قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- العلامة الحلي المزيد...
526 /
105

السداد- و إن لم يذكر فيه اسم الشارح لكن يظهر من بعض القرائن أنه تأليف الشيخ ظهير الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي الميسي، ألفه لولده الشيخ عبد الكريم (1).

(5) تلخيص الفهرست.

نسبه إلى العلامة السيد الأمين في الأعيان و قال: بحذف الكتب و الأسانيد.

و هو ليس له قطعا، لتفرد السيد الأمين بهذه النسبة، و لأن تلخيص الفهرست للمحقق الحلي لا للعلامة، فإن المحقق لخص الفهرست للشيخ بتجريده عن ذكر الكتب و الأسانيد و الاقتصار على ذكر نفس المصنفين و سائر خصوصياتهم (2).

(4) الكشكول فيما جرى على آل الرسول.

نسبه إلى العلامة السيد هاشم البحراني في تفسير البرهان حيث أورد رواية عن الكشكول و قال: إنه للعلامة الحلي، و في الأمل: و كتاب الكشكول فيما جرى على آل الرسول ينسب إليه [و الظاهر أنه ليس منه] (3).

و هو ليس للعلامة قطعا- لأن مؤلفه قال في مقدمته و وسطه، أنه ألف الكتاب في سنة 735 و العلامة توفي في سنة 726، و لأن التأمل في سياق عبارات الكتاب و أسلوب كلامه ظاهر في أنه ليس على طريق مشرب العلامة و نظم كلامه- بل هو تأليف السيد حيدر بن علي الآملي الحسيني، أو معاصره و سميه السيد حيدر بن علي العبيدي أو العبدلي الحسيني الآملي المعروف بالصوفي (4).

(7) كنز العرفان في فقه القرآن.

____________

(1) الأعيان 5- 405، الذريعة 3- 396 و 397.

(2) الأعيان 5- 406، الذريعة 4- 16425- 384.

(3) ما بين المعقوفتين زيادة من نسخة (ع) من نسخ الأمل كما ذكر في هامشه.

(4) الكشكول فيما جرى على آل الرسول: 8 و 97، تفسير البرهان 1- 560، 2- 79، أمل الآمل 2- 85، اللؤلؤة: 220 و 221 الرياض 1- 379، الروضات 2- 275، بهجة الآمال 3- 223، الذريعة 18- 72 و 82.

106

نسبه للعلامة الزركلي في الأعلام، و هو ليس له قطعا، بل هو لأبي عبد الله مقداد بن عبد الله السيوري الحلي تلميذ الشهيد الأول و شارح الباب الحادي عشر المتوفى سنة 826 (1).

(8) مصباح المتهجد.

نسبه للعلامة في كشف الظنون و قال: مجلد في الأدعية و الأوراد و عمل اليوم و الليلة و المواسم و الأعياد .. ثمَّ اختصره مؤلفه، و هو ليس للعلامة قطعا، بل هو للشيخ الطوسي اختصره العلامة بكتاب سماه: منهاج الصلاح (2).

(9) منهاج السلامة إلى معراج الكرامة.

نسبه للعلامة السيد الأمين في الأعيان و قال: مذكور في كشف الظنون. و هو نفسه منهاج الكرامة الذي مر سابقا، و إنما الاختلاف في الاسم، فاشتبه الأمر على صاحب الأعيان حيث عده كتابين، و مر سابقا أن الصحيح اسمه: منهاج الكرامة لا منهاج السلامة أو منهاج الاستقامة كما ذكر في كشف الظنون (3).

(10) النهج الحق.

نسبه للعلامة في الأعيان و قال: ذكره بعض تلاميذ الشيخ علي الكركي، و يمكن أن يكون هو الذي قبله- أي: نهج الحق و كشف الصدق- فان صاحب البحار في مقدماته سماه: نهج الحق و كشف الصدق. و هو نفسه نهج الحق و كشف الصدق الذي مر سابقا، و إنما الاختلاف في الاسم، فاشتبه الأمر على صاحب الأعيان حيث عده كتابين (4).

العلامة و السلطان أولجايتو:

أسلم السلطان غازان خان بن أرغون خان بن أبا خاقان بن هولاكوخان بن

____________

(1) الذريعة 18- 159، الأعلام 2- 227.

(2) كشف الظنون 2- 1710.

(3) الأعيان 5- 405، كشف الظنون 2- 1870 و 1872.

(4) الأعيان 5- 405.

107

تولى خان بن جنكيزخان في سنة 694 و سمي بمحمود، و استبصر في عام 702.

فلما توفي في الحادي عشر من شوال عام 703 جاء أخوه محمد أولجايتوخان من خراسان في الثاني من ذي الحجة، و في اليوم السادس عشر منه جلس على كرسي السلطنة، و كان أكثر تأييده لمذهب الحنفية و لعلمائه، لأنه كان قاطنا في خراسان في زمن أخيه محمود، و كان تواجد علماء الحنفية فيها، ثمَّ انتقل إلى مذهب الشافعية- الذي هو أقل شناعة من الحنفية- بعد مناظرات جرت بين المذهبين يأتي تفصيلها.

و إنما لقب هذا السلطان باولجايتو لأنه في أول سلطنته صالح طوائف أروق جنكيزخان بعد ما استحكمت المنازعة بينهم خمسين سنة، فأطاعوا السلطان محمد و أرسلوا إليه الرسل و ارتفع النزاع عن العالم، و لذلك اعتقد الناس أن سلطنته مباركة ميمونة، فعرضوا عليه أن يلقب باولجايتو، لأنه في لغة الأتراك بمعنى السلطان الكبير المبارك، فاستقر لقبه على هذا.

و بعد ما اختار هذا السلطان مذهب الإمامية- و ذلك بعد مناظرات عديدة جرت بين العلامة و سائر علماء المذاهب- لقب نفسه بخدابنده، بمعنى عبد الله، لكن المتعصبين من العامة غيروا هذا اللقب الشريف إلى خربنده بمعنى غلام الحمار، حتى اشتهر هذا اللقب عليه كما اعترف به ابن بطوطة (1)، و لم يكتفوا بهذا، بل ذكروا لسبب هذه التسمية قصة ابتدعوها، و هي: أن التتر يسمون المولود باسم أول داخل على البيت عند ولادته، فلما ولد هذا السلطان كان أول داخل الزمان! و يكفي في بطلان هذه القصة ان لغة التتر هي التركية، و لفظ خربنده فارسي ..

قال السيد المرعشي: و بعض المتعصبين من العامة كابن حجر العسقلاني و غيره غيروا ذاك اللقب الشريف إلى خربنده، و ذلك لحميتهم الجاهلية الباردة، و من الواضح لدى العقلاء إن صيانة قلم المؤرخ و طهارة لسانه و عفة بيانه من البذاءة و الفحش من الشرائط المهمة في قبول نقله و الاعتماد عليه و الركون إليه- و من

____________

(1) رحلة ابن بطوطة: 227.

108

العجب أن بعض المتأخرين من الخاصة تبع تعبير القوم عن هذا الملك الجليل و لم يتأمل أنه لقب تنابزوا به- و ما ذلك إلا لبغض آل الرسول الداء الدفين في قلوبهم و تلك الأحقاد البدرية و الحنينية، و إلا فما ذنب هذا الملك بعد اعترافهم بجلالته و عدالته و شهامته و رقة قلبه و حسن سياسته و تدبيره (1).

و اختيار هذا الملك مذهب التشيع لم يكن عن ميل النفس و الهوى، أو احتياج لبقاء سلطنته، و إنما كان بعد مناظرات علامتنا أبي منصور مع علماء الفرق كافة فأوقعهم في مضيق الإلزام و الافحام، و أثبت عليهم حقية مذهب أهل البيت الكرام.

قال الخواجة نظام الدين عبد الملك المراغي- الذي هو أفضل علماء الشافعية، بل أفضل و أكمل علماء أهل السنة- بعد ما سمع أدلة العلامة على حقية مذهب أهل البيت، قال: أدلة حضرة هذا الشيخ في غاية الظهور، إلا أن السلف منا سلكوا طريقا، و الخلف لإلجام العوام و دفع شق عصا أهل الإسلام سكتوا عن زلل أقدامهم، فبالحري أن لا تهتك أسرارهم و لا يتظاهر في اللعن عليهم (2).

و كان هذا السلطان كما قال الحافظ الآبرو الشافعي المعاصر له: صاحب ذوق سليم يحب العلم و العلماء بالأخص السادات، و ذكر بعد هذا أن ممالك إيران عمرت في زمانه، و اتفقت القبائل فيما بينها و أطاعت له الأمراء، حتى أجمعت العرب و العجم على إطاعته، و أسس هذا السلطان في جميع البلاد المدارس و المساجد (3).

و قال العلامة المترجم في حقه في ديباجة كتابه استقصاء النظر: و قد منحه الله بالقوة القدسية، و خصه بالكمالات النفسية و القريحة الوقادة، و الفكرة الصحيحة النقادة، و فاق في ذلك على جميع الأمم، و زاد علما و فضلا على فضلاء من تأخر

____________

(1) اللئالي المنتظمة: 72.

(2) مجالس المؤمنين 2- 571، نقلا عن تاريخ الحافظ الآبرو الشافعي.

(3) نقله عنه في المجالس 2- 360.

109

و تقدم، و ألهمه الله العدل في رعيته و الإحسان إلى العلماء من أهل مملكته، و إفاضة الخير و الانعام على جميع الأنام (1).

و قال النطنزي في منتخب التواريخ: إن السلطان محمد خدابنده أولجايتو كان ذا صفات جليلة و خصال حميدة، لم يقترف طيلة عمره فجورا و فسقا، و كانت أكثر معاشرته و مؤانسته مع الفقهاء و الزهاد و السادة و الأشراف .. وفقه الله لتأسيس صدقات جارية، منها أنه بنى ألف دار من بقاع الخير و المستشفيات و دور الحديث و دور الضيافة و دور السيادة و المدارس و المساجد و الخانقاهات، بحيث أراح الحاضر و المسافر، و كان زمانه من خير الأزمنة لأهل الفضل و التقى، ملك الممالك و حكم عليها ستة عشر سنة، و كان من بلاد العجم إلى إسكندرية مصر و إلى ما وراء النهر تحت سلطته، توفي سنة 717 أو 719، و دفن بمقبرته التي أعدها قبل موته في بلدة سلطانية (2).

و قال الخوانساري في حقه: كان يعتني بالعلماء و الصلحاء كثيرا و يحبهم حبا شديدا، و أنه قد حصل للعلم و الفضل في زمن دولته العالية رونق تام و رواج كثير (3).

و من حبه الشديد للعلم و العلماء لم يرض بمفارقة العلامة و بقية العلماء عنه، لذا أسس المدرسة السيارة في معسكره لتجوب البلاد الإسلامية لنشر العلم، و كانت تستقي هذه المدرسة من الحلة التي أرجعت مكانتها العلمية القديمة، و تخرج من هذه المدرسة رجال أفذاذ.

و أما سبب تشيع هذا السلطان و كيفيته، فالتاريخ ينقل لنا روايتين:

الاولى: ما ذكره المولى محمد تقي المجلسي في روضته، و هو: أنه- أي السلطان- غضب على امرأته و قال لها: أنت طالق ثلاثا، ثمَّ ندم و جمع العلماء، فقالوا: لا بد من

____________

(1) نقله عنه في اللئالي المنتظمة: 71 و 72.

(2) نقله عنه في اللئالي المنتظمة: 70.

(3) روضات الجنات 2- 282.

110

المحلل، فقال: عندكم في كل مسألة أقاويل مختلفة، أ فليس لكم هنا اختلاف؟

فقالوا: لا و قال أحد وزرائه: إن عالما بالحلة و هو يقول ببطلان هذا الطلاق، فبعث كتابه إلى العلامة و أحضره.

و لما بعث إليه قال علماء العامة: إن له مذهبا باطلا و لا عقل للروافض، و لا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل، قال الملك: حتى يحضر.

فلما حضر العلامة بعث الملك إلى جميع علماء المذاهب الأربعة و جمعهم.

فلما دخل العلامة أخذ نعليه بيده و دخل المجلس و قال: السلام عليكم، و جلس عند الملك.

فقالوا للملك: ألم نقل لك إنهم ضعفاء العقول.

قال الملك: اسألوا منه في كل ما فعل.

فقالوا له: لم ما سجدت للملك و تركت الآداب؟

فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان ملكا و كان يسلم عليه، و قال الله تعالى «فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُبارَكَةً» (1).

و لا خلاف بيننا و بينكم أنه لا يجوز السجود لغير الله.

قالوا له: لم جلست عند الملك؟

قال: لم يكن مكان غيره.

و كل ما يقوله العلامة بالعربي كان يترجم المترجم للملك.

قالوا له: لأي شيء أخذت نعلك معك، و هذا مما لا يليق بعاقل بل إنسان؟

قال: خفت أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنفية نعل رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فصاحت الحنفية: حاشا و كلا، متى كان أبو حنيفة في زمن رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟! بل كان تولده بعد المائة من وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله).

____________

(1) النور: 61.

111

فقال: فنسيت لعله كان السارق الشافعي.

فصاحت الشافعية و قالوا: كان تولد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة، و كان أربع سنين في بطن أمه و لا يخرج رعاية لحرمة أبي حنيفة، فلما مات خرج و كان نشؤه في المائتين من وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله).

فقال: لعله كان مالك.

فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية.

فقال: لعله كان أحمد بن حنبل.

فقالوا بمثل ما قالته الشافعية.

فتوجه العلامة إلى الملك، فقال: أيها الملك علمت أن رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و لا في زمن الصحابة، فهذه أحد بدعهم أنهم اختاروا من مجتهديهم هذه الأربعة، و لو كان منهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم.

فقال الملك: ما كان واحد منهم في زمن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الصحابة؟.

فقال الجميع: لا.

فقال العلامة: و نحن الشيعة تابعون لأمير المؤمنين (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أخيه و ابن عمه و وصيه.

و على أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل، لأنه لم تتحقق شروطه، و منها العدلان، فهل قال الملك بمحضرهما؟ قال: لا.

و شرع في البحث مع علماء العامة حتى ألزمهم جميعا.

فتشيع الملك و بعث إلى البلاد و الأقاليم حتى يخطبوا للأئمة الاثني عشر في الخطبة، و يكتبوا أساميهم (عليهم السلام) في المساجد و المعابد.

و الذي في أصبهان موجود الآن في الجامع القديم الذي كتب في زمانه في ثلاث مواضع، و على منارة دار السيادة التي تممها سلطان محمد بعد ما أحدثها أخوه غازان

112

أيضا موجود، و في محاسن أصفهان موجود أن ابتداء الخطبة كان بسعي بعض السادات اسمه ميرزا قلندر، و من المعابد التي رأيت معبد بئر بركان الذي في لنجان و بني في زمانه الأسامي الموجودة الآن، و كذا في معبد قطب العارفين نور الدين عبد الصمد النطنزي الذي له نسبة إليه من جانب الام موجود الآن (1).

الثانية: ما ذكره الحافظ الآبرو الشافعي المعاصر للعلامة و جمع من المؤرخين، و هو: ان السلطان غازان خان- محمود- كان في عام 702 في بغداد، فاتفق أن سيدا علويا صلى الجمعة في يوم الجمعة في الجامع ببغداد مع أهل السنة، ثمَّ قام و صلى الظهر منفردا، فتفطنوا منه ذلك فقتلوه، فشكا ذووه إلى السلطان، فتكدر خاطره و مست عواطفه و أظهر الملالة من أنه لمجرد إعادة الصلاة يقتل رجل من أولاد الرسول (صلى الله عليه و آله) و لم يكن له علم بالمذاهب الإسلامية، فقام يتفحص عنها، و كان في أمرائه جماعة متشيعون، منهم الأمير طرمطار بن مانجوبخشي، و كان في خدمة السلطان من صغره و له وجه عنده، و كانت نشأته في الري بلدة الشيعة، و كان يستنصر مذهب التشيع، لما رآه مغضبا على أهل السنة انتهز الفرصة و رغبة إلى مذهب التشيع فمال إليه، و لما سيطر الأمير غازان على الوضع و هدأت الضوضاء التي كانت في زمانه كان تأثير كلام الأمير طرمطار أكثر عند السلطان غازان، فقام في تربية السادة و عمارة مشاهد الأئمة (عليهم السلام)، فأسس دار السيادة في أصفهان و كاشان و سيواس روم و أوقف عليها أملاكا كثيرة، و كذا في مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) كما بقيت بعض الآثار لحد الآن، و كان ميله إلى مذهب الإمامية يزداد يوما فيوما.

إلى أن توفي السلطان غازان و قام بالسلطنة من بعده ولي عهده أخوه محمد، و صار يميل إلى الحنفية بترغيب جمع من علمائهم- لأن مسكنه في زمن أخيه غازان كان في خراسان، و تواجد علماء الحنفية آنذاك كان فيها- فكان يكرمهم و يوقرهم،

____________

(1) روضة المتقين 9- 30.

113

كما أنهم انتهزوا الفرصة في التعصب لمذهبهم.

و كان وزير السلطان محمد خواجه رشيد الدين الشافعي ملولا من ذلك، و لكن لم يكن قادرا على التكلم بشيء إلى أن جاء قاضي القضاة نظام الدين عبد الملك من مراغة إلى خدمة السلطان، و كان الأوحد في علوم المعقول و المنقول، و صاحب المباحثات و المناظرات المتينة، و كان شافعي المذهب، فقدمه الوزير خواجه رشيد الدين إلى السلطان، فصار ملازما له و فوض إليه قضاء ممالك إيران.

و انتهز مولانا نظام الدين الفرصة و شرع في المباحثات مع علماء الحنفية في حضور السلطان في مجالس عديدة، حتى زيف جميع أدلتهم، فمال السلطان إلى مذهب الشافعية، حتى سأل العلامة قطب الدين الشيرازي: إن أراد الحنفي أن يصير شافعيا فما له أن يفعل؟ فقال: هذا سهل، يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

و جاء ابن صدر جهان الحنفي من بخارا إلى خدمة السلطان، فشكا إليه الحنفية من القاضي نظام الدين، و أنه أذلنا عند السلطان و أمرائه، فألطف بهم و وعدهم.

إلى أن جاء اليوم المشهود يوم الجمعة، حيث كان علماء الحنفية و الشافعية عند السلطان محمد، فسئل القاضي عن جواز نكاح البنت المخلوقة من ماء الزنا على مذهب الشافعي، فقرره القاضي و قال: هو معارض بمسألة نكاح الأخت و الام في مذهب الحنفية، فطال بحثهما و آل إلى الافتضاح، و أنكر ابن صدر الحنفي ذلك، فقرأ القاضي من منظومة أبي حنيفة:

و ليس في لواطة من حد * * * و لا بوطء الأخت بعد عقد

فمل السلطان و امراؤه حتى قام السلطان من مجلسه مغضبا، و ندم الأمراء على أخذهم مذهب الإسلام، و كان بعضهم يقول لبعض: ما فعلنا بأنفسنا تركنا مذهب آبائنا و أخذنا دين العرب المنشعب إلى مذاهب عديدة، و فيها نكاح الام و الأخت و البنت، فكان لنا أن نرجع إلى دين أسلافنا، و انتشر الخبر في ممالك السلطان، و كانوا إذا رأوا عالما أو مشتغلا يسخرون منه و يستهزؤون به و يسألونه عن هذه المسائل.

114

و في هذه الأيام وصل السلطان- في مراجعته- إلى كلستان، و كان فيها قصر بناه أخوه السلطان غازان خان، فنزل السلطان مع خاصته فيه، فلما كان الليل أخذهم رعد و برق و مطر عظيم في غير وقته بغتة، و هلك جماعة من مقربي السلطان بالصاعقة، ففزع السلطان و أمراؤه و خافوا فرحلوا منه على سرعة، فقال له بعض أمرائه: إن على قاعدة المغول لا بد أن يمر السلطان على النار، فأمر بإحضار أسانيد هذا الفن فقالوا:

إن هذا الواقعة من شؤم الإسلام، فلو تركه السلطان تصلح الأمور.

فبقي السلطان و امراؤه متذبذبين في مدة ثلاثة أشهر في تركهم دين الإسلام، و كان السلطان متحيرا متفكرا، و يقول: أنا نشأت مدة في دين الإسلام و تكلفت في الطاعات و العبادات، فكيف أترك دين الإسلام؟! فلما رأى الأمير طرمطار تحيره في أمره قال له: إن السلطان غازان خان كان أعقل الناس و أكملهم، و لما وقف على قبائح أهل السنة مال إلى مذهب التشيع و لا بد أن يختاره السلطان، فقال: ما مذهب الشيعة؟ قال الأمير طرمطار: المذهب المشهور بالرفض، فصاح عليه السلطان: يا شقي تريد أن تجعلني رافضيا! فأقبل الأمير يزين مذهب الشيعة و يذكر محاسنه له، فمال السلطان الى التشيع.

و في هذه الأيام ورد على السلطان السيد تاج الدين الآوي الإمامي مع جماعة من الشيعة، فشرعوا في المناظرات مع القاضي نظام الدين في محضر السلطان في مجالس كثيرة، و كانت مناظرتهم بمثابة المقدمة للمناظرة الكبيرة التي وقعت بعد هذا بين علماء السنة و العلامة الحلي بمحضر السلطان.

و بعد مناظرة السيد الآوي عزم السلطان السفر إلى بغداد ثمَّ الذهاب إلى زيارة قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، و عند القبر رأى مناما يدل على حقية مذهب الإمامية، فعرض السلطان ما رآه في المنام على الأمراء، فحرضه من كان منهم في مذهب الشيعة على اعتناق هذا المذهب الحق، فصدر الأمر بإحضار أئمة الشيعة فطلبوا جمال الدين العلامة و ولده فخر المحققين.

فأمر السلطان قاضي القضاة نظام الدين عبد الملك- و هو أفضل علماء العامة- أن

115

يناظر آية الله العلامة، و هيأ مجلسا عظيما مشحونا بالعلماء و الفضلاء من العامة، منهم المولى قطب الدين الشيرازي و عمر الكاتبي القزويني و أحمد بن محمد الكيشي و المتسيد ركن الدين الموصلي.

فناظرهم العلامة و أثبت عليهم بالبراهين العقلية و الحجج النقلية بطلان مذاهبهم العامية و حقيقة مذهب الإمامية، على وجه تمنوا أن يكونوا جمادا أو شجرا و بهتوا كأنهم التقموا حجرا.

و عند ذلك قال المولى نظام الدين: قوة أدلة حضرة هذا الشيخ في غاية الظهور، إلا أن السلف منا سلكوا طريقا، و الخلف- لا لجام العوام و دفع شق عصا أهل الإسلام- سكتوا عن زلل أقدامهم، فبالحري أن لا تهتك أسرارهم و لا يتظاهر باللعن عليهم.

فعدل السلطان و الأمراء و العساكر و جم غفير من العلماء و الأكابر عن مذهب بقية الطوائف و اعتنقوا مذهب الحق- الشيعة- الذي يأخذ أحكامه عن الأئمة (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن جبرئيل عن الله عز و جل.

و أمر السلطان في تمام ممالكه بتغيير الخطبة و إسقاط أسامي الثلاثة عنها و بذكر أسامي أمير المؤمنين و سائر الأئمة (عليهم السلام) على المنابر، و بذكر حي على خير العمل في الأذان، و بتغيير السكة و حذف أسماء الثلاثة منها و نقش الأسامي المباركة عليها (1).

و كيفما كان فتشيع هذا السلطان و من معه على يد العلامة أمر مقطوع به مهما كان سببه.

و كان تغيير السكة عام 707 أو 708، فحذف أسماء الثلاثة منها، فكانت

____________

(1) مجالس المؤمنين 2- 356- 361 نقلا عن تاريخ الحافظ الآبرو، تحفة العالم 1- 176، خاتمة المستدرك: 460 و 461، إحقاق الحق 1- 11- 16، أعيان الشيعة 5- 396- 400، و غيرها كثير.

116

السكة- الدينار- مدورة مخمسة الأضلاع، في وسطها ثلاثة سطور متوازية الأبعاض متكافئة الأجزاء:

لا إله إلا الله.

محمد رسول الله.

علي ولي الله.

و ذكرت الأسامي المباركة للأئمة (عليهم السلام) على الترتيب على حاشيتها.

و لما انقضت المناظرة جعل السلطان السيد تاج الدين محمد الآوي- المتقدم ذكره- نقيب الممالك، و شرع العلامة بعد ذلك بمعونة هذا السلطان المستبصر في تشييد أساس الحق و ترويج المذهب، و كتب باسم السلطان عدة كتب و رسائل بعضها كانت بطلب من السلطان.

و كان العلامة (رحمه الله) في القرب و المنزلة عند السلطان بحيث لم يرض بعد استبصاره بمفارقة العلامة في حضر أو سفر، لذا أمر بترتيب المدرسة السيارة له و لتلاميذه، و هذه المدرسة السيارة ذات حجرات و مدارس من الخيام الكرباسية، فكانت تحمل مع الموكب السلطاني، و كانت هذه المدرسة المباركة تستقي من الحلة، و تخرج من هذه المدرسة كثير من العلماء الصلحاء، و نقل أنه وجد في أواخر مؤلفات العلامة وقوع الفراغ منه في المدرسة السيارة السلطانية في كرمانشاه، و في جملة من أواخر أجزاء التذكرة أنه وقع الفراغ منه في السلطانية، و يؤيده ما ذكره الصفدي من أن العلامة كان يصنف و هو راكب (1).

و أمر السلطان أيضا كبار علماء العامة بالحضور في هذه المدرسة، تنمية للحركة العلمية و استمرارا للمباحثات الحرة السليمة بين المذاهب، و ممن كان في هذه المدرسة المولى بدر الدين التستري و المولى نظام الدين عبد الملك المراغي و المولى برهان الدين و الخواجة رشيد الدين و السيد ركن الدين الموصلي و الكاتبي القزويني

____________

(1) الوافي بالوفيات 13- 85.

117

و الكيشي و قطب الدين الفارسي و غيرهم.

و ختاما لهذا الفصل نذكر ظريفتين جملتين حدثتا بعد انتهاء المناظرة و استبصار السلطان الاولى: أن العلامة بعد ما فرغ من هذه المناظرة في مجلس السلطان محمد خدابنده خطب خطبة بليغة بمثابة الشكر، فحمد الله و أثنى عليه و صلى على النبي و الأئمة من بعده (عليهم السلام)، و كان في المجلس رجل من أهل الموصل يدعي أنه سيد اسمه ركن الدين الموصلي- كان قد أسكته العلامة في المناظرة- اعترض على العلامة في هذه الخطبة، فقال: ما الدليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء؟ فقرأ العلامة في جوابه بلا انقطاع قوله تعالى «الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (1).

فقال هذا اللاسيد من باب العناد و عقوق الآباء و الأجداد: أي مصيبة أصابت عليا و أولاده ليستوجبوا بها الصلاة؟

فذكر له العلامة مصائبهم المشهورة، ثمَّ قال: و أي مصيبة أعظم عليهم و أشنع أن حصل من ذراريهم مثلك الذي يرجح المنافقين الجهال المستوجبين اللعنة و النكال عليهم.

فتعجب الحاضرون من قوة جواب العلامة، و ضحكوا على هذا الموصلي.

و نظم بعض الحضار الشعراء في ذلك المجلس هذين البيتين في شأن هذا السيد:

إذا العلوي تابع ناصبيا * * * لمذهبه فما هو من أبيه

و كان الكلب خيرا منه حقا * * * لأن الكلب طبع أبيه فيه (2)

الثانية: أن الملا حسن الكاشاني- الذي هو رجل ظريف- كان مصاحبا للعلامة حين حضوره عند السلطان و جريان المباحثة عنده، فلما تشيع السلطان و تمَّ

____________

(1) البقرة: 156 و 157.

(2) لؤلؤة البحرين: 224- 226، مجالس المؤمنين 2- 571 و 572.

118

الأمر توجه الملا حسن إلى السلطان و قال: أريد أن أصلي ركعتين على مذهب الفقهاء الأربعة و ركعتين على المذهب الجعفري، و أجعل السلطان حاكما بصحة أي الصلاتين.

فقال الملا حسن: أبو حنيفة مع أحد الفقهاء الأربعة يجوز الوضوء بالنبيذ، و كذا يذهب إلى أن الجلد بالدباغة يطهر، و كذا يجوز بدل قراءة الحمد و سورة قراءة آية واحدة حتى إذا كانت بالترجمة، و يجوز السجود على نجاسة الكلب، و يجوز بدل السلام بعد التشهد إخراج ضرطة.

فتوضأ الملا حسن بالنبيذ، و لبس جلد الكلب، و وضع خرء الكلب موضع سجوده و كبر، و بدل قراءة الحمد و سورة قال: دو برك سبز، بمعنى: مدهامتان، ثمَّ ركع، ثمَّ سجد على خرء الكلب، و أدى الركعة الثانية مثل الاولى، ثمَّ تشهد، و بدل السلام أخرج من دبره ضرطة، و قال: هذه صلاة أهل السنة.

ثمَّ مع كمال الخضوع و الخشوع صلى تمام الركعتين على مذهب الشيعة.

فقال السلطان: معلوم أن الاولى ليست صلاة، بل الصلاة الموافقة للعقل هي الثانية (1).

____________

(1) قصص العلماء: 359 و 360.

و حدثت مثل هذه الواقعة قبلها أمام السلطان محمود بن سبكتكين، نقل القاضي ابن خلكان عن عبد الملك الجويني إمام الشافعية المتوفى 478 في كتابه الذي سماه مغيث الحق في اختيار الأحق:

أن السلطان محمود كان على مذهب أبي حنيفة، و كان مولعا بعلم الحديث، و كانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه و هو يسمع، و كان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي، فوقع في جلده حكة، فجمع الفقهاء من الفريقين من مرو، و التمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الامام الشافعي و على مذهب أبي حنيفة، لينظر السلطان و يتفكر و يختار ما هو أحسنهما، فصلى القفال المروزي- أحد علماء الشافعية- بطهارة مسيغة و شرائط معتبرة من الطهارة و الستر و استقبال القبلة، و أتى بالأركان و الهيئات و السنن و الآداب و الفرائض على وجه الكمال و التمام، و قال: هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي دونها، ثمَّ صلي ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة، فلبس جلد الكلب مدبوغا، و لطخ ربعه بالنجاسة و توضأ بنبيذ التمر، و كان في صميم الصيف في المفازة، فاجتمع عليه الذباب و البعوض، و كان وضوؤه منكسا منعكسا، ثمَّ استقبل القبلة و أحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء، و كبر بالفارسية [ثمَّ قرأ آية بالفارسية]: دو برك سبز- أي: ورقتان خضراوتان، و هو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن «مُدْهامَّتانِ»- ثمَّ نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل و من غير ركوع، و تشهد، و ضرط في آخره من غير السلام، و قال: أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، و أنكر الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، و أمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة و تمسك بمذهب الشافعي. وفيات الأعيان 5- 180 و 181.

أقول: الخرافات القبيحة الموجودة في مذهب الشافعي و مذهب أخويه لا تقل عن مذهب أبي حنيفة، و لو أردنا ذكر بعضها لخرجنا عن صلب البحث، فنرجأها إلى موضع آخر.

119

نعم و بعد هذه المناظرة العظيمة و ببركة هذا العلامة استبصر السلطان و عدد كبير من الأمراء و علماء العامة، فعمت البركة في جميع الممالك و هدأت الأوضاع.

فلا بد أن لا ننسى فضل هذا العلامة، فله حق كبير علينا لا نستطيع أن نؤدي قسما يسيرا منه.

و نعم ما قاله المحدث البحراني بعد ذكر المناظرة: لو لم تكن له (قدس سره) إلا هذه المنقبة لفاق بها على جميع العلماء فخرا و علا بها ذكرا، فكيف و مناقبه لا تعد و لا تحصى، و مئاثره لا يدخلها الحصر و الاستقصاء (1).

و قال الخوانساري معقبا لكلام المحدث البحراني: و هذه اليد العظمى و المنة الكبرى التي له على أهل الحق مما لم ينكره أحد من المخالفين و الموافقين، حتى أن في بعض تواريخ العامة رأيت التعبير عن هذه الحكاية بمثل هذه الصورة: و من سوانح سنة 707 إظهار خدابنده شعار التشيع بإضلال ابن المطهر، و أنت خبير بأن مثل هذا الكلام المنطوق صدر من أي قلب محروق، و الحمد الله (2).

نسأل الله سبحانه أن يعجل في ظهور إمامنا و ملاذنا لنكحل أعيننا برؤيته

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 226.

(2) روضات الجنات 2- 280.

120

و رؤية الحق منتشرا في المعمورة.

نظرة سريعة في بعض الإشكالات و الانتقاصات:

كلما ازداد الإنسان عظمة و علوا كثر حساده و مناوؤه، و هذا شيء محسوس.

فالنبي (صلى الله عليه و آله) بعظمته العالية التي علا بها على كل العالمين من الأولين و الآخرين- حتى «دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» (1)- لم يسلم من حسد الحساد و افتراء الكذابين في حياته و بعد وفاته.

و علي (عليه السلام) الذي بلغت منزلته في الفضل بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) بلا فصل- بحيث ينحدر عنه السيل و لا يرقى إليه الطير (2)- لم يسلم أيضا من الحساد و مرضى القلوب، فكم عانى في حياته، و حتى بعد شهادته لم تنته الأحقاد البدرية و الحنينية و لحد الآن، و ذلك شأن كل عظيم يريد الحق، لأن الحق مر.

و علامتنا ابن المطهر- الذي وصل مقامه من بين العلماء أعلى مقام- اقتفى أثرهما و سلك طريقتهما، فصبت عليه الأحقاد من كل جانب، لأنه عظيم.

و نحن في هذا الفصل نمر مرورا عاجلا على بعض ما قيل من إشكال أو انتقاص يرتبط فيما نحن فيه، و لا ندعي أن العلامة معصوم لا يقع في زلل أو خطأ لأن المعصوم ليس إلا من عصمه الله تعالى، لكنه عبد صالح قذف الله العلم في قلبه.

(1) قال ابن روزبهان في مقام القدح بالعلامة و كتابه نهج الحق: .. فهو في هذا كما ذكر بعض الظرفاء على ما يضعونه على ألسنة البهائم: إن الجمال سأل جملا من أين تخرج؟ قال الجمل: من الحمام! قال: صدقت، ظاهر من رجلك النظيف و خفك اللطيف. فنقول: نعم ظاهر على ابن المطهر أنه من دنس الباطل و درن التعصب مطهر، و هو خائض في مزابل المطاعن و غريق في حشوش الضغائن .. (3).

____________

(1) النجم: 8 و 9.

(2) نهج البلاغة 1- 31.

(3) إحقاق الحق 1- 27، نقلا عن ابن روزبهان.

121

و قال الشهيد القاضي التستري في مقام الرد على ابن روزبهان: و أما ما نقله عن بعض الظرفاء في تمثيل قدح المصنف على خلفاء أهل السنة و أئمتهم و مجتهديهم بمقال جرى بين الجمال و بعض الجمال، فلا يخفى على الظرفاء الأذكياء عدم مناسبته بالمصنف المكنى بابن المطهر و كونه من أناس يتطهرون، و إنما يناسب ذلك حال الأنجاس من الناصبة الذين لا يبالون بالبول قائما كالجمال، و في إزالة البول و الغائط لا يوجبون الاغتسال، بل يمسون أنفسهم كالحمار على الجدار، و يمسحون أخفافهم في وضوئهم و لو وطأت الأقذار. و أشد مناسبة من بين هؤلاء الأنجاس هذا الناصب- أي الفضل بن روزبهان- الرجس الفضول الذي سمي بالفضل، و مسماه فضله فضول آخر، و قد خرج من مزبلة فمه بعرة الجمل تارة و خرء الكلب اخرى .. (1).

أقول: أدب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم ليس هو اللعن و الشتم، فلما أظهر حجر بن عدي و عمرو بن الحمق البراءة و اللعن من أهل الشام في حرب صفين أرسل إليهما علي (عليه السلام) أن: كفا عما يبلغني عنكما، فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين أ لسنا محقين؟ قال: بلى، قالا: أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى، قالا: فلم منعتنا عن شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون و تتبرؤون، لكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا و كذا، و من عملهم كذا و كذا كان أصوب في القول و أبلغ في العذر، و لو قلتم مكان لعنكم إياهم و براءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله، و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به، كان هذا أحب إلي و خيرا لكم، فقالا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك و نتأدب بأدبك .. (2).

و نحن نقول أيضا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك و نتأدب بأدبك.

____________

(1) إحقاق الحق 1- 62 و 63.

(2) وقعة صفين: 103.

122

لكن ما ذا يفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي جرعوه الغصة بعد الغصة، حتى قال: فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجا أرى تراثي نهبا (1).

نعم ما ذا يفعل أمير المؤمنين و ولده المعصومون (عليهم السلام) و العلماء الربانيون المقتفون أثرهم و الشيعة كافة مع أناس بلغ عتوهم و خروجهم عن الدين درجة بحيث لعنهم الله في الدنيا و الآخرة؟

اناشدك بالله عزيزي القارئ:

أ لم يقل الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» (2).

أ لم يروي الامام البخاري في صحيحه عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال:

فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني (3).

أ لم يروي الامام البخاري في صحيحه أن فاطمة (عليها السلام) غضبت على ..

و هجرته فلم تكلمه و لم تزل مهاجرته حتى توفيت (4).

فما ذكره العلامة في كتابه نهج الحق من المطاعن ليس إلا أنهم مصداق للطعن و اللعن، حيث إن الله طعن فيهم و لعنهم في الدنيا و الآخرة و ..

و كذا ما ذكره القاضي الشهيد في الطعن على ابن روزبهان، لأنه مستوجب للعنة الباري و العذاب و النكال، و لأنه ارتكب أسوأ من ذلك بالنسبة إلى مولانا العلامة (قدس سره) المشتهر في الآفاق، فكما تدين تدان به، لا تهتك فتهتك، من يزرع الثوم لا يقلعه ريحانا.

و الحديث ذو شجون ليس هذا محله.

(2) قال ابن كثير: ولد ابن المطهر الذي لم تطهر خلائقه و لم يتطهر من دنس الرفض .. (5).

____________

(1) نهج البلاغة 1- 31.

(2) الأحزاب: 57.

(3) صحيح البخاري 5- 36.

(4) صحيح البخاري 4- 96، 8- 185.

(5) البداية و النهاية 14- 125.

123

أقول: لا أعلم ما ذا أقول لابن كثير في تعبيره عن العلامة بأنه لم تطهر خلائقه؟

أ لم يقل الصفدي و التغري بردي: إن ابن المطهر كان ريض الأخلاق (1)؟ و لا لوم على ابن كثير و أصحابه إذا صدرت منهم أمثال هذه الكلمات، لأن كل واحد منهم ابن كثير، و لا يصدر من ابن الكثير غير النكير.

(3) قال التغري بردي بعد أن وصف العلامة بأنه رضي الخلق حليما: غير أنه رافضيا خبيثا على مذهب القوم (2).

و لا أدري كيف أن الإنسان إذا كان بهذه الصفات الحميدة- التي اعترف بها الكل- بمجرد أنه يتبع من أمر الله باتباعه و يتبرأ ممن أمر الله بالتبري منه يكون خبيثا؟! (4) قال العسقلاني: و يقال إنه- أي: العلامة- تقدم في دولة [خدابنده] و كثرت أمواله و كان مع ذلك في غاية الشح (3).

و قال السيد الأمين: أما نسبته إلى غاية الشيخ فلا تكاد تصح و لا تصدق في عالم فقيه عظيم عرف مذام الشح و قبحه، فهو إن لم يكن سخيا بطبعه فلا بد أن يتسخى بسبب علمه، مع أننا لم نجد ناقلا نقلها غيره، و ليس الباعث على هذه النسبة إلا عدم ما يعاب به في علمه و فضله و ورعه و تقواه، فعدل إلى العيب بالشح الذي لم تجر عادة بذكره في صفة العلماء، بل و لا بذكر الكرم و السخاء غالبا (4).

و خلاصة القول أن كل هذه الاهانات التي صدرت منهم في حق العلامة- التي ذكرنا شيئا يسيرا منها- إنما نشأت من الأحقاد البدرية و الحنينية التي بقيت هذه في صدورهم يتوارثونها من جيل إلى آخر ليصبونها على شيعة علي (عليه السلام) مهما أمكنتهم الفرصة.

(5) قال ابن روزبهان: اتفق لي مطالعة كتاب من مؤلفات المولى الفاضل

____________

(1) الوافي بالوفيات 13- 85، النجوم الزاهرة 9- 267.

(2) النجوم الزاهرة 9- 267.

(3) الدرر الكامنة 2- 72.

(4) أعيان الشيعة 5- 398.

124

جمال الدين ابن المطهر الحلي غفر الله ذنوبه قد سماه بكتاب نهج الحق و كشف الصدق، قد ألفه في أيام دولة السلطان غياث الدين أولجايتو محمد خدابنده و ذكر أنه صنفه بإشارته، و قد كان ذلك الزمان أوان فشو البدعة و نبغ نابغة الفرقة الموسومة بالإمامية من فرق الشيعة، فإن عامة الناس يأخذون المذاهب من السلاطين و سلوكهم، و الناس على دين ملوكهم، إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات، و قليل ما هم (1).

و قال القاضي الشهيد: و أما ما أشار إليه من أن شيوع مذهب الشيعة في ذلك الزمان إنما كان بمجرد اتباع ميل السلطان من غير دلالة حجة و برهان، مردود بما أشرنا إليه سابقا من فضيلة هذا السلطان، و أنه كان من أهل البصيرة و الفحص عن حقائق المذهب و الأديان، و أن نقل المذهب و تغيير الخطبة و السكة إنما وقع بعد ما ناظر المصنف العلامة الهمام علماء سائر المذاهب و أوقعهم في مضيق الإلزام و الافحام، و أثبت عليهم حقية مذهب أهل البيت الكرام، فمن اختار مذهب الإمامية في تلك الأيام كان المجتهد دليله، و ظهور الحق بين أظهر الناس سبيله، فكانوا آخذين عن المجتهد و سلوكه، لا عمن روج المذهب من ملوكه، فلا يتوجه هاهنا ما كان يتوجه في بعض الملوك و سلوكهم أن عامة الناس يأخذون المذاهب من السلاطين و سلوكهم، و الناس على دين ملوكهم.

و الحاصل أن السلطان المغفور المذكور لم يكن مدعيا لخلافة النبي (صلى الله عليه و آله) و لا كان له حاجة في حفظ سلطنته إلى ما ارتكبه ملوك تيم و عدي و بني أمية و بني العباس، من هضم إقدار أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و تغيير دينه أصولا و فروعا، ترويجا لدعوى خلافتهم، و ليسلك الناس مسلكهم من مخافتهم، بخلاف هؤلاء الذين تقمصوا الملك و الخلافة، و ابتلوا الدين بكل بلية و آفة (2).

____________

(1) إحقاق الحق 1- 26، نقلا عن ابن روزبهان.

(2) إحقاق الحق 1- 60 و 61.

125

(6) قال ابن بطوطة: كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده، قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمى جمال الدين ابن المطهر، فلما أسلم السلطان المذكور و أسلمت بإسلامه التتر، زاد في تعظيم هذا الفقيه، فزين له مذهب الروافض و فضله على غيره، و شرح له حال الصحابة و الخلافة، و قرر لديه ان أبا بكر و عمر كانا وزيرين لرسول الله، و أن عليا ابن عمه و صهره فهو وارث الخلافة، و مثل له بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده و أقاربه، مع حدثان عهد السلطان بالكفر و عدم معرفته بقواعد الدين، فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض، و كتب بذلك إلى العراقين و فارس و آذربايجان و أصفهان و كرمان و خراسان و بعث الرسل إلى البلاد، فكان أول بلاد وصل إليها بغداد و شيراز و أصفهان.

فأما أهل بغداد، فامتنع أهل باب الأزج منهم، و هم أهل السنة و أكثرهم على مذهب الامام أحمد بن حنبل، و قالوا: لا سمع و لا طاعة، و أتوا المسجد الجامع في يوم الجمعة بالسلاح و به رسول السلطان، فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه و هم اثنا عشر ألفا في سلاحهم، و هم حماة بغداد و المشار إليهم فيها، فحلفوا له أنه إن غير الخطبة المعتادة، إن زاد فيها أو نقص، فإنهم قاتلوه و قاتلوا رسول الملك و مستسلمون بعد ذلك لما شاءه الله، و كان السلطان أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء و سائر الصحابة من الخطبة، و لا يذكر إلا اسم علي و من تبعه كعمار رضي الله عنه، فخاف الخطيب من القتل و خطب الخطبة المعتادة.

و فعل أهل شيراز و أصفهان كفعل أهل بغداد.

فرجعت الرسل إلى الملك، فأخبروه بما جرى في ذلك، فأمر أن يؤتى بقضاة المدن الثلاث، فكان أول من أتى منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز ..

فلما وصل القاضي أمر أن يرمى به إلى الكلاب التي عنده- و هي كلاب ضخام في أعناقها السلاسل معدة لأكل بني آدم، فاذا اتي بمن تسلط عليه الكلاب جعل في رحبة كبيرة مطلقا غير مقيد، ثمَّ بعثت تلك الكلاب عليه، فيفر أمامها و لا

126

مفر له، فتدركه فتمزقه و تأكل لحمه- فلما أرسلت الكلاب على القاضي مجد الدين و وصلت إليه بصبصت إليه و حركت أذنابها بين يديه و لم تهجم عليه بشيء.

فبلغ ذلك السلطان، فخرج من داره حافي القدمين، فأكب على رجلي القاضي يقبلهما، و أخذ بيده و خلع عليه جميع ما كان عليه من الثياب .. و لما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده و أدخله إلى داره و أمر نساءه بتعظيمه و التبرك به.

و رجع السلطان عن مذهب الرفض، و كتب إلى بلاده أن يقر الناس على مذهب أهل السنة و الجماعة .. (1).

أقول: في كلام ابن بطوطة عدة مواضع مردودة و قابلة للنظر.

منها: أنه ذكر أن العلامة الحلي صحب الشاه خدابنده في حال كفره، و كان إسلامه على يد العلامة.

و هذا مخالف لجميع المؤرخين كما مر، حيث ذكروا أن تشيعه كان على يد العلامة الحلي لا إسلامه، و السلطان محمد بعد أن توفي أخوه محمود جاء من خراسان و كان حنفيا ثمَّ صار شافعيا ثمَّ تشيع على يد العلامة.

و منها: أنه ذكر أن العلامة قرر للسلطان أن أبا بكر و عمر كانا وزيرين لرسول الله و أن عليا ابن عمه و صهره فهو وارث الخلافة.

و هذا مع تفرده به غير معقول، لأن العلامة لا يعتقد بإيمانهما فضلا عن أن يكونا وزيرين، و كتبه تشهد بعقيدته.

و منها: أنه ذكر أن السلطان أمر أن يرمى بالقاضي مجد الدين إلى الكلاب التي عنده و هي ضخام ..

و هذا مخالف لما ذكره أكثر المؤرخين من عدالة هذا السلطان و حسن سيرته كما مر، و مخالف أيضا لما نشاهده من أن هذا السلطان بعد استبصاره أمر كبار علماء السنة

____________

(1) رحلة ابن بطوطة: 204- 206.

127

بصحبته في المدرسة السيارة.

و منها:- و هو بيت القصيد- أن السلطان رجع من مذهب الشيعة، و كتب إلى بلاده أن يقر الناس على مذهب أهل السنة و الجماعة.

فأقول: نحن لو تفحصنا كتب التاريخ- التي كلها عامية- لوجدنا أن البحث المختص بالشيعة فيها قليل أو معدوم، و ذلك لأنهم كانوا و بقدر الإمكان يحاولون إخفاء الأحداث العظيمة و الوقائع الكبيرة المرتبطة بالتشيع، و إذا أرادوا ذكر شيء.

يسير منها فيذكرونه بالإشارة مع الغمز فيه، و أما الوقائع المرتبطة بمذهب الجماعة فهي و إن كانت صغيرة إلا أنهم يذكرونها بصيغة التعظيم و التفخيم.

فاناشدك بالله عزيزي القارئ هل يمكن أن يحدث مثل هذا الحدث الكبير الذي تفرد بنقله ابن بطوطة و يسكت عنه كل المؤرخين حتى الذين عاصروا العلامة و السلطان و حضروا في كل الأمور كالحافظ الآبرو و غيره كما تقدم؟

و لو كان ما نقله ابن بطوطة صحيحا لما تهجم أكثر علماء العامة على هذا السلطان لأنه صار رافضيا.

و كيف يمكن لنا الوثوق بنقل ابن بطوطة مع ما عرفت في مواضع عديدة من نقله مخالفته للمؤرخين كافة.

و الذي يفهم من كلامه أن السلطان لم يبق مدة طويلة على تشيعه، و هذا مخالف أيضا لما نقله المؤرخون من تغيير السكة و تأسيس المدرسة السيارة و .. فإنه يحتاج إلى مدة طويلة.

هذا و صرح ابن الوردي في تاريخه: بأنه في سنة 716، و صلت الأخبار بموت خدابنده الذي أقام سنة في أول ملكه سنيا ثمَّ ترفض إلى أن مات (1).

(7) لما وقف القاضي البيضاوي على ما أفاده العلامة في بحث الطهارة من القواعد بقوله: و لو تيقنهما- أي: الطهارة و الحدث- متحدين متعاقبين و شك في

____________

(1) تاريخ ابن الوردي 2- 377.

128

المتأخر، فإن لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر، و إلا استصحبه (1).

كتب بخطه إلى العلامة:

يا مولانا جمال الدين أدام الله فواضلك، أنت إمام المجتهدين في علم الأصول، و قد تقرر في الأصول مسألة إجماعية، هي: أن الاستصحاب حجة ما لم يظهر دليل على رفعه، و معه لا يبقى حجة، بل يصير خلافه هو الحجة، لأن خلاف الظاهر إذا عضده دليل صار هو الحجة، و هو ظاهر، و الحالة السابقة على حالة الشك قد انقضت بضدها، فان كان متطهرا فقد ظهر أنه أحدث حدثا ينقض تلك الطهارة، ثمَّ حصل الشك في رفع هذا الحدث، فيعمل على بقاء الحدث بأصالة الاستصحاب و بطل الاستصحاب الأول، و إن كان محدثا فقد ظهر ارتفاع حدثه بالطهارة المتأخرة عنه، ثمَّ حصل الشك في ناقض هذه الطهارة، و الأصل فيها البقاء، و كان الواجب على القانون الكلي الأصولي أن يبقى على ضد ما تقدم.

فأجاب العلامة:

وقفت على ما أفاده مولانا الامام العالم أدام الله فضائله و أسبغ عليه فواضله، و تعجبت من صدور هذا الاعتراض عنه، فإن العبد ما استدل بالاستصحاب، بل استدل بقياس مركب من منفصلة مانعة الخلو بالمعنى الأعم عنادية و حمليتين.

و تقريره: أنه إن كان في الحالة السابقة متطهرا، فالواقع بعدها إما أن يكون الطهارة و هي سابقة على الحدث، أو الحدث الرافع للطهارة الأولى فتكون الطهارة الثانية بعده، و لا يخلوه الأمر منهما، لأنه صدر منه طهارة واحدة رافعة الحدث في الحالة الثانية و حدث واحد رافع للطهارة، و امتناع الخلو بين أن يكون السابقة الطهارة الثانية أو الحدث ظاهرا، و يمتنع أن يكون الطهارة السابقة، و إلا كانت طهارة عقيب طهارة، فلا تكون طهارة رافعة للحدث، و التقدير خلافه، فتعين أن يكون السابق الحدث، و كلما كان السابق الحدث فالطهارة الثانية متأخرة عنه،

____________

(1) قواعد الأحكام 1- 12.

129

لأن التقدير أنه لم يصدر عنه إلا طهارة واحدة رافعة للحدث، فاذا امتنع تقدمها على الحدث وجب تأخرها عنه، و إن كان في الحالة السابقة محدثا، فعلى هذا التقدير إما أن يكون السابق الحدث أو الطهارة، و الأول محال، و إلا كان حدث عقيب حدث، فلم يكن رافعا للطهارة، و التقدير أن الصادر حدث واحد رافع للطهارة، فتعين أن يكون السابق هو الطهارة و المتأخر هو الحدث، فيكون محدثا، فقد ثبت بهذا البرهان أن حكمه في هذه الحالة موافق للحكم في الحالة الأولى بهذا الدليل لا بالاستصحاب، و العبد إنما قال: استصحبه، أي: عمل بمثل حكمه.

ثمَّ أنفذه إلى شيراز، و لما وقف القاضي البيضاوي على هذا الجواب استحسنه جدا و أثنى على العلامة (1).

و في المسألة تفاصيل كثيرة و ردود و أجوبة أعرضنا عنها مخافة الاطناب و الخروج عن صلب الترجمة (2).

8- لما ألف العلامة جمال الدين كتابه منهاج الكرامة في إثبات الإمامة، تعرض للرد عليه ابن تيمية في كتاب سماه منهاج السنة.

و قد أشار الشيخ تقي الدين السبكي إلى هذا بقوله:

و ابن المطهر لم تطهر خلائقه * * * داع إلى الرفض غال في تعصبه

و لابن تيمية رد عليه له * * * أجاد في الرد و استيفاء أضربه (3)

فقال السيد الأمين (رضوان الله عليه): و قد خطر بالبال- عند قراءة أبيات السبكي التي نقلها- هذه الأبيات:

لا تتبع كل من أبدى تعصبه * * * لرأيه نصرة منه لمذهبه

____________

(1) نقله المولى الأفندي في الرياض 1- 382- 384 عن الآقا رضي القزويني في كتابه لسان الخواص.

(2) فمن أراد الوقوف عليها فليراجع جامع المقاصد 1- 235- 237، مفتاح الكرامة 1- 289- 291، رياض العلماء 1- 382- 384، أعيان الشيعة 5- 401، و غيرها.

(3) الدرر الكامنة 2- 71 و 72، لسان الميزان 6- 319.

130

بالرفض يرمي ولى الطهر حيدرة * * * و ذاك يعرب عن أقصى تنصبه

كن دائما لدليل الحق متبعا * * * لا للذي قاله الآباء و انتبه

و ابن المطهر وافى بالدليل فإن * * * أردت إدراك عين الحق فائت به

إن السباب سلاح العاجزين و * * * بالبرهان إن كان يبدو كل مشتبه

و الشتم لا يلحق المشتوم تبعته * * * لكنه عائد في وجه صاحبه

و ابن المطهر قد طابت خلائقه * * * داع إلى الحق خال من تعصبه

و لابن تيمية رد عليه و ما * * * أجاد في رده في كل أضربه

حسب ابن تيمية ما كان قبل جرى * * * له وعايته من أهل مذهبه

في مصر أو في دمشق و هو بعد قضى * * * في السجن مما رأوه في مصائبه

مجسم و تعالى الله خالقنا * * * عن أن يكون له بالجسم من شبه

بذلك صرح يوما فوق منبره * * * بالشام حسبك هذا من معائبه

الله ينزل من فوق السماء كما * * * نزلت عن منبري ذا من عجائبه

قد شاهد ابن جبير ذاك منه على * * * مسامع الخلق أقصاه و أقربه (1)

و لما وصل كتاب منهاج السنة لابن تيمية بيد العلامة أنشأ أبياتا مخاطبا فيها ابن تيمية، أولها:

لو كنت تعلم كل ما علم الورى * * * طرا لصرت صديق كل العالم

لكن جهلت فقلت إن جميع من * * * يهوى خلاف هواك ليس بعالم (2)

فكتب الشيخ شمس الدين محمد الموصلي في جوابه:

يا من يموه في السؤال مسفسطا * * * إن الذي ألزمت ليس بلازم

هذا رسول الله يعلم كل ما * * * علموا و قد عاداه جل العالم (3)

____________

(1) أعيان الشيعة 5- 398.

(2) الدرر الكامنة 2- 71 و 72، و نقلها ابن عراق المصري في تذكرته كما عنه في مجالس المؤمنين 1- 573 و 574.

(3) نقله في المجالس 1- 573 و 574 عن تذكرة ابن عراق.

131

فأجابه السيد الأمين بقوله:

أحسنت في التشبيه كل معاند * * * لولي آل المصطفى و مقاوم

مثل المعاند للنبي محمد * * * و الحق متضح لكل العالم

و قال أيضا: السفسطة هي من الشمس الموصلي، فالعلامة يقول: إن ردك علي لجهلك بما أقول و عدم فهمك إياه على حقيقته، فلو علمت كل ما علم الورى و وصل إليه علمهم من الحق لكنت تذعن لهم و لا تعاديهم، لكنك جهلت حقيقة ما قالوا، فنسبت من لا يهوى هواك منهم إلى الجهل، فهو نظير قول القائل:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني * * * أو كنت أعلم ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتني * * * و علمت أنك جاهل فعذرتكا

فأين هذا من نقضه السوفسطائي بأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) يعلم كل ما يعلمه الناس و قد عاداه جل الناس (1).

و نقل ابن حجر أيضا أن العلامة لما بلغه بعض كتاب ابن تيمية قال: لو كان يفهم ما أقول أجبته (2).

و ذكر السيد الأمين أن هذه الجملة صدر بيت، ثمَّ استظهر انها من جملة أبيات (3).

و ابن تيمية هذا مع اعتراف أكثر العلماء بفساد عقيدته، بل بكفره و ارتداده حتى حبس في حياته لأجل آرائه المنحرفة، و ألفت الكتب في الرد عليه من العامة و الخاصة في زمانه و بعد زمانه، حتى أفرد أبو محمد صدر الدين العاملي كتابا في كفر ابن تيمية، ذكر فيه شهادة علماء الإسلام من الفريقين بكفره و كلماته الدالة على كفره، و ما تفرد به من الآراء الفاسدة و البدع.

كل هذا و نرى جل من ترجم العلامة من أبناء العامة ذكر ابن تيمية بصيغة

____________

(1) أعيان الشيعة 5- 398.

(2) لسان الميزان 2- 317.

(3) أعيان الشيعة 5- 398.

132

التعظيم و التبجيل، و أنه ألف كتابا رد فيه على العلامة الحلي، مع اعترافهم بأنه أفرط فيه و رد كثيرا من الأحاديث الصحاح، و افترى على العلامة و استهان به حتى عبر عنه بابن المنجس (1)!.

و معلوم أن هذا سلاح العاجزين و من لا دليل لهم.

و ذكر السخاوي كما في هامش نسخة (أ) من الدرر الكامنة عن شيخه: أنه بلغه أن ابن المطهر لما حج اجتمع هو و ابن تيمية و تذاكرا، فأعجب ابن تيمية بكلامه، فقال له: من تكون يا هذا؟ فقال: الذي تسميه ابن المنجس، فحصل بينهما انس و مباسطة (2).

أقول: تذاكر العلامة مع ابن تيمية و إعجاب ابن تيمية بكلامه يمكن أن يقبله العقل، لكن مؤانسة العلامة و مباسطته مع ابن تيمية لا يمكن أن يتصوره العقل، فكيف يمكن أن يستأنس هذا العبد الصالح- العلامة- و ينبسط لرجل اعترف كل من له عقل سليم بخباثته و فساد عقيدته و كفره؟!! (9) قال المحدث البحراني: و لقد قيل إنه وزع تصنيفه على أيام عمره من يوم ولادته إلى موته، فكان قسط كل يوم كراسا، مع ما كان عليه من الاشتغال بالإفادة و الاستفادة و التدريس و الأسفار و الحضور عند الملوك و المباحثات مع الجمهور و نحو ذلك من الأشغال، و هذا هو العجب العجاب الذي لا شك فيه و لا ارتياب (3).

و قد ذكر بعض متأخري أصحابنا أنه جرى ذكر الكراسة بحضرة مولانا المجلسي فقال: نحن بحمد الله لو وزعت تصانيفنا على أيامنا لكانت كذلك، فقال بعض الحاضرين: إن تصانيف مولانا الآخوند مقصورة على النقل و تصانيف العلامة

____________

(1) انظر: الوافي بالوفيات 13- 85، النجوم الزاهرة 9- 267، البداية و النهاية 14- 145، الدرر الكامنة 2- 71 و 72، لسان الميزان 6- 319، و غيرها.

(2) الدرر الكامنة 2- 72.

(3) لؤلؤة البحرين: 226.

133

مشتملة على التحقيق و البحث بالعقل، فسلم (رحمه الله) له ذلك (1).

فقال الخوانساري: لو سلم أن تصانيف العلامة لو قسمت على أيام عمره من ولادته إلى موته لكان قسط كل يوم كراسا، لم يناسب تسليم سمينا المجلسي (رحمه الله) فيما ورد عليه، حيث إن مؤلفاته الكثيرة المستجمعة لأحاديث أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) و بياناتها الشافية لا يكون أبدا بأنقص مما نسخه العلامة على منوال ما نسخه السلف الصالحون في كل فن من الفنون من غير زيادة تحقيق في البين أو إفادة تغيير في كتابين، بل من طالع خلاصة أقواله في الرجال و اطلع على كون عيون ألفاظه بعيونها ألفاظ رجالي النجاشي و الشيخ فضلا عن معانيها، يظهر له أن سائر مصنفاته المتكثرة أيضا مثل ذلك، إلا أن حقيقة الأمر غير مكشوفة إلا عن أعين المهرة الحاذقين (2).

فأجابه السيد الأمين بقوله: و حاول صاحب الروضات- على قاعدته في التعصب على العرب الذين ينتمي إلى سيدهم- أن يكون في هذا الأمر أشد من المجلسي نفسه الذي سلم- كما مر- أن تصانيفه مقصورة على النقل و تصانيف العلامة مشتملة على التحقيق.

ثمَّ قال: بيانات البحار جلها إنقال من كتب اللغة، و وقعت إخطاء في جملة منها كما يظهر لمن تتبعها، فلا تقاس بتحقيقات العلامة في الفقه و الأصول و الكلام و الردود و الاحتجاجات.

و أما أن العلامة يتبع السلف من غير زيادة تحقيق فهو كلام من لا يريد أن يوصف بمعرفة و لا إنصاف.

و أما نقله في الخلاصة عين عبارة النجاشي و الشيخ فذلك مبنى كتب الرجال، و إذا خالف رأيه رأيهما بين ذلك، و هل جاء أحد بعد العلامة إلى اليوم ممن ألف في

____________

(1) روضات الجنات 2- 276، أعيان الشيعة 5- 403.

(2) روضات الجنات 2- 276 و 277.

134

الرجال لم يسلك هذا المسلك، فالعيب به من غرائب التمحلات.

نعم وقع في الخلاصة مؤاخذات نبه عليها الرجاليون و ذكرناها في هذا الكتاب، كما وقع في غيرها من كتب الرجال، لكن صاحبنا لم يعب بها، بل عاب بمن لا عيب فيه.

و أما أن سائر مصنفاته كذلك- أي: إن قال عن الغير كما ظهر له بمهارته و حذقه- فكفى بهذا الكلام شينا لقائله (1).

و السيد الأمين و إن أنصف في الجواب على ما قاله السيد الخوانساري، لكن تحامله الشديد على السيد و التعبير عنه بمثل هذه الألفاظ أخرجه عن الانصاف، فلا يليق بمقام سيدنا العلامة الخوانساري (رحمه الله) أن يعبر عنه بمثل ما عبر السيد الأمين.

و مع هذه كله نرى السيد الأمين (رحمه الله) وقع بنفس الأمر الذي عاب به السيد الخوانساري حيث قال:

ثمَّ نقول تحدثا بنعمة الله: و نحن بحمده تعالى إن لم تساو مؤلفاتنا مؤلفات من ذكر في عددها فهي تقاربها، و في أكثرها بحث و تمحيص و إعمال فكر، مع أنهم كانوا في سعة من العيش و كثرة الخدم، و نحن بالضد من ذلك، و المجلسي كان عنده من الكتاب من يكفيه، و نحن نتولى كتابة ما نؤلفه بنفسنا تسويدا و تبييضا و تصحيحا عند الطبع مع مباشرة أمر المعاش (2)! (10) قال الطريحي: و عن بعض الأفاضل: وجد بخطه- أي: العلامة- خمسمائة مجلد من مصنفاته غير خط غيره من تصانيفه (3).

و قال الخوانساري: و لا استبعاد بذلك أيضا، حيث إن من جملة كتبه ما هو على حسب وضعه في مجلد كتابي، و منها ما هو في مجلدين كذلك، أو في ثلاث مجلدات،

____________

(1) أعيان الشيعة 5- 403.

(2) المصدر السابق.

(3) مجمع البحرين 6- 123 علم.

135

أو في أربع، أو في خمس و ست، أو في سبع، أو فيما ارتقى إلى أربعة عشر مجلدا، أو فيما يزيد على ذلك بكثير أو ينقص عنه بشيء يسير (1).

و قال السيد الأمين أيضا: و هذا غير مستبعد، لأن له من المؤلفات فوق المائة على ما قيل .. و كثير منها عدة مجلدات (2).

و نقل الخوانساري عن روضة العابدين عن بعض شراح التجريد إن للعلامة نحوا من ألف مصنف كتب تحقيق (3).

و قال السيد الأمين: و ينبغي أن يحمل على المجلدات الصغيرة، و بعض كتبه إذا قسمت مجلدات صغيرة تكون عشرات (4).

و عن ابن خواتون في شرح الأربعين: إن مؤلفات العلامة في الكثرة على حد بحيث انها قد حوسب فصار بإزاء كل يوم من أيام عمره ألف بيت من المصنفات (5).

فقال صاحب كتاب حدائق المقربين: هذا كلام بناؤه على الإغراق، و كان يقول استاذنا الآقا حسين الخوانساري: إنا حسبنا تصانيفه التي بين أظهرنا فصار بإزاء كل يوم ثلاثون بيتا تخمينا (6).

و قال المولى الأفندي أيضا: إن إمامنا العلامة هذا ممن لا مرية في وفور علمه و غزارة مصنفاته في كل علم، و لكن هذا قول من لا دراية له في تعداد مؤلفاته و التأمل في مقدار كتابة أعداد مصنفاته، إذ كتبه رضي الله عنه مضبوطة و مقدار عمره أيضا معلوم، و لو حاسبنا و سامحنا في التدقيق لما يصير في مقابلة كل يوم من

____________

(1) روضات الجنات 2- 275 و 276 بتصرف.

(2) أعيان الشيعة 5- 402.

(3) روضات الجنات 2- 276.

(4) أعيان الشيعة 5- 403.

(5) رياض العلماء 1- 362، روضات الجنات 2- 276 نقلا عن شرح الأربعين.

(6) روضات الجنات 2- 276.

136

أيام عمره- أعني من أوان بلوغه رتبة الحلم إلى وقت وفاته- بقدر مائتي بيت، و هذا واضح، فما يقال في المشهور جزاف فاضح، بل و لو حوسب جميع ما كتبه مدة عمره و إن كان من غير مؤلفاته أيضا لما بلغ هذا المقدار، و يكون من إغراقات الجاهل الهذار (1).

و قال التنكابني عند ذكره كرامات العلامة: الكرامة الخامسة، لم يكن بين العلماء مثل العلامة في كثرة التأليف، مع أنه كان مشتغلا بالتعليم و التدريس و الأسفار الكثيرة و المصاحبات و المراودات مع الملوك و الأعيان و الأعاظم و المناظرات و المباحثات الكثيرة مع الجمهور، مع هذا الحال وزعوا تأليفاته على مدة عمره فكان بمقدار كل يوم جزء، و معروف أيضا كل يوم ألف بيت، و هذه نهاية الكرامة ..

و سمع بل ذكر في بعض الكتب أن علماء العامة استبعدوا أن يكون كل يوم ألف بيت من مؤلفات العلامة، و على هذا السبب أنكروا هذا، و لم يفهموا أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم.

مع أنهم لو نسبوا مثل هذه النسبة إلى علمائهم- مع علمنا بكذبهم- لصدقوا ذلك، مثل أن ابن خلكان الشافعي ذكر في تاريخه في ترجمة هشام بن الصائب الكلبي النسابة أنه حفظ القرآن في ثلاثة أيام، و في ترجمة محمد بن عبد الله بن واحد قال:

إنه أملى عن حفظه ثلاثين ألف ورقة في علم اللغة، و في ترجمة محمد بن القاسم المعروف بابن الأنباري أنه كان يحفظ مائتين كتاب من كتب تفسير القرآن مع الأسانيد و كذا ثلاثمائة ألف بيت من شواهد القرآن و مع هذا له تصانيف كثيرة منها غريب الحديث أربعة و خمسين ألف ورقة و شرح الكافي في ألفين ورقة و كتب اخرى قريبة من ألف ورقة و كتاب في أحوال الأيام و الجاهلية سبعمائة ورقة و غيرها، و في ترجمة عبد الرحمن بن علي المشهور بأبي الفرج بن الجوزي الحنبلي قال: كتبه

____________

(1) رياض العلماء 1- 362 و 363.

137

أكثر من أن تحصى، و كتب بخطه كتبا كثيرة و صلت إلى حد لما جمعها بعضهم و وزعها على أيام عمره كان حصة كل يوم تسعة أجزاء، و كل جزؤه كما صرح به البعض عبارة عن خمسمائة بيت على حسب الكتب.

و هذا شيء لا يقبله العقل، سواء كان تسعة أجزاء في كل يوم أم أربعة آلاف و خمسمائة بيت، و هذا المقدار لم يتسير لأحد من الكتاب، فكيف إذا وصل إلى التصنيف.

أما في كل يوم ألف بيت فهو ممكن بل أكثر، و مؤلف هذا الكتاب- أي التنكابني- يعتقد أنه يستطيع أن يؤلف في كل يوم ألف بيت، سيما أيام الربيع أو إذا كان أحد يقرأ و أنا أكتب، فالتصنيف أيضا ممكن مع وجود الليالي أيضا فلا يستبعد أن قسما من مؤلفات العلامة كتبت في الليل، بالأخص أن بعضها كتبت بعناية الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) (1).

و قال المامقاني: و هذه التصنيفات في هذا العمر الوسط من الكرامات، فتسميته بآية الله من باب نزول الأسماء من السماء، كيف لا و قد قيل إن تصانيفه وزعت على أيام عمره من ولادته إلى وفاته فكان قسط كل يوم منها كراسا، هذا مع ما كان (رحمه الله) عليه من التدريس و التعليم و العبادات و الزيارات و رعاية الحقوق و المناظرات مع المخالفين و تشييد المذهب و الدين (2).

(11) قال السماهيجي: إن من وقف على كتب استدلاله و غاص في بحار مقاله وقف على العجب من كثرة الاختلاف في أقواله و عدم التثبت في الاستدلال حق التثبت و عدم الفحص في الأحاديث حق الفحص.

ثمَّ أشار إلى عذره في ذلك قائلا: إن الرجل لا ينكر علمه الغزير و لا يخفى حاله على الصغير و الكبير، لكنه (رحمه الله) كان من شدة حرصه على التصنيف و استعجاله في التأليف و حدة نظره و غزارة فهمه و علمه لا يراجع وقت جريان القلم أصول

____________

(1) قصص العلماء 360 و 361.

(2) تنقيح المقال 1- 315.

138

المسائل التي بلغها قلمه، بل يكتب كل ما في تلك الحال و صل إليه فهمه و أحاط به علمه و إن ناقض ما سبق و عارض ما سلف (1).

و قال الخوانساري نقلا عن روضة العابدين عن بعض شراح التجريد: و كان- أي: العلامة- لا يكتفي بمصنف واحد في فن من الفنون، لما كان فيه من كثرة تجدد الرأي و التلون و الاجتهاد (2).

و قال المحدث البحراني: و كان (قدس سره) لاستعجاله في التصنيف و وسع دائرته في التأليف يرسم كل ما خطر بباله الشريف و ارتسم بذهنه المنيف و لا يراجع ما تقدم له من الأقوال و المصنفات و إن خالف ما تقدم منه في تلك الأوقات، و من أجل ذلك طعن عليه بعض المتحذلقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الدين، بل جعلوا ذلك طعنا في أصل الاجتهاد، و هو خروج عن منهج الصواب و السداد، فان غلط بعض المجتهدين- على تقدير تسليمه- لا يستلزم بطلان أصل الاجتهاد متى كان مبنيا على دليل الكتاب و السنة الذي لا يعتريه الإيراد (3).

و قال التنكابني: و لا يخفى أن العلامة لاستعجاله في التصنيف و سعة دائرته كانت طريقته في التأليف أن كل ما يرتسم في ذهنه يثبته بلا مراجعة أقواله المتقدمة حتى إذا خالفت أقواله السابقة، و على هذا طعن المخالفون عليه.

و هذا القول ساقط من درجة الاعتبار، لأن المناط عند انسداد باب العلم الظن، و تجديد الرأي حسن للمجتهد، و مثل هذا التخالف بين الأقوال كان للشيخ الطوسي أيضا (4).

أقول: إذا تأملنا في حياة العلامة بدقة نستطيع أن نتصور شيئا يسيرا من الحركة العلمية العالية آنذاك، فالتاريخ يشهد لنا أن العلامة كان في زمان مزدهر بالعلم و مملوء بالعلماء الفحول ما لم يشهده زمان آخر، حتى نقل المولى الأفندي: أنه كان في

____________

(1) تنقيح المقال 1- 315.

(2) روضات الجنات 2- 276.

(3) لؤلؤة البحرين: 226 و 227.

(4) قصص العلماء: 361.

139

عصر العلامة في الحلة 440 مجتهدا (1) و أكده العلامة الرازي في طبقاته (2)، و ذكر السيد حسن الصدر أنه تخرج من عالي مجلس تدريس العلامة 500 مجتهدا، و وصل المستوي العلمي في زمانه درجة بحيث كان تدريس شخص لآخر في علم و حضور ذلك الشخص مجلس درس ذلك الآخر في علم ثان متعارفا.

هذا و الوصول إلى حكم الله الواقعي متعذر في زمن الغيبة، و أكثر الفتاوى مبتنية على الظنون الخاصة و غيرها من الأدلة غير القطعية.

فالجمع بينهما يحل مشكلة تعارض فتاوى العلامة في كتبه، و ذلك لأن العلامة لما كان يفتي بفتوى ما في الفقه أو يذهب إلى رأي ما في الأصول و العلوم العقلية، كانت تنهال عليه مناقشات العلماء و المجتهدين الجهابذة فيما أفتى به و ذهب إليه، فكان (رحمه الله) ينظر فيها و يبحثها معهم، فإن لم يقتنع بها ردها، و إن رآها سديدة قبلها برحابة صدر و غير فتواه و ما ذهب إليه في مؤلفاته الجديدة، و هلم جرا.

فلا داعي للالتزام لحل هذه المشكلة بحرصه على التأليف و استعجاله في التصنيف، و أن كل ما يرتسم في ذهنه يثبته بلا مراجعة أقواله المتقدمة، و أنه كان لا يفحص في الأحاديث و الأدلة حق الفحص، فكان له التجدد في الرأي و التلون في الاجتهاد! إلى غير ذلك مما لا تليق نسبته إلى عالم فضلا عن العلامة على الإطلاق.

قال السيد الأمين: مخالفة العلماء فتاواهم السابقة في كتبهم بتجدد اجتهادهم خارج عن حد الحصر، و قد جعل له العلماء بحثا خاصا في باب الاجتهاد و التقليد و ليس العلامة أول من وقع منه ذلك، و جعل بعض الاخبارية ذلك طعنا عليه خروج عن الانصاف (3).

(12) قال المولى محمد أمين الأسترآبادي: قصة حسنة، قد بلغني أن بعض علماء

____________

(1) رياض العلماء 1- 361.

(2) طبقات أعلام الشيعة: 53.

(3) أعيان الشيعة: 5- 403.

140

العامة طعن على الطائفة المحقة بأن أفضل أهل الاجتهاد و الاستنباط بينكم العلامة الحلي، و قد رآه بعد موته ولده في المنام، فقال لولده: لو لا كتاب الألفين و زيارة الحسين (عليه السلام) لأهلكتني الفتاوى (1)، فعلم أن مذهبكم باطل.

و قد أجاب عنه بعض فضلائنا بأن هذا المنام لنا لا علينا، فان كتاب الألفين مشتمل على ألف دليل لإثبات مذهبنا و على ألف دليل لإبطال مذهب غيرنا.

و لقائل أن يقول: قد اشتهر بين العلماء أن تهذيب العلامة الحلي مختصر من المختصر الحاجبي و هو مختصر من المنتهى الحاجبي و هو مختصر من أحكام الآمدي و هو مختصر من محصول الفخر الرازي و هو مختصر من معتمد أبي الحسين البصري، و ذكره السيد السند العلامة الأوحد السيد جمال الدين محمد الأسترآبادي في شرح تهذيب الأصول للعلامة الحلي.

فربما يكون سبب ما رآه ولده في المنام أنه أعجبه كثير من القواعد الأصولية و الاستنباطات الفقهية المذكورة في كتب العامة، فأدخلها في كتبه و هو في غفلة عن ابتنائها على قواعد مخالفة لما هو من ضروريات مذهب الطائفة المحقة (2)، انتهى.

أما أن أصل تهذيب العلامة مختصر من كتب السنة فقد قال السيد الأمين:

و كأنه يومئ بطرف خفي إلى أن أصل علم الأصول من غير الشيعة و أن العلامة أخذ منهم، ترويجا لرأي الأخبارية، و مع كون الحق حقيقا أن يتبع أينما وجد فقد صنف في الأصول قبل العلامة الشيخ الطوسي المعاصر لأبي الحسين البصري و المرتضى و الشيخ المفيد المتقدمان على أبي الحسين البصري (3).

و قال الشيخ الطهراني: يظهر منه أنه حاول بذلك الكلام إرجاع علم الأصول و كتبه إلى علماء العامة، بزعم أن الأصوليين منا عيال عليهم، أو لم يطلع على عدة

____________

(1) في بعض المصادر وردت العبارة هكذا: «لقصمت الفتاوى ظهر أبيك نصفين».

(2) الفوائد المدنية: 277 و 278.

(3) أعيان الشيعة 5- 404.

141

الأصول لشيخ الطائفة المعاصر لأبي الحسين البصري؟! فهل يحتمل أنه أخذ مطالبه عن غير أستاذه الشيخ المفيد المقدم على أبي الحسين.

نعم لم يدون إلى عصر المولى محمد أمين كتاب أصول آل الرسول (1) الحاوي لأربعة آلاف حديث عن المعصومين (عليهم السلام) يتعلق جميعا بأصول الفقه ..

و كذلك الأصول الأصلية (2) .. فهو معذور بعدم اطلاعه (3).

و أما المنام المنقول فقال السيد الأمين: إن هذا المنام مختلق مكذوب على العلامة، و أمارة ذلك ما فيه من التسجيع، مع أن العلامة إما مأجور أو معذور، و تأليفه في علم أصول الفقه من أفضل أعماله، و لا يستند إلى المنامات إلا ضعفاء العقول أو من يرجون بها نحلهم و أهواءهم (4).

و إذا أردنا التمسك بالمنامات، فالأولى لنا أن نتمسك بمنام ولده الذي ذكره في كتاب الألفين حين ترتيبه له في ذيل الدليل 150، حيث قال العلامة لولده: ..

فإني قد بلغت من المني أقصاها، و من الدرجات أعلاها، و من الغرف ذراها (5).

و أقول مخاطبا المولى أمين الأسترآبادي:

____________

(1) أصول آل الرسول في استخراج أبواب أصول الفقه من روايات أهل البيت (عليهم السلام) للسيد ميرزا محمد هاشم بن السيد ميرزا زين العابدين الموسوي الخوانساري المتوفى سنة 1318، جمع في الأحاديث المأثورة عنهم (عليهم السلام) في قواعد الفقه و الاحكام، و رتبها على مباحث أصول الفقه، الذريعة 2- 177.

(2) الأصول الأصلية و القواعد المستنبطة من الآيات و الأخبار المروية، للسيد عبد الله بن محمد رضا شبر الحسيني الكاظمي المتوفى سنة 1242، جمع فيه المهمات من المسائل الأصولية المنصوصة في الآيات و الروايات، فمن الآيات 134 آية، و من الروايات 1903 أحاديث، مجلد كبير في اثني عشر ألف بيت، الذريعة 2- 178.

(3) الذريعة 4- 512.

(4) أعيان الشيعة 5- 401.

(5) الألفين: 128.

142

يا مولانا، هل يمكن أن يعجب العلامة الحلي بكثير من القواعد الأصولية و الاستنباطات الفقهية المذكورة في كتب العامة و يدخلها في كتبه و هو في غفلة عن ابتنائها على قواعد مخالفة لما هو من ضروريات مذهب الطائفة الحقة؟! مولانا، و من هو العلامة حتى يغفل مثل هذه الغفلة التي لا يغفل عنها أقل العلماء رتبة؟! مولانا، كيف يمكن أن تنسبوا إلى العلامة بأنه غفل و أدخل في كتبه ما هو مخالف لضروريات مذهب التشيع؟ و تستندون فيه إلى منام ليس حجة بذاته، و مع تسليم حجيته لم يعلم ناقل هذا المنام، فرب مشهور لا أصل له! فيا مولانا ما ذكرتموه لهو الشيء العجاب (1)!!! و في التنقيح نقلا عن السماهيجي! .. حتى قال الأسترآبادي إنه- أي:

العلامة- أول من سلك طريقة الاجتهاد من أصحابنا!

____________

(1) و كان المولى أمين الأسترآبادي- غفر الله له- كثير التهجم و الاجتراء على العلامة و كثير من علمائنا الربانيين، بحيث لم يستطع القلم أن يكتب ما ذكره و لم تتحمل الأوراق أن تكتب عليها تعبيراته، و لم يرتض منه هذا الأسلوب من الكلام حتى نفس علماء الأخبارية المعتدلين، إذ لا يوجد فرق جوهري بين مسلك الأخباريين و الأصوليين، بل الكل علماء أبرار أتقياء، (رضوان الله عليهم).

قال الشيخ يوسف البحراني: نور الله ضريحه- و لم يرتفع صيت هذا الخلاف و لا وقوع هذا الاعتساب إلا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية، فإنه قد جرد لسان التشنيع على الأصحاب و أسهب في ذلك أي إسهاب، و أكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب .. فإنهم (رضوان الله عليهم) لم يألو جهدا في إقامة الدين و احياء سنة سيد المرسلين، و لا سيما آية الله العلامة الذي قد أكثر من الطعن عليه و الملامة، فإنه بما ألزم به علماء الخصوم و المخالفين من الحجج القاطعة و البراهين، حتى آمن بسببه الجم الغفير و دخل في هذا الدين الكبير و الصغير و الشريف و الحقير، و صنف من الكتب المشتملة على غوامض التحقيقات و دقائق التدقيقات، حتى أن من تأخر عنه لم يلتقط إلا من درر نثاره و لم يغترف إلا من زاخر بحاره، قد صار له من اليد العليا عليه و على غيره من علماء الفرقة الناجية ما يستحق به الثناء الجميل و مزيد التعظيم و التبجيل، لا الذم و النسبة إلى تخريب الدين، كما اجترأ به قلمه عليه (قدس سره) و على غيره من المجتهدين، الحدائق 1- 170.

143

و إن كان الأمر ليس كما قال، بل الاجتهاد سابق عليه، إلا أنه روجها و قومها و قررها و سومها (1).

و قال السيد الأمين: نقل بعض متعصبة الاخبارية أنه قال: هدم الدين مرتين ثانيتهما يوم أحدث الاصطلاح الجديد في الأخبار .. و ربما نقل عن بعضهم جعل الثانية يوم ولد العلامة الحلي (2).

و لا أعلم بأي شيء أجيب جهلة الاخبارية «الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا» .. (3).

أ في يوم ولد العلامة هدم الدين؟! أ ليس العلامة هو الذي ثبت الدين و التشيع؟! نعم لا ذنب للعلامة إلا أنه أصولي، و عند متعصبي الأخبارية من كان أصوليا فهو خارج عن الدين و إن كان العلامة! و نعم ما قاله السيد الأمين نور الله ضريحه: و هذا كله جهل فاضح ساعد عليه تسويل إبليس و ضعف التقوى، فأصحابنا لم يريدوا أن يكونوا محرومين من فائدة تقسيم الحديث إلى أقسامه، و لا أن يمتاز غيرهم بشيء عنه، فقسموا الحديث إلى أقسامه المشهورة و تركوا للمجتهد الخيار فيما يختاره منها إن يكن مقبولا عنده، فمن عابه بذلك هو أولى بالعيب و الذم (4).

و أخيرا قال المامقاني: و كان- أي: العلامة- على قلب الاخبارية سيما محمد أمين الأسترآبادي أثقل من الصخر، كما يظهر من فوائده المدنية (5).

و هذا شأن كل عظيم كما ذكرنا سابقا.

____________

(1) تنقيح المقال 1- 314.

(2) أعيان الشيعة 5- 401.

(3) النور: 19.

(4) أعيان الشيعة 5- 401.

(5) تنقيح المقال 1- 414.

144

العلامة و الشعر:

وصف المولى الأفندي علامتنا الحلي: بأنه أديب شاعر ماهر.

ثمَّ قال: و قد رأيت بعض إشعاره ببلدة أردبيل، و هي تدل على جودة طبعه في أنواع النظم أيضا (1).

و قد مر في الفصل السابق أن العلامة لما وصل بيده كتاب منهاج السنة- الذي هو رد على كتابه منهاج الكرامة- قال مخاطبا ابن تيمية:

لو كنت تعلم كل ما علم الورى * * * طرا لصرت صديق كل العالم

لكن جهلت فقلت إن جميع من * * * يهوى خلاف هواك ليس بعالم (2)

و قال الخوانساري: ثمَّ ليعلم أني لم أقف إلى الآن على شيء من الشعر لمولانا العلامة- أعلى الله مقامه- في شيء من المراتب، و كأنه لعدم وجود طبع النظم فيه، و إلا لم يكن على اليقين بصابر عنه، و لا أقل من الحقانيات (3).

نعم اتفق لي العثور في هذه الأواخر على مجموعة من ذخائر أهل الاعتبار و لطائف آثار فضلاء الأدوار فيها نسبة هذه الأشعار إليه:

ليس (4) في كل ساعة أنا محتاج * * * و لا أنت قادر أن تنيلا

فاغتنم حاجتي (5) و يسرك فأحرز * * * فرصة تسترق فيها الخليلا

____________

(1) رياض العلماء 1- 359.

(2) الدرر الكامنة 2- 71 و 72، و نقلها ابن عراق المصري في تذكرته كما عنه في مجالس المؤمنين 1- 573 و 574 و روضات الجنات 2- 285.

(3) عدم وقوفه على شيء من الشعر للعلامة لا يدل على عدم وجود طبع النظم فيه، فان العلامة نشأ في زمن مملوء من الشعراء و الأدباء، و كان له قدرة كاملة على كل العلوم، فبالضرورة يكون فيه طبع النظم، لكن لم يكن مكثارا في الشعر، شأنه شأن الشعراء الماهرين المقلين من الشعر.

(4) في بعض النسخ: لست.

(5) في بعض النسخ: عسرتي.

145

ثمَّ قال: و له (رحمه الله) أيضا كتبه إلى العلامة الطوسي (رحمه الله) في صدر كتابه و أرسله إلى عسكر السلطان خدابنده مسترخصا للسفر إلى العراق من السلطانية:

محبتي تقتضي مقامي * * * و حالتي تقتضي الرحيلا

هذان خصمان لست أقضي * * * بينهما خوف أن أميلا

و لا يزالان في اختصام * * * حتى نرى رأيك الجميلا (1)

و قال التنكابني: و نقل السيد نعمة الله الجزائري هذه الرباعية عن العلامة:

لي في محبته (2) شهود أربع * * * و شهود كل قضية اثنان

خفقان قلبي و اضطراب مفاصلي * * * و شحوب لوني و اعتقال لساني (3)

و في مجموعة مخطوطة في المكتبة الرضوية تحت رقم 6196: أن العلامة نظم قصيدة يؤكد فيها على العلم و أثره النافع في الدنيا و الآخرة، و يحث ولده على بذل الوسع في طلبه و تعليمه لمستحقيه و القصيدة هي:

أيا ولدي دعوتك لو أجبتا * * * إلى ما فيه نفعك لو عقلتا

إلى علم تكون به إماما * * * مطاعا إن نهيت و إن أمرتا

و يجلو ماء عينك من غشاها * * * و يهديك السبيل إذا ضللتا

و تحمل منه في ناديك تاجا * * * و يكسوك الجمال إذا اغتربتا

ينالك نفعه ما دمت حيا * * * و يبقى نفعه لك إن ذهبتا

هو العضب المهند ليس يهفو * * * تصيب به مقاتل من ضربتا

و كنزا لا تخاف عليه لصا * * * خفيف الحمل يوجد حيث كنتا

يزيد بكثرة الإنفاق منه * * * و ينقص إن به كفا شددتا

فلو أن ذقت من حلواه طعما * * * لآثرت التعلم و اجتهدتا

____________

(1) روضات الجنات 2- 285 و 286.

(2) أي: محبة الله تعالى.

(3) قصص العلماء: 357.

146

و لم يشغلك عن هذا متاع * * * و لا دنيا بزخرفها فتنتا

و لا أنهاك عنه أنيق روض * * * و لا عدر حرسه كلفتا (1)

جعلت المال فوق العلم جهلا * * * لعمرك في القضية ما عدلتا

و بينهما بنص الوحي بين * * * ستعلمه إذا طه قرأتا

فإن رفع الغني لواء مال * * * فأنت لواء علمك قد رفعتا

و مهما اقتض أبكار الغواني * * * فكم بكر من الحكم اقتضضتا

و إن جلس الغني على الحشايا * * * فأنت على الكواكب قد جلستا

و لو ركب الجياد مسومات * * * فأنت مناهج التقوى ركبتا

و ليس يضرك الإقتار شيئا * * * إذا ما كنت ربك قد عرفتا

فيا (2) من عنده لك من جميل * * * إذا بفناء ساحته أنختا

فقابل بالصحيح قبول قولي * * * و إن أعرضت عنه فقد خسرتا

و إن رابحته قولا و فعلا * * * و تاجرت الإله فقد ربحتا (3)

أحواله و ظرائفه:

تقدم شيء كثير في طي ترجمته من أحواله و ظرائفه، و بقيت أشياء أخر نذكرها هنا، و هي:

(1) قال الصفدي: و كان له- أي: للعلامة- ممالك و إدارات كثيرة و أملاك جيدة .. و حج أواخر عمره و خمل و انزوى إلى الحلة (4).

و قال العسقلاني: و حج في أواخر عمره (5).

و قال السيد الخرسان: و إذا ما رجعنا إلى بعض مصنفاته نجده منذ عام 716- و هو العام الذي توفي فيه السلطان خدابنده- كان بالحلة، و قد فرغ منها فيها، و هذا

____________

(1) كذا، و لعل المناسب: «و لا غدر بجريتها كلفتا».

(2) كذا، و لعل الصواب: فكم.

(3) مجلة تراثنا، عدد: 7 و 8، ص 328- 330.

(4) الوافي بالوفيات 13- 85.

(5) الدرر الكامنة 2- 71.

147

مما يدلنا على أن شيخنا جمال الدين ابن المطهر (رحمه الله) بعد وفاة السلطان المذكور رجع إلى الحلة و لم يخرج إلا إلى الحج و البلاد التي في طريقه، أما إلى إيران و خصوصا بلد السلطانية فلم أعثر على ما يدل على سفره إليها بعد سنة 716.

و كان معه في سفره إلى الحج ولده فخر المحققين، و قد قرأ على والده في سفره ذلك كتاب تهذيب الاحكام لشيخ الطائفة الطوسي، و أجازه أبوه بكتاب الاستبصار و كتاب الرجال للشيخ الطوسي أيضا.

قال الفخر: قرأت تهذيب الأحكام على والدي بالمشهد الغروي على مشرفه السلام، و مرة أخرى في طريق الحجاز، و حصل الفراغ منه و ختمه في مسجد الله الحرام، و كتاب الاستبصار و كتاب الرجال إجازة لي من والدي (1).

(2) قال التنكابني عند ذكره كرامات العلامة: الكرامة الثالثة، ما اشتهر على الألسنة و الأفواه، و أنا الفقير مؤلف هذا الكتاب سمعت الآخوند ملا صفر علي اللاهيجي يحكي عن أستاذه المرحوم المبرور السيد محمد بن السيد علي صاحب المناهل حيث قال:

إن العلامة كان يذهب في ليالي الجمعة إلى زيارة سيد الشهداء في كربلاء، و كان يذهب لوحدة و يركب على حمار و بيده المباركة عصا، و في أثناء المسير صادف رجلا عربيا، فسارا معا و تحدثا، و بعد مرور زمان من محادثتهما تبين للعلامة أن صاحبه رجل فاضل، فشرع معه في البحث حول المسائل العلمية، و من مباحثة العلامة لصاحبه تبين له أن هذا الشخص صاحب علم و فضل كثير و متبحر في شتى العلوم، فأخذ العلامة بطرح الإشكالات التي لم تحل عنده عليه، فطرح الأسئلة واحدة فواحدة، و كان صاحبه يحل جميع ما يطرحه العلامة من الإشكالات العويصة و المعضلات، حتى انجر البحث إلى مسألة أفتى صاحب العلامة عنها فتوى أنكرها العلامة، و قال: لا يوجد حديث على هذه الفتوى، فقال صاحبه: يوجد حديث على

____________

(1) مقدمة كتاب الألفين: 62.

148

هذه الفتوى ذكره الشيخ الطوسي في تهذيبه، و أنت أحسب من كتاب التهذيب كذا قدر من الورق حتى تصل إلى الصفحة الكذائية السطر الكذائي تجد هذا الحديث، فتحير العلامة في شأن صاحبه و من يكون! فسأله العلامة: هل يمكن في زمان الغيبة الكبرى رؤية صاحب الأمر؟ و في هذا الحال وقعت العصا من يد العلامة، فانحنى صاحبه و أخذ العصا و وضعها في يد العلامة و قال: كيف لا يمكن رؤية صاحب الزمان و يده في يدك؟! فالعلامة بلا اختيار ألقى بنفسه من على دابته إلى الأرض ليقبل رجل الامام (عجل الله تعالى فرجه)، فأغمي عليه، فلما أفاق لم ير أحدا، فلما رجع إلى البيت أخذ كتاب التهذيب و رأى الحديث في تلك الورقة و في تلك الصفحة و السطر الذي أرشده الإمام إليه، فكتب العلامة على حاشية التهذيب في هذا المقام: إن هذا الحديث أخبر عنه صاحب الأمر (عليه السلام) و أرشد إليه في نفس الصفحة و السطر.

فقال الآخوند ملا صفر علي: إن أستاذي السيد محمد قال: رأيت نفس الكتاب و في حاشية هذا الحديث رأيت هذه الحكاية بخط العلامة (1).

(3) قال الشهيد القاضي: إن بعضهم- أي: العامة- كتب في الرد على الإمامية كتابا يقرؤه في مجامع الناس و يظللهم بإغوائه و لا يعطيه أحدا يستنسخه حذرا عن وقوعه بأيدي الشيعة فيردوا عليه، و كان العلامة المرحوم يحتال في تحصيله منذ سمع به، إلى أن رأى التدبير في التلمذ على ذلك الشخص تبرئة لنفسه عن الاتهام، و توسل به إلى طلب الكتاب الموصوف، فلما لم يسعه رده قال: أعطيك و لكني نذرت أن لا أدعه عند أحد أكثر من ليلة واحدة، فاغتنم العلامة الفرصة و أخذه إلى البيت ليستنسخ منه على حسب الإمكان في تلك الليلة، فلما أن صار نصف الليل و هو مشغول بالكتابة غلب عليه النوم، فإذا بمولانا الحجة (عليه السلام) داخل عليه يقول له: اجعل الأمر في هذه الكتابة إلي و نم، ففعل كذلك، و لما

____________

(1) قصص العلماء: 358.

149

استيقظ رأى نسخته الموصوفة ممرورا عليها بالتمام بكرامة الحجة (عجل الله تعالى فرجه) (1).

و قال المحدث النوري بعد ذكره الحكاية السابقة عن مجالس المؤمنين: حكى هذه القصة بنحو آخر علي بن إبراهيم المازندراني معاصر العلامة المجلسي و هي: أن العلامة لما طلب الكتاب الذي هو عبارة عن الرد على الشيعة و امتنع صاحبه من إعطائه له، فاتفق أن وافق صاحب الكتاب على إعطائه إلى العلامة، بشرط بقائه عنده ليلة واحدة- و كان حجم الكتاب كبيرا جدا بحيث لا يمكن استنساخه إلا في سنة أو أكثر- فأخذه العلامة إلى البيت و شرع في نسخه حتى تعب، و إذا برجل يدخل عليه من الباب بصفة أهل الحجاز، فسلم عليه و جلس عنده، و قال له: يا شيخ أنت مصطر لي الأوراق و أنا أكتب، فأخذ الشيخ العلامة يمصطر الأوراق و الرجل الحجازي يكتب، و من سرعة كتابة الرجل الحجازي لم يستطع العلامة أن يهيأ له تخطيط الأوراق، فلما أشرق وجه الصباح و إذا بالكتاب قد تمَّ.

و ذكر بعض الكتاب أن العلامة لما تعب من الكتابة نام، فلما استيقظ رأى الكتاب مكتوبا بأكمله، و الله العالم (2).

و قال التنكابني: و سمعت هذه الحكاية من والدي و غيره، و هي أن مؤلف الكتاب كان من المعاصرين للعلامة، فقال العلامة لبعض تلامذته: اذهب و تتلمذ على مؤلف الكتاب لتستطيع أخذ الكتاب منه، فتتلمذ عنده حتى حصل له اطمئنان كامل، فأعطاه الكتاب عارية ليلة واحدة، فشرع العلامة باستنساخه حتى صار وقت السحر، فغلب النعاس عليه و نام و وقع القلم من يده، فلما أصبح الصباح تندم على نومه و تركه الاستنساخ، فلما نظر إلى الكتاب رآه مكتوبا بأجمعه، و في آخره: كتبه م ح م د بن الحسن العسكري صاحب الزمان (3).

____________

(1) مجالس المؤمنين 1- 573.

(2) النجم الثاقب: 294 و 295، جنة المأوى: 252 و 253.

(3) قصص العلماء: 358.

150

(4) قال التنكابني: معروف أن العلامة قضى صلاة تمام عمره ثلاث مرات أو أربع احتياطا (1).

و قال المولى الأفندي: و اعلم أن العلامة هذا قد كان من أزهد الناس و أتقاهم، و من زهده ما حكاه الأمير السيد حسين المجتهد في رسالة النفحات القدسية عنه: أنه (قدس سره) قد أوصى بجميع صلاته و صيامه مدة عمره و بالحج عنه، مع أنه كان قد حج .. و من غاية احتياطه أيضا نيته في صلاته بثلاثة أقسام (2).

و قال العلامة الطباطبائي: و قد سمعت من مشايخنا (رضوان الله عليهم) مذاكرة أنه- أي: العلامة- كان يقضي صلاته إذا تبدل رأيه في بعض ما يتعلق بها من المسائل حذرا من احتمال التقصير في الاجتهاد، و هذا غاية الاحتياط و منتهى الورع و السداد، و ليت شعري كيف كان يجمع بين هذه الأشياء التي لا يتيسر القيام ببعضها لأقوى العلماء و العباد، و لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، و في مثله يصح قول القائل:

ليس على الله بمستبعد * * * أن يجمع العالم في واحد (3)

(5) قال التنكابني: قيل: كان العلامة واقفا في يوم من الأيام مع أبيه و البناء يبني، فاذا بمقدار من الطين يقع على وجه العلامة، فيقول البناء: يا ليتني كنت مكان هذا الطين، فيبادر العلامة بالبداهة قائلا لوالده «وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» (4).

(6) قال التنكابني: و أيضا معروف أن العلامة في حال طفولته كان يدرس عند خاله المحقق، و في بعض الأوقات يهرب من الدرس، فكان المحقق يلحقه ليمسكه، فاذا

____________

(1) قصص العلماء: 364.

(2) رياض العلماء 1- 365.

(3) تنقيح المقال 1- 315، نقلا عن العلامة الطباطبائي.

(4) النبإ: 40، قصص العلماء: 357 و 358.

151

وصل قربه قرأ العلامة آية السجدة، فيسجد المحقق، و يغتنم العلامة الفرصة للهروب (1).

وصاياه و آثاره:

لعلامتنا جمال الدين وصايا جميلة تنبئ عن مقامه الشامخ و حمله للروح الصافية الطيبة التي تحب الخير لكل من يحمل معه صفة الإنسانية.

فمنها: ما أوصى به ولده فخر الدين عند إتمامه كتاب قواعد الأحكام، قال:

اعلم يا بني أعانك الله تعالى على طاعته، و وفقك لفعل الخير و ملازمته، و أرشدك إلى ما يحبه و يرضاه، و بلغك ما تأمله من الخير و تتمناه، و أسعدك في الدارين و حباك بكل ما تقربه العين، و مد لك في العمر السعيد، و العيش الرغيد، و ختم أعمالك بالصالحات، و رزقك أسباب السعادات، و أفاض عليك من عظائم البركات، و وقاك الله كل محذور، و دفع عنك الشرور:

اني لخصت لك في هذا الكتاب لب فتاوى الأحكام، و بينت لك فيه قواعد شرائع الإسلام، بألفاظ مختصرة و عبارة محررة، و أوضحت لك فيه نهج الرشاد و طريق السداد.

و ذلك بعد أن بلغت من العمر الخمسين، و دخلت في عشر الستين، و قد حكم سيد البرايا: بأنها مبدأ اعتراك المنايا، فان حكم الله تعالى علي فيها بأمره، و قضى فيها بقدره، و أنفذ ما حكم به على العباد الحاضر منهم و الباد.

فإني أوصيك- كما افترض الله تعالى علي من الوصية و أمرني به حين إدراك المنية- بملازمة تقوى الله تعالى، فإنها السنة القائمة، و الفريضة اللازمة، و الجنة الواقية، و العدة الباقية، و أنفع ما أعده الإنسان ليوم تشخص فيه الأبصار و يعدم عنه الأنصار.

____________

(1) قصص العلماء: 359.

152

عليك باتباع أوامر الله تعالى، و فعل ما يرضيه، و اجتناب ما يكرهه، و الانزجار عن نواهيه، و قطع زمانك في تحصيل الكمالات النفسانية، و صرف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلمية، و الارتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال، و الارتفاع إلى أوج العرفان عن مهبط الجهال، و بذل المعروف، و مساعدة الاخوان، و مقابلة المسيء بالإحسان و المحسن بالامتنان.

و إياك و مصاحبة الأرذال، و معاشرة الجهال، فإنها تقيد خلقا ذميما، و ملكة ردية.

بل عليك بملازمة العلماء، و مجالسة الفضلاء، فإنها تفيد استعدادا تاما لتحصيل الكمالات، و تثمر لك ملكة راسخة لاستنباط المجهولات، و ليكن يومك خيرا من أمسك.

و عليك بالتوكل و الصبر و الرضا، و حاسب نفسك في كل يوم و ليلة، و أكثر من الاستغفار لربك، و اتق دعاء المظلوم خصوصا اليتامى و العجائز، فإن الله تعالى لا يسامح بكسر كسير.

و عليك بصلاة الليل، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) حث عليها و ندب إليها و قال: من ختم له بقيام الليل ثمَّ مات فله الجنة.

و عليك بصلة الرحم، فإنها تزيد في العمر.

و عليك بحسن الخلق، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم.

و عليك بصلة الذرية العلوية، فإن الله تعالى قد أكد الوصية فيهم و جعل مودتهم أجر الرسالة و الإرشاد.

فقال تعالى «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (1).

و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إنى شافع يوم القيامة لأربعة أصناف و لو

____________

(1) الشورى: 23.

153

جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتي، و رجل بذل ما له لذريتي عند المضيق، و رجل أحب ذريتي باللسان و القلب، و رجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا و شردوا.

و قال الصادق (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيها الخلائق أنصتوا فإن محمدا يكلمكم، فينصت الخلائق، فيقوم النبي (صلى الله عليه و آله) فيقول: يا معشر الخلائق من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافيه، فيقولون بآبائنا و أمهاتنا و أي منة و أي معروف لنا، بل اليد و المنة و المعروف لله و لرسوله على جميع الخلائق، فيقول: بلى من آوى أحدا من أهل بيتي أو برهم أو كساهم من عرى أو أشبع جائعهم فليقم حتى أكافيه، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله: يا محمد يا حبيبي قد جعلت مكافاتهم إليك، فأسكنهم من الجنة حيث شئت، فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمد و أهل بيته (صلوات الله عليهم).

و عليك بتعظيم الفقهاء و تكريم العلماء، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال:

من أكرم فقيها مسلما لقي الله تعالى يوم القيامة و هو عنه راض، و من أهان فقيها مسلما لقي الله تعالى يوم القيامة و هو عليه غضبان. و جعل النظر إلى وجه العلماء عبادة، و النظر إلى باب العالم عبادة، و مجالسة العلماء عبادة.

و عليك بكثرة الاجتهاد في ازدياد العلم و الفقه في الدين، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لولده: تفقه في الدين فإن الفقهاء ورثة الأنبياء، و إن طالب العلم يستغفر له من في السماوات و من في الأرض حتى الطير في جو السماء و الحوت في البحر، و إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به.

و إياك و كتمان العلم و منعه عن المستحقين لبذله، فإن الله تعالى يقول «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ» (1) و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إذا

____________

(1) البقرة: 159.

154

ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله. و قال (عليه السلام): لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم.

و عليك بتلاوة الكتاب العزيز، و التفكر في معانيه، و امتثال أوامره و نواهيه، و تتبع الأخبار النبوية و الآثار المحمدية، و البحث عن معانيها و استقصاء النظر فيها، و قد وضعت لك كتبا متعددة في ذلك كله.

هذا ما يرجع إليك و أما ما يرجع إلي و يعود نفعه على: فان تتعهدني بالترحم في بعض الأوقات، و أن تهدي إلي ثواب بعض الطاعات، و لا تقلل من ذكري فينسبك أهل الوفاء إلى الغدر، و لا تكثر من ذكري فينسبك أهل العزم إلى العجز، بل اذكرني في خلواتك و عقيب صلواتك، و اقض ما علي من الديون الواجبة و التعهدات اللازمة، و زر قبري بقدر الإمكان، و اقرأ عليه شيئا من القرآن، و كل كتاب صنفته و حكم الله تعالى بأمره قبل إتمامه فأكمله، و أصلح ما تجده من الخلل و النقصان و الخطأ و النسيان.

هذه وصيتي إليك و الله خليفتي عليك و السلام عليك و رحمة الله و بركاته (1) و له وصية اخرى لولده محمد بصيغة الشعر مرت سابقا: ذكر فيها تأكيده على العلم و أثره النافع في الدنيا و الآخرة، و حث ولده على بذل الوسع في طلبه و تعليمه لمستحقيه.

و كان (رحمه الله) معروفا بالتفاني في حب السادة العلوية و الذرية الفاطمية، و له وصايا في حقهم و كلمات منيرة في شأنهم.

منها قوله في إجازته لبعض تلاميذه: و أوصيك بالوداد في حق ذرية البتول، فإنهم شفعاؤنا يوم لا ينفع مال و لا بنون، و أوكد عليك بالتواضع في حقهم و الإحسان و البر إليهم، سيما في حق الشيوخ و الصغار منهم، و عليك بالتجنب عما جعل الله لهم من الأموال و خصهم بها كرامة لجدهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) (2).

____________

(1) قواعد الأحكام 2- 346 و 347.

(2) اللئالي المنتظمة: 69.