جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
373 /
51

الطهور»

إلى آخره. إذ ليس هو من الطهور، لأن الفرض وجوبه و إن وجدت الطهارة.

و لا ريب في ضعف ما تقدم من أدلة الوجوب عن معارضة ذلك، إذ الإجماع مع معارضته بإجماع آخر أقوى منه لاعتضاده بذهاب المعظم، بل قد يغلب في الظن خطأ الأول من حيث مخالفة بعض الناقل له نفسه في غير الكتاب، كطهارة المبسوط و غيرها، بل و للقائلين بالوجوب أيضا لما صرحوا به من الندب في كتاب الطهارة كالمقنعة و المبسوط و المراسم و المهذب و المصباح و الجمل و الاقتصاد و النهاية و الخلاف على ما نقل عن بعضها، و من ذلك يعرف ما في النسبة إلى دين الإمامية، و لعله أراد المشروعية كناقل الإجماع. و أما الأخبار فبعد تسليم ظهورها في الوجوب تحمل على إرادة الندب لوجود الصارف، مع ضعف بعضها و لا جابر كما عرفت.

ثم ان الظاهر اختصاص الاستحباب المذكور للقضاء خاصة، للأصل، لكن في المختلف استحبابه للأداء أيضا، و ربما مال اليه بعض من تأخر عنه، و لعله لإطلاق صحيح ابن مسلم (1) و فيه أن الظاهر كما عن جماعة من المحققين التصريح ان هذا الخبر بعينه خبر الخصال، و عليه شواهد، فكان النقيصة فيه من قلم الشيخ، على أنه يجب حمله على غيره، سيما بعد القطع بعدم إرادة ظاهره بناء على تسبيب الاحتراق للغسل من غير مدخلية للصلاة، كما أن ظاهره الوجوب، و لا صارف له إلى إرادة الندب إلا مع إرادة القضاء، و أيضا فالأداء يجوز فعله قبل تحقق الاحتراق، فلو فعل ثم احترق لم يجب عليه الغسل حينئذ، لعدم وجوب الصلاة، فيجب التخصيص في الحديث، و إيجاب الإعادة عليه لمثل هذا الخبر كما ترى.

[منها غسل التوبة]

و منها غسل التوبة سواء كان عن فسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة أو كفر أصلي أو ارتدادي بلا خلاف أجده فيهما، بل في المنتهى الإجماع

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 11.

52

على ذلك، بل و كذا الغنية و المصابيح و عن ظاهر التذكرة، حيث حكي في الأولين منها كما عن الأخير على الكبيرة المستلزم للكفر، إذ ليس أكبر منه شيء، و في المعتبر نسبة غسل التوبة إلى الأصحاب، و هو شامل لما نحن فيه قطعا، و كيف كان فالحجة- مع ذلك و مع ما ورد من أمر النبي (صلى الله عليه و آله) قيس بن عاصم (1) و تمامة بن آفال بالاغتسال لما أسلما (2)، و ليس المراد الجنابة لعدم اختصاصها بهما، و الحديث القدسي «يا محمد من كان كافرا و أراد التوبة و الايمان فليطهر لي ثوبه و بدنه»

بناء على أن المراد بتطهير البدن ما نحن فيه، و ما عساه يشعر به قوله تعالى (3) «إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» مع ما فيه من التفأل للطهارة المعنوية بالطهارة الحسية، و كذا الغسل لقاضي الكسوف و رؤية المصلوب و قتل الوزغ مع ما ورد فيه من التعليل-

خبر مسعدة بن زياد (4) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال له رجل: بأبي أنت و أمي اني أدخل كنيفا لي و لي جيران و عندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود، فربما أطلت الجلوس استماعا، فقال: لا تفعل، فقال الرجل: و الله ما أتيتهن برجلي، و انما هو سماع أسمعه بأذني، فقال: لله أنت أما سمعت الله عز و جل يقول (5) «إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا» فقال: بلى و الله، و لكني لم أسمع هذه الآية من عربي و لا عجمي، لا جرم أني لا أعود إن شاء الله، و اني أستغفر الله، فقال: قم فاغتسل و صل

____________

(1) البحار- المجلد- 17- ص 50 من طبعة الكمباني.

(2) المستدرك- الباب- 12- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4 و فيه ثمامة بن أبال و في رجال المامقاني ثمامة بن أثال.

(3) سورة البقرة- الآية 222.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(5) سورة الإسراء- الآية 38.

53

ما بدا لك، فإنك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك، احمد الله و اسأله التوبة من كل ما يكره، فإنه لا يكره إلا القبيح، و القبيح دعه لأهله، فإن لكل أهلا»

و المناقشة فيه بالإرسال مع أن مثله في مثل ما نحن فيه غير قادح سيما بعد الانجبار مدفوعة بأنه كذلك في رواية الشيخ و الصدوق بخلاف الكليني، فإنه قد رواه مسندا، بل الظاهر أنه صحيح، فلاحظ. و لا ريب في استفادة ما ذكرنا من الأمرين منه سيما التعليل بالإقامة على العظيم، بل ربما قيل باستفادة استحباب الغسل للتوبة و لو من الصغير كما يقتضيه عبارة من أطلق استحباب الغسل لها، بل في صريح المنتهى الإجماع عليه بدعوى إشعار الاستدلال عليه بالآية الشريفة، ك

قوله (ع) في آخره: «و اسأله التوبة عن كل ما يكره»

مع ظهور صغر ذنبه الذي قد أمره الإمام (ع) بالتوبة منه، إذ ليس هو إلا الإقدام على ما يحتمل كونه معصية، و ترك السؤال عنه كما هو ظاهر الرواية، و لم يثبت كون ذلك من الكبائر، و جعل الامام (عليه السلام) له أمرا عظيما إما لعظمه في نفسه أو لأنه في مقام الزجر و الردع أو غير ذلك.

قلت: لكن الإنصاف أن ذلك كله تعسف، لعدم الإشعار في الاستدلال بالآية كالكلية في آخره بالاغتسال لكل ذنب، و الجاهل المقصر كالعالم في عظم الذنب و صغره أيضا، و لا ريب في كون استماع الغناء سيما من مثل الجوار إذ الغالب اشتماله على الملاهي حينئذ و غيره كبيرة من العالم، و أيضا مع التسليم فالمفهوم من قوله (ع): «كنت مقيما» الإصرار على ذلك، و هو كبيرة، فظهر حينئذ أن الاستدلال به على ذلك لا يخلو من تأمل، فمن هنا اقتصر في الغنية كما عن غيرها على الكبيرة، و ربما فهم من نحو عبارة المصنف و القواعد لعدم تحقق الفسق بالصغيرة، إلا أن يصر عليها، فتكون كبيرة حينئذ.

و منه يظهر دليل آخر غير الأصل، لعدم استحباب الغسل لها من حيث وقوعها مكفرة، فلا توبة منها حتى يشرع الغسل لها، لكن قد يقال: إنه يكفي في ثبوت

54

الاستحباب إجماع المنتهى المؤيد بصريح الفتوى من جماعة، كإطلاق آخرين الغسل للتوبة حتى نسب إلى الأصحاب في المعتبر، و عده في الوسيلة من المندوب بلا خلاف، بل لعل عبارة المصنف و نحوها يراد من الفسق فيها بقرينة المقابلة بالكفر ما هو أعم منهما، فينحصر الخلاف حينئذ في خصوص من قيد بالكبيرة، و هو قليل، و في المصابيح أن التعميم هو المشهور بل المجمع عليه، لندرة المخالف و انقراضه بالنسبة إلى أولئك، مع احتمال عدم التخصيص منهم، كما أنه يحتمل أيضا شمول الكبيرة بدعوى أن سائر الذنوب كبائر و إن اختلفت شدة و ضعفا، كما عن بعض نسبته إلى الجميع، و آخر إلى الأكثر، و الصغائر تقع مكفرة في حال الغفلة و النسيان، و إلا فالتوبة واجبة عن كل ذنب، و الصغيرة بترك التوبة تكون كبيرة، و لعله على هذا يحمل قوله تعالى (1) «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ» الآية.

على أن محل البحث حيث تتحقق التوبة عن الصغيرة التي ليست بكبيرة كما لو فرض إرادة التوبة عن بعض الصغائر لمرتكب الكبائر، و دعوى عدم جواز تبعيض التوبة ممنوع، فتأمل جيدا. فظهر لك أن الأقوى حينئذ استحباب الغسل مطلقا.

[منها غسل صلاة الحاجة و صلاة الاستخارة]

و منها غسل صلاة الحاجة و صلاة الاستخارة بلا خلاف أجده فيهما، بل في الغنية الإجماع عليهما، و في الوسيلة من المندوب بلا خلاف، و في المعتبر مذهب الأصحاب، و الروض أنه عمل الأصحاب، و عن التذكرة عند علمائنا، و يدل عليه مضافا إلى ذلك الأخبار (2) الكثيرة الآمرة به مقدما على الصلاة عند طلب الحوائج، و قول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (3): «و غسل الاستخارة مستحب»

و لم أعثر على غيره فيما يتعلق بالاستخارة، و غير المحكي عن

فقه الرضا (عليه السلام) (4) «و غسل

____________

(1) سورة النساء- الآية 35.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(4) المستدرك- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

55

الاستخارة و غسل طلب الحوائج من الله تبارك و تعالى»

و ليس فيهما ذكر الصلاة، بل ظاهرهما الاستحباب لنفس الأمرين، كالمحكي لنا من عبارة التذكرة ناسبا لها إلى علمائنا، و لعله غير بعيد، بل أخبار الحاجة (1) لا تنافيه، لعدم صراحتها بل و لا ظهورها في كون الغسل للصلاة، و إن أمر به سابقا على الصلاة المأمور بها، اللهم إلا أن يجعل إجماع الغنية المؤيد بما عرفت قرينة على احتمال الصلاة فيهما، و أما

صحيح زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) في الأمر يطلبه الطالب من ربه، إلى أن قال: «فإذا كان الليل فاغتسل في ثلث الليل الثاني- و ساق الحديث حتى قال-: فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية استخار مائة مرة، يقول»

و ذكر الدعاء، و نحوه خبر مرازم (3) عن الكاظم (عليه السلام) فيما إذا قد حك أمر عظيم، فالظاهر أن المراد بالاستخارة فيهما انما هو طلب أن يجعل الله له الخيرة في هذا الأمر الذي يطلبه و أن يختاره، فإنه أحد معاني الاستخارة لا بمعنى المشاورة.

لكنك في غنية عن ذلك بعد الاستدلال بما عرفت من الإجماع و غيره، على أن الاستخارة تدخل في طلب الحوائج، فتشملها تلك الأدلة، نعم قال في جامع المقاصد و تبعه غيره: «إنه ليس المراد بصلاة الحاجة و الاستخارة أي صلاة اقترحها المكلف لأحد الأمرين، بل المراد بذلك ما نقله الأصحاب عن الأئمة (عليهم السلام)، و له مظان فليطلب منها» انتهى.

قلت: لكن لا يخفى على من لاحظ ما ورد من أخبار الحاجة (4) انها ظاهرة في أن للمكلف أن يصلي ركعتين مغتسلا لهما في كل حاجة و في أي وقت، نعم في

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1 و 5 و 7.

56

بعضها (1) كيفيات خاصة للصلاة من قراءة الإخلاص خمس عشرة على نحو صلاة التسبيح و صيام ثلاثة أيام و نحو ذلك، و هو أمر خارج عما نحن فيه. فلاحظ و تأمل، و لعله يدخل في صلاة الحاجة ما ذكر من الغسل لصلاة الاستسقاء، لما في الغنية من الإجماع عليه، و في موثقة سماعة (2) «و غسل الاستسقاء واجب»

و المراد تأكد الاستحباب باتفاق الأصحاب كما قيل، لكن لا صلاة فيها، و لعله للاتكال على معلومية ذلك سيما مع ما عرفت من الإجماع، بل عن فلاح السائل نقلا عن ابن بابويه في كتاب مدينة العلم عن الصادق (عليه السلام) (3) أنه روى حديثا في الأغسال ذكر فيها غسل الاستخارة و غسل صلاة الاستسقاء و غسل الزيارة، ثم قال: رأيت

في بعض الأخبار (4) من غير كتاب مدينة العلم «ان مولانا عليا (عليه السلام) كان يغتسل في الليالي الباردة طلبا للنشاط»

قلت: و منه يستفاد استحباب الغسل لذلك أيضا، فتأمل.

و من الحوائج الغسل لصلاة الظلامة

، لما روي عن

مكارم الأخلاق عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «إذا طلبت بمظلمة فلا تدع على صاحبك، فان الرجل يكون مظلوما فلا يزال يدعو حتى يكون ظالما، و لكن إذا ظلمت فاغتسل وصل ركعتين في موضع لا يحجبك عن السماء ثم قل» (6).

.

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 7 و 10.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(3) المستدرك- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

(4) المستدرك- الباب- 22- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 15- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

(6)

«اللهم ان فلان بن فلان ظلمني، و ليس لي أحد أصول به عليه غيرك، فاستوف لي ظلامتي الساعة الساعة بالاسم الذي إذا سألك به المضطر أجبته، فكشفت ما به من ضر، و مكنت له في الأرض، و جعلته خليفتك على خلقك، فأسألك أن تصلي على محمد و آل محمد، و أن تستوفى لي ظلامتي الساعة الساعة،- إلى أن قال-: فإنك لا تلبث حتى ترى ما تحب»

(منه (رحمه الله)).

57

و منها أيضا الغسل لصلاة الخوف من الظالم

المروية (1) عن مكارم الأخلاق أيضا بكيفية خاصة (2) بل و كذا ما ذكر من الغسل لصلاة الشكر مدعيا في الغنية الإجماع عليه قد يدعى دخولها في الحوائج أيضا لقوله تعالى (3) «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» و لم نقف على خبر يدل على ذلك، نعم روي عن الصادق (عليه السلام) (4) في كيفية صلاة الشكر عن الكافي (5).

[الغسل لأخذ التربة الحسينية]

و قد يدخل في طلب الحوائج أيضا ما ورد من الغسل لأخذ التربة الحسينية، للمرسل (6) عن ابن طاوس في مصباح الزائر (7) و نحوه عن البحار عن المزار الكبير

____________

(1) المستدرك- الباب- 27- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 2.

(2) من كشف الركبتين بعد الاغتسال و الصلاة، و جعلهما مما يلي الصلاة ثم قول

مائة مرة: يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم يا حي لا إله إلا أنت، برحمتك استغثت، فصل على محمد و آل محمد، و ان تلطف و ان تغلب لي و أن تمكر لي و أن تخدع لي و أن تكيد لي و أن تكفيني مؤنة فلان بلا مؤنة، فإن هذا كان دعاء النبي (ص) يوم أحد

(منه (رحمه الله)).

(3) سورة إبراهيم (عليه السلام) الآية 7.

(4) الوسائل- الباب- 35- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1.

(5)

ركعتين يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و قل هو الله أحد، و في الثانية بفاتحة الكتاب و قل يا أيها الكافرون، و تقول في ركوع الأولى و سجودها: الحمد لله شكرا شكرا و حمدا، و تقول في الركعة الثانية أيضا في ركوعك و سجودك: الحمد لله الذي استجاب دعائي و أعطاني مسألتي،

(منه (رحمه الله)).

(6) البحار- المجلد- 22- ص 147 من طبعة الكمباني.

(7) قال: يروى في أخذ التربة

«انك إذا أردت أخذها فقم آخر الليل و اغتسل و البس أطهر ثيابك و تطيب بسعد و ادخل وقف عند الرأس و صل أربع ركعات»

الحديث (منه ره).

58

عن جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام) (1).

[ (منها) لقتل الوزغ]

و بقي بعض الأغسال للأفعال، (منها) قتل الوزغ، و هو حيوان ملعون قد ورد عدة أخبار (2) في ذمه و الترغيب على قتله، و انه كمن قتل شيطانا. إلى غير ذلك، و الظاهر أن سام أبرص و الورك بعض أفراده، و على كل حال فاستجاب الغسل

للمروي (3) عن بصائر الدرجات و روضة الكافي و الخرائج و الجرائح عن الصادق (عليه السلام) «عن الوزغ، قال: رجس، و هو مسخ كله، فإذا قتلته فاغتسل»

و عن

الهداية (4) أنه «روي و العلة في ذلك أنه يخرج من الذنوب فيغتسل منها»

و لعل هذا مع فتوى جماعة من الأصحاب به يكفي في إثبات الاستحباب، فما وقع من الاضطراب فيه حتى من المصنف في المعتبر ليس في محله.

و (منها) الغسل من المس للميت بعد تغسيله

، لموثقة عمار الساباطي (5) و فيه بحث.

و (منها) الغسل لإرادة تكفينه أو تغسيله

كما عن الذكرى و النزهة، بل عن الأخير نسبته إلى الرواية، و لعله أراد بها

خبر محمد بن مسلم (6) عن أحدهما (عليهما السلام) أو الباقر (عليه السلام) «الغسل في سبعة عشر موطنا- إلى أن قال-: و إذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسسته بعد ما يبرد»

و هو غير ظاهر في ذلك، بل هو محتمل وجوها عديدة، فتأمل جيدا ليظهر لك بطلان ما عن الصدوق، و وجهه في المجالس و الهداية

____________

(1) المستدرك- الباب- 56- من أبواب المزار- الحديث 1 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأغسال المسنونة و المستدرك- الباب 13 منها.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب غسل المس- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 5 و 11.

59

من الفتوى بمضمون الخبر المتقدم مع التصريح بالوجوب.

و (منها) الغسل للتوجه إلى السفر

خصوصا سفر زيارة الحسين (عليه السلام)، للمرسل عن ابن طاوس (1) في أمان الأخطار في ذلك، و خبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) في خصوص سفر الحسين (عليه السلام) (3).

و (منها) عمل الاستفتاح

لما عن

الشيخ و الصدوق و ابن طاوس بطرق متعددة (4) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال في حديث طويل: «صم في رجب يوم ثلاثة عشر و أربعة عشر و خمسة عشر، فإذا كان يوم الخامس عشر فاغتسل عند الزوال»

و عن رواية أخرى قريبا من الزوال.

و (منها) غسل من أهرق عليه ماء غالب النجاسة

كما عن المفيد في الاشراف، و لعله للاحتياط، كالغسل عند الإفاقة من الجنون كما عن العلامة في النهاية، قال:

«لما قيل: ان من زال عقله أنزل» انتهى. لكن نفاه في المنتهى، لعدم الدليل، و كالغسل عند الشك كواجدي المني في الثوب المشترك، و إعادة الغسل عند زوال العذر الذي رخص في اشتمال الغسل على نقص خروجا من شبهة القول بوجوبه.

و (منها) غسل من مات جنبا قبل تغسيله

على ما عن بعضهم، لكن عن المعتبر الإجماع على عدم استحبابه، و قد تقدم لنا كلام فيه.

____________

(1) البحار- ج- 22- ص 3 من طبعة الكمباني.

(2) الوسائل- الباب- 77- من كتاب المزار- الحديث 1.

(3) قال:

«إذا أردت الخروج إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فصم قبل أن تخرج ثلاثة أيام يوم الأربعاء و يوم الخميس و يوم الجمعة. فإذا أمسيت ليلة الجمعة فصل صلاة الليل، ثم قم فانظر في نواحي السماء فاغتسل تلك الليلة قبل المغرب، ثم تنام على طهر، فإذا أردت المشي إليه فاغتسل و لا تطيب و لا تدهن و لا تكتحل حتى تأتى القبر»

(منه (رحمه الله)).

(4) الإقبال- ص 659.

60

و (منها) لمعاودة الجماع

، قيل: ل

قول الرضا (عليه السلام) في الذهبية (1):

«و الجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث للولد الجنون»

قلت: و يحتمل بفتح الغين المعجمة و إرادة غسل الجنابة، فتأمل. و لا يخفى عليك أن ما ذكر من غسل الأفعال منها ما كان الفعل غاية له، و منها ما كان سببا له، و يختلفان من هذه الجهة من حيث التقدم و التأخر، فتأمل جيدا.

[في الأغسال المندوبة المكانية]

و خمسة أغسال للمكان و بها تم الثمانية و العشرون التي ذكرها المصنف

[منها غسل دخول الحرم]

و هي غسل دخول الحرم للصحيح (2) و الخبرين (3) و إجماع الغنية المعتضد بما في الوسيلة من المندوب بلا خلاف، لكن في كشف اللثام عن الشيخ في الخلاف الإجماع على عدمه، و هو- مع قصوره عن معارضة ما عرفت- قال في المصابيح: إني لم أجد ذلك في الخلاف، ثم إطلاق الحرم في الأخبار و كلام الأصحاب ينصرف إلى حرم مكة دون حرم المدينة، فكان على المصنف أن يثنيه ل

صحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) «الغسل في سبعة عشر موطنا- إلى أن قال-: و إذا دخلت الحرمين»

و احتمال إرادة نفس البلدين منه تكلف لا داعي اليه و لا شاهد عليه.

[منها غسل دخول المسجد الحرام]

و غسل دخول المسجد الحرام لاجماعي الغنية و الخلاف المعتضدين بما في الوسيلة أيضا من المندوب بلا خلاف، و فحوى ما دل عليه لمسجد النبي (صلى الله عليه و آله) لأنه أفضل منه، و ربما استدل عليه ب

قول الكاظم (عليه السلام) (5) لعلي بن أبي حمزة:

«ان اغتسلت بمكة ثم نمت قبل أن تطوف فأعد غسلك»

لكن ظاهره كون الغسل

____________

(1) البحار- ج- 14- ص 558 من طبعة الكمباني.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3 و 5.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 11.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 2 من كتاب الحج.

61

للطواف، و كيف كان فما عن الجعفي من وجوب الغسل لذلك شاذ لا يلتفت اليه.

[منها غسل دخول الكعبة]

و غسل دخول الكعبة ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (1): «و غسل دخول البيت واجب»

و المراد تأكد الاستحباب، و في صحيح ابن سنان (2) «و دخول الكعبة» و قول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (3): «و يوم تدخل البيت»

مع ما في الغنية و الخلاف من الإجماع عليه معتضدا بما سمعته من الوسيلة أيضا، و لعل المراد بالكعبة في المتن ما يشمل البلد، أعني مكة لما في الخلاف من الإجماع عليه فيها أيضا معتضدا بما في الوسيلة مما تقدم، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (4):

«و دخول مكة»

و فحوى ما دل عليه (5) في دخول المدينة، و أما

خبر الحلبي (6) «ان الله عز و جل يقول في كتابه (7) «أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» فلا ينبغي للعبد أن يدخل مكة إلا و هو طاهر قد غسل عرقه و الأذى و تطهر»

فيحتمل إرادة البيت من مكة فيه، و ما في كشف اللثام من الإجماع عن الخلاف على عدم استحباب الغسل لذلك لم نجده، بل الموجود ما حكيناه.

[منها غسل دخول المدينة]

و غسل دخول المدينة

لصحيح ابن سنان (8) «و دخول مكة و المدينة،» و حسن معاوية بن عمار عن الرضا (عليه السلام) (9) «إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها»

و إجماع الغنية المعتضد بما سمعت من الوسيلة، و إطلاق الدليل هنا كإطلاق ما دل عليه بالنسبة إلى دخول مكة عدم الفرق بين الدخول لأداء

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 10.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 3 من كتاب الحج.

(7) سورة البقرة- الآية 119.

(8) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(9) الوسائل- الباب- 6- من كتاب المزار- الحديث 1 لكن رواه عن الصادق (ع).

62

فرض أو نقل أو غيرهما، فما عن المقنعة من اختصاصه بالأولين ضعيف.

[منها غسل دخول مسجد النبي (صلى الله عليه و آله)]

و غسل دخول مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) ل

قول الباقر (عليه السلام) في خبر ابن مسلم (1): «و إذا أردت دخول مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)»

و إجماع الغنية المعتضد بما سبق من الوسيلة أيضا، و في الموجز كما عن شرحه و نهاية الأحكام زيادة دخول مشاهد الأئمة (عليهم السلام) في الأغسال المكانية بعد أن ذكروا استحبابه للزيارة، و جعلوه من الغسل للفعل، و هو أعم من الزيارة إذ يكون لها و لغيرها، و لم نعرف له شاهدا سيما إذا أريد البلد، إلا فحوى ثبوته للمدينة و مكة و مسجديهما، و كذا ما يحكى عن أبي علي من استحبابه لكل مشهد أو مكان شريف، كقوله ذلك أيضا في الزمان لكل زمان شريف، و لكل فعل يتقرب به إلى الله، و غير ذلك، و لعله لحجية القياس عنده، فتأمل.

[مسائل أربع]

مسائل أربع:

[المسألة الأولى في تقديم الغسل على الفعل]

الأولى ما يستحب للفعل و منه المكان إذ المراد الدخول اليه يقدم عليهما لأن المراد وقوع الفعل منه مغتسلا، و هو مع ظهوره و عدم ظهور الخلاف فيه بل نسب إلى تصريح الأصحاب مصرح به في كثير من الغايات المذكورة في الروايات (2) لكن قد يناقش فيه بغسل التوبة و قاضي الكسوف و قاتل الوزغ و الساعي إلى المصلوب و ماس الميت بعد تغسيله و نحو ذلك، و ربما دفع بكونه في الأول للصلاة التي تقع بعدها كما يظهر من المستند، و الثاني للقضاء، و الثالث و ما بعده بأن المراد من اللام في قولنا «للفعل» بمعنى الغاية، و لا ريب في كونها ليست من ذلك، و فيه أن غسل التوبة لها لا للصلاة كما هو ظاهر الأصحاب و إجماعاتهم، و نمنع ظهور الخبر السابق في كونه للصلاة و إن وقع الأمر بها فيه بعده كالقاضي للكسوف لأن ذلك انما كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

63

عقوبة له من حيث تركه، على أن تسليمه لا يدفع أصل الإشكال، لتحققه بغيره، و الثالث خلاف ما صرحوا به من كون الغسل فيها للفعل غير فارقين بينها و بين غيرها في ذلك.

و من هنا ارتكب بعضهم الاستثناء فحكم بتقديم الغسل للفعل إلا في هذه الأمور كآخر فقسم الغسل إلى زماني و غائي، و يدخل المكاني فيه، و سببي على خلاف التقسيم المشهور من الزماني و الفعلي و المكاني، و الأمر في ذلك كله سهل بعد التسالم على الحكم، نعم قد يناقش ب

حسنة معاوية بن عمار السابقة «إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها»

بناء على أن الترديد منه (ع) لا من الراوي، و قد تحمل على إرادة التخيير بين التقديم بفصل و غيره، كما عساه يشهد له

قوله (عليه السلام) (1): «إذا انتهيت إلى الحرم إن شاء الله فاغتسل حين تدخله و إن تقدمت فاغتسل من بئر ميمون أو من فخ أو من منزلك بمكة»

الخبر. و أصعب منه المناقشة ب

خبر ذريح (2) سألته «عن الغسل في الحرم قبل دخوله أو بعد دخوله، قال: لا يضرك أي ذلك فعلت، و ان اغتسلت في بيتك حين تنزل بمكة فلا بأس»

لكنه قد يحمل على إرادة غسل دخول الكعبة أو المسجد أو غير ذلك، و عن الشيخين و الأكثر تنزيل هذه الأخبار على العذر و الاضطرار، و فيه أنه مبني على جوازه عندهما و لو قضاء، و هو محل بحث و ان ظهر من المحكي عن الذكرى جوازه في سائر أغسال الأفعال الا أنه لا يخلو من نظر، إذ لو جاز لاقتصر فيه على محل النص، فتأمل جيدا.

ثم لا يخفى عليك انه ليس المراد بالتقديم في الغسل لغايته الاجتزاء به و لو مع الفصل بالزمان الطويل كاليومين و الثلاث فصاعدا قطعا، لظهور الأدلة أو صراحتها

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 2- 1 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 2- 1 من كتاب الحج.

64

بعدمه كلام الأصحاب، بل ربما يظهر من ملاحظة الأدلة ارادة اتصال عرفي بالغسل و الفعل، فلا يعتبر التعجيل و المقارنة كما لا يجتزى بمطلق التراخي، نعم ربما يقال بالاكتفاء مع الفصل باليوم كالليل، فيجتزى بالغسل للزيارة مثلا الفجر و لو وقعت الزيارة قريب المغرب، و كذا الليل كما عن جماعة التصريح به منهم الشيخ و ابن إدريس و يحيى ابن سعيد و غيرهم، ل

قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح (1): «غسل يومك ليومك و غسل ليلتك لليلتك»

و عن

أبي بصير (2) قال: «سأله رجل و أنا عنده، قال:

اغتسل بعض أصحابنا فعرضت له حاجة حتى أمسى، فقال: يعيد الغسل، يغتسل نهارا ليومه ذلك، و ليلا لليلته» و قول الصادق (عليه السلام) في خبر عثمان بن يزيد (3):

«من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله الى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، و من اغتسل غسلا ليلا كفاه غسله الى طلوع الفجر».

مع إمكان المناقشة في ذلك كله باحتمال إرادة الأغسال الزمانية من الخبرين الأولين، و أنه لا يجتزى بغسل النهار لليل و بالعكس، و بعدم ارادة ظاهر الخبر الثالث من الاكتفاء بالغسل عن كل ما يثبت في ذلك اليوم من الأمور المتجددة، فيكون مؤلا بالنسبة إلى المطلوب، و يخرج عن الحجية، لكن قد يقال باندفاع ذلك كله بعد الانجبار بالفتوى، بل لم يحك خلاف فيه، إلا أنه ينبغي الاقتصار حينئذ على هذا المقدار من دون زيادة، و أما ما في خبر جميل عن الصادق (عليه السلام) (4) أيضا «غسل يومك يجزؤك لليلتك، و غسل ليلتك يجزؤك ليومك»

بل عن الصدوق الفتوى به فقاصر عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام- الحديث 2- 3 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام- الحديث 2- 3 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام- الحديث 4 من كتاب الحج.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام- الحديث 1 من كتاب الحج.

65

معارضة ما عرفت، سيما مع احتمال معنى «الى» من اللام، أو إرادة الاغتسال في الليل قبيل الفجر، و كذا العكس على ما ستعرف، لكن لو لا ظهور إعراض الأصحاب عنه لأمكن العمل به، لصحة سنده بطريق الصدوق الى جميل بحمل تلك الأخبار على تأكد الاستحباب.

و كيف كان فبناء على الاقتصار على ما عرفت فلا اشكال فيه إذا وقع الغسل في أول كل منهما، أما لو وقع في الأثناء فهل يعتبر التلفيق بمعنى التكميل بالليل مثلا، إن ثلثا فثلث، و إن ربعا فربع، و هكذا، أو يعتبر التقدير بمعنى تقدير زمان النهار مثلا بساعات، فيؤخذ بقدر ما يتم به النهار كذلك من الليل، فلو لم يف فمن النهار الثاني، و هكذا الليل، أو المعتبر الانقضاء بالانقضاء فلا تلفيق و لا تقدير؟ وجوه، أقواها أوسطها، لظهور كون عدم قادحية الفصل، و أضعفها آخرها، بل

موثق سماعة و أبي بصير (1) «من اغتسل قبل طلوع الفجر و قد استحكم قبل ذلك ثم أحرم من يومه أجزأه غسله»

صريح في بطلانه.

و لا فرق في عدم جواز التقديم زيادة على المقدار المتقدم بين الاضطرار كاعواز الماء و عدمه، و حمله على الجمعة قياس لا نقول به. فالمتجه السقوط حينئذ. لكن نقل عن الشهيد جواز التقديم للإعواز، و لعله لما روي (2) من تقديمه (عليه السلام) الغسل بالمدينة مخافة إعواز الماء بذي الحليفة، و يدفعه أنه لا مسافة بينهما بحيث تزيد على مسير اليوم أو الليلة حتى ينتقل منه إلى جواز ذلك، فتأمل.

هذا كله في الأغسال الفعلية الغائية، و منها المكانية، أما الفعلية السببية فلعل الوجه فيه أنه يمتد بامتداد العمر، لأن ذلك مقتضى ثبوته لوجود السبب من دون توقيت

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام- الحديث 5 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الإحرام- الحديث 1 من كتاب الحج.

66

و إن قلنا بفوريته، لعموم ما دل على المسارعة (1) و الاستباق (2) و لأن الأغسال السببية قد شرعت أما عقوبة كرؤية المصلوب، أو للمبادرة إلى عمل كالتوبة، أو للتفأل كالخروج من الذنوب لقتل الوزغ، أو لشيء يكره البقاء عليه كمس الميت، و الكل يناسب الفورية، قيل و هو ظاهر الأصحاب و الأخبار الواردة في تلك الأسباب، قلت: بل قد يفهم منها توقيت عند التأمل، و لا ينتقض مثل هذا الغسل بالحدث قطعا، للأصل و ظواهر الأدلة و محكي الإجماع، بخلاف سابقه كما مر الكلام فيه مفصلا عند البحث بانتقاض غسل الزمان بالحدث.

و أما ما يستحب من الأغسال للزمان فإنما يكون و يوجد بعد دخوله كما هو واضح، لظهور الإضافة في ذلك إن لم يكن أمرا بوقوعه، و ملاحظة الأدلة تغني عن تكلف الاستدلال، نعم ظاهر التوقيت مع عدم التقييد بجزء خاص منه الاجتزاء بوقوع الفعل في أي جزء منه، سيما إذا أمر به في الوقت، و قد مضى سابقا الكلام في بعض الأغسال الموقتة من حيث ظهور بعض الأدلة في توقيتها بجزء خاص من الزمان.

و كيف كان فذو الوقت لا يقدم عليه إلا ما عرفت من غسل الجمعة عند إعواز الماء للدليل، كما أنه لا يقضى إلا هو أيضا، للأصل و فقد النص و بطلان القياس، و ظاهر الأصحاب حيث اقتصروا عليهما في الجمعة، فما عن المفيد- من قضاء يوم عرفة ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة (3): «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة و النحر»

إلى آخره. لاستحالة الجمع بين غسل عرفة و أغسال يوم العيد، فليحمل على القضاء- ضعيف، و فيه مع أنه معارض

____________

(1) سورة آل عمران- 127.

(2) سورة الحديد- الآية 21.

(3) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الجنابة- الحديث 1 لكنه مضمر.

67

باحتمال تقديم غسل العيد حينئذ أن المراد منه بيان الاجتزاء بالغسل الواحد عن أسباب متعددة، فتأمل. و كذا ما عن الشهيد من قضاء غسل ليالي القدر، لعدم الدليل، و ما ادعاه من خبر بكير لم يثبت كما أشرنا إليه سابقا، هذا بالنسبة للقضاء، و أما التقديم فكذلك لا يجوز في غير الجمعة للعذر، لكن

قال الباقر (عليه السلام) (1) في الصحيح:

«الغسل في شهر رمضان عند وجوب الشمس قبيله، ثم تصلي و تفطر»

و في إقبال

ابن طاوس روي (2) «إنه يغتسل قبل الغروب إذا علم أنها ليلة العيد»

و قد يشكل بمنافاة التوقيت الثابت هنا إجماعا كما قيل لاستحباب التقديم اختيارا، نعم لا ينافيه التقديم مع العذر محافظة على مصلحة أصل الفعل، بل لعله يكون حينئذ وقتا اضطراريا، إذ أقصى مفاد التوقيت منع التقدم عليه.

و قد يدفع إما بالتوسع في زمان الغسل، فيجعل الليل مع شيء مما تقدمه، فالتوقيت بالليل في الأخبار و كلام الأصحاب تغليبا للأكثر، أو لكون الجزء المتقدم بمنزلة الليل، لاتصاله به، أو لأن الليل هنا من سقوط القرص المتقدم على الغروب الشرعي، و فيه أن ذلك كله إن أمكن في الأخبار فغير ممكن في كلام الأصحاب لعدم الشاهد له، بل هو على خلافه موجود، و القول: إن المستحب يتسامح فيه يدفعه أن ذلك ما لم يظهر إعراض من الأصحاب عنه، و كذا ما يدفع به أيضا يجعل هذا الغسل المتقدم من الأغسال الغائية للزمانية المتقدمة، فيكون غايته الزمان، أو ما يقع فيه من الأعمال، نعم يسقط به الغسل الزماني، إذ هو- مع أنه مجرد احتمال لا دليل عليه- ظاهر الأصحاب خلافه، لعدم ذكرهم هذا الغسل، كما أن ظاهر الخبر المتقدم الدال على هذا الحكم كون هذا الغسل انما هو الغسل الموظف في الليلة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

68

و إلا فلا دلالة فيه على إسقاط الغسل الزماني به، و مجرد امتناع تطبيقه على قواعد الموقت لا يصلح لأن يكون قرينة على شيء من الاحتمالات السابقة لمعارضتها بمثلها، بل لعله حمله على تفاوت الفضيلة، و جعل الوقت للغسل الكامل و المقدم من الرخص، أو حمله على غسل آخر غير الغسل الزماني، و أنه لا يسقط به أو غير ذلك أولى منها، فالمتجه طرح الرواية السابقة، أو حملها على ما لم يظهر من الأصحاب اعراض عنه، و كان متجها بالنظر إلى قواعد الحمل، فتأمل جيدا.

[المسألة الثانية في عدم جواز غسل الزماني على الزمان]

الثانية إذا اجتمعت أسباب أغسال مندوبة فالأقوى الاكتفاء بغسل واحد لها، لكن لا تكفي نية القربة في ذلك ما لم ينو السبب و نحوه، بل لا بد من التعرض لها تفصيلا أو كالتفصيل في بعض الوجوه، و قيل: إذا انضم إليها غسل واجب كفاه نيته و الأول أولى كما تقدم الكلام في جميع ذلك مفصلا في محله، فلاحظ و تأمل.

[المسألة الثالثة و الرابعة في استحباب الغسل لمن سعى إلى رؤية المصلوب و استحباب غسل المولود]

المسألة الثالثة و الرابعة قال بعض فقهائنا كالصدوق في ظاهره و عن أبي الصلاح في صريحه بوجوب غسل من سعى إلى مصلوب ليراه عامدا بعد ثلاثة أيام إلا أن الأول منهما لم يزد على ذكره المرسلة (1) التي هي مستند أصل الحكم في المقام، قال:

«و روي أن من قصد إلى مصلوب فنظر اليه وجب عليه الغسل عقوبة»

لكنه بضميمة تعهده في أول كتابه يظهر منه العمل به، و الثاني قيد المصلوب بكونه من المسلمين، و ذكر القصد بدل السعي، و ترك التصريح بالعمد، فإنه قال على ما حكي عنه: «إن الأغسال المفروضة ثمانية- إلى أن قال-: و غسل القاصد لرؤية المصلوب من المسلمين بعد ثلاثة» و لم نعثر على غيرهما ذهب إلى ذلك، نعم ربما ظهر من بعضهم التردد فيه، بل و في أصل ثبوت الحكم فضلا عن وجوبه، لكنه ضعيف جدا لما سيظهر لك في مطاوي البحث، و كذا سابقه من القول بالوجوب، إذ لم نعرف له مستندا سوى المرسلة السابقة، و هي

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

69

مع خلو أكثر كتب الحديث عنها و قلة العامل بها و انقراضه لا تقطع الأصل، و لا تحكم على غيرها من الأخبار (1) التي حصرت الواجب في غيره، و خصوصا مع شهرة الندب، بل إطباق المتأخرين عليه كما قيل، بل في الغنية الإجماع عليه، و عن ظاهر السرائر عدم الخلاف فيه عند ذكره اختلاف الأصحاب في أنواع الغسل الواجب، و كفى بذلك دليلا على الندب، و على تنزيل الرواية عليه بإرادة الواجب فيها المتأكد سيما مع التسامح في المستحب، لكنه لا تقييد فيها بالثلاث، إلا أنه ذكره غير واحد من الأصحاب، بل نسبه في المصابيح إليهم عدا الصدوق و المفيد، كما أنه قيد به في معقد إجماع الغنية، و لعل ذا كاف في تقييد النص، مضافا إلى ما قيل من أن الصلب شرعا لتفضيح المصلوب و اعتبار الناس، فكان النظر إليه في المدة المضروبة لصلبه و هي ثلاثة أيام بالنص و الإجماع جائزا بل مطلوبا للشارع، فلا يترتب عليه عقوبة، و قد صرح في النص (2) بأن الغسل عقوبة على النظر، فوجب تخصيصه بالنظر الممنوع، و هو ما كان بعد الثلاث.

قلت: إلا أن ذلك يقتضي اختصاص التقييد بالمصلوب بحق دون الظلم، لعدم استحقاقه التفضيح، لحرمة صلبه و وجوب إنزاله عن الخشبة مع التمكن منه مطلقا، فهو في الثلاثة مساو للمصلوب بحق بعدها، فالمتجه حينئذ ثبوت الغسل بالسعي إلى رؤياه فيها، لكنه مناف لإطلاق المصلوب في كلامهم، بل عن جامع المقاصد و الروضة و فوائد الشرائع و منهج السداد و الروض و المسالك و الفوائد الملية و تعليق الإرشاد التصريح بعموم المصلوب لهما، و حمل التقييد بالثلاثة على إرادته بالنسبة إلى إطلاق الغسل،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

70

لا في الغسل مطلقا أي بالنظر إلى نوعيه كما ترى، و لعله من هنا حكي عن الصيمري تخصيص المصلوب في كلامهم بالمصلوب بحق، بمعنى عدم ثبوت الغسل بالسعي إلى رؤيا المصلوب بظلم، لكنه مناف لإطلاق النص و للتعليل فيه، و لما سمعته من إطلاق الأصحاب و تصريح جمع منهم، و كذا دعوى مساواته للمصلوب بحق في عدم ثبوت الغسل إلا بعد الثلاث، لإطلاق النص و التعليل، و لذا كان تحرير مرادهم في المقام في غاية الإشكال، إذ تخصيص المصلوب فيه بحق يقتضي سقوط الغسل في المظلوم، و فيه ما عرفت، و تعميمه يقتضي تقييده بالثلاثة كالمستحق، و فيه ما عرفت، مع تصريح بعضهم أيضا بعدمه، و انه يثبت الغسل بالسعي إلى رؤياه فيها.

فلعل المتجه تنزيل كلماتهم على إرادة المستحق، كما قد يدعى تبادره بالنسبة إلى الخطابات الشرعية، و لا ينافيه استبعاد بقائه حينئذ على الخشبة بعد الثلاث لانبساط يد الشرع حينئذ، إذ لعلها ليست من كل وجه أو غير ذلك. ثم يلحق به المظلوم إلحاقا للتعليل و غيره مع التسامح في أدلة السنن، لا أنه يكون داخلا في عباراتهم، فيثبت الغسل حينئذ بالسعي إلى رؤياه في الثلاث فضلا عما بعدها، و لعل ذلك هو الظاهر من ذيل عبارة كشف اللثام، فلاحظ و تأمل.

و منه ينقدح حينئذ إرادة الهيئة الشرعية في الصلب دون غيرها، إلا أن تلحق إلحاقا كالمصلوب بظلم كما هو الأقوى، نعم لا غسل في المقتول و نحوه بغير الصلب و لو كان بحق، بل و لا في المصلوب بعد إنزاله من الخشبة و ذهاب هيئة الصلب، لتبادر إرادة المصلوبية حين الرؤية، و الظاهر أن مبدأ الثلاثة حين الصلب لا الموت، خلافا للمحكي عن بعضهم، إذ هي المدة التي يترك فيه المصلوب شرعا مات أو لم يمت فتأمل.

ثم انه يشترط في ثبوت الغسل تحقق النظر كما دل عليه الخبر (1) و عن جماعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

71

التصريح به، و لعله مراد الباقين، لغلبة تحققه في السعي إليه، كما أنه يشترط فيه أيضا السعي إلى النظر و إن ترك في الخبر و ذكر في كلام الأكثر، لكن ظاهر لفظ القصد فيه و في معقد إجماع الغنية ذلك، فلو خلا النظر عن السعي أو السعي عن النظر لم يثبت الغسل، كما أنه معتبر بحسب الظاهر أيضا القصد إلى النظر، فلو وقع منه بغير قصد لم يثبت الغسل لظاهر النص و الفتوى خصوصا عبارة المصنف.

هذا كله في السعي و النظر بعد الثلاثة، أما لو سعى فيها لينظر بعدها فالأقوى عدم ثبوت الغسل فيهما، للأصل و تبادر تعلق الظرف بالسعي لا بالرؤية و إن قربت اليه، على أن الغالب اتحاد زمانهما، و لعله كاد يكون صريح بعضهم حيث ذكره بعد فعل السعي، خلافا للعلامة الطباطبائي في مصابيحه، فأثبته حاكيا له عن ظاهر المعظم من حيث ظهور تعلق الظرف بالرؤية، و بالأولى مما ذكرنا ما لو سعى فيها لينظر فيها أو بعدها خلافا له أيضا فيها، نعم لا فرق في رؤية المصلوب بين كونه حيا و ميتا، لظاهر النص و الفتوى، كما أن ظاهر التعليل بالعقوبة في أولهما يقتضي أن لا يكون النظر لغرض شرعي كالشهادة على عينه و نحوها، و لا يثبت الغسل حينئذ، و كذا يقتضي كون المصلوب من المسلمين كما هو معقد إجماع الغنية، لعدم احترام الكافر فلا عقوبة بالسعي اليه، و لعله مراد الجميع.

و كذلك الكلام في غسل المولود فقال بعض فقهائنا كابن حمزة بوجوبه ل

قول الصادق (عليه السلام) في موثق سماعة (1) في تعداد الأغسال: «و غسل المولود واجب»

و ربما ظهر من الصدوق أيضا، و المشهور نقلا و تحصيلا الندب، بل نسبه في المصابيح إلى الأصحاب تارة، و أخرى إلى سائر المتأخرين، كما أنه حكي عن ظاهر السرائر نفي الخلاف فيه، بل في الغنية الإجماع على ذلك، و لعله كذلك إذ لم يثبت

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

72

فيه الخلاف إلا ممن عرفت، مع أنه رماه في المعتبر بالشذوذ، و في المنتهى بالمتروكية.

و من هنا و ما عرفته بالنسبة للمسألة السابقة قال المصنف: ان الأظهر الاستحباب فيهما، مضافا إلى معارضة الموثقة بما دل على حصر الواجب في غيرهما من الأخبار، و إلى إطلاق لفظ الوجوب فيها أيضا على معلوم الاستحباب من غير خلاف، فيقوى حينئذ إرادة تأكد الاستحباب منه، أو مطلق الثبوت، و لا دليل سواها، إذ

خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) «اغسلوا صبيانكم من الغمر، فان الشيطان يشم الغمر، فيفزع الصبي»

إلى آخره. ليس مما نحن فيه، لما قيل من أن الغمر بالتحريك ريح اللحم و ما تعلق باليدين من دسمه، و الصبي غير المولود، فالمراد منه على الظاهر الأمر بتنظيف يدي الصبي مما يزاوله من نحو ذلك.

ثم ان ظاهر الموثقة كعبارات الأصحاب و أصالة العبادة في الأوامر أنه غسل بضم الغين لا غسل بفتحها، فيعتبر حينئذ فيه ما يعتبر في غيره من النية و غيرها، فلا يقدح فيه ما تشعر به بعض الأخبار (2) من أنه لازالة القذر عنه و نحوه، كغيره مما علم أنه عبادة كغسل الجمعة و نحوها مما ورد (3) فيها نحو ذلك لأن المراد أن هذه من الحكم التي تترتب على فعله، فما عن بعضهم من احتمال أنه تنظيف محض و ليس من العبادة في شيء ضعيف، كاحتمال عدم اعتبار الترتيب و لو كان عبادة، للأصل من غير معارض، لعدم تناول ما دل عليه له، و فيه منع، لتعارف الترتيب في الغسل و معهوديته فيه، و أنه كيفية له، فمتى أطلق انصرف اليه، و من هنا لم يحتج إلى إقامة الدليل عليه في كل غسل، هذا.

مع إمكان دعوى توقف يقين الامتثال عليه لو قلنا باعتبار مثله فيه، و لعله مما ذكرنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 15.

73

و من عدم معروفيته و عدم العموم في دليله يظهر لك منشأ الوجهين في جريان الارتماس فيه.

و كيف كان فهل وقت هذا الغسل ما دام يتحقق معه صدق غسل المولود كاليوم و اليومين و نحوهما مما يسمى به مولودا عرفا و لو إلى السابع، كما لعله يشعر به إطلاق النص، و لم يستبعده في المعتبر، أو من حين الولادة كما هو ظاهر المحكي من عبارات الأصحاب؟

وجهان، أحوطهما الثاني إن لم يكن أقواهما، لأنه المعهود المتعارف، فينصرف الإطلاق إليه، فتأمل.

[الركن الثالث في الطهارة الترابية]

الركن الثالث من معتمد هذا الكتاب.

في الطهارة الترابية و هي الحاصلة بمباشرة التراب في مقابلة المائية الحاصلة بمباشرة الماء. و كذا تسمى اضطرارية، كما أن الثانية تسمى اختيارية. من حيث أنها لا تشرع إلا عند الاضطرار إليها بتعذر الأولى عقلا أو شرعا على ما هو مستفاد من النصوص (1) و الفتاوى أيضا إلا في بعض المواضع للدليل كما سيأتي، و ليست الا التيمم، بخلاف المائية فالغسل و الوضوء، و هو لغة القصد كقوله تعالى (2) «وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» و شرعا مباشرة الأرض على وجه خاص يعرف مما سيأتي، و هو ثابت كتابا و سنة (3) و إجماعا، بل لعله في الجملة من ضروريات الدين التي يدخل من أنكرها في سبيل الكافرين و قد ذكر الله تعالى شأنه في النساء تارة، و في المائدة أخرى، فقال

____________

(1) الوسائل- الباب 1 و 2 و غيرهما من أبواب التيمم.

(2) سورة البقرة- الآية 269.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

74

عز من قائل في الثانية (1) «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ. أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً. فَامْسَحُوا» الى آخرها، و كذا في الأولى (2) و ان اختلفا بالنظر الى ما تقدم ذلك.

و قد سبق لنا كلام طريف في هذه الآية الشريفة في أول الكتاب عند البحث عن وجوب الغسل لنفسه أو لغيره يندفع بملاحظته ما أورد على ظاهرها من الإشكالات، التي منها اشتهر من جمع الله عز و جل الأمور الأربعة بشرط رتب عليه جزاء واحدا، أعني الأمر بالتيمم، مع أن سببية الأولين للترخص للتيمم و الأخيرين لوجوب الطهارة عاطفا لها بأو المقتضية لاستقلال كل واحد منهما بترتب الجزاء، مع أنه ان لم يجتمع أحد الأخيرين مع واحد من الأولين مثلا لم يحصل وجوب التيمم الذي هو الجزاء، من غير حاجة الى جعل «أو» فيها بمعنى الواو.

و لا إلى ما ذكره البيضاوي من أن وجه هذا التقسيم هو أن المترخص بالتيمم إما محدث أو جنب، و الحال المقتضية له غالبا إما مرض أو سفر، و الجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، و الحدث لما لم يجر له ذكر ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات و ما يحدث بالعرض و استغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب و بيان العذر مجملا، فكأنه قال: و إن كنتم جنبا أو مرضى أو على سفر. أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء، مع أنه لا يوافق ما ثبت عندنا من أن المراد بالملامسة الجماع.

و لا الى ما في الكشاف من أنه أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر و هم عادمون الماء في التيمم بالتراب، فخص أولا من بينهم مرضاهم و سفرهم، لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم، لكثرة السفر و المرضى و غلبتهما على

____________

(1) سورة المائدة- الآية 9.

(2) سورة النساء- الآية 46.

75

سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عمم كل من وجب عليه التطهر و أعوزه الماء، لخوف عدو، أو سبع، أو عدم آلة الاستقاء، أو إزهاق في مكان لا ماء فيه، أو غير ذلك مما لا يكثر كثر المرض أو السفر، مع ما فيه من الإجمال الذي لا تنحسم عنه مادة الإشكال، إلا أن يحمل على إرادة جعل قيد عدم الوجدان للأخيرين خاصة دون الأولين، للاستغناء عنه بالتعليق على المرض و السفر الغالب معهما عدم التمكن من الماء استعمالا أو وجودا، كما أنه يستغنى عن تقييدهما بالحدث لمكان العطف فيهما على ما سبقهما، فيكون المقصود حينئذ من الآية بيان المحدثين أصغر أو أكبر إذا كانوا مرضى أو مسافرين، و خصهما لغلبتهما أو غيره، و بيانهما كذلك إذا لم يجدوا ماء و إن لم يكن مرض أو سفر، فلا إشكال حينئذ من تلك الجهة، بل و لا من تكرير ذكر الجنابة، فلاحظ و تأمل.

[البحث في التيمم يقع في أطراف أربعة]

و كيف كان ف النظر و البحث في التيمم يقع في أطراف أربعة.

[الطرف الأول فيما يصح معه التيمم]

الأول فيما يصح معه التيمم ضرورة عدم مشروعيته على الإطلاق و هو ضروب مرجعها إلى شيء واحد عند التحقيق، و هو العجز عن استعمال الماء عقلا أو شرعا و إن ذكر المصنف هنا من أسبابه ثلاثة: عدم الماء، و عدم الوصلة اليه، و الخوف من استعماله، بل في المنتهى أن أسبابه ثمانية: فقده، و الخوف من اللص و نحوه، و الاحتياج له للعطش، و المرض و الحرج و شبههما، و فقد الآلة التي يتوصل بها اليه، و الضعف عن الحركة، و خوف الزحام يوم الجمعة و عرفة، و ضيق الوقت، و هي بأجمعها عدا الأخير تندرج فيما ذكره المصنف، و أما هو فسيأتي الكلام فيه، كما أنه في الوسيلة ذكر ان شرط التيمم فقد الماء أو حكمه، ثم أدرج في الثاني اثني عشر شيئا، و الكل ترجع إلى ما ذكرنا أيضا.

[السبب الأول عدم الماء]

و كيف كان ف الأول من الأسباب التي ذكرها المصنف عدم الماء

76

كتابا (1) و سنة (2) و إجماعا محصلا و منقولا من غير فرق فيه عندنا بين السفر و الحضر بل في الخلاف و المنتهى الإجماع عليه بالخصوص، كما أنه في الأخير الإجماع أيضا على عدم الفرق بين السفر الطويل و القصير، لكن في بعض نسخ المدارك أنه أجمع علماؤنا كافة إلا من شذ على وجوب التيمم للصلاة مع فقد الماء سواء في ذلك الحاضر و المسافر، و لم أعثر على الشاذ الذي استثناه إلا ما أرسله بعضهم هنا عن علم الهدى في شرح الرسالة أنه أوجب الإعادة على الحاضر، و هو مع أنه لم يعرف هذا النقل عنه هنا ليس خلافا فيما نحن فيه، إذ لا ينكر وجوب التيمم و الصلاة عليه و إن أوجب الإعادة بعد ذلك.

فلعل الصواب ما في أكثر النسخ أجمع العلماء إلا من شذ، و يراد بالشاذ حينئذ ما عن بعض العامة من حيث أنكر وجوب التيمم و الصلاة على الحاضر، مستدلا بظاهر تعليق الأمر بالتيمم في الآية الشريفة على السفر، و فيه- مع أن مثله يكون حجة إن لم يخرج مخرج الغالب، و إلا فهو ليس بحجة إجماعا كما في المنتهى، و أنه لا يجري في الحاضر المريض أيضا- مبني على عدم جعل المجيء من الغائط و ما بعده سببا مستقلا في التيمم، بل هو راجع الى المرضى و المسافرين بجعل «أو» بمعنى الواو، و أما بناء على التحقيق الذي قد سلف منا في الآية فهي بإطلاقها حينئذ لنا لا علينا ككثير من أخبارنا التي كادت تكون صريحة في عدم الفرق بينهما، و الأمر سهل.

فظهر لك من ذلك كله أنه لا فرق في مسوغية عدم الماء للتيمم بين الحاضر و المسافر و لا بين السفر الطويل و القصير، و لا بين كونه طاعة أو معصية، لكن انما يكون مسوغا للتيمم بعد الطلب له فلم يوجد، فمتى تيمم قبله مع حصول شرائط وجوبه من الرجاء و سعة الوقت و عدم الخوف و نحو ذلك لم يصح، لعدم تحقق عدم الوجدان بدونه، و هو

____________

(1) سورة النساء- الآية 46.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم.

77

شرط التيمم

[في وجوب الطلب عند عدم الماء]

و هو مراد المصنف و غيره بقوله و يجب عنده الطلب بل في الخلاف و الغنية و المنتهى و جامع المقاصد و عن التذكرة و التنقيح و غيرها الإجماع عليه. لا الوجوب التعبدي خاصة، على أنه قد لا يجب التيمم، فلا يجب الطلب حينئذ شرعا قطعا و إن وجب شرطا، بل في الخلاف و المنتهى و عن المعتبر الإجماع على ما يقتضي الشرطية، مضافا الى ظاهر الأمر به، بل في الحسن كالصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «إذا لم يجد المسافر فليطلب ما دام في الوقت»

بناء على إحدى النسختين و أحد الوجهين فيها، و في خبر السكوني (2) «يطلب الماء في السفر إن كانت حزونة فغلوة»

إلى آخره ان حملت الجملة الخبرية فيه على الأمر، و مضافا الى وجوب تحصيل شرط الواجب المطلق، و عدم إحرازه القدرة عليه لا يسقطه، إنما الذي يسقطه العجز، و لا يعلم به حتى يطلب، فتأمل فإنه نافع في غير المقام أيضا من مقدمات الواجب المطلق، كطلب التراب للتيمم أيضا، و إن لم نجده بالتحديد المذكور للماء، لعدم الدليل و حرمة القياس، فيبقى على ما تقتضيه الضوابط.

و كيف كان فما يحكى عن الأردبيلي من الحكم باستحباب الطلب مع عدم ثبوت ذلك عنه كما لا يخفى على من لاحظ كلامه ضعيف، و لعله لإطلاق طهورية التراب و بدليته عن الماء، و قول الصادق (عليه السلام) في خبر داود الرقي (3) بعد أن سأله أكون في السفر و تحضر الصلاة و ليس معي ماء و يقال: ان الماء قريب منا، فأطلب الماء و أنا في وقت يمينا و شمالا: «لا تطلب الماء و لكن تيمم، فإني أخاف عليك التخلف عن أصحابك، فتضل و يأكلك السبع» و قوله (عليه السلام) في خبر يعقوب بن سالم (4)

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 2.

78

عن الرجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك:

«لا آمر أن يغرر بنفسه، فيعرض له لص أو سبع» و قوله (عليه السلام) أيضا في خبر علي بن سالم (1) لداود الرقي: «لا تطلب الماء يمينا و لا شمالا و لا في بئر إن وجدته على الطريق فتوضأ منه، و إن لم تجده فامض»

و هي- مع عدم الموافقة ظاهرها لما ذكره من الاستحباب، و موافقتها للمحكي عن أبي حنيفة، و و وضوح قصورها عن معارضة ما تقدم، سيما بعد ظهور الثانية و كذا الأولى فيما لا يقول الخصم من حصول الماء قريبا منه، و سيما بعد الطعن في سند الأولى بداود الرقي بأنه ضعيف جدا كما في جش، بل فيه أيضا قال: أحمد بن عبد الواحد قل ما رأيت له حديثا سديدا و عن ابن الغضائري أنه كان فاسد المذهب ضعيف الرواية لا يلتفت اليه، و عن الكشي أنه يذكر الغلاة أنه من أركانهم، و في سند الثانية بمعلى بن محمد بأنه مضطرب الحديث و المذهب، و بأنه يعرف حديثه و ينكر، و الثالثة بعلي بن سالم باشتراكه بين المجهول و الضعيف، على أنها مطلقة لا تعارض المقيد- محمولة على الخوف و الخطر في الطلب كما هو ظاهر الأولين أو صريحهما، فيكونا قرينة على الخبر الثالث، خصوصا خبر الرقي، إذ لا ريب في سقوطه في هذا الحال، لكن مع عدم تمكنه من الاستنابة بناء على اعتبارها كما ستسمع، و ان أطلق غير واحد من الأصحاب سقوطه في مثل هذا الحال، لوجوب الطلب عليه حينئذ بنفسه أو وكيله، فتعذر الأول لا يسقط الثاني، و عليه أو نحوه يحمل

صحيحة الحلبي (2) أيضا، سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو، قال: ليس عليه أن يدخل الركية، إن رب الماء هو رب الأرض فليتيمم».

كما أنه لا ريب في سقوطه مع تيقن عدم الماء للأصل، و ظهور وجوب الطلب

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب التيمم- الحديث 1.

79

في رجائه، نعم لا يسقط بالظن كما صرح به في المنتهى و التحرير و غيرهما، لإطلاق الأمر به، و هو جيد مع عدم استناده الى سبب شرعي، كشهادة العدلين بل العدل الواحد، و إلا فالمتجه السقوط حينئذ، لعموم ما دل على اعتبارهما.

اللهم إلا أن يدعى عدم تحقق عدم الوجدان عرفا بذلك، و لعله لذا أطلق في الموجز الحاوي عدم الاجتزاء بخبر غير النائب كما عن نهاية الأحكام، و فيه بحث، إذ هو بعد التسليم غير واجد شرعا، و أولى منه ما لو كان ذلك بطريق النيابة و لو كان عن متعددين، و من هنا قال في الذكرى و جامع المقاصد: و يجوز النيابة في الطلب لحصول الظن، مع نصه في الأخير كما عن المسالك على اشتراط العدالة، و قضية إطلاق الأول و تعليله جوازها و ان لم يكن عدلا كإطلاق الموجز الحاوي و عن نهاية الأحكام، و لعله لصيرورته أمينا حينئذ، و لأن فعله فعل موكله، لكن نص في المنتهى على عدم الاجتزاء بالنيابة من غير فرق بين العدم و غيره، قال لأن الخطاب بالطلب للمتيمم فلا يجوز أن يتولاه غيره، كما لا يجوز أن يؤممه، و فيه أن مجرد تكليفه و خطابه به مع عدم ظهور إرادة المباشرة لا يعارض عموم الوكالة، و قياسه على التيمم مع الفارق.

[مقدار الطلب]

و كيف كان فالمراد بالطلب الذي قد ذكرنا وجوبه هو التفحص عن الماء في رحله و عند رفقائه و نحوهما و أن يضرب في الأرض لو كان في فلوات غلوة سهمين أي رمية أبعد أو وسط ما يقدر عليه المعتدل بالقوة مع اعتدال السهم و القوس و سكون الهواء على ما صرح به بعضهم، بل في كشف اللثام أنه المعروف، لكنه حكي فيه عن العين و الأساس أن الفرسخ التام خمس و عشرون غلوة، و عن المغرب عن الأخباس عن ابن شجاع أن الغلوة قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربع ماءة ذراع، و عن الارتشاف أنها ماءة باع، و الميل عشر غلاء، و المعتمد الأول في كل جهة من الجهات الأربع إن كانت الأرض سهلة على المشهور نقلا و تحصيلا، بل في الغنية الإجماع عليه، و عن

80

التذكرة نسبته إلى علمائنا، كما أنه قد ينطبق عليه إجماع إرشاد الجعفرية على ما قيل، و لعل ذلك هو الحجة، و الا فمستند الحكم من النص الآتي لا تعرض فيه لذكر الجهات، بل قضية إطلاقه الاكتفاء بالواحدة. لكن قد يقال بإرادة الجميع منه بجعل ما عرفت قرينة عليه مع عدم المرجح لبعضها و عدم معلومية تحقق الشرط و براءة الذمة بدونه.

فما في الوسيلة من الاقتصار على اليمين و اليسار مع أنه احتمل فيها إرادة الأربع ضعيف، كالمحكي عن المفيد و الحلبي من زيادة الإمام و ترك الخلف، الا أنه علله في كشف اللثام بكونه مفروغا عنه بالمسير، فلا خلاف، و فيه أن المفروغ منه انما هو الخط الذي سار فيه لا جوانبه.

و من هنا كان المتجه بل لعله مراد الجميع جعل مبدأ طلبه كمركز دائرة نصف قطرها ما يبتدأ به من الجهات، فإذا انتهى الى الغلوة أو الغلوتين رسم محيط الدائرة بحركة، ثم يرسم دائرة صغرى. و هكذا الى أن ينتهي إلى المركز حتى يستوعب ما احتمل وجود الماء فيه من ذلك، و هو المراد و ان لم تكن بتلك الكيفية المذكورة، فتأمل.

و غلوة سهم ان كانت الأرض حزنة بسكون الزاء المعجمة خلاف السهلة، و هي المشتملة على نحو الأشجار و العلو و الهبوط، و أصل التحديد بالغلوة و الغلوتين في الحزنة و السهلة هو المشهور بين الأصحاب، بل في الغنية و عن إرشاد الجعفرية الإجماع عليه، كما عن التذكرة نسبته إلى علمائنا و في السرائر أنه قد تواتر به النقل و هو الحجة، مضافا الى

خبر السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (1) عن علي (عليه السلام) قال:

«يطلب الماء في السفر، إذا كانت حزونة فغلوة، و ان كانت سهلة فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك»

و ضعفها لا يمنع من العمل بها بعد اعتضادها بما عرفت كما أن عدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 2.

81

ظفرنا و ظفر العلامة في المنتهى بغيرها لا يقدح في دعوى التواتر من ابن إدريس، و كذا إطلاق الشيخ- في مبسوطة و عن نهايته إيجاب الرمية أو الرميتين من غير تفصيل بين الحزنة و السهلة مع إمكان تنزيله على ذلك- لا يقدح في دعوى الإجماع المتقدم، كإطلاقه في الجمل و الخلاف و ابن سعيد في الجامع إيجاب الطلب للماء، و المرتضى في جمله إيجاب الطلب و الاجتهاد في تحصيله، مع احتمال الجميع ما ذكرنا، إذ لا ريب في تحقق ماهية الطلب و الاجتهاد بالقدر المذكور.

فما في الحسن- كالصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خشي أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصل»

- قاصر عن معارضة ما تقدم من وجوه لا تخفى، سيما بعد معارضتها بما دل على جواز التيمم (2) مع السعة، و بما دل (3) على النهي عن الطلب من الأخبار السابقة، و ما حكاه في الوافي عن بعض النسخ «فليمسك» بدل «فليطلب» فيمكن حينئذ إرادته بذلك جمعا بين النسختين و الأدلة، و ما في جامع المقاصد و غيره من أن الظاهر منه تحديد زمان الطلب لا مقداره، لأن الطلب قبل الوقت لا يجزى لعدم توجه الخطاب، فلا يراد حينئذ استيعاب الوقت بالطلب، كل ذا مع أنا لم نعرف عاملا بها بالنسبة إلى ذلك سوى ما في المعتبر «ان رواية زرارة تدل على أنه يطلب دائما ما دام في الوقت حتى يخشى الفوات، و هو حسن، و الرواية واضحة السند و المعنى» انتهى. مع أنه قال قبل ذلك بلا فصل بعد أن استضعف دليل المشهور: الوجه أنه يطلب من كل جهة يرجو فيها الإصابة، و لا يكلف التباعد بما يشق، و لا ريب في منافاته لذلك إذا لم يستوعب الوقت.

و لذا اعتمد في المدارك ما استوجهه في المعتبر، و حمل خبر زرارة على الاستحباب،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم.

82

و فيه ما عرفت و إن كان لا بأس بحمله الخبر المذكور، و لعله أولى مما في الحدائق من الجمع بينها و بين خبر السكوني بحملها على رجاء الحصول أي ظنه، و خبر السكوني على تجويز الحصول من دون ظن، إذ هو مع أنه لا شاهد عليه مبني على وجوب الطلب زائدا على النصاب مع ظن الماء، و فيه منع، بل إطلاق الأدلة السابقة يقتضي سقوطه و إن ظن، لعدم الدليل على التعبد به، مع أنه هو بنفسه استظهر بعد ذلك عدم اعتبار الظن لا طلاق خبر السكوني، نعم انما يجب الطلب زائدا مع العلم لعدم تناول الرواية له، فما في جامع المقاصد و الروض و غيرهما من إلحاق الظن به في ذلك حتى أنه قطع به في الأول لا يخلو من نظر بل منع، كالتعليل له بعدم حصول شرط التيمم معه، و هو العلم بعدم التمكن من الماء، و إلا لوجب مع الاحتمال أيضا، و هو باطل قطعا مناف لفائدة التحديد بالقدر المذكور.

نعم قد يتردد في الظن الذي تطمئن به النفس بل هو علم عرفي من حيث عدم احتمال شمول الخبر لمثله، و لعله مرادهم كما عساه يشعر به ما ذكروه من التمثيل له بالقرية و الحضرة و نحوهما، فيجب السعي حينئذ و إن زاد على المقدار.

لا يقال: إنه لا إشكال في عدم تحقق الشرط، و هو إن لم تجدوا في الفرض السابق، لتوقف صدقه على التطلب و الاختبار، فلم يوجد، لأنا نقول: إنه بعد أن قامت الأدلة من الخبر و الإجماع على وجوب الطلب غلوة أو غلوتين كان المراد من الآية فان لم تجدوا فيهما، و لا ريب في صدق عدم الوجدان فيهما و إن ظن في غيرهما بل و إن علم، لكنه خرج بما خرج من إجماع أو غيره، و إلا لو أريد صدق عدم الوجدان بالنظر إلى جميع الأمكنة لوجب الطلب حينئذ مع الاحتمال، و هو باطل قطعا لما عرفت.

و كذا ما يقال: إن المراد صدق إطلاق عدم الوجدان من غير تقدير للغلوة و الغلوتين و لا غيرهما، إذ ليست بدون ذكر المتعلق من المجملات و لا ترجع الى التعميم السابق

83

أيضا، و لا يصدق هذا الإطلاق إلا باختبار مظان الماء و لو زاد على النصاب دون ما احتمل، و به يفترق عن التعميم السابق. لأنا نقول- بعد تسليم تحقق مصداق للمطلق غير التعميم السابق، و تسليم توقفه على اختبار المظان كلها-: لا نسلم أن شرط التيمم هو مصداق هذا المطلق بعد قيام الأدلة على الغلوة و الغلوتين، فهو من قبيل المقيد بها و الكاشف للمراد بها. نعم قد يتم ذلك بالنسبة للمحال التي ليست من جهة الضرب في الأرض، كحدوث مجيء قافلة أو شخص أو نحو ذلك، فنوجب اختبار أمثالها كما صرح به في المنتهى و الذكرى مع احتمال وجود الماء فيها فضلا عن الظن.

و الحاصل ان وجوب تطلب الماء في الضرب في الأرض أقصاه النصاب المذكور، و أما في غيره كالقافلة فصدق إطلاق عدم الوجدان. نعم قد يقال: إن التحديد بالنصاب المذكور مبني على التسامح العرفي لا التحقيقي، بحيث لو ظن وجود الماء مثلا بما يقرب من منتهاه جدا لم يجب الاختبار و الطلب، و لعله لذا حكي عن العلامة في نهاية الأحكام التصريح بوجوبه حينئذ، بل عن المنتهى ذلك أيضا لو توهم، و لعله يريد الظن الضعيف، فتأمل.

[عدم كفاية الطلب قبل الوقت]

ثم انه صرح جماعة من الأصحاب منهم المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى بأنه لو طلب الماء قبل الوقت فلم يجده لم يعتد به و وجب إعادته، إلا أن يعلم استمرار العدم الأول، و لعله لظاهر ما دل على وجوبه من الإجماعات السابقة و غيرها، و هو لا يتحقق إلا بعد الوقت، لعدم وجوبه قبله و لتوقف صدق عدم الوجدان عليه، سيما بعد ظهور الآية الدالة على اشتراطه في إرادة عدم الوجدان عند إرادة التيمم للصلاة، و عند القيام إليها، و في زمان صحة التيمم، و لخبر زرارة (1) المتقدم آنفا، و لأنه لو اكتفي به قبل الوقت لصح الاكتفاء به مرة واحدة للأيام

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 1.

84

المتعددة، و هو معلوم البطلان، و لأن المنساق إلى الذهن من الأدلة إرادة الطلب عند الحاجة إلى الماء.

فلا وجه للتمسك للاجتزاء به بإطلاق خبر السكوني المتقدم، سيما بعد إمكان دعوى انصرافه إلى المتعارف من أفراد الطلب، و هو بعد دخول الوقت، و كذا التمسك باستصحاب عدم الوجدان الثابت قبل الوقت، و عدم الماء كذلك، إذ هو- بعد تسليم أن مثله يثبت مثله من الموضوعات العرفية أي التي يرجع في صدقها إلى العرف، و تسليم الاكتفاء باستصحاب عدم الماء في تحقق شرط التيمم الذي هو عدم الوجدان، و هو غير عدم الماء- أنه لا يعارض ما ذكرنا من ظهور الأدلة في شرطية الطلب أن يكون بعد الوقت، اللهم إلا أن يمنع، و فيه ما عرفت.

لكن صرح في الذكرى بعد ذلك بالاكتفاء بالطلب مرة في الصلوات إذا ظن الفقد بالأول مع اتحاد المكان، و هو قد يوهم المنافاة لما ذكرنا في الجملة من عدم الالتفات إلى الاستصحاب و غيره، سيما إذا أريد بالصلوات في كلامه ذوات الأوقات المختلفة كالمغرب بالنسبة للظهرين، إذ هو بالنسبة إليها طلب قبل الوقت.

و كذا ما في جامع المقاصد حيث اكتفى بالطلب مرة لصلاة إذا حضرت صلاة أخرى مع الظن بالفقد الأول أيضا، و أوضح منهما ما في التحرير حيث قال: «و لو دخل عليه وقت صلاة أخرى و قد طلب في الأولى ففي وجوب الطلب ثانيا إشكال، أقربه عدم الوجوب، و لو انتقل عن ذلك المكان وجب إعادة الطلب» انتهى.

اللهم الا أن يحمل ذلك منهم على الفرق بين الطلب في وقت صلاة و عدمه، فيجتزي بالأول و لو في صلاة أخرى لم يدخل وقتها، و هو موقوف على دليل الفرق، و ليس بواضح، أو يحمل الصلاة في كلامهم على نحو الظهرين و العشاءين مما اشتركا في وقت واحد، فإنه يجتزي به حينئذ للاستصحاب، و إطلاق خبر السكوني و غيرهما لا المغرب و الظهر مثلا.

85

و فيه انه مبني أيضا على عدم وجوب تجديد الطلب فيما لو فرق بين الصلاتين، مع نقضه لتيممه السابق بحدث مثلا و تجويزه تجدد ماء، و هو لا يخلو من تأمل يظهر مما تقدم، و لعله لذا قال في المنتهى: إنه لو طلب فلم يجده و صلى متيمما ثم حضرت الصلاة الثانية ففي وجوب إعادة الطلب نظر، أقربه الوجوب إن أراد بالصلاة الثانية ذلك من حيث تعارف التفريق، و الا كان شاهدا على سابقه، أو يحمل كلامهم على إرادة ما لو طلب في الوقت لصلاة فتيمم و صلى ثم حضر وقت صلاة أخرى و لما ينتقض تيممه و قلنا بجواز دخوله فيها بذلك التيمم، فإنه لا يحتاج إلى الطلب حينئذ لاستصحاب صحة تيممه، إذ أقصى ما دلت الأدلة على اشتراطه بالنسبة لابتداء التيمم لا لاستمرار صحته، و هو لا يخلو من نظر و تأمل.

فالأحوط إن لم يكن أولى تجديد الطلب عند كل صلاة احتمل احتمالا معتدا به تجدد الماء عندها حتى في نحو الظهرين مع التفريق، بل و مع الجمع إذا كان كذلك، بل و الصلاة الواحدة إذا فرق بينها و بين التيمم ليتحقق الاضطرار و عدم الوجدان، نعم هل يحتاج إلى تجديد تيمم بعد الطلب أو يكتفي بالأول؟ وجهان، كل ذا إن لم ينتقل عن ذلك المكان، و إلا وجب الطلب قطعا، فتأمل جيدا.

[بطلان التيمم و الصلاة لو أخل بالطلب]

و لو أخل ب ما وجب عليه من الطلب الذي منه الضرب في الأرض و تيمم و صلى مع سعة الوقت بطلا قطعا و إجماعا منقولا ان لم يكن محصلا، لما عرفت سابقا من الأدلة الدالة على اشتراط صحة التيمم به، و لا فرق في ذلك بين أن يصادف عدم الماء بعد الطلب و عدمه، كما أنه لا فرق فيه بين العالم و الجاهل و الناسي و غيرهم، قضاء للشرطية السابقة، و لا بين وقوع نية التقرب به ان تصور ذلك و عدمه، إذ ليس هو من الشرائط التي يكفي فيها مصادفة الواقع، و انما يحتاج المكلف إلى إحرازها لإيقاع نية التقرب حتى يصح من الغافل و نحوه، فما عساه يظهر من بعض فروع التحرير

86

من الحكم بالصحة لو صادف عدم الماء ليس في محله، مع احتمال إرادته ما ليس نحن فيه فلاحظ و تأمل.

نعم لو أخل بالطلب حتى ضاق الوقت أخطأ لتقصيره في الطلب الواجب عليه و صح تيممه و صلاته على الأظهر الأشهر بين الأصحاب، بل في المدارك أنه المشهور، و عن الروض نسبته إلى فتوى الأصحاب لسقوطه عند الضيق للأصل، و العمومات الدالة (1) على عدم سقوط الصلاة بحال، مع عدم تناول ما دل على شرطيته لمثله، فيكون حينئذ كما لو لم يخل، و عصيانه لا يوجبه عليه، لصدق عدم الوجدان أيضا، خصوصا إن أريد به عدم التمكن، و لإطلاق بدلية التراب، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة أو حسنه السابق (2): «فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصل»

و فحوى ما تسمعه من صحة التيمم لغير المتمكن من استعمال الماء مع وجوده عنده لضيق الوقت إن قلنا به، خلافا للمحكي عن ظاهر الخلاف و المبسوط و النهاية، حيث أطلق عدم الصحة مع الإخلال، مع عدم ثبوت ذلك عن الثاني، و احتمال الجميع السعة، بل لعله ظاهر الأول كما لا يخفى على من لاحظه، و يرشد اليه دعواه الإجماع عليه فيه، كل ذا مع عدم وضوح دليل له سوى اقتضاء شرطية الطلب ذلك. و عدم صدق الفاقد، و هما ممنوعان.

و لا قضاء عليه بعد ذلك حتى لو وجد الماء فيما أخل بالطلب فيه وفاقا لصريح مجمع البرهان و المدارك، و كذا ظاهر المصنف هنا، و إن فرض المسألة في خصوص من أخل بالضرب، لاقتضاء الأمر الاجزاء، و عدم صدق اسم الفوات عليه حتى يشمله الأمر

____________

(1) الوسائل- الباب 1 و 2 و 6 و 7 و 8 و 11 من أبواب وجوب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 1.

87

الجديد بالقضاء، و لاقتضاء ما سمعته من الأدلة السابقة أنه كالفاقد غير المفرط بالطلب و ان أثم بترك الطلب.

و خلافا للذكرى و جامع المقاصد و المسالك، فأوجبوا الإعادة مع وجدان الماء في محل الطلب، بل و للمصنف فيما يأتي، و العلامة في القواعد و ان اقتصر على ما لو وجد الماء في رحله أو عند أصحابه، كما عن المبسوط و الخلاف و الإصباح و ان اقتصر فيها على الرحل، لكن قد سمعت أن المحكي عن ظاهر الأولين عدم صحة التيمم فيما نحن فيه، فتأمل. و للمنتهى فيما لو نسي الماء في رحله أو موضع يمكنه استعماله فيه و تيمم و صلى، قال فيه: «فان كان قد اجتهد و لم يظفر به لخفائه أو لظنه انه ليس معه ماء صحت صلاته، و إن كان قد فرط في الطلب أعاد، قاله علماؤنا» انتهى. و قال في جملة فروع له أيضا:

لو صلى فبان الماء بقربه اما في بئر أو في مصنع أو غيرهما، فان كان خفيا و طلب و لم يظفر فلا إعادة و ان لم يطلب أعاده، و للمعتبر حيث قال: «و لو كان بقربه بئر لم يرها فمع الاجتهاد تيمم و لا إعادة، و مع التفريط يعيد» انتهى. لحمل الإعادة في كلام الجميع على ارادة القضاء كما هو مقتضى فرض المسألة في تارك الطلب الذي لا يصح منه الفعل الا عند الضيق، و إن أمكن فرض ذلك بالفعل بظن الضيق ثم انكشف السعة الا أنه بعيد، و لعله لمكان هذه العبارات و نحوها نسب في الحدائق وجوب القضاء فيما نحن فيه الى المشهور، و في جامع المقاصد الى أكثر الأصحاب.

و كيف كان فلم نعرف لهم دليلا على ذلك سوى ما ذكره غير واحد من

خبر أبي بصير (1) قال: «سألته عن رجل كان في سفر و كان معه ماء فنسيه و تيمم و صلى ثم ذكر أن معه ماء قبل أن يخرج الوقت، قال: عليه أن يتوضأ و يعيد الصلاة»

و هو- مع الغض عما في سنده و إضماره و كونه في الوقت- خارج عما نحن فيه، و احتمال دفع ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 5.

88

كله بالانجبار بالشهرة و ظاهر إجماع المنتهى السابق فيه مع عدم صلاحيتها لدفع بعض ما عرفت أنه لا شهرة محققة على ما نحن فيه، بل ربما يقال خصوصا في عبارتي المنتهى و المعتبر إرادة الإعادة في الوقت أو الأعم فيما لو نسي الماء و ترك الطلب لاعتقاد عدم الماء فتيمم و صلى ثم بان الخلاف، و هو غير ما نحن فيه، و لعل المتجه فيها ذلك أيضا للخبر السابق، و لأنه كنسيان الطهارة، و للبراءة اليقينية، و لعدم اقتضاء الأمر الاجزاء في مثله كما مر تحقيقه غير مرة، إذ هو من باب تخيل الأمر لا الأمر، و للتقصير في النسيان، و لأنه واجد للماء واقعا، نعم لو طلب فلم يجد قد يتجه حينئذ عدم الإعادة، للأمر الخصوصي بالتيمم حينئذ في ظاهر الأدلة.

[في وجوب التيمم على من أراق الماء في الوقت]

و منه يعلم الحكم في نظائره من كل طالب و أخطأ في تحصيل الماء، خلافا للمحكي عن المرتضى، فلا يعيد الناسي مطلقا في الوقت و خارجه طلب أو لم يطلب مع اعتقاده عدم الماء، و كأنه لرفع القلم، و عدم القدرة على زواله، و صدق عدم الوجدان، لأن المراد به في اعتقاده لا واقعا، و لذا لا يعيد مع الطلب و ان لم يصادف الواقع، و عدم شمول دليل القضاء له، و هو لا يخلو من وجه سيما في القضاء، و ان كان الأوجه الأول، و ربما يظهر للمتأمل في كلامهم شواهد على ما ذكرنا من إرادة هذه المسألة لا ما نحن فيه من المسألة السابقة، كما أنه يظهر له كمال التشويش في كلام جملة من المتأخرين كالمحقق الثاني و كاشف اللثام و غيرهم، بل و خللا في النقل أيضا، فلاحظ و تدبر.

و من التأمل فيما قدمنا يظهر لك الحال في كل من نقل تكليفه من الاختياري إلى الاضطراري، كمن أراق الماء في الوقت، فإنه يتيمم و يصلي و إن عصى بذلك مع علم عدم الماء حينئذ، أو ظنه بل و احتماله لوجوب الحفظ عليه من باب المقدمة، و أولويته من إيجاب الطلب، و ظهور الأدلة في الاهتمام بالنسبة إلى ذلك كما يومي اليه شراؤه بما

89

يتمكن و نحوه، فما عساه يظهر من المعتبر من جواز الإراقة ضعيف جدا، كصريح جامع المقاصد فيما لو ظن إدراك الماء، بل لعل الإجماع على خلافه، كما عساه يشعر به نسبته إلى الأصحاب في الحدائق.

و احتمال التمسك له- بعد الأصل بأن أقصى ما يستفاد وجوب كلي الصلاة في أول الوقت، و كيفية أدائها يتبع حاله وقت الأداء واجد الماء أو فاقده، و ذلك لا يقتضي إيجاب حفظ الحالة الأولى التي قارنت مبدأ التكليف، و لذا كان له السفر بعد الوقت، و نقل تكليفه من الإتمام و القصر، بل تخييره في أوقات الصلاة يقتضي عكسها- ضعيف جدا، إذ لا ريب في إيجاب الصلاة بماء عليه باعتبار وجدانه له، و ان كان مخيرا في إيقاعها كذلك في سائر أوقات السعة، لا أنه مخير في كلي الصلاة، و القياس على السفر يدفعه معلومية إباحته، فمنه و من التخيير في الإيقاع ينتقل الى جواز ذلك، بخلاف ما نحن فيه.

و من هنا لم يقع الاشكال فيه من حيث ذلك و ان وقع فيه من حيث انتقال فرضه الى القصر حينئذ، لعموم الأدلة و عدمه لاستصحاب ما كلف به أولا، فتأمل جيدا. على أنه لو سلم عدم اقتضاء القواعد الحرمة فيما نحن فيه فلا ينبغي الإشكال هنا بعد ظهور الإجماع المتقدم و الأدلة فيه. نعم هو لا ينافي الانتقال الى التيمم لشمول أدلته.

و منه يعلم حينئذ أنه لا وجه للإعادة بعد التمكن من الماء وفاقا للمصنف في المعتبر و الهندي في كشف اللثام و غيرهما، بل قد يشعر عبارة الأول بعدم الخلاف فيه، و أولى منها القضاء، إذ هو بعد عصيانه يساوي غير العاصي في شمول أدلة التيمم، فكما لا إعادة هناك لاقتضاء الأمر الإجزاء فكذلك هنا، فما في القواعد و غيرها من الإعادة عند التمكن ضعيف جدا، خصوصا ان أراد الأعم من القضاء، و مجرد وجوب ذلك سابقا عليه لا يقتضيه.

90

نعم قد يحتمل القول بعدم مشروعية التيمم من حيث ظهور أدلته في غيره، فيعاقب حينئذ على الصلاة و إن لم تقع منه لسوء اختياره، فإذا وجد الماء أعاد أو قضى، لا أنه يشرع له التيمم ثم يجب عليه الإعادة بعد التمكن، اللهم إلا أن يريد بوجوبه من المقدمة للفراغ اليقيني لا من حيث شمول أدلة التيمم له، أي أنه لم يتضح له من الأدلة حكم هذا الموضوع أنه من الفاقد، فيتيمم أولا فيفعلهما حينئذ معا تحصيلا للفراغ اليقيني، و لا ريب أنه أحوط و إن كان قد ينظر فيه بعد التسليم بأن وجوب القضاء لا يحققه إلا الأمر الجديد لا احتمال الشغل، فمن جاء بالصلاة متيمما لم يحصل له اليقين بالفوات، إلا أنه يمكن دفعه، و كيف كان فالأقوى ما سمعت.

ثم ان الظاهر اختصاص الإعادة بالصلاة التي أريق الماء في وقتها لا كل ما يمكن تأديته بذلك الماء و ان لم يدخل وقتها، بل لا يبعد اختصاص الظهر لو أراقه في وقتها المختص به دون العصر، و ان احتمل بعضهم بناء على دخوله بمجرد انتهاء وقت الظهر، لكن الأول هو مقتضى الأدلة السابقة، فتأمل جيدا.

هذا كله إذا أراقه بعد الوقت، أما قبله فيصلي بتيممه المتجدد إجماعا كما في المنتهى، و لا يعيد قطعا، كما أنه لا اثم عليه كذلك أيضا حتى لو علم عدم الماء فيه للأصل، و عدم وجوب مقدمة الواجب الموسع قبله، سيما فيما لها بدل شرعي، خلافا للأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح، فأوجبه أيضا مع احتمال عدم الماء فضلا عن غيره، معللا له باستصحاب البقاء الى وقت الصلاة الواجبة، و كونها من الواجبات المطلقة اللازمة الصدور من المكلف على أي تقدير و أنها أشد الفرائض، و هما كما ترى، و كذا قياسه على مقدمات الحج، للفرق الواضح بينه و بين ما نحن فيه مما يسع الوقت له و لمقدماته، و من هنا لم يتحقق الوجوب إلا مع مضي مقدار الطهارة مع الصلاة، نعم ربما يقال:

انه يظهر من الأدلة زيادة الاهتمام بالصلاة و مقدماتها و رفع موانعها كما يشعر به النهي

91

عن السفر إلى أرض لا ماء فيها و أنه هلاك الدين، لكن وصول ذلك الى حد الوجوب ممنوع، و عليه فيجب الطهارة حينئذ لو مر بماء قبل الوقت مع احتمال عدمه فيه، بل و كذا طلبه قبله مع احتماله عدم التيسر له فيه، و كذا حفظ وضوئه عن الحدث لو كان متوضئا و نحو ذلك مما قد يقطع بعدمه، بل يشمله ما حكي من الإجماع على عدم وجوب الوضوء قبل دخول الوقت كظاهر الأخبار (1) المعلقة له عليه، لكن قد يقوى في النفس وجوب حفظ ما تفوت الصلاة بفواته و إن كان قبل الوقت حينئذ كالطهورين مثلا، كما يشعر به حرمة النوم لمن علم فوات الفريضة به، إما لزيادة الاهتمام بأمر الصلاة، أو يدعى ذلك في كل واجب موقت، أو يفرق بين ما يجعل وسيلة و احتيالا لإسقاط الواجب من الصلاة و غيرها و عدمه، و كيف كان فهو غير ما نحن فيه، فتأمل جيدا.

[في وجوب التيمم على من فرط حتى ضاق الوقت]

و ربما يظهر لك من التأمل فيما ذكرنا سابقا وجوب التيمم على واجد الماء الذي لا يتمكن من استعماله مخافة فوات الوقت حتى إدراك مقدار ركعة منه و إن كان ذلك بتقصير و تفريط منه، وفاقا للمنتهى و التذكرة و المختلف و الروضة و غيرها، بل في الرياض أنه الأشهر، لعموم المنزلة، و أنه أحد الطهورين، و اتحاد رب الأرض و الماء مع عدم سقوط الصلاة عنه، و ظهور مساواته لما خاف فوات الوقت بالسعي اليه أو بإتمام السعي إليه، كظهور أصل مشروعية التيمم للمحافظة على الصلاة في وقتها، فهو أهم في نظر الشارع من المحافظة على الطهارة المائية كغيرها من الشرائط من تحصيل الساتر و نحوه، فإنها كلها تسقط عند الضيق، و لعله لذا لم يعد الضيق في مسوغات التيمم، و لما يشعر به الأمر في الموثق (2) و خبر السكوني (3) بالتيمم عند خوف الزحام يوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الوضوء- الحديث 1 و لم نجد غيره يدل على المطلب.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب التيمم- الحديث 1.

92

الجمعة أو عرفة كما سيأتي التعرض له في الأحكام، و لظهور الاتفاق على مشروعيته لصلاة الجنازة مع خوف فواتها، و لا فرق بينها و بين ما نحن فيه إلا بالوجوب و الندب، و هو لا يصلح فارقا، و تمام الكلام عند تعرض المصنف له في الأحكام أيضا.

و خلافا للمعتبر و جامع المقاصد و كشف اللثام و المدارك لثبوت اشتراطها بالطهارة المائية مع عدم ثبوت مسوغية ضيق الوقت للتيمم، لتعليقه على عدم الوجدان الذي لا يتحقق صدقه بذلك، فحينئذ يتطهر و يقضي، و لذا يصدق عليه اسم الواجد لغة و عرفا، و بذلك يفرق بينه و بين من أخل بالطلب حتى ضاق، و فيه- بعد تسليم عدم إرادة التمكن منه مع شهادة أمور كثيرة عليه- أنه لا دلالة فيه على اختصاص المسوغ به إلا بالمفهوم الذي لا يظهر شموله لمثل ما نحن فيه، بل قد يظهر منه خلافه، و هو لا يعارض ما عرفته سابقا، لكن و مع ذلك كله فالاحتياط بالتيمم و الصلاة ثم الطهارة و القضاء سيما مع التقصير منه و التفريط لا ينبغي تركه، بل ربما أوجبه بعضهم هنا مقدمة لفراغ اليقيني، إلا أنه ممنوع لما عرفت في نظائره من اقتضاء الأمر الاجزاء، و بدلية التراب و غيرهما.

ثم ان المعتبر في الضيق المسوغ للتيمم عدم التمكن مع استعمال الماء من إدراك الصلاة و لو بإدراك ركعة من الوقت، أو يكفي فيه خروج بعض الصلاة عن الوقت حتى التسليم بناء على وجوبه فيها، وجهان، و ربما يجري مثله في سائر الشرائط غير الطهارة و إن أمكن الفرق بالبدلية هنا شرعا دون غيرها، فيتجه الثاني فيما نحن فيه، و الأول في غيره، فتأمل.

[وجوب التيمم على من كان عنده من المال ما لا يكفيه]

و على كل حال ف لا فرق فيما ذكرنا من وجوب التيمم بين عدم الماء أصلا و وجود ماء لا يكفيه لطهارته وضوء أو غسلا، إذ هو بمنزلة العدم، لعدم مشروعية تبعيض الطهارة و لا تلفيقها من الماء و التراب، فيشمله حينئذ قوله تعالى (1)

____________

(1) سورة المائدة- الآية 9.

93

«فَلَمْ تَجِدُوا» لتبادر إرادة ما يكفي، كقوله تعالى (1) في كفارة اليمين «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ» لعدم وجوب إطعام البعض، مضافا إلى الأمر في صريح الأخبار المستفيضة، و فيها الصحيح و غيره بالتيمم للجنب و إن كان عنده من الماء ما لا يكفيه، كخبري الحلبي (2) و الحسين بن أبي العلاء (3) و غيرهما (4) و إلى اقتضاء قاعدة انتفاء الكل بانتفاء الجزء. و قوله (عليه السلام) (5): «لا يسقط الميسور»

مع إجماله في نفسه لا يتمسك به من دون جابر له، فكيف مع وجود ما يوهنه، و احتمال تعميم ما دل (6) على تنزيل التراب منزلة الماء في الأبعاض أيضا يدفعه ظهور تلك الأدلة، بل هو صريح بعضها في غيره.

كل ذا مع أنه لا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل في كشف اللثام الاتفاق على وجوب التيمم كما في المنتهى، و عن التذكرة نسبته إلى علمائنا مع التصريح في معقد ذلك فيها بعدم الفرق بين الحدث الأصغر و الجنب، سوى ما في الروض «ربما حكي عن الشيخ في بعض أقواله التبعيض، و هو قول بعض العامة» انتهى. مع انا لم نجد ذلك فيما حضرني من كتبه كالمبسوط و الخلاف، بل الموجود فيهما خلافه، بل في الأخير الإجماع على التيمم للمجنب الذي كان عنده ماء لا يكفيه لغسله و كذا الوضوء، و سوى ما نقل عن العلامة في نهاية الأحكام أنه احتمل في الجنب صرف الماء إلى بعض أعضائه معللا ذلك باحتمال وجود ما يكمله، و الموالاة فيه ليست بشرط، و الظاهر أنه ليس خلافا فيما

____________

(1) سورة المائدة- الآية 91.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم.

(5) غوالي اللئالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

(6) الوسائل- الباب- 20- من أبواب التيمم- الحديث 3.

94

نحن فيه من إيجاب التيمم، و عدم الاجتزاء بغسل البعض و التلفيق من الماء و التراب، بل هو واجب آخر خارج عن ذلك من حيث احتماله لوجود ما يكمله، مع أنه أيضا ممنوع، لعدم رجوعه إلى أصل يعول عليه، و لو علله بإمكان رفع بعض الجنابة دون بعض لمكان توزيعها على البدن، كما يشعر به

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «تحت كل شعرة جنابة»

و غيره مع وجوب تخفيف الحدث كالخبث لكان أوجه و إن كان كل من مقدمتيه ممنوعا أيضا كما هو واضح.

فظهر لك من ذلك كله أنه لا ينبغي الإشكال في الرجوع الى التيمم و عدم الالتفات الى ذلك الماء من غير فرق بين الأصغر و غيره، و لا بين سائر أنواع الحدث الأكبر إلا في إيجاب الوضوء به لو كان يكفيه في حدث غير الجنابة كالحيض و المس، لما قدمناه في باب الحيض أنه يوجب الطهارتين، فتعذر إحداهما لا يسقط الأخرى بخلاف الجنابة، و من هنا نص في خبر محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) على الأمر بالتيمم و النهي عن الوضوء في المجنب في السفر، و معه ماء قدر ما يتوضأ، كظاهر غيره أيضا.

و لو كان الماء يكفي للغسل أو الوضوء في غير الجنابة احتمل تقديم الغسل و التيمم بدل الوضوء، لكونه أهم في نظر الشارع، و التخيير، و الأول أحوط.

ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من عدم مشروعية التبعيض المذكور بين أن يكون منشأه قلة الماء أو غيره كمرض بعض أعضاء الطهارة مع صحة الباقي مرضا لا يدخله تحت الجبيرة و لواحقها و كذا لو كان عليها نجاسة لا يستطيع غسلها لألم و نحوه، كما صرح بذلك جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في مبسوطة و خلافه، و المصنف في المعتبر، و العلامة في المنتهى و غيرهم، بل ينتقل حينئذ إلى التيمم، و كأنه لعدم الالتفات

____________

(1) كنز العمال- ج- 5 ص 92- الرقم- 1966 و 1971.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم- الحديث 4.

95

منهم هنا إلى عدم سقوط الميسور بالمعسور، و قوله (صلى الله عليه و آله) (1):

«إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»

إما لظهور الأدلة في خصوص الطهارات في عدم اعتبار ذلك، كما يشعر به أمر الجنب الواجد لبعض الماء بالتيمم و غيره، و اما لأنهم عثروا على ما يصرف دلالتها عن شمول ذلك و ان كان ظاهرها الآن التناول، كما رواه في الصافي (2) عن المجمع عن أمير المؤمنين (ع) في تفسير قوله تعالى (3) «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» ثم قال: «خطب رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: ان الله كتب عليكم الحج، فقال عكاشة بن محصن- و يروى سراقة بن مالك-: أ في كل عام يا رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا فقال رسول الله (ص):

ويحك و ما يؤمنك أن أقول نعم، و الله لو قلت نعم لوجبت، و لو وجبت ما استطعتم، و لو تركتم كفرتم. فاتركوني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»

و هو ظاهر بل صريح في غير ما نحن فيه من الإتيان ببعض أجزاء المركب لو تعذر الباقي، مع منافاته لقاعدة انتفاء المركب بانتفاء بعض أجزائه، لكن و مع ذلك فقد ذكر الشيخ في المبسوط و الخلاف فيما نحن فيه أن الأحوط غسل الأعضاء الصحيحة ثم التيمم ليكون مؤديا صلاته بيقين، و هو لا يخلو من تأمل إن أراد ذلك من حيث وجود المخالف فيه منا، نعم له وجه إن أراد من حيث احتماله في نفسه، فتأمل جيدا، و الله العالم.

____________

(1) سنن البيهقي- ج- 1- ص 215 و لكن نصه

«ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم»

و رواه أيضا في غوالي اللئالي عن النبي (صلى الله عليه و آله) بعين ما ذكر في الجواهر و في تفسير الصافي- سورة المائدة- الآية 101.

(2) تفسير الصافي- سورة المائدة- الآية 101.

(3) سورة المائدة- الآية 101.

96

[السبب الثاني عدم الوصلة إليه]

السبب الثاني عدم الوصلة إليه أي إلى الماء بلا خلاف أجده، بل في ظاهر المعتبر أن عليه إجماع أهل العلم، إما لتوقفه على ثمن تعذر عليه فيتيمم إجماعا كما في التذكرة، أو لفقد الآلة التي يتوصل بها الى الماء، كما إذا كان على شفير بئر أو نهر و لم يتمكن من الوصول الى الماء إلا بمشقة أو تعزير النفس فيباح له التيمم عند علمائنا أجمع كما في المنتهى، و قال الصادق (عليه السلام) لما سأله ابن أبي العلاء (1) عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو: «ليس عليه أن ينزل الركية، إن رب الماء هو رب الأرض فليتيمم»

و نحوه قوله (عليه السلام) أيضا في خبر الحلبي (2) و قال (عليه السلام) أيضا في صحيح ابن أبي يعفور و عنبسة (3):

«إذا أتيت البئر و أنت جنب فلم تجد دلوا و لا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد الطيب، فان رب الماء رب الصعيد، و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم»

أو للعجز عن الحركة المحتاج إليها في تحصيله لكبر أو مرض أو ضعف قوة و لم يجد معاونا و لو بأجرة مقدورة، أو يكون موجودا في محل يخاف من السعي اليه على نفس أو طرف أو مال محترم أو بضع أو عرض أو ذهاب عقل و لو بمجرد الجبن، لقبح التكليف بما لا يطاق، و نفي العسر و الحرج و الضرر في الدين، مع عموم بدلية التراب عن الماء، و صدق عدم الوجدان و ربما يشير الى بعض ما ذكرنا مضافا الى الأخبار السابقة أيضا

خبر السكوني (4) و عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أنه «سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس، قال: يتيمم

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب التيمم- الحديث 3.

97

و يصلي معهم، و يعيد إذا انصرف» و داود الرقي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أكون في السفر و تحضر الصلاة و ليس معي ماء و يقال: إن الماء قريب منا، أ فأطلب الماء و أنا في وقت يمينا و شمالا؟ قال: لا تطلب الماء و لكن تيمم، فإني أخاف عليك التخلف عن أصحابك فتضل و يأكلك السبع» و يعقوب بن سالم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك، قال: لا آمره أن يغرر بنفسه. فيعرض له لص أو سبع»

الى غير ذلك.

و ظهر لك حينئذ مما قدمنا أن من عدم الثمن أو بعض ما سمعت فهو كمن عدم الماء في وجوب التيمم و كذا إن وجده بثمن يضر به في الحال كما هو فتوى فضلائنا على ما في المعتبر، و الظاهر اتفاق الأصحاب عليه كما في شرح المفاتيح من غير فرق في ذلك بين الحال و المؤجل، و منه ما لو كان محتاجا له للنفقة، فإنه لم يجب عليه الشراء قولا واحدا كما في المنتهى، و منه أيضا الإجحاف بما له أي استئصاله أو كاستئصاله، و اقتصر عليه أي الإجحاف في الغنية و الوسيلة و عن الكافي من غير تعرض للضرر، بل لعله بعض معقد إجماع الأول، كما أنه لم يعرف فيه مخالفا في المنتهى.

فإطلاق ابن سعيد في الجامع كما عن المرتضى إيجاب الشراء و إن كثر ثمنه منزل على غير ما ذكرنا قطعا، سيما مع خوف التلف كما يشعر به جواز التيمم مع خوف العطش، فالثمن أولى، فلا خلاف حينئذ، و إن كان قد يظهر من المصنف في النافع و المعتبر ذلك، حيث جعلهما قولين، بل مال إليه في الحدائق، فأوجب الشراء مطلقا إلا إذا خاف على نفسه العطب، تمسكا بإطلاق ما دل على شرائه بالثمن و إن كثر من الأخبار الآتية، و هو- مع مخالفته للإجماع في الجملة، و عدم تبادر مثل ذلك من الأخبار

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 2.

98

التي ادعاها- مناف لنفي الضرر و العسر و الحرج في الدين، سيما إذا استلزم ذلك سؤاله و ذلة، و لسهولة الملة و سماحتها، مع عموم بدلية التراب عن الماء، و استقراء أمثال هذه الموارد في الواجبات الأصلية فضلا عما كان وجوبه من باب المقدمة و له بدل.

فبذلك كله يخرج عن تلك الإطلاقات لو سلم تناولها، و احتمال العكس بعد تسليم قبول هذه العمومات التخصيص لا وجه له، سيما بعد رجحان هذه بعمل الأصحاب و غيره.

نعم قد يناقش في شمول تلك العمومات لمثل المقام بمنع كونه عسرا و حرجا، و إلا لم يقع نظيره في الشرع من الجهاد و بذل المال في الحج و غير ذلك، و بأن المراد من حديث الضرار النهي عن أن يضر أحد أحدا لا ما نحن فيه، و يدفعه منع عدم الشمول، لأن المراد بالحرج المشقة التي لا تتحمل عادة و إن كانت دون الطاقة، على أن استقراء موارد سقوط الطهارة المائية يشعر بإقامة الشارع التراب مقامها بأقل من ذلك كما لا يخفى.

فلعل العسر و الحرج يختلف بالنسبة للتكاليف باعتبار المصالح المترتبة عليها، فمنها ما لا عسر و لا حرج في بذل النفوس له فضلا عن الأموال كالجهاد لما يترتب عليه من المصالح العظيمة التي يهون بذل النفوس لها، و منها ما لا يكون كذلك مثل ما نحن فيه، كما يعطيه فحاوي الأدلة، للأمر بتركه في كثير من مظان أقل الضرر.

نعم قد يتأمل لما ذكره و لباب المقدمة في بعض أفراد الضرر الذي يتحمل مثله عادة، و إلا فمطلق الشراء بالثمن الكثير الزائد على ثمن المثل ضرر، كما ينبئ عنه استدلال الأصحاب في أبواب المعاملات على أمثاله بنفي الضرر و نحوه، و من هنا لم يعتبر المضرة اليسيرة في المهذب و ظاهر مجمع البرهان على ما حكي عنهما.

كما انه قد يتأمل فيما ذكره المصنف في المعتبر دليلا للحكم السابق غير ما قدمناه، و تبعه غيره من أنه إذا لم يجب السعي و تعريض المال للتلف مع خوف أخذ اللص ما يجحف به و ساغ التيمم دفعا للضرر فهكذا هنا، بالفرق بينه و بين ما نحن فيه، للنص فيه

99

هناك و عدمه هنا، و لذا لم يعتبر في خوف اللص الضرر و الإجحاف، و بما في أخذ اللص و نحوه من الطرق التي لم تعد أعواضا مما لا يحتمل عادة، بل قد يعد مثله إضاعة المال المنهي عنها، و بما قيل أيضا إن العوض فيه هنا الثواب بخلافه في اللص، لكن في الذكرى أنه خيال ضعيف، لأنه إذا ترك المال لابتغاء الماء دخل في حيز الثواب، و فيه أنه فرق بين الثوابين، و لعل مراد المحقق الذي أشرنا إليه سابقا من أن هذا و شبهه مما أمر بالتيمم من جهته يشعر بقيام التراب مقام الماء بأقل من ذلك، فتأمل جيدا.

و المراد بالحال في المتن و غيره حال المكلف كما هو صريح التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و غيرها، و ظاهر إطلاق الضرر في الخلاف، فيشمل الحال و المتوقع في زمان لا يتجدد فيه ما يندفع به عادة لاشتراكهما في الأدلة السابقة، و استقراء موارد ما رفع من التكليف للضرر، و فحوى الأمر بالتيمم عند خوف العطش، فالثمن الذي هو بدل الماء أولى، فما يحكى عن صريح المعتبر- بل قيل إنه ظاهر المتن من إرادة الزمان الحال لعدم العلم بالبقاء إلى وقته، و لإمكان حصول مال فيه على تقدير البقاء، و لانتفاء الضرر- ضعيف جدا كدليله، نعم لو بعد زمان التوقع إلى مرتبة لا يحترز عن مثله في العادات لم يعتبر، لعدم عد مثله من الضرر، فتأمل.

هذا كله فيما إذا أضر و أما إن لم يكن مضرا بالحال و لو من حيث الإجحاف لزمه شراؤه إذا كان بثمن المثل اتفاقا محصلا و منقولا، لصدق الوجدان و للمقدمة، بل و كذا لو كان بأضعاف ثمنه المعتاد إجماعا كما في الخلاف، و فتوى فقهائنا عن المهذب البارع، بل لعله مندرج أيضا في معقد إجماع الغنية، و على كل حال فهو الحجة، مضافا إلى صدق الوجدان معه و المقدمة و الصحيح (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة و هو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضأ

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب التيمم- الحديث 1 مع اختلاف في اللفظ.

100

به بمائة درهم أو بألف درهم و هو واجد لهما يشتري و يتوضأ أو يتيم؟ قال: لا بل يشتري، قد أصابني مثل هذا فاشتريت و توضأت، و ما يشترى بذلك مال كثير» و خبر الحسين بن طلحة (1) المروي عن تفسير العياشي قال: «سألت عبدا صالحا عن قول الله عز و جل (2) «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» ما حد ذلك؟ قال: فان لم تجدوا بشراء أو بغير شراء، قلت: إن وجد قدر وضوئه بمائة ألف أو بألف و كم بلغ قال ذلك على قدر جدته»

و ما

عن فخر الإسلام في شرح الإرشاد «ان الصادق (عليه السلام) اشترى وضوءه بماءة دينار»

و ما عن

دعائم الإسلام (3) الى أن قال: «و قالوا (عليهم السلام): في المسافر يجد الماء بثمن غال أن يشتريه إذا كان واجد الثمن فقد وجده إلا أن يكون في دفعه الثمن ما يخاف منه على نفسه التلف إن عدم و العطب، فلا يشتري و تيمم بالصعيد و يصلي».

فما عن ابن الجنيد من عدم إيجاب الشراء إذا كان غاليا، و لكن أوجب الإعادة إذا وجد الماء ضعيف، و لعله لأنه ضرر في نفسه، فيندرج تحت

قوله (صلى الله عليه و آله) (4): «لا ضرر»

إذ المراد به ما كان فيه ذلك في حد ذاته و بالنسبة إلى غالب الناس، و لسقوط السعي عند الخوف على شيء من ماله، و هو مدفوع بما عرفت.

كما أنه قد عرفت الفرق بينه و بين الخوف بالنص و غيره، فلا ينبغي الإشكال في وجوب ذلك حينئذ، كما أنه لا إشكال عندهم بل و لا خلاف، بل في الحدائق نسبته إلى ظاهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(2) سورة النساء- الآية 46 و سورة المائدة- الآية 9.

(3) المستدرك- الباب- 20- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الشفعة- الحديث 1 و الباب 12 من كتاب إحياء الموات- الحديث 3 و 4.