جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
373 /
101

الأصحاب في وجوب القبول عليه لو وهب له الماء، لابتناء ذلك على المسامحة عرفا، فلا منة و لا ضرر، لكنه لا يخلو من تأمل، لاختلافه باختلاف الأشخاص رفعة و ضعة و الأزمنة و الأمكنة، و عليه فلو تيمم و الحال هذه بطل ما دام الماء المبذول قائما كما صرح به غير واحد، و كذا في نظائره.

و أما لو بذل له الثمن ففي المبسوط و المنتهى و المدارك و الحدائق وجوب القبول أيضا للمقدمة المقدورة عقلا و شرعا، إذ لا حرمة عليه في تحمل المنة، و استشكله في المعتبر بأنه فيه منة في العادة، و لا تجب المنة، و اختاره في جامع المقاصد، قال: «لأن هبة المال مما يمتن به في العادة و يحصل به للنفس غضاضة و استهانة، و ذلك من أشد أنواع الضرر على نفوس الأحرار، و لا أثر لقلته في ذلك، لعدم انضباط أحوال الناس، فربما يعد القليل كثيرا، بل مناط الحكم كون الجنس مما يمن به عادة، كما لا نفرق بين قلة الماء و كثرته في وجوب القبول اعتبارا بالجنس» انتهى. و فيه التأمل السابق، فلعل الأولى إناطة الحكم بذلك لا الإطلاق، و لا اعتبار بالجنس الذي ذكره، إذ منشأ عدم تحمل المنة انما هو الحرج الذي لا يتحمل، فيكون كالضرر المتقدم في الثمن، فيدور الحكم مداره وجودا و عدما من غير مدخلية للجنس، بل و كذا الكلام في الاستيهاب و الاكتساب، فان الناس مختلفة بذلك أشد اختلاف، و ظاهرهم هنا عدم الفرق بين الهبة و البذل بمعنى الإباحة، و هو كذلك عند التأمل.

و لو بذل له الماء أو الثمن إلى أجل يستطيع وفاءه فيه وجب عليه القبول كما صرح به جماعة، بل قد يشعر بنسبة الخلاف فيه إلى خصوص الشافعي في المعتبر و المنتهى بعدمه بيننا، لكن عن ابن فهد أنه حكى عن بعض مشايخه القول بالعدم، و لعله لأن نفس شغل الذمة مع احتمال عوارض عدم الوفاء ضرر، و هو ضعيف، و بأدنى تأمل تعرف جريان جميع ما تقدم من الكلام في الماء و ثمنه في الآلة، و لذا قال المصنف و كذا القول في

102

الآلة حتى الكلام بالنسبة إلى وجوب قبولها لو وهبت، و عدمه كالثمن، فلا حاجة إلى الإعادة و التطويل.

[السبب الثالث الخوف]

السبب الثالث الخوف على النفس أو المال إن وصل إلى الماء من اللص أو القتل أو الجرح أو الأذية التي لا تحتمل عادة من غير خلاف أجده، بل حكي الإجماع عليه على لسان جماعة مع اختلاف معقده، ففي الغنية عليه من العدو، و في صريح المعتبر أو ظاهره عليه أو على أهله أو ماله من اللص أو السبع، و في المنتهى على نفسه أو ماله من السبع أو العدو أو الحريف أو التخلف عن الزفقة و ما أشبهه، ثم قال لا نعرف فيه خلافا، و في كشف اللثام شارحا لعبارة القواعد الخوف من تحصيله أو استعماله على النفس أو المال و لو لغيره مع الاحترام من لص أو سبع بالإجماع و النصوص، نحو «لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (1) إلى آخره و في المدارك في شرح عبارة المصنف إلى قوله أو ضياع مال هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب على ما نقله جماعة الى غير ذلك كما لا يخفى على المتتبع.

و من ذلك و وجوب الحفظ و نفي العسر و الحرج و إرادة اليسر و النهي عن قتل النفس و الإلقاء إلى التهلكة و روايتي يعقوب بن سالم (2) و داود الرقي (3) المتقدمين كان لا فرق في جواز التيمم بين أن يخاف لصا أو سبعا أو يخاف ضياع مال لكن أشكل الحال على صاحب الحدائق بالنسبة للخوف على المال بعد اعترافه باتفاق الأصحاب عليه، قال: «لعدم الدليل، لظهور الروايتين في الخوف على النفس، و معارضة نفي الحرج و وجوب حفظ المال بما دل على وجوب الوضوء و الغسل، بل هي أوضح فلتحكم عليها، و لو سلم فبينها تعارض العموم من وجه، و تحكيم تلك ليس أولى من العكس» و فيه-

____________

(1) سورة النساء- الآية 33.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 1.

103

بعد الإجماع بقسميه على خلافه سيما فيما يتضرر بتلفه، و منع ظهور خبر يعقوب في الخوف بالنفس، لوجود لفظ اللص الظاهر في الخوف منه على المال، كما يشهد له فهم الأصحاب من ذلك، و لا ينافيه لفظ النفس قبله، و ظهور استقراء أخبار التيمم في سقوط المائية بأقل من ذلك بل و غيرها من الواجبات الأصلية فضلا عنها، مع أن أصل مشروعية التيمم لليسر- أن أدلة العسر و الحرج غير قابلة للتخصيص، لظهورها أن ليس في الدين ما فيه حرج، فليست هي من قبيل الأصل كما بين في محله، و بعد التسليم فهي أرجح من وجوه عديدة لا تخفى.

نعم قد يناقش في كون بعض أفراد ذهاب المال هنا عسرا و حرجا، لكن إطلاق الإجماع المحكي و غيره كاف في إثبات الحكم فيه، و منه مع شمول النص السابق صرح غير واحد من الأصحاب بل نسب إليهم في لسان جماعة مشعرين بدعوى الإجماع عليه إن لم يكن محصلا بعدم الفرق بين المال القليل و الكثير، و هو الفارق بينه و بين بذل المال و إن كثر في الشراء، مضافا إلى ما في اغتصاب المال من الغضاضة التي لا تتحمل، بل قد يجود بعض الناس بنفسه دونها، بخلافه في البذل بالاختيار كما أشرنا إليه سابقا، بل صرح في جامع المقاصد و غيره أنه لا فرق بين ماله و مال غيره، لكنه لا يخلو من تأمل فيما لا يجب حفظه عليه من أموال الغير و لم يكن في تسلط اللصوص عليهم غضاضة عليه من عياله و رفقائه المستجيرين به اللائذين بحماه، لعدم الدليل الذي يقطع باب المقدمة.

نعم قد يتجه ذلك في النفس، فلا يفرق بين الخوف على نفسه و نفس غيره إن كانت محترمة مع الخوف عليها من السبع و شبهه، كما أنه لا فرق بين المال و العرض، بل هو أولى منه و إن لم ينص عليه في الخبر، لظهور إرادة التمثيل منه و نفي الحرج و غيرهما، و في إلحاق غرض غيره به مع عدم التعلق به و لو من جهة الاستجارة و نحوها إشكال، و من الخوف الخوف من الحبس ظلما، و كذا المطالبة بحق عاجز عن أدائه،

104

إما لعدم تمكنه من إثبات العجز، أو لتغلب المطالب، بل في جامع المقاصد أن منه لو خاف القتل قصاصا مع رجاء العفو بالتأخير إما بالدية أو مجانا، لأن حفظ النفس مطلوب، و فيه تأمل، و الخوف عن جبن كالخوف عن غيره كما صرح به المصنف و العلامة في بعض كتبه و الشهيدان و غيرهم، بل لعله أقوى، إذ قد يؤدي إلى ذهاب العقل، فالتكليف معه مشقة لا تتحمل، خلافا للتحرير فلم يعتبره، و توقف فيه في المنتهى، و هو ضعيف إلا فيما لا يبلغ حد المشقة في التكليف معه.

ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من الخوف بين حصوله له في طريقه أو ما تخلف له من الأموال و نحوها بعد ذهابه اليه كما هو واضح.

و كذا أي الخوف من السبع و اللص لو خشي حصول المرض الشديد باستعماله أو بالمضي اليه أو بترك شربه بلا خلاف أجده فيه، بل هو إجماع سيما مع خوف التلف معه، لنفي العسر و الحرج و الضرر و إرادة اليسر و سعة الحنيفية و سماحتها، و أنها أوسع ما بين السماء و الأرض، و النهي عن قتل النفس و الإلقاء إلى التهلكة، و الأمر بالتيمم عند خوف البرد على نفسه في صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) و خبر داود بن سرحان (2) و فحوى الأمر به من خوف الشين، و كذا الأمر به في حال المرض عند خوف زيادته أو بطئه أو عسر علاجه أو التلف كتابا (3) و سنة (4) عموما و خصوصا مثل ما ورد في ذي القروح و الجروح و المجدور و المكسور و المبطون من الأخبار الكثيرة (5) و فيها الصحيح و غيره، و إجماعا محصلا و منقولا في الخلاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(3) سورة النساء- الآية 46 و سورة المائدة- الآية 9.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم.

105

على المجدور و المجروح و من أشبههما ممن به مرض مخوف، و على ما لو خاف الزيادة في العلة و إن لم يخف التلف.

و في المعتبر و التذكرة على المريض الذي يخاف التلف، بل في أولهما أن مذهبنا التيمم عند خوف الزيادة في العلة و بطئها، و في الغنية عند حصول الخوف في استعماله لمرض أو شدة برد.

و في المنتهى السبب الرابع المرض و الجرح و ما أشبههما، و قد ذهب علماؤنا أجمع إلى أنه إذا خاف على نفسه من استعمال الماء فله التيمم، و في مجمع البرهان لا شك في وجوب التيمم عند تعذر استعماله الماء للمرض الذي يضر استعماله ضررا بينا حيث يقال عرفا إنه ضرر، للآية و الأخبار و الإجماع و الحرج إلى غير ذلك.

نعم قد يشكل الحال فيما لو خاف حدوث المرض اليسير، فظاهر المتن و التحرير و صريح المعتبر و المبسوط عدم اعتباره، بل في الأخير نفي الخلاف عنه، و لعله لصدق الوجدان معه، لعدم عد مثله في الضرر عرفا، فيبقى التكليف بالمائية بحاله، و حكي عن الخلاف و المنتهى، بل ربما استظهر منهما الإجماع عليه، و الموجود فيهما المرض لا يخاف منه التلف و لا الزيادة فيه، بل في الثاني لا يخاف الضرر باستعمال الماء لا يجوز معه التيمم، لصدق الوجدان الذي لا يتضرر معه وفاقا لمن عدا مالك أو بعض أصحابه و داود، لإطلاق «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى» و هو كما ترى غير ما نحن فيه، و على كل حال فقد استشكله في الذكرى و جامع المقاصد بالحرج، و ب

قول النبي (صلى الله عليه و آله):

«لا ضرر و لا ضرار»

و بأنه أشد ضررا من الشين الذي سوغوا التيمم له، و بعدم الوثوق بيسير المرض عن أن يصير شديدا.

و ربما استظهر من التعليل بالحرج و نحوه لفظية النزاع، إذ مبنى الأول عدم الحرج و المشقة فيه بخلاف الثاني، فيكون الجميع متفقين على مانعية ما فيه الحرج دون غيره،

106

و فيه أن البحث في أن مطلق المرض و لو يسيرا حرج أو لا، و سهولته بالإضافة إلى الفرد الأخير من المرض لا ينافي دعوى عسره في نفسه، إذ لا ريب في اختلاف أنواع المرض شدة و ضعفا.

و كيف كان فالأقوى الأول لمنع الحرج فيه، إذ المراد به المشقة التي لا تحتمل عادة، و هو الذي يسقط عنده التكليف بالصوم و الصلاة من قيام أو من جلوس و غير ذلك، لا مجرد المرض الذي لا يعتد به في العادة، فتأمل. و في

موثقة زرارة (1) قال:

«سألت الصادق (عليه السلام) ما حد المرض الذي يفطر به الرجل و يدع الصلاة من قيام، فقال: بل الإنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيقه»

و المرض اليسير عند الخوف من سرايته إلى الشديد شديد.

و لا فرق فيما ذكرنا بين الصحيح الذي يخشى حدوث المرض اليسير باستعمال الماء أو طلبه و نحوهما و بين المريض كذلك، إلا أن يحصل بانضمامه إلى ما فيه من المرض مشقة عظيمة، و لا في المرض اليسير بين أن يكون من جنس ما فيه من المرض و عدمه إلا أن يحصل أيضا بالانضمام إلى الأول مشقة عظيمة، و لعله لذا أطلقوا الأمر بالتيمم حتى حكي الإجماع عليه عند الخوف من زيادة المرض من غير تفصيل.

و لعل مجرد التألم الذي لا يتحمل عادة لمرض أو شدة برد و نحوهما مسوغ للتيمم و إن لم يخش التلف و لا الزيادة و لا غيرهما، وفاقا للمحكي عن الأكثر، بل عن ظاهر الغنية الإجماع عليه، للحرج و إطلاق «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى» (2) و ترك الاستفصال في أخبار الجروح و القروح (3) و غير ذلك، و فحوى التيمم للشين، و احتمال اندراجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب القيام- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(2) سورة النساء- الآية 46 و سورة المائدة- الآية 9.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم.

107

فيمن يخاف على نفسه البرد، فيدل عليه حينئذ صحيح البزنطي (1) عن الرضا (عليه السلام) و خبر ابن سرحان (2).

و خلافا للقواعد و الذكرى و عن غيرهما، مع احتمال إرادة التألم الذي يتحمل عادة، فلا خلاف حينئذ، مع أنه لا مستند له سوى الأصل المخصص بما مر، و خروجه عن المنصوص، و هو ممنوع في مثل المريض بل و غيره، و أفضلية أحمز الأعمال و المراد أشقها في نفسه لا المرض و نحوه، و الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) أنه «سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل، كيف يصنع؟ قال: يغتسل و إن أصابه ما أصابه، قال: و ذكر (عليه السلام) أنه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة و هو في مكان بارد و كانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة، فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فقالوا: إنا نخاف عليك، فقلت:

ليس بد، فحملوني و وضعوني على خشبات ثم صبوا علي الماء فغسلوني». و صحيح ابن مسلم أيضا (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة و لا يجد الماء، و عسى أن يكون الماء جامدا، فقال:

يغتسل على ما كان، حدثه رجل أنه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد، فقال: اغتسل على ما كان، فإنه لا بد من الغسل، و ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) أنه اضطر اليه و هو مريض، فأتوه به مسخنا فاغتسل، و قال: لا بد من الغسل».

و هما فيما يقوله الخصم مؤلان، و لا حجة فيه لعدم الانحصار في ذلك، و إلا فظاهرهما حتى لو خاف على نفسه التلف، و من هنا حملهما الشيخ على من أجنب نفسه مختارا، و هو مبني على تكليف من كان كذلك بالغسل على كل حال، كما هو خيرته

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 4.

108

في الخلاف مدعيا عليه إجماع الفرقة، و المفيد في مقنعته، و الصدوق في هدايته، للأصل و إدخاله الضرر على نفسه، و الصحيحين السابقين، و إجماع الفرقة المحكي في الخلاف، و مرفوعة علي بن أحمد (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن مجدور أصابته جنابة، قال: إن كان أجنب هو فليغتسل، و إن كان احتلم فليتيمم» و مرفوعة إبراهيم ابن هاشم (2) قال: «قال إن أجنب نفسه فعليه أن يغتسل على ما كان، و ان كان احتلم تيمم».

لكن المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا عدم الفرق بين متعمد الجنابة و غيره، بل هو مندرج في إطلاق الإجماعات السابقة على التيمم عند خوف التلف، و نحوه من ابن زهرة و المصنف و العلامة و غيرهم، بل ظاهر المنتهى الإجماع عليه بالخصوص، حيث قال: لو أجنب مختارا و خشي البرد تيمم عندنا و هو الحجة، مضافا الى إطلاق «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى» و نفي العسر و الحرج و الضرر، و إرادة اليسر و رفع الضرر المظنون، و النهي عن الإلقاء في التهلكة و قتل النفس، و ترك الاستفصال في أخبار الجروح و القروح و خوف البرد، مع ظهور بعضها في تعمد الجنابة، و استقراء موارد سقوط المائية بأقل من ذلك، بل غيرها من التكاليف كالصلاة و الحج و الصوم و غيرها و بأهمية حفظ النفوس و الأبدان عند الشارع من حفظ الأديان، و عمومية بدلية التراب و طهوريته و اتحاد ربهما و كفايته عشر سنين، مع أن المتجه على مذهب الخصم حرمة الجنابة و الحال هذه، و في المعتبر الإجماع على الإباحة، للأصل و العمومات كالإذن في إتيان الحرث متى شاء، و الحرج الشديد في بعض الأحوال لو منع من الجماع، و يومي اليه- زيادة على ما في الصحيح السابق في أدلة الخصم من إصابة الصادق (عليه السلام) ذلك، لما قيل من

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 2.

109

أنه منزه عن الاحتلام، كما دلت عليه الأخبار (1)- ما في خبر السكوني (2) «ان أبا ذر أتى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) هلكت جامعت على غير ماء، قال: فأمر النبي (صلى الله عليه و آله) بمحمل فاستترت به و بماء فاغتسلت أنا و هي، ثم قال: يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين» و خبر إسحاق بن عمار (3) «عن الرجل مع أهله في السفر فلا يجد الماء يأتي أهله، فقال: ما أحب أن يفعل ذلك الا أن يكون شبقا، أو يخاف على نفسه قال: يطلب بذلك اللذة، قال: هو حلال، قال: فإنه روي عن الصادق (عليه السلام) أن أبا ذر سأل عن هذا فقال ائت أهلك تؤجر، فقال:

يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أؤجر، قال: كما أنك إذا أتيت الحرام أزرت فكذلك إذا أتيت الحلال أجرت ألا ترى أنه إذا خاف على نفسه فأتى الحلال أجر»

و إذا جاز الجماع لم يوجب العقوبة بمثل ذلك.

نعم قد يستشكل في جوازه بعد الوقت قبل فعل الصلاة و كان يتمكن من الوضوء خاصة، بل في المنتهى تحريمه كما عن النهاية احتماله، مع إمكان القول بمنعه فيه بعد تسليم اقتضاء القاعدة التحريم أيضا، تمسكا بإطلاق الأدلة السابقة من الإجماع و غيره بل في جملة من

الأخبار (4)، و قد تقدم بعضها «عن الرجل يجنب و ليس معه إلا قدر ما يكفيه للوضوء، فقال: يتيمم».

كل ذا مع ضعف أدلة الخصم بانقطاع الأصل و عدم اقتضاء تعمده سقوط احترامه سيما مع إباحته له، و منع الإجماع لمصير الأكثر بعده الى خلافه، بل هو

____________

(1) أصول الكافي باب (مواليد الأئمة (عليهم السلام) من كتاب الحجة- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم.

110

في المبسوط كما عن غيره من كتبه أنه يتيمم و يصلي إذا خشي البرد ثم يعيد بعد ذلك، بل لا يبعد دعوى انعقاد الإجماع بعده على خلافه كما لا يخفى على الخبير الممارس، و مخالفة إخباره للكتاب و السنة النبوية و العقل، و موافقتها للمحكي عن أصحاب الرأي و أحمد في إحدى الروايتين، فالمتجه طرحها و الاعراض عنها، للأمر بذلك من أئمتنا (عليهم السلام) في هذا الحال، مع عدم ظهور الصحيحين سيما الثاني في تعمد الجنابة، إلا ما فيه من اصابة الصادق (عليه السلام) ذلك، لعدم وقوع الاحتلام منه، لكنه معارض يبعد وقوع الجنابة منه في تلك، فلعلها جنابة سابقه على المرض، فيكون لا قائل بظاهرهما حينئذ، و احتمالهما المشقة التي تتحمل عادة لا التلف و نحوه، بل في المعتبر أنه يمكن العمل بهما على جهة الاستحباب، لكنه كما ترى لا ينطبق على ظاهر ما سمعته من الأدلة، لاقتضائها التحريم، و كذا ما في كشف اللثام بعد ذكره أخبار الخصم بأسرها، و الكل يحتمل وجوب تحمل المشقة اللاحقة بالاستعمال من البرد خاصة، و استحبابه لا مع خوف المرض أو التلف، مع عدم تصور الاستحباب في الطهارة لوجوبها بمجرد إمكانها مضافا الى ما عرفت من مساواة المشقة الشديدة الخوف، فالمتجه حينئذ الطعن بالصحيحين بما عرفت، و بالمرفوعتين بعدم قابليتهما لإثبات مثل هذا الحكم سيما مع المعارضة بما تقدم.

ثم المدار في ثبوت الضرر هنا و غيره مما كان كذلك على علمه أو ظنه المستفاد من معرفة أو تجربة أو إخبار عارف و ان كان صبيا أو فاسقا بل و ذميا مع عدم تهمة في الدين، و لعل ما في المنتهى من عدم قبوله إذا كان كذلك للتهمة و عدم الظن فلا خلاف لظهور كلامه أو صريحه في الاكتفاء بالظن كغيره من الأصحاب من غير خلاف أجده فيه، لوجوب دفع الضرر المظنون، و للتعليق على الخوف المتحقق به في السنة و معاقد الإجماعات، بل قد يقال بتحققه مع الشك فضلا عن الظن، بل مع الوهم القريب الذي لا يستبعده العقلاء، و لعله لا يخلو من قوة، و ان كان ظاهر العلامة و من

111

تأخر عنه التعليق على الظن، و كذا الكلام في السابق من خوف اللص و السبع و نحوهما، فتأمل جيدا.

و كيف كان فمتى تضرر لم يجز استعمال الماء، فان استعمل لم يجز، لانتقال فرضه فلا أمر بالوضوء مثلا بل هو منهي عنه فيفسد، و ما في بعض

أخبار الجروح و القروح (1) «انه لا بأس عليه بأن تيمم»

مما يشعر بالرخصة لا الوجوب لا يراد منه ظاهره قطعا، كما يوضحه مضافا الى العقل الأخبار الأخر (2) و كذا كل ما كان كذلك من أسباب التيمم مما يفيد تحريم العمل نفسه لا ما كان منها ليس فيه تحريم للعمل نفسه، كالخوف من اللص و نحوه، فإنه لو خالف و غرر بنفسه فوجد الماء عاد فرض الماء و ان فعل حراما في ذلك، لتحقق صدق الوجدان حينئذ عليه، و كذا لو اشترى الماء بما فيه ضرر عليه، لعدم فساد المعاملة بذلك، أو تحمل منته في طلبه أو طلب ثمنه، أو ارتكب التكسب بما فيه مهانة عليه، سيما مع عدم حرمة بعض ذلك عليه و ان رخص معها في التيمم، و لا ينافيه أنها طهارة اضطرارية، و مع عدم ممنوعية حصول الماء عقلا أو شرعا كتحمل المنة و نحوها لا اضطرار، إذ مع إمكان إرادة غلبة اضطراريتها قد يقال ان ذلك بعد إسقاط وجوب تحمل المنة أو الضرر المالي مثلا مما يتوقف عليهما صدق اسم الوجدان للعسر و الحرج و نحوهما لا ينافي صدق اسم الاضطرار و ان جاز له شرعا تحمله من حيث عدم منافاة الإباحة الحرج و الألم الحالي مع أمن العاقبة.

ثم بناء على سواغ التيمم له لو خالف و تطهر ففي الإجزاء نظر، ينشأ من حرمة إيلامه نفسه و عدمها، و لعل الأقوى عدم الحرمة، فيجزي حينئذ و إن كان لا وجوب للطهارة، لكن يكفي رجحانها في حد ذاتها ان قلنا بعدم منافاة الندب للحرج، و بعدم ظهور الأدلة في عدم مشروعية الطهارة لمثله.

و هل ضيق الوقت عن استعمال الماء الذي تقدم أنه مسوغ للتيمم مفسد للوضوء

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم.

112

أو الغسل مع المخالفة مع قطع النظر عن الضدية، لعدم الأمر بهما حينئذ و انتقال الفرض الى التيمم، أو أن الفساد فيهما مبني على حرمة الضد؟ وجهان، أقواهما الثاني، لأن سقوط خصوص الأمر بهما لهذه الصلاة لا يقتضي سقوط غيره من الأوامر الدالة على رجحانهما في حد ذاتهما أو لغير هذه الصلاة مما كان في وقته مثلا الا من جهة الضدية، فالحكم حينئذ مبني عليها، و لعل مثله واجد الماء الذي وجب عليه صرفه في غير الطهارة مما لا بدل له كإزالة النجاسة. اللهم الا أن يقال: إنه بعد أمر الشارع بصرفه في غيرها كان بمنزلة من لا ماء عنده، فلا خطاب بالطهارة حينئذ.

و من هنا قال الوحيد الطباطبائي في منظومته بعد ذكره أسباب التيمم مؤخرا ما نحن فيه عنها:

فالفرض في هذا و نحوه البدل * * * و الأصل لا يجزى إذا الفرض انتقل

لكن يعود إن تكلف السبب * * * و ارتفع العذر بما قد ارتكب

و ضابط البطلان تحريم العمل * * * لا النهي عما يقتضيه إذ حصل

انتهى. لكن يحتاج إلى التأمل التام في هذا الضابط بالنسبة إلى انطباقه على ما ذكرنا، فتأمل.

ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من التيمم عند خوف الضرر بين الضرر على مجموع بدنه أو بعضه كما هو قضية ما سمعته من الأدلة السابقة خصوصا أخبار الجروح و القروح، نعم ربما تخيل المنافاة بينها و بين ما دل سابقا (1) على حكم الجبيرة و غسل ما حول الجرح أو القرح أو وضع خرقة و المسح عليها، و قد تقدم البحث و وجه الجمع فيه سابقا، لكن الكلام هنا في مثل الرمد، و ينبغي القطع بانتقاله مع تضرره بوضع الماء على وجهه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الوضوء.

113

بل و كذا لو لم يكن كذلك بل كان الضرر بقربه إلى ظاهر أجفان عينيه، لأصالة الانتقال إلى التيمم بتعذر بعض أعضاء طهارته، و عدم شمول أدلة الجبيرة و لواحقها له.

و ما في الحدائق من أن الأقرب إن كان لا يتضرر بغسل ما عدا العين فالواجب الوضوء أو الغسل أو غسل ما حول العين و لو بنحو الدهن، لأصالة المائية مع عدم ثبوت المخرج، و إلحاقا لها بحكم القروح و الجروح، بل لعل الجواب في بعض أخبارها متناول لذلك، و ان كان السؤال مشتملا على خصوص الجرح و القرح فان العبرة بعمومه، و لا ريب في ضعفه ان أراد ترك غسل الجفن و نحوه من الظاهر، لمنع الأصل عليه و حرمة القياس، نعم له وجه لو كان الضرر بمباشرة باطن العين خاصة و كان يتمكن من غسل الظاهر بحيث يأمن من دخوله الماء الى الباطن، بل ينبغي القطع حينئذ بعدم سقوط المائية كما هو واضح، إلا أن ذلك نادر جدا في الرمد، و لذا كان المعمول عليه في زماننا عند من عاصرناه من المشايخ و مقلدتهم التيمم عند حصول الرمد، فتأمل جيدا.

و كيف كان فمتى خشي المرض أو الشين باستعماله الماء جاز له التيمم كما تقدم الكلام في الأول مفصلا، و أما الثاني فلا أعرف فيه خلافا بين الأصحاب، بل ظاهر المعتبر كنسبته في المنتهى إلى علمائنا و جامع المقاصد إلى إطباقهم و المدارك و غيره الى قطع الأصحاب الإجماع عليه، و ظاهر إطلاق كثير منهم كما عن بعضهم التصريح به عدم الفرق بين شديدة و ضعيفة، و هو مشكل جدا سيما بعد تقييد المرض بالشديد على المختار، إذ لم نعثر له على دليل سوى عمومات العسر و الحرج، و احتمال دخوله في المرض أو في إطلاق ما دل على التيمم عند خوف البرد، و من المعلوم عدم العسر في ضعيفة، بل لا يكاد ينفك عنه غالب الناس في أوقات البرد، و عدم صدق اسم المرض عليه، بل قد يشك ذلك بالنسبة إلى شديدة فضلا عنه، و ظهور أدلة خوف البرد في غيره، و لعله

114

لذا قيده في موضع من المنتهى بالفاحش، و اختاره جماعة ممن تأخر عنه منهم المحقق الثاني في جامعه و الشهيد الثاني في روضه و الفاضل الهندي في كشفه، و اليه يرجع ما عن جماعة أخرى من التقييد بما لا يتحمل عادة، بل في الكفاية أنه نقل بعضهم الاتفاق على أن الشين إذا لم يغير الخلقة و يشوهها لم يجز التيمم.

فالأقوى الاقتصار على الشديد منه الذي يعسر تحمله عادة من غير فرق فيه حينئذ بين خوف حصوله أو زيادته أو بطء برئه كالمرض، بل لعله داخل فيه حينئذ، و كذا التألم منه خاصة و إن أمن العاقية بناء على ما تقدم سابقا في المرض، و المراد بالشين على ما صرح به جماعة من الأصحاب ما يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة من استعمال الماء في البرد، و قد يصل إلى تشقق الجلد و خروج الدم، و يختلف شدة و ضعفا باختلاف البلدان و الأبدان، و المدار في تحقق الخوف على نحو ما تقدم في المرض.

و كذا يتيمم لو كان معه ماء للشرب و خاف العطش على نفسه ان استعمله في الحال أو المآل إجماعا محصلا و منقولا عن علمائنا، بل و عن كل من يحفظ عنه العلم مستفيضا و سنة (1) بالخصوص كذلك فضلا عن عمومها و عمومات الكتاب، و على رفيقه المسلم المحترم الدم، سيما إذا كان ممن تجب نفقته عليه بلا خلاف أجده فيه أيضا، لأهمية حفظ النفس في نظر الشارع بدليل تقديمه على غيره من الواجبات كقطع الصلاة لانقاذها و غيره مما لا بدل له، فضلا عما له بدل مساو له في الطهورية، بل و على رفيقه المضر به تلفه أو ضعفه و ان لم يكن محترما كالحربي و غيره، و كذا الحيوان إذا كان كذلك و إن كان كلبا، لفحوى ما تقدم سابقا من الانتقال الى التيمم عند خوف الضرر عليه باستعماله أو طلبه ان لم نقل باندراج ذلك كله أو بعضه في قول الصادق (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب التيمم.

115

في

خبر ابن سنان (1) أو صحيحه: «إن خاف عطشا فلا يهرق منه قطرة و ليتيمم بالصعيد، فان الصعيد أحب الي» و موثقة سماعة (2) بعد أن سأله عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته، قال: «يتيمم بالصعيد و يستبقي الماء، فان الله جعلهما طهورا الماء و الصعيد».

بل ربما ظهر من إطلاق كثير من الأصحاب تقديم حال الرفيق المحترم النفس و لو ذميا أو معاهدا و ان لم يضر تلفه فيه، و لعله لاحترام النفس و انه من ذوي الاكباد الحارة، و سهولة أمر التيمم، بل قضية إطلاق بعضهم الرفيق تناوله لغير محترم النفس كالحربي و المرتد و نحوهما، لكنه لا دليل عليه، بل هو على خلافه متحقق، و لذا صرح في الذكرى و غيرها بعدم مزاحمة كل من كان كذلك كالحربي و المرتد و الزاني المحصن و غيرهم، بل قد يسري الإشكال في سابقه أيضا، إذ أقصى اقتضاء محقونية دمه حرمة قتله لا إيجاب حفظه من المهلكات، اللهم إلا أن يقال: ان للرفقة حقا تبذل النفوس دونها خصوصا على أهل المروات، بل قد يدعى حصول المشقة عليهم لو كلفوا بذلك، فلعله لذا أطلق الرفيق.

كما أنه أطلق غير واحد من الأصحاب دابته المحترمة من غير تقييد بضرر تلفها، و استشكله جماعة من متأخري المتأخرين بعدم تسويغ مطلق ذهاب المال للتيمم، بل هو مقيد بالضرر، و لذا وجب صرف المال الكثير في شرائه، لكن قد يقال مع أنه قد يندرج في إتلاف المال و ضياعه الذي لم يفرق فيه بين القليل و الكثير: انها نفوس محترمة و ذوات أكباد حارة مع حرمة إيذائها بمثل ذلك، بل هي واجبة النفقة عليه التي منها السقي، بل في غير واحد من

الاخبار (3) المعتبرة «أن للدابة على صاحبها حقوقا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب أحكام الدواب في السفر و غيره- من كتاب الحج.

116

منها أن يبدأ بعلفها إذا نزل»

فتحترم لذلك لا من جهة المالية، و في الخبر عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «ما من دابة إلا و هي تسأل الله كل صباح اللهم ارزقني مليكا صالحا يشبعني من العلف، و يرويني من الماء، و لا يكلفني فوق طاقتي»

و في آخر عن

أبي الحسن (عليه السلام) (2) «من مروة الرجل أن يكون دوابه سمانا، قال:

و سمعته يقول ثلاث من المروة- و عد منها- فراهة الدابة»

الى غير ذلك (3) من الاخبار المذكورة في كتاب المطاعم و المشارب و التجملات من كتاب الوافي مما يفيد شدة الرأفة بالدواب في أنفسها، و لعله لذا صرح في المسالك بعدم الفرق بين دابته و دابة غيره، و إن كان له الرجوع حينئذ بالثمن، و يومي اليه كلام الأصحاب في باب النفقات، و في المنتهى عن النهاية أن فيه إشكالا، نعم قد يتجه وجوب ذبحه مع عدم التضرر و إمكان الانتفاع بلحمه و جلده، كما أنه يتجه عدم مزاحمة الحيوانات التي ليست بمحترمة و يجب قتلها كالكلب العقور و نحوه، بل في الذكرى و ان لم يجب قتلها كالحية و الهرة الضارية.

و حاصل البحث أنه متى عارض الطهارة المائية واجب آخر أرجح منها قدم عليها كحفظ النفس و نحوه، بل لعل منه كل واجب لا بدل له كإزالة النجاسة عن البدن و الساتر الذي ليس له غيره، إذ هو و ان كان ظاهرا من تعارض الواجبين إلا أن مشروعية البدل لأحدهما تشعر برجحان غير ذي البدل عليه في نظر الشارع، و ان الاهتمام بشأنه أكثر، كما قيل أو يقال: «ان في ذلك جمعا في العمل بهما، فهو أولى من غيره.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب أحكام الدواب في السفر و غيره- الحديث 6 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب أحكام الدواب في السفر و غيره- الحديث 1 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 2- و غيره من أبواب أحكام الدواب في السفر و غيره من كتاب الحج.

117

كل ذا مضافا الى الإجماع على تقديم الإزالة على الطهارة في حاشية للإرشاد أظن أنها لولد المحقق الثاني، كما عن التذكرة الإجماع أيضا على تقديمها على الوضوء صريحا و الغسل ظاهرا، و المعتبر نفي الخلاف بين أهل العلم فيه أيضا كذلك.

و قد يشهد له مع ذلك أيضا ما في خبر أبي عبيدة (1) «سئل الصادق (عليه السلام) عن المرأة ترى الطهر في السفر و ليس معها ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة، قال:

إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم و تصلي»

الحديث لتقديمه إزالة النجاسة فيه على الوضوء لوجوبه عليها لولاها، و كيف كان فان خالف ففي الاجزاء ما سمعته سابقا، و قد تنظر فيه هنا في القواعد و اختاره في الموجز الحاوي كما عن النهاية، و لعله لعدم اقتضاء الأمر النهي عن الضد، أو عدم اقتضاء النهي المستفاد منه الفساد، و في جامع المقاصد و عن البيان و مجمع البرهان أن الأقوى عدم الاجزاء، و لعله لوجوب صرف الماء في إزالة النجاسة، فهو غير واجد للماء، فلا خطاب بالوضوء و لو ندبا، و لأنه مكلف بالتيمم حينئذ، و هو لا يخلو من قوة، هذا إن لم يجوز وجود المزيل تجويزا عاديا في الوقت، و إلا اتجه القول بالاجزاء كما اعترف به بعضهم، و كذا لو تعارض خطاب الطهارة مع ارتكاب محرم، كما لو كان عنده ماءان طاهر و نجس، و كان محتاجا الى شرب الماء، فإنه ينتقل الى التيمم، و لا يشرب النجس، لتقديم مراعاة الحرمة عليه، و مثله لو خشي العطش بعد ذلك استبقى الطاهر و تيمم، كما صرح به المصنف و غيره و استجوده في المدارك إن ثبت حرمة شرب الماء النجس مطلقا، و ظاهره يعطي التأمل في الحرمة أو إطلاقها، و هو في غير محله بعد الإجماع محصلا و منقولا عليها ان لم تكن ضرورية، و الاخبار (2) التي كادت تكون متواترة الواردة في اجتناب أو اني المشركين، و إهراق السمن و الزيت و المرق الواقع

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الحيض- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 43 و 44 و 54 من أبواب الأطعمة المحرمة.

118

فيها فأرة أو قذر، نعم قد يتأمل في وجوب مراعاة ذلك و تقديمه على الطهارة المضيقة مع ارتفاع حرمة شرب النجس لو اضطر اليه فيما يأتي من الزمان و قد لا يحتاجه، فتأمل.

[الطرف الثاني فيما يجوز التيمم به]

الطرف الثاني فيما يجوز التيمم به و هو كل ما يقع عليه اسم الأرض ترابا أو حجرا أو حصى أو رخاما أو مدرا دون ما لا يقع اسمها عليه، و إن خرج منها كالنبات و نحوه فإنه لا يجوز التيمم به، للأصل و السنة (1) و الإجماع المحكي في كشف اللثام، و قاله علماؤنا في موضع من المنتهى، و في آخر زيادة أجمع، و عدم الجواز بغير الأرض اختيارا مما لا نزاع فيه عندنا في مجمع البرهان، و في السرائر أن الإجماع منعقد على أن التيمم لا يكون إلا بالأرض أو ما يطلق عليه اسمها، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة فجوزه بالكحل و نحوه، و مالك فجوزه بالثلج، قلت: لكن ستسمع فيما يأتي أنه حكي عن مصباح السيد و الإصباح و المراسم و البيان و الموجز الحاوي و ظاهر الكاتب التيمم بالثلج عند الاضطرار، كما هو ظاهر القواعد، و في التحرير على رأي، اللهم إلا أن يريدوا بالتيمم به مسح أعضاء الوضوء مجازا، فلا خلاف حينئذ، أو أنه لا يقدح خلافهم فيه، أو يراد بعدم الجواز في حال الاختيار أو غير ذلك.

و أما الغبار و الوحل فقد يدعى دخولهما في الأرض كما صرحت به الاخبار في الثاني (2) و مقطوع به في الأول بالنسبة إلى غبار الأرض، فدعوى الإجماع عن بعضهم على خروج الثاني عن الأرض ليس في محله، كدعوى خروج الأول عنها، و عدم جواز التيمم بهما اختيارا ممن اكتفى في التيمم بمسماها كالمصنف لدليل خاص.

و كيف كان فما في المتن هو المشهور تحصيلا و نقلا في الكفاية و الحدائق و عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم.

119

غيرهما، بل عن ظاهر التذكرة الإجماع عليه في الحجر الصلد كالرخام و إن لم يكن عليه غبار، كما عن الخلاف أيضا ذلك في التراب و ما كان من جنسه من الأحجار، لكن الإنصاف أنه لا ظهور في عبارتهما يعتد به كما لا يخفى على من لاحظ و تأمل، نعم في كنز العرفان و عن مجمع البيان نسبة التيمم بما يشمل الحجر إلى أصحابنا، كما عن الأردبيلي أن الحجر ينبغي أن يكون لا نزاع فيه.

قلت: و لعله كما ذكر، إذ جواز التيمم به اختيارا خيرة المبسوط و الخلاف و المعتبر و التذكرة و التحرير و المنتهى و الإرشاد و المختلف و الذكرى و الدروس و اللمعة و الموجز الحاوي و جامع المقاصد و الروض و الروضة و المدارك و غيرها، و هو المنقول عن ابن الجنيد و الحسن بن عيسى و مصباح السيد و جمل الشيخ و مصباحه و مختصر المصباح و المهذب البارع و التنقيح و كشف الالتباس و إرشاد الجعفرية و شرحها الآخر و المقاصد العلية و مجمع البرهان و آيات الأردبيلي و رسالة صاحب المعالم و الذخيرة و المفاتيح و ظاهر الرسالة الفخرية أو صريحها، و قواه في الكفاية بشرط وجود غبار عليه محافظة على العلوق.

و مرجع الجميع كما يظهر من ملاحظة كتبهم الاستدلالية إلى ما اختاره المصنف من الاكتفاء في المتيمم به صدق اسم الأرض لا خصوص التراب منها، خلافا لظاهر الغنية أو صريحها، و المحكي عن السيد في شرح الرسالة و الكاتب و التقي، فلا يجوز بغير التراب و إن كان أرضا، بل ظاهرهم عدم الفرق في ذلك بين التمكن من التراب و عدمه، فيكون فاقد الطهورين حينئذ، لكن في المختلف و الروض و الروضة الإجماع على بطلان ذلك، أي عدم جواز التيمم بالحجر مطلقا، فلعل ذلك يكون قرينة على إرادتهم الاختيار، فيوافق حينئذ ما في المقنعة و الوسيلة و السرائر و الجامع و عن المراسم من اشتراط فقد التراب في التيمم بالحجر، بل في حاشية المدارك للأستاذ الأعظم

120

ما يظهر منه دعوى اتفاق الأصحاب على ذلك إلا من شذ منهم، بل في الجامع اشتراطه بفقد الغبار أيضا.

لكن قد يشكل الجميع بظهور أن منشأ الاختلاف في التيمم بالحجر و نحوه الاختلاف في معنى الصعيد، فلا يجتزى به مطلقا، بناء على أن الصعيد هو التراب خاصة كما في الصحاح و المقنعة و عن الجمل و المفصل و المقاييس و الديوان و شمس العلوم و نظام الغريب و الزينة لأبي حاتم، بل ربما استظهر من القاموس و الكنز، كما أنه حكي عن الأصمعي و كذا عن أبي عبيدة لكن بزيادة وصفه بالخالص الذي لا يخالطه سبخ و رمل، و بني الأعرابي و عباس و الفارس، بل عن المرتضى (رحمه الله) نقله عن أهل اللغة.

و يؤيده

قول الصادق (عليه السلام) (1) في الطين: «إنه الصعيد» و في آخر (2) «انه صعيد طيب و ماء طهور»

و ما في صحيحة زرارة (3) «ثم أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد»

و ظهور قوله تعالى (4) «مِنْهُ» في إرادة المسح ببعض الصعيد الذي يعلق باليد، سيما بعد تفسيره بذلك في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (5) قال فيه:

«فَلَمْ تَجِدُوا ماءً- إلى آخره- فلما أن وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت عوض الغسل مسحا، لأنه قال «بِوُجُوهِكُمْ» ثم وصل بها «وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» أي من ذلك التيمم، لأنه علم أن ذلك أجمع لا يجري على الوجه، لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 5 و هو قول أحدهما (ع).

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(4) سورة المائدة- الآية 9.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب التيمم- الحديث 1.

121

ببعضها»

الحديث. لظهور أن المراد بالتيمم فيه المتيمم به، و كذا غيره مما يفيد المسح ببعض الأرض،

كالصحيح (1): «إذا لم يجد الرجل طهورا فليمسح من الأرض»

و نحوه مما يفيد العلوق باليد من أخبار النفض (2) و نحوها مما لا يتحقق في التيمم بالحجر، و الاخبار المشتملة (3) على لفظ التراب، ك

قوله (صلى الله عليه و آله) (4): «جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا»

سيما بعد وروده في بيان اليسر و التوسعة و الامتنان المناسب لتعميمه لغير التراب لو صح التطهر به، و بعد العدول من لفظ الأرض اليه، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة جميل (5): «ان الله عز و جل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا»

و رفاعة (6) و عبد الله بن المغيرة (7): «إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر إلى أجف موضع تجده فتيمم»

إلى آخره. إلى غير ذلك مما اشتمل على لفظ التراب.

مضافا إلى ضعف ما يعارض ذلك كله مما اشتمل على لفظ الأرض لانصرافه للفرد الشائع منها، على أنه لم يسق في جملة منها لبيان ما يتيمم به، و إلى توقيفية العبادة، و عدم حصول اليقين بالبراءة إلا بالتراب مع التمكن منه، إلى غير ذلك.

و يجتزى به أي بالتيمم بالحجر مطلقا بناء على تفسير الصعيد بوجه الأرض كما

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 3 و 6 و 7.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 13 و الباب- 23- الحديث 1 و المستدرك الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(4) المستدرك- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 10.

122

عن العين و المحيط و الأساس و المفردات للراغب و السامي و الخلاص و المغرب و المصباح المنير، و عن تغلب و ابن الأعرابي و الخليل بل عن المغرب و تهذيب اللغة و المقاييس و مجمع البيان عن الزجاج أنه لا يعلم فيه اختلافا بين أهل اللغة، و حكاه في المعتبر عن فضلاء أهل اللغة، قال: ذكر ذلك الخليل و تغلب عن ابن الأعرابي، و في المنتهى و عن نهاية الاحكام عن أهل اللغة، و في البحار: «أن الصعيد يتناول الحجر كما صرح به أئمة اللغة و التفسير» انتهى. و في الوسيلة «بل قد فسر كثير من علماء اللغة الصعيد بوجه الأرض، و ادعى بعضهم الإجماع على ذلك، و انه لا يختص بالتراب، و كذا جماعة من المفسرين و الفقهاء» انتهى. و به فسره أكثر أصحابنا في الكتب الفقهية نصا و ظاهرا، و حكي عن أبي حنيفة و أصحابه.

و يؤيده- مضافا إلى ما سمعته سابقا من جواز التيمم بالحجر و نحوه اختيارا عند الأصحاب الذي بملاحظته يعرف ما في نسبة الأستاذ سابقا في حاشية المدارك إليهم عدم جواز التيمم به إلا عند الاضطرار، لظهور ندرة القائل به بالنسبة إلى الأول، مع عدم صراحة كلامه أيضا في ذلك- قوله تعالى (1) «فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً» أي أرضا ملساء يزلق بها لاستئصال شجرها و نباتها على ما فسرها بذلك غير واحد، مع ظهور ذلك منها أيضا، ك

قول النبي (صلى الله عليه و آله) (2): «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد»

أي أرض واحدة إذا أراده التراب منها كما ترى،

____________

(1) سورة الكهف- الآية 38.

(2) في معالم الزلفى ص 45 باب- 22- في صفة المحشر عن

الباقر (ع) قال:

«إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد من الأولين و الآخرين عراة حفاة.»

و

في كنز العمال ج 7 ص 208 عن النبي (ص): «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة عزلا»

الى آخره و لم نجد في أحاديث أهل السنة كلمة «صعيد واحد».

123

و المروي عن

معاني الاخبار عن الصادق (عليه السلام) (1) «الصعيد الموضع المرتفع عن الأرض، و الطيب الموضع الذي ينحدر عنه الماء»

كالمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (2) أيضا و فسره به في الهداية، إذ المراد إما مطلق الارتفاع المتحقق بالحجر و نحوه من الأشياء التي على الأرض، أو خصوص المرتفع ارتفاعا يعتد به كرؤوس الاكم و الجبال، و على كل حال فيصدق بدون التراب، مع أن الثاني مما يقطع بعدم اعتباره في الصعيد، مضافا إلى إمكان الاستغناء عنه حينئذ بوصف الطيب المتقدم، فيتعين الأول، فيراد مطلق المرتفع، و بالطيب الارتفاع الذي يتحقق معه الانحدار، و قد يومي اليه حينئذ ما في المقنعة من أنه انما سمي التراب صعيدا لأنه يصعد من الأرض، فلعل الظاهر من ذلك و من الخبرين ملاحظة المعنى الوصفي في الصعيد.

و منه ينقدح تأييد آخر للمشهور كما أنه قد يؤيد أيضا بما في المنتهى من جواز التيمم بالأرض و إن لم يكن عليها تراب ناسبا له إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، بل لم ينقل فيه خلافا إلا عن بعض الجمهور مستدلا عليه بآية الصعيد، و هو شاهد على عدم اختصاصه بالتراب، فيتم حينئذ بعدم القول بالفصل، و بما فيه أيضا من التيمم بالرمل على كراهية عند الأصحاب، بل في المعتبر و عن التذكرة دعوى الإجماع صريحا على ذلك، لعدم اندراجه في اسم التراب عرفا كما صرح به الأستاذ الأكبر في كشف الغطاء، و يشعر به عطف التراب عليه في قول الشاعر:

«عدد الرمل و الحصى و التراب»

و نحوه الكلام في أرض السبخ، و بما عن التذكرة و غيرها من ظهور الاتفاق على جواز التيمم بالأرض الندية.

و بما يظهر من تعليل الأصحاب المنع في المعدن و النبات و الرماد و غيرها بعدم

____________

(1) تفسير الصافي- سورة النساء- الآية 46.

(2) المستدرك- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 2.

124

صدق اسم الأرض من الإجماع على دوران الحكم مدارها، و كذا ما يأتي من الأدلة على جواز التيمم بأرض النورة و الجص قبل الإحراق من الاخبار (1) و غيرها، لعدم كونهما من التراب أيضا، بل في كشف اللثام: «ان أرض النورة ليست غير الحجر على ما نعرف» انتهى. مع أنه لم ينقل فيهما خلاف إلا من الشيخ في النهاية، فاشترط فقد التراب، بل ذهب جماعة إلى جوازه فيهما بعد الإحراق تمسكا بخبر السكوني (2) و بقاء اسم الأرضية، و عن آخرين المنع لكن عللوه بالخروج عن الأرضية به، و هو مشعر بدوران الحكم مدارها لا التراب، و إلا فهما ليسا بتراب قطعا، و بما عن

الراوندي (3) بسنده عن علي (عليه السلام) قال: «يجوز التيمم بالجص و النورة، و لا يجوز بالرماد، لأنه لم يخرج عن الأرض، فقيل له: التيمم بالصفا العالية على وجه الأرض، قال: نعم»

إذ هو مع اشتماله على الجص و النورة و الصفا مما لا يسمى ترابا مشتمل على التعليل الذي كاد يكون صريحا في المدعى، كخبر السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) لكنه لم يذكر فيه الصفا.

و احتمال المناقشة في ذلك و نحوه- بأنه لا دلالة في جواز التيمم بالحجر و نحوه على كون الصعيد لما هو أعم من التراب، إذ لعله للدليل الخاص- مدفوع بملاحظة كلمات الأصحاب في الكتب الاستدلالية، لظهورها في كون المدار ذلك، على أن ثمرة البحث في خصوص المقام انما هو جواز التيمم بالحجر و نحوه اختيارا، فإذا ثبت لا يهمنا عدم شمول لفظ الصعيد له، و بما في الموثق (5) «عن رجل تمر به جنازة و هو على غير

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) المستدرك- الباب- 6- من أبواب التيمم- الحديث 2 و فيه «الصفا النابتة» و في هامشه «الصفا الثابتة».

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنائز- الحديث 5.

125

طهر، قال: يضرب يديه على حائط لبن فيتيمم»

لعدم صدق التراب على اللبن، و هو المسمى بالمدر، بل في كشف اللثام أنه لا نعرف فيه خلافا و إن لم يذكره الأكثر، و عن مجمع البرهان أنه ينبغي أن يكون لا نزاع فيه، و ظاهر الوسيلة أو صريحها مساواته للتراب، مع أنه اعتبر في التيمم بالحجر فقد التراب، فلعل ذلك منه قرينة على عدم اختصاص الصعيد عنده بالتراب.

كما أنه قد يظهر ذلك أيضا من المقنعة و السرائر و غيرهما و إن قيدوا الحجر بما عرفت، بل نص في الأول على أن الصعيد هو التراب، لكن ملاحظة كلماتهم يقضي بجوازه في نحو الأرض التي لم يكن عليها تراب و اللبن و غيرهما اختيارا، و يشهد له ما سمعته من المنتهى سابقا في الأرض التي ليست عليها تراب من ظهور عدم الخلاف بين الأصحاب فيه، و لا ينافيه تقييد الحجر بما عرفت، إذ لعله لدليل لم نعثر عليه، بل في كشف اللثام احتمال إرادتهم الاحتياط في الاجتناب عنه، لوقوع الخلاف في معنى الصعيد عند أهل اللغة، فينحصر الخلاف حينئذ في مثل السيد و ابن زهرة و نادر، كاحتمال إرادة المخالف أيضا خصوص المطبوخ من الحجر، لتخيل خروجه عنها بذلك كالخزف، مع أن المحكي عن السيد في المصباح موافقة المشهور أيضا، و باستصحاب جواز التيمم به قبل تماسك أجزائه، و خروجه عن صدق التراب بذلك انما يقدح لو ثبت شرطية التيمم به إما مطلقا أو في حال الاختيار.

و لعل هذا هو الذي أومأ إليه العلامة في جملة من كتبه في الاستدلال عليه بأنه تراب اكتسب رطوبة لزجة و عملت حرارة الشمس فيه حتى تحجر، فحقيقة التراب فيه باقية، و انما حدثت زيادة وصف.

فلا وجه للمناقشة فيه بعدم صدق التراب عليه أولا، و عدم تبادره من إطلاقه ثانيا، سيما بعد ملاحظة ما دل على العلوق، و بجريانه في مثل المعادن مما خرج عن اسم

126

الأرض ثالثا، فتأمل جيدا.

و قد يؤيد المشهور أيضا بما دل على أن الطين صعيد، لكونه ليس بتراب قطعا، و حمله على إرادة تركبه من الصعيد و نحو ذلك خلاف الظاهر، و بإطلاق لفظ الأرض موردا للتيمم في الاخبار الكثيرة (1) في باب التيمم الشامل للتراب منها و غيره، سيما بعد غلبة الرمل و الحصى و الحجر و السبخ في أرض المدينة و نحوها، حتى النبوي المتقدم في مؤيدات الخصم، فإنه و إن اشتهر في كتب الفروع بلفظ التراب، لكنه في كتب الاخبار خال عن ذلك، بل

نقل في الوسائل أربع روايات من كتب متفرقة أنه «جعلت له الأرض مسجدا و طهورا»

عدا ما في البحار نقلا عن العلل و الخصال بسند متصل إلى جابر (2) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): قال الله عز و جل: جعلت لك و لأمتك الأرض مسجدا، و ترابها طهورا»

و هو مع مخالفته لخبر الخصم متنا محتمل التصرف من الراوي بظن اتحادهما كما هو الغالب، على أنه رده في المعتبر بأنه تمسك بدلالة الخطاب، و هي لا تعارض النص إجماعا.

قلت: بل هو مفهوم لقب و خارج مخرج الغالب، اللهم إلا أن يوجه بأن المراد خروج الكلام عن البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال لو كانت الطهورية وصفا للأرض مع عدوله عنها بعد ذكره لها في المسجدية إلى التراب، بل هو ضد مقتضى الحال، سيما مع أنه في مقام بيان الامتنان و زيادة اللطف به و بأمته من الكريم المنان، لكن ذلك- مع أنه مشترك الإلزام، لما سمعت من الإجماع على التيمم بالحجر عند فقد التراب و تأخره عن التراب مرتبة لا يسوغ ترك ذكر الامتنان به في مقام بيانه، إذ المراد طهورية الأرض و إن ترتبت، و إلا فطهورية التراب متأخرة عن الماء أيضا-

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب التيمم.

(2) المستدرك- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 3.

127

قد يقال: إن المراد منه الأرض بقرينة غيره من الاخبار، و هو أرجح من احتمال العكس من وجوه لا تخفى.

فظهر حينئذ ضعف تأييد مذهب الخصم به، بل و كذا أخبار التراب مع عدم سوق بعضها لبيان ذلك، و مع عدم الأمر بالتيمم به حتى ينافي ما دل على الأرض، و مع دعوى شيوع فرد التراب منها، و كذا أخبار الطين، بل بعضها ظاهر في التأييد للمختار كما عرفت، على أن إطلاق لفظ الصعيد على التراب لا ينافي أنه الأرض بعد شيوع استعمال الكلي في الفرد، و دعوى ظهور الخصوصية منه ممنوعة، بل يمكن الجمع بين كلام أهل اللغة و إن بعد بهذا الاعتبار أو قريب منه، فيحمل التراب في كلامهم على إرادة التنصيص على أكمل الافراد و أشيعها، بل لعل ذلك جار في كل ما كان من هذا القبيل في كلام أهل اللغة، و هو أولى من العكس قطعا، أو يقال: إن تعارض كلام أهل اللغة في ذلك مبنى عن استعمال الصعيد في التراب و غيره، كما أنه كذلك في نفس الأمر، و أصالة عدم الاشتراك و المجاز تقضي بكونه حقيقة في القدر المشترك سيما بعد استعماله فيه نفسه، مع أنه لو أغضينا عن ذلك كله لكان المتجه الأخذ بجميع كلماتهم، فينبغي الحكم حينئذ باشتراك لفظ الصعيد بين الخاص و العام، كما عساه يومي اليه ما عن المصباح المنير، قال بعد تفسيره الصعيد بوجه الأرض ترابا أو غيره: «و يقال الصعيد في كلام العرب على وجوه، على التراب الذي على وجه الأرض و على الطريق» انتهى. بل و كذا ما في القاموس «الصعيد التراب أو وجه الأرض» إن حمل لفظ «أو» فيه على معنى الواو.

و على كل حال يكون ما ذكرناه سابقا من الامارات معينا لإرادة العام منها، مع احتمال ترجيح التفسير بالعام عليه بأنه يؤل الى تعارض الإثبات و النفي تنزيلا لتعدد أفراد المعنى مع استعماله في كل منها على وجه الحقيقة منزلة تعدد المعاني، و الأول مقدم

128

على الثاني، كما أنه يرجح أيضا بالكثرة.

و أما ما ذكره الخصم من التأييد بما دل على العلوق آية و رواية ففيه- مع عدم استلزام ذلك للتراب، بل يكفي الغبار و الرمل و نحوهما على الحجر و سحيق الحجر بل التراب اليسير، و ابتنائه على اشتراط العلوق، و ستعرف ما فيه إن شاء الله، و على كون «من» في الآية للتبعيض، مع احتمالها السببية و البدلية و الابتدائية، و على أن المراد بالتيمم في الرواية المفسرة له المتيمم به، و فيه بحث سيما بعد القطع بعدم وجوب مسح الوجه و اليدين بما يعلق من التراب، بل و لا استحبابه للإجماع المحكي إن لم يكن محصلا على استحباب نفض اليدين، و منه النفض الذي لم يبق معه شيء من التراب- أنه لا مانع من رجوع الضمير لبعض أفراد الصعيد الذي هو التراب، سيما بعد غلبته و شيوعه، فيكون المراد فيما فيه علوق من الصعيد، و ذلك لا يقضي بأن المراد بالصعيد التراب سيما على القول بعدم تخصيص ضمير العام العام، على أنه لو سلم كون المراد بالصعيد في الآية التراب لا ينافي ثبوت ما ذكرناه من أدلة خارجية كما عرفت.

فاتضح لك حينئذ بحمد الله من جميع ما ذكرنا أن الأقوى الاجتزاء بوجه الأرض ترابا أو غيره اختيارا، كما أنه اتضح لك أنه لا وجه للتفصيل المذكور بين الاختيار و الاضطرار، و ما يقال: إن دليله الإجماع حال الاضطرار و إن لم يكن داخلا تحت الصعيد ففيه- مع عدم صلاحية ذلك دليلا للمفصل نفسه- أنه لا إجماع عند التحقيق، إذ الخصم انما جوزه لشمول لفظ الصعيد له و قد ظهر له بطلانه، و اختصاصه بالتراب، فلم يتحقق إجماع على الحجر من حيث أنه حجر في حال الاضطرار، فتأمل فإنه دقيق، على أن المحكي عن ابن الجنيد بل هو المتجه بناء على اختصاص الصعيد بالتراب سقوط الصلاة لفواته، و لعله ظاهر الغنية و غيرها، و كذا ما يقال: إنه لا ريب في حصول الظن

129

بالتيمم بمطلق الأرض في الجملة بعد ملاحظة ما دل على التيمم بها، لكنه لا شمول فيها لجميع الأحوال بحيث يقاوم ما دل على التراب حتى يتساوى معه في ذلك، فيتوقف يقين البراءة على تقديم التراب عند وجوده، كما أنه لا شمول فيما دل على التراب لمثل حال العجز عنه حتى تسقط الصلاة حينئذ بحيث يقاوم ما دل على الأرض بالنسبة إلى هذا الحال، مع توقف يقين البراءة عليه أيضا.

و بالجملة فالمتجه العمل بكل منهما لكن بالترتيب تمسكا بالظن الحاصل للمجتهد في كل منهما، إذ مع أن ذلك لا يرجع إلى محصل يعتمد عليه عند التأمل قد عرفت قوة الأمارات الدالة على المختار، فلا شك حتى يتوقف يقين البراءة لو سلم جريان نحوه في مثل المقام مما يحصل الشك فيه بالنسبة إلى شرط العبادة، بل ينبغي القطع بعدم جريانه في مثل الحجر في حال الاضطرار كما ذكره الخصم، لأن مرجعه حينئذ إلى الشك في نفس الشغل و عدمه لا إلى البراءة منه حتى يجب التيمم بالحجر.

و احتمال تتميم ذلك باستصحاب الشغل و عدم سقوط الصلاة بحال و نحوها مدفوع- مع عدم جريان الأول في بعض الصور كما لو فقد التراب قبل الوقت مثلا، بل هو بالعكس- بعدم صلاحية ذلك و نحوه لإثبات حكم شرعي، و هو التيمم بالحجر كما هو واضح، فتأمل. لكن مع ذلك كله فالاحتياط لا ينبغي أن يترك، و إلا فلا إشكال في صحة التيمم بالحجر و نحوه مما يسمى بالأرض اختيارا بالنظر إلى الظن الاجتهادي.

نعم قد يشكل الحال في مثل الخزف نظرا إلى خروجه عن مسماها بالإحراق كما اختاره المصنف في المعتبر بعد أن نسبه إلى ابن الجنيد قال: «و لا يعارض بالسجود عليه لأنه قد يجوز السجود على ما ليس بأرض كالكاغذ» انتهى.

و قد يورد عليه بمنع خروجه عن اسم الأرض و إن خرج عن اسم التراب، بل هو أولى من الحجر لقوة استمساكه دونه أو مساو للمشوي منه، مع إطلاقهم التيمم

130

بالحجر الشامل له عدا ما عن كشف الالتباس من التوقف فيه، و بأن المتجه عدم جواز السجود عليه لو سلم خروجه عن مسمى الأرض، لعدم جوازه إلا عليها و نباتها غير المأكول و الملبوس، فجواز السجود عليه كما اعترف به الخصم شاهد للتيمم به، و لذلك كله كان خيرة التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و غيرها الجواز.

و لعله الأقوى لما عرفت، و إن استشكله في المنتهى، كما عن الدروس التوقف فيه، و لمفهوم التعليل في خبر السكوني (1) و مروي الراوندي (2) لعدم التيمم بالرماد بأنه لم يخرج من الأرض بخلاف الجص و النورة كما سمعته فيما مر، و لاستصحاب عدم خروجه عن المسمى، بل و أحكامه قبل الإحراق، و لا يعارضه استصحاب الشغل المتوقف يقين البراءة منه على التيمم بغيره، لوروده عليه القاضي بتقدمه و تحكيمه، كما في نظائره من استصحاب طهارة الماء و غيره، و به حينئذ يحصل يقين البراءة، إذ المراد الأعم من الشرعي قطعا.

و من ذلك ظهر سقوط ما في الرياض من الميل إلى العدم لا لما في المعتبر بل للشك في الخروج و عدمه، مع معارضة استصحاب الجواز بمثله في فساد العبادة، فتبقى الذمة مشغولة بها للأوامر السليمة عما يصلح للمعارضة، إذ بعد الغض عما فيه و تسليم حصول الشك قد عرفت الجواب عنه، فتأمل جيدا.

و لا فرق بين الخزف و سحيقه في جواز التيمم به، و البحث البحث كالحجر و سحيقه أيضا، و احتمال الفرق بصيرورته ترابا حينئذ ضعيف بل فاسد قطعا، لعدم صدق التراب و إن صدق الأرض كما ذكرنا، فالمتجه حينئذ الجواز فيهما لذلك.

[في عدم جواز التيمم بالكحل و الزرنيخ و نحوهما من المعادن]

نعم لا يجوز التيمم ب الكحل و الزرنيخ و نحوهما من المعادن إجماعا محكيا

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 6- من أبواب التيمم- الحديث 2.

131

في الغنية و صريح المنتهى و ظاهره، و عن الخلاف إن لم يكن محصلا للخروج عن اسم الأرض قطعا، فيدخل حينئذ فيما سمعته سابقا من الأدلة على عدم جواز التيمم بغيرها، فما عن ابن أبي عقيل من جوازه بالأرض و بكل ما كان من جنسها كالكحل و الزرنيخ ضعيف، و العرف أعدل شاهد عليه إن كان ذلك منه لعدم الخروج، و فاسد محجوج بما عرفت إن كان مراده الجواز بذلك و إن خرج عن مسمى الأرض، و مفهوم التعليل في خبر السكوني و مروي الراوندي المتقدمين لا جابر له في المقام، بل معرض عنه بالنسبة إلى ذلك بين الأصحاب لما سمعت من الإجماعات السابقة، لكن قد ظهر لك أن مبنى المنع في المعادن عند الأصحاب الخروج عن اسم الأرض كما يظهر من استدلالهم عليه به، بل جعل بعضهم الحكم فيها دائرا مداره، فغير الخارج عن ذلك منها لو كان يتجه فيه حينئذ الجواز، و احتمال مانعية نفس المعدنية و إن لم يخرج تمسكا بإطلاق معقد الإجماع المحكي في غاية الضعف، كالقول بلزوم الخروج عن الأرض للمعدنية، لما ستعرفه في تحقيق معنى المعدن في باب السجود إن شاء الله.

[في عدم جواز التيمم بالرماد]

و كذا لا يجوز التيمم بالرماد إجماعا كما في المنتهى، و ل

خبر السكوني عن جعفر (1) عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «انه سئل عن التيمم بالجص فقال: نعم، فقيل: بالنورة فقال: نعم، فقيل: بالرماد فقال: لا، انه لا يخرج من الأرض إنما يخرج من الشجر»

كالمروي عن

الراوندي (2) بسنده عن علي (عليه السلام) أيضا قال:

«يجوز التيمم بالجص و النورة و لا يجوز بالرماد، لأنه لم يخرج عن الأرض»

لكنهما ظاهر ان أو صريحان في رماد غير الأرض دونه، بخلاف معقد إجماع المنتهى، بل ربما يفهم من التعليل فيهما الجواز به، و لعله لذا أو دعوى عدم الخروج جوزه به في الحاوي

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 6- من أبواب التيمم- الحديث 2.

132

كما عن نهاية الاحكام، و في التذكرة تعليق عدم الجواز على الخروج، و قربه في الرياض، و هو جيد لكن لا حكم فيه بالخروج و عدمه، و هو المثمر، اللهم إلا أن يكون المراد أنه يخرج تارة و لا يخرج أخرى، إلا أن الأقوى الخروج متى صدق عليه الرماد كما هو الغرض، فتأمل جيدا.

[في عدم جواز التيمم بالنبات المنسحق كالأشنان و الدقيق]

و لا بالنبات المنسحق كالأشنان و الدقيق و نحوهما مما أشبه التراب بنعومته و نحوها، لكن لا يصدق عليها اسم الأرض و التراب إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا، بل فيما تقدم من الإجماع و غيره على عدم جوازه بغير الأرض كفاية، و خبر عبيد بن زرارة (1) عن الصادق (عليه السلام) بعد أن سأله عن الدقيق يتوضأ به، فقال:

«لا بأس بأن يتوضأ به و ينتفع به»

محمول على ما ذكره الشيخ في التهذيب من إرادة النظف به و التطهر من الدرن، كما قد يكشف عنه

صحيح ابن الحجاج (2) «سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يطلي بالنورة فيجعل الدقيق بالزيت يلته به يتمسح به بعد النورة ليقطع ريحها قال: لا بأس»

بل هو أولى من إرادة التيمم من الوضوء حتى يعارض ما تقدم، مع أنه على تقديره في غاية القصور أيضا عن مقاومته كما لا يخفى.

[في جواز التيمم بأرض النورة و الجص]

و يجوز التيمم بأرض النورة و الجص اختيارا على المشهور نقلا و تحصيلا، و عن مجمع البرهان أنه ينبغي أن يكون لا نزاع فيه، بل لم أجد فيه خلافا إلا ما في نهاية الشيخ، فاشترط فقد التراب، و ما عن السرائر من المنع للمعدنية مع اني لم أجد ذلك فيها، بل الموجود لا يجوز التيمم بجميع المعادن، و تعدادها يطول، و قد أجاز قوم من أصحابنا التيمم بالنورة، و الصحيح الأول، و هو مع عدم ذكره لأرض الجص محتمل بل ظاهره النورة بعد الإحراق لا أرضها، و لذلك حكاه في الذكرى عنه في

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب آداب الحمام- الحديث 1.

133

النورة، فينحصر الخلاف حينئذ، في الأول و إن كان ربما يقال إنه أو العدم لازم تفسير الصعيد بالتراب، سيما بعد ما في كشف اللثام ان أرض النورة ليست غير الحجر على ما تعرف، و قد عرفت الكلام فيه إلا أنه لم يحك عن أحد منهم هنا، بل في المقنعة التصريح بالجواز فيهما بدون التقييد بفقد التراب، و هو ممن فسر الصعيد بذلك.

و كيف كان فلا إشكال في الحكم بناء على المختار، لصدق اسم الأرض، و احتمال المعدنية مع ضعفه في نفسه قد عرفت عدم منعها مع الصدق، نعم هو لا يتجه بناء على التفسير بالتراب، كما لا يتجه التفصيل بالاختيار و الاضطرار، و استدل عليه بعضهم مضافا إلى صدق الأرض بخبري السكوني و الراوندي المتقدمين، و فيه أنهما في الجص و النورة لا أرضهما، و احتمال إرادتها منهما لا شاهد له، و الأولوية انما تصح لو سلم العمل بهما فيهما، نعم قد يشعر التعليل فيهما بالمطلوب، و الأمر سهل، إذ قد عرفت انا في غنية عنهما، كما أنه قد تشعر عبارة المصنف بمنع التيمم بنفس الجص و النورة، وفاقا للأكثر في الثاني و جماعة في الأول، للخروج بالإحراق لا أقل من الشك، مع معارضة استصحاب الجواز و البقاء على الأرضية بأصالة بقاء الشغل، فتبقى الأوامر عن المعارض سليمة، و لا جابر للخبرين السابقين، و خلافا لصريح بعض و ظاهر آخر فجوزوه بهما للخبرين، و عدم الخروج، و الاستصحاب الحاكم على أصالة الشغل المفيد ليقين البراءة حينئذ شرعا، فلا أوامر سليمة لو سلم مغايرتها لأوامر الشغل الذي قد ذكر الخصم استصحابه، و هو جيد إن لم يطمئن بعدم الصدق، فتأمل.

هذا كله بناء على كفاية وجه الأرض، و إلا فعلى التراب فالبحث ساقط من أصله، إلا أن يخصوه في حال الاضطرار كما في غيره، فيتجه البحث منهم عن أرضيته و عدمها، إذ مع الخروج لا يجوز و لو اضطرارا للإجماع المحكي على عدم جوازه بغيرها و لو مضطرا كما عرفت، فتأمل جيدا.

134

[في جواز التيمم بتراب القبر]

و كذا يجوز التيمم ب تراب القبر عندنا و ان نبش، بل و إن تكرر نبشه ما لم يعلم نجاسته بالدم أو الصديد المصاحب له أو غير المصاحب مع نجاسة الميت و نحوهما، لصدق اسم الصعيد بل الطيب، للطهارة شرعا، و الصديد مع عدم الدم من الميت الطاهر بالتغسيل طاهر، فلا يقدح اختلاطه مع استهلاكه، فما في الذكرى من أنه لو علم اختلاطه بالصديد اجتنب محل تأمل، أو ينزل على ما لا ينافي المطلوب، و احتمال التمسك له بانتفاء الطيب حينئذ فيه ما عرفت، ثم قال: «و في اللحم و العظم نظر، للطهارة بالغسل، و على قول المبسوط ينبغي المنع، نعم لو كان الميت نجسا منع» انتهى. قلت: لا تأمل في الجواز مع الاستحالة ترابا، و عدم العلم بنجاسة التراب بالصديد، و لعله يريد الاختلاط بدون الاستحالة، فيكون من مسائل الامتزاج، و يأتي الكلام فيها إن شاء الله.

[في جواز التيمم بالتراب المستعمل في التيمم]

و كذا يجوز بالتراب المستعمل في التيمم بلا خلاف أجده فيه، بل في التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و غيرها الإجماع صريحا و كشف اللثام ظاهرا للأصل و الصدق، فما عن الشافعي في أصح قوليه من المنع لا ينبغي أن يصغى اليه، كدليله القياس على الماء المستعمل في رفع الحدث، إذ هو- مع بطلانه في نفسه أولا، و في المقيس عليه على الأصح عندنا ثانيا- قياس مع الفارق، لتحقق رفع الحدث بالماء بخلافه، و لعله لذا وافقنا أبو حنيفة و أصحابه عليه.

و من المستعمل الملتصق بأعضاء التيمم إجماعا في التذكرة، بل و المتساقط منها كالمتقاطر مما غسل به من الماء، لتحقق ماهية الاستعمال به، بل لعله المنساق إلى الذهن قبل الأول، فما في التذكرة من احتمال العدم ضعيف، نعم قد يشكل في المنفوض و المتساقط من اليدين بعد الضرب قبل المسح به و إن صرح به بعضهم، بل في الذكرى و جامع المقاصد أنه فسر به، و بالممسوح به من غير نقل خلاف فيه أو إشكال لعدم تحقق الاستعمال قبل المسح به سيما بعد حكاية الإجماع فيهما، و في التذكرة على خروج المضروب

135

منه، مع نفي الخلاف عنه في المبسوط، لأنه كالإناء المغترف منه.

قلت: فهذا كالماء المغترف قبل الغسل به، نعم يتم كونه منه لو ثبت جزئية الضرب من التيمم، لكن قد يتجه حينئذ دخول المضروب، فلعل ما ذكروه من الإجماع و التشبيه بالإناء مشعر بخروجه أي الضرب عن ماهية التيمم، إلا أنه يمكن القول بدخول الضرب و خروج المضروب، فتأمل جيدا.

[في عدم جواز التيمم بالمغصوب]

و لا يصح التيمم بالتراب أو الحجر المغصوب أي الممنوع من التصرف فيه شرعا إجماعا محكيا في التذكرة و المنتهى إن لم يكن محصلا، علق في اليد شيء فمسح به جبهته و يديه أولا، للنهي المقتضي للفساد عقلا و شرعا، و هو واضح بناء على جزئية الضرب من التيمم، بل و شرطيته مع اعتبار النية فيه، كما هو الأصل في كل ما أمر به، نعم لو لم يكن شرطا و كان كاغتراف الماء من الإناء أو كان شرطا لكن لم تعتبر النية فيه اتجه عدم اقتضاء النهي الفساد حينئذ عقلا، بل التيمم صحيح و إن كان الضرب محرما، لكن مع مسح الجبهة و اليدين بعد الضرب بدون العلوق، بل و معه على إشكال، اللهم إلا أن يستفاد الفساد حينئذ من ظاهر الأدلة.

و كيف كان ففساد التيمم دائر مدار النهي عنه شرعا، و إلا فلا فساد حيث لا نهي و لو لجهل أو غفلة يعذر فيها، و من هنا صرح في جامع المقاصد و غيره بجواز التيمم للمحبوس في المكان المغصوب، لأن الإكراه أخرجه عن النهي، فصارت الأكوان مباحة، لامتناع التكليف بما لا يطاق إلا ما يلزم ضررا زائدا على أصل الكون، و القول ان في التيمم تصرفا زائدا على أصل الكون ممنوع، إذ الإلزام بكيفية خاصة من الكون أو حركة خاصة متعذر أو متعسر، بل هو ترجيح من غير مرجح، و من ثم جاز له أن يصلي و ينام و يقوم، و حق الغير يتدارك بلزوم الأجرة، بخلاف الطهارة بالماء المغصوب، لأنه يتضمن إتلافا غير مأذون فيه، نعم لو ربط في ماء مغصوب و تعذر

136

عليه الخروج و لم يلزم الاغتسال به زيادة إتلاف أو تصرف أمكن القول بالجواز، فتأمل جيدا.

هذا كله في التراب المغصوب، أما المملوك و قد تيمم به في مكان مغصوب ففي المدارك أن الأصح الصحة، لأن الكون ليس من أفعال التيمم، بل هو من ضروريات الجسم، و فيه أن الضرب و المسح حركة و سكون، و هما كونان سيما الاولى، فلا ريب في حصول التصرف في مال الغير بذلك، على أن التيمم فعل و عمل في ملك الغير، و هو هواؤه، و لذا كان الأقوى الفساد، كما هو خيرة كشف اللثام، لكن علله «بأن الاعتماد جزء التيمم، فهو كاعتماد المصلي على ملكه الموضوع في أرض مغصوبة» انتهى. و هو جيد بالنظر إلى الضرب، و كذا لو كان التراب في آنية مغصوبة، للنهي عن الضرب المقتضي للفساد عقلا، إلا على ما سمعت، بخلاف الماء في الآنية المغصوبة، للنهي فيه عن الأخذ منها، و هو أمر خارج عن العبادة، مع احتمال الفساد فيه أيضا على بعد، فتأمل.

[في عدم جواز التيمم بالتراب النجس]

و كذا لا يجوز التيمم ب التراب النجس بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك و غيرها نسبته إلى مذهب الأصحاب مؤذنا بالإجماع عليه و لعله كذلك، لاشتراط الطهارة فيه إجماعا في جامع المقاصد و كشف اللثام و محتمل أو ظاهر الغنية و عن التذكرة و شرح الجعفرية، و لا نعرف فيه مخالفا في المنتهى، و يدل عليه مضافا الى ذلك الوصف بالطيب في الكتاب العزيز، إذ المراد به- كما لعله الظاهر منه و فسره به غير واحد بل في جامع المقاصد نسبته الى المفسرين- الطاهر، كما أنه قد يؤيده أي الاشتراط بل في الحدائق أن الاولى في الاستدلال به عليه النبوي المروي في عدة أخبار (1) و فيها الصحيح و غيره «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا»

لما تقدم سابقا أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب التيمم.

137

الطهور هو الطاهر المطهر، لكن قد يناقش بأنه لا دلالة فيها على اعتبار الطاهرية حال المطهرية.

نعم لو ثبت لزوم المطهرية للحدث أو الخبث للطاهرية أو أن الأصل ذلك كان دليلا آخر للمطلوب من غير حاجة الى الأخبار أيضا، لمعلومية مطهرية التراب، و لعل ذلك الأصل ثابت خصوصا بمعنى عدم سبق النجاسة، بل في جامع المقاصد «أنه لا يعقل كون النجس مطهرا» انتهى، و لا يرد الغسالة على بعض الأقوال و حجر الاستنجاء، لخروجها بالدليل، أو لاعتبار سبق الطهارة فيهما أيضا، فتأمل.

و المشتبه بالمحصور يجتنب كالماء، بل لعله لا يشرع الاحتياط بالتكرير، بناء على الحرمة الذاتية فيه كالماء كما صرح به الأستاذ في كشف الغطاء، مع احتماله للفرق بينهما بالأمر بالإراقة هناك دونه، و عدم ثبوت غير الحرمة التشريعية هنا، و لا فرق بين قلة التراب المتنجس و كثرته مع وقوع الضرب عليه كما صرح به في المنتهى، لفساد بعض الضرب المقتضي لفساده جميعه، و لاقتضاء الشرطية السابقة، و لا يعقل الاستهلاك هنا، و احتمال الصحة- بناء على عدم اشتراط استيعاب الضرب لما يتيمم به، أو أنه قليل لا يقدح بالاستيعاب عرفا- لا يخلو من وجه، نعم لا يقدح نجاسة غير المضروب قطعا و إن اتصل بالمضروب كأحد جانبي الحجر أو طرفيه.

[في عدم جواز التيمم بالوحل]

و كذا لا يجوز التيمم بالوحل أي الطين مع وجود التراب أو الحجر نصا و فتوى كما سيأتي ان شاء الله.

[في جواز التيمم بتراب فيه شيء مستهلك من المعادن]

و ان مزج التراب بشيء من المعادن كالكحل و الزرنيخ و نحوهما أو غيرها مما لا يجوز التيمم به من الدقيق و سحيق الأشنان و غيرهما فان استهلكه التراب أي كان كالمعدوم في عدم منافاته لصدق اسم التراب بل التراب الخالص، و لا عبرة بتعميق النظر و تدقيقه جاز التيمم به وفاقا للمشهور بين الأصحاب، للأصل و صدق الامتثال

138

بضرب الصعيد و الأرض و نحوهما، و دعوى أن ذلك من المسامحات العرفية ممنوعة، مع عدم قيام دليل صالح على عدم اعتبارها في مثله، و تعذر أو تعسر خلوص المتيمم به من ذلك غالبا سيما لو اعتبر العلم به، كما هو قضية اشتراط الخلوص، فينافي حكمه مشروعية التيمم، خلافا لظاهر الغنية و صريح المحكي عن الخلاف، فمنعا منه مع الخلط و إن استهلك، و هو- مع أني لم أجده في الثاني، و يمكن تنزيل الأول على غير المستهلك، سيما بعد دعواه الإجماع عليه، إذ ما نحن فيه مظنة حصوله على العكس- ضعيف جدا لا دليل عليه.

و إلا يكن الخليط مستهلكا كذلك، بل كان هو المهلك للتراب كذلك لم يجز التيمم به قطعا و إجماعا بقسميه، لأصالة الشغل مع عدم صدق الامتثال بضرب الصعيد و الأرض، بل و كذا ان لم يهلك أحدهما الآخر كما هو ظاهر المتن أو صريحه كالمبسوط و المنتهى و الذكرى و جامع المقاصد و كشف اللثام و غيرها، بل في الغنية الإجماع على عدم جواز التيمم بتراب خالطه شيء من ذلك، و هو الحجة بعد الأصل في وجه، و صحة سلب اسم التراب عنه، و لا يعارض بسلب اسم الخليط، إذ هو لا يكفي في صحة التيمم به، لاشتراطه بالتراب لا بغير الكحل مثلا، كما لا يقال: إنه يصدق عليه اسم كل منهما لا سلبه، فيقال: هذا تراب و كحل، إذ الظاهر منع ذلك فيما نحن فيه من الامتزاج المتحقق باختلاط الاجزاء المتساوية اختلاطا لا يتحقق معه التمييز، فإنه بعد حصوله يتحد المختلطان و يكونان شيئا واحدا، فلا يصدق عليه انه تراب و كحل، لزيادة أمر آخر عليهما أخرجهما عن هذا الصدق، و هو الامتزاج، فهما و إن كانا جزءين ماديين لهذا الشيء لكن مع ذلك فالامتزاج من مقوماته أيضا معهما، فالتراب حينئذ جزء، و لا وجه للحكم به على الكل، فلا يقال هذا تراب قطعا، بل إن قيل مثل ذلك في مقام تعداد الاجزاء يراد منه ان هذا الشيء كحل و تراب حال

139

كونهما ممتزجين، فيكون الخبر هو المجموع لا كل واحد منهما، فتأمل.

نعم يتجه ذلك في الخليط المتميز المستقل الذي لا يتصور فيه امتزاج كالشعر مع التراب، و ستسمع الكلام فيه، هذا. على أنا نقول بعد تسليم صدق اسم التراب عليه و انه كالخليط المتميز فلا ينافي صدق ضرب التراب ضرب غيره معه، لكن المعتبر في التيمم مماسة تمام باطن الكف للتراب حال الضرب، كما صرح به في كشف اللثام، و هو ظاهر غيره أو صريحه، و لا ريب في عدم حصول ذلك في محل الفرض و إن صدق ضرب التراب في الجملة.

و منه يظهر لك الحكم في الخليط المتميز، فلو فرض وجود تبنة و نحوها في تراب بحيث يحتجب وصول بعض الكف إلى التراب بطل، و لذا لم يكتف بعضهم بصدق اسم التراب، بل قال: إنه ينبغي اعتبار عدم الإمساس بالخليط مع ذلك، و إلا فلا ريب في حصول الاسم في المثال المذكور.

لكن قد يشكل ذلك أولا بالاكتفاء في جملة من كتب أصحابنا ببقاء الاسم من غير اعتبار ذلك كالقواعد و التحرير، بل عن السرائر و التذكرة و نهاية الاحكام و الدروس و البيان أنه يجوز بالمختلط مع بقاء اسم التراب، بل في المنتهى بعد أن حكى الخلاف المنع من التيمم بالمختلط و إن غلب التراب، و عن المبسوط الجواز مع الاستهلاك قال: «و بالأول قال الشافعي، و بالثاني قال بعض الشافعية حيث اعتبر الغلبة، و هو الأقوى عندي لبقاء الاسم، و لأنه يتعذر في بعض المواضع- ثم قال-: لو اختلط التراب بما لا يعلق باليد كالشعير جاز التيمم منه، لأن التراب موجود، و الحائل لا يمنع من التصاق اليد به» انتهى. و ثانيا بعدم الدليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه، لصدق ضرب التراب و الصعيد من دون اعتبار ذلك.

و قد يدفع بأن مراد أولئك الأصحاب بالاكتفاء بالاسم انما هو في صورة الخلط

140

الامتزاجي، فيرجع حينئذ عند التأمل إلى شرطية الاستهلاك كما يومي اليه ما في المنتهى أولا و غيره أيضا، و لا تعرض فيه للخليط الذي لا يتصور فيه الاستهلاك و إن قل، و لعل عدم تعرضهم له لعدم دخوله فيما يعتبر في المتيمم به، بل هو راجع إلى الكف، فيعتبر فيه الاستيعاب، و أما ما في آخر عبارة المنتهى فمع أنه قد استشكله بعض من تأخر عنه يحتمل ما في كشف اللثام و غيره من أنه بالاعتماد يندفن بالتراب أو الكف تماس التراب إذا حركت، لأنه لا تعلق بها و إن أورد عليه فيه بأنه يتوجه الجواز بالممتزج بنجس قليل إذا علم وصول الكف جميعها بالتحريك أو الاعتماد إلى الطاهر، و في جامع المقاصد أن فيه ترددا ينشأ من عدم تسمية الخليط ترابا.

إلا أنه قد يدفع الأول بأنه لا دليل على بطلان اللازم، بل ظاهر الأدلة تناوله، و ليس ذا من تعدد الوضع أو الضرب، بل هو من توابع الوضع الأول، و الثاني بمنع عدم التسمية في مثل ما نحن فيه، فتأمل. و أما دعوى عدم الدليل على الاستيعاب المذكور ففيه- مع أصالة الشغل في وجه و الاقتصار على المتيقن- أنه ظاهر التيمم البياني ك

قوله:

«وضع يديه» (1) و «ضرب بكفيه الأرض» (2) و «اضرب بكفيك الأرض» (3)

و نحوها (4) لظهور الاسم في تمام المسمى، فيراد تمام اليد و الكف، و احتمال صدق ذلك و لو ببعض الكف ممنوع، و لذا يصح سلب الضرب بالكف عنه، لكن و مع ذلك كله فالذي يقوى الاكتفاء بالاستيعاب العرفي بحيث يصدق عليه أنه ضرب بكفيه الأرض، و لعله متحقق و إن حصل بعض الخليط كشعيرة أو تبنة و نحوهما، بل و إن لم يكن خليط لكن لم يصل بعض أجزاء الكف كذلك، مع أنه قد يتعذر الخلوص

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

141

من مثل ذلك أو يتعسر في كثير من المواضع، و ربما نزل ما في المنتهى عليه، بل قد يؤيده أمور كثيرة تظهر بالتأمل في أخبار الباب و كتب الأصحاب و إن كان الأحوط ما تقدم، و كذا الكلام في الممتزج، فلا تقدح بعض الاجزاء الدقاق و إن منعت محلها من المماسة.

[في كراهة التيمم بالسبخة و الرمل]

و يجوز التيمم و لكن يكره بالأرض المالحة النشاشة المسماة بالسبخة و الرمل و هو معروف على المشهور بين أصحابنا نقلا و تحصيلا، بل في المعتبر الإجماع عليه عدا ابن الجنيد، فمنع في السبخ، بل عن التذكرة الإجماع في السبخة من غير استثناء كالمنتهى، حيث لم ينقل فيها خلافا إلا عن بعض الجمهور، كما أنه نسب الجواز مع الكراهة في الرمل إلى نص الأصحاب و جامع المقاصد، و عن التذكرة «يجوز بالرمل عندنا على كراهية» بل ظاهر المدارك أو صريحها كغيرها عدم الخلاف عندنا في جوازه بالرمل، و مراد الجميع الجواز اختيارا مع وجود التراب كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم.

فما في إشارة السبق و تبعه الأستاذ في كشف الغطاء من التيمم به عند فقد التراب ضعيف محجوج بما سمعت، و بتناول اسم الصعيد و الأرض له قطعا و ان اكتسب بسبب الحرارة تشتتا و تغيرا ما، و ما عن الجمهرة عن أبي عبيدة أن الصعيد هو التراب الذي لا يخالطه سبخ و لا رمل لا يلتفت اليه، على أنه لو كان كذلك لا دليل على جوازه في الاضطرار أيضا، كالمحكي عن ابن الجنيد من المنع بالسبخ و لعله لذلك و فيه ما عرفت، أو

الخبر عن محمد بن الحسين (1): «ان بعض أصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي (عليه السلام) يسأله عن الصلاة على الزجاج، قال: فلما نفذ كتابي إليه تفكرت و قلت هو مما أنبتت الأرض، و مالي أن أسأله عنه، فكتب إلى لا تصل على الزجاج و إن حدثتك نفسك أنه مما أنبت الأرض، و لكنه من الملح و الرمل، و هما ممسوخان».

و فيه أنه لا تعرض فيه للسبخة، و لا كلام في المنع من الملح، و لعل ابن الجنيد أراد بالسبخ ما يعلو الأرض من الملح، فلا خلاف حينئذ كما يشهد له عدم استثنائه

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

142

من إجماع التذكرة، و تخصيص الخلاف ببعض الجمهور في المنتهى كما تقدم، نعم هو دال على المنع من السجود على الرمل، و يلزمه عدم التيمم هنا، لكنه- مع قصوره عن معارضة ما تقدم، بل لعل الإجماع على خلافه حتى من الحلبي في إشارته لتجويزه به حال الضرورة- محتمل لإرادة أنهما مسخا بصيرورتهما زجاجا، أي أنهما غيرا عن حقيقتهما السابقة، إلا أنه لا بأس بتأييد الكراهة في الرمل به، و بما سمعته عن أبي عبيدة و إن كنا في غنية عن إثباتها فيه و في السبخة بما تقدم بعد التسامح فيها، فتأمل جيدا.

[في استحباب أن يكون التيمم من ربا الأرض و عواليها]

و يستحب أن يكون التيمم من ربا الأرض و عواليها كما أنه يكره من المهابط إجماعا في الخلاف عليهما، و في المعتبر صريحا في الثاني، و ظاهرا أو صريحا في الأول، كظاهر نسبته إلى علمائنا في التذكرة و صريح إجماع جامع المقاصد، و يؤيده- مع بعد العوالي عن النجاسات و زوالها عنها غالبا بالسيول و الرياح، فهو أبلغ في وصف الطيب بخلاف المهابط- ما ورد في تفسير الصعيد أنه الموضع المرتفع كالمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (1) و قول الصادق (عليه السلام) في خبر غياث بن إبراهيم (2): «نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتيمم الرجل بتراب من أثر الطريق»

و في خبره الآخر قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (3): «لا وضوء من موطإ»

و عن النوفلي يعني ما تطأ عليه برجلك، خلافا للجمهور فلم يفرقوا بين المكانين و هو ضعيف، بل لا يبعد تفاوت مراتب الاستحباب و الكراهة شدة و ضعفا بتفاوت الأمكنة في القرب و البعد عن احتمال النجاسة و نحوها.

[في جواز التيمم بغبار الثوب و لبد السرج و عرف الدابة مع فقد التراب]

و مع فقد التراب عقلا أو شرعا، و الحجر و نحوه على المختار من مساواته للتراب،

____________

(1) المستدرك- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب التيمم- الحديث 1.

143

بل و على غيره أيضا لتقدمه على الغبار عندهم، إلا النادر كسلار و يحيى بن سعيد فقدماه على الحجر، مع احتمال إرادة الأول الغبار الذي إذا نفض كان ترابا كافيا، بل لعله الظاهر من عبارته المحكية في المختلف، فتعليق المصنف الانتقال كالمقنعة و المبسوط و القواعد و المنتهى على التراب خاصة في غير محله، سيما من مثل الشيخ و المصنف و العلامة، لمساواته للتراب عندهم، اللهم إلا أن يريدوا به ما يشملهما اتكالا على ما سبق لهم، كما يشهد له بعض الامارات، فتأمل. فيوافق حينئذ ما في النافع و الذكرى و المعتبر و التذكرة و غيرها من التعبير بالصعيد، بل هو معقد إجماع الأخيرين حيث علقا الانتقال المذكور على فقد الصعيد، ثم نسباه إلى علمائنا، و النهاية و الوسيلة و السرائر و التحرير و عن المهذب من التصريح بتأخره عن الحجر، و يقرب منه ما في جامع المقاصد و الروض و المدارك.

يتيمم بغبار ثوبه أو لبد سرجه أو عرف دابته للنصوص (1) و ظاهر الإجماع المحكي في المعتبر و التذكرة إن لم يكن محصلا، لا إذا لم يفقده فإنه يجب التيمم به حينئذ بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهر المعتبر و البحار و كشف اللثام و التذكرة الإجماع عليه إلا من ظاهر جمل المرتضى، فساواه مع التراب، مع أنه ليس بتلك المكانة من الظهور، و محتمل لما تقدم في كلام سلار.

و لا ريب في ضعفه بعد ما عرفت، و بعد

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): «إن كان أصابه الثلج فلينظر لبد سرجه، فيتيمم من غباره أو من شيء معه»

و قول الصادق (عليه السلام) أيضا في صحيح رفاعة (3) كذلك، و إشعار غيرهما من الاخبار (4) به أيضا، و احتمال التمسك له بأن الغبار صعيد حقيقة و إن

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم.

144

استخرج من غير الأرض لأنه كان مجاورا له، فإذا نفذ عاد إلى أصله و صار ترابا مطلقا يدفعه أن محل البحث في غير الجامع للشرائط منه من الاستيعاب و نحوه كما هو الغالب، و إلا فلو فرض كونه في حال كذلك إما بنفضه أو غيره فلا إشكال في مساواته له حينئذ.

نعم قد يشكل الحال في تقديم القليل من التراب عليه مع عدم صلاحيته للاستيعاب، و لعل الأقوى حينئذ تقديم أكثرهما و أشدهما مباشرة لليد مع احتمال تقديم التراب مطلقا، سيما بعد ما في المنتهى و المدارك من عدم تسمية الغبار صعيدا، قال في الأول: لأن الصعيد هو التراب الساكن الثابت، و ان كان ذلك ضعيفا بل ممنوعا عليهما، كمناقشة الثاني في تقديمه على الوحل مع التمكن منه بعد تسليمه أن الأصحاب قاطعون بذلك، و ان ظاهرهم الإجماع، و نسبته في المنتهى إلى علمائنا كظاهر غيره أيضا، مع شهادة التتبع لهما، إذ لم يحك عن أحد خلافا في ذلك إلا عن المهذب، فاشترطه بفقد الوحل.

و لا ريب في ضعفه بعد

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): «إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمم به، فان الله أولى بالغدر إذا لم يكن معك ثوب جاف أو لبد تقدر أن تنفضه و تتيمم به»

و انجباره بما سمعت يدفع المناقشة في سنده لو سلمت، و قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): «ان كان أصابه الثلج فلينظر لبد سرجه، فيتيمم به من غباره أو من شيء معه، و ان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم منه»

ك

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح رفاعة (3):

«إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم به،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 4.

145

فان ذلك توسيع من الله عز و جل، قال: فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه، فليتيمم من غباره أو شيء مغبر، و ان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم منه».

و المناقشة فيهما باختصاصه في حال الثلج المانع من الوصول إلى الأرض لا وجه لها، إذ الاستدلال بظاهر قوله (عليه السلام): «و ان» الى آخره حتى لو أريد الاستئناف منه، كما يشهد له الاقتصار عليه خاصة في صحيحة زرارة الأخرى عن الباقر (عليه السلام) أيضا و هي دليل آخر ك

مضمر ابن المغيرة (1) «إن كانت الأرض مبتلة و ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجف موضع تجده، فتيمم من غباره أو شيء مغبر، و إن كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم»

و إطلاق غيرها منزل عليها.

نعم قد يعارض ذلك

قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر زرارة (2) بعد أن سأل «عن رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء و فيها طين ما يصنع؟ قال: يتيمم فإنه الصعيد، قلت فإنه راكب و لا يمكنه النزول من خوف و ليس هو على وضوء، قال: إن خاف على نفسه من سبع أو غيره و خاف فوات الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللبد أو البرذعة و يتيمم و يصلي»

سيما بعد تعليله فيه كغيره بأنه الصعيد.

لكنه- مع ضعفه و احتماله الطين الجاف كما لعل فيه إيماء إلى ذلك، بل في المنتهى أنه مما تعرض فيه لنفي الماء دون التراب حتى في قوله: «و فيها الطين»- قاصر عن مقاومة ما تقدم من وجوه، فتأمل جيدا. و التعليل بالصعيدية يراد به أنه كان صعيدا كما يشير اليه ما في آخر (3) «انه صعيد طيب و ماء طهور».

ثم ان ظاهر ما تقدم من الاخبار كخبر رفاعة و زرارة و أبي بصير و غيرهما عدم الترتيب فيما فيه الغبار كظاهر المصنف و المشهور، بل لم أجد فيه خلافا إلا من الشيخ

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 6.

146

في النهاية، فرتب بين عرف الدابة و لبد سرجها و بين الثوب، مع عدم صراحته في ذلك، بل هو محتمل ما في المنتهى من أن ذلك لكثرة وجود أجزاء التراب في دابته و قلته في الثوب، و ابن إدريس في السرائر فعكس و هما ضعيفان، نعم ينبغي تحري الأكثر فالأكثر و من غير الثلاثة، و كأنها خصت لأنها مظنته، بل ظاهر جماعة إيجابه، و هو لا يخلو من قوة.

كما أن الظاهر منها أيضا و به صرح جماعة كون الغبار غبار التراب و نحوه، لا غبار الأشنان و نحوه، و يؤيده الإجماعات السابقة على عدم جوازه بغير الأرض، بل و لا الممتزج منها لذلك إلا أن يغلب الاسم، و لعل المنساق من عبارة المصنف و القواعد و غيرهما بل حكي عن الأكثر و ما سمعته من الاخبار السابقة و غيرها عدا خبر أبي بصير في كيفية التيمم بالغبار ضرب ما كان عليه منه باليدين، ثم يمسح به من غير نفض، لعدم تيسر انفصاله غالبا، سيما في حال المسؤول عنها في الاخبار، بل في خبر زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) التصريح به، قال: «إن خاف على نفسه من سبع أو غيره و خاف فوت الوقت فليتيمم، يضرب يده على البرذعة و يتيمم و يصلي».

لكن في المقنعة و النهاية و المبسوط و المنتهى أنه ينفض فيتيمم بغبرته، كالمحكي عن سلار «نفض ثوبه و سرجه و رحله، فان خرج منه تراب تيمم به» مع احتمال إرادته ما لو أمكن استخراج تراب من مجموع ذلك، و هو متجه مع إمكانه لانتفاء الضرورة حينئذ، و إطلاق الاخبار منصرف إلى غلبة عدم تيسر مثل ذلك، سيما في مثل المسؤول عنه فيها، إلا أن ذلك ليس مما نحن فيه، كما أنه قد يتجه ما في المقنعة و ما بعدها إن أريد بالنفض فيها ما ذكره في الذكرى و جامع المقاصد و الروض و غيرها من أنه ينفض ثوبه و يستخرج الغبار حتى يعلوه، إلا أن يتلاشى فيقتصر على الضرب عليه، قلت:

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 5.

147

حتى يتفاقم و يكون الضرب على الغبار نفسه، و لما يلوح من الاخبار ك

قوله (ع): «فلينظر لبد سرجه أو شيء مغبر»

و نحوهما من اعتبار محسوسية الغبار كما في حاشية المدارك، أو أريد أنه بنفضه جميعه يجمع منه غبار لا يحصل بدونه، إذ الضرب عليه انما يكون على مقدار اليدين خاصة.

و لعل الذي دعاهم إلى ذلك ما في خبر أبي بصير السابق، و في انطباقه على إطلاقهم النفض الذي قد يتخيل منه التيمم بالغبرة الكائنة منه و إن لم تستقر في مكان سيما بعد إشعار غيره من الاخبار بخلافه، و منافاته للتوسعة التي هي منشأ مشروعية هذا الحكم تأمل و نظر، فقد يحمل على إرادة الاجتزاء بذلك لا وجوبه، أو على ما سمعته في كلام سلار أو نحو ذلك، و إلا فالأقوى عدم التضيق بشيء من ذلك، و الاجتزاء بالضرب على ناحيته مما علته الغبرة إن كان، و إلا فعلى ذي الغبار الكامن فيه إذا كان الضرب مما يهيج الغبار إلى الكفين، كما قد يومي اليه

قول الباقر (عليه السلام) (1) في صحيح زرارة في المواقف إن لم يكن على وضوء كيف يصنع و لا يقدر على النزول؟: «تيمم من لبد سرجه أو عرف دابته فان فيها غبارا»

فتأمل جيدا.

[في جواز التيمم بالوحل]

و على كل حال ف مع فقد ذلك أي الغبار يتيمم بالطين، و يسمى بالوحل إذا كان مما يجوز التيمم به إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا صريحا و ظاهرا و نصوصا (2) قد تقدم سابقا جملة منها، لا مع عدم فقده، فإنه يقدم عليه كما عرفت، لكن من المعلوم أن ذلك حيث لا يمكن تجفيف الطين و إرجاعه للصعيد و لو بإطلائه و انتظاره، و إلا وجب و كان مساويا للتراب، للمقدمة و لعدم صدق الاضطرار، و به صرح العلامة و من تأخر عنه، بل في الرياض أنه ليس محل خلاف، و في المدارك قطعا، و هي من مثله كالإجماع، بل قد يشعر صحيح رفاعة السابق بمطلوبية ما أمكن من

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم.

148

التجفيف و إن لم يصل إلى حد التراب.

و احتمال المناقشة- بعدم وجوب مثل هذه المقدمة التي هي أشبه شيء بمقدمة الوجوب، و بإطلاق الأدلة و ترك الاستفصال فيها، و اشتمالها على التعليل بأنه الصعيد، و بعد فرض ذلك كله في ضيق الوقت و نحوه بحيث لا يستطيع التجفيف- مدفوع بعدم الفرق فيما دل على وجوب مقدمة الواجب المطلق بين هذه المقدمة و غيرها، و بانصراف الإطلاق لغير هذه الحال، و منه يعلم الوجه في ترك الاستفصال سيما بعد

قوله (ع): «إذا كان في حال لا يجد إلا الطين»

لكن و مع ذلك فالمسألة لا تخلو من إشكال، فتأمل.

إنما البحث في كيفية التيمم بالوحل، فظاهر المصنف و غيره بل صريح السرائر و غيرها أنه كالتيمم بالأرض، و هو الذي يقتضيه ظاهر إطلاق الاخبار سيما في مقام البيان، إلا أنه ينبغي إزالته عن اليد كنفض التراب، لكن في المقنعة أنه «يضع يديه ثم يرفعهما فيمسح إحداهما بالأخرى حتى لا يبقى فيهما نداوة ثم يمسح بهما وجهه» و المبسوط و عن الخلاف و النهاية أنه «يضع يديه في الطين ثم يفركه و يتيمم به» و الوسيلة «قد أطلق الشيوخ (رحمهم الله) ذلك، و الذي تحقق لي أنه يلزم أن يضرب يديه على الوحل قليلا و يتركه عليها حتى ييبس ثم ينفضه عن اليد و يتيمم به» و اختاره في التحرير.

قلت: لكن ينبغي القطع ببطلان الأخير إن أريد الاجتزاء بالضرب الأول قبل التجفيف ثم المسح بعد النفض، إذ لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه، مع ما فيه من فوات الموالاة، كما أنه ينبغي القطع بصحته ان أريد تجفيفه قبل ضرب التيمم ثم يتيمم به بعد يبسه مع سعة الوقت، لكنه خارج عما نحن فيه، لرجوعه للتيمم بالتراب كما تقدم سابقا، و كذا ما في كتب الشيخ إلا أنه يحتمل قويا إرادة الإزالة من الفرك، فيكون بمنزلة النفض في التيمم بالتراب، فيوافق المختار حينئذ مع مراعاة الموالاة، و قد يشعر به ما في المعتبر حيث قال بعد ذكره ما في المبسوط: انه الوجه، لظاهر الأخبار،

149

إذ قد عرفت ان ظاهرها ما قلنا، كما أنه في التذكرة بعد ذكره كلام ابن حمزة أنه الوجه عندي ان لم يخف فوت الوقت، و ان خاف عمل بقول الشيخ، إذ لو لم ينزل قول الشيخ على ما ذكرنا لكان فيه أيضا خوف من فوات الوقت، بل يمكن تنزيل ما في المقنعة أيضا عليه، بل لعله أقرب فيتحد الجميع، و ان أبيت فهم محجوجون بما عرفت.

و المراد بالوحل في المتن مطلق الطين كما علق الحكم عليه في كثير من الاخبار لا الطين الرقيق و إن فسره به في القاموس، نعم لا يدخل في الطين عرفا مطلق الأرض الندية و التراب كذلك فيجوز التيمم به اختيارا كما نص عليه الفاضلان في المعتبر و التذكرة، بل في الثاني «لا يشترط في التراب اليبوسية، فلو كان نديا لا يعلق باليد منه غبار جاز التيمم به عند علمائنا» انتهى. فهو مع صدق الصعيد الحجة، مضافا إلى صحيح رفاعة السابق، لكنه قد يظهر منه تقييد الجواز بعدم التمكن من الجاف، سيما تعليق ذلك فيه بأنه توسع من الله عز و جل، إلا أنه يمكن حمله على ما لا ينافي المطلوب من إرادة الاشتراط بالنسبة الى بعض أفراد الاجف و ان كان طينا أو غير ذلك، فتأمل جيدا.

ثم ان ظاهر المصنف و غيره بل صرح به جماعة انحصار ما يتيمم به و لو اضطرارا بما ذكره من المراتب، فمع عدم شيء منها كان فاقد الطهورين حينئذ، و يأتي الكلام فيه من غير فرق في ذلك بين أن يجد الثلج و الماء الجامد الذي لا يستطيع الغسل به و عدمه، وفاقا للأكثر و خلافا للمحكي عن مصباح السيد و الإصباح و المراسم و ظاهر الكاتب، فأوجبوا التيمم بالثلج مع عدم التمكن حيث لا يوجد غيره و لا يمكن حصول مسمى الغسل به و لو كالدهن، و اختاره في القواعد و الموجز الحاوي و عن البيان، و كأنه للاحتياط، و ما دل (1) على عدم سقوط الصلاة بحال، و استصحاب التكليف بها،

____________

(1) الوسائل- الباب 1 و 2 و 6 و 7 و 8 و 11 من أبواب وجوب الصلاة.

150

و حسن محمد بن مسلم أو صحيحه (1) «سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل أجنب في سفره و لم يجد الا الثلج أو ماءا جامدا، فقال: هو بمنزلة الضرورة، يتيمم و لا أرى أن يعود الى هذه الأرض التي توبق دينه».

و فيه- مع عدم صلاحية شيء من ذلك عدا الخبر لإثباته، بل و الخبر لعدم صراحته بل و لا ظهوره في التيمم به، لاحتمال إرادة الانتقال الى التيمم بالتراب كما يومي اليه قوله (عليه السلام) «بمنزلة الضرورة» و استبعاد فقدان كل ما يتيمم به حتى الغبار و الطين، سيما مع ترك استفصاله عن ذلك، و ان كان ربما شهد للأول النهي عن العود، و عد ذلك هلاك الدين، إذ لا هلاك في التيمم بالتراب بعد كونه أحد الطهورين، و أنه مما أمتن الله به على هذه الأمة- أنه مناف لما سمعته سابقا من الإجماع على عدم جواز التيمم بغير الأرض، و لقد أجاد ابن إدريس في رد المرتضى بأن الإجماع منعقد على أن التيمم لا يكون إلا بالأرض و ما يطلق عليه اسمها، و ما في المنتهى من أن المسلم منه في حال التمكن لا مطلقا في غير محله.

[في جواز التيمم مع وجود الثلج و عدمه]

كل ذا مع ظهور الخطابات الشرعية كتابا و سنة في انحصار الطهارة بالمائية و التراب، و وفائهما ببيان كيفية كل منهما بحيث لا يشارك إحداهما الأخرى، و من هنا احتمل بعضهم في الخبر السابق أن يراد بالتيمم فيه مسح أعضاء الطهارة بنداوة الثلج على كيفية المائية مجازا، كما أنه احتمل آخر ذلك في كلام المرتضى و من تبعه، و هو مع بعده لعدم القرينة مبني على وجوب ذلك عند الاضطرار و ان لم يحصل به مسمى الغسل، و فيه منع و ان أوجبه الشيخان و ابنا حمزة و سعيد، و اختاره في المنتهى و التذكرة و المختلف و الحدائق و عن نهاية الاحكام، كما أنه استحسنه في كشف اللثام، و لعله لما دل (2)

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الوضوء.