الخلاف - ج6

- الشيخ الطوسي المزيد...
427 /
105

الشافعي (1).

و قال الثوري: الاعتبار باذنيه، فإنه متى سبق بهما فقد سبق (2).

دليلنا: ان ما اعتبرناه مجمع عليه، و ما قالوه ليس عليه دليل.

مسألة 9: عقد المسابقة من العقود الجائزة مثل الجعالة،

و به قال أبو حنيفة. و هو أحد قولي الشافعي (3).

و له قول آخر: أنه من العقود اللازمة كالإجارة (4) و هو أصحهما عندهم، لقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (5) و هذا عقد.

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، و لا دليل على لزوم هذا العقد، فيجب نفي لزومه، و الآية مخصوصة بلا خلاف.

مسألة 10 [حكم النضال بشرط]

إذا تناضلا، فسبق أحدهما صاحبه، فقال لك عشرة بشرط ان تطعم السبق أصحابك، كان النضال صحيحا و الشرط باطلا، و به قال أبو حنيفة و أبو إسحاق المروزي (6).

و قال الشافعي: النضال باطل (7).

دليلنا: أن الأصل صحته، و أن مضامة الشرط اليه تفسده يحتاج إلى دليل.

____________

(1) الام 4: 230، و مختصر المزني: 287، و المجموع 15: 156، و السراج الوهاج: 569، و مغني المحتاج 4: 315.

(2) حلية العلماء 5: 472.

(3) المغني لابن قدامة 11: 132، و الحاوي الكبير 15: 183.

(4) الوجيز 2: 219، و المغني لابن قدامة 11: 132، و البحر الزخار 6: 104، و الحاوي الكبير 15: 183.

(5) المائدة: 1.

(6) حلية العلماء 5: 478، و الشرح الكبير 11: 141 و 142، و الحاوي الكبير 15: 208.

(7) المصادر السابقة.

106

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

107

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

كتاب الأيمان‌

مسألة 1: في الأيمان ما هو مكروه، و ما ليس بمكروه.

و به قال أكثر الفقهاء (1).

و قال بعضهم: كلها مكروهة، لقوله تعالى «وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا» (2) (3).

دليلنا: ما روي عن ابن عباس أن النبي (عليه السلام) قال ثلاث مرات: «و الله لأغزون قريشا» (4) فلو كان مكروها ما حلف.

و روى ابن عمر قال: كان كثيرا ما يحلف رسول الله (صلى الله عليه و آله) بهذه اليمين «لا و مقلب القلوب» (5).

____________

(1) الام 7: 61، و المغني لابن قدامة 11: 167- 171، و الشرح الكبير 11: 162 و 163، و الفتاوى الهندية 2: 52.

(2) البقرة: 224.

(3) المغني لابن قدامة 11: 165.

(4) سنن أبي داود 3: 231 حديث 3285، و المعجم الكبير للطبراني 11: 282 حديث 11742، و السنن الكبرى 10: 47 و 48، و نصب الراية 3: 302، و تلخيص الحبير 4: 166 حديث 2033.

(5) الموطأ 2: 480 حديث 15، و صحيح البخاري 8: 157 و 160 و 9: 145، و سنن أبي داود 3: 225 حديث 3263، و سنن الترمذي 4: 113 حديث 1540، و سنن النسائي 7: 2، و مسند أحمد بن حنبل 2: 25 و 26 و 67 و 68 و 167، و سنن الدارمي 2: 187، و معجم الطبراني الكبير 12: 296، و السنن الكبرى 10: 27، و الجامع لأحكام القرآن 6: 269، و عمدة القاري 23: 168، و فتح الباري 11: 523، و تلخيص الحبير 4: 166 حديث 2034.

110

و روى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا اجتهد في اليمين قال: «لا و الذي نفس أبي القاسم بيده» (1).

و المعنى في الآية متوجه الى اليمين به على ترك البر و التقوى و الإصلاح بين الناس فقال «وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا» (2) اي لا تبروا الناس و لا تتقوا الله.

و قيل أيضا معناها لا تكثروا الأيمان بالله مستهزئين بها في كل رطب و يابس، فيكون فيه استبذال الاسم.

مسألة 2: إذا حلف: و الله لا أكلت طيبا، و لا لبست ناعما.

كانت هذه يمينا مكروهة، و المقام عليها مكروه، و حلها طاعة. و به قال الشافعي، و هو ظاهر مذهبه.

و له فيه وجه آخر ضعيف، و هو أن الأفضل إذا عقدها أن يقيم عليها (3).

و قال أبو حنيفة: المقام عليها طاعة و لازم (4).

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 33 و 48، و السنن الكبرى 10: 26، و تلخيص الحبير 4: 166 حديث 2035.

(2) البقرة: 224.

(3) انظر الام 7: 61، و مختصر المزني: 289- 290، و حلية العلماء 7: 245، و الجامع لأحكام القرآن 6: 265، و السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 326.

(4) السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 326.

111

دليلنا: قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ» الآية ثم قال «وَ كُلُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ حَلٰالًا طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» (1) يعني في المخالفة.

و أيضا قوله تعالى «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ» (2) الآية و قال «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضٰاتَ أَزْوٰاجِكَ- الآية إلى قوله- قَدْ فَرَضَ اللّٰهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمٰانِكُمْ» (3).

مسألة 3: كل يمين كان حلها طاعة و عبادة، إذا حلها لم تلزمه كفارة.

و به قال جماعة (4).

و قال أكثر الفقهاء أبو حنيفة و الشافعي و مالك و غيرهم: يلزمه كفارة (5).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (6). و أيضا الأصل براءة الذمة.

و روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي (عليه السلام) قال:

«من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير فان تركه كفارتها» (7).

____________

(1) المائدة: 87- 88.

(2) الأعراف: 32.

(3) التحريم: 1- 2.

(4) حلية العلماء 7: 245، و المغني لابن قدامة 11: 174، و الشرح الكبير 11: 180.

(5) الام 7: 61، و مختصر المزني: 289، و حلية العلماء 7: 245، و الميزان الكبرى 2: 129، و الموطأ 2: 478 حديث 11.

(6) الكافي 7: 443 (باب من حلف على يمين فرأى خيرا منها) و ص 445 حديث 2 و 3، و التهذيب 8: 284 حديث 1043 و 1044 و ص 289 حديث 1065.

(7) سنن ابن ماجة 1: 682 حديث 2111، و مسند أحمد بن حنبل 2: 185، و السنن الكبرى 10: 33 و 34، و المحلى 8: 42، و الجامع لأحكام القرآن 3: 100، و نصب الراية 3: 299، و في بعض ما ذكرناه اختلاف يسير في اللفظ.

112

مسألة 4 [حكم الحلف بالبراءة من الإسلام و القرآن و شبهه]

إذا قال: أنا يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو برئت من الإسلام، أو من الله، أو من القرآن لا فعلت كذا، ففعل، لم يكن يمينا، و لا المخالفة حنث، و لا يجب به كفارة. و به قال مالك، و الأوزاعي، و الليث ابن سعد، و الشافعي (1).

و قال الثوري و أبو حنيفة و أصحابه: كل هذا يمين، و إذا خالف حنث و لزمته الكفارة (2).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (3). و أيضا الأصل براءة الذمة، و تعليق الكفارة عليها يحتاج إلى دليل.

و روى ابن بريدة عن أبيه أن النبي (عليه السلام) قال: «من قال أنا بري‌ء من الإسلام كاذبا فهو كما قال، و ان كان صادقا لم يرجع الى الإسلام سالما» (4).

____________

(1) المدونة الكبرى 2: 106، و بداية المجتهد 1: 396، و أسهل المدارك 2: 20، و 21، و الموطأ 2: 478، و النتف 1: 379، و فتح المعين: 152، و حلية العلماء 7: 246، و السراج الوهاج:

573، و مغني المحتاج 4: 324، و كفاية الأخيار 2: 154، و المجموع 18: 16، و المغني لابن قدامة 11: 200، و الشرح الكبير 11: 194، و عمدة القارئ 23: 175.

(2) الآثار (مخطوط) باب الأيمان، و المبسوط 8: 134، و اللباب 3: 134، و النتف 1: 379، و عمدة القاري 23: 175، و شرح فتح القدير 4: 15، و فتح الباري 11: 534، و الفتاوى الهندية 2: 54 و 57، و الهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 4: 15، و المغني لابن قدامة 11: 200، و الشرح الكبير 11: 194، و حلية العلماء 7: 247، و المجموع 18: 19، و بداية المجتهد 1: 396، و أسهل المدارك 2: 21، و البحر الزخار 5: 241، و الجامع لأحكام القرآن 6: 271.

(3) التهذيب 8: 278 حديث 1012 و 8: 288 حديث 1064.

(4) سنن أبي داود 3: 224 حديث 3258، و مسند أحمد بن حنبل 5: 356، و السنن الكبرى 10: 30، و المستدرك على الصحيحين 4: 298 و أول الحديث «من حلف و قال:.» و باختلاف يسير في اللفظ.

113

فوجه الدلالة هو أن ظاهره يفيد أنه متى كان كاذبا فهو يهودي، و قد خرج من الإسلام، و لا خلاف أن الظاهر متروك، ثبت أنه أراد الزجر و الردع، كقوله: «من غشنا فليس منا» (1) و «من أكل من هاتين البقلتين فلا يقربن مصلانا» (2) فاذا ثبت انه أراد الزجر فقد أخبر بجميع الواجب و كل الحكم و انه أمر محظور و لم يذكر الكفارة فمن أوجب بذلك الكفارة فعليه الدلالة.

مسألة 5 [حكم الحلف على فعل القبيح و ترك الواجب]

إذا حلف أن يفعل القبيح أو يترك الواجب، أو حلف أن لا يفعل الواجب، وجب عليه أن يفعل الواجب و يترك القبيح، و لا كفارة عليه.

و قال جميع الفقهاء تلزمه الكفارة (3).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (4) و أيضا الأصل براءة الذمة.

____________

(1) صحيح مسلم 1: 99 حديث 164، و سنن الدارمي 2: 248، و مسند أحمد بن حنبل 2: 50، و المعجم الكبير للطبراني 10: 169، و 11: 221 حديث 11553، و المستدرك على الصحيحين 2: 9، و الجامع لأحكام القرآن 3: 252، و مجمع الزوائد 4: 78 و 79.

(2) ورد هذا الحديث بألفاظ مختلفة و في مصادر كثيرة أشار إليها ابن زغلول في موسوعة أطراف الحديث النبوي 8: 140- 143، و انظر مجمع الزوائد 2: 17، و شرح معاني الآثار 4: 238، و معجم الطبراني الكبير 19: 30، و السنن الكبرى 3: 78.

(3) المدونة الكبرى 2: 114، و المحلى 8: 76، و اللباب 3: 136، و بدائع الصنائع 3: 17، و الهداية 4: 22، و تبيين الحقائق 3: 114، و شرح فتح القدير 4: 22، و السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 325، و فتح المعين: 152.

(4) الكافي 7: 445 حديث 2- 5، و التهذيب 8: 287 حديث 1055، و الاستبصار 4: 42 حديث 143- 144.

114

مسألة 6 [حكم مخالفة اليمين ناسيا]

إذا حلف على مستقبل على نفي أو إثبات، ثم خالفه ناسيا، لم تلزمه الكفارة، و ان خالفه عامدا لزمته الكفارة، إذا كان من الأيمان التي يجب بالحنث فيها الكفارة.

و قال الشافعي: ان خالفه عامدا فعليه الكفارة. قولا واحدا كما قلناه، و إن خالفه ناسيا فعلى قولين (1).

دليلنا: إجماع الفرقة، و أخبارهم (2) و أيضا الأصل براءة الذمة، و أيضا قوله (عليه السلام): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه» (3) و انما أراد به حكم النسيان بلا خلاف.

مسألة 7: لا تنعقد اليمين على ماض،

سواء كانت على نفي أو إثبات، و لا يجب بها الكفارة، صادقا كان أو كاذبا، عالما كان أو ناسيا. و به قال مالك و الليث بن سعد و الثوري و أبو حنيفة و أصحابه و أحمد و إسحاق (4).

و قال قوم: إن كان صادقا فهو بار لا شي‌ء عليه، و ان كان كاذبا فان كان عالما حنث و لزمته الكفارة قولا واحدا، و إن كان ناسيا فعلى قولين، هذا مذهب الشافعي. و به قال في التابعين عطاء و الحكم، و في الفقهاء‌

____________

(1) المغني لابن قدامة 11: 176، و الشرح الكبير 11: 186، و فتح الباري 11: 551.

(2) انظر التهذيب 8: 291 حديث 1074- 1077.

(3) اختلفت ألفاظ حديث الرفع كما اختلفت أسانيده و طرقه، و قد أشرت فيما سبق إلى بعض مصادر الحديث فلاحظ.

(4) الموطأ 2: 477، و بداية المجتهد 1: 396، و حلية العلماء 7: 245، و المبسوط 8: 129، و النتف 1: 381، و اللباب 3: 130، و عمدة القاري 23: 193، و فتح الباري 11: 556، و الهداية 4: 3، و شرح فتح القدير 4: 3، و تبيين الحقائق 3: 107، و الفتاوى الهندية 2: 52، و المغني لابن قدامة 11: 178، و الحاوي الكبير 15: 267.

115

الأوزاعي و عثمان البتي (1).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (2) و أيضا الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج إلى دليل. و أيضا قوله تعالى «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ» (3).

و قال مالك: هذا لغو، لأن اللغو ما كان محالا، فاذا حلف على محال كان لغوا (4).

و قال أبو حنيفة: هي في معنى اللغو (5).

و أيضا: قوله تعالى «وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ» (6) فأخبر أن المؤاخذة بما عقدناه من الأيمان، و هذه يمين ما عقدت، لأنها لو عقدت انعقدت، و لا خلاف انها لا تنعقد.

و قال تعالى «وَ احْفَظُوا أَيْمٰانَكُمْ» (7) و هذه لا يمكن حفظها عن الحنث.

و روى ابن مسعود أن النبي (عليه السلام) قال: «من حلف يمينا و هو فيها‌

____________

(1) حلية العلماء 7: 244، و المجموع 18: 10 و 13 و 14، و المغني لابن قدامة 11: 179، و عمدة القاري 23: 193، و فتح الباري 11: 557، و بداية المجتهد 1: 396، و الهداية 4: 3، و الحاوي الكبير 15: 267.

(2) الكافي 7: 438 حديث 1 و 7: 463 حديث 19، و التهذيب 8: 287 حديث 1055 و 8: 294 حديث 1090.

(3) البقرة: 225، و المائدة: 89.

(4) المدونة الكبرى 2: 101، و أسهل المدارك 2: 19، و المجموع 18: 13.

(5) انظر المبسوط 8: 129- 130.

(6) المائدة: 89.

(7) المائدة: 89.

116

فاجر ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله و هو عليه غضبان» (1).

و روي عن النبي (عليه السلام) أنه قال: «اليمين الغموس (2) تدع الديار بلاقع (3) من أهلها» (4) و لم يذكر الكفارة، فمن قال فيها الكفارة فقد زاد في الخبر.

مسألة 8 [حكم اليمين على قتل ميت]

إذا قال: و الله لأصعدن السماء، و الله لأقتلن زيدا. و زيد قد مات، عالما كان بذلك أو لم يكن عالما، لم يلزمه كفارة.

و قال أبو حنيفة و الشافعي: يحنث في الحال، و تلزمه الكفارة (5). إلا أن أبا حنيفة قال: ان اعتقد أن زيدا حي فحلف على قتله، ثم علم أنه كان مات، لم يكن عليه كفارة (6).

دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء.

مسألة 9: لا تنعقد يمين الكافر بالله،

و لا يجب عليه الكفارة بالحنث،

____________

(1) صحيح البخاري 6: 42، و سنن أبي داود 3: 220 حديث 3243، و عمدة القاري 23: 184، و فتح الباري 8: 212 و في الجميع بتفاوت يسير في اللفظ.

(2) قال ابن الأثير في النهاية 3: 386 مادة غمس منه «اليمين الغموس تذر الديار بلاقع» هي اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، و فعول للمبالغة.

(3) البلاقع: جمع بلقع و بلقعة، و هي الأرض القفر التي لا شي‌ء بها. النهاية 1: 153 مادة (بلقع).

(4) كنز العمال 16: 696 حديث 46383.

(5) الهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 4: 62، و شرح فتح القدير 4: 62، و اللباب 3: 151، و تبيين الحقائق 3: 135، و الوجيز 2: 227، و الميزان الكبرى 2: 132، و البحر الزخار 5: 252.

(6) شرح فتح القدير 4: 101، و الهداية 4: 101، و تبيين الحقائق 3: 157- 158.

117

و لا يصح منه التكفير بوجه. و به قال أبو حنيفة (1).

و قال الشافعي: تنعقد يمينه، و تلزمه الكفارة بحنثه، سواء حنث حال كفره أو بعد إسلامه (2).

دليلنا: ان اليمين انما تصح بالله ممن كان عارفا بالله، و الكافر غير عارف بالله عندنا أصلا، فلا تصح يمينه. و أيضا الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج الى دليل، و أيضا قوله (عليه السلام): الإسلام يجب ما قبله (3).

و أما الكفارة فتحتاج إلى نية، و من لا يعرف الله لا يصح أن ينوي و يتقرب إليه.

و استدل الشافعي بالظواهر و الاخبار، و حملها على عمومها.

و هو قوي يمكن اعتماده، بأن يقال: أن اليمين تصح ممن يعتقد الله، و يصح القربة و ان لم يكن عارفا، و لأجل هذا تصح أيمان المقلدة و العامة، و تنعقد و تصح منهم الكفارة و ان لم يكونوا عارفين بالله تعالى على الحقيقة.

مسألة 10 [حكم الحلف بصفات الله عز شأنه]

فإن قال: و قدرة الله، أو و علم الله، أو و عظمة الله، أو‌

____________

(1) اللباب 3: 136، و بدائع الصنائع 3: 11، و الهداية 4: 22، و شرح فتح القدير 4: 22، و تبيين الحقائق 3: 114، و الفتاوى الهندية 2: 51، و المغني لابن قدامة 11: 162، و الشرح الكبير 11: 162، و الميزان الكبرى 2: 130، و البحر الزخار 5: 259.

(2) الوجيز 2: 225، و كفاية الأخيار 2: 155، و الميزان الكبرى 2: 130، و المغني لابن قدامة 11: 162، و الشرح الكبير 11: 162، و بدائع الصنائع 3: 11، و تبيين الحقائق 3: 114، و البحر الزخار 5: 242.

(3) مسند أحمد بن حنبل 4: 199، و 204 و 205، و الجامع الصغير 1: 474 حديث 3064، و كنز العمال 1: 66 حديث 243 و 13: 374 حديث 37024، و طبقات ابن سعد 7: 497.

و في الجميع (يجب ما كان قبله).

118

و حياة الله و قصد به كونه قادرا و عالما و حيا كان ذلك يمينا بالله، و ان قصد بذلك المعاني و الصفات التي يثبتها الأشعري لم يكن حالفا بالله. و به قال أبو حنيفة (1).

و قال أصحاب الشافعي: كل ذلك يمين بالله (2).

دليلنا: قيام الدلالة على أن الله تعالى يستحق هذه الصفات لنفسه، و أن القول بالصفات باطل، فاذا حلف بها وجب الحكم ببطلان يمينه، و لأن الأصل براءة الذمة.

مسألة 11 [حكم الحلف بالقرآن أو بسورة منه]

إذا حلف بالقرآن أو سورة من سوره، لم يكن ذلك يمينا، و لا كفارة بمخالفتها. و به قال أبو حنيفة و أصحابه (3).

قال أبو يوسف: ان حلف بالرحمن، فإن أراد السورة فليس بيمين، و ان أراد الاسم كان يمينا (4).

و قال محمد: من حلف بالقرآن فلا كفارة عليه (5).

____________

(1) المبسوط 8: 133، و بدائع الصنائع 3: 6، و اللباب 3: 132، و المغني لابن قدامة 11: 186، و الجامع لأحكام القرآن 6: 270، و حلية العلماء 7: 248، و البحر الزخار 5: 236.

(2) الام 7: 61، و مختصر المزني: 290، و حلية العلماء 7: 248، و مغني المحتاج 4: 321، و المجموع 18: 28، و السراج الوهاج: 572، و المغني لابن قدامة 11: 186، و فتح الباري 11: 535، و البحر الزخار 5: 236.

(3) المبسوط 8: 132، و الهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 4: 9، و شرح فتح القدير 4: 9، و الفتاوى الهندية 2: 53، و اللباب 3: 132، و المغني لابن قدامة 11: 194، و حلية العلماء 7: 249، و الشرح الكبير 11: 173، و الجامع لأحكام القرآن 6: 270، و المجموع 18: 41، و البحر الزخار 5: 236.

(4) عمدة القارئ 23: 175.

(5) انظر المغني لابن قدامة 11: 194، و الشرح الكبير 11: 173.

119

و قال الشافعي و أصحابه: كل ذلك يمين، و يلزمه الكفارة بخلافها (1).

دليلنا: ما تقدم من أن اليمين بغير الله لا ينعقد، و كلام الله غير الله و لا هو صفة من صفاته الذاتية.

فان نازعونا في أنه صفة من صفاته الذاتية، كان الكلام معهم فيها، و ليس هذا موضعه.

مسألة 12 [بحث في كلام الله و هل أنه محدث أو مخلوق]

كلام الله تعالى، فعله، و هو محدث، و امتنع أصحابنا من تسميته بأنه مخلوق لما فيه من الإيهام بكونه منحولا (2).

و قال أكثر المعتزلة: أنه مخلوق (3)، و فيهم من منع من تسميته بذلك، و هو قول أبي عبد الله البصري (4) و غيره (5).

و قال أبو حنيفة و أبو يوسف و محمد: أنه مخلوق (6). قال محمد: و به قال أهل المدينة (7).

____________

(1) حلية العلماء 7: 248، و المجموع 18: 40، و الميزان الكبرى 2: 130، و فتح المعين: 151، و المغني لابن قدامة 11: 194، و الشرح الكبير 11: 173، و عمدة القاري 23: 185، و البحر الزخار 5: 236.

(2) التوحيد للصدوق: 224- 225 حديث 4 و 5، و أمالي الصدوق: 443 حديث 5.

(3) تفسير الفخر الرازي 22: 140، و الملل و النحل للشهرستاني 1: 45، و المجموع 18: 41.

(4) الحسين بن علي، أبو عبد الله البصري، يعرف بالجعل. سكن بغداد و كان من شيوخ المعتزلة، و له تصانيف كثيرة على مذاهبهم، و ينتحل في الفروع مذهب أهل العراق. توفي في ذي الحجة سنة تسع و ستين و ثلاثمائة. قاله الخطيب في تاريخ بغداد 8: 73.

(5) لم أقف على هذا القول في المصادر المتوفرة.

(6) حلية العلماء 7: 249، و تاريخ بغداد 13: 378. و قد أفرد الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد 13: 378، بابا في ذكر الروايات عمن حكى عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن فلاحظ.

(7) لم أقف على هذا القول في مظان المصادر المتوفرة.

120

قال الساجي: ما قال به أحد من أهل المدينة (1).

قال أبو يوسف: أول من قال بأن القرآن مخلوق أبو حنيفة (2).

قال سعيد بن سالم (3): لقيت إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة (4) في دار المأمون (5)، فقال: ان القرآن مخلوق هذا ديني و دين أبي و جدي (6).

و روي عن جماعة من الصحابة الامتناع من تسميته بأنه مخلوق (7).

و روي ذلك عن علي (عليه السلام) أنه قال يوم الحكمين: «و الله ما حكمت مخلوقا و لكني حكمت كتاب الله» (8).

و روي ذلك عن أبي بكر، و عمر، و عثمان، و ابن مسعود (9).

و به قال جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)- فإنه سئل عن القرآن-

____________

(1) لم أقف على هذا القول من أثر في المصادر المتوفرة.

(2) تاريخ بغداد 13: 378.

(3) سعيد بن سالم القداح، أبو عثمان المكي، خراساني الأصل، و يقال: كوفي سكن مكة. قال الساجي: حدثنا الربيع، سمعت الشافعي يقول: كان سعيد القداح يفتي بمكة، و يذهب الى قول أهل العراق. مات قبل المائتين. تهذيب التهذيب 4: 35.

(4) إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. كان فقيها، و ولي القضاء بالبصرة، ثم عزل بيحيى بن أكثم. طبقات الفقهاء: 115.

(5) المأمون عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور العباسي، ولد سنة سبعين و مائة، عند ما استخلف أبوه الرشيد، سمع من هشيم و عباد بن العوام و يوسف بن عطية و طبقتهم مات سنة 218 هجرية. تاريخ الإسلام 15: 225- 240.

(6) روى الخطيب في تاريخه 13: 379 بسنده عن حسين بن عبد الأول، عن إسماعيل بن حماد ابن أبي حنيفة قال: هو قول أبي حنيفة القرآن مخلوق.

(7) الدر المنثور 5: 326.

(8) شرح نهج البلاغة 17: 13، التوحيد للصدوق: 224 حديث 6.

(9) الدر المنثور 5: 326.

121

فقال: لا خالق و لا مخلوق، و لكنه كلام الله تعالى و وحيه و تنزيله (1).

و به قال أهل الحجاز (2).

و قال سفيان بن عيينة: سمعت عمرو بن دينار و شيوخ مكة منذ سبعين سنة يقولون: ان القرآن غير مخلوق (3).

و قال إسماعيل بن أبي أويس (4)، قال مالك: القرآن غير مخلوق. و به قال أهل المدينة، و هو قول الأوزاعي و أهل الشام، و قول الليث بن سعد، و أهل مصر، و عبيد الله بن الحسن العنبري البصري، و به قال من أهل الكوفة ابن أبي ليلى و ابن شبرمة. و هو مذهب الشافعي إلا أنه لم يرو عن واحد من هؤلاء أنه قال: القرآن قديم، أو كلام الله قديم (5).

و أول من قال بذلك الأشعري (6) و من تبعه على مذهبه، و من الفقهاء من ذهب مذهبه (7).

دليلنا على ما قلناه: ما ذكرناه في الكتاب في الأصول (8) ليس هذا‌

____________

(1) تفسير العياشي 1: 6 حديث 14 باختلاف يسير.

(2) لم أقف على هذا القول في مظان المصادر المتوفرة.

(3) السنن الكبرى 10: 43، و الدر المنثور 5: 326، و اللآلي المصنوعة 1: 8- 9 باختلاف يسير في اللفظ.

(4) إسماعيل بن أبي أويس، كان من أصحاب مالك، و هو ابن أخته و صهره على ابنته، توفي سنة سبع و عشرين و مائتين، طبقات الفقهاء: 126.

(5) انظر السنن الكبرى 10: 43، و المحلى 8: 33، و اللآلي المصنوعة 1: 5.

(6) علي بن إسماعيل بن أبي بشر، أبو الحسن الأشعري، البصري، أخذ عن زكريا الساجي، و أبي علي الجبائي. مات سنة 324 هجرية. شذرات الذهب 2: 303.

(7) انظر الملل و النحل 1: 96.

(8) عدة الأصول ج 2: 46 (فصل في ذكر نسخ القرآن بالسنة و السنة بالقرآن) طبع بمبئي.

122

موضعها، فمنها قوله «مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ» (1) فسماه محدثا و قال «إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا» (2) و قال «بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» (3) فسماه عربيا، و العربية محدثة، و قال «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ» (4) و قال «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ» (5) فوصفه بالتنزيل.

و هذه كلها صفات المحدث، و ذلك ينافي وصفه بالقدم، و من وصفه بالقدم فقد أثبت مع الله تعالى قديما آخر، و ذلك خلاف ما أجمع عليه الأمة في عصر الصحابة و التابعين، و من بعدهم إلى أيام الأشعري، و ليس هذا موضع تقصي هذه المسألة، فإن الغرض هاهنا الكلام في الفروع.

و روي عن نافع قال: قلت لابن عمر: سمعت من رسول الله (صلى الله عليه و آله) في القرآن شيئا؟ قال: نعم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: «القرآن كلام الله غير مخلوق، و نور من نور الله» (6) و لقد أقر أصحاب التوراة أنه كلام الله، و أقر أصحاب الإنجيل أنه كلام الله.

و روى أبو الدرداء أن النبي (عليه السلام) قال: «القرآن كلام الله غير مخلوق» (7).

و قد مدح الصادق (عليه السلام) بما حكيناه عنه بالنظم، فقال بعض الشعراء لاشتهاره عنه.

____________

(1) الأنبياء: 2.

(2) الزخرف: 3.

(3) الشعراء: 195.

(4) الحجر: 9.

(5) النحل: 44.

(6) روى خالد الحذاء قال: سمعت أبا العربان يقول: قال عبد الله بن عمر: القرآن كلام الله غير مخلوق. انظر اللآلي المصنوعة 1: 8.

(7) الدر المنثور 5: 326، و اللآلي المصنوعة 1: 5.

123

قد سأل عن ذا الناس من قبلكم * * * ابن النبي المرسل الصادق

فقال قولا بينا واضحا * * * ليس بقول المعجب المايق

كلام ربي لا تمارونه * * * ليس بمخلوق و لا خالق

جعفر ذا الخيرات فافخر به * * * ابن الوصي المرتضى السابق (1)

مسألة 13: اليمين لا تنعقد إلا بالنية،

فأما قول الرجل: أقسمت، و اقسم بالله متى سمع منه هذه الألفاظ، ثم قال لم أرد به يمينا في الظاهر يقبل منه فيما بينه و بين الله لأنه أعرف بمراده.

و قال الشافعي: يقبل قوله فيما بينه و بين الله، لأنه لفظ محتمل (2)، و في الحكم هل يقبل منه أم لا؟ للشافعي فيه قولان.

قال في الأيمان إذا قال: أقسمت لا وطئتك، و قال: أردت إخبارا عن يمين قديمة، فان كان عرف له يمين قديمة قبل منه، و إلا فهو مؤلي (3).

و قال أصحابه: يقبل منه فيما بينه و بين الله على كل حال، و أما في الظاهر فان كان عرفت له يمين قديمة و ثبت ذلك قبل منه قولا واحدا (4).

و ان لم تعرف له يمين سابقة اختلفوا على ثلاث طرق:

منهم من قال: لا أقبل منه.

____________

(1) لم أظفر بقائله في المصادر المتوفرة.

(2) مختصر المزني: 290، و حلية العلماء 7: 254، و مغني المحتاج 4: 323، و المجموع 18: 36، و 38، و الوجيز 2: 224، و السراج الوهاج: 573، و الميزان الكبرى 2: 129، و فتح الباري 11: 542، و الحاوي الكبير 15: 270- 271.

(3) حلية العلماء 7: 255، و المجموع 18: 39، و الميزان الكبرى 2: 129، و الوجيز 2: 224، و الحاوي الكبير 15: 271.

(4) حلية العلماء 7: 255، و الميزان الكبرى 2: 129، و المجموع 18: 39.

124

و منهم من قال: أقبل منه في الإيلاء و لا أقبل منه في غير الإيلاء.

و منهم من قال: المسألة على قولين (1).

دليلنا: أنه إذا نوى انعقدت يمينه بلا خلاف، و ليس على انعقادها بغير نية دليل.

و أيضا قوله تعالى «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ» (2) و ذلك لا يكون إلا بالنية، فأما المحتمل إذا لم يكن له ظاهر و كان محتملا كان هو أعرف بمراده، فقبل قوله في ذلك.

مسألة 14 [هل ينعقد اليمين بقوله أقسم لا فعلت كذا]

إذا قال: اقسم لا فعلت كذا- و لم ينطق بما حلف به- لا يكون يمينا، سواء نوى اليمين أو لم ينو. و به قال الشافعي (3).

و قال أبو حنيفة: يكون يمينا تكفر (4).

و قال مالك: إن أراد يمينا فهو يمين و الا فليست بيمين (5).

دليلنا: أن انعقاد اليمين أمر شرعي، و ليس في الشرع ما يدل على أن‌

____________

(1) حلية العلماء 7: 255، و الوجيز 2: 224، و السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 323، و المجموع 18: 39، و الميزان الكبرى 2: 129، و الحاوي الكبير 15: 271.

(2) المائدة: 89.

(3) الأم 7: 61، و حلية العلماء 7: 255، و بداية المجتهد 1: 398، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 638، و فتح الباري 11: 542، و البحر الزخار 5: 236 و 237، و نيل الأوطار 9: 128.

(4) النتف 1: 380، و اللباب 3: 133 و 134، و الهداية 4: 12، و شرح فتح القدير 4: 12، و الفتاوى الهندية 2: 53، و تبيين الحقائق 3: 109 و 110، و حلية العلماء 7: 255، و بداية المجتهد 1: 398، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 638، و البحر الزخار 5: 236 و 237.

(5) بداية المجتهد 1: 398، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 638، و حلية العلماء 7: 256، و فتح الباري 11: 542.

125

هذا يمين، و عليه إجماع الفرقة و أخبارهم (1).

مسألة 15 [هل ينعقد بقوله لعمر الله؟]

إذا قال: لعمر الله- و نوى بذلك اليمين- كان يمينا.

و قال أبو حنيفة: يكون يمينا إذا أطلق أو أراد يمينا، و به قال أهل العراق (2).

و اختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أحدهما يكون يمينا إذا أراد يمينا، أو أطلق كما قال أبو حنيفة، و المذهب أنه إذا أطلق، أو لم يرد يمينا لم يكن يمينا، و هذا مثل ما قلناه (3).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (4)، و أيضا فإنه إذا نوى بها اليمين ثبت كونه يمينا بلا خلاف، و إذا لم ينو أو أطلق فليس عليه دليل.

مسألة 16 [هل ينعقد بقوله و حق الله؟]

إذا قال: و حق الله لا يكون يمينا، قصد أو لم يقصد. و به قال أبو حنيفة و محمد (5).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3: 234 حديث 1102، و التهذيب 8: 301 حديث 1119.

(2) المبسوط 8: 132، و بدائع الصنائع 3: 6، و الهداية 4: 14، و شرح فتح القدير 4: 14، و تبيين الحقائق 3: 109، و فتح الباري 11: 547، و المغني لابن قدامة 11: 188، و الشرح الكبير 11: 171، و حلية العلماء 7: 254، و المجموع 18: 38، و نيل الأوطار 9: 128، و البحر الزخار 5: 238.

(3) الام 7: 61، و مختصر المزني: 290، و حلية العلماء 7: 253، و الوجيز 2: 224، و المجموع 18: 38، و المغني لابن قدامة 11: 188، و الشرح الكبير 11: 171، و فتح الباري 11: 547، و عمدة القاري 23: 186، و الجامع لأحكام القرآن 6: 270، و البحر الزخار 5: 238.

(4) قرب الاسناد: 121، و الكافي 7: 449 حديث 2، و من لا يحضره الفقيه 3: 230 حديث 1085.

(5) النتف 1: 379، و اللباب 3: 133، و بدائع الصنائع 3: 7، و الهداية 4: 11، و شرح فتح القدير 4: 11، و الفتاوى الهندية 2: 52، و عمدة القاري 23: 185، و المغني لابن قدامة 11: 187، و الشرح الكبير 11: 167، و الجامع لأحكام القرآن 6: 270، و الحاوي الكبير 15: 275.

126

و قال الشافعي: كانت يمينا من وجهين: إذا أطلق، أو أراد يمينا. و به قال أبو يوسف (1).

دليلنا: أن اليمين حكم شرعي، و لا دليل في الشرعي على أن هذا يمين.

و أيضا الأصل براءة الذمة، فمن أوجب هذا يمينا فعليه الدلالة.

و أيضا فإن حقوق الله هي الأمر و النهي و العبادات كلها، فإذا حلف بذلك كانت يمينا بالمخلوقات، فلم يكن يمينا.

و جعله أصحاب الشافعي يمينا بالعرف، و استعمال الناس من ذلك، و هذا غير مسلم.

و قال أبو جعفر الأسترآبادي: حق الله هو القرآن، لقوله «وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ» (2) يعني القرآن، فكأنه قال: و قرآن الله، و لو قال هذا كان يمينا (3)، و قد بينا أن هذا لا يكون يمينا و لو صرح به (4).

مسألة 17 [هل للنية دخل في انعقاد اليمين]

إذا قال: بالله، أو تالله، أو و الله و نوى بذلك اليمين كان‌

____________

(1) مختصر المزني: 290، و حلية العلماء 7: 249، و الوجيز 2: 224، و السراج الوهاج: 572، و مغني المحتاج 4: 322، و الميزان الكبرى 2: 129، و بدائع الصنائع 3: 7، و الهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 4: 11، و شرح فتح القدير 4: 11، و عمدة القاري 23: 185، و النتف 1: 379، و الفتاوى الهندية 2: 52، و المغني لابن قدامة 11: 187، و الشرح الكبير 11: 167، و الجامع لأحكام القرآن 6: 270، و البحر الزخار 5: 239.

(2) الحاقة: 51.

(3) لم أقف عليه في المصادر المتوفرة.

(4) تقدم بيان ذلك في المسألة (11) من هذا الكتاب فلاحظ.

127

يمينا، و ان لم ينو لم يكن ذلك يمينا، و ان قال ما أردت يمينا، قبل قوله.

و قال الشافعي في قوله «بالله»: ان أطلق أو أراد يمينا فهو يمين، و إن لم يرد يمينا فلا يكون يمينا، لأنه يحتمل بالله أستعين (1).

و إذا قال: «تالله أو و الله» ان أراد يمينا فهو يمين، و ان لم يرد يمينا فليس بيمين، و إذا قال: ما أردت يمينا قبل منه (2).

دليلنا: أن ما قلناه مجمع على كونه يمينا، و ما ذكروه ليس عليه دليل.

و أيضا قوله (عليه السلام) «الأعمال بالنيات» (3) فما تجرد عن النية يجب أن لا يكون يمينا.

مسألة 18: إذا قال: «الله» بكسر الهاء بلا حرف قسم لا يكون يمينا.

و به قال الشافعي، و جميع أصحابه (4) إلا أبا جعفر الأسترآبادي، فإنه قال:

يكون يمينا (5).

دليلنا: أن القسم لا يكون الا بحروف القسم، و هي الباء و الواو و التاء، و ليس هاهنا واحدة منها، و ما قالوه أجازه أهل اللغة على‌

____________

(1) الام 7: 61 و 62، و المجموع 18: 30.

(2) الام 7: 62، و مختصر المزني: 290، و حلية العلماء 7: 252 و 253، و المجموع 18: 30.

(3) صحيح البخاري 1: 2، و صحيح مسلم 3: 1515 حديث 155، و سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، و سنن الترمذي 4: 179 حديث 1647، و سنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 4227، و مسند أحمد بن حنبل 1: 25، و السنن الكبرى 7: 349، و التهذيب 4: 186 حديث 519، و أمالي الطوسي 2: 231 و في الجميع بزيادة «إنما» في أوله فلاحظ.

(4) مختصر المزني: 290، و الوجيز 2: 223، و السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 322 و 323، و المجموع 18: 34 و 35، و الشرح الكبير 11: 177، و المغني لابن قدامة 11: 192.

(5) لم أقف على قول الأسترآبادي هذا في المصادر المتوفرة.

128

الشذوذ (1).

مسألة 19: إذا قال: «أشهد بالله» لا يكون يمينا.

و اختلف أصحاب الشافعي على وجهين:

منهم من قال: إذا أطلق أو أراد يمينا فهي يمين، و به قال أبو حنيفة (2).

و منهم من قال: إذا أطلق لا يكون يمينا (3).

دليلنا: أن هذه لفظة الشهادة، و لفظة الشهادة لا تسمى يمينا في اللغة، فعلى من جعلها يمينا الدلالة.

مسألة 20: إذا قال: «أعزم بالله» لم يكن يمينا،

أطلق ذلك أو أراد يمينا أو لم يرد يمينا.

و قال الشافعي: إن أطلق ذلك أو لم يرد يمينا مثل ما قلناه، و إن أراد يمينا فعلى ما أراده (4).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، و ليس هاهنا دلالة على أن هذا من ألفاظ القسم، فيجب نفي ذلك.

مسألة 21: إذا قال: «أسألك بالله» أو «أقسم عليك بالله»‌

لم يكن‌

____________

(1) انظر المغني لابن قدامة 11: 192، و الشرح الكبير 11: 178، و المجموع 18: 35.

(2) الام 7: 62، و حلية العلماء 7: 256، و المجموع 18: 39، و الوجيز 2: 224، و الميزان الكبرى 2: 129، و النتف 1: 380، و الهداية 4: 12، و شرح فتح القدير 4: 12، و فتح الباري 11: 543، و البحر الزخار 5: 236، و عمدة القارئ 23: 183.

(3) حلية العلماء 7: 256، و المجموع 18: 39، و الوجيز 2: 224، و الميزان الكبرى 2: 129، و فتح الباري 11: 543، و عمدة القاري 23: 183، و البحر الزخار 5: 236.

(4) الام 7: 62، و مختصر المزني: 290، و المجموع 18: 37 و 40.

129

يمينا، سواء أطلق أو أراد اليمين أو لم يرد يمينا.

و قال الشافعي: إن أطلق ذلك أو لم يرد يمينا كما قلناه، و إن أراد اليمين كان كذلك و ينعقد على فعل الغير، فإن أقام الغير عليها لم يحنث، و إن خالف حنث الحالف و لزمته الكفارة (1).

و قال أحمد: الكفارة على المحنث دون الحالف (2).

دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء من أن الأصل براءة الذمة، و إيجاب هذا يمينا يحتاج إلى دليل.

مسألة 22: إذا قال: «علي عهد الله»‌

روى أصحابنا أن ذلك يكون نذرا، فان خالف لزمه ما يلزمه في كفارة النذر هذا إذا نوى ذلك، فان لم ينو ذلك لم يلزمه شي‌ء (3).

و أما إذا قال: «علي ميثاقه و كفالته و أمانته» فلم يرووا فيه شيئا، و يجب أن نقول أنها ليست من ألفاظ اليمين، لأنه لا دليل على ذلك.

و قال الشافعي: إذا أطلق أو لم يرد يمينا لم يكن يمينا، و ان أراد يمينا كان كذلك (4).

____________

(1) الام 7: 62، و حلية العلماء 7: 255، و السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 324، و المجموع 18: 37، و فتح المعين: 152، و الحاوي الكبير 15: 278- 279.

(2) حلية العلماء 7: 255، و الحاوي الكبير 15: 279.

(3) انظر التهذيب 8: 315 حديث 1170.

(4) الام 7: 62، و مختصر المزني: 290، و حلية العلماء 7: 250، و المجموع 18: 23 و 29، و المغني لابن قدامة 11: 198، و الشرح الكبير 11: 167، و عمدة القاري 23: 184، و فتح الباري 11: 545، و شرح فتح القدير 4: 14، و البحر الزخار 5: 237.

130

و قال أبو حنيفة و مالك: يكون إطلاقه يمينا (1).

ثم اختلفوا، فقال الشافعي: إذا حلف بواحدة منها أو بجميعها لزمته كفارة واحدة (2).

و قال مالك: إذا حنث في الكل- مثلا أن يقول: علي عهد الله و ميثاقه و كفالته و أمانته، ثم خالف- لزمه عن كل واحدة كفارة (3).

دليلنا: إجماع الفرقة على ما قلناه أولا، و انه لا دليل على ما قالوه أخيرا، فيجب نفيه، لأن الأصل براءة الذمة.

مسألة 23: إذا قال: «و الله» كانت يمينا إذا أطلق أو أراد اليمين،

و ان لم يرد اليمين لم يكن يمينا عند الله، و يحكم عليه في الظاهر، و لا يقبل قوله: ما أردت اليمين في الحكم. و به قال الشافعي، إلا أنه زاد: و ان لم ينو فإنه يكون يمينا (4).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، و أيضا قوله (عليه السلام) «الأعمال بالنيات» (5) و هذا ما نوى. و أيضا ما اعتبرناه مجمع عليه، و ما قالوه ليس‌

____________

(1) النتف 1: 380، و اللباب 3: 134، و فتح الباري 11: 545، و الهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 4: 14، و شرح فتح القدير 4: 14، و المدونة الكبرى 2: 103 و 104، و المغني لابن قدامة 11: 198، و الشرح الكبير 11: 167، و حلية العلماء 7: 251، و البحر الزخار 5: 237.

(2) حلية العلماء 7: 251، و عمدة القارئ 23: 185.

(3) المدونة الكبرى 2: 103، و بداية المجتهد 1: 407، و أسهل المدارك 2: 30، و حلية العلماء 7: 252، و عمدة القارئ 23: 184.

(4) الأم 7: 62، و مختصر المزني: 289، و حلية العلماء 7: 253.

(5) صحيح البخاري 1: 2، و صحيح مسلم 3: 1515 حديث 155، و مسند أحمد بن حنبل 1: 25، و سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، و سنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 4227، و سنن النسائي 1: 58، و السنن الكبرى 7: 341، و سنن الترمذي 4: 179 حديث 1647، و التهذيب 4: 186 حديث 519، و أمالي الشيخ الطوسي 2: 231 و في بعض ما ذكرناه زيادة «إنما» في أول الحديث.

131

عليه دليل.

و قوله تعالى «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ» (1) يدل على ذلك، لأن العقد لا يكون إلا بالنية.

مسألة 24 [حكم الحلف على ترك الحلي أو لبسها فلبس الخاتم]

إذا حلف لا يتحلى أو لا يلبس الحلي، فلبس الخاتم حنث.

و به قال الشافعي (2).

و قال أبو حنيفة: لا يحنث (3).

دليلنا: أن الخاتم من جملة الحلي الذي يختص بالرجال- كالمنطقة و السوار للنساء- و لو حلف لألبس المنطقة أو لا لبست المرأة السوار حنيث.

مسألة 25: إذا حلفت المرأة لا لبست حليا، فلبست الجوهر وحده حنثت.

و به قال أبو يوسف، و محمد، و الشافعي (4).

و قال أبو حنيفة: لا تحنث (5).

____________

(1) المائدة: 89.

(2) المجموع 18: 79، و المغني لابن قدامة 11: 296، و الشرح الكبير 11: 241، و شرح فتح القدير 4: 97، و الميزان الكبرى 2: 134، و البحر الزخار 5: 247.

(3) الهداية 4: 97، و المبسوط 9: 29، و شرح فتح القدير 4: 97، و تبيين الحقائق 3: 155، و المغني لابن قدامة 11: 296، و الشرح الكبير 11: 241، و الميزان الكبرى 2: 134، و البحر الزخار 5: 247.

(4) المجموع 18: 79، و المبسوط 9: 30، و المغني لابن قدامة 11: 296، و الشرح الكبير 11: 241.

(5) المبسوط 9: 30، و تبيين الحقائق 3: 155، و المغني لابن قدامة 11: 296، و الشرح الكبير 11: 241، و المجموع 18: 79.

132

دليلنا: أن اسم الحلي يتناول اللؤلؤ وحده، قال الله تعالى «وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهٰا» (1) و في موضع آخر «تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً» (2) و معلوم أن الذي يخرج منه هو اللؤلؤ و المرجان.

مسألة 26: لا يدخل الاستثناء بمشية الله إلا في اليمين فحسب.

و به قال مالك (3).

و قال أبو حنيفة: يدخل في اليمين بالله، و بالطلاق و العتاق، و في الطلاق و العتاق، و في النذر، و في الإقرار (4).

دليلنا: أن ما ذكرناه مجمع على دخوله فيه، و ما قالوه ليس عليه دليل.

مسألة 27: الاستثناء بمشية الله في اليمين ليس بواجب، بل هو بالخيار.

و به قال جميع الفقهاء (5).

و حكي عن بعضهم أنه قال: إن الاستثناء واجب، لقوله تعالى «وَ لٰا تَقُولَنَّ لِشَيْ‌ءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ» (6) (7).

____________

(1) النحل: 14.

(2) فاطر: 12.

(3) بداية المجتهد 1: 400، و المغني لابن قدامة 11: 232، و المحلى 8: 47، و عمدة القاري 23: 223، و فتح الباري 11: 603 و 604.

(4) عمدة القاري 23: 223، و شرح فتح القدير 4: 29، و المغني لابن قدامة 11: 232، و بداية المجتهد 1: 401.

(5) المدونة الكبرى 2: 101 و 109، و عمدة القاري 23: 223، و بدائع الصنائع 3: 27، و البحر الزخار 5: 240.

(6) الكهف: 23- 24.

(7) و البحر الزخار 5: 240، و الحاوي الكبير 15: 282.

133

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة من وجوب ذلك، و على من ادعى وجوبه الدلالة.

و أيضا فالنبي (عليه السلام) حلف و استثنى، فقال: «و الله لأغزون قريشا و الله لأغزون قريشا و الله لأغزون قريشا إن شاء الله» (1). و حلف و ترك الاستثناء، فإنه آلى من نسائه شهرا.

مسألة 28: لا حكم للاستثناء إلا إذا كان متصلا بالكلام أو في حكم المتصل،

فأما إذا انفصل منه فلا حكم له، سواء كان في المجلس أو بعد انصرافه. و به قال جميع الفقهاء (2).

و قال عطاء و الحسن: له أن يستثني ما دام في المجلس، فان فارقه بطل حكم الاستثناء (3).

و عن ابن عباس روايتان:

إحداهما: له أن يستثني أبدا، حتى أنه لو حلف و هو صغير ثم استثنى و هو‌

____________

(1) سنن أبي داود 3: 231 حديث 3285، و المعجم الكبير للطبراني 11: 282 حديث 11742، و السنن الكبرى 10: 47 و 48، و نصب الراية 3: 302، و تلخيص الحبير 4: 166 حديث 2033، و مجمع الزوائد 4: 182.

(2) الأم 7: 62 و مختصر المزني: 290 و المدونة الكبرى 2: 109، و بداية المجتهد 1: 399، و أسهل المدارك 2: 27 و أحكام القرآن لابن العربي 2: 641، و فتح الرحيم 2: 20، و الموطأ 2: 477، و الجامع لأحكام القرآن 6: 272، و المحلى 8: 45، و عمدة القاري 23: 223، و فتح الباري 11: 602، و المبسوط 8: 143، و الهداية 4: 28، و شرح فتح القدير 4: 28، و تبيين الحقائق 3: 115، و المغني لابن قدامة 11: 227، و نيل الأوطار 9: 114.

(3) عمدة القاري 23: 223، و فتح الباري 11: 603، و المحلى 8: 46، و المغني لابن قدامة 11: 229، و نيل الأوطار 9: 114، و البحر الزخار 5: 240.

134

كبير جاز.

و الثانية: له أن يستثني إلى حين، و الحين سنة (1).

دليلنا: أن ما اعتبرناه مجمع على صحته، و ما ادعوه ليس على صحته دليل. و أيضا: روي عن النبي (عليه السلام) أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت بالذي هو خير و ليكفر عن يمينه» (2) و لو كان الاستثناء يعمل أبدا لأغناه الاستثناء عن الكفارة فإنه أسهل، فلما خلصه بالكفارة ثبت أنه لا يتخلص بالاستثناء.

مسألة 29 [معنى لغو اليمين]

لغو اليمين هو: أن يسبق اليمين إلى لسانه، و لا يعتقدها بقلبه، كأنه أراد أن يقول «بلى و الله» فسبق لسانه فقال «لا و الله» ثم استدركه فقال «بلى و الله» فالأولى لغو و لا كفارة فيها. و به قال الشافعي (3).

و قال أبو حنيفة: فيها الكفارة، و الثانية منعقدة (4).

____________

(1) المحلى 8: 46، و المبسوط 8: 143، و عمدة القاري 23: 223، و فتح الباري 11: 603، و تبيين الحقائق 3: 116، و المغني لابن قدامة 11: 229، و بداية المجتهد 1: 399، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 641، و الجامع لأحكام القرآن 6: 273، و نيل الأوطار 9: 114، و الحاوي الكبير 15: 282.

(2) الموطأ 2: 478 حديث 11، و السنن الكبرى 10: 31، و أحكام القرآن لابن العربي 1: 175، و تلخيص الحبير 4: 170 حديث 2050.

(3) الام 7: 63، و مسند الشافعي 2: 74، و مختصر المزني: 290، و حلية العلماء 7: 243، و السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 324، و المجموع 18: 7، و كفاية الأخيار 2: 153، و الوجيز 2: 223، و الميزان الكبرى 2: 130، و المبسوط 8: 129، و بدائع الصنائع 3: 3، و فتح الباري 11: 547، و عمدة القاري 23: 163، و بداية المجتهد 1: 395، و أحكام القرآن لابن العربي 1: 176، و المحلى 8: 34، و الحاوي الكبير 15: 288.

(4) حلية العلماء 7: 243، و بداية المجتهد 1: 395.

135

و قال مالك: لغو اليمين: يمين الغموس، و هو ما ذكرناه: أن يحلف على ماض قاصدا للكذب فيها (1).

و قال أبو حنيفة: لغو اليمين ما كانت على ماض لكنه حلف، لقد كان معتقدا انه على ما حلف، أو حلف ما كان كذا انه على ما حلف، ثم بان أن الأمر خلاف ما حلف عليه، فكأنه حلف على مبلغ علمه، فبان ضد ما حلف عليه، هذه لغو اليمين عنده، و لا كفارة فيها (2).

و عند الشافعي هذه على قولين على ما مضى (3).

دليلنا: قوله تعالى «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ» (4) و ما لا يؤاخذ به ما قلناه.

و روى عطاء (5) عن عائشة: أن النبي (عليه السلام) قال: «لغو اليمين قول الرجل في بيته كلا و الله و بلى و الله» (6).

و روى عطاء أنه قال: ذهبت أنا و عبيد بن عمير (7) إلى عائشة و هي‌

____________

(1) المدونة الكبرى 2: 100، و بداية المجتهد 1: 396، و فتح الرحيم 2: 20، و أسهل المدارك 2: 19، و حلية العلماء 7: 244 و 245، و المجموع 18: 13، و الحاوي الكبير 15: 288.

(2) اللباب 3: 131، و بدائع الصنائع 3: 3، و عمدة القاري 23: 163، و فتح الباري 11: 547، و الهداية 4: 5، و شرح فتح القدير 4: 5، و الفتاوى الهندية 2: 52، و تبيين الحقائق 3: 107، و المحلى 8: 34، و بداية المجتهد 1: 395، و المغني لابن قدامة 11: 182، و البحر الزخار 5: 233، و الميزان الكبرى 2: 130.

(3) البحر الزخار 5: 233، و الحاوي الكبير 15: 267.

(4) البقرة: 225 و المائدة: 89.

(5) هو عطاء بن أبي رباح، تقدمت ترجمته في الجزء الأول: 66 من هذا الكتاب.

(6) سنن أبي داود 3: 223 حديث 3254، و السنن الكبرى 10: 49، و المحلى 8: 34 و 35، و عمدة القاري 23: 187، و فتح الباري 11: 548، و نيل الأوطار 9: 133.

(7) عبيد بن عمير بن قتادة بن سعيد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي ثم الجندعي، أبو عاصم المكي، روى عن أبيه و عمر و علي و أبي بن كعب و عائشة و جماعة، و عنه ابنه عبد الله و عطاء و مجاهد و غيرهم، مات سنة 68 هجرية. تهذيب التهذيب 7: 71.

136

معتكفة في بيتها نسألها عن قوله تعالى «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ» (1) فقالت: «هو لا و الله، و بالله لا يقصدها بقلبه» (2).

و عن ابن عباس نحوه، و لا مخالف لهما (3)، و على هذا إجماع الفرقة و أخبارهم (4).

فأما وجوب الكفارة فالذي يدل على نفيها أن الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج الى دليل.

مسألة 30 [حكم المخالفة لليمين عامدا أو ناسيا]

إذا حلف على أمر مستقبل أن يفعل أو لا يفعل، ثم خالفه عامدا، كان عليه الكفارة بلا خلاف، و ان خالفه ناسيا، لم يجب عليه عندنا الكفارة. و للشافعي فيه قولان:

أحدهما: مثل ما قلناه، و الثاني: عليه الكفارة (5).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة و شغلها يحتاج إلى دليل. و أيضا روي عن النبي (عليه السلام) أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا»‌

____________

(1) البقرة: 225، و المائدة: 89.

(2) السنن الكبرى 10: 49، و المحلى 8: 34.

(3) السنن الكبرى 10: 49، و المحلى 8: 34، و فتح الباري 11: 548، و المجموع 18: 7، و كفاية الأخيار 2: 154.

(4) الكافي 7: 443 حديث 1، و دعائم الإسلام 2: 95 حديث 300، و من لا يحضره الفقيه 3: 228 حديث 1076، و التهذيب 8: 280 حديث 1023.

(5) حلية العلماء 7: 245، و المجموع 18: 12، و الهداية 4: 6 و 7، و المغني لابن قدامة 11: 242، و بداية المجتهد 1: 402.

137

عليه» (1) و هذا نسيان.

مسألة 31: لا يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث أصلا،

و ان أخرجها لم تجزه.

و قال الشافعي: تجزيه قبل الحنث إلا الصوم فإنه لا يجزيه، لأنه من عبادة الأبدان (2). و به قال عمر، و ابن عمر، و ابن عباس، و عائشة، و الحسن البصري، و ابن سيرين، و مالك، و الأوزاعي، و الليث بن سعد، و أحمد، و إسحاق (3). و زاد مالك فقال: يجوز تقديم الصيام على الحنث (4).

و قال أبو حنيفة و أصحابه: كفارة اليمين تجب بسبب واحد و هو الحنث‌

____________

(1) طبقات الشافعية الكبرى 3: 25، و سنن الدارقطني 4: 170 حديث 33، و السنن الكبرى 7: 356، و نيل الأوطار 7: 22، و فتح الباري 9: 390، و سنن ابن ماجة 1: 659 حديث 2045، و سبل السلام 3: 1089، و في بعض المصادر المذكورة تفاوت يسير في اللفظ.

(2) الام 7: 63، و مختصر المزني: 291، و الوجيز 2: 225، و حلية العلماء 7: 305- 306، و المجموع 18: 113 و 115 و 116، و السراج الوهاج: 573، و مغني المحتاج 4: 326، و الميزان الكبرى 2: 130، و المغني لابن قدامة 11: 224، و الشرح الكبير 11: 199، و المحلى 8: 65، و المبسوط 8: 147، و عمدة القاري 23: 225، و فتح الباري 11: 609، و بدائع الصنائع 3: 19، و الهداية المطبوع مع شرح فتح القدير 4: 20، و شرح فتح القدير 4: 20، و تبيين الحقائق 3: 113، و بداية المجتهد 1: 406، و أسهل المدارك 2: 31، و الجامع لأحكام القرآن 6: 275، و البحر الزخار 5: 260.

(3) المدونة الكبرى 2: 102 و 103 و 117، و بداية المجتهد 1: 406، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 643، و الجامع لأحكام القرآن 6: 275، و المغني لابن قدامة 11: 223 و 224، و الشرح الكبير 11: 199، و المحلى 8: 65، و عمدة القاري 23: 225، و فتح الباري 11: 609.

(4) المحلى 8: 65، و المغني لابن قدامة 11: 223، و حلية العلماء 7: 306، و الميزان الكبرى 2: 130.

138

و أما عقد اليمين فليس بسبب هذا، فاذا ثبت هذا فلا يجوز تقديمها قبل وجوبها بحال، بالمال و لا بغير المال، فأجاز أبو حنيفة تقديم الزكاة على وجوبها، و لم يجوز تقديم الكفارة قبل وجوبها (1).

و أجاز مالك تقديمها قبل الحنث، و لم يجوز تقديم الزكاة قبل وجوبها (2).

و أجاز الشافعي التقديم فيهما (3).

و عندنا لا يجوز فيهما.

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (4) و أيضا فالكفارة إذا وجبت لا تبرأ الذمة منها بيقين إلا إذا أخرجها بعد الحنث، فأما إذا أخرجها قبله فلا دلالة على براءة الذمة.

و روى أبو هريرة أن النبي (عليه السلام) قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير و ليكفر عن اليمين» (5) فأمره‌

____________

(1) المبسوط 8: 147، و بدائع الصنائع 3: 19، و عمدة القاري 23: 225، و اللباب 3: 135، و الهداية 4: 20، و شرح فتح القدير 4: 20، و تبيين الحقائق 3: 113، و المحلى 8: 65، و بداية المجتهد 1: 406، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 643، و الجامع لأحكام القرآن 6: 275، و أسهل المدارك 2: 31، و المغني لابن قدامة 11: 224، و الشرح الكبير 11: 199، و حلية العلماء 7: 305، و الوجيز 2: 225، و الميزان الكبرى 2: 130، و البحر الزخار 5: 260.

(2) المدونة الكبرى 1: 284 و 2: 117، و المغني لابن قدامة 2: 495، و 11: 223، و بداية المجتهد 1: 266 و 406. و قد تقدم بيان هذه المسألة و آراء الفقهاء فيها في كتاب الزكاة (مسألة 46) فلاحظ.

(3) حلية العلماء 7: 305، و بداية المجتهد 1: 406.

(4) من لا يحضره الفقيه 3: 234 حديث 1104، و التهذيب 8: 299 حديث 1106، و الاستبصار 4: 44 حديث 152.

(5) الموطأ 2: 478 حديث 11، و مسند أحمد بن حنبل 2: 361 و 4: 258 و 259، و السنن الكبرى 9: 232 و 10: 32، و فتح الباري 11: 461، و صحيح مسلم 3: 1271 و 1272 حديث 11- 13، و سنن الترمذي 4: 107 حديث 1530، و سنن ابن ماجة 1: 681 حديث 2108، و سنن النسائي 7: 10.

139

بالتأخير عن الحنث.

و في بعضها «ثم ليكفر عن يمينه» بلفظ ثم، و هذا نص.

مسألة 32 [بطلان اليمين بالطلاق]

إذا قال لزوجته: ان لم أتزوج عليك فأنت طالق، فإنها لا تطلق، تزوج عليها أو لم يتزوج، و سواء تزوج عليها بنظيرتها، أو بمن فوقها، أو دونها.

و قال الشافعي: إذا تزوج بر في يمينه بنفس العقد، دخل بها أو لم يدخل، و ان لم يتزوج فهي تطلق على كل حال (1).

و قال مالك: ان تزوج بمثلها أو فوقها و دخل بها بر في يمينه، و ان لم يدخل بها لم يبر في يمينه، و ان تزوج بمن هي دونها في المنزلة أو الوحشة لم يبر في يمينه، لأنه قصد مغايظتها بذلك و انما تغتاظ بالنظير، فأما من هو دونها فهذه شماتة (2).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (3) على أن الطلاق بشرط لا يقع، و ان اليمين بالطلاق باطلة، و لو كان ذلك جائزا لوجب أن يبر في يمينه متى تزوج، و ان كانت دونها أو وحشة لأن الاسم قد وجد، و الشرط قد حصل.

مسألة 33: إذا مات و عليه صيام، صام عنه وليه.

و به قال مالك‌

____________

(1) حلية العلماء 7: 289، و المجموع 18: 94، و الحاوي الكبير 15: 297.

(2) حلية العلماء 7: 289، و الميزان الكبرى 2: 130، و الحاوي الكبير 15: 297.

(3) تفسير العياشي 1: 73 حديث 148، و التهذيب 8: 287 حديث 1058.

140

و الشافعي في القديم (1).

و قال في الجديد: لا يصوم عنه وليه. و به قال أهل العراق (2).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (3)، و روى عروة، عن عائشة: أن النبي (عليه السلام) قال: «من مات و عليه صيام صام عنه وليه» (4).

مسألة 34 [حكم شراء ما أعطاه للمسكين من كفارة و نحوها]

إذا أعطى مسكينا من كفارته، أو من زكاة ماله، أو فطرته، فالمستحب أن لا يشتري ذلك ممن أعطاه، و ليس بمحظور. و به قال أبو حنيفة و الشافعي (5).

و قال مالك: لا يجوز شراؤه و لا تملكه (6).

دليلنا: قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (7) و لم يفرق.

مسألة 35 [الكسوة و بيان أقل ما يجزي منها]

أقل ما يجزي من الكسوة ثوبان: قميص و سراويل، أو قميص و منديل، أو قميص و مقنعة، و ثوب واحد لا يجزي.

____________

(1) حلية العلماء 3: 208، و الوجيز 1: 105 و 2: 226، و فتح العزيز 6: 463، و المجموع 6: 367 و 368.

(2) المصادر المتقدمة.

(3) الكافي 4: 123 حديث 3، و من لا يحضره الفقيه 2: 98 حديث 439.

(4) صحيح البخاري 3: 46، و صحيح مسلم 2: 803 حديث 153، و سنن أبي داود 2: 315 حديث 2400، و سنن الدارقطني 2: 195 حديث 80، و مسند أحمد بن حنبل 6: 69، و السنن الكبرى 4: 255، و 6: 279، و مجمع الزوائد 3: 179، و فتح الباري 4: 192، و نصب الراية 2: 464.

(5) المجموع 6: 241، و الحاوي الكبير 15: 314.

(6) المدونة الكبرى 1: 339، و الحاوي الكبير 15: 314.

(7) البقرة: 275.

141

و قال الشافعي: يجزي قميص أو سراويل أو مقنعة أو منديل للرجال و النساء (1).

و قال مالك: ان اعطي رجلا فكما قال الشافعي، و ان اعطي امرأة لا يجزي إلا ما يجوز لها الصلاة فيه، و هو ثوبان: قميص و مقنعة (2).

و قال أبو يوسف: السراويل لا يجزي (3).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (4)، و طريقة الاحتياط توجب ذلك، لأنه تبرأ معه الذمة بيقين بلا خلاف.

مسألة 36 [عدم كفاية القلنسوة و الخف عن الكسوة]

إذا أعطى الفقير قلنسوة أو خفا لم يجزه.

و للشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، و الثاني: يجزيه. ذكره أبو إسحاق (5).

____________

(1) الأم 7: 65، و مختصر المزني: 292، و الوجيز 2: 225، و حلية العلماء 7: 308، و المجموع 18: 119 و 121، و السراج الوهاج: 574، و مغني المحتاج 4: 327، و كفاية الأخيار 2: 155، و بداية المجتهد 1: 405، و الجامع لأحكام القرآن 6: 279، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 647، و المغني لابن قدامة 11: 262، و المحلى 8: 74، و البحر الزخار 5: 262.

(2) المدونة الكبرى 2: 123، و الموطأ 2: 480، و بداية المجتهد 1: 405، و الجامع لأحكام القرآن 6: 279، و أسهل المدارك 2: 29، و فتح الرحيم 2: 20 و 22، و أحكام القرآن لابن العربي 2: 647، و المغني لابن قدامة 11: 261، و المحلى 8: 74، و البحر الزخار 5: 262، و الشرح الكبير 11: 197، و المجموع 18: 121.

(3) المبسوط 8: 153، و الهداية 4: 19، و شرح فتح القدير 4: 19، و الفتاوى الهندية 2: 61، و المغني لابن قدامة 11: 261، و الشرح الكبير 11: 197، و بداية المجتهد 1: 405، و المجموع 18: 121.

(4) الكافي 7: 451- 452 حديث 1 و 3 و 5، و التهذيب 8: 295 حديث 1091- 1092، و الاستبصار 4: 51 حديث 174- 175.

(5) حلية العلماء 7: 308، و الوجيز 2: 225، و كفاية الأخيار 2: 155، و المجموع 18: 119 و 120.

142

دليلنا: طريقة الاحتياط، و أيضا قوله تعالى «أَوْ كِسْوَتُهُمْ» (1) و من أعطى غيره قلنسوة لا يقال كساه.

مسألة 37: صوم الثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابع،

لا يجوز التفريق فيه.

و للشافعي فيه قولان:

أحدهما: مثل ما قلناه، ذكره في الصوم، و به قال أبو حنيفة و أصحابه، و اختاره المزني (2).

و القول الآخر: هو بالخيار ان شاء تابع و ان شاء فرق. و به قال الحسن البصري، و عطاء، و مالك (3).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (4)، و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا تابع فلا خلاف أن الفرض سقط عنه، و إذا فرق فليس على براءة ذمته دليل.

____________

(1) المائدة: 89.

(2) الأم 7: 66، و مختصر المزني: 293، و حلية العلماء 7: 309، و المجموع 18: 122، و السراج الوهاج: 574، و مغني المحتاج 4: 328، و المبسوط 8: 155، و تفسير الرازي 12: 77، و الكشاف 1: 673، و الجامع لأحكام القرآن 6: 283، و المحلى 8: 75، و بداية المجتهد 1: 405، و البحر الزخار 5: 266، و الحاوي الكبير 15: 329.

(3) الام 7: 66، و مختصر المزني: 293، و حلية العلماء 7: 309، و المجموع 18: 122، و السراج الوهاج: 574، و مغني المحتاج 4: 328، و المدونة الكبرى 2: 122، و المحلى 8: 75، و بداية المجتهد 1: 405، و تفسير الرازي 12: 77، و الجامع لأحكام القرآن 6: 283، و الحاوي الكبير 15: 329.

(4) الكافي 7: 452- 453 حديث 3 و 8، و من لا يحضره الفقيه 3: 229 حديث 1082، و التهذيب 8: 295 حديث 1092.

143

و روي في قراءة ابن مسعود «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ» (1) متتابعات (2)، و في قراءة أبي: «ثلاثة أيام» متتابعة (3) و أقل ما في هاتين القراءتين أن تكونا بمنزلة خبر الواحد، فوجب العمل بها عند المخالف.

مسألة 38: فرض العبد في كفارة الحنث‌

الصيام دون العتق، و الإطعام، و الكسوة إجماعا.

و عندنا أن فرضه شهر واحد فيما يجب فيه شهران متتابعان، و في كفارة اليمين ثلاثة أيام مثل الحر سواء.

و قال جميع الفقهاء: فرضه فرض الحر في كل موضع (4).

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم (5)، و لأن الأصل براءة الذمة، و ما اعتبرناه مجمع عليه، و ما قالوه ليس عليه دليل.

مسألة 39: إذا كان في دار، فحلف لا سكنت هذه الدار،

فأقام عقيب‌

____________

(1) المائدة: 89.

(2) تفسير الرازي 12: 77، و الكشاف 1: 673، و الجامع لأحكام القرآن 6: 283، و المحلى 8: 75، و بداية المجتهد 1: 405، و الهداية 4: 18، و شرح فتح القدير 4: 18، و نصب الراية 3: 296، و كفاية الأخيار 2: 155.

(3) قال الرازي في تفسيره الكبير 12: 77 ما لفظه: روي في قراءة أبي بن كعب و ابن مسعود فصوم ثلاثة أيام متتابعات و قراءتهما لا تختلف عن روايتهما، و حكاه الزمخشري في الكشاف 1: 673 (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).

(4) المغني لابن قدامة 11: 283، و الشرح الكبير 11: 204، و المحلى 8: 49، و شرح فتح القدير 4: 18، و حلية العلماء 7: 309، و السراج الوهاج: 574، و مغني المحتاج 4: 328.

(5) الكافي 6: 156- 157 حديث 13- 15، و من لا يحضره الفقيه 3: 346 حديث 1661، و التهذيب 8: 24 حديث 79.

144

يمينه مدة يمكنه الخروج منها فلم يفعل، حنث. و به قال الشافعي (1).

و قال مالك: ان أقام يوما و ليلة حنث، و ان أقام أقل من ذلك لم يحنث (2).

دليلنا: ان اليمين إذا علقت بالفعل تعلقت بأقل ما يقع عليه الاسم من ذلك، كرجل حلف لا دخلت الدار حنث بأقل ما يقع عليه اسم الدخول، و هو إذا عبر العتبة، و لو حلف لأدخلن الدار بر بأقل ما يقع عليه اسم الدخول، و ان لم يدخل الى جوف الدار.

مسألة 40 [البر باليمين بالخروج منها بلا فصل]

إذا كان في دار، فحلف لا سكنت هذه الدار، ثم خرج عقيب اليمين بلا فصل بر في يمينه، و لم يحنث. و به قال جميع الفقهاء (3).

و قال زفر: يحنث و لا طريق له الى البر، لأنه يحنث باستدامة السكنى و خروجه منها عقيب يمينه سكون فيها، فوجب أن يحنث (4).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة و لا دليل على شغلها بشي‌ء بهذه اليمين.

و أيضا إذا لم يتشاغل عقيب يمينه بغير الخروج منها لا يقال أنه ساكن فيها،

____________

(1) الام 7: 71، و مختصر المزني: 293، و الوجيز 2: 226، و المجموع 18: 44، و المغني لابن قدامة 11: 286 و 287، و الشرح الكبير 11: 272 و 273.

(2) حلية العلماء 7: 258، و المجموع 18: 44، و المغني لابن قدامة 11: 287، و الشرح الكبير 11: 273، و البحر الزخار 5: 246.

(3) المدونة الكبرى 2: 132، و مختصر المزني: 293، و حلية العلماء 7: 257، و السراج الوهاج:

575، و مغني المحتاج 4: 329، و المجموع 18: 44، و المبسوط 8: 162، و الهداية 4: 35، و الفتاوى الهندية 2: 74، و المغني لابن قدامة 11: 286، و الشرح الكبير 11: 272.

(4) المبسوط 8: 162، و الهداية 4: 35، و بدائع الصنائع 3: 72، و حلية العلماء 7: 258، و المجموع 18: 44، و المغني لابن قدامة 11: 287، و الشرح الكبير 11: 273، و البحر الزخار 5: 246.

145

و كذلك لو كان في دار مغصوبة، فلما عرف ذلك لم يتشاغل بغير الخروج لم يأثم، لأنه تارك.

مسألة 41 [لو أقام فيها لا للسكنى بل لنقل المتاع و الولد]

إذا كان فيها، فحلف لا سكنت هذه الدار، ثم أقام عقيب يمينه لا للسكنى لكن لنقل الرحل و المال و الولد لم يحنث. و به قال أبو حنيفة (1).

و قال الشافعي: يحنث (2).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج الى دليل، و أيضا فالاعتبار بالسكنى إلى العادة، و من كان يجمع رحله و ماله و أهله للانتقال لا يقال أنه ساكن في الدار، فمن قال أنه ساكن بذلك فقد ترك العرف.

مسألة 42: إذا كان فيها، فحلف لا سكنت هذه الدار، و انتقل بنفسه‌

بر في يمينه و إن لم ينقل العيال و المال. و به قال الشافعي (3).

و قال مالك: السكنى بنفسه و بالعيال دون المال (4).

____________

(1) بدائع الصنائع 3: 36، و الفتاوى الهندية 2: 74، و المجموع 18: 44، و الوجيز 2: 226، و المغني لابن قدامة 11: 287، و الشرح الكبير 11: 273.

(2) المجموع 18: 44، و مغني المحتاج 4: 329، و السراج الوهاج: 575، و الوجيز 2: 226، و المغني لابن قدامة 11: 287، و الشرح الكبير 11: 273.

(3) الام 7: 72، و مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 257، و المجموع 18: 44، و الوجيز 2: 226، و المبسوط 8: 162، و بدائع الصنائع 3: 72، و المغني لابن قدامة 11: 287، و الشرح الكبير 11: 274، و البحر الزخار 5: 246.

(4) حلية العلماء 7: 258، و المغني لابن قدامة 11: 287، و الشرح الكبير 11: 274، و المجموع 18: 45.

146

و قال أبو حنيفة: بنفسه و بالعيال و المال معا (1).

و قال محمد: ان بقي من ماله ما يمكن سكنى الدار معه فما نقل المال، و ان بقي ما لا يمكن سكنى الدار معه فقد نقل المال و بر في يمينه (2).

دليلنا: أنه أضاف السكنى الى نفسه، فلما خرج منها، خرج من أن يكون ساكنا فيها، و من ادعى أن عياله أو ماله يكون سكنى فعليه الدلالة، و الأصل براءة الذمة.

و أيضا قوله تعالى «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهٰا مَتٰاعٌ لَكُمْ» (3) فقد أخبر أن من ترك المتاع و خرج عنها يقال غير مسكونة، و عند أبي حنيفة أن هذه مسكونة (4).

و قال الله تعالى «رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» (5) و منه دليلان:

أحدهما: أنه أسكن زوجته و ولده في المكان، فقال: أسكنتهم في المكان و ان لم يكن ساكنا معهم.

و الثاني: قال أسكنت و لم يسكن هو معهم، ثبت أنه ساكن في مكان‌

____________

(1) المبسوط 8: 162، و الهداية 4: 36، و شرح فتح القدير 4: 36 و 37، و اللباب 3: 150، و بدائع الصنائع 3: 72، و تبيين الحقائق 3: 119 و 120، و الفتاوى الهندية 2: 74، و حلية العلماء 7: 258، و المجموع 18: 44، و البحر الزخار 5: 246.

(2) الهداية 4: 37، و شرح فتح القدير 4: 37، و الفتاوى الهندية 2: 74، و تبيين الحقائق 3: 120، و حلية العلماء 7: 258.

(3) النور: 29.

(4) الفتاوى الهندية 2: 74، و المجموع 18: 44.

(5) إبراهيم: 37.

147

آخر و ان كان ولده و عياله في غير ذلك المكان، و الأول أوضح.

مسألة 43: إذا حلف لا يدخل دارا، فصعد سطحا، لم يحنث به.

قال الشافعي (1).

و اختلف أصحابه على طريقين: منهم من قال ان لم يكن السطح محجرا لم يحنث وجها واحدا. و ان كان محجرا فعلى وجهين (2).

و قال أبو حنيفة: يحنث بكل حال (3).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج الى دليل.

و أيضا فالسطح حاجز كالحائط، و لو وقف على نفس الحائط فلا خلاف أنه لا يحنث، فالسطح مثله.

و أيضا فلا خلاف أنه لو حلف لا يدخل بيتا، فدخل غرفة فوقه لا يحنث، فالسطح مثله.

و أيضا فإذا وقف على السطح لا يقال دخل الدار، بل يقال وقف على سطحها و لم يدخلها، فاذا انتفى عنه دخولها لم يحنث.

____________

(1) الام 7: 73، و مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 260، و الوجيز 2: 226، و المجموع 18: 48، و الميزان الكبرى 2: 131، و السراج الوهاج: 576، و مغني المحتاج 4: 332، و الشرح الكبير 11: 245، و البحر الزخار 5: 246.

(2) حلية العلماء 7: 260، و المجموع 18: 48.

(3) النتف 1: 404، و الهداية 4: 33، و شرح فتح القدير 4: 33، و اللباب 3: 144، و المبسوط 8: 172، و الفتاوى الهندية 2: 68 و 69، و بدائع الصنائع 3: 36، و تبيين الحقائق 3: 118، و حلية العلماء 7: 260، و المجموع 18: 48، و الميزان الكبرى 2: 131، و الشرح الكبير 11: 245، و البحر الزخار 5: 246.

148

مسألة 44: إذا كان في دار، فحلف لا دخلها لم يحنث باستدامة قعوده فيها.

و للشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، و هو الأقيس عندهم.

و الثاني يحنث بالاستدامة كالسكنى و المساكنة و الركوب و اللباس فإنه يقع على الاستدامة و الابتداء (1).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج إلى دليل.

و أيضا فإنه لا يقال دخلتها شهرا، و انما يقال دخلتها منذ شهر، و فارق بذلك السكنى و المساكنة و الركوب و اللباس فان الاسم يقع على الابتداء و الاستدامة.

مسألة 45: إذا حلف لا دخلت بيتا، فدخل بيتا من شعر‌

أو وبر أو بيتا من حجر أو مدر فإنه يحنث، و هو ظاهر كلام الشافعي، و إليه ذهب أبو إسحاق و غيره (2).

و في أصحابه من قال: ان كان بدويا يحنث، سواء دخل بيت البادية أو البلدان، و ان كان قرويا نظرت، فان دخل بيوت البلدان حنث وجها واحدا، و إن دخل بيوت البادية فعلى وجهين (3).

____________

(1) مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 259، و الوجيز 2: 226، و مغني المحتاج 4: 330 و 331، و السراج الوهاج: 575، و المجموع 18: 42 و 45 و 46، و الشرح الكبير 11: 270- 272، و المغني لابن قدامة 11: 296.

(2) الام 7: 72، و مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 264، و المجموع 18: 51 و 52، و الميزان الكبرى 2: 131، و الوجيز 2: 226، و السراج الوهاج: 577، و مغني المحتاج 4: 334، و النتف 1: 402.

(3) مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 264، و الوجيز 2: 226، و المجموع 18: 51 و 52.

149

دليلنا: أن الاسم يتناول هذه الأبيات، قال الله تعالى «وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعٰامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهٰا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقٰامَتِكُمْ» (1) فسماها بيوتا.

مسألة 46: إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد، فاشترى زيد و عمرو‌

طعاما صفقة واحدة، فأكل منه، لم يحنث عندنا و عند الشافعي (2).

و قال أبو حنيفة: يحنث، لأنهما إذا اشترياه معا فكل واحد منهما قد اشترى نصفه، بدليل أن على كل واحد منهما ثمن نصفه، فاذا كان لزيد نصفه فقد أكل من طعام اشتراه زيد، فوجب أن يحنث، كما لو حلف لا آكل رغيف زيد فأطبق عليه رغيف عمرو فأكلهما حنث، لأنه قد أكل رغيف زيد و ان كان مع رغيف عمرو، فكذلك هاهنا قد أكل من طعام اشتراه زيد و ان كان مع غيره (3).

دليلنا: أن قوله طعام اشتراه زيد كناية راجعة إلى طعام انفرد زيد بشرائه، و ليس فيه جزء و لا ذرة يشار إليه أن زيدا انفرد بشرائه، بدليل انه لو أشار الى حبة منه فقال: هذه اشتراها زيد؟ قالوا: لا، و انما اشتراها زيد و عمرو، فهو كما لو حلف لا لبست ثوب زيد فلبس ثوبا لزيد و عمرو، أو‌

____________

(1) النحل: 80.

(2) الام 7: 72، و مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 297، و الوجيز 2: 228، و المجموع 18: 101 و 105، و السراج الوهاج: 582، و مغني المحتاج 4: 352، و المغني لابن قدامة 11: 297، و البحر الزخار 5: 245.

(3) المبسوط 8: 180، و بدائع الصنائع 3: 57، و الفتاوى الهندية 2: 89، و المغني لابن قدامة 11: 297، و حلية العلماء 7: 297، و المجموع 18: 105، و البحر الزخار 5: 245.

150

قال: لا دخلت دار زيد فدخل دار زيد و عمرو، لم يحنث. و يفارق الرغيفين لأن كل واحد يشار إليه أنه لزيد و الآخر لعمرو، و لهذا حنث، و هذا قوي.

مسألة 47 [الحنث بالأكل من نصيب زيد بعد القسمة]

إذا اقتسما هذا الطعام، و أفرد كل واحد منهما نصيبه، فإن أكل من نصيب زيد أو نصيب عمرو لم يحنث أيضا عند الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: إن أكل من نصيب زيد حنث، و ان أكل من نصيب عمرو لم يحنث (2).

و دليلهم ما مضى.

مسألة 48 [لو أكل الحالف من طعام زيد المخلوط بغيره]

إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد، فاشترى زيد طعاما وحده، و اشترى عمرو طعاما وحده، و خلطاهما معا فأكل الحالف منه، ففيه لأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه.

قال أبو سعيد الإصطخري: إن أكل النصف فما دونه لم يحنث، و ان زاد على النصف حنث، لأنه لا يقطع على أنه أكل من طعام انفرد زيد بشرائه حتى يزيد على النصف (3).

و قال ابن أبي هريرة: لا يحنث و ان أكله كله (4).

و قال أبو إسحاق: ان أكل حبة أو حبتين و نحوهما لم يحنث، و ان أكل كفا منه حنث (5).

____________

(1) الام 7: 72.

(2) انظر المبسوط 8: 180.

(3) حلية العلماء 7: 297، و البحر الزخار 5: 245، و المجموع 18: 101.

(4) حلية العلماء 7: 297، و المجموع 18: 101، و السراج الوهاج: 582، و مغني المحتاج 4: 352.

(5) حلية العلماء 7: 297، و المجموع 18: 101.

151

و الأقوى عندي مذهب الإصطخري.

و الدليل على ذلك أن الأصل براءة الذمة، و ليس يحصل القطع على انه أكل من طعام انفرد بشرائه زيد إلا بعد الزيادة على النصف، فوجب ان لا تشغل ذمته بالمجوز.

مسألة 49 [حكم تعليق اليمين بمعين ثم يزول المضاف إليه]

إذا حلف لا دخلت دار زيد هذه، أو لا كلمت عبد زيد هذا، أو لا كلمت زوجة زيد، لم يتعلق اليمين بغير ما علق اليمين به، فان دخلها و ملكها لزيد حنث بلا خلاف، و إن زال ملكه عنها فدخلها بعد ذلك لم يحنث عندنا، و به قال أبو يوسف و أبو حنيفة إلا في الزوجة (1).

و قال الشافعي، و مالك، و محمد بن الحسن، و زفر: أنه يحنث على كل الأحوال، و لا تنحل اليمين بزوال المضاف اليه (2).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة و شغلها يحتاج الى دليل.

و أيضا فإذا دخل هذه الدار بعد خروجها عن ملك زيد لا يقال دخل دار زيد، فوجب أن لا يحنث، لأن اليمين متعلقة بالاسم، فاذا زال الاسم وجب أن يزول الحنث.

____________

(1) المبسوط 8: 165، و النتف 1: 402، و اللباب 3: 140، و بدائع الصنائع 3: 79، و شرح فتح القدير 4: 69 و 70، و المغني لابن قدامة 11: 313، و الشرح الكبير 11: 221، و حلية العلماء 7: 261.

(2) الام 7: 72، و مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 261، و الوجيز 2: 229، و السراج الوهاج:

576، و مغني المحتاج 4: 333، و المجموع 18: 49 و 50، و المبسوط 8: 165، و النتف 1: 402، و الهداية 4: 69 و 70، و شرح فتح القدير 4: 69، و المدونة الكبرى 2: 132، و المغني لابن قدامة 11: 313، و الشرح الكبير 11: 221.

152

مسألة 50: إذا حلف لا دخلت هذه الدار، فانهدمت حتى صارت طريقا و براحا،

فسلك عرصتها لم يحنث. و به قال الشافعي (1).

و قال أبو حنيفة: يحنث.

و وافقنا إذا أطلق، فقال: لا دخلت دارا، فسلك براحا، كان دارا في أنه لا يحنث (2).

دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، و أيضا فالرجوع في الأسماء الى العادة و العرف و لا يسمى في العرف ما كان دارا وقتا من الزمان بأنه دار، فاذا لم يسم بذلك فيجب أن لا يحنث.

و أيضا: فلا خلاف أنه لو حلف لا دخلت بيتا فأطلق، ثم دخل بعد أن صار طريقا أنه لا يحنث، فالدار مثل البيت.

فان قالوا: الدار يسمى دارا بعد انهدامها، كما قالوا: ديار بكر، و ديار ربيعة، و ديار عاد و ثمود.

قلنا: و كذلك البيت، قال الله تعالى «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خٰاوِيَةً بِمٰا ظَلَمُوا» (3).

فان قالوا: ذلك مجاز.

قلنا مثله في الدار.

____________

(1) الام 7: 73، و مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 262، و المجموع 18: 50، و السراج الوهاج: 576، و مغني المحتاج 4: 332.

(2) النتف 1: 403، و اللباب 3: 139، و بدائع الصنائع 3: 37، و الهداية 4: 30، و شرح فتح القدير 4: 30، و تبيين الحقائق 3: 117، و الفتاوى الهندية 2: 68، و حلية العلماء 7: 262، و البحر الزخار 5: 245.

(3) النمل: 52.

153

و أيضا فلا خلاف أنه لو جعلها بستانا أو حماما ثم دخلها أنه لا يحنث، فكذلك إذا جعلها طريقا.

و الدليل على أن اسم الدار بعد انهدامها مجاز، انه لو حلف لا يدخل دارا، فسلك براحا كان دارا لم يحنث، فلو كان حقيقة لحنث.

مسألة 51: إذا حلف لا لبس ثوبا من عمل يد فلان، فوهب له فلان ثوبا،

فان لبسه حنث بلا خلاف، و ان استبدل به فباعه أو بادل به فلبسه لم يحنث و كذلك لو حلف لا لبس من غزل امرأته، فإن لبس منه حنث، و ان باعه و اشترى بثمنه ثوبا أو اشترى به ثوبا فلبسه لم يحنث، و كذلك لو قال له غيره: أحسنت إليك، و أعتقتك بمالي، و وهبت لك كذا، و أعطيتك كذا، فقال جوابا لهذا: و الله لا شربت لك ماء من عطش، تعلق الحكم بشرب مائه من عطش، فان انتفع بغير الماء من ماله، فأكل طعامه، و لبس ثيابه، و ركب دوابه لم يحنث. و به قال الشافعي (1).

و قال مالك: يحنث بكل هذا، فان لبس بدل ذلك الثوب، أو بدل ذلك الغزل، أو انتفع من ماله بغير الماء، حنث في كل هذا (2).

دليلنا: أنه ثبت عندنا أن الحكم إذا علق باسم لا يلتفت إلى سببه، فان كان عاما حمل على عمومه، و ان كان خاصا كذلك، و لا يلتفت الى سببه خاصا كان أو عاما.

____________

(1) مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 278- 279، و الوجيز 2: 229، و المجموع 18: 77، و المغني لابن قدامة 11: 284، و الشرح الكبير 11: 210.

(2) المدونة الكبرى 2: 128، و حلية العلماء 7: 279، و أسهل المدارك 2: 24، و المغني لابن قدامة 11: 284، و الشرح الكبير 11: 210، و الحاوي الكبير 15: 361.

154

و مالك خالف في هذا الأصل و قال: يجب حمله على سببه.

و هذا بيناه في أصول الفقه (1).

و يقوى في نفسه في قوله: لا شربت لك ماء من عطش انه يحنث إذا انتفع بشي‌ء من ماله، لأن ذلك من فحوى الخطاب مثل قوله «فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ» (2) و قوله «وَ لٰا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا» (3) فان المفهوم من ذلك منع كل أذى و نفي كل ظلم، و كذلك هاهنا.

و الشافعي إنما عول على إن قال: و الله لا شربت لك ماء من عطش، فمتى ركب الدواب و لبس الثياب لم يحنث، لأن اسم الماء لم يقع على الطعام و الشراب و لبس الثياب حقيقة و لا مجازا، فوجب أن لا يتعلق الأيمان به، كما لو حلف لا ركبت لك دابة فركب له سفينة لم يحنث، لأن اسم الدابة لا يطلق على السفينة، فكذلك هاهنا (4).

مسألة 52: إذا حلف لا يدخل دار زيد، فان دخلها و هي ملك لزيد‌

حنث بلا خلاف، و ان كان ساكنها بأجرة لم يحنث عندنا. و به قال الشافعي (5).

____________

(1) عدة الأصول 1: 164 (طبع بمبئي).

(2) الاسراء: 23.

(3) النساء: 49 و الاسراء: 71.

(4) انظر ما أشرنا إليه من المصادر في الهامش الأول من ص 153، و الحاوي الكبير 15: 361.

(5) الام 7: 73، و مختصر المزني: 294، و حلية العلماء 7: 261، و السراج الوهاج: 576، و مغني المحتاج 4: 333، و المجموع 18: 50، و الميزان الكبرى 2: 135، و المبسوط 8: 168، و تبيين الحقائق 3: 162، و المغني لابن قدامة 11: 292.