الخلاف - ج2

- الشيخ الطوسي المزيد...
452 /
105

و قال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يخرج خمسة دراهم أو خمسة أقفزة (1).

دليلنا: انا قد بينا أن الزكاة تتعلق بالقيمة، و القيمة تراعى وقت الإخراج، و الإمكان شرط في الضمان، فاذا نقص قبل الإمكان فقد نقص منه، و من مال المساكين فلا يلزمه أكثر من خمسة أقفزة أو قيمتها درهمين و نصف.

مسألة 122 [الخيار لرب المال عند إخراج الزكاة]

المسألة بعينها بفرض أن الطعام زاد، فصار كل قفيز بدرهمين، فلا يلزمه أكثر من خمسة دراهم، أو قيمة قفيزين و نصف.

و قال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يخرج خمسة دراهم أو خمسة أقفزة، لأنه يعتبر القيمة عند حلول الحول (2).

و قال أبو يوسف و محمد: هو بالخيار بين أن يخرج عشرة دراهم أو خمسة أقفزة، لأنهما يعتبران القيمة حين الإخراج (3).

و للشافعي فيه ثلاثة أقوال:

أولها: يخرج خمسة دراهم، لان عليه ربع عشر القيمة حين الوجوب.

و الآخر: أخرج خمسة أقفزة و ان كانت قيمتها عشرة دراهم، لأن الحق تعلق بالعين، فما زاد فللمساكين.

و الثالث: هو بالخيار بين أن يخرج خمسة دراهم أو خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم (4).

دليلنا: ان ما اعتبرناه مجمع على لزومه، و ما اعتبروه ليس عليه دليل.

مسألة 123 [حكم من دفع مالا لآخر للمضاربة]

إذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها متاعا و الربح بينهما، فاشترى سلعة بألف، و حال الحول، و هي تساوي ألفين،

____________

(1) اللباب 1: 151، و الفتاوى الهندية 1: 179- 180، و المبسوط 3: 15، و شرح فتح القدير 1: 528.

(2) الفتاوى الهندية 1: 180، و بدائع الصنائع 2: 21- 22.

(3) بدائع الصنائع: 2: 22.

(4) المجموع 6: 69، و فتح العزيز 6: 69.

106

فإنما تجب في الألف الزكاة، لأنه قد حال الحول عليها. و أما الربح فان فيه الزكاة من حين ظهر إلى أن يحول عليه الحول.

فزكاة الأصل على رب المال، و زكاة الربح ففي أصحابنا من قال: ان المضارب له اجرة المثل و ليس له من الربح شي‌ء (1)، فعلى هذا زكاة الربح على رب المال.

و منهم من قال: له من الربح بمقدار ما وقع الشرط عليه (2)، فعلى هذا يلزم المضارب الزكاة من الربح بمقدار ما يصيبه منه، و زكاة باقي الربح على صاحب المال، هذا إذا كان المضارب مسلما.

فان كان ذميا فمن قال: ان الربح لصاحب المال، كان الزكاة عليه. و من قال: بينهما فعلى صاحب المال بمقدار ما يصيبه منه، و ليس يلزم الذمي شي‌ء، لأنه لا تجب الزكاة في ماله.

و قال الشافعي: إذا حال الحول و السلعة تساوي ألفين وجبت الزكاة في الكل، لان الربح في مال التجارة يتبع الأصل في الحول (3). فأما من تجب عليه فيه قولان:

أحدهما: زكاة الكل على رب المال.

و الثاني: على رب المال زكاة الأصل، و زكاة حصته من الربح. و على العامل زكاة حصته من الربح (4).

دليلنا: روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (5) و الربح لم يحل عليه الحول.

____________

(1) قاله الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: 97.

(2) قاله ابن حمزة في الوسيلة: 710، و حكاه العلامة الحلي في المختلف: 23 عن ابن الجنيد.

(3) المجموع 6: 70.

(4) المجموع 6: 70، و مغني المحتاج 1: 401.

(5) انظر مصادر الحديث في المسألة «64» المتقدمة.

107

و أيضا الأصل براءة الذمة، و الأصل تجب فيه الزكاة بلا خلاف، فمن أوجب في الربح الزكاة قبل الحول فعليه الدلالة، فأما صحة أحد المذهبين في مال المضارب فقد بينا في الكتاب الكبير.

مسألة 124 [المضارب يملك الربح من حين ظهوره في السلعة]

إنما يملك المضارب الربح من حين يظهر الربح في السلعة.

و للشافعي فيه قولان:

أحدهما: مثل ما قلناه، و هو أصحهما. و به قال أبو حنيفة (1).

فعلى هذا يكون عليه الزكاة من حين ظهر الربح.

و الآخر: بالمقاسمة يملك، و هو اختيار المزني (2)، فعلى هذا زكاة الكل على رب المال إلى أن يقاسم.

دليلنا: أنه إذا صح أن الربح بينهما و ثبت، فحين ظهر الربح يجب أن يثبت للمضارب كما يثبت للمالك.

و أيضا روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: من أعطى مالا للمضاربة فاشترى أباه قال: يقوم فان زاد على ما اشتراه بدرهم انعتق منه نصيبه و يستسعى فيما بقي لرب المال (3).

فلو لا أنه ملك بالظهور دون المقاسمة لما صح هذا القول.

مسألة 125 [حكم من عليه دين يحيط بأمواله الزكاتية]

إذا ملك نصابا من الأموال الزكاتية الذهب، أو الفضة، أو الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الثمار، أو الحرث، أو التجارة و عليه دين يحيط به، فان كان له مال غير هذا بقدر الدين، كان الدين في مقابلة ما عدا مال الزكاة‌

____________

(1) الأم 2: 49، و المجموع 6: 70، و المبسوط 2: 204.

(2) مختصر المزني: 51، و المبسوط 2: 204.

(3) و هو مضمون رواية محمد بن القيس التي رواها كل من الشيخ الكليني في الكافي 5: 241 حديث 8، و الصدوق في الفقيه 3: 144 حديث 633، و المصنف في التهذيب 7: 190 حديث 841.

108

سواء كان ذلك عقارا أو عرضا أو أثاثا أو أي شي‌ء كان، و عليه الزكاة في النصاب.

و ان لم يكن له مال غير النصاب الذي فيه الزكاة، فعندنا أن الدين لا يمنع من وجوب الزكاة.

و اختلف الناس فيه على أربعة مذاهب:

فقال الشافعي في الجديد و الام: الدين لا يمنع وجوب الزكاة، و به قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، و حماد بن أبي سليمان، و ابن أبي ليلى (1).

و قال في القديم، و اختلاف العراقيين في الجديد: الدين يمنع وجوب الزكاة، فإن كان الدين بقدر ما عنده منع من وجوب الزكاة، و ان كان أقل منع الزكاة فيما قابله، فإن بقي بعده نصاب فيه الزكاة، و إلا فلا زكاة فيه. و به قال الحسن البصري، و سليمان بن يسار، و الليث بن سعد، و أحمد، و إسحاق (2).

و ذهب قوم إلى أنه إن كان ما في يده من الأثمان أو التجارة منع الدين من وجوب الزكاة فيها، و ان كان من الماشية أو الثمار، أو الحرث لم يمنع. ذهب إليه مالك، و الأوزاعي (3).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: الدين يمنع من وجوب الزكاة في الماشية، و التجارة، و الأثمان. فأما الأموال العشرية الحرث و الثمار، فالدين لا يمنع وجوب العشر. و كأنه يقول: الدين يمنع وجوب الزكاة، و العشر ليس بزكاة عندهم، فلا يمنع الدين منه (4).

____________

(1) الام 2: 51، و المجموع 5: 344، و النتف في الفتاوى 1: 172، و المغني لابن قدامة 2: 633، و الشرح الكبير على المقنع لابن قدامة 2: 454.

(2) المجموع 5: 344، و المغني لابن قدامة 2: 634، و الشرح الكبير 2: 454- 455.

(3) المجموع 5: 344، و المغني لابن قدامة 2: 634، و الشرح الكبير 2: 455.

(4) المغني لابن قدامة 2: 634، و بداية المجتهد 1: 238.

109

دليلنا: كل خبر روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) (1) من أن الزكاة في الأجناس المخصوصة، متناول لهذا الموضع، لأنه لم يفرق بين من عليه الدين، و بين من لم يكن عليه ذلك، فوجب حملها على العموم.

مسألة 126 [حكم من عليه دين و عنده عقار و أثاث يفي به]

إذا ملك مائتي درهم و عليه مائتان، و له عقار، و أثاث يفي بما عليه من الدين، فعندنا أنه يجب عليه في المائتين الزكاة.

و قال أبو حنيفة: المائتان في مقابلة المائتين، و يمنع الدين وجوبها فيه، و لا يكون الدين في مقابلة ما عداه (2).

دليلنا: انا قد بينا أنه لو لم يملك غير المائتين لم تسقط عنه الزكاة، لأن الزكاة حق في المال، و الدين يتعلق بالذمة، فلا يمنع منه.

مسألة 127 [حكم من تصدّق ببعض المال الزكوي قبل حلول الحول]

إذا ملك مائتين لا يملك غيرها، فقال: لله علي أن أتصدق بمائة منها، ثم حال الحول، لا تجب عليه زكاتها.

و للشافعي فيه قولان: أحدهما، ان قال: ان الدين يمنع، فهاهنا يمنع و الآخر: لا يمنع (3).

ففي هذا وجهان، أحدهما: يمنع. و الآخر: لا يمنع. فاذا قال: لا يمنع أخرج خمسة دراهم، و تصدق بمائة.

و قال محمد بن الحسن: النذر لا يمنع وجوب الزكاة عليه زكاة مائتين خمسة دراهم. درهمين و نصف عن هذه المائة، و درهمين و نصف عن المائة الأخرى، و عليه أن يتصدق بسبعة و تسعين درهما و نصف (4).

____________

(1) انظر ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 509، و الشيخ الطوسي في الاستبصار 2: 2.

(2) المبسوط 2: 197، و النتف في الفتاوى 1: 172، و بداية المجتهد 1: 238.

(3) الوجيز 1: 86، و المجموع 5: 345، و كفاية الأخيار 1: 119.

(4) حكاه الرافعي في فتح العزيز 5: 510 فلاحظ.

110

دليلنا: انه إذا جعل لله على نفسه من ذلك المال مائة فقد زال بذلك ملكه، فاذا حال الحول لم يبق معه نصاب، فلا تجب عليه، لأنه علق النذر بالمال لا بالذمة.

مسألة 128 [حكم من تصدّق بماله كلّه بعد حلول الحول]

إذا ملك مائتين، فحال عليها الحول، وجبت الزكاة فيها، فتصدق بها كلها و ليس معه مال غيرها، لم يسقط بذلك فرض الزكاة.

و للشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه (1).

و الثاني ان الخمسة تقع عن الفرض، و الباقي عن النفل.

دليلنا: أن إخراج الزكاة عبادة، و العبادة تحتاج إلى نية، فمتى تجرد عن نية العبادة و الوجوب لم يجز.

و لو قلنا: انها يجزي عنه لأنه يستحق الزكاة منها، فإذا أخرج إلى مستحقها فقد أجزأ عنه، لان ذلك يجرى مجرى الوديعة. إذا لم ينو فإنها يقع رد الوديعة لكان قويا، و الأحوط الأول.

مسألة 129 [الرهن يمنع وجوب الزكاة على الراهن]

إذا كان له ألف، فاستقرض ألفا غيرها، و رهن هذه عند المقرض، فإنه يلزمه زكاة الألف التي في يده إذا حال عليها الحول دون الألف التي هي رهن، و المقرض لا يلزمه شي‌ء، لأن مال القرض زكاته على المستقرض دون القارض.

و قال الشافعي: هذا قد ملك ألفين و عليه ألف دين، فاذا قال: الدين لا يمنع وجوب الزكاة زكى الألفين، و إذا قال: يمنع زكى الالف.

و أما المقرض ففي يده رهن بألف، و الرهن لا يمنع وجوب الزكاة على الراهن، و له دين على الراهن ألف، فهل تجب الزكاة في الدين على قولين (2).

____________

(1) المجموع 6: 185.

(2) الام 2: 51، و مختصر المزني: 51- 52، و الوجيز 1: 86، و المجموع 5: 86، و المجموع 366.

111

دليلنا: انه لا خلاف بين الطائفة أن زكاة القرض على المستقرض دون القارض، و ان المال الغائب إذا لم يتمكن منه لا تلزمه زكاته، و الرهن لا يتمكن منه، فعلى هذا صح ما قلناه.

و المقرض يسقط عنه زكاة القرض بلا خلاف بين الطائفة، و لو قلنا انه يلزم المستقرض زكاة الألفين لكان قويا، لأن الألف القرض لا خلاف بين الطائفة انه يلزمه زكاتها، و الألف المرهونة هو قادر على التصرف فيها بأن يفك رهنها، و المال الغائب إذا كان متمكنا منه يلزمه زكاته بلا خلاف بينهم (1).

مسألة 130 [حكم الزكاة في اللقطة]

إذا وجد نصابا من الأثمان أو غيرها من المواشي، عرفها سنة، ثم هو كسبيل ماله و ملكه، فاذا حال بعد ذلك عليه حول و أحوال، لزمته زكاته، فإنه مالك، و ان كان ضامنا له. و أما صاحبه فلا زكاة عليه، لان المال الغائب الذي لا يتمكن منه لا زكاة فيه.

و قال الشافعي: إذا كان بعد سنة هل يدخل في ملكه بغير اختياره؟ على قولين: أحدهما و هو المذهب: انه لا يملكها إلا باختياره (2). و الثاني: يدخل بغير اختياره (3).

فاذا قال: لا يملكها إلا باختياره، فاذا ملكها فان كان من الأثمان يجب مثلها في ذمته، و ان كانت ماشية وجب قيمتها في ذمته (4).

فأما الزكاة فإذا حال الحول من حين التقط فلا زكاة فيها، لأنه أمين (5).

و أما صاحب المال فله مال لا يعلم موضعه على قولين مثل الغصب، و أما الحول الثاني فان لم يملكها فهي أمانة في يده.

____________

(1) الام 2: 51، و مختصر المزني: 51- 52، و المجموع 5: 343.

(2) المجموع 5: 342، و 15: 267، و المغني لابن قدامة 2: 641.

(3) المجموع 5: 342، و 15: 267.

(4) المجموع 15: 267.

(5) المجموع 5: 342.

112

و رب المال على قولين مثل الضالة، أو إذا ملكها الملتقط و حال الحول فهو كرجل له ألف و عليه ألف، فإن قال: الدين يمنع، فها هنا يمنع، و ان قال: لا يمنع، فهاهنا لا يمنع، إذا لم يكن له ملك سواه بقدره، فان كان له مال سواه لزمه زكاته، و رب المال على قولين كالضالة و المغصوب (1).

دليلنا: ما روي عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا: لقطة غير الحرم يعرفها سنة ثم هي كسبيل ماله (2) و سبيل ماله ان تجب فيه الزكاة فهذا تجب فيه الزكاة.

مسألة 131 [حكم من أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار معجّلة]

إذا أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار معجلة أو مطلقة، فإنها تكون أيضا معجلة، ثم حال الحول، لزمته زكاة الكل إذا كان متمكنا من أخذه، و كل ما حال عليه الحول لزمته زكاة الكل، إلا أنه لا يجب عليه إخراجه إلا بعد مضي المدة التي يستقر فيها ملكه نصابا، فاذا مضت تلك المدة زكاه لما مضى، و لا يستأنف الحول.

و للشافعي فيه قولان: أحدهما اختيار المزني و البويطي و أكثر أصحابه مثل ما قلناه (3)، و الذي نص الشافعي عليه انه إذا حال عليه الحول زكى بخمسة و عشرين، و في الثانية زكى خمسين (4).

و قال مالك: كلما مضى شهر ملك الشهر.

____________

(1) المجموع 5: 342- 343.

(2) روى الشيخ المصنف (قدس سره) في التهذيب 6: 389 حديث 1163، و الاستبصار 3: 68 حديث 227 بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في اللقطة يجدها الرجل الفقير أ هو فيها بمنزلة الغني قال (عليه السلام): نعم و اللقطة يجدها الرجل و يأخذها قال (عليه السلام): يعرفها لسنة فان جاء لها طالب و إلا فهي كسبيل ماله. إلى آخره.

(3) الام 2: 61، و مختصر المزني: 52، و الوجيز 1: 86، و المجموع 6: 23، و فتح العزيز 5: 514، و مغني المحتاج 1: 412.

(4) الام 2: 61، و مختصر المزني: 52، و الوجيز 1: 86، و فتح العزيز 5: 514، و مغني المحتاج 1: 412.

113

و قال أبو حنيفة: إذا مضى خمس المدة ملك عشرين دينارا، و عندهما معا حينئذ يستأنف الحول.

دليلنا: ان عندنا ان الأجرة تستحق بنفس العقد بإجماع الفرقة على ذلك على ما نبينه في الإجارات إذا كانت مطلقة أو معجلة، و إذا كان هذا ملكا صحيحا و حال الحول لزمته زكاته.

و الذي يدل على أن ملكه صحيح، انه يصح أن يتصرف فيه بجميع تصرف الملك، الا ترى أنه لو كانت الأجرة جارية جاز له وطؤها، فعلم بذلك ان ملكه صحيح.

مسألة 132 [جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب]

يجوز قسمة الغنيمة في دار الحرب، و به قال الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: يكره أن يقسمها في دار الحرب (2).

دليلنا: على ذلك: انه لا مانع في الشرع يمنع منه، فينبغي أن يكون جائزا.

مسألة 133 [أموال المشركين في أيدي المسلمين فهي ملك لهم]

إذا حصلت أموال المشركين في أيدي المسلمين فقد ملكوها، سواء كانت الحرب قائمة أو تقضت.

و قال الشافعي: ان كانت الحرب قائمة فلا يملك و لا يملك إن يملك، و معناه ان يقول أخذت حقي و نصيبي منها. و ان كانت الحرب تقضت فإنه لا يملكها، و لكنه يملك إن يملكها (3).

دليلنا: ما روي عنهم (عليهم السلام): ان من سرق من مال المغنم بمقدار ما يصيبه فلا قطع عليه (4) فلو لم يكن مالكا لوجب عليه القطع.

و أيضا فلا خلاف انه لو وطأ جارية من المغنم، فإنه لا يكون زانيا، و لا‌

____________

(1) الأم 4: 141.

(2) الام 7: 333.

(3) الوجيز 1: 86، و المجموع 5: 354.

(4) من لا يحضره الفقيه 4: 45 حديث 151، و التهذيب 10: 106 حديث 410، و الاستبصار 4:

242 حديث 914.

114

يقام عليه الحد. و عندنا أنه يدرأ عنه الحد بمقدار ما يصيبه منها، فلو لا انه مالك لما وجب ذلك.

مسألة 134 [حكم من ملك من مال الغنيمة نصابا]

إذا ملك من مال الغنيمة نصابا تجب فيه الزكاة جرى في الحول و لزمته زكاته، سواء كانت الغنيمة أجناسا مختلفة مثل الذهب و الفضة و المواشي، أو جنسا واحدا.

و قال الشافعي: ان اختار أن يملك و ملك و كانت الغنيمة أجناسا مختلفة لا تلزمه الزكاة، و ان كانت جنسا واحدا لزمته (1).

دليلنا: انه قد ملك من كل جنس ما تجب فيه الزكاة، فوجب أن يجب عليه ذلك، لتناول الأمر له بذلك، و لا شي‌ء يمنع منه، و الشافعي إنما منع منه لأنه قال: انه لا يملك من كل جنس بل الامام مخير أن يعطيه من أي جنس شاء قسمته تحكما (2) و هذا عندنا ليس بصحيح، لان له في كل جنس نصيبا، فليس للإمام منعه منه، و انما قلنا ذلك لان ما روي من وجوب قسمة الغنائم انه يخرج منه الخمس، و الباقي يقسم بين المقاتلة (3) يتناول ذلك، و لم يقولوا ان الامام مخير في ذلك، و له قسمة تحكم.

و لو قلنا: لا تجب عليه الزكاة لأنه غير متمكن من التصرف فيه قبل القسمة لكان قويا.

مسألة 135 [حكم من ملك نصابا فباعه قبل الحول بالخيار]

من ملك نصابا، فباعه قبل الحول بخيار المجلس، أو خيار الثلاث، أو ما زاد على ذلك على مذهبنا، أو كان له عبد فباعه قبل أن يهل شوال بشرط، ثم أهل شوال في مدة الشرط، فان كان الشرط للبائع، أولهما، فان زكاة المال و زكاة الفطرة على البائع، و ان كان الشرط للمشتري دون البائع‌

____________

(1) المجموع 5: 353، و مغني المحتاج 1: 411- 412.

(2) المجموع 5: 353.

(3) تفسير العياشي 2: 61 حديث 51، و التهذيب 4: 132 حديث 369.

115

فزكاته على المشتري، زكاة الفطرة في الحال، و زكاة المال يستأنف الحول به.

و للشافعي في انتقال الملك ثلاثة أقوال:

أحدها: انه ينتقل بنفس العقد، فعلى هذا زكاة الفطرة على المشتري.

و الآخر: انه بشرطين، العقد و انقضاء الخيار، فالفطرة على البائع.

و الثالث: انه مراعى، فان تم البيع فالفطرة على المشتري، و ان فسخ فالفطرة على البائع، لأن به تبين انتقال الملك بالعقد.

و زكاة الأموال مثل ذلك مبنية على الأقوال الثلاثة:

إذا قال: ينتقل بنفس العقد، فلا زكاة عليه.

و ان قال: بشرط، فالزكاة على البائع.

و ان قال: مراعى، فان صح البيع استأنف المشتري الحول، و ان انفسخ فالزكاة على البائع (1).

دليلنا: ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «المؤمنون عند شروطهم» (2).

فاذا ثبت هذا، فان كان الشرط للبائع، أولهما، فالملك ثابت للبائع، فعليه زكاته. و ان كان الشرط للمشتري، استأنف الحول، لان ملك البائع قد زال.

مسألة 136 [حكم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها]

من باع ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، كان البيع صحيحا، فان قطع فذاك، و ان توانى عنه حتى بدا صلاح الثمرة، فلا يخلو اما أن يطالب المشتري بالقطع، أو البائع بالقطع، أو يتفقا على القطع، فان لهما ذلك، و لا زكاة على واحد منهما. و ان اتفقا على التبقية، أو اختار البائع تركه، كان له تركه، و كانت الزكاة على المشتري.

و قال الشافعي: ان طالب البائع بالقطع فسخنا البيع بينهما، و عاد الملك‌

____________

(1) المجموع 5: 351.

(2) التهذيب 7: 371 حديث 1503، و الاستبصار 3: 232 حديث 835.

116

إلى صاحبه، و كانت زكاته عليه. و كذلك ان اتفقا على القطع، فان اتفقا على التبقية جاز، و كانت الزكاة على المشتري (1).

و قال أبو إسحاق: ان اتفقا على التبقية فسخنا البيع، فإذا رضي البائع بالتبقية و اختار المشتري القطع، فيه قولان، أحدهما: يجبر المشتري على التبقية و الآخر: يفسخ البيع (2).

دليلنا: على ما قلناه: ان الأصل براءة الذمة، و فسخ العقد يحتاج إلى دلالة، و ليس في الشرع ما يدل عليه.

مسألة 137: يكره للإنسان أن يشتري ما أخرجه في الصدقة،

و ليس بمحظور. و به قال أبو حنيفة و الشافعي (3).

و قال مالك: البيع مفسوخ (4).

دليلنا: قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (5) و هذا بيع، فمن ادعى فسخه، فعليه الدلالة.

[ما يجب فيه الخمس]

مسألة 138 [وجوب الخمس في المعادن كلّها]

المعادن كلها يجب فيها الخمس من الذهب، و الفضة، و الحديد، و الصفر، و النحاس، و الرصاص و نحوها مما ينطبع و مما لا ينطبع، كالياقوت، و الزبرجد، و الفيروزج و نحوها، و كذلك القير، و الموميا، و الملح، و الزجاج و غيره.

و قال الشافعي: لا يجب في المعادن شي‌ء إلا الذهب و الفضة فإن فيهما‌

____________

(1) المجموع 5: 466.

(2) ذكر النووي في المجموع 5: 466 حكاية هذا القول من دون نسبته لأحد من الفقهاء.

(3) الام 2: 59، و المنتقى شرح الموطأ 2: 181، و عمدة القارئ 9: 84- 85.

(4) حكى الباجي في المنتقى 2: 181، و العيني في عمدة القارئ 9: 85 قول مالك في هذه المسألة بعدم الفسخ، و نسبا قول الفسخ لأهل الظاهر.

(5) البقرة: 275.

117

الزكاة، و ما عداهما ليس فيه شي‌ء، انطبع أو لم ينطبع (1).

و قال أبو حنيفة: كلما ينطبع مثل الحديد، و الرصاص، و الذهب، و الفضة ففيه الخمس. و ما لا ينطبع فليس فيه شي‌ء مثل الياقوت، و الزمرد، و الفيروزج فلا زكاة فيه لأنه حجارة (2).

و قال أبو حنيفة و محمد: في الزيبق الخمس (3).

و قال أبو يوسف: لا شي‌ء فيه، و رواه عن أبي حنيفة (4).

و قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: هو كالرصاص، فقال: فيه الخمس (5).

و قال أبو يوسف و سألته عن الزيبق بعد ذلك فقال: انه يخالف الرصاص، فلم أر فيه شيئا (6). فروايته عن أبي حنيفة و مذهبه الذي مات عليه انه يخمس.

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم، و أيضا قوله تعالى «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» (7) و هذه الأشياء كلها مما غنمه الإنسان.

و أيضا الأخبار التي وردت عنهم (عليهم السلام) في أن الأرض خمسها لنا، و ان لنا خمس الأشياء حتى أرباح التجارات (8) تتناول ذلك.

و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «في الركاز الخمس» (9)

____________

(1) الام 2: 42، و مختصر المزني: 53، و كفاية الأخيار 1: 117، و مغني المحتاج 1: 394، و شرح فتح القدير 1: 537، و المبسوط 2: 211.

(2) المبسوط 2: 211 و 213، و شرح فتح القدير 1: 537 و 541.

(3) المبسوط 2: 213، و شرح فتح القدير 1: 537 و 541.

(4) المبسوط 2: 213.

(5) المبسوط 2: 213.

(6) المصدر السابق.

(7) الأنفال: 41.

(8) انظر ما رواه الشيخ الطوسي (قدس سره) في التهذيب 4: 123، و الاستبصار 2: 54 في هذا المعنى.

(9) صحيح البخاري 2: 160، و صحيح مسلم 3: 1334 حديث 45 و 46، و موطإ مالك 1: 249 حديث 9، و سنن الترمذي 3: 34 حديث 642، و مسند أحمد بن حنبل 1: 314، و سنن النسائي 5: 44، و سنن أبي داود 3: 181 حديث 3085، و سنن البيهقي 4: 155.

118

و المعدن ركاز.

مسألة 139 [الخمس يتعلّق بجميع أرباح التجارات]

يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات، و الغلات، و الثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها و مؤنها، و إخراج مؤنة الرجل لنفسه و مؤنة عياله سنة.

و لم يوافقنا على ذلك أحد من الفقهاء.

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (1)، و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا أخرج الخمس عما ذكرناه كانت ذمته بريئة بيقين، و ان لم يخرج ففي براءة ذمته خلاف.

مسألة 140 [وقت وجوب الخمس في المعادن]

وقت وجوب الخمس في المعادن حين الأخذ، و وقت الإخراج حين التصفية و الفراغ منه، و يكون المؤنة و ما يلزم عليه من أصله، و الخمس فيما يبقى، و به قال أبو حنيفة و الأوزاعي (2).

و للشافعي فيه قولان:

أحدهما: يراعى فيه حلول الحول، و هو اختيار المزني، لأنه لا تجب الزكاة إلا في الذهب و الفضة، و هما يراعى فيهما حلول الحول (3).

و الآخر و عليه أصحابه: أنه يجب عليه حين التناول، و عليه إخراجه حين التصفية و الفراغ، فإن أخرجه قبل التصفية لم يجزه (4).

____________

(1) انظر ما رواه الشيخ المصنف (قدس سره) في التهذيب 4: 121 (باب الخمس و الغنائم)، و الاستبصار 2: 54 (باب وجوب الخمس فيما يستفيده الإنسان حالا بعد حال).

(2) المجموع 6: 81، و المغني لابن قدامة 2: 619، و فتح العزيز 6: 91.

(3) مختصر المزني: 53، و المجموع 6: 81، و فتح العزيز 6: 91، و المبسوط 2: 211.

(4) المجموع 6: 80 و 84، و فتح العزيز 6: 91، و المغني لابن قدامة 2: 619، و المبسوط 2: 211، و مغني المحتاج 1: 394- 395.

119

دليلنا: قوله تعالى «فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» (1) و الأمر يقتضي الفور، فيجب الخمس على الفور.

و أما احتساب النفقة من أصله فعليه إجماع الفرقة.

و أيضا الأصل براءة الذمة، و ما قلناه مجمع عليه، و ما قالوه ليس عليه دليل.

مسألة 141: لا بأس ببيع تراب المعادن و تراب الصياغة،

إلا أن تراب الصياغة يتصدق بثمنه.

و قال مالك: يجوز بيع تراب المعدن دون تراب الصياغة (2).

و قال أبو حنيفة و الشافعي: لا يجوز بيعه (3).

دليلنا: قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (4) و هذا بيع.

و أيضا الأصل الإباحة، و المنع يحتاج إلى دليل.

مسألة 142 [عدم مراعاة النصاب في خمس المعادن]

قد بينا أن المعادن فيها الخمس، و لا يراعى فيها النصاب.

و به قال الزهري و أبو حنيفة كالركاز سواء، إلا أن الكنوز لا يجب فيها الخمس إلا إذا بلغت الحد الذي تجب فيه الزكاة (5).

و قال الشافعي في القديم و الام و الجديد و الإملاء: ان الواجب ربع العشر، و به قال أحمد و إسحاق (6).

و أومأ الشافعي في الزكاة إلى اعتبار النصاب مائتي درهم (7)، و ذهب‌

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) بداية المجتهد 2: 157، و المجموع 6: 90.

(3) الام 2: 42، و مختصر المزني: 53، و المجموع 6: 98- 90، و بداية المجتهد 2: 157.

(4) البقرة: 275.

(5) المبسوط 2: 211، و المغني لابن قدامة 2: 618، و المجموع 6: 83 و 90، و بداية المجتهد 1: 250.

(6) الوجيز 1: 96، و المجموع 6: 90، و كفاية الأخيار 1: 118، و المبسوط للسرخسي 2: 211، و مغني المحتاج 1: 394، و بداية المجتهد 1: 250.

(7) الام 2: 43، و مختصر المزني: 53، و المجموع 6: 2، و كفاية الأخيار 1: 113، و المغني لابن قدامة 2: 618.

120

غيرهم إلى ان المعادن الركاز، و فيها الخمس (1).

و قال عمر بن عبد العزيز و مالك و الأوزاعي: ما وجد بدرة مجتمعة، أو كان في أثر سئل في بطحاء و غيرها، ففيه الخمس، و أومأ إليه في الأم (2).

و قال أبو إسحاق في الشرح: المسألة على ثلاثة أقوال و لا يختلف مذهبه في أن في المعادن الزكاة.

دليلنا: إجماع الفرقة، و روى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال:

«في الركاز الخمس قلت: يا رسول الله و ما الركاز؟ فقال: الذهب و الفضة اللذان خلقهما الله سبحانه في الأرض يوم خلقها» (3) و هذه صفة المعادن.

و روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه و آله) سئل عن رجل وجد كنزا في قرية خربة؟ فقال: «ما وجدته في قرية غير مسكونة، أو في خربة جاهلية ففيه، و في الركاز الخمس» (4).

ثبت ان المعادن ركاز، لأنه عطف على الركاز.

مسألة 143 [الخمس في معدن المكاتب]

إذا كان المعدن لمكاتب أخذ منه الخمس، سواء كان مشروطا عليه أو لم يكن. و به قال أبو حنيفة (5).

و قال الشافعي: لا شي‌ء عليه (6).

دليلنا: ان ذلك خمس، و لا يختص بالاحرار دون العبيد و المكاتبين، و الشافعي إنما منع منه لان عنده أنه زكاة، و قد بينا خلافه، و انه خمس.

مسألة 144 [الخمس فيما يملكه الذمي من المعادن]

الذمي إذا عمل في المعدن يمنع منه، فان خالف و أخرج شيئا‌

____________

(1) الأم 2: 43، و مختصر المزني: 53.

(2) الأم 2: 43، و المدونة الكبرى 1: 287- 288.

(3) روى الحديث البيهقي في سننه 4: 152، مع اختلاف يسير باللفظ.

(4) رواه أحمد بن حنبل في مسنده 2: 180 و 186 و 203، و الصنعاني في سبل السلام 2: 617 ما يؤدي معنى الحديث دون اللفظ فلاحظ.

(5) النتف في الفتاوى 1: 178، و المبسوط 2: 212.

(6) المجموع 6: 91.

121

منه ملكه، و يؤخذ منه الخمس. و به قال أبو حنيفة و الشافعي، إلا أنه قال: لا يؤخذ منه شي‌ء لأنه زكاة، و لا يؤخذ منه زكاة (1).

دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء من أن ذلك خمس، و ليس بزكاة، و لا يمنع الكفر من وجوب الخمس في ماله.

مسألة 145 [المستحق شريك مع المخرج فيما يخرج من المعدن]

حق الخمس يملك مستحقه مع الذي يخرج من المعدن شيئا. و به قال أبو حنيفة (2).

و قال الشافعي: المخرج يملكه كله، و يجب عليه للمساكين حق (3).

دليلنا: قوله تعالى «فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» (4) و هذا يتناول أن الخمس من نفس الغنيمة.

و كذلك الأخبار المروية أن المعادن فيها الخمس (5) تتناول ذلك.

مسألة 146 [مراعاة النصاب في خمس الركاز]

الركاز هو الكنز المدفون يجب فيه الخمس بلا خلاف، و يراعى عندنا فيه أن يبلغ نصابا يجب في مثله الزكاة، و هو قول الشافعي في الجديد (6).

و قال في القديم: يخمس قليله و كثيره، و به قال مالك و أبو حنيفة (7).

دليلنا: إجماع الفرقة و أيضا ما اعتبرناه لا خلاف أن فيه الخمس، و ما نقص فليس عليه دليل.

____________

(1) المجموع 6: 76 و 91، و الوجيز 1: 97، و فتح العزيز 6: 100- 101.

(2) تبيين الحقائق 1: 289، و حاشية تبيين الحقائق 1: 289، و المجموع 6: 102، و المغني لابن قدامة 2: 614.

(3) المجموع 6: 102، و المغني لابن قدامة 2: 614.

(4) الأنفال: 41.

(5) انظر ما رواه الشيخ الصدوق في كتابة من لا يحضره الفقيه 2: 21 (باب الخمس)، و ما رواه المصنف في التهذيب 4: 121 حديث 345 و 349.

(6) الام 2: 45، و مختصر المزني: 53، و المجموع 6: 99 و 102.

(7) المجموع 6: 99 و 102، و المدونة الكبرى 1: 291، و المبسوط 2: 211، و تبيين الحقائق 1: 288.

122

مسألة 147 [النفقة تلزم على المعادن]

النفقة التي تلزم على المعادن و الركاز من أصل ما يخرج.

و قال الشافعي: تلزم رب المال (1).

دليلنا: إجماع الفرقة.

مسألة 148 [الخمس في الدراهم المضروبة في الجاهلية]

إذا وجد دراهم مضروبة في الجاهلية فهو ركاز، و يجب فيه الخمس، سواء كان ذلك في دار الإسلام أو دار الحرب، و به قال الشافعي (2).

و قال أبو حنيفة: يجب فيه الخمس ان كان في دار الإسلام، و ان كان في دار الحرب لا شي‌ء عليه (3).

دليلنا: قوله تعالى «فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» (4) و لم يفرق، و الاخبار الواردة ان الركاز فيه الخمس على عمومها (5).

و خبر أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «في الركاز الخمس» (6)، عام أيضا و لم يفرق.

مسألة 149 [وجوب الخمس على الكنز الذي عليه أثر إسلامي]

إذا وجد كنزا عليه أثر الاسلام بأن تكون الدراهم أو الدنانير مضروبة في دار الإسلام، و ليس عليه أثر ملك، يؤخذ منه الخمس.

و قال الشافعي: هو بمنزلة اللقطة إذا كان عليها أثر الإسلام (7)، و ان كانت مبهمة لا سكة فيها، و الأواني فعلى قولين، أحدهما: بمنزلة اللقطة. و الثاني:

____________

(1) المجموع 6: 91.

(2) الوجيز 1: 97، و المجموع 6: 97.

(3) الفتاوى الهندية 1: 185، و النتف 1: 181، و المجموع 6: 102.

(4) الأنفال: 41.

(5) انظر الفقيه 2: 21 حديث 73 و 75، و التهذيب 4: 70 و 121 و 122 الأحاديث 192 و 346 و 347 و 347.

(6) صحيح البخاري 2: 160، و صحيح مسلم 3: 1334 حديث 45 و 46، و الموطأ 1: 249 حديث 9، و سنن الترمذي 3: 34 حديث 642، و سنن البيهقي 4: 155، و مسند أحمد بن حنبل 1: 314، و سنن النسائي 5: 44، و سنن أبي داود 3: 181 حديث 3085.

(7) المجموع 6: 98، و فتح العزيز 6: 105.

123

أنه ركاز و غلب عليه المكان، فان كان في دار الحرب خمس، و ان كان في دار الإسلام فهي لقطة (1).

دليلنا: عموم ظاهر القرآن و الاخبار الواردة في هذا المعنى (2)، و تخصيصها يحتاج إلى دليل.

مسألة 150 [حكم من وجد ركازا في ملك مسلم أو ذمي]

إذا وجد ركازا في ملك مسلم أو ذميا في دار الإسلام لا يتعرض له إجماعا، و ان كان ملكا لحربي في دار الحرب فهو ركاز، و به قال أبو يوسف و أبو ثور (3).

و قال الشافعي: هو غنيمة (4).

و فائدة الخلاف المصرف، لان وجوب الخمس فيه مجمع عليه.

دليلنا: عموم الأخبار المتناولة لوجوب الخمس في الركاز (5) فمن خصها فعليه الدليل.

مسألة 151 [حكم من وجد ركازا في دار استأجرها]

إذا وجد ركازا في دار استأجرها، فاختلف المكتري و المالك، فادعى كل واحد منهما انه له، كان القول قول المكتري مع يمينه. و به قال الشافعي (6).

و قال المزني: القول قول المالك (7).

دليلنا: ان الظاهر انه للمكتري، لأن المالك لا يكري دارا و له فيها دفين،

____________

(1) الوجيز 1: 97، و المجموع 6: 98، و فتح العزيز 6: 104- 105.

(2) انظر قوله تعالى في سورة الأنفال: 41، و ما رواه الحر العاملي في الوسائل 6: 345 الباب الخامس.

(3) المجموع 6: 102.

(4) الام 2: 45، و الوجيز 1: 97، و المجموع 6: 91، و فتح العزيز 6: 109، و المغني لابن قدامة 2:

613، و الشرح الكبير على المقنع لابن قدامة 2: 594.

(5) انظر ما رواه الشيخ المصنف (قدس سره) في التهذيب 4: 122 حديث 347.

(6) الوجيز 1: 97، و المجموع 6: 96، و فتح العزيز 6: 110.

(7) المجموع 6: 96، و فتح العزيز 6: 110.

124

فان فعل فهو نادر، و الغالب ما قلناه.

مسألة 152 [في مصرف الخمس من الركاز و المعادن]

مصرف الخمس من الركاز و المعادن مصرف الفي‌ء. و به قال أبو حنيفة (1).

و قال الشافعي و أكثر أصحابه: مصرفها مصرف الزكاة، و به قال مالك، و الليث بن سعد (2).

و قال المزني و ابن الوكيل من أصحاب الشافعي: مصرف الواجب في المعدن مصرف الصدقات، و أما مصرف حق الركاز فمصرف الفي‌ء (3).

دليلنا: عموم الظاهر، و الاخبار الواردة في مستحق الخمس (4)، و عليه إجماع الطائفة.

مسألة 153 [ليس للإمام ردّ ما أخذه من مال على صاحبه]

إذا أخذ الإمام الخمس من مال، فليس له أن يرده على من أخذه منه، و به قال الشافعي (5).

و حكي عن أبي حنيفة أنه قال: له أن يرده عليه (6).

دليلنا: ان الخمس لمستحقه، فلا يجوز أن يعطي من لا يستحقه، و الواجد لا يخلو من أن يكون من أهل الخمس أو من غير أهله، فإن كان من غير أهله فلا يجوز أن يعطاه، لأنه لا يستحقه و من كان من أهله فله مشارك آخر، فلا يجوز إعطائه، إلا أن يقاص من غيره.

مسألة 154 [يجب على واجد الركاز إظهاره و إخراج خمسه]

على من وجد الركاز إظهاره و إخراج الخمس منه، و به قال الشافعي (7).

و حكى في القديم عن أبي حنيفة: انه بالخيار بين كتمانه و لا شي‌ء عليه، و بين إظهاره و إخراج الخمس منه.

____________

(1) المجموع 6: 102.

(2) المجموع 6: 101- 102، و فتح العزيز 6: 103.

(3) المجموع 6: 101- 102، و فتح العزيز 6: 103.

(4) الفقيه 2: 22 حديث 79، و التهذيب 4: 125 حديث 360 و 361.

(5) المجموع 6: 90.

(6) المجموع 6: 90، و المغني لابن قدامة 2: 615.

(7) الام 2: 45.

125

دليلنا: كل ظاهر دل على وجوب الخمس يتناوله، فعلى من أجاز الكتمان الدليل.

مسألة 155 [على الامام الدعاء لصاحب الزكاة]

على الإمام إذا أخذ الزكاة أن يدعو لصاحبها، و به قال داود (1).

و قال جميع الفقهاء: ان ذلك مستحب غير واجب (2).

دليلنا: قوله تعالى «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً- إلى قوله- وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ» (3) و هذا أمر يقتضي الوجوب.

____________

(1) عمدة القاري 9: 94، و سبل السلام 2: 606، و نيل الأوطار 4: 217.

(2) مختصر المزني: 53، و المجموع 6: 171، و عمدة القاري 9: 94، و المغني لابن قدامة 2: 508.

(3) التوبة: 103.

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

128

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

129

[كتاب زكاة الفطرة]

[زكاة الفطرة]

مسألة 156: زكاة الفطرة فرض،

و به قال الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: هي واجبة غير مفروضة (2).

دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا قوله تعالى «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى. وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى» (3) و روي عنهم (عليهم السلام) انها نزلت في زكاة الفطرة، و الاخبار المروية في هذا المعنى أكثر من أن تحصى (4)، و ظاهرها يقتضي الأمر، و هو يقتضي الإيجاب.

و روى ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه و آله) فرض صدقة من رمضان طهرة للصائم من الذنب و اللغو، و طعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة كانت له زكاة، و من أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (5).

____________

(1) الام 2: 63، و مختصر المزني: 54، و المجموع 6: 104، و فتح العزيز 6: 111، و كفاية الأخيار 1:

118، و مغني المحتاج 1: 401.

(2) الهداية 1: 115:، و بدائع الصنائع 2: 69، و شرح فتح القدير 2: 29- 30، و المجموع 6: 104، و فتح العزيز 6: 112.

(3) الأعلى: 14- 15.

(4) انظر تفسير علي بن إبراهيم 2: 721، و من لا يحضره الفقيه 2: 119 حديث 515، و التهذيب 4:

108 حديث 314، و الدر المنثور 6: 339- 340.

(5) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول في إحدى طبعاته 4: 644 حديث 2732 عن ابن عمر، و في طبعه (1370 هجرية) 4: 354 حديث 2733 حكاه عن ابن عباس، كما و إن المصادر التالية حكته عن ابن عباس أيضا فلاحظ سنن أبي داود 2: 111 حديث 1609، و سنن ابن ماجة 1: 585 حديث 1827، و سنن الدارقطني 2: 138 حديث 1، و السنن الكبرى 4: 163.

130

مسألة 157 [وجوب زكاة الفطرة على كلّ كامل العقل و من يعوله]

زكاة الفطرة على كل كامل العقل إذا كان حرا، يخرجها عن نفسه و عن جميع من يعوله من العبيد و الإماء و غيرهم، مسلمين كانوا أو كفارا.

فأما المشرك فلا يصح منه إخراج الفطرة، لان من شرطه الإسلام.

و قال الشافعي: تجب على كل مسلم حر يخرجها عن نفسه و غيره من عبيد و غيرهم إذا كانوا مسلمين، فأما إخراجها عن المشرك فلا يجوز (1).

دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا الأخبار التي وردت في أنه يخرجها عن نفسه و عن من يعوله و عن عبيده عامة في المسلمين و الكفار (2)، فعلى من خصصها الدلالة.

و أيضا طريقة الاحتياط تقتضيه، لأنه إذا أخرجها عمن قلناه برئت ذمته بلا خلاف، و إذا لم يخرجها فيه خلاف.

مسألة 158: العبد لا تجب عليه الفطرة،

و إنما يجب على مولاه أن يخرجها عنه. و به قال جميع الفقهاء (3) و قال داود: تجب على العبد، و يلزم المولى إطلاقه. ليكتسب و يخرجها عن نفسه (4).

____________

(1) الام 2: 65، و الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 118، و كفاية الأخيار 1: 119، و فتح العزيز 6:

143، و مغني المحتاج 1: 402، و عمدة القاري 9: 110، و المحلى 6: 132، و بداية المجتهد 1: 271.

(2) الفقيه 2: 114 و 116 حديث 491 و 497 و 499، و التهذيب 4: 71 حديث 194 و 195، و الاستبصار 2: 46 حديث 149 و 154 و 155 و 157.

(3) الام 2: 63، و اللباب 1: 159، و المجموع 6: 120 و 140، و عمدة القاري 9: 109، و بداية المجتهد 1: 270، و الشرح الكبير لابن قدامة 2: 650، و بدائع الصنائع 2: 70، و مغني المحتاج 1:

403، و بلغة السالك 1: 237- 238.

(4) المحلى 6: 140، و المجموع 6: 120 و 140، و عمدة القاري 9: 109، و بداية المجتهد 1: 270، و المنهل العذب 9: 224.

131

دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا عندنا لا تجب الفطرة إلا على من يملك نصابا تجب في مثله الزكاة. و العبد لا يملك شيئا، فلا تجب عليه الفطرة.

و أيضا الأصل براءة الذمة، فعلى من شغلها الدلالة.

و روى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «ليس على المسلم في عبده و لا في فرسه صدقة، إلا صدقة الفطرة في الرقيق» (1).

مسألة 159 [وجوب الفطرة على السيد إذا ملك عبده عبدا]

إذا ملك عبده عبدا، وجب على السيد الفطرة عنهما.

و للشافعي فيه قولان:

أحدهما: مثل ما قلناه، و هو قوله في الجديد، لأنه يقول إذا ملك لا يملك (2).

و قال قديما: إذا ملك ملك، فعلى هذا لا تجب على واحد منهما الفطرة (3).

دليلنا: انه ثبت أن العبد لا يملك شيئا و ان ملك، فاذا لم يملك فما ملكه ملك لمولاه، فعلى المولى فطرتهما.

مسألة 160 [حكم زكاة الفطرة على المكاتب]

المكاتب لا تجب عليه الفطرة إذا تحرر منه شي‌ء، و تجب على سيده بمقدار ما بقي منه، و ان كان مشروطا عليه وجب على مولاه الفطرة عنه.

و قال الشافعي: لا تجب الفطرة عليه و لا على سيده (4).

____________

(1) صحيح البخاري 2: 149، و صحيح مسلم 2: 675- 676، و سنن أبي داود 2: 108 حديث 1594 و 1595، و سنن ابن ماجة 1: 579 حديث 1812، و موطإ مالك 1: 277 حديث 37، و سنن الترمذي 3: 23 حديث 628، و سنن النسائي 5: 35- 36، و في جميع ما ذكرناه من المصادر ذكر الحديث بألفاظ مختلفة مع زيادة و نقيصة فيه تؤدي جميع ما ذكرناه من المصادر ذكر الحديث بألفاظ مختلفة مع زيادة و نقيصة فيه تؤدي جميعها لنفس المعنى.

(2) الام 2: 63، و مختصر المزني: 54، و المجموع 6: 108 و 136، و فتح العزيز 6: 165، و المغني لابن قدامة 2: 691، و الشرح الكبير 2: 650.

(3) المجموع 6: 108 و 136، و فتح العزيز 6: 165، و المغني 2: 691، و الشرح الكبير 2: 650.

(4) الام 2: 64، و الوجيز 1: 99، و المجموع 6: 109، و فتح العزيز 6: 166، و عمدة القاري 9:

109، و مغني المحتاج 1: 402- 403، و بداية المجتهد 1: 271.

132

و حكى أبو ثور في القديم ان على السيد إخراجها عن مكاتبه (1).

دليلنا: على المشروط عليه هو أنه عبده، فما أوجب الفطرة عليه من العبيد يوجب عليه في المكاتب المشروط عليه، لأنه داخل فيهم.

و أما المطلق فلانة ليس بملك له، لان بعضه حر و لا هو حر كله فيلزمه، فيجب أن تسقط الفطرة بمقدار ما تحرر منه.

مسألة 161 [الفطرة تتحمل على الزوج بالزوجيّة]

يجب على الزوج إخراج الفطرة عن زوجته. و به قال الشافعي، و مالك و أبو ثور (2).

و ذهب الثوري و أبو حنيفة و أصحابه إلى انها لا تتحمل بالزوجية (3).

دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه.

و أيضا روى إبراهيم بن أبي يحيى الهجري (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه‌

____________

(1) المجموع 6: 110، و فتح العزيز 6: 166، و مغني المحتاج 1: 402- 403.

(2) الام 2: 63، و الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 118، و المبسوط 3: 105، و عمدة القاري 9:

109، و بدائع الصنائع 2: 72، و بداية المجتهد 1: 270، و أقرب المسالك 1: 237، و المنهل العذب 9: 224.

(3) اللباب 1: 159، و شرح فتح القدير 2: 33، و بدائع الصنائع 2: 72، و عمدة القاري 9:

109، و المبسوط 3: 105، و المجموع 6: 118، و تبيين الحقائق 1: 307، و المنهل العذب 9:

224، و بداية المجتهد 1: 270.

(4) الظاهر هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى مولى أسلم، عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) خاصا به، قال الشيخ: روى عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) و كان خاصا بحديثنا و العامة تضعفه لذلك له كتاب مبوب في الحلال و الحرام رواه عن الامام الصادق (عليه السلام). قيل انه مات سنة 184 و قيل: 191.

و قد ذكر الدكتور بشار عواد معروف عند تعليقه على ما ذكره المزي من تضعيف لإبراهيم هذا في كتابه تهذيب الكمال ما لفظه: و يلاحظ على كل الذي قيل في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى جملة أمور منها. ان الامام الشافعي لم ينفرد بتوثيقه، فقد نظر ابن عقدة في حديثه فلم يجد فيه نكارة و كذلك ابن عدي بعد ان كتب له ترجمة حافلة في الكامل استغرقت عشرين صفحة و قد نقل المؤلف قول حمدان الأصبهاني فيه و في تعديله.

انظر رجال الشيخ الطوسي: 144، و الفهرست: 3، و رجال النجاشي: 12، و تنقيح المقال 1:

30، و تهذيب الكمال 2: 184 و 191، و تهذيب التهذيب 1: 158.

133

عن جده أن النبي (صلى الله عليه و آله) فرض صدقة الفطرة عن الصغير، و الكبير، و الحر، و العبد، و الذكر، و الأنثى ممن تمونون (1) و هذا نص.

مسألة 162 [في زكاة الضيف]

روى أصحابنا: أن من أضاف إنسانا طول شهر رمضان و تكفل بعيلولته لزمته فطرته (2). و خالف جميع الفقهاء في ذلك (3).

دليلنا: إجماع الفرقة، و طريقة الاحتياط.

مسألة 163 [فطرة الولد الصغير على والده إذا كان معسرا]

الولد الصغير إذا كان معسرا، فطرته على والده. و به قال أبو حنيفة و الشافعي.

غير أن أبا حنيفة قال: تجب عليه فطرته، لان له عليه ولاية (4).

____________

(1) لم نقف في المراجع الحديثية المتوفرة على الحديث المتقدم لفظا و سندا، و قد روى القاضي النعمان في دعائم الإسلام حديثا مرسلا عن علي (عليه السلام) عن النبي، و آخر عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي ما يقاربه لفظا.

و زاد في نسخة «خ» من النسخ المعتمدة بعد ما ذكره من دليل ما نصه: و روى نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بصدقة الفطر عن الصغير و الكبير و الذكر و الأنثى ممن تمونون.

رواه البخاري في صحيحه 12: 161، و مالك في موطئه 1: 284، و ابن ماجة 1: 584، و أبي داود 2: 112، و مسلم في صحيحة 2: 677، و الدارقطني في سننه 2: 141 باختلاف يسير بينها.

(2) ممن قال بهذا القول أيضا الشيخ المفيد في المقنعة: 43، و السيد المرتضى في الانتصار: 88، و ابن حمزة في الوسيلة: 681.

(3) انظر ذلك في المغني لابن قدامة 2: 693، و الشرح الكبير 2: 652، و المجموع 6: 136، و البحر الزخار 3: 199.

(4) الهداية 1: 115، و المبسوط 3: 102، و تبيين الحقائق 1: 306، و شرح فتح القدير 2: 32، و المنهاج القويم: 351- 352، و الام 2: 63 و 65، و كفاية الأخيار 1: 120، و بداية المجتهد 1: 270.

134

و عندنا انه يلزمه، لأنه في عياله، و هذا داخل تحت العموم، و الصريح بما روي انه تجب عليه الفطرة يخرجها عن نفسه و عن ولده (1). و أما الشافعي فقال: لان عليه نفقته (2).

مسألة 164 [الولد الصغير الموسر لزم أباه نفقته و فطرته]

إذا كان الولد الصغير موسرا لزم أباه نفقته، و عليه فطرته. و به قال محمد بن الحسن (3).

و قال أبو حنيفة و مالك و أبو يوسف و الشافعي: نفقته و فطرته من مال نفسه (4).

دليلنا: كل خبر روي في انه تجب الفطرة على الرجل يخرجها عن نفسه، و عن ولده (5) يتناول هذا الموضع، فعلى من خصها الدلالة.

مسألة 165 [حكم ولد الولد إذا كان صغيرا مثل ولد الصلب]

ولد الولد إذا كان صغيرا موسرا كان أو معسرا مثل ولد الصلب على ما مضى القول فيه (6).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2: 118 حديث 510 و 511، و التهذيب 4: 76 حديث 215، و الاستبصار 2: 47- 48 حديث 154 و 155 و 157 و 158.

(2) الام 2: 63 و 65، و كفاية الأخيار 1: 119، و مغني المحتاج 1: 405، و المنهاج القويم: 351، و بداية المجتهد 1: 270.

(3) اللباب 1: 159، و النتف 1: 163، و المبسوط 3: 104، و الهداية 1: 115، و شرح فتح القدير 2: 33، و تبيين الحقائق 1: 307، و شرح العناية 2: 32، و المحلى 6: 139، و المجموع 6: 141.

(4) اللباب 1: 159، و النتف 1: 163 و المبسوط 3: 104، و الهداية 1: 115، و مراقي الفلاح:

122، و الفتاوى الهندية 1: 192، و شرح فتح القدير 2: 32، و تبيين الحقائق 1: 307، و المدونة الكبرى 1: 355، و مقدمات ابن رشد 1: 254، و المحلى 6: 139، و الام 2: 63، و بداية المجتهد 1: 270، و شرح العناية 2: 32.

(5) انظر الكافي 4: 170، و من لا يحضره الفقيه 2: 114، و التهذيب 4: 71، و الاستبصار 2: 46.

(6) انظر المسألة المرقمة 163.

135

و قال الشافعي مثل ذلك، و قال: ان كان موسرا فنفقته و فطرته من ماله، و ان كان معسرا فنفقته و فطرته على جده (1).

و قال أبو حنيفة: نفقته على جده دون فطرته (2).

و قال الساجي في كتاب (قال محمد بن الحسن قلت لأبي حنيفة: لم لا تجب فطرته على جده؟ فقال: لأنها لا تجب على جده. فسألته عن العلة فأعاد المذهب) (3).

دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى، لأنها فرع عليها، فاذا ثبتت تلك ثبتت هذه، لان اسم الولد يقع على ولد الولد حقيقة.

مسألة 166 [الوالد المعسر نفقته و فطرته على ولده]

الوالد ان كان معسرا نفقته و فطرته على ولده، زمنا كان أو صحيحا.

و قال الشافعي: ان كان زمنا فعليه نفقته و فطرته (4).

و قال أبو حنيفة: تلزمه النفقة دون الفطرة (5).

و ان كان صحيحا ففيها قولان: قال في الزكاة: نفقته على ولده، و قال في النفقات: لا نفقة عليه (6).

و قال أبو حنيفة: عليه نفقته (7).

____________

(1) الام 2: 63- 64 و 5: 100، و المجموع 6: 120 و 141، و المنهاج القويم: 352، و مغني المحتاج 1: 407.

(2) الفتاوى الهندية 1: 192، و المبسوط 3: 105، و شرح فتح القدير 2: 32، و المجموع 6: 141، و فتح العزيز 6: 120.

(3) حكى قول أبي حنيفة هذا النووي في المجموع 6: 120، و 141 فلاحظ.

(4) الام 2: 63 و 5: 100، و مختصر المزني 54، و المجموع 6: 120، و بدائع الصنائع 2: 72.

(5) الهداية 2: 47، و بدائع الصنائع 2: 72، و فتح العزيز 6: 119.

(6) الام 2: 80.

(7) اللباب 1: 186، و النتف 1: 196، و الهداية 2: 47، و شرح فتح القدير 3: 347، و بدائع الصنائع 3: 30.

136

دليلنا: عموم الأخبار التي رويت في أن الإنسان يجبر على نفقة الوالدين (1) و الولد يتناول هذا الموضع، لأنها على عمومها. فمن خصها بالزمن دون الصحيح فعليه الدلالة، و إذا ثبتت النفقة وجبت الفطرة لأنه صار من عياله، فيتاوله عموم اللفظ في وجوب الفطرة عمن يمونه.

مسألة 167 [حكم الولد الكبير إذا كان معسرا]

الولد الكبير ان كان موسرا فنفقته و فطرته عليه بلا خلاف، و ان كان معسرا فنفقته و فطرته على والده، صحيحا كان أو زمنا.

و قال الشافعي: ان كان زمنا نفقته و فطرته على أبيه (2).

و قال أبو حنيفة: عليه النفقة دون الفطرة (3).

و ان كان معسرا صحيحا فعلى طريقين: منهم من قال على قولين (4)، و منهم من قال: لا نفقة على والده قولا واحدا (5).

دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء.

مسألة 168 [حكم المملوك الغائب]

إذا كان له مملوك غائب يعلم حياته وجبت عليه فطرته رجا عوده أو لم يرج، و ان لم يعلم حياته لا تلزمه فطرته.

و قال الشافعي في الأول مثل ما قلناه (6)، و في الثاني على قولين:

أحدهما: تلزمه فطرته، و هو قول أبي إسحاق (7).

____________

(1) انظر الكافي 3: 551- 552 و 4: 13 و 5: 512، و التهذيب 4: 56 و 6: 293، و الاستبصار 2:

33 و 3: 43، و الفقيه 3: 59، و الخصال 247 و 288، و علل الشرائع 1: 371.

(2) الأم 2: 63 و 5: 100، و مغني المحتاج 1: 405، و المبسوط 3: 105.

(3) اللباب 1: 186، و المبسوط 3: 105، و الهداية 1: 116، و تبيين الحقائق 1: 307، و شرح العناية 2: 33.

(4) انظر الوجيز 1: 98، و المبسوط 3: 105، و مغني المحتاج 1: 405.

(5) الوجيز 1: 98، و كفاية الأخيار 1: 119- 120، و السراج الوهاج: 131.

(6) الام 2: 63- 65، و الوجيز 1: 99، و فتح العزيز 6: 152، و المجموع 6: 115، و مغني المحتاج 1: 404.

(7) المجموع 6: 115، و فتح العزيز 6: 152.

137

و الثاني: لا تلزمه، و به قال المزني (1).

دليلنا: انه إذا لم يعلم بقاؤه لا يعلم انه مالك للعبد، و إذا لم يتحقق الملك لا تلزمه، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «يخرجه عن نفسه و عن مملوكه» (2) و هذا لا يعلم انه له مملوكا فلا تلزمه.

فأما إذا علم حياته فإنما أوجبنا عليه لعموم الأخبار (3).

مسألة 169 [حكم المملوك المعضوب]

المملوك المعضوب- و هو المقعد خلقة- لا يلزم نفقته. و به قال أبو حنيفة (4).

و قال الشافعي: تلزمه (5).

دليلنا: ان من هذه صفته ينعتق عليه على ما سنبينه فيما بعد، و عليه إجماع الفرقة، فاذا انعتق لا تلزمه نفقته إلا أن يتكفل بنفقته فتلزمه حينئذ فطرته.

مسألة 170 [وجوب إخراج الفطرة عن المملوك أو الزوجة الكافرة]

إذا كان له مملوك كافر، أو زوجة كافرة، وجب عليه إخراج الفطرة عنهما.

و قال الشافعي: لا يجب عليه إخراج الفطرة عن الكافر (6).

و قال أبو حنيفة: تلزمه إخراج الفطرة عن المملوك و ان كان كافرا، و لا‌

____________

(1) المجموع 6: 115، و فتح العزيز 6: 152- 153.

(2) الأخبار المروية في الفقيه 2: 114 و 116، و التهذيب 4: 71، و الاستبصار 2: 46، و صحيح البخاري 2: 149، و صحيح مسلم 2: 675- 676، و سنن ابن ماجة 1: 579 و 584، و موطإ مالك 1: 277، و سنن النسائي 5: 35- 36، و سنن الترمذي 3: 23، و سنن أبي داود 2: 108، و سنن الدارقطني 2: 139 و غيرها.

(3) الأخبار المروية في الفقيه 2: 114 و 116، و التهذيب 4: 71، و الاستبصار 2: 46، و صحيح البخاري 2: 149، و صحيح مسلم 2: 675- 676، و سنن ابن ماجة 1: 579 و 584، و موطإ مالك 1: 277، و سنن النسائي 5: 35- 36، و سنن الترمذي 3: 23، و سنن أبي داود 2: 108، و سنن الدارقطني 2: 139 و غيرها.

(4) الهداية 2: 49، و اللباب 1: 191، و بدائع الصنائع 4: 39.

(5) الأم 5: 102، و المجموع 18: 317.

(6) الام 2: 65، و الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 118 و 140- 141، و مغني المحتاج 1: 403، و بداية المجتهد 1: 271.

138

يلزمه إخراجها عن الزوجة، بناء منه على ان الفطرة لا تجب بالزوجية (1).

دليلنا: عموم الاخبار.

و أيضا روى ابن عمر قال: أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بصدقة الفطرة عن الصغير و الكبير و الحر و العبد ممن تمونون (2).

و فيه دليلان: أحدهما في قوله: عن العبد، و لم يفرق. و الثاني قوله: ممن تمونون، و هذا ممن يمونه.

مسألة 171 [إجبار المشرك على بيع عبده إذا أسلم]

إذا كان لمشرك عبد مشرك، فأسلم العبد، أجبر على بيعه، و لا يترك على ملكه. فإن أهل هلال شوال ثم أسلم إلى قبل الزوال، لم يلزم فطرته.

و للشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه. و الثاني انه يزكي، و هو أصحهما عندهم (3).

دليلنا: ان الأصل براءة الذمة، و إيجاب ذلك عليه يحتاج الى دليل.

و عندنا و ان كان الكافر مخاطبا بالعبادات، فإخراج الزكاة لا يصح منه، لأنه يحتاج إلى نية القربة، و هي لا تتأتى منه مع كفره.

مسألة 172 [الفطرة تتحمل بالزوجيّة]

قد بينا أن زكاة الفطرة تتحمل بالزوجية، فإن أخرجت المرأة عن نفسها بإذن زوجها أجزأ عنها بلا خلاف، و ان أخرجت بغير إذنه فإنه لا يجزي عنها.

و للشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. و الثاني أنه يجزي (4).

دليلنا: انا قد بينا أن فطرتها على زوجها، ففعلها لا يسقط الفرض عنه إلا‌

____________

(1) اللباب 1: 159- 160، و الهداية 1: 116- 117، و تبيين الحقائق 1: 307، و المجموع 6: 118- 119 و 141، و بداية المجتهد 1: 271.

(2) سنن الدارقطني 2: 141 حديث 12.

(3) فتح العزيز 6: 162- 163، و مغني المحتاج 1: 402.

(4) الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 123- 124، و فتح العزيز 6: 138.

139

بدليل، و لا دليل على ذلك.

مسألة 173 [حكم من ولد له مولود ليلة العيد]

اختلف روايات أصحابنا فيمن ولد له مولود ليلة العيد، فروي أنه يلزمه فطرته (1). و روي أنه لا يلزمه فطرته إذا أهل شوال (2).

و قال الشافعي في القديم: تجب الفطرة بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، فان تزوج امرأة أو ملك عبدا أو ولد له ولد أو أسلم كافر قبل طلوع الفجر بلحظة، ثم طلع فعليه فطرته، فان ماتوا قبل طلوعه فلا شي‌ء عليه. و به قال أبو حنيفة و أصحابه (3).

و قال في الجديد: تجب بغروب الشمس في آخر يوم من رمضان، فلو تزوج امرأة أو ملك عبدا أو ولد له ولد أو أسلم كافر قبل الغروب بلحظة، ثم غربت، وجبت الفطرة، و ان ماتوا قبل الغروب بلحظة فلا فطرة عليه (4).

فأما إذا وجدت الزوجية أو ملك العبد أو ولد له ولد بعد الغروب و زالوا قبل طلوع الفجر، فلا فطرة بلا خلاف.

و قال مالك في العبد بقوله الجديد، و في الولد بقوله القديم (5).

دليلنا: على انه لا يلزمه: ما رواه معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: لا قد خرج الشهر.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2: 116 حديث 499، و التهذيب 4: 72 ذيل الحديث 197، و إليه مال الشيخ الصدوق في المقنع: 67.

(2) من لا يحضره الفقيه 2: 116 حديث 500، و التهذيب 4: 72 حديث 197.

(3) الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 125- 126، و كفاية الأخيار 1: 119، و اللباب 1: 161، و الهداية 1: 117، و تبيين الحقائق 1: 310، و بداية المجتهد 1: 273.

(4) الام 2: 63 و 65، و الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 125- 127، و مختصر المزني: 54، و كفاية الأخيار 1: 119، و بداية المجتهد 1: 273، و المنهاج القويم: 350.

(5) المدونة الكبرى 1: 354، و مقدمات ابن رشد 1: 255- 256، و بلغة السالك 1: 238، و بداية المجتهد 1: 273.

140

و سألته عمن أسلم ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: لا (1).

و الرواية الأخرى رواها العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفطرة متى هي؟ قال: قبل الصلاة يوم الفطر (2).

و الوجه في الجمع بينهما أن يحمل الخبر الأول على سقوط الفرض بخروج الشهر، و الثانية بحملها على الاستحباب، و يقوي ذلك ان الأصل براءة الذمة، فلا يعلق عليها شي‌ء إلا بدليل.

روي عن ابن عباس قال: فرض رسول الله (صلى الله عليه و آله) صدقة الفطرة في رمضان طهرة للصائم من اللغو و الرفث و طعمة للمساكين (3).

مسألة 174 [حكم العبد الذي بين شريكين]

إذا كان العبد بين شريكين فعليهما فطرته بالحصة، و كذلك ان كان بينهما ألف عبد، أو كان ألف عبد لألف نفس مشاعا، الباب واحد.

و به قال الشافعي (4).

و قال أبو حنيفة: إذا كان العبد بين شريكين سقطت الفطرة، و لو كان بينهما ألف عبد مشاعا فلا فطرة (5).

دليلنا: عموم الاخبار في وجوب إخراج الفطرة عن العبد (6)، و لم يفرقوا‌

____________

(1) الكافي 4: 172 حديث 12، و الفقيه 2: 116 حديث 500، و التهذيب 4: 72 حديث 197.

(2) التهذيب 4: 75 حديث 212، و الاستبصار 2: 44 حديث 141.

(3) سنن أبي داود 2: 11 حديث 1609، و سنن ابن ماجة 1: 585 حديث 1827، و سنن الدارقطني 2: 138 حديث 1، و السنن الكبرى 4: 163، و جامع الأصول 4: 354 حديث 2733.

(4) مختصر المزني: 54، و الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 120 و 141، و فتح العزيز 6: 143.

(5) اللباب 1: 160، و النتف 1: 192، و الهداية 1: 116، و المجموع 6: 120 و 141، و فتح العزيز 6: 143.

(6) منها ما روي في الكافي 4: 170، و الفقيه 2: 114، و التهذيب 4: 71، و الاستبصار 2: 46 فلاحظ.

141

بين أن يكون مشاعا أو غير مشاع.

و أيضا الاحتياط يقتضي ذلك، لأنه إذا أخرج برئت ذمته بيقين، و إذا لم يخرج ففي براءتها خلاف.

مسألة 175 [حكم زكاة عبد واحد بالنسبة إلى الشريكين]

إذا أوجبنا على الشريكين زكاة عبد واحد، كان عليهما من فاضل قوتهما الغالب عليه، فان اختلف قوتاهما كانا مخيرين بين الإنفاق من جنس واحد، سواء كان الأدون أو الأعلى. و ان أخرجا مختلفين كان أيضا جائزا.

و قال ابن سريج: يخرجان من جنس واحد من أدونهما قوتا (1).

و قال أبو إسحاق: يخرجان من جنسين مختلفين على قول الشافعي انه يجب إخراجه من غالب قوته، و به قال أبو عبيد بن حربويه (2).

و الذي اختاره أبو العباس و أبو إسحاق انهما يخرجان من غالب قوت البلد، لأنه الذي يلزم المكلف دون قوت نفسه (3).

دليلنا: عموم الاخبار في التخيير بين الأجناس و لم يفرقوا.

و روى يونس بن عبد الرحمن عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

قلت له: جعلت فداك هل على كل أهل البوادي الفطرة؟ قال، فقال: الفطرة على كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت (4).

روى هذا الخبر الصفار بإسناده من يونس عن زرارة و ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5).

____________

(1) الوجيز 1: 100، و المجموع 6: 135، و فتح العزيز 6: 225- 226، و مغني المحتاج 1: 407.

(2) المجموع 6: 130 و 135، و فتح العزيز 6: 224، و مغني المحتاج 1: 407.

(3) المجموع 6: 130 و 132 و 135، و فتح العزيز 6: 212.

(4) التهذيب 4: 78 حديث 220، و الاستبصار 2: 42 حديث 136.

(5) التهذيب 4: 78 حديث 221، و الاستبصار 2: 43 حديث 137.

142

مسألة 176 [حكم المملوك الذي بعضه حرا]

إذا كان بعض المملوك حرا، و بعضه مملوكا، لزمته فطرته بمقدار ما يملك منه. و به قال الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: لا فطرة في هذا (2).

و قال مالك: على سيده بمقدار ما يملك، و لا شي‌ء على العبد بالحرية (3).

و قال ابن الماجشون: تلزمه زكاته تامة، و لا شي‌ء على العبد (4).

و عندنا فيما يبقى منه، ان كان يملك نصابا، وجب عليه فطرته، و إلا فلا شي‌ء عليه (5).

و قال الشافعي: ان كان معه ما يفضل عن قوت يومه لزمته، و إلا فلا شي‌ء عليه (6).

دليلنا: ما دللنا به على العبد بين الشريكين.

مسألة 177 [حكم من باع عبدا قبل هلال شوال بأقل من ثلاثة أيام]

إذا باع عبدا قبل هلال شوال، فأهل شوال قبل أن تمضي ثلاثة أيام التي هي شرط في الحيوان، كان الفطرة على البائع، لأنه في ملكه بعد، و ان كان بينهما الشرط أكثر من ثلاثة أيام للبائع أولهما، كان مثل ذلك على البائع فطرته، و ان كان الشرط فيما زاد للمشتري، كانت الفطرة عليه، لأنه إذا اختار دل على أن العقد كان له في الأول.

____________

(1) الأم 2: 65، و الوجيز 1: 99، و مختصر المزني: 54، و المجموع 6: 120، و فتح العزيز 6: 143، و عمدة القاري 9: 119، و المحلى 6: 135، و مغني المحتاج 1: 403.

(2) النتف 1: 192، و بدائع الصنائع 2: 70، و عمدة القاري 9: 119، و المجموع 6: 120، و فتح العزيز 6: 143، و المحلى 6: 135.

(3) المدونة الكبرى 1: 350، و بلغة السالك 1: 237- 238، و المجموع 6: 120، و فتح العزيز 6:

143- 144، و المحلى 6: 135.

(4) المجموع 6: 120، و عمدة القارئ 9: 119.

(5) المبسوط للشيخ الطوسي 1: 240، و المهذب لابن البراج 1: 174.

(6) الام 2: 65، و مختصر المزني: 54.

143

و قال الشافعي: إذا باع عبدا بشرط خيار المجلس أو خيار الثلاث، و كان الخيار لهما أو لأحدهما، فلا فرق في ذلك الباب واحد، تكون الفطرة على مالك العبد، و له فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: ينتقل بنفس العقد، فالفطرة على المشتري، و هو اختيار المزني (1).

و الثاني: بالعقد، و قطع الخيار، فعلى هذا على البائع فطرته (2).

و الثالث: مراعى باختيار أحدهما، فإن كان الاختيار للبائع كان العبد له و الفطرة عليه، و ان اختار المشتري تبين أن العبد له و عليه فطرته (3).

دليلنا: ما روي عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا: إذا مات الحيوان في مدة الخيار كان من مال البائع دون مال المشتري (4) و ذلك يدل على ان الملك له و عليه فطرته.

مسألة 178 [الدين لا يمنع من وجوب الفطرة]

إذا أهل شوال، و له رقيق، و عليه دين، ثم مات، فان الدين لا يمنع وجوب الفطرة، فإن كانت تركته تفي بما عليه من الصدقة و الدين، قضي دينه و أخرجت فطرته، و ما بقي فللورثة. و ان لم تف، كانت التركة بالحصص بين الدين و الفطرة.

و للشافعي فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: يقدم حق الله تعالى.

و الثاني: يقدم حق الآدمي.

و الثاني: يقدم حق الآدمي.

و الثالث: يقسم فيهما (5).

____________

(1) الام 2: 63 و 65، و مختصر المزني: 54، و فتح العزيز 6: 232.

(2) الام 2: 63 و 65، و فتح العزيز 6: 232.

(3) الام 2: 63 و 65، و مختصر المزني: 54، و فتح العزيز 6: 232.

(4) الكافي 5: 169 حديث 3، و الفقيه 3: 126 حديث 551، و التهذيب 7: 24 حديث 103 و 104.

(5) الام 2: 66، و مختصر المزني: 54، و الوجيز 86، و المجموع 6: 137، و مغني المحتاج 1: 411.

144

دليلنا: انهما حقان وجبا عليه، و ليس تقديم أحدهما على صاحبه أولى من الآخر، فيجب أن يسوى بينهما، و من رجح فعليه الدلالة.

مسألة 179 [حكم من مات قبل هلال شوال و له عبد و عليه دين]

إذا مات قبل هلال شوال و له عبد، و عليه دين، ثم أهل شوال بيع العبد في الدين، و لم يلزم أحدا فطرته. و به قال أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي (1).

و قال باقي أصحابه: انه تلزم الفطرة الورثة، لأن التركة لهم و ان كانت مرهونة بالدين (2).

دليلنا: قوله تعالى في آية الميراث «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» (3).

فثبت أن الميراث يستحق بعد قضاء الدين و الوصية، فلا يجوز نقلها إليهم مع بقاء الدين.

فان قيل: لو لم ينتقل إلى الورثة بنفس الموت، لكان إذا مات و له تركة و عليه دين و له ابنان، فمات أحدهما و خلف ابنا، ثم أبرأه من له الدين عنه، كانت التركة بين الابن و ابن الابن، فلو لم تكن منتقلة إلى الابنين بوفاته لما كان لابن الابن شي‌ء هاهنا، فان الوارث يملك ممن له الدين.

و أيضا فإن الوارث يملك قضاء الدين من غير التركة.

و أيضا فإنه يملك طلب التركة حيث وجدها، و يملك المخاصمة، و يملك أن يحلف، فلو لا انها له ما ملك إثباتها بيمينه، لأن أحدا لا يثبت بيمينه مال غيره.

قيل له: الملك و ان لم ينتقل إليهما فهو مبقي على ملك الميت، فإذا أبرأه من له الدين، انتقل منه إلى ابنيه اللذين خلفهما، و لذلك صحت منهم المطالبة.

و اليمين و غير ذلك من الأحكام.

____________

(1) المجموع 6: 137، و فتح العزيز 6: 236، و مغني المحتاج 1: 408.

(2) مختصر المزني: 54، و المجموع 6: 137، و فتح العزيز 6: 234، و مغني المحتاج 1: 408.

(3) النساء: 12.

145

مسألة 180 [حكم من أوصى بعبده و مات قبل أن يهلّ شوال]

إذا أوصى بعبده، و مات الموصي قبل أن يهل شوال، ثم قبل الموصى له الوصية، لم يخل من أحد الأمرين: اما أن يقبل قبل أن يهل شوال أو بعده، فان قبل قبله، كانت الفطرة عليه، لأنه حصل في ملكه بلا خلاف، و ان قبل بعد أن يهل شوال، فلا يلزم أحدا فطرته.

و للشافعي فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: يملك حين قبل، فعلى هذا لا يلزم أحدا فطرته، و فيه وجه آخر أن فطرته في تركة الميت.

و الثاني: مراعى، فان قبل تبينا انه ملك بالوصاية و لزمته فطرته. و ان رد تبينا أن الورث انتقل إليهم بالوفاة، فعليهم فطرته.

و الثالث: قول ابن عبد الحكم: انه يزول ملكه عنه بالموت إلى الموصى له بذلك، كالميراث. و هذا نقل المزني إلى المختصر (1)، و انه دخل في ملك الموصى له بغير اختياره فإن قبل استقر ملكه، و إن رد خرج الآن من ملكه إلى ورثة الميت. لا عن الميت، فعلى هذا يلزم الموصى له فطرته، و أبى أكثر أصحابه هذا القول (2).

دليلنا: ان الأصل براءة الذمة، و ليس في الشرع دليل على شغل واحد منهما، فيجب تركهما على الأصل.

مسألة 181 [إذا مات الموصي و الموصى له قبل ان يقبل الوصيّة]

إذا مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل أن يقبل الوصية، قام ورثته مقامه في قبول الوصية، و صار مثل المسألة الأولى سواء. و به قال الشافعي (3).

____________

(1) مختصر المزني: 54.

(2) الأم 2: 64 و 66، و مختصر المزني: 54، و المجموع 6: 138، و فتح العزيز 6: 240- 241، و مغني المحتاج 1: 408.

(3) الام 2: 65- 66، و مختصر المزني: 54، و المجموع 6: 138، و فتح العزيز 6: 243، و مغني المحتاج 1: 408.

146

و قال أبو حنيفة: تبطل الوصية (1)، و حكي عنه أيضا انها تتم بموت الموصى له، و دخلت في ملكه بموته و لا يفتقر إلى قبول (2).

و قد بينا في المسألة الاولى من الذي تلزمه فطرته.

دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء.

مسألة 182 [حكم من وهب لغيره عبد أقبل أن يهلّ شوال]

من وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبله الموهوب له، و لم يقبضه حتى يهل شوال، ثم قبضه، فالفطرة على الموهوب له. و به قال الشافعي في الأم، و هو قول مالك (3).

و قال أبو إسحاق: الفطرة على الواهب، لأن الهبة تملك بالقبض (4).

دليلنا: ان الهبة منعقدة بالإيجاب و القبول، و ليس من شرط انعقادها القبض، و سنبين ذلك في باب الهبة. فإذا ثبت ذلك، ثبت هذه، لأن أحدا لا يفرق بينهما.

و في أصحابنا من قال القبض شرط في صحة الهبة، فعلى هذا لا فطرة عليه، كما قال أبو إسحاق، و تلزم الفطرة الواهب (5).

مسألة 183 [على من تجب زكاة الفطرة]

تجب زكاة الفطرة على من ملك نصابا تجب فيه الزكاة، أو قيمة نصاب. و به قال أبو حنيفة و أصحابه (6).

و قال الشافعي: إذا فضل صاع عن قوته و قوت عياله و من يمونه يوما و ليلة‌

____________

(1) شرح فتح القدير 8: 432، و بدائع الصنائع 7: 332، و بداية المجتهد 2: 331.

(2) شرح فتح القدير 8: 432، و بدائع الصنائع 7: 332.

(3) الأم 2: 63 و 65، و المجموع 6: 138.

(4) المجموع 6: 138 من دون نسبة.

(5) الذي يستفاد من قول الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: 100 هو ان القبض شرط في صحة الهبة فلاحظ.

(6) اللباب 1: 159، و الهداية 1: 115، و شرح فتح القدير 2: 29، و المجموع 6: 113 و فتح العزيز 60: 176- 177.

147

وجب ذلك عليه، و به قال أبو هريرة، و عطاء، و الزهري، و مالك (1)، و ذهب اليه كثير من أصحابنا (2).

دليلنا: ان الأصل براءة الذمة، و قد أجمعنا على أن من ذكرناه تلزمه زكاة الفطرة، و لا دليل على وجوبها على من قالوه.

مسألة 184 [حكم من كان عادما وقت الوجوب]

إذا كان عادما وقت الوجوب، ثم وجد بعد خروج الوقت، لا يجب عليه، بل هو مستحب. و به قال الشافعي (3).

و قال مالك: يجب عليه (4).

دليلنا: ان الأصل براءة الذمة، و إيجاب ذلك يحتاج إلى دليل، و ليس في الشرع ما يدل عليه.

مسألة 185 [الفطرة على الزوج بالزوجيّة و ان كانت موسرة]

المرأة الموسرة إذا كانت تحت معسر، أو تحت مملوك، أو الأمة تكون تحت مملوك أو معسر، فالفطرة على الزوج بالزوجية. فإذا كان لا يملك لا يلزمه شي‌ء، لأن المعسر لا تجب عليه الفطرة، و لا يلزم الزوجة، و لا مولى الأمة شي‌ء، لأنه لا دليل على ذلك.

و قال الشافعي و أصحابه فيها قولان:

أحدهما: يجب عليها أن يخرجها عن نفسها، و على السيد أن يخرجها عن أمته.

____________

(1) الأم 2: 64 و 66، و مختصر المزني: 54، و كفاية الأخيار 1: 119، و بلغة السالك 1: 238، و المدونة الكبرى 1: 355، و الهداية 1: 115، و المجموع 6: 113، و المنهاج القويم: 350، و بداية المجتهد 1: 270.

(2) حكى العلامة في المختلف: 22 عن ابن الجنيد ما لفظه: «. و على الفقير إذا تصدق عليه بما يتجاوز قوت يومه ان يخرج ذلك عنه إلى غيره» (انتهى).

و كذا النراقي في المستند: 63 عند كلامه على الشرط الثالث و هو الغنى.

(3) الام 2: 67.

(4) المدونة الكبرى 1: 349- 350، و بلغة السالك 1: 239.

148

و الثاني: لا يجب ذلك عليه (1)، كما قلناه.

دليلنا: ما بيناه من أن الفطرة تجب على الزوج، فإذا أعدم سقط عنه فرضها و وجوب ذلك على الزوجة، و السيد. و رجوعها عليهما يحتاج إلى دليل، و ليس في الشرع ما يدل عليه.

مسألة 186 [كراهة أخذ الفقير فطرته]

إذا أخرج الفقير الفطرة تبرعا، و هو ممن يحل له أخذ الفطرة، فرد عليه فطرته بعينها، كره له أخذها.

و قال الشافعي: لا بأس به (2).

دليلنا: ما روي عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا: إذا أخرجت شيئا في الصدقة فلا ترده في مالك (3).

مسألة 187 [مقدار زكاة الفطرة]

زكاة الفطرة صاع من أي جنس يجوز إخراجه. و هو المروي عن علي (عليه السلام)، و عبد الله بن الزبير، و أبي هريرة، و أبي سعيد الخدري، و عائشة، و من التابعين النخعي و غيره، و به قال مالك، و الشافعي، و أحمد بن حنبل و إسحاق (4).

و ذهب أبو حنيفة إلى أنه ان أخرج تمرا أو شعيرا فصاع، و ان أخرج البر فنصف صاع، و عنه في الزبيب روايتان (5).

____________

(1) الام 2: 67، و الوجيز 1: 98، و المجموع 6: 124- 125، و كفاية الأخيار 1: 119.

(2) الأم 2: 70، و مغني المحتاج 1: 408.

(3) الظاهر انه مستفاد من عدة أخبار متفرقة لاحظ الكافي 7: 30- 31، و الفقيه 4: 182، و التهذيب 9: 135 و 137 و 150- 152، و الاستبصار 4: 101- 102.

(4) الأم 2: 66 و 68، و المجموع 6: 128 و 142، و المغني لابن قدامة 2: 652، و بداية المجتهد 1:

272، و بلغة السالك 1: 238، و شرح فتح القدير 6: 194، و البحر الزخار 3: 201، و نيل الأوطار 4: 254، و عمدة القاري 9: 116، و المحلى 6: 124.

(5) اللباب 1: 160 و الفتاوى الهندية 1: 191، و المحلى 6: 126، و المغني لابن قدامة 2: 653، و المجموع 6: 143، و فتح العزيز 6: 194، و الفتح الرباني 9: 147، و فتاوى قاضيخان 1: 231، و شرح فتح القدير 2: 40.

149

قال الكرخي: هو إجماع الصحابة، روي ذلك عن أبي بكر، و ابن عباس، و جابر.

و قال الثوري: بقوله في البر (1).

دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا الذمة تبرأ بيقين بإخراج الصاع، و لا تبرأ بيقين بإخراج نصف صاع.

و أيضا روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه و آله) فرض صدقة الفطرة صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من بر على كل حر و عبد، ذكر أو أنثى (2).

و روى أبو سعيد الخدري قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب، و لم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية حاجا أو معتمرا و هو يومئذ خليفة فخطب الناس على منبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ذكر زكاة الفطرة فقال: إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر، و كان ذلك أول ما ذكر الناس المدين، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أخرجه إلا ذاك ما عشت أبدا (3).

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه سئل عن صدقة الفطرة؟ قال:

صاع من طعام، فقيل: أو نصف صاع؟ فقال: بأس الاسم الفسوق بعد‌

____________

(1) المجموع 6: 143، و عمدة القارئ 9: 113، الفتح الرباني 9: 147.

(2) صحيح البخاري 2: 161، و صحيح مسلم 2: 677، و سنن أبي داود 2: 112، و سنن ابن ماجة 1: 584، و سنن الترمذي 3: 61، و سنن الدارقطني 2: 138.

(3) صحيح البخاري 2: 161، و صحيح مسلم 2: 678، و سنن أبي داود 2: 113، و سنن ابن ماجة 1: 585، و سنن الترمذي 3: 59، و سنن الدارقطني 2: 146.

150

الايمان، يعني قيمة معاوية.

مسألة 188 [جواز إخراج مقدار الزكاة من الجنس أو قيمته]

يجوز إخراج صاع من الأجناس السبعة: التمر، أو الزبيب أو الحنطة، أو الشعير، أو الأرز، أو الأقط، أو اللبن. و يجوز إخراج قيمته بسعر الوقت.

و قال الشافعي: يجوز إخراج صاع مما كان قوتا حال الاختيار كالبر، و الشعير، و الذرة، و الدخن، و الثفل يعني ماله ثفل من الحبوب دون مالا ثفل له من الادهان (1) و قال: لا يجوز إخراج القيمة (2).

و حكى يونس بن بكر (3) عن أبي حنيفة أنه ان أخرج صاعا إهليلج أجزأه فإن كان هذا منه على سبيل القيمة فهو وفاق منه، و ان كان منه على سبيل انه أصل فهو خلاف.

دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا فالاجناس التي اعتبرناها لا خلاف انها تجزي، و ما عداها ليس على جوازها دليل.

فأما جواز إخراج القيمة فقد مضى في باب زكاة الأموال، فلا وجه لإعادته.

مسألة 189: المستحب ما يكون غالبا على قوت البلد.

و للشافعي فيه قولان:

أحدهما: الغالب على قوت نفسه، و هو قول أبي عبيد بن حربويه (4).

____________

(1) الام 2: 68، و المجموع 6: 128، و فتح العزيز 6: 194 و 205، و المنهاج القويم: 352- 353.

(2) الام 2: 68، و المغني لابن قدامة 2: 671.

(3) قال ابن أبي الوفاء القرشي في الجواهر المضية 2: 236 (يونس بن بكر، روى عنه أبو سعيد الأشج و أبو بكر بن أبي شيبة، روى عن أبي حنيفة و الأعمش و هشام بن عروة. مات سنة 199 ه‍).

(4) الام 2: 67، و المجموع 6: 132- 133، و فتح العزيز 6: 224، و مغني المحتاج 1: 406.

151

و قال أبو العباس و أبو إسحاق مثل قولنا (1).

دليلنا: إجماع الفرقة على الرواية المروية عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) في تصنيف أهل الأمصار، و ما يخرجه أهل كل مصر و بلدة، و قد ذكرناها في الكتاب الكبير (2)، و ذلك يدل على ان المراعي غالب قوت أهل البلد، لأن اعتبار قوت نفس الإنسان لا طريق إلى تعيينه.

مسألة 190 [لا فرق بين إخراج أعلى الجنس أو أدونه]

إذا اعتبرنا حال قوت البلد، فلا فرق بين أن يخرجه من أعلاه أو من أدونه، فإنه يجزيه.

و من وافقنا من أصحاب الشافعي في هذه المسألة لهم فيها قولان: أحدهما مثل ما قلناه. و الثاني: انه ان كان الغالب الأدنى، و أخرج الأعلى أجزأه، و ان كان الأعلى فأخرج الأدنى لم يجزه (3).

دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا الأخبار المروية في هذا الباب تضمنت التخيير، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «صاع من تمر أو صاع من زبيب أو حنطة أو شعير» (4) و لم يفرق.

مسألة 191: لا يجزي في الفطرة الدقيق و السويق أصلا،

و به قال الشافعي (5). فإن أخرجه على وجه القيمة كان جائزا عندنا.

و قال أبو حنيفة: الدقيق و السويق يجزي كل واحد منهما أصلا كالبر (6).

____________

(1) المجموع 6: 132.

(2) التهذيب 4: 79 حديث 226، و الاستبصار 2: 44 حديث 140.

(3) الوجيز 1: 100، و المجموع 6: 133- 134، و مغني المحتاج 1: 406، و المنهاج القويم: 353.

(4) انظر صحيح البخاري 2: 161، و صحيح مسلم 2: 677، و سنن الترمذي 3: 61، و سنن أبي داود 2: 112، و سنن ابن ماجة 1: 584، و سنن الدارقطني 2: 138.

(5) الأم 2: 68، و المجموع 6: 132، و مغني المحتاج 1: 407، و المبسوط 3: 113، و المغني لابن قدامة 2: 668.

(6) الفتاوى الهندية 1: 191، و الهداية 1: 116، و المبسوط 3: 113- 114، و شرح فتح القدير 2:

40، و تبيين الحقائق 1: 309.

152

و قال أبو القاسم بن بشار الأنماطي من أصحاب الشافعي: يجوز إخراج الدقيق (1).

دليلنا: انه لا خلاف ان ما قلناه جائز، و ليس على اجزاء ما ذكروه دليل.

و أيضا الأخبار المروية تضمنت الحب و لم تتضمن الدقيق و الوسيق (2)، فما خالفها وجب إطراحه.

مسألة 192 [وجوب الفطرة على المسلمين كافة]

زكاة الفطرة واجبة على المسلمين من أهل الحضر و البادية.

و به قال جميع الفقهاء (3).

و قال عطاء، و عمر بن عبد العزيز، و ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لا فطرة على أهل البادية (4).

دليلنا: إجماع الفرقة، و الاخبار المروية في هذا الباب عامة لجميع الناس (5)، فمن خصصها فعليه الدلالة.

مسألة 193: يجوز لأهل البادية أن يخرجوا أقطا أو لبنا.

و قال الشافعي: يجوز إخراج الأقط، فان لم يكن فصاعا من لبن. و قال في الأم: لا يؤدوا أقطا، فإن أدوا لا أقول تجب عليهم الإعادة (6).

____________

(1) المجموع 6: 132.

(2) انظر الكافي 4: 171، و الفقيه 2: 114، و التهذيب 4: 71 و 75- 76 و 80.

(3) الام 2: 67، و المجموع 6: 142، و الموطأ 1: 283، و شرح الموطأ للزرقاني 2: 384، و بداية المجتهد 1: 270، و المغني لابن قدامة 2: 660، و الشرح الكبير لابن قدامة 2: 647.

(4) المحلى 6: 131، و المغني لابن قدامة 2: 660، و الشرح الكبير 2: 647، و المجموع 6: 142، و شرح الموطأ للزرقاني 2: 385.

(5) انظر الكافي 4: 170، و الفقيه 2: 114، و التهذيب 4: 71، و الاستبصار 2: 42، و صحيح مسلم 2: 677، و سنن الترمذي 2: 60، و سنن ابن ماجة 1: 584، و سنن أبي داود 2: 112.

(6) الام 2: 67، و الوجيز 1: 99- 100، و المجموع 6: 131، و فتح العزيز 6: 206- 207، و مغني المحتاج 1: 406، و المغني لابن قدامة 2: 662.

153

و اختلف أصحابه فقال أبو إسحاق: لا يختلف قوله انه جائز (1).

و قال غيره: المسألة على قولين: أحدهما، انه جائز، و الآخر غير جائز (2).

دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا الأخبار التي رويناها (3).

و روى أبو سعيد الخدري فيما قدمناه: (أو صاعا من أقط) (4).

مسألة 194 [حكم فطرة العبد الذي بين شريكين]

إذا كان عبد بين شريكين، فقد قلنا: عليهما فطرته، فإن أخرج كل واحد منهما جنسا يخالف الجنس الآخر كان جائزا. و به قال أبو إسحاق المروزي (5).

و قال أبو العباس: لا يجوز (6).

دليلنا: الأخبار التي رويت في التخيير (7)، فاذا كان مخيرا فينبغي أن يجزي عنهما.

مسألة 195 [حكم من أخرج فطرة بدل الحنطة شعيرا]

إذا كان قوته مثلا حنطة، أو يكون قوت البلد الغالب حنطة، جاز أن يخرج شعيرا.

____________

(1) المجموع 6: 131، و فتح العزيز 6: 206، و مغني المحتاج 1: 406.

(2) الوجيز 1: 99، و مغني المحتاج 1: 406، و المجموع 6: 131، و عمدة القاري 9: 115، و كفاية الأخيار 1: 120، و فتح العزيز 6: 206.

(3) انظر الكافي 4: 173 حديث 14 و 15، و الفقيه 2: 115 حديث 494، و التهذيب 4: 78 حديث 220 و 223، و الاستبصار 2: 42 حديث 136 و 138.

(4) صحيح مسلم 2: 678، و سنن الترمذي 3: 59، و سنن ابن ماجة 1: 585، و سنن ابي داود 2: 113.

(5) المجموع 6: 135، و الوجيز 1: 100، و مغني المحتاج 1: 406.

(6) الوجيز 1: 100، و المجموع 6: 135.

(7) منها ما رواها الشيخ الكليني في الكافي 4: 171، و الصدوق في الفقيه 2: 144، و المصنف عطر الله أرواحهم الزكية في التهذيب 4: 71 و 75- 76 و 80، و البخاري في صحيحه 2: 161، و مسلم في صحيحه 2: 677- 678، و الترمذي في سننه 3: 59، و أبو داود في سننه 2: 112- 113، و ابن ماجة في سننه 1: 584- 585، و الدارقطني في سننه 2: 138.

154

و للشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. و الثاني انه لا يجزيه (1).

دليلنا: الأخبار الواردة في هذا الباب ظاهرها يقتضي التخيير، لأنه قال:

(صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من حنطة أو صاعا من شعير) (2).

فوجب حملها على ظاهرها.

مسألة 196 [مصرف زكاة الفطرة]

مصرف زكاة الفطرة مصرف زكاة الأموال إذا كان مستحقه فقيرا مؤمنا.

و الأصناف الموجودة في الزكاة خمسة: الفقير، و المسكين، و الغارم، و في سبيل الله، و ابن السبيل. و يجوز أن يخص فريق منهم بذلك دون فريق، و لا يعطى الواحد أقل من صاع.

و قال الشافعي: مصرفه هؤلاء الخمسة، و أقل ما يعطى من كل فريق ثلاثة (3) يقسم كل صاع خمسة عشر سهما لكل إنسان منهم سهم.

و قال مالك يخص به الفقراء و المساكين، و به قال أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي، فإذا أخرجها إلى ثلاثة أجزأ (4).

و قال أبو حنيفة: له أن يضعها في أي صنف شاء (5)، كما قلناه. و هكذا الخلاف في زكاة المال، و زاد بأن قال: لو خص بها أهل الذمة جاز (6).

____________

(1) الام 2: 68- 69، و مختصر المزني: 55، و المجموع 6: 134.

(2) انظر الكافي 4: 171، و الفقيه 2: 114، و التهذيب 4: 71 و 75- 76 و 80.

(3) الام 2: 80، و المجموع 6: 186 و 217، و كفاية الأخيار 1: 124، و الهداية 1: 113، و المنهاج القويم: 362، و تبيين الحقائق 1: 299، و الشرح الكبير لابن قدامة 2: 705، و المغني لابن قدامة 2: 712- 713.

(4) المدونة الكبرى 1: 359، و بلغة السالك 1: 238، و الشرح الكبير لابن قدامة 2: 705، و المجموع 6: 186.

(5) اللباب 1: 156، و الهداية 1: 113، و تبيين الحقائق 1: 299، و المجموع 6: 186.

(6) الفتاوى الهندية 1: 188، و الهداية 1: 113، و المغني لابن قدامة 2: 209- 210، و تبيين الحقائق 1: 300.