وهذا أيضاً نوع إنكار لحكم اللّه المشترك.

يلاحظ عليه : أنّ تخصيص الفعلية بالعالم وإخراج الجاهل عنها أمر مشترك بين القائل بالإجزاء والنافي له ، وذلك لقبح خطاب الجاهل فعلاً.

ج : القول بالإجزاء يلازم قبول الناقص مكان الكامل.

يلاحظ عليه : بأنّه ليس أمراً بديعاً ، فقد اتّفق الكل على سقوط بعض الأجزاء والشرائط عن المطلوبية بعد الإتيان بالفرد الناقص من الصلاة ، لحديث « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة » (1) فلو أتى بالصلاة بلا سورة جهلاً أو نسياناً فصلاته صحيحة بلا إشكال.

____________

1 ـ الوسائل : 4 ، كتاب الصلاة ، الباب 10 ، من أبواب الركوع ، الحديث 5.

406

أمّا عدم لزوم التصويب في الصورة الثانية ، أعني : فيما إذا قام الأصل على طهارة ثوب وكان الواقع على خلافه ، فالأصل الثاني يكون مبيّناً لموضوع دليل الجزئية ومبسّطاً له ، وأين هذا من التصويب ؟! فإذا قال المولى : « صل في طاهر » فدليل أصالة الطهارة بالنسبة إليه بمنزلة المفسّر للدليل الأوّل ولا معنى لتصور التصويب عند تفسير أحد الدليلين الدليلَ الآخر.

نعم دليل الأصل يخصص دليل الجزئية والشرطية ، لا دليل نجاسة البول إذا كان الثوب متنجّساً بالبول.

فقوله (عليه السلام) : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1) فيفهم منه نجاسة هذه الأبوال مطلقاً لا في حالة العلم ، فدليل الأصل لا صلة له بأدلّة النجاسات.

فتلخّص انّ حديث التخصيص بالنسبة إلى أدلّة النجاسات منتف ، وأمّا توسيع شرط الصلاة من الظاهرية إلى الأعم من الواقعية والظاهرية فليس بتصويب ، بل حكومة دليل على دليل.

التنبيه الثالث : في مسائل تترتّب على الاجزاء

إنّ هنا مسائل فقهية تترتب على مختار الفقيه في باب الإجزاء وهذه المسائل مبثوثة في أبواب الفقه ، نختار منها ما يلي :

المسألة الأُولى : إذا اختلفت فتوى السابق مع اللاحق

قال السيد الطباطبائي في العروة الوثقى :

المسألة 53 : إذا قلّد من يكتفي بالمرّة مثلاً في التسبيحات الأربع واكتفى

____________

1 ـ الوسائل : 2 ، الباب 8 من أبواب النجاسات ، الحديث 2.

407

بها ، أو قلّد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة ، ثمّ مات ذلك المجتهد ، فقلّد من يقول بوجوب التعدد ، لا يجب عليه إعادة الأعمال السابقة.

وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحّة ثمّ مات وقلّد من يقول بالبطلان ، يجوز له البناء على الصحّة. نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني.

وأمّا إذا قلّد من يقول بطهارة شيء ـ كالغسالة ـ ثمّ مات وقلّد من يقول بنجاسته فالصلوات والأعمال السابقة محكومة بالصحّة وإن كانت مع استعمال ذلك الشيء ، وأمّا نفس ذلك الشيء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته.

وكذا في الحلية والحرمة ، فإذا أفتى المجتهد الأوّل بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً ، فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد وقلّد من يقول بحرمته ، فإن باعه أو أكله حكم بصحّة البيع وإباحة الأكل ، وأمّا إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ، ولا أكله ، وهكذا. (1)

وهذه المسألة صارت محلاً للنقاش والجدل وقد علّق عليها العلماء تعاليق وافقوا المتن في بعض الموارد وخالفوه في بعض آخر ، ونحن نذكر ما هو المختار عندنا ، نقول :

يقع الكلام تارة في عبادات المكلّف ، وأُخرى في معاملاته بالمعنى الأعم كحلية الحيوان المذبوح ، وطهارة الثوب والبدن ، وثالثة في الموضوعات التي تعد أثراً خارجاً عن إطار فعل المكلّف كالكحول والفقاع إذا أفتى المجتهد الأوّل بطهارتهما والآخر بنجاستهما ، وهما موجودان في وعائهما في كلتا الحالتين ، وإليك الكلام في الموارد الثلاثة.

____________

1 ـ العروة الوثقى ، فصل التقليد ، المسألة 53.

408

1. حكم العبادات

الظاهر أنّ كلّ ما أتى به من العبادات يُعد أمراً صحيحاً ، وإن كان يجب عليه تطبيق العمل ـ في المستقبل ـ على قول المجتهد الثاني ، فما صدر منه من الأفعال وكان صحيحاً حسب الحجّة الأُولى يحكم عليها بالصحة حتّى بعد تقليد المجتهد الثاني لوجوه :

الأوّل : أنّ الحجة الثانية تُسقط الحجة السابقة عن الاعتبار في المستقبل مع بقائها على وصف الحجّية بالنسبة إلى ما سبق ، لا أنّ الحجّة الثانية تكشف عن عدم حجّية السابقة في ظرفها ، فالأُولى حجّة فيما سبق حتى الآن ، وإن كانت الحجّة الثانية تسقط الأُولى عن الحجّية فيما يأتي من الزمان ، وعلى ذلك فالأعمال التي أتى بها حسب الحجة الأُولى محكومة بالصحّة حتى بعد قيام الحجة الثانية ، لما عرفت من أنّها لا تكشف عن عدم الحجّية فيما مضى وإنّما تسقطها عن الحجّية فيما يأتي. وذلك لأنّ الحجّة الثانية ليست وحياً إلهياً كاشفاً عن بطلان الأُولى ، بل هي اجتهاد كالاجتهاد الأوّل وإن كان المتعيّن الرجوع إليها فمقتضى الجمع بين الحجتين كون كلّ حجّة بالنحو المذكور.

الثاني : التمسك بالملازمة العرفية ، فانّ الشارع إذا أمر بمركب كالصلاة والحجّ ثمّ جعل فتوى المفتي حجّة في تشخيص الواجب عن غيره ، فمعنى ذلك أنّه اكتفى في أغراضه بما أدّت إليه فتوى ذلك المجتهد على التفصيل الذي عرفت فاقتضت المصلحةُ التسهيلية إضفاءَ الاعتبار على قوله مطلقاً حتّى فيما خالف الواقع.

الثالث : انّ الفتوى الأُولى كانت حجّة في الأعمال السابقة ، ونشك في سقوط حجّيتها بالنسبة إلى ما مضى ، فيحكم ببقائها بالنسبة إلى ما مضى ، وأمّا

409

الفتوى الثانية فلا شكّ أنّها حجّة بالنسبة إلى الحوادث التالية : وأمّا الحوادث السابقة فنشكّ في حجّيتها بالنسبة إليها فيؤخذ بالاستصحاب من دون معارض.

وبالجملة : فالقدر المتيقّن في قوله : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا » أو ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة هو حجّية قول الفقيه بالنسبة إلى ما يأتي من الحوادث ، وأمّا بالنسبة إلى السابق فلا إطلاق في الأدلّة.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ممّن ذهب إلى لزوم تطبيق العمل على الاجتهاد الثاني من غير فرق بين ما مضى و ما يأتي واستدلّ على ذلك بالوجه التالي :

أنّ قيام الحجّة الثانية وإن كان لا يستكشف به عن عدم حجّية الاجتهاد الأوّل ـ مثلاً ـ في ظرفه إلاّ أنّ مقتضاها ثبوت مدلولها في الشريعة المقدّسة من الابتداء لعدم اختصاصه بعصر دون عصر ، إذاً العمل المأتي به على طبق الحجّة السابقة باطل ، لأنّه مقتضى الحجّة الثانية ، ومعه لا بدّ من إعادته أو قضائه.

واحتمال مخالفة الواقع ، وإن كانت تشترك فيه الحجتان ، إلاّ أنّ هذا الاحتمال يلغى في الحجّة الثانية حسب أدلّة اعتبارها ، ولا يلغى في الأُولى ، لسقوطها عن الاعتبار ، ومجرد احتمال المخالفة يكفي في الحكم بالإعادة أو القضاء ، لأنّه لا مؤمِّن معه من العقاب. وحيث إنّ العقل مستقل بلزوم تحصيل المؤمن ، فلا مناص من الحكم بوجوب الاعادة على طبق الحجّة الثانية ، لأنّ بها يندفع احتمال الضرر بمعنى العقاب.

وأمّا القضاء فهو أيضاً كذلك ، لأنّ مقتضى الحجّة الثانية أنّ ما أتى به المكلّف على طبق الحجّة السابقة ، غير مطابق للواقع فلا مناص من الحكم ببطلانه ، ومعه يصدق فوت الفريضةوهو يقتضي وجوب القضاء. (1)

____________

1 ـ التنقيح ، قسم الاجتهاد والتقليد : 1/54.

410

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من أنّ مدلول الحجّة الثانية هو ثبوت مدلولها في الشريعة المقدّسة من الابتداء وإن كان أمراً صحيحاً ، إلاّ أنّ الكلام في مقدار حجّية هذا الكشف ، فانّه لما كان ظنياً يمكن تخصيص حجّيته بالحوادث التي يواجهها المكلّف في المستقبل ، وقد علمت أنّ القدر المتيقّن من حجّية قول المفتي هو حجّيتها فيما سيرد من الحوادث ، وأمّا ما مضى من الحوادث فالحجة الأُولى حجّة بالفعل بالنسبة إليها.

وإن شئت قلت : إنّ الحجّة الثانية لما كانت ظنية لا تكشف عن بطلان الحجّة الأُولى ، غاية الأمر ورد التعبّد بالأخذ بها دون الأُولى والقدر المتيقن من التعبد هو ما سيرد من الحوادث لا ما مضى وبذلك يعلم وجود المؤمِّن بالنسبة إلى الأعمال السابقة وليس هو إلاّ الحجّة الأُولى.

وأمّا القضاء فهو وإن كان مترتباً على فوت الفريضة لكن إثبات فوت الفريضة بالنسبة إلى ما مضى أوّل الكلام لما عرفت من أنّ القدر المتيقن من حجّيتها إنّما هو فيما يرد من الحوادث لا فيما مضى فلا يثبت بها فوت الفريضة حتّى يعمّه قوله : ما فاتته فريضة فليقض كما فاتته.

2. حكم المعاملات

قد عرفت أنّ السيد الطباطبائي ذهب إلى البناء على الصحّة فيما إذا أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم عليه بالصحّة ثمّ مات وقلّد من يقول بالبطلان.

وكذا إذا أفتى المجتهد الأوّل بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً فَذُبِح حيوان كذلك فمات المجتهد وقلّد من يقول بحرمته فإن باعه أو أكله حكم بصحّة البيع وإباحة الأكل.

411

هذا ممّا لا غبار عليه ، وما ذكرنا من الأدلّة في العبادات يجري في المعاملات طابق النعل بالنعل.

لكنّه (قدس سره) حكم بنجاسة الغسالة ، وقال : وأمّا إذا قلّد من يقول بطهارة شيء كالغسالة ثمّ مات ، وقلّد من يقول بنجاسته فالصلوات والأعمال السابقة محكومة بالصحّة ، وإن كانت مع استعمال ذلك الشيء ، وأمّا نفس ذلك الشيء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته. ومثله إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله.

وأمّا ما هو الحقّ في المقام فيعلم بالبيان التالي فانّ مصب الإجزاء هو صدور عمل من المكلّف أمضاه الشارع حسب فتوى المجتهد الأوّل ، فلو كان ذلك العمل سبباً لأثر ، فمعنى إمضاء السبب هو ثبوت أثره حدوثاً وبقاءً ، والتفصيل بين الحدوث والبقاء نقض لسببية ذلك السبب.

وعلى ذلك فبما أنّ الشارع أمضى نفس الفعل بمعنى الذبح فيترتب أثره من غير تقيّد بزمان دون زمن ، فيجوز أكل الذبيحة وبيعها حتى بعد موت المجتهد الأول.

ومثله غسل الثوب بالغسالة فانّ العمل الصادر من المكلّف هو الغسل ، و قد أمضاه الشارع بأنّه مطهر فيترتب عليه أثره حدوثاً وبقاءً فيحكم بطهارة الثوب ، وأمّا نفس الغسالة فبما انّه جسم خارجي لا يعد عملاً للمكلّف فيرجع في حكمها إلى المجتهد الثاني فالمعيار هو إمضاء العمل.

3. الموضوعات الخارجية

وأمّا الموضوعات الخارجية التي تختلف فيها أنظار المجتهدين نظير طهارة

412

الفقاع مثلاً ، فلو كان رأي المجتهد الأوّل على الطهارة على خلاف المجتهد الثاني فإنّه يرجع في مثله إلى الثاني ، وذلك لأنّه لم يكن هناك فعل صادر من المكلّف حتّى يقع في إطار الإمضاء ، بل غاية ما كان هناك موضوع خارجي كان الأوّل يحكم بطهارته ، ويحكم الثاني الآن بنجاسته ، فبما أنّ الفقاع موضوع مستقل في كلّ آن ، وليست طهارته أو نجاسته في الآن اللاحق استمراراً لهما في الآن السابق ، بل تنسبان إلى ذات الفقاع من دون أن يتقيّد بيوم دون يوم ، فيكون محكوماً بالنجاسة ، هذا.

المسألة الثانية : لو دخل الصبي في الصلاة وهو غير بالغ فبلغ في أثنائها ، فهناك احتمالات :

1. إكمال الصلاة والاجتزاء بها.

2. وجوب الإعادة بعد الإكمال.

3. قطع الصلاة والابتداء بها.

لا سبيل إلى الثالث والأقوى هو الأوّل ، ووجهه وحدة الأمر المتوجّه إلى الصبي والبالغ وكلاهما مأموران بأمر واحد ، أعني قوله سبحانه : ( أَقِمِ الصَّلوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس إِلى غَسَقِ اللَّيْل ). (1)

غير أنّ الدليل الخارجي دلّ على قوّة الطلب في الأوّل وضعفه في الثاني ، وليس الوجوب والندب من مداليل الأمر حتى يكون الأمر المتوجّه إلى البالغ غير المتوجه إلى غيره ، فإذا اتحد الأمر فقد امتثله ، غاية الأمر كان الطلب في النصف الأوّل من العمل غير مقرون بالشدة ومقروناً بها في النصف الآخر ، لكنّه لا يؤثر في تعدد الأمر ، خلافاً لصاحب الجواهر حيث ذهب إلى لزوم الإعادة زاعماً تعدد

____________

1 ـ الإسراء : 78.

413

الأمر. (1)

المسألة الثالثة :

إذا انحصر الثوب في النجس ولم يتمكن من غسله ونزعه لبرد وصلّى فيه ، ثمّ تمكّن من أحدهما أو كليهما والوقت باق ، يجزي إذا كان في دليل رفع الاضطرار إطلاق ، ولو كان في دليل المبدل أي طهارة الساتر إطلاق ، يعيد ، ولو شكّ فعلى المختار من وحدة الأمر ، فالمرجع هو الاحتياط ، لأنّه من قبيل الشكّ في سقوط الأمر الواحد ، وعلى القول بتعدّده ـ كما عليه المحقّق الخراساني ـ فالمرجع هو البراءة كما عرفت. (2)

إلى غير ذلك من المسائل التي جاء تفصيلها في المحصول. (3)

____________

1 ـ الجواهر : 7/239 ، ولاحظ كتاب الصلاة للشيخ الحائري ، ص 25.

2 ـ الجواهر : 6/248 ـ 252.

3 ـ راجع المحصول : 1/456 ـ 458.

414

-

415

الفصل الرابع

مقدّمة الواجب

خصّص المحقّق الخراساني هذا الفصل بالبحث في الأُمور التالية :

الأوّل : تحرير محلّ النزاع.

الثاني : كون المسألة عقلية أُصولية.

الثالث : تقسيمات المقدّمة إلى داخلية وخارجية ، وعقلية وشرعية وعادية ، إلى غيرها من المقدّمات.

الرابع : في تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط ومنجّز ومعلّق.

الخامس : وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها.

السادس : ما هو الواجب من المقدّمة ؟

السابع : في ثمرات القول بوجوب المقدّمة.

الثامن : ما هو الأصل عند الشكّ في وجوب المقدّمة.

إذا عرفت ذلك فلندرس تلك الأُمور واحداً تلو الآخر.

الأوّل : في تحرير محلّ النزاع

إنّ محلّ النزاع يحتمل أن يكون أحد الأُمور التالية :

1. الوجوب العقلي الذي يدركه العقل ويعبّر عنه باللابدية ، ولكنّه ليس

416

موضع النزاع قطعاً لحكمه بالوجوب بالبداهة أوّلاً ، واتّفاق العقلاء على وجوبها ثانياً لمن أراد الوصول إلى ذيها.

2. الوجوب العرضي ، بمعنى أنّ هنا وجوباً واحداً ينسب إلى ذيها حقيقة وإلى مقدمته مجازاً ، كنسبة الجريان إلى الماء بالحقيقة وإلـى الميزاب بالمجاز ، وهـذا أيضاً خارج عن محط البحث لأنّه يصبح بحثاً أدبيـاً خارجاً عـن غـرض الأُصولي.

3. الوجوب الشرعي الغيري الأصلي.

4. الوجوب الشرعي الغيري التبعي.

فالنزاع على هذين الاحتمالين مركز على عروض وجوب شرعي للمقدّمة بما انّها مقدّمة ولذلك يوصف الوجوب بالغيري ، غاية الأمر إذا كانت المقدمة مورداً لتوجه الآمر يوصف بالأصلي ، وإذا لم يكن كذلك يوصف بالتبعي. (1)

يلاحظ على ذينك الاحتمالين : بأنّه تكون المسألة عندئذ فقهية ، ولما عرفت أنّ محمول المسألة إذا كان أحد الأحكام الشرعية ، فالمسألة فقهية.

5. وجوب الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، فعلى هذا تكون المسألة أُصولية كسائر الملازمات المبحوث عنها في علم الأُصول ، فانّ المسائل التي يبحث فيها عن الملازمات كلّها مسائل أُصولية نظير البحث عن وجود الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضده وكالبحث عن الملازمة بين ثبوت الحكم عند وجود قيده ، وارتفاعه عند ارتفاعه ( أبواب المفاهيم ).

البحث عن الملازمة بين حرمة العبادات وفسادها.

البحث عن الملازمة بين المعاملات و فسادها.

____________

1 ـ سيوافيك الفرق بين الأصلي والتبعي في محله فلو تعلقت الإرادة بالشيء على وجه التفصيل فهو أصلي وإلاّ فهو تبعي.لاحظ ص 535 من هذا الجزء.

417

فالبحث في هذه المسائل كما في المقام أيضاً عن وجود الملازمة بين الأمرين وعدمها ، فالقائل بالوجوب يدّعي الملازمة ، والقائل بالعدم ينكر الملازمة.

فإن قلت : هل الملازمة في المقام من المستقلات العقلية أو من غير المستقلات العقلية ؟

قلت : هي من القسم الثاني ، وذلك لأنّ الفرق بينها هو لو كانت الصغرى والكبرى عقليتين تعدّ المسألة من المستقلات العقلية ، كما في حسن العدل وقبح الظلم ، وحسن العمل بالميثاق وقبح التخلّف عنه ، وحسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالإساءة ، فالصغرى والكبرى كلاهما ممّا يدركهما العقل.

وأمّا إذا كانت الصغرى شرعية والكبرى عقلية فتكون المسألة من الأحكام العقلية غير المستقلة ، كما في المقام حيث إنّ الصغرى في باب المقدمة مأخوذة إمّا من الشارع أو من العرف والعادة ، فإذا قال الشارع : الوضوء مقدمة. يحكم العقل بوجود الملازمة بين الوجوبين ، أو قال : إزالة النجاسة عن المسجد واجبة ، يحكم العقل بوجود الملازمة بين وجوبها وحرمة ضدّها أعني الصلاة.

فإن قلت : إذا كان البحث في هذه المسائل الخمس مركزاً على وجود الملازمة وعدمها ، فلماذا يبحث عنها في الجزء الأوّل المختص بمباحث الألفاظ ، أليس الأولى البحث عنها في الجزء الثاني المخصص بالمباحث العقلية ؟

قلت : الحقّ انّها من المباحث العقلية ، غير أنّ المقدمة لما كانت متوقفة على السماع من الشرع صار ذلك مسوغاً للبحث عنها في الجزء الأوّل المخصَّص بالمباحث اللفظية.

على أنّ هناك من الأُصوليين من قال بدلالة الأمر بذي المقدّمة على وجوب المقدّمة بالدلالة الوضعية الالتزامية ، وهي عند المنطقيين دلالة لفظية لا عقلية كما

418

سيوافيك تفصيله في الأمر الثاني ، ولذلك جاء ذكر المسألة في المباحث اللفظية.

فإن قلت : هل الملازمة بين وجوب ذيها ووجوب المقدّمة الواقعية ، أو بين وجوب ذيها وما يراه المولى مقدّمة ؟

قلت : ذهب السيّد الأُستاذ إلى القول الثاني ، قائلاً : بأنّ الإرادة من الفاعل إنّما تتعلّق بالشيء بعد تصوّره والإذعان بفائدته ، ويمتنع تعلّق الإرادة بما هو مقدّمة في نفس الأمر إذا كان غافلاً عنها. وعلى ذلك فالملازمة هي بين إرادة ذيها وإرادة ما يراه مقدّمة.

والحاصل : انّ الإرادة وليدة العلم ، ولا يعقل تعلّقها بشيء إلاّ بعد العلم به وعرفانه مقدمة للشيء. (1)

قلت : الظاهر أنّه يكفي كون المقدمة مورداً للتوجّه ومتعلّقة بالإرادة حسب الإجمال ، كما إذا أمر المولى بصنع دواء سائل من عقاقير مختلفة ولا يعلم تفصيلها وخصوصياتها ، فتتعلّق الإرادة بوجوب ما هو مقدمة لتحضير هذا الدواء ، فالظاهر أنّ الملازمة على فرض ثبوتها بين وجوب الشيء ووجوب ما هو مقدمة في الواقع سواء وقف عليه المولى بالتفصيل أم لا ، ولعلّ ما ذكرناه هو مراد السيّد الأُستاذ.

نعم لو لم يكن مورداً للالتفات لا تفصيلاً ولا إجمالاً لما يكون طرفاً للملازمة.

الأمر الثاني : المسألة عقلية أُصولية

هل البحث في المسألة لفظي أو عقلي ، فقهي أو أُصولي ، الظاهر انّ المسألة

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/153.

419

عقلية أُصولية.

أمّا كونها عقلية : فلما عرفت أنّ محور البحث هو وجود الملازمة بين الإرادتين ثبوتاً ، والوجوبين إثباتاً ، وعدمها ، وهو بحث عقلي.

والظاهر أنّ وصف القدماء بكون المسألة لفظية لأجل قولهم بدلالة الأمر بالشيء على وجوب مقدّمته دلالة التزامية وهي عندهم دلالة لفظية لا عقلية ، تبعاً للمنطقيين حيث إنّهم يعدون الدلالة التضمّنية والالتزامية من الدلالات اللفظية ، قال السبزواري في منظومته :

دلالة اللفظ بدت مطابقة* * *حيث على تمام معنى وافقه

وما على الجـزء تضمناً وسم* * *وخارج المعنى ، التزام ، إن لزم(1)

وفي مقابلهم علماء البيان حيث جعلوا كلتا الدلالتين ( التضمنية والالتزامية ) من الدلالات العقلية فلاحظ. (2)

وأمّا كونها مسألة أُصولية فلوجود ملاكها فيها وهو كونها صالحة لاستنباط الحكم الشرعي منها بوقوعها كبرى للدليل ، فيقال : الوضوء مقدمة ، ومقدمة الواجب واجب لأجل الملازمة بين الوجوبين ، فينتج : الوضوء واجب ، ومنه يظهر أيضاً انّ الملازمات كلّها من المسائل الأُصولية حيث يستنبط من الملازمة ، الحكمُ الشرعي.

المسألة من مبادئ الأحكام أيضاً

إنّ للفقهاء مصطلحاً خاصّاً في باب الأحكام الخمسة باسم مبادئ الأحكام ، ويراد بها ما يبحث عن عوارض الأحكام الخمسة من ملازماتها

____________

1 ـ شرح المنظومة ، قسم المنطق : 13.

2 ـ لاحظ مفتاح العلوم للسكاكي : 140 ـ 141.

420

ومعانداتها إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يعرض الحكم الشرعي بما هو هو ، مثلاً يقال : وجوب الشيء يلازم وجوب مقدمته ، أو وجوب الشيء يلازم حرمة ضدّه ، هذا في باب الملازمة ، وأمّا المعاندة فيقال وجوب الشيء يعاند حرمته فلا يمكن أن يكون شيء واحد واجباً وحراماً ، ولأجل ذلك منعوا من اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ولو بعنوانين ، وهذا مصطلح خاص بالفقهاء حول الأحكام الخمسة.

وعلى ضوء ذلك ذهب سيد مشايخنا المحقّق البروجردي إلى أنّ هذه المسألة من مبادئ الأحكام ، قائلاً : بأنّ القدماء كانوا يبحثون عن معاندات الأحكام وملازماتها ويسمّونها بالمبادئ الأحكامية ، ومنها هذه المسألة ، والمراد منها المسائل التي تكون محمولاتها من عوارض الأحكام التكليفية أو الوضعية من التلازم و التضاد. (1)

يلاحظ عليه : بأنّه لامانع من أن تكون مسألة واحدة من مبادئ الأحكام في علم ، ومن المسائل في علم آخر ، نظير المقام فانّه بالنسبة إلى علم الفقه يعد من مبادئ الأحكام ، وبالنسبة إلى أُصول الفقه يعدّ من المسائل.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات ردّ على كون المسألة من مبادئ الأحكام بقوله : إنّ المبادئ لا تخلو إمّا أن تكون تصوّرية أو تصديقية ولا ثالث لهما ، والمبادئ التصوّرية هي لحاظ ذات الموضوع والمحمول وذاتياتهما في كلّ علم ، ومن البديهي أنّ البحث عن مسألة مقدّمة الواجب لا يرجع إلى ذلك ، والمبادئ التصديقية هي المقدّمات التي يتوقّف عليها تشكيل القياس ، ومنها المسائل الأُصولية ، فانّها مبادئ تصديقية بالإضافة إلى المسائل الفقهية.

ثمّ قال : ولا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصوّرية

____________

1 ـ نهاية الأُصول : 1/142.

421

والتصديقية. نعم قد يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته وآثاره إلاّ أنّه داخل في المبادئ التصديقية وليس شيئاً آخر في مقابلاتها ، كما أنّ تصوّر الحكم بذاته وذاتياته داخل في المبادئ التصوّرية. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ مبادئ الأحكام من فروع المبادئ التصوّرية فانّها تتلخص في الأُمور التالية :

1. تصوّر الموضوع بذاته وذاتياته ولازمه ومعانده.

2. تصوّر المحمول بذاته وذاتياته ولازمه ومعانده.

3. تعريف العلم على وجه الإجمال.

4. بيان الغرض من العلم.

فالفقيه في الفقه يبحث عن أفعال المكلّفين التي هي الموضوع ، ويعرضها الأحكام الخمسة التي هي المحمول ، فيبحث عن ذات الحكم كالوجوب ، وذاتياته كجنسه وفصله ، فيقال : الوجوب هو الطلب المانع من الترك ، ولازمه ، ويقال : إيجاب الشيء يلازم إيجاب مقدمته وحرمة ضده ، ومعانده وهو امتناع كون شيء واحد واجباً وحراماً ، فمبادئ الأحكام ليست إلاّ جزءاً من المبادئ التصوّرية.

وبذلك يظهر ضعف ما جاء في آخر كلامه من أنّه « يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته وآثاره إلاّ أنّه في الحقيقة داخل في المبادئ التصديقية » لما عرفت من أنّه داخل في المبادئ التصوّرية ، فذات الحكم وذاتياته ولوازمه ومعانداته كلّها مبادئ تصوّرية للأحكام التي هي محمولات في الفقه على أفعال المكلّفين.

ثمّ إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي ذهب إلى عدم كون المسألة أُصولية

____________

1 ـ المحاضرات : 2/295.

422

قائلاً : بأنّ الموضوع لعلم الأُصول هو الحجّة في الفقه ، والبحث عن تعيناتها وتشخّصاتها بخبر الواحد وغيره من مسائلها ، وأمّا المقام فمحط النظر في المسألة هو إثبات الملازمة أو نفيها لا الحجّية.

وبعبارة أُخرى : بعد ثبوت الملازمة لامعنى للبحث عن الحجّية ، لأنّ وجود أحد المتلازمين حجّة على الآخر ، ومع عدمها لا معنى لحجيّة وجوب شيء على وجوب شيء آخر بالضرورة. (1)

يلاحظ عليه : أنّ المحمول في عامّة المسائل الأُصولية هو البحث عن تعيّن الحجّية بموضوع المسألة ، غاية الأمر تارة يكون المحمول نفس الحجّية ، فيقال : خبر الواحد حجّة ، وأُخرى يكون المحمول أمراً غير الحجّية لكن يكون مرجعه إليها ، مثلاً ، نقول :

هل الأمر يدلّ على الفور أو التراخي ؟

أو انّ الأمر يدلّ على المرّة والتكرار ؟

فالمحمول في تينك المسألتين ونظائرها أمر غير الحجّية ، لكن يرجع الكلام إلى البحث عن وجود الحجّة للفقيه على كون الواجب فورياً أو غير فوري أو واجباً مرة أو غير مرة ، وقد عرفت في صدر الكتاب أنّ الفقيه يعلم أنّ بينه و بين ربّه حججاً شرعية في بيان الواجبات والمحرّمات ، فيبحث في علم الأُصول عن تشخّص تلك الحجج الكلية في موضوع خاص وهو كون الأمر حجّة على الوجوب إذا كان دالاً على الوجوب ، وحجّة على الفور والتراخي إذا كان موضوعاً لهما ، وحجّة على المرّة والتكرار إذا كان موضوعاً لهما ، فروح البحث في الجميع هو البحث عن وجود الحجّة على أحد هذه الأُمور.

____________

1 ـ نهاية الأُصول : 1/142.

423

ومنه يعلم حكم المقام فانّ البحث عن وجود الملازمة وعدمها لغاية تحصيل الحجّة على وجوب المقدمة وعدم وجوبها ، فإثبات الملازمة أمر طريقي لإثبات وجوب المقدمة الخاصّة كالوضوء وعدم وجوبها ، وبذلك يعلم أنّ مرجع أكثر ما يبحث في مباحث الألفاظ الذي يتراءى فيها كون المحمول أمراً غير الحجّة إلى تحصيل الحجّة على أحد الطريقين ، كما عرفت.

الأمر الثالث : تقسيمات المقدّمة

تنقسم المقدّمة إلى أقسام كثيرة نبحث فيها على وجه التفصيل.

التقسيم الأوّل : تقسيمها إلى داخلية وخارجية. (1)

أمّا الداخلية ففيها اصطلاحان :

الداخلية بالمعنى الأخص

قد تطلق الداخلية ويراد بها ما يكون القيد والتقيّد داخلين في ماهية الواجب ، كالأجزاء ، فذات الركوع واتّصاف الصلاة به داخلان في ماهية الصلاة ، وعلى ذلك فيخرج كلّ من الشرط ، وعدم المانع ، والمعد ، عن كونها مقدمة داخلية لأنّ ذواتها خارجية عن الواجب وانّما الداخل فيها هو تقيّد الصلاة بها ، وهذا ما يطلق عليه « الداخلية بالمعنى الأخص ».

الداخلية بالمعنى الأعم

وقد تطلق الداخلية على ما إذا كان التقيّد داخلاً في ماهية الواجب ، سواء أكان القيد داخلاً أم خارجاً ، وعلى ذلك فلا شكّ انّ الشرط وعدم المانع والمعد داخلة في المقدمة الداخلية وهذا ما يطلق عليه « الداخلية بالمعنى الأعم ».

____________

1 ـ ويأتي التقسيم الثاني ص 434 من هذا الجزء.

424

وبما أنّه يشترط بين المقدمة وذيها التعدّد والاثنينية فيكون وجود الشرط وعدم المانع والمعد داخلاً في محط النزاع لوجود الملاك فيها ، لأنّ الشرط غير المشروط ، وهكذا المعد غير المعدّله ، إنّما الكلام في دخول الأجزاء في محط النزاع وذلك لأجل عدم ملاك البحث فيها أعني الاثنينية ، حيث إنّ الأجزاء نفس الكلّ ، وتفصيل الكلام يتوقّف على البحث في الأُمور التالية :

1. هل يصحّ وصف الأجزاء بالمقدمية ؟

2. إذا صحّ الوصف ، هل هناك ملاك لعروض الوجوب الغيري على الأجزاء ؟

3. وعلى فرض وجود الملاك هل هناك مانع من وصف الأجزاء بالوجوب الغيري ؟ فهذه أُمور ثلاثة لابدّ من دراستها واحداً بعد الآخر في مقامات ثلاثة :

المقام الأوّل : في صحّة عدّ الأجزاء مقدمة

إنّ أوّل من طرح هذه المسألة هو الشيخ محمد تقي الاصفهاني مؤلف كتاب « هداية المسترشدين » في شرح معالم الدين ، ويُعد المؤلف من نوابغ هذا العلم ، فقد ذهب إلى عدم صحّة وصف الأجزاء بالمقدّمية ، لأنّ الأجزاء ليست إلاّ نفس الشيء و ليس بين الأجزاء والكلّ ، تعدد ومغايرة.

وبعبارة أُخرى : المقدّمة تطلق على ما يقع في طريق وجود الشيء ، والشيء لايمكن أن يقع في طريق نفسه.

هذا هو الإشكال الذي أثاره ذلك المحقّق ، ولا يذهب عليك أنّه جعل المقدمة « الأجزاء » ، وكأنّ هناك مقدمة واحدة باسم الاجزاء فرتب عليها أنّها عين الكلّ.

وقد سلك هذا الطريق المحقّق الخراساني فجعل المقدمة الاجزاء لكنّه

425

تخلّص عن الإشكال بوجه سيوافيك.

وأمّا الشيخ الأنصاري فقد جعل المقدّمة نفس الجزء ، ولكنّه تخلّص عن الإشكال بوجه غير صحيح.

وأمّا المحقّق البروجردي وتبعه السيد الإمام ـ (قدس سره)ماـ فقد جعل المقدّمة كلّ جزء جزء على حدة ، فصار هناك بعدد الأجزاء مقدمة ، وعندئذ تخلّص عن الإشكال بوجه صحيح كما سيوافيك.

إذا عرفت ذلك فقد أجيب عن الإشكال بوجوه :

الأوّل : جواب الشيخ الأعظم

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الجزء له لحاظان :

الأوّل : لحاظ الجزء بشرط لا ، وهو في هذا النظر مقدمة.

الثاني : لحاظ الجزء « لابشرط » ومعنى « لابشرط » انّه يجتمع مع كلّ شرط ، ومن الشروط هو لحاظ الجزء منضمّـاً مع سائر الأجزاء ، فالجزء في هذا اللحاظ يكون عين الكلّ ولا يعد مقدمة ، وإليك نصّ كلامه :

إنّ الجزء له اعتباران :

أحدهما : اعتباره « لابشرط » ، وهو بهذا الاعتبار عين الكلّ ، ومتّحد معه ، إذ لا ينافي ذلك انضمامَ سائر الأجزاء إليه ، فيصير مركباً منها ، ويكون هو الكلّ.

وثانيهما : اعتباره بشرط لا ، وهو بهذا الاعتبار يغاير الكلّ. (1)

يلاحظ عليه : أنّ كلا اللحاظين غير تامّين :

أمّا لحاظ الجزء كالركوع « بشرط لا » فهو وإن كان يحدث المغايرة بين الجزء

____________

1 ـ مطارح الأنظار ، ص 40 ، السطر الرابع.

426

والكلّ ، لكنّه يخرجه عن المقدّمية ، لأنّ المقدمية ما يكون في خدمة ذيها ، فإذا لوحظ الجزء بشرط لا فمعنى ذلك أنّ الجزء لوحظ منفصلاً عن كلّ شيء ، وأن لا يكون معه شيء آخر فالجزء في هذا اللحاظ لا يجتمع مع الكلّ ، ومعه كيف يكون مقدمة له بمعنى كونه جزءاً للمركب ؟!

وأمّا لحاظ الجزء على نحو اللابشرط فلحاظه بهذا المعنى لا يجعله عين الكلّ في عامّة الشرائط ، وذلك لأنّ اللابشرط يجتمع مع ألف شرط ، فكما أنّ من الشروط الانضمام فلحاظ الجزء في هذه الحالة يجعله عين الكلّ ، لكن من الشروط أيضاً الوحدة والتجرّد ، فالجزء الموصوف لابشرط عند لحاظ الوحدة ، يخرجه عن كونه عين الكلّ.

الثاني : جواب المحقّق الخراساني

قد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المقدّمة هي الأجزاء بالأسر (1) ( مكان قول الشيخ الذي جعل المقدمة كلّ جزء جزء ، فعلى مبنى الخراساني ليس هنا إلاّ مقدمة واحدة ، بخلاف جواب الشيخ فانّ هنا مقدمات حسب تعدد الأجزاء ) قال ما هذا حاصله :

إنّ المقدمة هي نفس الأجزاء بالأسر ، وذا المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع ، فتحصل المغايرة بينهما ، وعلى ذلك يلزم في اعتبار الجزئية ، أخذ الأجزاء لابشرط ، كما أنّه لابدّ في اعتبار الكلية من أخذه بشرط الاجتماع. (2)

يلاحظ عليه : أنّ الحلّ المزبور ، مبنيّ على أنّ هنا مقدمة واحدة بمعنى الأجزاء ، تلاحظ تارة امّا لابشرط ، وأُخرى بشرط شيء ، لكنّه ليس بتام ، بل هناك

____________

1 ـ بالأسر : أي برمّته وجميعه.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/140.

427

مقدمات حسب تعدد الاجزاء ومعه يحصل التغاير بين المقدمة وذيها من دون حاجة إلى اللحاظين المذكورين وسيوافيك تفصيله.

الثالث : جواب المحقّق البروجردي

إنّ منشأ الإشكال في المقدّمة الداخلية هو تخيّل أنّ هناك مقدّمة واحدة باسم الأجزاء فأُثير الإشكال وهو أنّه عين الكلّ فكيف توصف بالمقدّمية ؟

ويندفع بأنّه ليست هنا مقدمة واحدة حتّى يترتب عليه الاشكال ، بل هناك مقدّمات حسب تعدد الأجزاء ، فلو كانت الصلاة ملتئمة من أجزاء عشرة ، فهناك عشر مقدمات في كلّ واحد ملاك المقدمية ، وهو توقّف الكلّ عليه ، ومن المعلوم أنّ الجزء بما هو جزء غير الكل ، والفرق بينها واضح جدّاً.

وإن شئت فقس الإرادة الآمرية بالإرادة الفاعلية ، فكما أنّ الإنسان المريد لتحضير مركّب من مواد متعددة تتعلق ارادته بتحضير كلّ واحد واحد من أجزاء المركّب ، فهكذا إرادته الآمرية تتعلق بتحضير المأمور كلّ جزء من هذا المركب حتى تتشكل أجزاؤه ، فتحضير المركّب رهن تحضير كلّ جزء ، ففي كلّ جزء ملاك المقدمة ، وملاك تعلّق الإرادة الفاعلية والآمرية.

وبذلك تقف على ضعف كلام المحقّق الخراساني فانّه تصوّر أنّ هنا مقدمة واحدة وهي الأجزاء بالأسر ، فصار بصدد تصحيح المغايرة بين المقدّمة وذيها بجعل المقدّمة لابشرط وذيها بشرط شيء.

وأمّا على هذا المبنى فالمقدّمة نفس الجزء ، وهو يغاير الكلّ جوهراً ، من دون حاجة إلى تصوير المغايرة بلحاظ اللابشرطية وبشرط شيء.

428

الرابع : جواب المحقّق الخوئي

ذكر صاحب المحاضرات جواباً رابعاً ، وهذا حاصله : انّ المقدّمة قد تطلق و يراد بها ما يكون وجوده في الخارج غير وجود ذيه ، بأن يكون هناك وجودان. وقد تطلق ويراد بها مطلق ما يتوقف عليه وجود الشيء ، وإن لم يكن وجوده في الخارج غير وجود ذيه.

أمّا المقدّمة بالإطلاق الأوّل ، فلا تصدق على الأجزاء ، بداهة أنّ وجود الاجزاء ليس مغايراً لوجود الكلّ ، بل وجوده عين وجود أجزائه بالأسر ، والتغاير لحاظاً لا يثبت التغاير الخارجي.

وأمّا المقدمة بالإطلاق الثاني فتشمل الأجزاء أيضاً ، لوضوح أنّ وجود الكلّ يتوقّف على وجود أجزائه ، وأمّا وجودها فلا يتوقّف على وجوده. وذلك كالواحد بالنسبة إلى الاثنين ، فانّ وجود الاثنين يتوقّف على وجود الواحد دون العكس. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ كلامه فاقد للانسجام ، فانّه عندما يعرّف الجزء بأنّه نفس الكلّ يأخذ الأجزاء موضوعاً لكلامه ويقول بداهة انّ وجود الأجزاء ليس مغايراً للكل.

وعندما يحاول إثبات المغايرة يأخذ الجزء موضوعاً لكلامه فيقول : بأنّ الاثنين يتوقّف على الواحد.

ولو انّه اكتفى بالشق الثاني من كلامه الذي اهتم فيه بإثبات المغايرة من خلال أنّ الجزء غير الكلّ لحصل المطلوب من دون حاجة إلى ما ذكره في صدر كلامه.

إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل.

____________

1 ـ المحاضرات : 2/297 ـ 298.

429

المقام الثاني : في وجود الملاك لوصف الأجزاء بالوجوب المقدّمي

قد عرفت أنّ في الأجزاء ملاك المقدمية ، فهل يمكن وصفها بالوجوب الغيري أو لا ؟ ذهب صاحب الكفاية في هامش كتابه إلى عدمه ، قائلاً بأنّه ليس فيها ملاك الوجوب الغيري ، حيث إنّه لا وجود لها غير وجودها في ضمن الكلّ حتى يتوقف على وجودها ، وبدون التوقّف لا وجه لعروض الوجوب عليها أصلاً. (1)

يلاحظ عليه : بأنّ ما ذكره مبني على أنّ هنا مقدمة واحدة باسم الأجزاء بالأسر ، وبما أنّها نفس الكلّ لا توصف بالوجوب الغيري وراء الوجوب النفسي ، وأمّا على ما قلناه من أنّه هنا مقدمات حسب تعدد الأجزاء ، فملاك الوجوب موجود في كلّ جزء ، لأنّ الجزء غير الكلّ عنواناً وتحقّقاً.

المقام الثالث : في وجود المانع عن تعلّق الوجوب

إذا ثبت وجود المقتضي للوجوب بالبيان الذي مرّ ، فهل هنا مانع عن عروض الوجوب الغيري على الأجزاء أو لا ؟ والمانع المتخيل هو اجتماع المثلين.

ذهب المحقّق الخراساني إلى وجود المانع قائلاً : ما هذا تفصيله.

إنّ الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتاً ، وإن كانت المغايرة بينهما اعتباراً ، فتكون واجبة بعين وجوبه ، ومبعوثاً إليها بنفس الأمر الباعث إليه ، فلا تكون واجبة بوجوب آخر ، لامتناع اجتماع المثلين.

يلاحظ عليه : بأنّ أساس الإشكال تخيل انّ المقدّمة عبارة عن الاجزاء

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/141 ، ط المشكيني ، قسم الهامش.

430

برمتها مقدمة واحدة ، فصار ذلك سبباً لتوهم اجتماع وجوبين متماثلين أحدهما غيري والآخر نفسي.

وأمّا على ما قلنا من أنّ هناك مقدّمات لا مقدّمة واحدة ، فمعروض الوجوب الغيري هو الجزء ، و معروض الوجوب النفسي هو الكل ، فالموضوعان متغايران.

وبذلك يظهر الاستغناء عن بقية كلام المحقّق الخراساني حيث طرح إشكالاً وأجاب عنه فانّهما مبنيان على مختاره من أنّ المقدمة هي الاجزاء ، و على ما ذكرنا من أنّ المقدمة هي الجزء فالإشكال والجواب ساقطان من رأس.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني حاول أن يجيب عن اجتماع المثلين بالبيان التالي ، وحاصله : انّ اجتماع الحكمين المذكورين في شيء واحد ، لا يؤدي إلى اجتماع المثلين ، بل يؤدي إلى اندكاك أحدهما في الآخر ، فيصيران حكماً واحداً مؤكداً ، كما في كلّ واجب نفسي وقع مقدمة لواجب آخر ، كصلاة الظهر بالاضافة إلى صلاة العصر ، حيث إنّها واجب نفسي وفي الوقت نفسه واجب غيري باعتبار كونها مقدمة لصلاة العصر ، ومثله ما لو نذر إقامة النافلة في المسجد ، فالوجوب الآتي من قبل النذر يندك في الاستحباب النفسي. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً : بأنّ الاندكاك فرع إمكان التعلّق ، فإذا كان التعلّق غير ممكن لاستلزامه اجتماع المثلين فلا تصل النوبة إلى الاندكاك.

وبعبارة أُخرى : الاندكاك مرحلة العلاج ، فلابدّ من تصحيح الاجتماع أوّلاً ثم معالجته.

ثانياً : ما ذكره من الأمثلة ليس فيها أي اندكاك.

____________

1 ـ المحاضرات : 2/299 ـ 301.لاحظ أجود التقريرات : 1/216.

431

فانّ الأمر النفسي تعلّق بالظهر ، والأمر الغيري تعلّق بتقدّم الظهر على العصر ، فليس هناك اجتماع في موضوع واحد حتّى يندك أحدهما في الآخر.

ومنه يظهر حال النذر فإذا نذر إقامة النافلة في المسجد ، فالوجوب النفسي تعلّق بنفس الصلاة ، والوجوب الآتي من قِبل النذر تعلّق بالوفاء للنذر ، فالموضوعان متغايران حاملان لحكمين متماثلين.

نعم الصلاة في المسجد مصداق لكلا العنوانين الواجبين ، ولا يلزم اجتماع الأمرين فيها ، لأنّ الأحكام تتعلّق بالعناوين لا بالمصاديق.

نعم يعد المصداق طاعة للواجب لا نفس الواجب.

الغناء عن الوجوب الغيري للإجزاء

ويمكن أن يقال : انّا وإن صححنا ملاك المقدمية وملاك تعلّق الوجوب وعدم المانع من تعلّقه ، لكن المولى في غنى عن إيجاب الأجزاء الداخلية بعد إيجابها نفسياً ، وذلك لأنّ الأمر الداعي إلى الكل يدعو إلى كلّ جزء جزء ، ومعه يكون إيجاب الجزء أمراً لغواً وعبثاً لا فائدة فيه ، ويظهر ذلك بالإمعان في الإرادة الفاعلية فان إرادة إيجاد الكلّ يبعث الإنسان إلى المقدمة الخارجية إيجاد الجزء من دون حاجة إلى إرادة ثانوية متعلّقة بالجزء ، فإذا كان هذا حال الإرادة الفاعلية يكون حال الإرادة الآمرية مثلها ، فأمر المولى بالكل وبعث العبد إليه يغنيه عن تعلّق بعث ووجوب إلى كلّ جزء جزء ، فإنّ الإيجاب الأوّل يبعثه إلى الكلّ كما يبعثه إلى الجزء.

فقد ظهر من ذلك عدم الحاجة إلى إيجاب المقدمات الداخلية إيجاباً غيرياً وراء الإيجاب النفسي المتعلّق بالكل.

432

هذا كلّه حول المقدمة الداخلية ، أي المقدمة التي هي داخلة في ذيها ، وليس لها وجود غير ذيها ، وإليك الكلام في المقدمة الخارجية.

المقدمة الخارجية

تنقسم إلى مقدمة خارجية بالمعنى الأخص ، وخارجية بالمعنى الأعم ، أمّا الأوّل فهي ما يكون القيد و التقيّد كلاهما خارجين عن الواجب ، ويمثل لها بالمكان ، فانّ المكان ليس جزءاً من الواجب ، بل هو خارج عنه قيداً وتقيّداً ، لكنّها متوقفة عليه.

وأمّا الثاني ما يكون القيد خارجاً سواء كان التقيّد أيضاً خارجاً كالمكان أو كان التقيّد داخلاً ، كطهارة البدن ، وطهارة الثوب ، واستقبال القبلة ، و الطهارة من الحدث ، فانّها بوجوداتها الخارجية خارجة عن الصلاة ، لكن تقيّد الصلاة بها داخلة فيها.

وعلى ضوء هذا فالمقدمة الداخلية بالمعنى الأعمّ هي خارجية أيضاً بالمعنى الأعم.

إذا عرفت ذلك فقد اختلفت كلماتهم في وجوب المقدمة الخارجية إلى أقوال :

1. التفصيل بين السبب والشرط ، فالأوّل واجب دون الثاني ، وهو المحكي عن السيد المرتضى ، ولكن صاحب المعالم أمعن في كلامه وقال : بأنّ النسبة في غير محلّها ، بل هو يريد أنّ وجوب الواجب لا يمكن أن يكون مشروطاً بالنسبة إلى سببه لاستلزامه طلب الحاصل ، بخلاف غيره من المقدمات ، فان وجوبه بالنسبة إليها يمكن أن يكون على قسمين : مطلق و مشروط.

433

2. الواجب النفسي هو السبب وإن كان الوجوب في الظاهر متعلقاً بالمسبب لكونه هو المقدور دون المسبب.

والإجابة عنه واضحة ، لكون المسبب أيضاً مقدوراً ، بالقدرة على سببه.

3. التفصيل بين ما يكون وجود أحدهما مغايراً لوجود الآخر في الخارج ، كشرب الماء ورفع العطش ، و ما يكون عنوانين لموجود واحد ، مثل الإلقاء في النار و الإحراق ، والغسل والتطهير ، ففي مثل ذلك يمتنع وجود وجوبين ، دون القسم الأوّل ، لاستلزامه اجتماع المثلين في مورد واحد. (1)

يلاحظ عليه : كيف يتصوّر العلية والمعلولية في القسم الثاني الذي يكون العنوانان متّحدين في الوجود ، فانّ وزان العلة وزان التأثير ، و وزان المعلول وزان التأثر ، فكيف يمكن أن يتحد المؤثر والمتأثر وجوداً ومع ذلك يطلق عليهما العلة والمعلول ؟ على أنّ المثال المذكور لا ينطبق على الضابطة لتغاير الإلقاء والإحراق وجوداً ، والغسل والتطهير الشرعي تحقّقاً.

وعلى كلّ تقدير فالملاك في هذا التقسيم تقسيم المقدمة بذاتها ونفسها ، وهي إمّا داخلة في المأمور به أو خارجة عنها.

____________

1 ـ لاحظ أجود التقريرات : 1/219.

434

التقسيم الثاني (1)

تقسيمها إلى عقلية وشرعية وعادية

وملاك هذا التقسيم هو الحاكم بالمقدمية ، فتارة يحكم العقل بأنّه مقدمة كمقدمية العلّة للمعلول ، ويسمّى مقدمة عقلية ؛ وأُخرى يحكم الشرع بأنّه مقدمة كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة فيكون مقدمة شرعية ؛ وثالثة تحكم العادة بأنّها مقدمة فتكون المقدمة عادية ، فملاك التقسيم في المقام غير ملاكه فيما مضى حيث كان الملاك في التقسيم السابق لحاظ المقدمة بنفسها وذاتها بالنسبة إلى المأمور به ، وهناك لحاظ المقدمة بالنسبة إلى الحاكم بأنّه مقدمة.

وقد أورد على هذا التقسيم ما هذا توضيحه :

1. انّ الثانية ترجع إلى الأولى ، لأنّ امتناع المشروط بدون شرطه بعد أخذه فيه من جانب الشارع عقلي.

2. انّ العادية لو أُريد بها ما يكون التوقّف عليها حسب العادة بحيث يمكن تحقّقها بدونها ( واقعاً وفعلاً ) إلاّ أنّ العادة جرت على الإتيان به بواسطتها ( وهذا كالسيارة بالنسبة إلى الخيل ، فانّ العادة جرت فـي هذه الأيـام على الاستفادة من الأُولى دون الثاني ، ولكن الوصول إلى المقصد لا يتوقّف على السيارة لا واقعاً ولا فعلاً ) وهي وإن كانت غير راجعة إلى العقليـة إلاّ أنّه

____________

1 ـ مرّ التقسيم الأوّل ، ص 423.

435

خارج عن محلّ النزاع.

وإن كانت بمعنى أنّ التوقّف عليها وإن كان فعلاً واقعياً كنصب السلّم ونحوه للصعود إلى السطح ، إلاّ أنّه لأجل عدم التمكّن من الأسباب الأُخرى كالطيران والإعجاز ، لكنّها عندئذ راجعة إلى العقلية لتعيّـن الاستفادة من هذه المقدمة عقلاً بعد فقدان القسمين الآخرين. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً : بأنّ ما ذكره من أنّ الشرعية داخلة في العقلية ، وإن كان صحيحاً ، لكنّه لا ينافي ذلك التقسيم ، لأنّ محور التقسيم في المقام هو الحاكم ، وانّه إمّا العقل أو الشرع أو العادة ، وهذا لا ينافي أن تدخل المقدّمة الشرعية بعد حكم الحاكم في المقدّمة العقلية فانّ الكلام في المقام في التقسيم قبل الحكم لا بعد ما حكم ، ودخول إحداهما في الأُخرى إنّما يتحقّق بعد الحكم.

ثانياً : أنّ المراد من المقدّمة العادية هو ما احتمله أوّلاً ، أي ما يكون هناك أسباب متعددة لتحصيل ذيها لكن جرت العادة على الاستفادة بمقدمة خاصّة ، وهذا كالوصول إلى المقصد ، فهناك أسباب كالسيارة والخيل ولكن جرت العادة على الأُولى غالباً ، وما ذكر من أنّه ليس موضع النزاع لا ينافي التقسيم ، لأنّ التقسيم يدور مدار الحاكم لا على مدار كونه موضع النزاع أو لا.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات أورد على هذا التقسيم بقوله :

إنّ الشرعية هي المقدمة الداخلية بالمعنى الأعم ، والعقلية هي الخارجية بالمعنى الأخص. (2)

وما ذكره وإن كان صحيحاً ، لكن ملاك التقسيم هو الحاكم ، فلا مانع من أن يقسم المقدمة بلحاظ إلى الداخلية والخارجية ، وبلحاظ آخر إلى الشرعية والعقلية.

____________

1 ـ الكفاية : 1/143.

2 ـ المحاضرات : 2/303.

436

التقسيم الثالث

تقسيمها إلى مقدمة الوجود والصحّة و ...

المقدمة بالنسبة إلى ذيها تارة تكون مقدمة لوجود ذي المقدمة كالأجزاء بالنسبة إلى الكل ، وأُخرى مقدمة لصحتها كما في الشرائط بالنسبة إلى الصلاة على القول بكونها اسماً للأعم.

وثالثة مقدمة لوجوب ذيها كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ ، ورابعة مقدمة للعلم بها كالصلاة إلى الجوانب الأربع. وملاك التقسيم هو دور المقدمة بالنسبة إلى ذيها.

وقد أورد المحقّق الخراساني على هذا التقسيم بأُمور :

1. انّ مقدمة الصحّة ترجع إلى مقدمة الوجود ، أمّا إذا قلنا بأنّ ألفاظ العبادات أسام للصحيح منها فواضح ، وأمّا على القول بأنّها موضوعة للأعم ، فهي وإن كانت لا ترجع إلى مقدمة الوجود لكن لمّـا كان الواجب هو الصحيح من الصلاة لكون المأمور به هو الصحيح تكون مقدمة وجودية للواجب ، والبحث في مقدمة الواجب لا في مقدمة المسمّى.

2. انّ مقدّمة الوجوب خارجة عن محلّ البحث ، لأنّه لولاها لما اتصف الواجب بالوجوب ، فكيف تتصف بالوجوب من قبل الواجب المشروط وجوبه بها.

437

3. انّ المقدمة العلمية كالصلاة إلى أربع جهات ، ممّا يحكم بها العقل إرشاداً ليؤمن من العقاب لا من باب الملازمة بين وجوبها ووجوب ذيها ، فانّ ملاك الملازمة هو التوقّف وهو منتف في المقام. (1)

أقول : أمّا الإشكال الأوّل فهو وإن كان متيناً لرجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود ، ولا يمكن تفكيكها عنه ، لكن ما ذكره من الإشكالين الأخيرين غير تامّين ، لأنّ محور التقسيم ليس كون الشيء موضعاً للنزاع وعدمه ، بل ملاك التقسيم اختلاف دور المقدّمة بالنسبة إلى ذيها وانّها امّا مقدّمة وجودية أو مقدّمة وجوبية أو مقدّمة علمية.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/144.

438

التقسيم الرابع

تقسيمها إلى السبب والشرط والمعدّ وعدم المانع

وملاك التقسيم هو اختلاف كيفية تأثير السبب والشرط والمعدّ في ذي المقدمة ، وإليك تعاريفها :

1. عرّفوا السبب :

ما يكون منه وجود المسبب ، ويتوقّف عليه وجوده. (1)

والتعريف ينطبق على المقتضي الذي هو جزء العلّة التامة كالنار بالنسبة إلى احتراق الحطب ، فانّ وجود الاحتراق من النار ، ولكنّها ليست علّة تامّة لوضوح انّ الاحتراق رهن أُمور أُخرى ، كيبوسة الحطب وتحقّق المحاذاة بينهما وعدم المانع إلى غير ذلك من الشروط.

وربما يُعرّف : ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدمه ، والسبب بهذا المعنى ينطبق على العلّة التامة ولعلّ تعريفه به نظراً إلى إطلاق السبب في لسان الفقهاء على الأُمور التالية التي أشبه بالعلّة التامة.

كصيغة العتق بالنسبة إلى العتق الواجب ، والوضوء والغسل بالنسبة إلى الطهارة عن الحدث ، والغَسْل بالنسبة إلى إزالة الخبث ، والنظر ، المحصل للعلم الواجب وقطع الرقبة ، المحقّق للواجب.

____________

1 ـ قوانين الأُصول : 1/100.

439

2. عرّفوا الشرط :

ما يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجوده ، وذلك كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة ونصب السلّم بالنسبة إلى الكون على السطح. (1)

ولكن الأولى أن يعرف :

ما يكون مكملاً لفاعلية الفاعل ومؤثراً في قابلية القابل كيبوسة الحطب بالنسبة إلى إحراق النار.

3. عرّفوا المعدّ :

ما يُقرِّب العلة من المعلول كارتقاء السلّم ، فانّ صعود درجة يُهيأ الفاعل إلى الصعود إلى درجة أُخرى.

وكأنّ الشرط والمعد من سنخ واحد والجامع بينهما هو إفاضة القابلية ، فلو كانت الإفاضة شيئاً فشيئاً فهو معد وإلاّ فهو شرط ، فيكون المعدّ من أقسام الشرط بالمعنى الجامع.

4. عرّفوا المانع :

ما لا يلزم من عدمه عدم شيء بل يلزم من وجوده عدم شيء. (2)

إنّ حقيقة المانعيّة ترجع إلى وجود التضاد بين المانع و بين الشيء ، فعبروا عن التضاد والتمانع بين الشيئين بأنّ عدم المانع شرط ، ومن المعلوم انّ العدم أنزل من أن يكون جزءاً للعلّة ومؤثراً في المعلول.

يقول الحكيم السبزواري :

لا ميز في الاعدام من حيث العدم* * *وهو لها إذاً بوهم يرتسم

كذاك في الاعدام لا علية* * *وإن بها فا هوا فتقريبية (3)

____________

1 ـ قوانين الأُصول : 1/100.

2 ـ قوانين الأُصول : 1/100.

3 ـ شرح المنظومة للحكيم السبزواري : 42.

440

التقسيم الخامس

تقسيمها إلى متقدمة ومقارنة ومتأخرة

قد عرفت أنّ لكلّ تقسيم من تقسيمات المقدمة ملاكاً خاصّاً ، والملاك في هذا التقسيم هو الزمان ، فتارة تكون المقدمة ، متقدمة في الزمان على ذيها ، وأُخرى مقارنة ، وثالثة متأخرة عنه في الوجود.

والذي دعاهم إلى هذا التقسيم وجود الأقسام الثلاثة في الفقه ، وإليك أمثلتها :

1. قسّم الفقهاء الوصيةَ إلى تمليكية وعهدية وفكية ، فالأوّل كما إذا أوصى بتمليك شيء للموصى له ، والثاني كما إذا أوصى بأن يحج عنه ، والثالث كما إذا أوصى أن يفك عنه عبده.

فإذا أوصى بتمليك شيء من تركته لزيد فالوصية شرط متقدّم على الملكية ، والملكية تحصل بعد قبول الموصى له.

2. اتّفق الفقهاء على أنّ العقل والبلوغ شرطان لعامّة التكاليف فهما من الشرائط المقارنة.

3. اتّفقوا على أنّ صوم المستحاضة في اليوم الذي تصوم محكوم في يومها بالصحة مع تأخر شرطها ، أعني : اغتسالها ليلاً ، فالصحّة متقدّمة والشرط متأخر.

ثمّ إنّهم بعد الوقوف على ذلك التقسيم وقفوا على إشكال وهو أنّ الشرط

441

من أجزاء العلّة ، والعلّة تكون مقارنة للمعلول وجوداً ومتقدّمة عليه رتبة ، فإذا كان هذا حال العلّة ، وكان الشرط على وجه الإطلاق جزءاً للعلة ، فكيف ينقسم الشرط بالنسبة إلى المعلول إلى أقسام ثلاثة متقدم ، مقارن ، متأخر ؟

ولأجل رفع الإشكال نبحث في مقامات ثلاثة :

الأوّل : في شرائط المأمور به.

الثاني : في شرائط التكليف.

الثالث : في شرائط الوضع.

فانّ الشرط لا يخلو من الأقسام الثلاثة ، وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

المقام الأوّل : شرط المأمور به

تنقسم شرائط المأمور به إلى متقدّم على الواجب ، كالغسل والوضوء ، إذا قلنا بشرطية نفس الأعمال الخارجية للواجب ، ومقارن ، كالستر والاستقبال ، ومتأخر كما إذا أمر بالصوم نهاراً مقيّداً إياه بالاغتسال ليلاً.

والجواب : انّ لشرط المستعمل في المقام غير الشرط الفلسفي ، فانّ الثاني عبارة عمّـا يكون مكملاً لفاعلية الفاعل أو قابلية القابل ، فالأوّل كالمحاذاة للنار فلولا المحاذاة لم تؤثر النار في إحراق القطن ، والثاني كيبوسة الحطب فلولاها لم يحترق بسهولة.

هذا هو الشرط الفلسفي ، ويجب أن يكون مقارناً مع العلّة لا متقدّماً ولا متأخراً ، فالمحاذاة واليبوسة الخارجتان عن تلك الضابطة لا تؤثران لا في فاعلية الفاعل ، ولا في قابلية القابل.

442

وأمّا الشرط المستعمل في المقام فهو عبارة عمّا يكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً في مقابل الجزء ، فانّ الثاني كالركوع يكون داخلاً في المأمور به قيداً وتقيّداً ، بخلاف الوضوء فانّه يكون داخلاً تقيداً لا قيداً.

فالذي أوجد الإشكال في المقام هو اشتراك لفظ الشرط بين معنيين : أحدهما ما يستعمل في الفلسفة والآخر ما يستعمل في الفقه ، فالاشتراك اللفظي أحد أسباب المغالطة مثل قولك مشيراً إلى الباصرة هذه عين. ثمّ مشيراً إلى نبع جار و « كلّ عين جارية » فتستنتج هذه جارية ، وإنّما نشأ الخلط في أنّ المقصود من العين الأولى هي الباصرة ، ومن الثانية النبع الجاري ، ومثله المقام.

وعلى ذلك فالمقصود من الشرط أي ما يكون من متعلقات المأمور به ، ومن المعلوم أنّ المأمور به أمر تدريجي لا دفعي ، فيقدّم قسم من أجزائه ويؤخّر قسم آخر ، والمتقدم والمتأخر يعد اعتباراً عملاً واحداً ذا عنوان واحد.

هذا هو حقيقة الأمر ، وممّن تنبّه لهذا الجواب المحقّق النائيني حيث قال : التحقيق هو خروج شروط المأمور به عن حريم النزاع ، بداهة أنّ شرطية شيء للمأمور به ليست إلاّ بمعنى أخذه قيداً في المأمور به ، فكما يجوز تقييده بأمر سابق أو مقارن ، يجوز تقييده بأمر لاحق أيضاً ، كتقييد صوم المستحاضة بالاغتسال في الليلة اللاحقة ، إذ لا يزيد الشرط بالمعنى المزبور على الجزء ، الدخيل في المأمور به تقيّداً و قيداً. (1)

وبذلك نستغني عمّا ذكره المحقّق الخراساني من الجواب ، لما عرفت من أنّ الإشكال غير شامل لهذه الصورة ، إذ لا علّية ولا معلولية.

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/221 ـ 222.

443

المقام الثاني : شرائط التكليف

إنّ شرائط التكليف على أقسام ، تارة يكون متقدماً كما إذا قلت : إذاجاء زيد اليوم يجب عليك إكرامه غداً ، على وجه يكون لفظة غداً قيداً للوجوب ، ومنه ما يكون مقارناً كالبلوغ والعقل المقارنين للوجوب ، ومنه ما يكون متأخراً كوجوب الحجّ في أوّل أشهر الحجّ للمستطيع مع كونه مشروطاً بدرك الوقوفين ، فيقال : انّ التكليف فعل من أفعال المولى ، وشرطه جزء من علل التكليف فكيف يكون متقدّماً تارة ومتأخراً أُخرى مع أنّه من أجزاء العلّة التي يجب أن تكون مجتمعة في زمان ومكان واحد ؟

والجواب : انّ التكليف يطلق ويراد منه أحد المعنيين :

الأول : الايجاب والزجر الاعتباريان الإنشائيّان.

الثاني : الإرادة الحقيقية الظاهرة في نفس المولى الباعثة إلى الإيجاب والزجر الاعتباريين.

أمّا الأوّل : فبما انّ الأُمور الاعتبارية قائمة بنفس الاعتبار وتابعة لكيفيته فلا يحكم عليها بضوابط التكوين ، فما ذكر من أنّ شرط العلة يجب أن يكون مقارناً فهو راجع إلى الشرط التكويني كالمحاذاة في يبوسة الحطب ، وأمّا الخارجة عن مدار التكوين فهي تابعة لكيفية الاعتبار ، فللمعتبر أن يجعل الشيء المتقدّم شرطاً للاعتبار المتأخر وبالعكس.

وأمّا الثاني : فبما انّ الإرادة الظاهرة في لوح النفس من الأُمور التكوينية فلو كان شيء شرطاً لظهور الإرادة يجب أن يكون تابعاً لضوابط التكوين بأن يكون مقارناً لعلة الإرادة لا متقدّماً ولا متأخراً عنها.

هذا هو الإشكال ، وأمّا الحل فلا شكّ أنّ الصغرى ( كون الإرادة من الأُمور

444

التكوينية ) والكبرى لزوم اقتران شرط العلة التكوينية معها صحيح ، إنّما الإشكال في تعيين ما هو الشرط للإرادة.

فالخلط حصل بين ما هو شرط في القضية اللفظية للإيجاب ، وما هو شرط للإرادة الحقيقية ، ففي المثال المذكور « إن جاءك زيد اليوم يجب عليك إكرامه غداً » انّ شرط الإيجاب وإن كان هو المجيء المتقدّم على الإيجاب ، لكنّه ليس شرط الإرادة بل شرطها هو تصوّر المولى في أنّ إكرام زيد غداً لأجل قدومه إلى هذا البلد مصلحة ملزمة ، وهذه الصورة العلمية تصير سبباً لظهور الإرادة في ذهن المولى التي يتبعها الإيجاب.

فالمجيء المتقدّم شرط للإيجاب الاعتباري ، وأمّا شرط الإرادة فهو عبارة عن الصورة العلمية للقضية الموجودة في النفس المقارنة لانقداح الإرادة ، والمراد من الصورة العلمية هو علمه بوجود المصلحة في الإكرام.

ومنه يظهر حال الشرط المتأخر ، فانّ حياة المكلف في أيّام الحجّ ودركه الموقفين شرط للإيجاب الاعتباري للحج للمستطيع في أوائل أشهر الحجّ ، وأمّا انقداح الإرادة في ذهن المولى التي يتبعها الإيجاب فشرطها عبارة عن العلم بالمصلحة في هذا النوع من العمل ، والعلم بالمصلحة مقرون بانقداح الإرادة ، فالخلط حصل بين شرط الايجاب وشرط انقداح الإرادة.

وإن شئت مزيد توضيح فلنذكر ما ذكره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة فقال : إنّ هاهنا أُموراً يجب التمييز بينها :

1. الوجوب الاعتباري العقلائي المنتزع عن نفس التكليف ، ولا شكّ أنّ شرطه هو نفس المجيء أو نفس القدرة الموجودة في ظرفه. ولكن التقدّم والتأخّر في الشرط لا يضرّان في الأُمور الاعتبارية ، إذ لا تأثير فيها ولا تأثّر ، وإنّما واقعها هو

445

اعتبار الوجوب وفرضه تحت شرائط خاصّة ، متقدّمة أو مقارنة أو متأخّرة.

2. الإرادة الحقيقية المنقدحة في ذهن المولى ، فهي بما أنّها أمر تكويني يجب أن يكون شرطها مقارناً لها ، وقد علمت أنّ المحرك والباعث لظهورها انّما هو العلم بالمصلحة فيما إذا قال : إذا جاءك زيد يوم الخميس فأكرمه يوم الجمعة ، أو العلم بتحقق القدرة في ظرفها في فريضة الحجّ.

3. نفس العمل الخارجي الصادر من المكلّف ، فلا شكّ أنّ الشرط هو نفس القدرة الخارجية وهي مقارنة.

فتلخّص أنّ الشرط فيما تجب فيه المقارنة الزمانية ، مقارن لمشروطه ، وفيما هو متقدّم ومتأخر ممّا لا تجب فيه المقارنة لخروجها عن مصب القاعدة العقلية ، أعني : لزوم مقارنة الشرط لمشروطه.

وما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ الشرط هو لحاظه ذهناً لا وجوده خارجاً فإنّما يتمّ في هذا القسم ، أي شرائط التكليف : الاعتبار ، والإرادة الحقيقية ، لا في شرائط الوضع الذي هو المقام الثالث.

المقام الثالث : في شرائط الوضع

المراد بالوضع هو الأحكام الوضعية من الصحة والملكية والزوجية وغير ذلك ، فتارة يكون الشرط الذي ربّما يطلق عليه السبب متقدّماً على الوضع ، وأُخرى مقارناً له ، وثالثة متأخّراً عنه.

فالأوّل كالوصية التمليكيّة حيث إنّ الإيصاء جزء السبب لحصول الملكية ، والجزء الآخر هو قبول الموصى له.

والثاني : كالعقل والبلوغ المقرون بالعقد.

446

والثالث : كالاجازة بالنسبة إلى صحّة البيع الفضولي ، إذا قلنا بأنّ الإجازة كاشفة عن حدوث الملكية للمشتري من زمان العقد ، ومثلها الأغسال الليلية إذا كانت شرطاً لوصف الصوم بالصحّة الفعلية بشرط تعقبها بالأغسال.

فالإشكال في المقام هو تقدّم الشرط على المشروط أو تأخّره عنه.

والإجابة عن هذا الإشكال واضحة لما قلنا من أنّ الأُمور الاعتبارية لا تخضع للقواعد التكوينية فمقارنة الشرط مع العلّة وعدم تأخّره أو تقدّمه عليه إنّما يختص بالعلل التكوينية ، وأمّا الأُمور الاعتبارية الخاضعة لاعتبار المعتبر فلا مانع من أن يتّخذ المتقدم أو المتأخّر شرطاً ، فلا إشكال في القول بصحّة البيع الفضولي فيما مضى إذا لحقت الإجازة ، أو صحّة صوم المستحاضة في يومها إذا اغتسلت بعد اليوم.

نعم هنا إشكال آخر غير الإشكال المعروف ( امتناع تقدّم الشرط على العلّة أو تأخّره عنها ) نوضحه بالبيان التالي :

إنّ الأُمور الاعتبارية وإن كانت غير خاضعة للقواعد التكوينية لكنّها بما أنّها أُمور اعتبارية عقلائية تتوقّف صحّة اعتبارها على أمرين :

1. أن يترتب على الاعتبار أثر ، فلو كان خالياً عنه لغى الاعتبار كاعتبار « أنياب أغوال » فانّ تخيّل الغول ونابه أمر ذهني فاقد للأثر فلا يعد من الاعتبارات العقلائية.

2. عدم اشتمال الاعتبار على التناقض ، مثلاً إذا اعتبر شيئاً جزءاً للسبب ومع ذلك رتّب الأثر مع عدم هذا الجزء ـ فانّه و إن لم يكن أمراً محالاً ـ لكنّه بما انّه تناقض في الاعتبار وتناقض في القانون لا يحوم حوله العقلاء ويسقط عن الاعتبار.

وعـلى ضـوء ذلـك فالاعتبـارات الشرعيـة والعقـلائية يجـب أن يجتمـع

447

فيها شرطان :

أ. ترتّب الأثر.

ب. عدم التناقض في الاعتبار.

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ القول بصحّة عقد الفضولي وملكية المشتري للمبيع قبل الإجازة ( الكشف الحقيقي ) وإن لم يكن أمراً محالاً إلاّ انّه مناقضة في الاعتبار والتقرير حيث إنّ المقنن يعتبر أوّلاً مقارنة الرضا للتجارة شرطاً لحصول الملكية ويقول : ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ ) (1) ويقول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه » (2) فمعنى ذلك انّه اعتبر السبب التام لحصول الملكية ، هو التجارة الناشئة عن الرضا وطيب النفس.

والقول بحدوث الملكية للمشتري ، قبل الإجازة ورضى المالك يناقض الاعتبار الأوّل. فلو حاول المقنن صيانة الاعتبار الأوّل فليس له محيص عن القول بالنقل أي تأثير الاجازة في ما يأتي فالقول بالكشف الحقيقي مع القول بأنّ الموضوع هو التجارة المقرونة بالتراضي لا يجتمعان في عالم الاعتبار.

ولأجل ذلك قلنا في محلّه انّ الكشف الحقيقي ليس أمراً محالاً بل مخالفاً للاعتبار السابق.

تصوير نتيجة الكشف الحقيقي

وبهذا تبيّن انّ الكشف الحقيقي وإن لم يكن أمراً محالاً ولكنّه يلازم التناقض في الاعتبار ، ولأجل ذلك التجأ غير واحد من المحقّقين كشريف العلماء وغيره إلى

____________

1 ـ النساء : 29.

2 ـ المستدرك : 3 ، كتاب الغصب ، الحديث 5 ؛ الوسائل3 ، الباب 3 من أبواب مكان المصلي ، الحديث 3.

448

الكشف الحكمي ، وحاصله : عدم حصول الملكية إلاّ بعد الاجازة غير انّه إذا حصلت الاجازة يكون نماء المبيع للمالك الثاني شرعاً وتعبّداً ، وقد أوضحه الشيخ في متاجره. (1)

ويمكن أن يقال بنتيجة الكشف الحقيقي بالبيان التالي ، وهو أنّ الملكية لما كانت من الأُمور الاعتبارية ، والاعتبار سهل المؤونة ، فلا مانع من أن يقال : لا ملكيّة للمشتري قبل الإجازة لا واقعاً ولا ظاهراً ، غير انّ إجازة المالك كما تؤثر في المستقبل وتجعل المشتري مالكاً للمبيع فيه كذلك تؤثر فيما مضى وتجعل المبيع ملكاً للمشتري من زمان العقد إلى زمان الإجازة.

وعلى ما ذكرنا من إنشاء الملكية من زمان العقد إلى زمان الإجازة إلى الأزمنة الآتية ليس فيه أي تناقض في الاعتبار مع حصول نتيجة الكشف الحقيقي وهو كون المبيع ملكاً للمشتري فيما مضى. لأنّ الملكية على وجه الإطلاق تحصل بعد الإجازة واجتماع الشرط.

فإن قلت : ما ذكرت من المحاولة وإن كان خالياً من التناقض في الاعتبار ، لكنّه مخدوش من جهة أُخرى وهو أنّه يستلزم أن يكون شيء واحد في زمان واحد ملكاً لشخصين ، حيث إنّ المبيع يوم الخميس باعتبار عدم صدور الإجازة يُعدّ ملكاً للمالك الأوّل ، وينقلب الأمر بعد صدورها من المالك فيصير نفس ذلك المبيع في ذلك اليوم ملكاً للمشتري ، وهذا ما ذكرنا من استلزامه ملكية شيء واحد في ظرف واحد لشخصين.

قلت : إنّ المسوّغ لهذا النوع من الملكية ، أعني : أن يكون شيء واحد في يوم واحد ملكاً لشخصين هو اختلاف زمان الاعتبار ، حيث إنّ ظرف اعتبار كون

____________

1 ـ المتاجر : 133 طبعة تبريز.

449

المالك مالكاً للمبيع هويوم الخميس ، وأمّا اعتبار كون المشتري مالكاً له في نفس ذلك الظرف ، فإنّما هو يوم الجمعة ، فاختلاف زمان الاعتبارين هو المسوّغ ، وإن كان زمان الملكيتين واحداً.

ويمكن استظهار ذلك ( أي أنّ دور الإجازة إيجاد الملكية من زمان العقد إلى زمان الإجازة وبعدها ) من صحيحة محمد بن قيس ، فانّ هذه الصحيحة وإن اشتملت على مشاكل في المضمون وربّما يمكن التغلب على بعضها لكن الهدف هو استظهار أنّ دور الإجازة دور إحداث الملكية من زمان العقد إلى زمان الإجازة وبعدها ، فعندئذ يكون هناك نتيجة الكشف أي كون المبيع ملكاً للمشتري وإن لم يكن نفسه.

روى محمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب ، فاستولدها الذي اشتراها منه ، فولدت منه غلاماً ، ثمّ جاء سيدها الأوّل ، فخاصم سيدها الأخير ، فقال : هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني ، فقال : « الحكم أن يأخذ وليدته وابنها » ، فناشده الذي اشتراها ، فقال له : « خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفّذ لك البيع » ، فلمّـا أخذه قال له أبوه : أرسل ابني ، قال : لا واللّه ، لا أرسل إليك ابنك حتّى ترسل ابني ، فلما رأى ذلك سيّد الوليدة أجاز بيع ابنه. (1)

والشاهد في قوله : « خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع » أي ينفذ البيع الذي صدر من ابنه وأن يسنده إلى نفسه من لدن صدوره إلى زمان إجازته ، وهذا دليل على أنّ دور الإجازة دور إحداث الملكية لا الكشف عن الملكية ، ولكن لا إحداثاً في المستقبل فقط حتّى تكون ناقلة ، بل إحداثاً من زمان

____________

1 ـ الوسائل : 14 ، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والاماء ، الحديث 1.

450

العقد إلى زمان الإجازة وفيما بعد.

وبذلك يرتفع الإشكال ، لأنّ العقد غير مؤثر في الملكية إلاّ بعد الإجازة وهي مقترنة بالعقد ، لأنّ للعقد بقاء عرفياً لا عقلياً.

وبهذا تمّ تحليل الموارد الثلاثة ، أعني : شرط المأمور به ، أو شرط التكليف ، أو شرط الوضع. واللازم علينا أن نقتصر على ما ذكرنا غير أنّ ما ذكره المحقّق الخراساني في « الكفاية » ممّا تداولته الألسن ، فلنرجع إلى كلامه فقد أتى بجواب مجمل غاية الإجمال في « الكفاية » وأوضحه في فوائده.

جواب المحقّق الخراساني

قال في « الكفاية » : وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقاً ولو كان مقارناً فإن دخل شيء في الحكم به وصحّة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلاّ ما كان بلحاظه يصحّ انتزاعه لدى الحاكم وبدونه لا يكاد يصحّ اختراعه عنده فيكون دخل كلّ من المقارن وغيره بتصوره ولحاظه وهو مقارن فأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن ، فتأمّل تعرف. (1)

ولا يخفى ما في كلامه من الإجمال ، وقد أوضحه في الفوائد بما هذا نصّه :

إنّ كلّما تتوقف عليه الأحكام الشرعية مطلقاً ـ تكليفية أو وضعية ـ ممّا يتداول إطلاق الشرط عليه مطلقاً ، مقارناً كان لها أو لا ، إنّما يكون دخله بوجوده العلمي لا بوجوده الخارجي ، ويكون حال السابق أو اللاحق بعينه ، حالَ المقارن في الدخل مثلاً ـ إلى أن قال ـ إن قلت : هذا خلاف ظاهر لفظ الشرط الذي قد أطلق على مثل الإجازة والغسل في الليل.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/146.

451

قلت : لو سلّم كان إطلاقه عليه من باب إطلاقه على مثل الرضاء المقارن لما عرفت أن دخلها كدخله في التأثير بلا تفاوت أصلاً.

إن قلت : فما وجه إطلاقهم الشرط على مثل ذلك ممّا لا دخل له إلاّ بوجوده العلمي ؟

قلت : الوجه صدق الشرط حقيقة بناء على إرادة الأعمّ من الذهني والخارجي من لفظ الوجود والعدم في تعريفه بما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود ، وصدقه مجازاً من باب التشبيه والمسامحة بناء على إرادة خصوص الخارجي ، ومثل هذا الإطلاق ليس بعزيز. (1)

وحاصل كلامه : انّ الشرط يطلق ويراد منه الوجود الخارجي كاليبوسة في الحطب التي هي شرط الاحتراق ، وقد يطلق و يراد به الوجود العلمي ، وهذا هو المراد في هذا المقام ، مثلاً الحكم بما انّه فعل اختياري للحاكم لا يتوقف صدوره منه إلاّ على تصوّره بتمام شرائطه المتقدّمة والمقارنة واللاحقة وهو الموجب لحدوث الإرادة في نفسه ، فالشرط له حقيقة إنّما هو وجود تلك الشرائط في عالم التصوّر دون وجودها في عالم الخارج.

ومنه يظهر حال الوضع فالشرط عبارة عن لحاظ الحاكم كون الرضا مقارناً أو متأخّراً عنه ، فنفس الرضا وإن كان مقارناً أو متأخّراً لكن لحاظ العقد معه مقارن للعقد في جميع الأحوال.

يقول المحقّق الخوئي في توضيح مرام المحقّق الخراساني : إنّ الشرط في الحقيقة تصوّر الشيء ووجوده الذهني دون وجوده الخارجي ، وإطلاق الشرط عليه مبني على ضرب من المسامحة باعتبار أنّه طرف له.

____________

1 ـ فوائد الأُصول : 309.

452

وعلى ضوء هذا الأساس لا فرق بين كون وجود الشرط خارجاً متأخراً عن المشروط أو متقدّماً عليه أو مقارناً له ، إذ على جميع هذه التقادير ، الشرط واقعاً والدخيل فيه حقيقة هو لحاظه ، ووجوده العلمي ، وهو معاصر له زماناً و متقدّم عليه رتبة.

وعلى الجملة فالحكم بما أنّه فعل اختياري للحاكم فلا يتوقّف صدوره منه إلاّ على تصوّره بتمام أطرافه من المتقدّمة والمقارنة واللاحقة ، وهو الموجب لحدوث الإرادة في نفسه نحو إيجاده كسائر الأفعال الاختيارية ، فالشرط له حقيقة إنّما هو وجود تلك الأطراف في عالم التصور واللحاظ دون وجودها في عالم الخارج. (1)

وكان عليه أن يضيف عليه قوله : وهكذا الحال في شرائط الوضع ، أي صحّة الصوم وحدوث الملكية ، فإنّ الشرط هو لحاظ العقد مع الرضا ، سواء كان الرضا متقدّماً أو متأخراً.

هذا هو غاية توضيح مرامه.

يلاحظ عليه : أنّه على خلاف ظاهر الأدلّة فانّ الشرط عبارة عن نفس الرضا ، قال سبحانه : ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارةً عَنْ تَراض ). (2)

وما تخلّص به في آخر كلامه من النقض والإبرام غير رافع لهذا الإشكال ، إذ ليس الإشكال في صحّة الصدق وإنّما الإشكال فيما هو المتبادر من الأدلّة ، فانّ المتبادر من الأدلّة هو الوجود الخارجي لا لحاظ الحاكم وجوده في ظرفه.

نعم يصحّ ما ذكره في شرائط الحكم والارادة ، فانّ الشرط فيها هو تصوّر الشروط المتقدّمة والمتأخّرة ولا يصحّ في شرائط الوضع كما مرّ.

____________

1 ـ المحاضرات : 2/310.

2 ـ النساء : 29.