جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
373 /
151

على الاكتفاء بمثل الدهن في الوضوء من الاخبار المذكورة في بابه، و على أنه

«يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما بلت يمينك»

كما في خبر هارون بن حمزة (1) عن الصادق (عليه السلام)، و أنه «إذا مس جلدك الماء فحسبك»

كما في صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2)، و ل

خبر معاوية بن شريح (3) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا عنده فقال: يصيبنا الدفق و الثلج، و نريد أن نتوضأ و لا نجد إلا ماءا جامدا فكيف أتوضأ؟ أدلك به جلدي؟ قال: نعم» و خبر علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجا و صعيدا أيهما أفضل أ يتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال: الثلج إذا بل رأسه و جسده أفضل، فان لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمم»

و نحوه خبره الآخر المروي (5) عن قرب الاسناد، و ل

صحيح ابن مسلم (6) عن الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلا الثلج، قال: يغتسل بالثلج أو ماء النهر»

و لأن الواجب عليه: أمران إمساس جسده بالماء و إجراؤه، و تعذر الثاني لا يسقط الأول، لعدم سقوط الميسور بالمعسور، و لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله. هذا مضافا الى ما سمعته في حجة المرتضى من عدم سقوط الصلاة بحال و نحوه.

لكن في الجميع نظر، إذ هذه الاخبار- مع الطعن في سند خبري علي بن جعفر كخبر ابن شريح، و اشتمالهما على ما لا يقول به الخصم من تقديمه على التيمم مع تعليق التيمم فيهما على تعذر الاغتسال المتحقق و ان تمكن من المسح بالنداوة، و ظهور

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أحكام الخلوة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الوضوء- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب التيمم- الحديث- 2 و فيه «الدمق» بدل «الدفق».

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب التيمم- الحديث 1.

152

التخيير بين الثلج و ماء النهر في صحيح ابن مسلم في التمكن من الاغتسال به، سيما مع الأمر به فيه، كظهور أخبار الدهن و ما بعدها في الاجتزاء بذلك اختيارا، و معارضتها بما دل (1) على اعتبار الجريان فيما يغتسل به الجنب- قاصرة عن إثبات هذا الحكم من وجوه كثيرة، بل لعل الظاهر منها إرادة بيان أقل أفراد الغسل، و هو ما اشتمل على إجراء الماء باليد كالدهن، كما يشعر به عدة أمور اشتملت عليها، بل عن حاشية المجلسي نسبة تنزيلها على ذلك الى الأصحاب، و سيما مع ندرة تحقق الإمساس من دون إمكان إجراء ماء و لو بمعين، و قد تقدم لنا في باب الوضوء عند قول المصنف:

«و يجزى مسمى الغسل» ما له نفع تام في المقام، فلاحظ.

و أقصر منها التعليل و ما بعده، إذ هو مع أن قضيته التقديم على التيمم و لا يقول به الخصم لا دليل على وجوب الإمساس في نفسه، بل لو كان مقدمة للغسل فبعد انتفائه انتفى، و عدم سقوط الميسور بالمعسور و نحوه لا يجري في الاجزاء العقلية كالجنس و الفصل و نحوهما، كما هو واضح، و الاحتياط لا دليل على وجوبه حتى يعارض أصالة البراءة و استصحاب التكليف بالصلاة مع أنه قد يعارض بمثله لا يصلح لإثبات حكم لا دليل عليه، كعموم ما دل على عدم سقوط الصلاة بحال، مع أنه قد يكون طريقا لم يصل إلينا.

فالتحقيق الذي لا محيص عنه في المقام انه ان أمكن تحصيل مسمى الغسل بالثلج و نحوه و لو كالدهن وجب بل مقدم على التيمم، لأنه أحد أفراد الطهارة الاختيارية، و الا فلا وفاقا للسرائر و المعتبر و جامع المقاصد و غيرها، و من العجيب ما عساه يظهر من المقنعة بل في كشف اللثام أنه نصها، و محتمل المبسوط و الوسيلة كما عن النهاية من تقديم التيمم على الاغتسال بالثلج و إن حصل مسمى الغسل لظهور الأدلة، بل لعل

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الجنابة- الحديث 1.

153

المقطوع به منها خلافه، و ما يقال: إن ذلك لعله للحرج و المشقة يدفعه أن المتجه حينئذ سقوطه مع عدم التمكن من التراب لا وجوبه كما صرحوا به.

و ما أبعد بين هذا القول و القول بتقديم إمساس نداوة الثلج و إن لم يحصل مسمى الغسل به على التيمم بالتراب كما يظهر من الحدائق و حكاه عن كتابي الاخبار، و فيه- مع ظهور صحيحتي رفاعة و زرارة المتقدمتين سابقا حيث أمر بالتيمم في الغبار حال الثلج من غير استفصال عن التمكن من ذلك و عدمه- ما عرفته سابقا في أصل اعتباره فضلا عن تقدمه على التيمم.

[مراتب التيمم عندنا ثلاثة]

فتحصل من ذلك كله أن مراتب التيمم عندنا ثلاثة: أولها وجه الأرض، و ثانيها الغبار، و ثالثها الطين، و بناء على اعتبار الثلج تكون أربعة، بل خمسة بناء على تأخر الحجر عن التراب، بل ستة بناء على الترتيب أيضا بين غبار الثوب و الدابة أو بالعكس، لكن قد ظهر لك ضعف الجميع و أنها ثلاثة خاصة.

كما أنه قد ظهر لك طريق الاحتياط إلا أنه قال في المفاتيح: «إن الأحوط اعتبار التراب الخالص مع التمكن، أما مع فقده فيجوز بغبار الثوب و نحوه، ثم بالجص و النورة ثم بالطين، ثم بالحجر و الخزف» و فيه ما لا يخفى، بل لعله مخالف للإجماع بالنسبة إلى تأخر الحجر عن الطين، بل و كذا في تقديم الغبار على غيره من الحجر و نحوه مما ثبت أنه أرض، كما أنه يظهر لك بالتأمل فيما قدمنا ما في كشف الغطاء للأستاذ الأكبر (قدس الله روحه)، حيث جعل المراتب سبعة أو ستة موجبا لمراعاتها، الأول التراب، و الثاني الأرض غيره من الحجر و المدر و الحصى و الرمل و الجص و النورة، و الثالث غبار التراب، و الرابع غبار الأرض مما لا يعد ترابا كالجص و النورة و سحيق المشوي و نحوها، ثم قال: بل هو مرتبة ثانية من الغبار في وجه قوي، انتهى. و حينئذ تكون خمسة بناء عليه، و السادس الوحل، و السابع ما تركب من قسمين من الأقسام السابقة

154

أو أكثر، ثم أخذ في ذكر صور الأخير و الترجيح بينها، و هو كما ترى يتطرق اليه النظر من وجوه تعرف مما تقدم فتأمل، و الله أعلم.

[الطرف الثالث في كيفية التيمم]

الطرف الثالث في كيفية التيمم

[في عدم جواز التيمم قبل الوقت]

لكن لا بأس بذكر محله قبل ذلك، ف نقول لا يصح التيمم قبل دخول الوقت إجماعا محصلا و منقولا في ظاهر المعتبر أو صريحه و صريح التذكرة و المنتهى و القواعد و التحرير و الذكرى و التنقيح و جامع المقاصد و الروض و المدارك و المفاتيح و غيرها بل لعله متواتر، و هو الحجة في الخروج عن عموم المنزلة المقتضي لصحته قبل الوقت كالوضوء، و إلا فأكثر ما استدل به عليه غيره محل نظر، مع احتمال المناقشة في صحة المائية للفرض قبل الوقت أيضا، فلا حاجة حينئذ لتخصيص عموم المنزلة، إذ لا يكون ذلك من خواص التيمم، لكن ظاهر المعتبر و المنتهى أو صريحهما أن ذلك من خواصه، و به افترق عن المائية للدليل عليها دونه.

و فيه أنه من المعلوم كون المراد بعدم جوازه أي التيمم قبل الوقت انما هو إذا أريد به لذات الوقت كما صرح به في جامع المقاصد و غيره، و الا فلا إشكال في جوازه للغايات الأخر كصلاة نافلة و نحوها، و ليس من المائية ما يجوز فعلها قبل الوقت لذات الوقت، نعم يجوز فعلها قبله باعتبار استحباب الكون على طهارة في نفسه، و لا دليل على منع قيام التيمم مقامها في ذلك، بل عموم المنزلة يقتضيه كما صرح به في جامع المقاصد الا أنه قال على تأمل.

لا يقال: انه صرح جماعة باستحباب الوضوء للتأهب للفرض، و ليس هو إلا الوضوء للفرض قبل الوقت، لأنا نقول- مع أنه أنكره في كشف اللثام، و قال:

إنه لا معنى له الا الكون على طهارة، فيرجع الى السابق حينئذ-: إن التأهب للفرض غاية غير الفعل للفرض، فلا بأس في قيام التيمم مقامها في ذلك حينئذ لعموم المنزلة،

155

لكن الإنصاف أنه لا يخلو من نظر و تأمل بل منع، لظهور تناول معاقد الإجماعات له، بل كاد يكون صريح بعضهم.

فيكون الحاصل حينئذ أن المراد بعدم جوازه قبل الوقت عدم مشروعيته للتأهب كالمائية أو هو مع الكون على الطهارة في وجه، و إن كان الأقوى العدم فيه بخصوصه، لعموم المنزلة من غير معارض حتى الإجماعات، فحينئذ لو تيمم قبل الوقت لذات الوقت لم يكن مشروعا بالنسبة الى ذلك، لكن قد يقال بعدم فساد التيمم في نفسه بعد فرض استحبابه للكون على طهارة، إذ هو حينئذ كالوضوء لغاية لم يشرع لها، لأن ملاحظة الغاية أمر خارج عنه، اللهم إلا أن يقال بعدم حصول التقرب فيه، لأنه قصد ما لا يشرع له، و ترك ما شرع له، فتأمل جيدا فاني لم أعثر على تنقيح في كلام الأصحاب لذلك كله، كما أنه لم أعثر على تنقيح في كلامهم لتناول معقد الإجماع على عدم الصحة قبل الوقت ما لو علم عدم التمكن من التيمم أصلا أو الاختياري منه بعد الوقت أو ظنه، و ان كان قضية الإطلاق ذلك.

لكن استظهر العدم شيخنا الأكبر في شرح المفاتيح و حاشية المدارك، فأوجب التيمم قبل الوقت في مثل هذا الحال للمقدمة، و لا مانع من وجوبها قبل الوقت هنا، إذ هي كمقدمات الحج و نحوها حينئذ، و عموم المنزلة و شدة الاهتمام بأمر الصلاة و عد العبد عاصيا بمثله عرفا لظهور بقائه إلى وقت الواجب، هذا كله مع عدم معارض سوى إطلاق الإجماع، و شموله لمثله من الافراد النادرة محل منع، على أنه إجماع منقول، و لا يقوى على ما ذكرنا، سيما بعد إمكان المناقشة فيه بما نقل من القول بوجوب الطهارات لنفسها، و سوى مفهوم الآية (1) و قوله (عليه السلام) (2): «إذا دخل

____________

(1) سورة المائدة- الآية 8.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الوضوء- الحديث 1.

156

الوقت وجب الطهور و الصلاة»

و فيه ما مر أيضا.

و في الكل نظر إلا ظهور الاهتمام بأمر الصلاة من الأدلة، إلا أنه في إيجابه ذلك مع الظن أو عدم التمكن من خصوص الاختياري و إن تمكن من الغبار أو الوحل نظر أو تأمل، مع أنه قد يقال بعد التسليم لم لا يكون الواجب عليه حينئذ التيمم لغاية يشرع لها من نافلة أو الكون على طهارة بناء عليه أو نحو ذلك و إن كانت مستحبة بالأصل و يحفظ للفريضة، فلا ينافي حينئذ معاقد الإجماعات من عدم مشروعيته لذات الوقت قبل الوقت، و قد مر سابقا في إراقة الماء قبل الوقت لمن علم عدم التمكن منه بعده ما له نفع تام في المقام، فلاحظ و تأمل جيدا.

هذا كله فيما قبل الوقت

[في جواز التيمم مع سعة الوقت و عدمه]

و أما بعده ف يصح مع تضييقه إجماعا محصلا و منقولا أيضا في التحرير و التنقيح و جامع المقاصد و الروض و المدارك و كشف اللثام و غيرها و عن نهاية الاحكام و حواشي الشهيد، مع ما في الأخير أنه ترك نقل الإجماع فيه لشدة ظهوره، قلت: و هو كذلك لكن ينبغي التأمل في المراد من الضيق فهل هو عدم زيادة الوقت على مقدار الواجب من التيمم و الصلاة بل و أقله، أو عليه مع فعل بعض المندوبات المتعارفة كالقنوت و جلسة الاستراحة أو نحوهما، أو على ما عزم عليه من فعلهما من نهاية الطول و القصر و الوسط؟ لا يبعد جعل المدار على الصلاة المتعارفة على حسب اختلافها باختلاف الأشخاص بطء و سرعة، إذ هي التي ينصرف إليها الإطلاق كما في غير المقام من التحديدات.

و هل المعتبر في معرفة الضيق العلم أو هو مع الظن أو خوف الفوات و إن لم يصل الى درجة الظن؟ لا يبعد الأخير و ان علق في كثير من كلماتهم على الظن، ل

صحيح زرارة أو حسنه (1) «فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم»

مع ما في التكليف في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 1.

157

الأولين من التغرير بفوات الواجب، بل قد يتعذر أو يتعسر حصولهما لكثير من الأشخاص في كثير من الأوقات، و من الأمر به في الصحيح المذكور بضميمة اقتضائه الاجزاء يستفاد عدم وجوب الإعادة عليه لو انكشف بعد ذلك فساد ظنه حتى لو وجد الماء و كان في سعة كما صرح به بعضهم، بل لا أجد فيه خلافا الا ما يحكى عن الشيخ في كتابي الأخبار، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة (1) حد الاستفاضة الدالة على عدم الإعادة لمن وجد الماء بعد صلاته و كان في وقت مع اشتمالها على التعليل بأنه فعل أحد الطهورين، و باتحاد ربهما، لتناولها بإطلاقها من فعل الصلاة بظن التضيق ثم انكشف الخطاء، بل قد يتعين فيها ذلك بناء على اعتبار التضيق في التيمم.

فما عن كتابي الأخبار للشيخ من الحكم بالإعادة ضعيف، و لعله ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر منصور بن حازم (2) في رجل تيمم فصلى ثم أصاب الماء: «أما أنا فكنت فاعلا إني كنت أتوضأ و أعيد»

و هو- مع قصوره عن معارضة ما تقدم من وجوه، بل احتماله غير ما نحن فيه- واضح الدلالة على الاستحباب، بل لعله يكون قرينة حينئذ على إرادة ذلك من

قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر يعقوب بن يقطين (3) بعد أن سأله «عن رجل تيمم فصلى فأصاب بعد صلاته ماء أ يتوضأ و يعيد الصلاة أم تجوز صلاته؟ قال: إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ و أعاد، فان مضى الوقت فلا إعادة عليه»

مع أن قضية المفهوم فيه عدم الإعادة إن لم يجد الماء في الوقت كما هو بعض الدعوى، فتأمل جيدا.

و ثمرة جميع ما سمعت تظهر على القول باعتبار الضيق في التيمم كما تسمعه، و اليه أشار المصنف بقوله و هل يصح التيمم مع سعته أي الوقت فيه تردد منشأه اختلاف النصوص و الفتاوى، فالأكثر كما في المنتهى و البحار و كشف اللثام و غيرها،

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 8.

158

و المشهور كما في المختلف و المسالك و غيرهما على المنع مطلقا، بل في السرائر أنه مذهب جميع أصحابنا إلا من شذ ممن لا يعتد بقوله، لأنه عرف باسمه و نسبه، بل في الانتصار و الغنية و عن الناصريات و شرح جمل السيد للقاضي و أحكام الراوندي الإجماع عليه، بل ربما حكي ذلك عن الشيخ أيضا إلا أنه لم يثبت.

و هو الحجة سيما بعد اعتضاده بالشهرة و الاحتياط اللازم المراعاة هنا في وجه، و بأنه طهارة اضطرارية، و لا اضطرار قبل ضيق الوقت، و بأنه مكلف بصلاة ذات طهارة مائية في ضمن هذا الوقت، و لذا ينتظر الماء لو علم حصوله و لو في آخر الوقت، فلا يسقط إلا بالعجز، و لا يعلم الا عند الضيق، مضافا الى

صحيح ابن مسلم (1) قال:

«سمعته يقول: إذا لم تجد ماء و أردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت، فان فاتك الماء لم تفتك الأرض». و حسن زرارة أو صحيحه عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوت الوقت فليتيمم و ليصل في آخر الوقت»

و في رواية أخرى (3) «فليمسك» بدل «فليطلب» و لذا في المنتهى جعلها رواية ثانية. و خبره الآخر عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «إن خاف على نفسه من سبع أو غيره و خاف فوت الوقت فليتيمم يضرب يده على اللبد أو البرذعة»

الحديث. و موثق ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (5): «إذا تيمم الرجل فليكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 22- من أبواب التيمم- الحديث 3.

159

ذلك في آخر الوقت، فان فاته الماء فلن يفوته الأرض»

ك

موثقه الآخر (1) المروي عن قرب الاسناد عن الصادق (عليه السلام) أيضا «في رجل أجنب فلم يجد الماء يتيمم و يصلي، قال: لا حتى آخر الوقت انه إن فاته الماء لم تفته الأرض». و خبر محمد بن حمران عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة و قد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل الصلاة قال: يمضي في الصلاة، و اعلم أنه ليس ينبغي لأحد أن يتيمم إلا في آخر الوقت».

و نحوه المروي في البحار عن دعائم الإسلام (3) عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «لا ينبغي أن يتيمم من لم يجد الماء الا في آخر الوقت».

و أوضح منهما ما في فقه الرضا (عليه السلام) (4) «ليس للمتيمم أن يتيمم حتى يأتي إلى آخر الوقت أو إلى أن يتخوف خروج وقت الصلاة»

هذا. مضافا إلى ما تقدم آنفا مما دل على الإعادة لو وجد الماء في الوقت، و موافقة ما دل على السعة (5) للمحكي عن إطباق العامة، و القصور سندا أو دلالة لو كان في البعض منجبر بما عرفت.

و قيل بالجواز مطلقا و هو خيرة المنتهى و التحرير و البيان و مجمع البرهان و المفاتيح و الكفاية و منظومة الطباطبائي و محتمل الإرشاد و المحكي عن الصدوق و ظاهر الجعفي و البزنطي، و في المدارك و الرياض أنه لا يخلو من قوة، و عن حاشية الإرشاد أنه قوي متين، كما عن كشف الرموز أن النظر يؤيده، و عن المهذب البارع أنه قول مشهور

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(3) المستدرك- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(4) فقه الرضا (عليه السلام) ص 5.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم.

160

كالأول، للأصل في وجه قوي في خصوص ما نحن فيه من الشك في الشرطية، و إطلاق ما دل على وجوب الصلاة بدخول الوقت كتابا (1) و سنة (2) أو على استحباب فعلها في أول الوقت و الحث على المحافظة عليه المقتضي لتمكن المكلف من الامتثال، و ليس إلا بالتيمم و عموم المنزلة و أنه أحد الطهورين، و قوله تعالى (3) «فَلَمْ تَجِدُوا» بعد عطفه على جواب الشرط السابق

كالنبوي المروي عن الخصال (4) «فضلت بأربع، جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و أيما رجل من أمتي أراد الصلاة فلم يجد ماء و وجد الأرض فقد جعلت له مسجدا و طهورا»

الحديث. كالآخر

المروي (5) على لسان غير واحد من الأصحاب «أينما أدركتني الصلاة تيممت و صليت»

و ما يشعر به أيضا الأمر في الموثق (6) و خبر السكوني (7) بالتيمم عند خوف الزحام في يوم الجمعة أو عرفة كما سيأتي التعرض له. و خبر داود الرقي عن الصادق (عليه السلام) (8) «أكون في السفر و تحضر الصلاة و ليس معي ماء، و يقال: إن الماء قريب منا، أ فأطلب الماء و أنا في وقت يمينا و شمالا؟

قال: لا تطلب الماء و لكن تيمم، فإني أخاف»

الحديث. بل قد يشعر به ما دل (9)

____________

(1) سورة الإسراء- الآية 80.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الوضوء- الحديث 1.

(3) سورة المائدة- الآية 9.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(5) المستدرك- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 15- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(8) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(9) الوسائل- الباب- 1- من أبواب التيمم- الحديث 2.

161

على الغلوة و الغلوتين من حيث ظهور الاكتفاء بذلك في صحته من غير شرط آخر، فتأمل.

كغيره مما هو ظاهر في ذلك، و في عدم توقفه على غير عدم التمكن من استعمال الماء. و خبر أبي عبيدة (1) «سأل الصادق (عليه السلام) عن المرأة ترى الطهر في السفر و ليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة. قال: إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم و تصلي»

الى آخره. و كاشعار

الصحيح (2) «في إمام قوم أصابته جنابة و ليس معه ماء يكفيه للغسل أ يتوضأ بعضهم و يصلي بهم؟ قال: لا، و لكن يتيمم الجنب الامام و يصلي بهم، إن الله قد جعل التراب طهورا كما قد جعل الماء طهورا»

لغلبة وقوع الجماعة أول الوقت مع بعد أمر المأمومين بالتأخير إلى آخر الوقت لدرك فضيلة الجماعة مع خصوص هذا الامام مع وجود إمام متوضئ، مع أنه في كمال المرجوحية سيما على القول بتنويع الوقت بالاختياري و الاضطراري، و أبعد منه حمله على اتفاق التأخير للجميع.

و فحوى المعتبرة المستفيضة حد الاستفاضة (3) بل لعلها متواترة الدالة بأنواع الدلالة على عدم الإعادة لمن صلى ثم وجد الماء، و في كثير منها التصريح بوجدانه في الوقت، بل في بعضها ظهور التراخي بين الصلاة و وجدان الماء في الوقت، و في آخر التعليل بأنه أحد الطهورين و لا يكون ذلك إلا بمشروعيته في السعة و حملها على إرادة الصلاة في وقت لا الإصابة فيه بعيد بل ممتنع في كثير منها، كحملها على العلم أو الظن بالضيق ثم انكشف السعة سيما بعد اعتبار المضايقة الحقيقية أو ما يقرب منها كما يظهر من الغنية و السرائر خصوصا الثاني، حيث أنكر تصور فرض وجدان الماء في الوقت بناء على التضيق، و نسبه إلى

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الحيض- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم.

162

المخالفين، مضافا الى ترك الاستفصال فيها عن ذلك مع ظهورها في الفعل عمدا بدون الظن المذكور.

كل ذا مع بعد التكليف بذلك، لما فيه من العسر و المشقة في كثير من الأوقات لكثير من الناس خصوصا النساء و الأعوام، و خصوصا المرضى و نحوهم، و سيما بالنسبة للعشاءين بناء على تعميم المسألة لجميع أسباب التيمم، للإجماع في الروض على عدم الفرق في ذلك مع سهولة الملة و سماحتها، سيما و أصل مشروعية التيمم لذلك، و إرادة اليسر بالعباد و ما فيه من التغرير بترك الصلاة، بل العبث فيما لو علم عدم حصول الماء تمام الوقت، بل فيه فوات مصلحة أول الوقت من الاستحباب المؤكد و نافلة العصر بناء على عدم مشروعيتها إلا بعد صلاة الظهر، بل و الزوال بناء على أنها نافلة للفرض و لا تشرع الا بعد حصول الخطاب به، و لا خطاب، إذ هو يؤول إلى الوجوب المشروط على مذهب الخصم، لتوقفه على الطهور الذي لا يحصل و لا يصح إلا عند الضيق، و مع ذلك كله لو كان كذلك لشاع و ذاع لتوفر الدواعي إلى نقله و غلبة وقوعه، إلى غير ذلك من المبعدات الكثيرة التي لا يمكن أن تستقصى، و ستسمع بعضها في آخر البحث.

هذا مع ظهور مساواته لغيره من ذوي الأعذار كالمستحاضة و المسلوس و ذي الجبيرة، بل قد يشرف التأمل في هذه الأمور و ملاحظة فحاوي الأدلة الفقيه على القطع بفساد القول بالتضيق فيما لو علم عدم زوال العذر، على أنه لا شيء من أدلة الخصم ينهض عليه بخصوصه سوى الإجماع المدعى و حسن زرارة أو صحيحه على تقدير «فليمسك» كخبره الآخر الذي بعده و الرضوي، و إلا فغيرها من أدلته ظاهرة في التأخير لرجاء الماء كما يومي اليه ما فيها

«فان فاتك الماء لم تفتك الأرض»

و نحوه، و احتمال خصوصية التعليل و عمومية المعلل بعيد.

و الرضوي- مع أنه ليس بحجة عندنا سيما بعد إعراض الصدوق الذي هو الأصل

163

في شبهة حجيته لما نقل عنه من القول بالتوسعة هنا- محتمل لكراهة التعجيل مع الرجاء، كما عساه يشعر به ما في ذيل عبارته، و ما في خبر محمد بن حمران و دعائم الإسلام للتعبير بلفظ «لا ينبغي» سيما الأول.

و صحيح زرارة- مع ما فيه من الاضطراب و الاشعار بالرجاء على تقدير «فليطلب» و قصوره عن معارضة غيره من وجوه- محتمل الاستحباب، أو لإرادة الإمساك عند الرجاء خصوصا مع ملاحظة ما في الرواية الثانية و غيرها، على أن الغالب حصول الرجاء خصوصا في المسافرين كما يومي اليه إطلاق الأمر بالتأخير في باقي الأخبار معللا بما يشعر بالرجاء، بل لعل فيه شهادة على انصراف الإطلاق بدون التعليل إليه، فتأمل جيدا فإنه دقيق.

و منه يعرف الجواب عن خبره الآخر، على أن المفهوم فيه نفي الوجوب لا المشروعية فيه.

و أما الإجماع فهو- مع ضعف الظن فيه نفسه، خصوصا في مثل هذه الإجماعات التي لا يعلم إرادة أصحابها بها و لا طريقهم إليها، إذ لا زالوا ينقلونها فيما هو مظنة العكس، خصوصا الغنية و نحوها، مع عدم ظهور إرادة مدعيه خصوص ما نحن فيه، بل لعل بعض عبارات الانتصار تشعر بإرادة الرجاء، و مع وهنه بالمحكي عن الصدوق و الجعفي و البزنطي من القول بالسعة مطلقا، بل و ابني الجنيد و أبي عقيل في خصوص الفرض المعتضد باعراض المتأخرين أو أكثرهم عنه فيه، إذ من المستبعد جدا خفاء الإجماع على مثل أولئك الأساطين مع قرب العصر و اطلاع خصوص حاكيه، على أن تحصيله لهم غالبا في ذلك الزمان انما هو بملاحظة الروايات و مذاهب الرواة لها، و قد عرفت ظهور أكثر الأخبار بالتوسعة، و ان الشيخ على كثرة نقله الإجماع لم ينقله هنا كما اعترف به في الذكرى- لا يقاوم بعض ما سمعته فضلا عن الجميع.

164

و من ذلك كله ذهب جماعة إلى التفصيل بين الرجاء و عدمه، فيؤخر مع الأول دون الثاني، و هو المحكي عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل، و اختاره جماعة من المتأخرين، بل في جامع المقاصد عليه أكثرهم، و في الروضة أنه الأشهر بينهم، جمعا بين أدلة الطرفين سيما بعد ظهور أخبار التضيق في صورة الرجاء كما عرفت، و بعد ما سمعت من البعد فيه مع عدم الرجاء، كالبعد في التوسعة مع الرجاء، سيما لو كان ظنا، بل لعل السيرة على خلافه، إذ هو مكلف بالمائية، و لذا وجب عليه الطلب و غيره، و لا ينتقل عنها إلا بالعجز، و ليس إلا بالضيق، بل لعله المنساق إلى الذهن مما كان كذلك من التكاليف، بل يعد العبد عاصيا عرفا لو فعل قبل ذلك.

و منه ينقدح جريان ذلك فيه على القاعدة، فيجري حينئذ في غير محل البحث من ذوي الاعذار، و منه الانتقال إلى مراتب التيمم، فلا يتيمم بالغبار إلا أن يضيق الوقت أو ييأس منه، و كذا الوحل، مضافا الى إمكان المناقشة في جميع ما دل على التوسعة بالنسبة إلى صورة الرجاء بما لا يخفى، و الى ما في إطلاق التوسعة من التهجم على طرح تلك الأدلة من الإجماعات و غيرها بلا معارض يقاومها في ذلك، فضلا عن أن يقوى عليها، مع ندرة القائل بها، و إلى ما في القول بالتفصيل من الجمع أيضا بين ما دل على الإعادة مع وجدان الماء في الوقت و على عدمها كذلك، الى غير ذلك مما يطول التعرض لذكره مما لا يخفى على ذي مسكة و من أحاط بما تقدم.

و هو قوي متين إلا أن سابقه أقوى منه في النظر، إذ لو سلم اقتضاء القاعدة الانتظار في مثله مع إمكان المنع بظهور التكليف في الصلاة في كل جزء جزء من الزمان، فيتبع حال المكلف حينئذ فيه حتى لو علم زوال العذر في ثاني الأوقات إلا أن الإجماع و غيره أخرجه عن بعض الاقسام، و يجب الخروج عنها هنا بما سمعته من الأدلة، كعموم المنزلة و ظاهر الآية و أخبار عدم الإعادة و غيرها مما يبعد تنزيلها على ذلك، سيما الأخيرة التي هي العمدة في أدلة التوسعة، لما فيها من ترك الاستفصال، مع قيام

165

الاحتمال بل ظهوره لغلبة الرجاء كما سمعته سابقا، و سيما بعد ما عرفت من ضعف أدلة التضيق من الإجماعات بما سمعت، و الاخبار بظهور بعضها بالندب، و هو قرينة على غيره خصوصا بعد كثرة استعمال «افعل» في الندب، حتى قيل انه مساو للحقيقة أو أرجح منها، فلا يأس بحملها على الندب حينئذ، و لا ينافيه ما تقدم من الاستدلال بما دل على الوجوب بالزوال، للحمل حينئذ على أفضل أفراد الواجب، نعم قد ينافيه الاستدلال بما دل على استحباب الصلاة في أول الوقت مع إمكان الاعتذار عنه باختلاف الجهتين، و بأنه يكفي الاستدلال بها بالنسبة الى بعض أفراد الدعوى، لأن الأقوى اختصاص الندب في التأخير بصورة الرجاء خاصة كما في البيان، و إن أطلق الاستحباب في المنتهى و جامع المقاصد و غيرهما، تحكيما لما دل على استحباب الصلاة في أول الوقت، لضعفها عن المقاومة بعد إشعارها بالتأخير للرجاء، فتأمل جيدا.

لكن و مع ذلك كله ف الأحوط المنع من التيمم مع الرجاء، و أحوط منه المنع مطلقا حتى يتضيق و إن كان الأقوى ما عرفت، لكن ينبغي أن يعلم أنه قد صرح جماعة كما عساه يظهر من آخرين، و حكاه جماعة عن المبسوط مع قوله بالمضايقة أن محل الخلاف في المسألة في غير المتيمم، أما من كان متيمما لصلاة قد ضاق وقتها أو لنافلة أو لفائتة ثم حضر وقت صلاة أخرى أو كان حاضرا جاز له الصلاة من غير اعتبار الضيق، لظهور ما دل على اعتباره في غير المتيمم، و لما دل على الاكتفاء بتيمم واحد لصلوات متعددة، و لوجود المقتضي من التطهر و سببية الوقت للوجوب و ارتفاع المانع، و عليه ترتفع ثمرة النزاع كما صرح به بعضهم، إذ له حينئذ التيمم في وقت السعة لغاية غير الحاضرة، ثم يصليها به قبل الضيق، و لو أراد المحافظة على تيمم واجب يدخل به في الفرض نذر نافلة و تيمم لها ثم دخل به، بل هو أكبر شاهد على ضعف القول بالضيق بل فساده، لاستبعاد كون الممنوع منه التيمم بنية الحاضرة خاصة دون غيره.

و لعله لذا استوجه بعض المتأخرين منهم الشهيد في البيان كالمحكي عن مصباح السيد

166

عدم جواز الصلاة بهذا التيمم في السعة، لأن الأخبار السابقة و إن كان ظاهرها غير المتيمم الا أنها قد اشتملت على التعليل برجاء الماء، و هو متحقق في الفرض، و ما دل على الاكتفاء بتيمم واحد لصلوات متعددة لا يلزم منه ذلك، بل أقصاه صحة وقوع هذه الصلاة به لو ضاق الوقت، إذ لا نوجب تجديد تيمم آخر لها، بل لا نعرفه قولا لأحد من أصحابنا و إن حكي عن الإيضاح أنه ذكره وجها أو قولا، لكنه في غاية الضعف عندنا، نعم هو محكي عن بعض العامة حيث أوجب لكل صلاة تيمما، فلعل تلك العمومات في مقابلته، كما أنه يحتمل ما في المبسوط ذلك أيضا، و من ذلك يعرف ما في الأخير من دعوى انتفاء المانع لما عرفت من أنه رجاء الماء.

لكن قد يشكل ذلك كله بأنه لا يتم بناء على إطلاق التضييق حتى مع عدم الرجاء، اللهم الا أن يدعى أنه كما إن ضيق الوقت شرط لصحة التيمم للحاضرة لو لم يكن كذلك هو شرط لفعل الصلاة بمطلق التيمم، إلا أنه محتاج الى دليل غير أخبار التضييق السابقة، لأنها لا تقتضيه، و ليس إن لم يكن على خلافه، كما أنها لا تقتضي وجوب تأخير التيمم إلا بالنسبة للموقت، أي الذي ضرب الشارع له وقتا خاصا محددا، بل الفرائض خاصة، فمن أراد قضاء فائتة و لو قلنا بالتوسعة في القضاء أو نافلة راتبة مع سعة وقتها أو مبتدأة في الأوقات المكروهة أو غيرها أو نحو ذلك جاز له التيمم و الفعل، للقاعدة إن قلنا باقتضائها ذلك أو عموم المنزلة و نحوه، خلافا للمصنف في المعتبر، فمنع منه للنافلة في خصوص الوقت المكروه، و لا نعرف له وجها.

نعم يشترط تحقق الخطاب الشرعي بما أريد التيمم له من الأفعال المندوبة لا قبله من غير فرق في ذلك بين صلاة الخسوف و الجنازة و النافلة و غيرها، فتأمل جيدا.

و كذا لا تقتضي تلك الأدلة وجوب التأخير في غير فقد الماء من أسباب التيمم

167

كالمرض و نحوه، فقضية القاعدة أو العموم الجواز فيه مع السعة حتى على القول بالتضيق، لكن قد عرفت أن الشهيد في روض الجنان حكى الإجماع على عدم الفرق بينها، و يشهد له التتبع لكلمات الأصحاب، و الله و رسوله أعلم.

[في اعتبار النية في التيمم]

و و إذ قد ظهر لك الحال في محل التيمم شرع في بيان كيفيته ف الواجب في التيمم النية كغيره من العبادات إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا حد الاستفاضة إن لم يكن متواترا منا و من جميع علماء الإسلام إلا من شذ، و كتابا (1) و سنة (2) مع توقف صدق الامتثال و الطاعة عليها، و قد تقدم البحث في المراد منها، و في تفصيل دليل وجوبها و فيما يعتبر فيها من نية الوجه و الرفع أو الاستباحة في باب الوضوء مفصلا.

و كذا البحث في وجوب استدامة حكمها و المراد من ذلك فلاحظ و تأمل، لمساواة التيمم غيره في هذه الأمور كلها عدا نية الرفع، فإنه قد صرح جماعة من الأصحاب هنا بنية الاستباحة فيه لا الرفع، لأنه غير رافع للحدث عند كافة الفقهاء إلا داود و بعض أصحاب مالك كما في الخلاف، و عند علمائنا أجمع و مالك و الشافعي و أكثر أهل العلم كما في المنتهى و مذهب العلماء كافة، و قيل يرفع، و اختلف في نسبة هذا القول لأبي حنيفة أو مالك كما في المعتبر، بل فيه عن ابن عبد البر من أصحاب الحديث منهم إجماع العلماء عليه من غير استثناء، إلى غير ذلك من الإجماعات المحكية في كلام الأصحاب، قلت: و هو كذلك، إذ معنى رفعه الحدث إزالته و إبطاله رأسا حتى لا يجب بعد ذلك طهارة مزيلة له إلا بحدث جديد، مع أن المتيمم إذا وجد الماء انتقض تيممه و وجب عليه الطهارة بالماء لعين ذلك الحدث، و إلا فوجدان الماء أو رفع المرض ليس بحدث إجماعا حتى يكون بسببه غير الجنب جنبا مثلا، ضرورة

____________

(1) سورة البينة- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات.

168

عدم استواء المتيممين في موجبه، فالمحدث لا يغتسل، و المجنب لا يتوضأ، و استباحة الصلاة و غيرها به ما دام مضطرا و لم يتعقبه حدث آخر ليس رفعا لطبيعة الحدث في المعنى.

نعم هو رفع لمنعه في الجملة و إلا فالمانع لم يرتفع، و يكفي في تحققه و وجوده بقاء المنع فيه و لو في حال الاختيار و التمكن، كما يومي إليه إطلاق لفظ الجنب على المتيمم، ك

قول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) لابن العاص بعد أن صلى بأصحابه متيمما:

«صليت بأصحابك و أنت جنب»

و في خبر ابن بكير (2) قلت للصادق (عليه السلام):

«رجل أم قوما و هو جنب و قد تيمم و هم على طهور»

بل لعل مقابلته بالطهور كالصريح في ذلك، إلى غير ذلك، كما أنه يومي إلى بقاء الحدث في المتيمم أمارات كثيرة من كراهة الائتمام به و غيرها.

و تنزيل التراب منزلة الماء و كونه أحد الطهورين لا ينافي بقاء الحدث بالمعنى المتقدم، فما في قواعد الشهيد الأول و شرح الألفية للثاني و استحسنه بعض من تأخر عنهما- من جواز نية الرفع فيه، إذ ليس المراد به إلا الحالة المانعة عن الصلاة، فمتى أبيحت ارتفع المانع و إن كان إلى غاية مخصوصة هي التمكن من الماء و نحوه كحصول الحدث في الطهارة المائية، فلا ينافي الرفع قبله، و كذا الكلام في دائم الحدث، على أن النية فيه انما تؤثر بالسابق دون المقارن و اللاحق، إذ هو عفو- مآله بعد التأمل إلى نزاع لفظي أو إلى ما يعلم فساده مما تقدم، خصوصا عدم فرقه بين غايتي التمكن هنا و الحدث في المائية، بل لا وجه لكون الثاني غاية، إذ ليس بحصوله يعود ما ارتفع أولا و ان حصل بسببه ما يساويه، بخلافه في التمكن فإنه أثر الحدث الأول كما هو

____________

(1) كنز العمال ج 5 ص- 143- الرقم- 2943.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

169

واضح، و قد مر لنا سابقا في أول غسل الجنابة و غيره ماله نفع تام في المقام.

و ربما حكي عن المرتضى (رحمه الله) أيضا أن التيمم رافع للحدث، و لعله لما سيأتي له من أن المجنب إذا تيمم ثم أحدث بالأصغر و وجد بعد ذلك ماء يكفيه للوضوء توضأ و بقي على تيممه عن الجنابة، و ليس فيها دلالة على ذلك كما ستعرفه عند تعرض المصنف لذلك ان شاء الله.

و كيف كان فان نوى في تيممه رفع الحدث فالمتجه على المختار من عدم اعتبار ذلك فيه و في أمثاله الصحة سواء نوى رفع المنع ما دام مضطرا أو رفعه كالطهارة المائية جهلا أو نسيانا أو غير ذلك لصدق الامتثال و إن لغي بنية لأمر خارج عن حقيقة التيمم في الثاني، و كذا لا فرق بين جعله الرفع متعلق القصد بدون علية كما لو نوى رفع الحدث بالتيمم مثلا لمشروط به و بين جعله علة للتيمم، كأن قال: أتيمم لرفع الحدث، نعم لو جعل ذلك مشخصا للمنوي كأن يكون في قوة نيته تيمما رافعا للحدث على حسب المائية اتجه الفساد حينئذ، لأنه قصد امتثال أمر لا وجود له، كما أنه يتجه الفساد مطلقا فيما لم يكن المنوي الرفع ما دام مضطرا بناء على اعتبار الاستباحة فيه، لعدم نيتها، و احتمال استلزام ذلك نيتها و إن لغي في الزائد فيصح ضعيف، لكون هذه الزيادة هي المائزة بين الرفع و الاستباحة، و منه يظهر حينئذ قوة الفساد أيضا عليه لو نوى به الاستباحة على حسب الماء، إذ هي معنى الرفع كذلك، نعم لو نوى مطلق الاستباحة أو الاستباحة ما دام مضطرا اتجه الصحة، و كذا لو كان المنوي الرفع ما دام مضطرا، إذ هو كالاستباحة.

و لعله الذي أراده في الذكرى بقوله: فإذا نوى رفع الحدث فقد نوى ما لا يمكن حصوله، نعم لو نوى رفع المانع من الصلاة صح و كان في معنى الاستباحة لا أنه يريد بالمانع الحدث، سيما بعد ملاحظة أول كلامه، فتعجب المحقق الثاني منه لا يخلو من تأمل.

170

و هل مطلق الرفع كمطلق الاستباحة فيصح أو كالاستباحة المطلقة التي هي بمعنى الرفع المطلق فيفسد كما يومي اليه ما في أول عبارة الذكرى السابقة؟ وجهان، أقواهما الثاني لانصراف الرفع اليه، و لعله لذا أطلق البطلان بنية الرفع في المبسوط و المعتبر و القواعد و جامع المقاصد، بل قضية ما عدا الأخير ذلك حتى لو ضم معه الاستباحة، لكن المتجه فيه حينئذ الصحة كما صرح به في الذكرى و جامع المقاصد و عن غيرهما، و إن لغي لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، نعم لو خرجت الاستباحة بضم الرفع عن المعنى المعتبر في الصحة اتجه الفساد لفقد الشرط حينئذ لا لضم الرفع، فتأمل.

و الأقوى عدم اعتبار نية البدلية عن الغسل أو الوضوء مع اتحاد ما في الذمة منه، وفاقا لكشف اللثام و المدارك و غيرهما، و إن قلنا باختلاف كيفيتهما، للأصل و صدق الامتثال و خروج وصف البدلية عن حقيقة التيمم، بل هو أمر واقع لا مدخلية لنية المكلف في تحققه، فمن تيمم بزعم التكليف الابتدائي لجهل البدلية كصبي بلغ و فرضه التيمم مثلا صح، و كذا يصح مع الاتحاد في الكيفية لو تيمم عن حدث لا يعلم أكبر أو أصغر حتى ينوي البدلية عن موجبه.

نعم قد يقال بناء على اختلاف الكيفية بوجوب التعرض للعدد في النية و لو بنية البدلية، لإفادتها له حتى إن كان عليه بدل الوضوء و نوى ضربة واحدة و سها فنواه بدلا من الغسل صح و بالعكس. فهو ليس اعتبارا للبدلية في نفسها، مع احتمال عدم وجوب هذا التعرض أيضا، بل لعله الأقوى، إذ الواجب عليه التيمم متقربا إلى الله تعالى من دون حاجة إلى نية تفصيل ما يفعله كالقصرية و التمامية، لأن اتحاد ما في ذمته كما هو الفرض كاف في تشخصه، بل لا يبعد الاكتفاء بما لو نوى التيمم و كان في ذهنه أنه محدث بالأصغر ثم ذكر أنه مجنب بعد أن ضرب ضربة فضرب أخرى، لحصول المقتضي من نية التقرب بما طلب منه من التيمم و إن توهم فيما قارنه من اعتقاد أن المراد

171

منه ذو الضربة الواحدة، فهو حينئذ كمن نوى الظهر و كان في خياله أن تكليفه القصر ثم ذكر فأتمها، بل قد يظهر من المدارك الصحة فيما لو تيمم بقصد أنه من الحدث الأصغر ثم ذكر الجنابة بعد أن ضرب فضرب مرة أخرى و أتم، و هو لا يخلو من وجه و إن كان قد يشكل بأنه و إن لم يعتبر فيه البدلية لكن يعتبر عدم نية الخلاف، لعدم صدق الامتثال حينئذ، إذ قصد ما لم يقع، و ما وقع لم يقصد، فهو كمن اغتسل بنية حدث الجنابة و كان محدثا بالمس، فتأمل.

هذا كله مع اتحاد ما في ذمته، أما مع تعدده كما لو كان عليه تيممان فالظاهر عدم اعتبار البدلية أيضا سواء قلنا باختلاف الكيفية أو اتحادها لما مر، نعم لا بد من تشخيص ما يوقعه بنية البدلية أو غيرها، لتوقف صدق الامتثال عليه حينئذ، و كذا التعرض للعدد على تقدير الاختلاف.

و ربما ظهر من كشف اللثام عدم وجوب هذا التشخيص أيضا على القول باتحاد الكيفية، و لعله للأصل، و لأنه كالأمر بالفعل مرتين أو ثلاث، و فيه أن الظاهر مما نحن فيه كغيره مما تعدد فيه الأسباب كالغسل و نحوه تعدد الأمر لا متعلقة فقط، كما هو واضح، فتأمل.

و من ذلك كله ظهر لك ما في إطلاق الوسيلة و الجامع و اللمعة و جامع المقاصد و ظاهر الروضة و عن الخلاف و غيره من كثير من كتب الأصحاب اعتبار نية البدلية في التيمم، و ما في الذكرى و ظاهر المعتبر و المنتهى من اعتبارها على تقدير الاختلاف بين الكيفيتين، و ما في الروض و الرياض على تقدير تعدد ما في الذمة، لما عرفت من عدم اعتبارها مطلقا في نفسها و إن اتفق اعتبارها للتشخيص كغيرها مما يحصل به، اللهم إلا أن يريدوا باعتبارها ذلك، و لعله لا تأباه عبارات بعضهم دون الباقي، فلاحظ و تأمل، لكن ينبغي أن يعلم أنه قد صرح في جامع المقاصد بسقوط اعتبار نية البدلية في مثل التيمم

172

للجنازة و النوم، لمشروعيتهما مع وجود الماء، فلا يعقل فيهما معنى البدلية، و في التيمم لخروج الجنب و الحائض من المسجدين، لعدم شرعية الماء لو تمكن منه، و فيه أنه يمكن اعتبار ذلك في الأولين بجعله بدلا اختياريا، و في الأخير بالنسبة إلى ما يقتضيه ذات الحدث في نفسه.

و منه ينقدح الوجه حينئذ في اعتبار الضربة و الضربتين بالنظر للأصغر و الأكبر، إذ ليس مناطهما البدلية بالمعنى السابق، فتأمل.

و يعتبر مقارنة النية لأول جزء من التيمم كغيره مما اعتبرت فيه، فلا يجزئ تقدمها على الضرب حينئذ قطعا، كما أنه لا يجزئ تأخرها عنه إلى المسح كما صرح به جماعة منهم الفاضل و الشهيدان و المحقق الثاني و غيرهم، لأنه أول أفعاله كما هو ظاهر الفتاوى و النصوص (1) الواردة بعد السؤال عن كيفيته و غيرها أو صريحها مع غاية استفاضتها إن لم تكن متواترة، خلافا للمحكي عن الأول في نهايته، فجوز تأخيرها إلى مسح الجبهة كما عن الفخرية، و للجامع فأوجب المقارنة لها، و للمفاتيح فجعلها أول الاجزاء، و لعل ذلك كله تنزيلا للضرب منزلة الاغتراف من الإناء، و عليه لا بأس بالحدث بعده قبل المسح، كما صرح هو بالتزامه في الكتاب المذكور على ما حكي عنه، فلا وجه للرد عليه بذلك كما في الذكرى.

و ربما يؤيده ما تقدم سابقا من عدم كون التراب المضروب مستعملا عندهم حتى حكي الإجماع عليه سيما بعد تعليله من غير واحد من الأصحاب هناك بأن الضرب كالاغتراف من الماء، كما أنه قد يشهد له ظاهر الآية (2) و خبر زرارة (3) عن أحدهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

(2) سورة المائدة- الآية 9.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 5.

173

(عليهما السلام) «من خاف على نفسه من سبع أو غيره و خاف فوات الوقت فليتيمم، يضرب يده على اللبد أو البرذعة و يتيمم و يصلي»

حيث أطلقه على ما بعد الضرب، و فيه- مع أنه قد يشعر التعليل بعدم وجوبه كما في المشبه به، فيكفي تلقيه الريح بجبهته حينئذ، و هو مجمع على بطلانه حتى منه في خصوص الكتاب المذكور، و إن قرب الاجتزاء بأخذ التراب من الريح و المسح به فيه، لكنه ليس خلافا في الأخذ بالكف و المسح به، و ان المتجه بناء على ما ذكره مقارنة النية حينئذ لمسح الجبهة كما في الجامع لأنها ا لأول عنده، لا التخيير بينه و بين الضرب، و القياس على غسل اليدين و نحوهما لا يخلو من تأمل، لاحتمال الفرق بالدليل، أو بالتزام كونها أجزاء مندوبة- أنه مخالف لما عرفت من غير ضرورة، إذ الآية مع كون الاخبار كاشفة للمراد بها محتملة للكناية عن الضرب بقوله تعالى (1) «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً» و خبره مع قصوره في نفسه و عن معارضة غيره من وجوه محتمل لإرادة إتمام التيمم، بل لعل قوله (عليه السلام) فيه:

«يضرب» عقيب قوله (عليه السلام): «فليتيمم» ظاهر في خلافه، و قرينة على ما قلنا، بل هو أرجح من احتمال العكس من وجوه.

و لو نوى بعد الضرب قبل الرفع لم يجز بناء على اعتبار الضرب في التيمم، بل و على تقدير الاكتفاء بالوضع أيضا في وجه، للفرق بين الابتداء و الاستمرار، هذا كله بناء على أن النية هي الاخطار، و إلا فيسقط هذا البحث من أصله بناء على أنها الداعي كما اعترف به في الحدائق و كذا الرياض، لكن فيه مناقشة ذكرناها في باب الوضوء.

[في وجوب الترتيب في التيمم]

و من الواجب في التيمم الترتيب بأن يضع يديه على الأرض ثم يمسح الجبهة بهما من قصاص الشعر إلى طرف أنفه ثم يمسح ظاهر كل من الكفين بالأخرى مقدما اليمنى على اليسرى بلا خلاف صريح أجده في شيء من هذا الترتيب

____________

(1) سورة المائدة- الآية 9.

174

و إن حكى في كشف اللثام خلو كتب بعض الأصحاب عنه مطلقا كالمصباح و مختصره و الجمل و العقود و الهداية، و كالفقيه في بدل الوضوء، و بعضها عنه بين الكفين كالمقنع و جمل العلم و العمل و السرائر و المراسم مثل المصنف هنا، إذ ليس ذلك صريحا في الخلاف، مع أن التأمل في عبارة الأولين عدا مختصر المصباح فإنه لم يحضرني يظهر معه إرادة الترتيب فيما عدا الكفين و إن وقع العطف بها في الواو، بل و فيهما أيضا في عبارة ما عدا الهداية، كما أن ظاهر السرائر أو صريحها الترتيب في نفس الكفين أيضا كجمل العلم إن أراد بها التي للمرتضى (رحمه الله) و إن عطف فيهما اليسرى بالواو، و لم يحضرني المراسم و المقنع، و لعله لذا نسب غير واحد الترتيب المذكور إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه كما صرح به في المفاتيح و عن إرشاد الجعفرية، بل في التذكرة إلى علماء أهل البيت، و المنتهى إلى علمائنا أجمع، و في الخلاف و الغنية إحالة دليل وجوبه على الوضوء، و منه هناك فيهما، بل عمدته الإجماع، و قد يشعر ذلك منهما بعدم القول بالفصل بين الوضوء و التيمم كما عن المرتضى التصريح به، حيث قال: «كل من أوجب الترتيب في الوضوء أوجبه فيه، فمن فرق بينهما خرق الإجماع» انتهى.

فيكتفى حينئذ بما دل عليه هناك من الإجماع و غيره، و في جامع المقاصد الإجماع عليه بالنسبة إلى تقديم اليمنى على اليسرى.

قلت: و مع ذلك كله فالتيمم البياني في صحيح الخزاز عن الصادق (عليه السلام) (1) و مضمر الكاهلي في الحسن (2) و صحيح زرارة (3) عن الباقر (عليه السلام) المروي في مستطرفات السرائر صريح في ترتيب مسح الكفين على مسح الجبهة. و لا ينافيه عطفهما عليها في غير هذه الاخبار بالواو، سيما على القول بأنها للترتيب، بل تكون الآية حينئذ دليلا على ذلك أيضا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 9.

175

مع إمكان الاستغناء عنه بالنسبة إليها بما دل (1) على الأمر بالبدأة بما بدأ الله به، لكنها على كل حال كأكثر الاخبار لا دلالة فيها على الترتيب بين اليدين، بل لعل إطلاقها يقضي بعدمه، إلا أنه فيما سمعته من الإجماعات بسيطها و مركبها غنية عن ذلك، سيما بعد اعتضادها بظاهر

الصحيح المروي (2) في مستطرفات السرائر عن الباقر (عليه السلام) حكاية عن النبي (صلى الله عليه و آله)، قال فيه بعد ذكر قصة عمار:

«فضرب بيديه على الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح جبينه، ثم مسح بكفيه كل واحدة على ظهر الأخرى، مسح اليسرى على اليمنى، و اليمنى على اليسرى»

و لا ينافي تبادر الترتيب من مثله كون الواو لمطلق الجمع في حد ذاتها. و بالرضوي (3) «صفة التيمم أن تضرب بيديك على الأرض ضربة، ثم تمسح بهما وجهك موضع السجود من مقام الشعر إلى طرف الأنف، ثم تضرب بهما أخرى فتمسح بهما إلى حد الزند، و روي من أصول الأصابع تمسح باليسرى اليمنى، و باليمنى اليسرى على هذه، و روي إذا أردت التيمم اضرب كفيك على الأرض ضربة واحدة ثم تضع احدى يديك على الأخرى، ثم تمسح بأطراف أصابعك وجهك من فوق حاجبيك، و بقي ما بقي، ثم تضع أصابعك اليسرى على أصابعك اليمنى من أصل الأصابع من فوق الكف، ثم تمرها على مقدمها على ظهر الكف، ثم تضع أصابعك اليمنى على أصابعك اليسرى، فتصنع بيدك اليمنى ما صنعت بيدك اليسرى على اليمنى مرة واحدة»

إلى آخره. و هو و إن لم نقل بحجيته في نفسه، لكنه لا بأس بذكره مؤيدا، كما أنه لا بأس في العمل بما أرسله بعد الانجبار، و لعله لا ينافيه اشتماله على ما لا نقول به، إذ هو كالعمل ببعض الخبر و ترك الآخر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الوضوء- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 9.

(3) المستدرك- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 1.

176

و منه ينقدح الاستدلال حينئذ على ما نحن فيه ب

صحيح ابن مسلم (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن التيمم فضرب بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع، واحدة على ظهرها، و واحدة على بطنها، ثم ضرب بيمينه الأرض، ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه»

إلى آخره.

فظهر لك حينئذ من ذلك كله أنه لو أخل بالترتيب وجب عليه الإعادة على ما يحصل به ما لم يخل بالموالاة، فيجب استدراكه من أصله بناء على وجوبها فيه كما ذكره جماعة، بل في المنتهى نسبته إلى علمائنا، و الذكرى و الحدائق إلى الأصحاب، و المدارك إلى قطعهم مؤذنين بدعوى الإجماع عليه كظاهر الغنية أو صريحها و إشعار الخلاف، بل في جامع المقاصد و المرجع فيها الإجماع، و الروض الاولى الاستناد إلى الإجماع، و مجمع البرهان يفهم كونها واجبة بالإجماع عند علمائنا، انتهى.

و أنها شرط فيه كما هو ظاهر معاقد هذه الإجماعات عدا الأخير، فإنه قد يظهر منه التوقف في ذلك، و احتمله غيره على أن يراد بها حينئذ الوجوب التعبدي، و لعله لاحتمال ذلك في موالاة الوضوء أيضا.

لكنه ضعيف جدا، و قد مر ما يكفي في رده في المقيس عليه، كضعف ما يحكى عن نهاية الاحكام من احتمال عدم وجوبها أصلا فيما كان بدلا من الغسل، و إن نقل عن الدروس الجزم به أيضا، و لعله لعدم وجوبها في المبدل عنه باعتبار تنزيل التراب منزلة الماء.

و فيه مع مخالفته لما عرفت من الإجماع صريحه و ظاهره أن إطلاق المنزلة لا يتناول مثله، و ان كان قد يشهد له في الجملة تمرغ عمار، و هو من أهل اللسان، إلا أنه يدفعه

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 5.

177

عدم مساواتها للكيفية في الانصراف، على أنه قد رد ذلك على عمار، فعلم أن المراد بالمنزلة البدلية في الإباحة لا الكيفية.

فظهر حينئذ أن الاستدلال على الموالاة بالمنزلة لوجوبها في الوضوء في غير محله، كالاستدلال عليها أيضا بالفاء في قوله تعالى (1) «فَتَيَمَّمُوا» الدالة على تعقيب التيمم الشرعي لإرادة القيام إلى الصلاة من غير مهلة، و حيث لا يوالي فيه لم يحصل التعقيب لا لان التيمم في الآية بمعنى القصد كما في المدارك، بل للقطع بكون المراد منها عدم الدخول في الصلاة بدون الطهارة، على أنه قد يستمر زمن الإرادة بحيث لا ينافي الموالاة، مع احتمال المناقشة في استفادة التعقيب بالمعنى المراد هنا من مثل هذه الفاء.

نعم قد يمكن الاستدلال عليها بالفاء في قوله تعالى «فَامْسَحُوا» متمما بعدم القول بالفصل بين معاقبة مسح الجبهة للضرب و بين غيره، و بالموالاة في التيمم البياني، و احتمال المناقشة فيه كما في الوضوء- مع إمكان منع جريانها هنا باعتبار كونه بيانا للتيمم المجمل- مدفوع بما تقدم في باب الوضوء.

نعم قد يناقش فيه باعتبار عدم ظهور قصد الموالاة في التيمم البياني، لاحتمال كونه لضرورة البيان كما هو المعتاد في كل ما يراد بيانه مما لا يعتبر التوالي فيه قطعا، فالإنصاف ان العمدة في الدليل الإجماع السابق، لكن قد يقال مؤيدا له بعد كون الموالي فيه المتيقن في البراءة: أن ليس المراد هنا بالموالاة إلا عدم التفريق المنافي لهيئة التيمم و صورته، و إلا فلا يعقل إرادة معناها في الوضوء إلا بملاحظة التقدير للجفاف لو كان ماء كما عن الدروس، و هو- مع أنه لازم لذهاب الصورة أيضا كالموالاة بمعنى التقدير الزماني الذي قد ذكرناه في باب الوضوء- لا دليل عليه هنا، كما أن المتابعة الحقيقية مقطوع بعدمها، فيتجه الحكم بالفساد حينئذ لانتفاء الاسم بانتفاء تلك الصورة

____________

(1) سورة المائدة- الآية 9.

178

كما في كثير من العبادات، اللهم إلا أن يقال: إن ظاهر من اعتبر الموالاة إفساد التيمم بفوات المتابعة العرفية، كما جعله المدار في جامع المقاصد و الروض و إن لم تذهب الصورة، و فيه بعد تسليم انفكاك ذلك عن محو الصورة تأمل و نظر، هذا.

و قد قال في المدارك و سبقه إلى ما يقرب منه في المنتهى: «إنه لو قلنا باختصاص التيمم في آخر الوقت كانت الموالاة من ضروريات صحته لتقع الصلاة في وقتها» و فيه مع ابتنائه على التضيق في أمر التضيق أن وجوبها حينئذ خارج عما نحن فيه، بل تكون حينئذ كوجوب الموالاة في الغسل عند الضيق، و أين هو من الوجوب الشرطي.

و كالترتيب و الموالاة في الوجوب المباشرة بالمعني السابق في الوضوء، كما هو ظاهر عبارة المصنف و غيره من الأصحاب لعين ما مر فيه من القاعدة و غيرها، مع ما في كشف اللثام من الإجماع ظاهرا عليه هنا، و في المدارك من نفي الريب عنه، و المنتهى من نفي الخلاف فيه عندنا، فلو يممه غيره مع القدرة لم يجز، نعم يجوز مع العجز كما في المبدل منه بلا خلاف لما مر هناك أيضا، و ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن مسكين (1) و غيره في المجدور الذي غسل فمات: «ألا يمموه ان شفى العي السؤال»

و في مرسل ابن أبي عمير (2) «يؤمم المجدور و الكسير إذا أصابتهما جنابة»

ك

مرسل الفقيه (3) عنه (عليه السلام) أيضا «المبطون و الكسير يؤممان و لا يغسلان»

لكن في غير النية، بل يتولاها العليل كالوضوء لما تقدم فيه أيضا، بل قد يظهر من المدارك دعوى الإجماع عليه هنا، إلا أنه قال في جامع المقاصد: «لو نويا كان أولى» قلت: أي أحوط لظهور انتساب الفعل للعامل.

و هل المراد تيممه بيدي النائب أو أنه يضرب بيدي العليل، فيمسح بهما مع الإمكان؟ ظاهر الذكرى و جامع المقاصد و المدارك أو صريحها الثاني، لعدم سقوط

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 12.

179

الميسور بالمعسور، و بقاء صورة المباشرة، بل لم أقف على قائل بالأول، نعم في الأول عن الكاتب يضرب الصحيح بيده ثم يضرب بيدي العليل، ثم قال: و لم نقف على مأخذه.

قلت: و هو كذلك مع التمكن من ضرب الأرض بيد العليل و المسح بها، أما مع المكنة من الثاني دون الأول فقد يتجه حينئذ ما ذكره الكاتب، بل لم يستبعد وجوبه في كشف اللثام.

لكن قد يناقش فيه مع بعد الفرض بعدم صدق المسح حينئذ بالأرض أي بما ضربها به.

كما أنه قد يناقش في الأول أيضا بأصالة البراءة من تلك الكيفية الخاصة، بل لعل إطلاق الأمر بالتولية يقضي بخلافه إن لم يكن ظاهرا في مباشرة المتولي، بل قد لا يجتزى بيد العليل، لعدم استناد المسح اليه بسبب ذلك، فيكون بالنسبة للعامل كالمسح بآلة أجنبية، كل ذا مع تركهم هذا التفصيل في الطهارة المائية، بل ظاهر ما استدل به هناك- من أمر الصادق (عليه السلام) (1) الغلمة في الليلة التي كان فيها شديد الوجع بحمله و تغسيله فحمل و وضع على خشبات و غسل- عدمه أيضا، لظهور تمكن الغلمة من مباشرة بعض الغسل بيديه، فالأحوط حينئذ إيقاع الكيفيتين إن لم يكن متعينا لتوقف البراءة اليقينية عليه، فتأمل جيدا.

[في أن الواجب هو الوضع أو الضرب]

هذا كله في نفس الترتيب و نحوه، و أما المرتب فأولها وضع اليدين أو ضربهما على ما يتيمم به من الأرض و غيرها بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الذكرى و صريح جامع المقاصد و المدارك و غيرهما الإجماع عليه، للنصوص المستفيضة (2) في كيفيته إن لم تكن متواترة، و حملها على الغالب- من توقف التصاق التراب بالكفين و المسح به على ذلك، و إلا فيجزئ حتى لو استقبل العواصف بهما و مسح، كما عن العلامة في النهاية

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

180

أنه الأقرب- مناف لظاهرها أو صريحها بلا شاهد، سيما بعد الاعتضاد بما عرفت، بل عن المقاصد العلية الاتفاق على عدم صحة التيمم لو تعرض لمهب الريح، نعم لا يبعد الاجتزاء بذلك عند الاضطرار، بل لعله يقدم على بعض أفراد الغبار.

إنما البحث في أن الواجب مجرد الوضع كما هو ظاهر المصنف هنا و المبسوط و الجامع و القواعد و صريح الذكرى و جامع المقاصد و عن الدروس أو هو باعتماد أي الضرب كما هو ظاهر الهداية و المقنع و جملي المرتضى و الشيخ و الغنية و الوسيلة و إشارة السبق و السرائر و الجامع و غيرها و صريح الروضة و الروض و الرياض و كشف اللثام، بل في الذكرى نسبته إلى معظم عبارات الأصحاب، و كشف اللثام إلى المشهور، بل هو معقد بعض الإجماعات و إن لم تكن مساقة له؟ قولان أقواهما الثاني اقتصارا على المتيقن في الكيفية المتلقاة من الشارع، و للتيممات البيانية فعلا و قولا في الاخبار الكثيرة (1) و الأمر به في مضمر ليث المرادي (2) و صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) بعد أن سأل عن التيمم، و غيرهما (4).

و لا ينافي ذلك ما حكاه مولانا الصادق (عليه السلام) في خبر الخزاز (5) و داود ابن النعمان (6) من وضع النبي (صلى الله عليه و آله) يده على المسح في بيان التيمم لعمار، كحكاية الباقر (عليه السلام) أيضا ذلك في صحيح زرارة (7) بل و فعله (عليه السلام) هو أيضا في خبره الآخر (8) إذ هو- مع أن الباقر (عليه السلام) أيضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 2 و هو مسند إلى الصادق (ع).

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 9.

(8) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 5.

181

قد حكى عن النبي (صلى الله عليه و آله) الضرب بيانا لعمار في صحيح زرارة (1) المروي في مستطرفات السرائر عن نوادر البزنطي- قد رده في المدارك و شرح المفاتيح بأنه حكاية فعل، و لا عموم فيه، لكن قد يشكل بأن العبرة بتعبير المعصوم (عليه السلام) عنه في مقام البيان و التعليم، فالأولى رده بأنه مطلق و الأول مقيد.

و دعوى ظهور الوضع في غير الضرب لا فيما يشمله، فيتجه التخيير بينهما لاشتمال الاخبار على كل منهما ممنوعة، كاحتمال جعل اختلاف عبارات الأصحاب و الاخبار في ذلك قرينة على إرادة الوضع من الضرب، مع أنه ليس أولى من العكس، بل هو أولى لما عرفت، بل لعل تعبير المصنف و الجامع و القواعد بالضرب فيما يأتي من بدلية الوضوء و الغسل و المبسوط في الثاني خاصة قرينة على إرادته من الوضع هنا، فلا خلاف بالنسبة إليهم حينئذ، و ينحصر في الشهيد و المحقق و عن نهاية الاحكام، و قد عرفت ضعفه لكن اختيارا.

أما لو اضطر بأن تمكن من الوضع دون الضرب فلا يبعد الاجتزاء به و لا يسقط التيمم أصلا قطعا أو خصوص مباشرة باطن الكف للأرض منه، و إن كان الأول مقتضى انتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه، و الثاني مقتضى عدم سقوط الميسور، مع عدم الدليل على البدل في المتعذر، إلا أن الأول لا يعاض ما دل على انتفائه بذلك من قاعدة الميسور و غيرها، بل لعله إجماعي كما يظهر منهم في عدم سقوطه بالاقطع و نحوه و بالعجز عن المباشرة، و الثاني- مع أن قاعدة اليسر تقتضيه، إذ الفائت الضرب لا مباشرة الكف بالأرض ثم المسح بها- يمكن استفادة بدليته من إطلاق ما دل على الوضع من الاخبار السابقة، بل و الآية مع عدم المقيد هنا لظهور اختصاص أدلة الضرب بالاختيار.

و كيف كان فيعتبر بالضرب أو الوضع أن يكون بكلتا يديه مع التمكن إجماعا

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 9.

182

محصلا و منقولا و نصوصا (1) فلو ضرب بإحداهما لم يجز، بل يعتبر أن يكون دفعة كما صرح به في جامع المقاصد و غيره، بل في الحدائق نسبته إلى ظاهر الاخبار و الأصحاب، بل قد يستفاد من معقد إجماع المعية في المدارك و غيره، و إن أمكن المناقشة فيه باحتمال إرادة عدم الاجتزاء بالواحدة، كما أنه يمكن المناقشة في استفادة شرطيته من الاخبار أيضا، و إن كان ربما ينساق من

قوله (عليه السلام) (2): «اضرب بكفيك»

و نحوه لكنه انسياق أظهرية لا شرطية، و إلا فالصدق حاصل بالتعاقب.

نعم لا يعتبر فيما تيمم به من التراب و غيره كونه موضوعا على الأرض بل يجزئ لو كان على غيرها و لو بدن غيره، كما هو ظاهر إطلاق الفتاوى بل و الأدلة و السيرة القاطعة، و ما في التيممات البيانية و نحوها من ضرب الأرض محمول على المثال قطعا، بل لو كان على وجهه تراب صالح فضرب عليه و مسح أجزأ كما صرح به في الذكرى و غيرها، لصدق الامتثال و عدم ما يصلح للمعارضة، فما في المدارك و مال إليه في شرح المفاتيح من عدم الاجتزاء لتوقيفية العبادة مع تبادر غيره من الأدلة جمود في غير محله، سيما بعد التعدية حتى منهما صريحا في الأول و ظاهرا في الثاني للتراب الموضوع على بدن الغير بل و بدنه غير الوجه، نعم لو أمر يده على ما على وجهه من التراب مجتزئا به عن مسحه بذلك لم يجز قطعا، و إن احتمله في المنتهى لما عرفت من الإجماع و غيره على اعتبار الضرب أو الوضع ثم المسح به.

كما أنه لا يجتزى بالضرب بظهر الكف و إن استوعب مع التمكن من البطن، لانه المنقول و المعهود و المتبادر، بل المقطوع به من كيفية التيمم في النصوص و الفتاوى، بل صرح به المرتضى و المفيد و ابن إدريس و غيرهم.

بل قد يشكل الانتقال للظهر مع عدم التمكن أيضا، و إن صرح به في جامع

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 7.

183

المقاصد و عن الذكرى و إرشاد الجعفرية و المقاصد العلية، لإطلاق الآية و غيرها، مع عدم نصوصية الاخبار و الفتاوى في وجوبه بالباطن، و التبادر مقصور على الاختيار بدعوى انصراف المسح في الآية إلى المتعارف من آلته أيضا، كالأمر بضرب الأرض بالكف إلى الباطن، و بإجمال قصد الصعيد فيها، و قد كشفت عنه الأخبار بإرادة الضرب، و المتبادر منها الباطن، فيبقى غيره بلا دليل، و بأن المعتبر في الحجية الظهور، فلا يقدح عدم النصوصية، و منع الظهور أو قصره في حال الاختيار كما ترى، مع أن قضية الأول الجواز بالظهر اختيارا، و الثاني بغير الظهر من أجزاء البدن، و قربه إلى الباطن لا يصلح معينا، لكن قد يقال: إنه أولى من كل ما يتصور في المقام من التولية أو تيمم الأقطع أي المسح بالأرض أو غيرهما، خصوصا بعد الأمر بالضرب بالكف المتناول للظاهر و الباطن، و إن كان الثاني هو المتبادر لكنه في حال الاختيار خاصة.

و لعل ذا هو الأقوى و إن كان الأحوط حينئذ الجمع بينه و بين الإتيان بكل ما يحتمل مدخليته حتى حكم فاقد الطهورين إن لم يكن ذلك متعينا للبراءة اليقينية، كما في كل ما لم يتضح من الأدلة حكمه.

و كيف كان فعلى الأول لو تعذر الضرب بباطن إحدى اليدين فهل يقتصر على باطن الأخرى أو بباطنها مع ظاهر الاولى؟ وجهان، أقواهما الثاني، لاستلزام بدلية ظهرهما ظهر كل منهما.

[في لزوم الضرب و المسح بالباطن و إن كان نجسا]

و ليس نجاسة باطن اليدين مع عدم التعدي و الحجب و تعذر الإزالة عذرا في الانتقال إلى الظهر مع الخلو عن ذلك، أو إلى مسح الأقطع مع عدمه، بل و مع الحجب بها أيضا، و لو استوعب لكن مع تعذر الإزالة و لو بنجاسة أخرى كغيرها من الحواجب بلا خلاف أجده بين الأصحاب في الأول، و على الأصح في الثاني لعدم الدليل على اعتبار الطهارة هنا و إن قلنا به في الاختيار، و على اعتبار مباشرة نفس البشرة، بل

184

لعل إطلاق الأدلة و فحاويها يقضي بخلافه، خصوصا ما دل (1) منها على تيمم ذي الجروح و القروح و نحوهما، و ما دل (2) منها على حكم الحواجب من الجبائر و الطلاء و نحوهما مما تقدم في الوضوء مما يفهم منها تنزيل الحائل مع تعذر إزالته منزلة المحال عنه، بل في حديث المرارة (3) منها ما هو كالصريح في ذلك.

و لذا كان الحكم عندهم في الحائل على الأعضاء الممسوحة من الجبهة و ظاهر اليدين المسح عليه، و الفرق بين الماسح و الممسوح في ذلك تحكم.

فما في ظاهر الذكرى و صريح الروضة من جعلها لو كانت حائلة عذرا في الانتقال إلى الظهر لا يخلو من نظر بل منع، سيما مع حيلولتها لقليل من باطن الكف، وفاقا لصريح جامع المقاصد و المدارك و ظاهر الروض.

و احتمال الفرق بينها و بين غيرها من الحواجب الطاهرة أو التزام ذلك فيها أيضا أوضح من الأول نظرا و منعا، سيما الأخير، بل لعله مجمع على خلافه هنا، بل قد ينقدح من التأمل فيما ذكرنا انه لو تعذر المباشرة بباطن اليد لجرح و شبهه و أمكن وضع حائل عليه من خرقة و نحوها و المباشرة به وجب كالجبيرة في المائية، لكن الاحتياط بالجمع بين الكيفيتين بل و تيمم الأقطع و التولية مع حكم فاقد الطهورين لا ينبغي أن يترك.

نعم لو كانت النجاسة متعدية و لم يمكن التجفيف و لا الإزالة اتجه حينئذ جعله عذرا في الانتقال إلى الظهر مع الخلو، و إلا فإلى المسح بالجبهة خاصة كالاقطع كما صرح به في جامع المقاصد و الروض و الروضة، و لعله ظاهر الذكرى، لاستلزامه حينئذ تنجس ما يتيمم به الذي قد عرفت اشتراط الطهارة فيه، مع إمكان المناقشة فيه أيضا بأن دعوى

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الوضوء.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الوضوء- الحديث 5.

185

اعتبار ذلك مطلقا حتى مع التعذر ليتجه الانتقال المذكور ممنوعة، و كيف مع قصرهم كثيرا مما يعتبر في التيمم على الاختيار، على أن قضية اعتبارها كذلك سقوط التيمم أصلا لا اليدين خاصة، فيكون فاقد الطهورين، و قياسه على الأقطع ليس بأولى من قياسه على من تعذر عليه غسل بعض أعضاء الطهارة المائية بما لا يرجع إلى الجبيرة، بل هو مقتضى الأصل، و لو سلم فالمتجه سقوط الضرب و المسح بخصوص ذلك المحل من الكف لا تمامه مع فرض عدم الاستيعاب كما هو قضية إطلاقهم.

و لعله لذلك كله أو بعضه جزم في المدارك و تبعه في الكفاية بالمسح باليد و ان تعدت النجاسة، و هو لا يخلو من قوة، خصوصا مع تعذر تيمم الأقطع و التولية عليه، لعدم سقوط الصلاة عنه بحال، إلا أن الأقوى الأول لكن بشرط استيعاب النجاسة للباطن، أما مع بقاء ما يصلح للضرب و المسح به فالأقوى تعيين ذلك عليه كما قد يقوى وجوب التولية عليه في الظهرين مع تعدي نجاستهما، فلا يقتصر على مسح الجبهة كالاقطع و إن كان هو ظاهر كلام الأولين، بل قضيته صيرورته فاقد الطهورين مع فرض النجاسة المتعدية في الجبهة أيضا، فيكون جميع أعضائه ماسحة و ممسوحة مستوعبة بالنجاسة، و فيه تأمل، لكن الاحتياط بفعل كل ما يحتمل مما ذكرناه في المسألة السابقة لا ينبغي أن يترك، بل لعله متعين.

كما أنه قد يتعين أيضا فيما لو كانت النجاسة المتعدية في الممسوح دون الماسح بحيث لا تتعدى إلى التراب، و إن كان الأقوى فيه المسح عليه حينئذ مع التعذر من غير فرق بين استيعابها للممسوح و عدمه، لعدم الدليل على اعتبار الطهارة فيه هنا، و إن قلنا باعتبارها في الاختيار، لكنه احتمل في جامع المقاصد و الروض كونه فاقد الطهورين فيما لو كان ذلك بالجبهة، و هو ضعيف، إذ لا فرق بين التعدي و عدمه بالنسبة إلى صحة التيمم، و إن كان ربما يحصل في بعض الأحوال بالنسبة إلى خصوص الصلاة و نحوها

186

و بزيادة النجاسة و نحوها، و البحث الآن في الأول.

هذا كله مع تعذر الإزالة عن باطن اليدين مثلا و لو تجفيفا، أما مع الاختيار فيجب التجفيف لئلا يتعدى النجاسة للتراب بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، بل و بين غيرهم، لما عرفت من اشتراط طهارة التراب، و المناقشة- بأن القدر المسلم من اعتبار الطهارة فيه هو عدم سبق نجاسته على الضرب، أما لو تنجس به فلا- ضعيفة جدا، و أما اشتراط طهارته أي الماسح اختيارا مع عدم التعدي و الحجب بل و معه لغير التراب كما لو جرح بعد الضرب، و اشتراط طهارة الممسوح من الجبهة و ظاهر اليدين كذلك فلم أعثر على مصرح بشيء منه من قدماء الأصحاب، كما لم أعثر على ما يدل عليه بالخصوص من الاخبار، بل لعل إطلاقها خصوصا ما دل منها على تيمم ذي الجروح و القروح كالفتاوى يقضي بخلافه بعد الأصل.

نعم ظاهر الإرشاد و صريح جامع المقاصد و الموجز الحاوي و عن حاشية الإرشاد- بل في الثاني القطع به، و هي من مثله ممن يعمل (1) بالظنيات كالإجماع- اشتراط طهارة محل التيمم كصريح الذكرى، و عن الدروس و البيان و الصيمري و صاحب المعالم و تلميذه اعتبارها في محال المسح، بل في الكفاية أنه المشهور بين المتأخرين.

و منظومة الطباطبائي و شرح المفاتيح و الجعفرية و عن إرشادها اعتبارها في الماسح و الممسوح، و لعله مراد السابقين أيضا و ان قصرت بعض عباراتهم عنه، كما لعله الظاهر من الروض و الروضة أيضا، بل في شرح المفاتيح نسبته إلى الفقهاء كما عن الشهيد الأول في حاشيته على القواعد الإجماع على اشتراط طهارة أعضاء التيمم، و لعله الحجة ان تم، لا ما في الذكرى من أن التراب ينجس بملاقاة النجس فلا يكون طيبا، و المساواة لأعضاء الطهارة المائية، إذ الأول أخص من المدعى، بل غير ما سمعت من فرضنا

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و لكن الصحيح «لم يعمل».

187

المسألة، و الثاني موقوف على الدليل، و احتمال إرادته بذلك عموم البدلية و المنزلة لا وجه له، لان البحث في طهارة الأعضاء لا التراب، إلا أن يراد أنه كما اعتبر في الطهارة بالماء طهارة الأعضاء فكذا ما كان بمنزلته، و فيه منع واضح، بل قد يشهد إطلاق المنزلة لخلافه.

و لذا مال في المدارك و الحدائق إلى عدم الاشتراط، و كذا مجمع البرهان، و اليه يرجع ما عن حواشي السيد عميد الدين إذا كانت النجاسة غير متعدية جاز التيمم و إن كانت يداه نجستين، كالمحكي عن ابن فهد أنه اشترط أحد الأمرين الطهارة أو الجفاف بحيث لا يتعدى، و لو لا صريح الإجماع السابق المعتضد بظاهره، و بالقطع من المحقق الذي هو بمنزلته، و بالأصل في وجه، و بمقتضى البدلية على الاحتمال السابق لكان القول بعدم الاشتراط متجها حتى مع التعدي لغير التراب.

و لقد أجاد في كشف اللثام حيث قال بعد نقله الاشتراط عن الشهيد: «و لا أعرف دليلا عليه إلا وجوب تأخير التيمم إلى الضيق، فيجب تقديم الإزالة كسائر الأعضاء إن كانت النجاسة مما لا يعفى عنها لكنه حكى الإجماع في حاشية الكتاب» انتهى.

و أنت خبير ان ما استثناه خارج عما نحن فيه من الاشتراط للتيمم من حيث هو، كما أومأ إليه بتشبيهه، على أنه لا يتم بناء على المختار من جوازه في السعة للموقتة أو مع عدم الرجاء، و كذا لا يتم في التيمم لغيرها مما لا يعتبر فيه الضيق، و لو لا أن الشهيد في سند الإجماع السابق لأمكن منعه على مدعيه، لما عرفت من خلو عبارات الأصحاب عن ذلك، بل إطلاقها سيما مع تعرضهم لما يعتبر فيه قاض بخلافه، فتأمل جيدا.

[في عدم اعتبار العلوق]

و يعتبر العلوق مما ضرب عليه للمسح على أعضاء التيمم في المشهور بين الأصحاب نقلا مستفيضا و تحصيلا، بل في جامع المقاصد الإجماع عليه، و في آيات الاحكام للفاضل الجواد الإجماع أيضا على عدم اعتباره لليدين، بل في ظاهر المنتهى

188

لا يجب استعمال التراب في الأعضاء الممسوحة، ذكره علماؤنا، ثم حكى الخلاف فيه عن الشافعي و محمد و ظاهره الإجماع أيضا، ككنز العرفان حيث نسب القول بالعلوق إلى الشافعية في مقابل الحنيفية و أصحابنا من جواز التيمم بالحجر الصلب موافقا لتفسير الصعيد بوجه الأرض.

و منه ينقدح كغيره من كلمات الأصحاب مثل المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى و غيرهما أن كل من قال بجواز التيمم بالحجر و نحوه اختيارا لم يعتبر العلوق، و هو كذلك، إذ منه الأملس الذي لا يعلق باليد منه شيء، فاحتمال القول ان تجويزهم له بالحجر اختيارا أعم من عدم اعتبار العلوق، إذ قد يعتبرون فيه حينئذ شيئا من الغبار و شبهه مما يعلق ضعيف.

و إذ قد عرفت أن المخالف في جوازه بالحجر نادر من الأصحاب- بل لا خلاف فيه عند فقد التراب كما سمعت نقله من غير واحد هناك، و فقد التراب الصالح أعم من عدم التمكن من العلوق، و لم يعرف من أحد منهم اعتبار وضع شيء من الغبار أو التراب القليل على الصخر لتحصيل العلوق، مع ظهور التمكن من ذلك، لجعلهم الغبار في لبد السرج و عرف الدابة مرتبة ثالثة بعد فقد الحجر- اتجه حينئذ دعوى ظهور الاتفاق حتى ممن فسر الصعيد بالتراب على عدم اعتبار العلوق للمسح، فما في الكفاية- من الاكتفاء فيما يتيمم به بمطلق وجه الأرض لكن لا يبعد أن يعتبر وجود غبار و نحوه على الحجر حتى يعلق باليد- كأنه خرق للإجماع المركب إن لم يكن البسيط لما عرفت، مع أنه قد يؤيده زيادة على ذلك عدم ذكره فيما يعتبر في التيمم من أحد منهم مع أنهم بصدد بيان ذلك، بل لعل إطلاق كلامهم يقضي بعدم اعتباره، سيما بعد ذكرهم لاستحباب النفض حتى حكى الإجماع عليه غير واحد، كما أنه دل عليه كثير من الاخبار (1)

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 3 و 6 و 7.

189

على ما ستعرف، بل عن المقاصد العلية أنه ربما قيل بوجوبه، بل عن المبسوط و غيره استحباب مسح إحدى يديه بالأخرى بعد النفض، و في الروضة ينفخ ما عليهما من أثر الصعيد أو يمسحهما و نحو ذلك مما يفيد إرادتهم بالنفض ما يشمل ما لا يبقى معه شيء من التراب، على أنه من أفراد النفض قطعا، فيندرج في المستحب حينئذ.

و من هنا جعل في المختلف و غيره القول باعتبار العلوق المحكي عن ابن الجنيد مقابلا للقول باستحباب النفض و أي عاقل يجوز على الأئمة (ع) و الفقهاء اعتبار العلوق و أنه يفسد التيمم بدونه مع إطلاقهم استحباب النفض و التيمم بالحجر و نحوه مما هو مظنة عدم حصوله من دون نص من أحد منهم أو أمر بالمحافظة عليه، و ما ذاك إلا إغراء للمكلفين بالجهل، ينزهون عنه، فلذا أمكن للتأمل في كلمات الأصحاب تحصيل الإجماع منهم على عدم اعتبار العلوق، سيما بعد ما عرفت من دعواه، و بعد عدم نقل الخلاف فيه من أحد من الأصحاب في الكتب المعدة لذلك، بل نسب إليهم جميعا إلا من ابن الجنيد و بعض العامة، و يشهد له التتبع، فما في المفاتيح من نسبته إلى السيد و جماعة و هم قطعا، و ظني أنه توهمه من مذهبه في الصعيد أنه التراب، فتخيل التلازم، و هو واضح الفساد كما يعرف مما تقدم على أنه لا تلازم.

و كيف كان فالحجة عليه حينئذ- بعد الأصل، و ما تقدم في تفسير الصعيد خصوصا ما عرفته من جواز التيمم بالحجر اختيارا عند الأصحاب الشامل بإطلاقه إن لم يكن صريحا للمجرد عن العلوق- إطلاق الأدلة كتابا (1) و سنة (2) و صريح الإجماع المحكي في جامع المقاصد المعتضد بظاهره القريب من الصريح في المنتهى و كنز العرفان و غيرهما، بل و بصريحه أيضا من الفاضل الجواد في اليدين، مع إمكان تتميمه بعدم القول

____________

(1) سورة النساء الآية 46 و سورة المائدة- الآية 9.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

190

بالفصل، و بالشهرة المحكية و المحصلة، بل الإجماع على الظاهر كما عرفت، و ما دل على النفض من الإجماع و النصوص (1).

و المناقشة في الأخير- بعدم منافاته لاعتبار العلوق لظهور كون المراد به إزالة ما يتشوه به الوجه، و إلا فالإجزاء الصغار باقية قطعا، و هو كاف، و لذا ترى الاتفاق على استحباب النفض حتى ممن قال: باعتبار العلوق، بل في شرح المفاتيح للأستاذ الأعظم ما ملخصه أن إطلاق الحكم باستحباب النفض من دون تقييد لذلك بما إذا اتفق العلوق باليدين قاض باعتباره إذ لا نفض بدونه، و قد عرفت عدم إذهاب النفض أثره بالمرة، فمنه حينئذ يظهر الاتفاق على اعتبار العلوق، إذ لولاه لما صح إطلاقهم استحباب النفض كالأخبار الدالة عليه أيضا، كما يظهر من ذلك حينئذ ما في نسبة القول بعدم الاعتبار إلى الشهرة- في غاية الضعف لما عرفت من شمول النفض في النص و الفتوى لما لا يبقى معه أثر بالمرة، إما لقلة ما علق باليد، أو للمبالغة في النفض.

و من أنه لم يقل أحد باعتبار العلوق إلا ابن الجنيد و قد نقلوا عنه الخلاف في استحباب النفض، فدعوى الاتفاق على استحبابه حتى ممن اعتبر العلوق، فلا ينافي اعتباره حينئذ في حيز المنع، بل ظاهر المنقول عن ابن الجنيد يعطي وجوب بقاء ما يعلق في الكف من التراب ليمسح به، فلا يكتفى بمثل هذه الأجزاء التي يشك في تسميتها ترابا، أو بقاء تراب في الكف.

و أيضا كيف يتصور منه القول باستحباب النفض و إزالة تلك الاجزاء مع أن المسح بها قبله من أفراد الواجب عنده قطعا، و لو سلم فالاجزاء الصغار الباقية بعد النفض لا يبقى منها شيء لليدين بعد مسح الجبهة غالبا.

و ما في المفاتيح- من الاكتفاء بالعلوق الابتدائي و إن لم يبق لليدين، أو أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 3 و 6 و 7.

191

يجدد الضرب لأجل تحصيل العلوق و إن كان الواجب عليه ضربة واحدة- خلاف المنقول من ابن الجنيد، مع غرابة الوجه الثاني كغرابة ما في الشرح المتقدم، إذ من المعلوم من امتثال هذه الأوامر أي أوامر النفض إرادة التقييد بما لو علق فيها شيء سيما مع غلبة الضرب على ما يحصل منه العلوق، و عليه ينزل إطلاق الاخبار، خصوصا ما كان منها حكاية أفعال، على أن الأمر بالنفض لم يسق للدلالة على اعتبار العلوق، و إلا فمن أفراد التيمم ما لا يحصل معه علوق عند الأكثر كما صرحوا به في الحجر الأملس و نحوه، بل و الجميع في حال فقد التراب، و قد عرفت أنه أعم من عدم التمكن من العلوق، بل الظاهر التمكن من حيث جعل الغبار مرتبة ثالثة، على أنه لا دليل على سقوط وجوب العلوق عند الاضطرار، بل المتجه حينئذ سقوط التيمم و كونه فاقد الطهورين، إلى غير ذلك مما في هذه المناقشة مما يطول التعرض له، و قد وقع هنا للمفاتيح و شرحه للأستاذ الأعظم من الغرائب ما يقضي منه العجب، فلاحظ و تأمل.

كل ذا مع ضعف ما يصلح التأييد به لمذهب الخصم، إذ أقصاه ظهور التبعيض من قوله تعالى (1) «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» حتى قال في الكشاف: «إنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن و من الماء و من التراب إلا معنى التبعيض» مع ما في صحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: أ لا تخبرني من أين علمت و قلت: إن المسح ببعض الرأس و الرجلين- و ذكر الحديث إلى أن قال-: قال أبو جعفر (عليه السلام): ثم فصل بين الكلام، فقال «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» فعرفنا حين قال «بِرُؤُسِكُمْ» أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء- إلى أن قال:- «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ»

____________

(1) سورة المائدة- الآية 9.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب التيمم- الحديث 1.

192

فلما أن وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لانه قال «بِوُجُوهِكُمْ» ثم وصل بها «وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» أي من ذلك التيمم، لانه علم أن ذلك أجمع لم يجر على الوجه، لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها»

الحديث.

و منه يظهر حينئذ الاستدلال بالأمر بالمسح من الأرض في صحيحتي الحلبي (1) و ابن سنان (2) لإرادة التبعيض منه، و ما دل (3) على طهورية التراب، لظهوره في كونه هو المطهر، سيما مع ملاحظة المنزلة و البدلية، فلا بد من مباشرته للمطهر لا باطن الكف بسبب مباشرة التراب، لوضوح قصور الجميع عما ذكرنا، سيما بعد إمكان منع ظهور التبعيض، و لذا تركت في الآية الأخرى، سيما بعد تفسير الصعيد بما قد لا يحصل منه علوق، إذ لو سلم ظهور التبعيض فيها فإنما هو فيما لو كان مجرورها قابلا لذلك لا مطلقا، و احتمال جعل ظهور التبعيض منها قرينة على إرادة التراب بالصعيد و لو مجازا ليس بأولى من العكس، خصوصا بعد منع الظهور في نفسه و توقفه على قابلية المجرور لذلك، بل قد يدعى تبادر إرادة المسح بما باشره و إن لم يعلق شيء من مثل هذا التركيب كما يستعمل الآن فيما يراد التبرك به من ثياب العلماء و ضرائح الأئمة (ع) و نحوهما، أو إرادة المسح من مباشرة الصعيد، كما يقال: أمسح يدي من هذا الشيء، و هو و إن كان مجازا حيث لم يكن فيما يراد مسحه بشيء، لكنه لا بأس به من حيث غلبة حصول العلوق، فأطلق المسح منه لذلك.

فظهر حينئذ من ذلك كله وجه ما ذكره غير واحد من الأصحاب من احتمال «من» الابتدائية أي ابتداء المسح من الصعيد، أو الضرب عليه، سيما مع كونه المعنى

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 13 و الباب 23- الحديث 1 و المستدرك- الباب 5 من أبواب التيمم- الحديث 3.

193

الحقيقي لها، بل قيل: و السببية أيضا برجوع الضمير حينئذ إلى الحدث، أو عدم الوجدان، و البدلية برجوعه إلى الماء، لكنهما ضعيفان، و مع تسليم إرادة التبعيض منها هنا فقد يناقش في الدلالة على الوجوب أيضا من حيث خروجه مخرج الغالب في حصول العلوق من المضروب عليه، فيراد حينئذ بالمسح منه حيث يعلق، بل قال الأردبيلي في آيات أحكامه: «إنه يحتمل كون المراد على تقدير التبعيض بأن تضعوا أيديكم على بعض الصعيد ثم تمسحوا الوجه و اليدين» هذا كله مع الغض عما ذكرنا من الإجماع و غيره، و إلا فبملاحظته يتعين إرادة بعض مما سمعت أو يجب الخروج حينئذ بغيرها من الأدلة.

و مما ذكرنا يعرف ما في الصحيح المتقدم، على أنه أرجع الضمير فيه إلى التيمم، و حمله على إرادة المتيمم به مجاز لا حاجة اليه، و المراد بالمسح من التيمم حينئذ المسح من تلك المباشرة للصعيد، و تجرد اليد عن العلوق لا ينافي صدق اسم المسح منه باعتبار أغلب أفراده، و حمل التعليل فيه لإرادة التبعيض- مع أنه يحتمل جريانه في ذلك مجرى الغالب أو بيان حكمة لا يجب اطرادها و غيرهما- ليس بأولى من أن يراد به لما ذكره من رجوع الضمير إلى التيمم، بل هو أولى لقربه منه.

فيكون الحاصل أن المراد من ذلك التيمم لا الصعيد، لانه قد علم أن ذلك أجمع لم يجر على الوجه، لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها، فلو كان المراد به الصعيد لوجب إجراؤه على الممسوح من الوجه و اليدين، مع أنه لا يعلق إلا ببعض الكف، و من هنا جعل في الذكرى هذا الصحيح مما فيه إشارة إلى عدم اعتبار العلوق، و بعد التسليم فهو لا يوافق مختار الخصم من كون المراد بالعلوق الذي يعتبر المسح به انما هو الاجزاء الباقية من بعد النفض، و لذا حكم بعدم التنافي بين ما دل على النفض و اعتبار العلوق، لظهور الصحيح بناء على ذلك في وجوب المسح بالعلوق الكائن بعد الضرب من غير نفض، و قد عرفت أنه لا يقول به، فلا بد حينئذ من

194

صرفه عن ظاهره إلى بعض ما تقدم في الآية، أو إلى ما سمعته الآن إن لم يحمل على التقية، لكون ذلك مذهب الشافعية، كما أنه مما تقدم أيضا يعرف ما في الاستدلال بالصحيحين الآخرين، و أما البدلية فلا دلالة فيها على ذلك، سيما بعد بيان الكيفية في الكتاب و السنة، و رد تمرغ عمار عليه، على أن قضيتها جريان الأجزاء الترابية على سائر أجزاء الجبهة و ظاهر اليدين، و هو خلاف ما عليه المستدل.

و منه يعرف أنه لا استبعاد على لطف الشارع في حصول الطهارة لنا بالضرب على الصعيد و المسح من غير علوق، و ذلك كاف في إسناد الطهورية للتراب، فظهر حينئذ بحمد الله و فضله سقوط القول باعتبار العلوق و إن ركن إليه جملة من متأخري المتأخرين كالكاشاني في مفاتيحه و الأستاذ الأعظم في شرحها و الفاضل البحراني في حدائقه حاكيا له فيها عن البهائي و والده و الشيخ سليمان البحراني، و مال إليه في الكفاية، لكن ظاهر الجميع بل صريحهم الاكتفاء بالمتخلف بعد النفض، و لعله لا يوافق ظاهر المحكي عن ابن الجنيد، فيكون خرقا للإجماع المركب، فتأمل جيدا.

[المراد من الوجه في التيمم]

و (ثانيها) مسح الوجه بالكفين معا لا بواحدة كما هو ظاهر المصنف و غيره، بل هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل لعله مجمع عليه، للأصل و التيممات البيانية (1) قولا و فعلا، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد، فاجتزأ بالمسح باليمنى، و عن نهاية الاحكام و التذكرة احتمال الاجتزاء بواحدة، كما عن الأردبيلي استظهاره، و لعله للأصل في وجه، و إطلاق الآية و الصحيحين (2) «فوضع يده» و المساواة للوضوء، و فيه- مع إمكان منع الأول، و عدم الدلالة في شيء من ذلك لتعيين ابن الجنيد اليمنى، بل قضيته الاكتفاء بكل منهما- ان الأولين غير صالحين للمعارضة، و الصحيحين

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 2 و 3.

195

ظاهران في إرادة الجنسية، أو في بيان مطلق الكيفية، سيما مع ملاحظة غيرهما مما اشتمل على هذه القضية، و المساواة ممنوعة، لمنع ما يقتضيها، خصوصا لو كان القياس مع وجود ما يقتضي العدم.

لكن هل يجب المسح بهما دفعة أو يجزي التعاقب؟ وجهان، إلا أن المنساق إلى الذهن من النص و الفتوى خصوصا ممن عبر بالمعية الأول، فذاك مع ضميمة الاحتياط اللازم المراعاة قد يعينه، و لا إشكال في وجوب استيعاب الممسوح نصا و فتوى.

نعم هل يجب استيعاب الممسوح بكل منهما كما عساه يظهر من بعض العبارات كالمدارك و غيرها و إن لم تكن مساقة له، أو يكفي استيعابه بهما و لو موزعا كما صرح به في الحدائق و جامع المقاصد و الروض؟ الأحوط الأول، و الأقوى الثاني لصدق الامتثال، و ل

قول الصادق (عليه السلام) (1) في قصة عمار: «ثم مسح جبينه بأصابعه».

و المراد بالوجه هنا بعضه في الوضوء، لدخول الباء في متعلق المسح في الآية، و هو متعد، مع نص أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (2) السابق على إرادة التبعيض منها، على أنه قد يتم ذلك و إن كانت للإلصاق، سيما إذا منع ظهور مسح الوجه أو الوجوه في الاستيعاب و اجتزئ بالمسمى، و لأخبار الجبهة و الجبين (3) بل عن الحسن دعوى تواتر الأخبار (4) بأنه (صلى الله عليه و آله) حين علم عمارا مسح بهما جبهته و كفيه، و الإجماع المحكي في الغنية و الانتصار و عن الناصريات، بل عن الصدوق في الأمالي نسبته إلى دين الإمامية و انه مضى عليه المشايخ، قلت: بل هو محصل.

و لا يقدح فيه ما قيل منسوبا إلى علي بن بابويه في رسالته ب وجوب

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 8 و هو قول الباقر (ع).

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

196

استيعاب مسح الوجه لمعلومة نسبه، و سبقه الإجماع و لحقه، على أن الظاهر عدم خلافه و ان أطلق لفظ الوجه ككثير من أخبار التيمم البياني قولا و فعلا تبلغ عشرة، و فيها الصحيح و غيره، كما هي عادة القدماء في الفتوى بمتن الخبر، خصوصا هو في رسالته، و بها استند له، لكن معروفية الوجه في باب التيمم ببعضه، بل و في غيره كباب السجود أيضا، و ملاحظة غيرها من الاخبار المشتملة على الجبهة و الجبين، سيما مع اتحاد بعضها معها في الراوي و المروي عنه، و قصة البيان لعمار و نصوصيتها، و إطلاق الاولى، و ما سمعت سابقا مما يدل على التبعيض، و غير ذلك من القرائن الكثيرة مما يورث الفقيه قطعا بإرادة البعض من الوجه في عبارة الرسالة و الاخبار سيما مع عدم نقل ولده عنه ذلك، بل نص في الفقيه و الهداية و عن المقنع على البعضية، مضافا إلى ما سمعته عنه في الأمالي و والده رئيس الإمامية، خصوصا في معتقده كما يعرف ذلك من تتبع فقهية.

فما في المعتبر- أن الجواب الحق العمل بالخبرين، فيكون مخيرا بين مسح الوجه أو بعضه، لكن لا يقتصر على أقل من الجبهة، و قد أومأ إليه ابن أبي عقيل- ضعيف جدا إن أراد وجوب كل من الفردين على التخيير، و إنه ليس من التخيير بين الأقل و الأكثر، لاختلاف الهيئة و عدم لزوم سبق مسح تمام الجبهة على غيرها من الوجه، كالجمع بحمل الزائد على الندب و ان تسومح فيه، فتأمل.

إنما البحث في تعيين ذلك البعض، فمنه الجبهة من القصاص أي الطرف الأعلى من الأنف إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا بل متواترا، كدعوى الحسن تواتر الأخبار بأنه (صلى الله عليه و آله) حين علم عمارا مسح بهما جبهته و كفيه، و إن كنا لم نعثر إلا على

موثق زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سأله عن التيمم فضرب بيديه الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح جبهته»

مع أن المنقول عن الكافي مع أضبطيته بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 3.

197

و التهذيب في روايته عنه أيضا «جبينه» نعم في أكثرها التعبير بالوجه، و في حسن ابن أبي المقدام (1) عن الصادق (عليه السلام) «ثم مسح جبينه»

كصحيح زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) المرويين في الفقيه و مستطرفات السرائر عن النبي (صلى الله عليه و آله) في تعليم عمار، لكن بتثنية الجبين في الثانية، كإحدى نسختي الفقيه في الأولى.

لكنك قد عرفت القطع بإرادة البعض من أخبار الوجه، فوجب أن يكون هنا إما الجبهة للموثق الأول، أو الجبين للحسن و الصحيحين، بل و الموثق الأول على ما عن الكافي أيضا، و إحدى روايتي الشيخ عنه أو هما معا للجميع، إلا أن الإجماع محصله و منقوله على وجوب مسح الجبهة ينفي احتمال الثاني، أي الاقتصار على الجبين، و إن كان ربما يظهر من اقتصار الهداية عليه بل و الفقيه لكن مع زيادة الحاجبين، و لعله لا يريده فيهما كالاخبار المشتملة على الجبين، و لذا لم يحك عنه خلافا في ذلك.

فانحصر الجمع بين الاخبار حينئذ في الاحتمالين، و أقواهما الثاني، لعدم التعارض بينها، و تعدد ما دل على الجبين، و قوة دلالته خصوصا ما اشتمل منها على التثنية، و احتمال كون المراد بالجبهة ما يشملها، بل لعله حقيقة عرفية خصوصا هنا، و عدم المخرج هنا عن احتمال أصالة المساواة للوضوء مع قربه لوجه الوضوء، و لما دل على المسح بالكفين من الاخبار و غيرها، خصوصا مع اعتبار الدفعة كما صرح به بعضهم، ضرورة عدم سعة الجبهة المجردة عن الجبينين لذلك، و توقيفية العبادة، و غير ذلك، فيجب حينئذ مسح الجبهة و الجبينين وفاقا للهداية و الفقيه و جامع المقاصد و مجمع البرهان و المدارك و شرح المفاتيح للأستاذ و منظومة الطباطبائي و المحكي عن المقنع و الكاتب و ظاهر العماني و صريح فوائد الشرائع و حاشية الإرشاد و شرح الجعفرية و حاشية الميسي و المسالك و رسالة صاحب المعالم، و في الروضة أن فيه قوة، و الروض لا بأس به، و مجمع البرهان

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 9.

198

أنه المشهور، بل في حاشية المدارك عن الأمالي نسبته الى دين الإمامية تارة، و أنه مضى عليه مشايخنا أخرى، و في شرح المفاتيح لعله لا نزاع فيه بين الفقهاء، و في كشف اللثام أنه يمكن دخوله في مراد الأكثر.

قلت: و هو كذلك، لان السيدين و الشيخين و الحلبي و بني إدريس و حمزة و سعيد و عن غيرهم لم يذكروا لفظ الجبهة، بل أوجبوا مسح الوجه من القصاص الى طرف الأنف، بل هو معقد إجماع الأولين، اللهم إلا أن يستفاد من الغاية ذلك، و فيه منع، بل قد يعطي التدبر و التأمل الجيد في عبارة المعتبر و التذكرة و المختلف و المنتهى و الذكرى و غيرها عدم الخلاف في ذلك بين الأصحاب، و إن المراد من الجبهة عندهم ما يشمل الجبين على تفاوتها مترتبة في شدة الظهور بذلك، لاقتصارهم على ذكر الخلاف في استيعاب الوجه و عدمه، و استدلال بعضهم بأخبار الجبين على الجبهة و عدهم أبا جعفر بن بابويه و ابن الجنيد من القائلين بمسح الجبهة، و قد عرفت نص هؤلاء على الجبين، بل و ابن أبي عقيل أيضا، فإنه قد حكى عنه في المختلف بعد دعوى التواتر السابق في الجبهة ما يشعر بإرادة الجبين منه، حيث أسنده إلى فعل النبي (صلى الله عليه و آله) فهذا مع ما سبق منهم فضلا عن توجه أحد منهم الى علاج تعارض ما دل على الجبهة و الجبين كالصريح فيما قلنا، سيما مع نص الشهيد في الذكرى على خلاف الصدوق في الحاجبين و تركه في الجبينين، الى غير ذلك.

نعم قد يومي الى خلاف أبي جعفر عبارة المعتبر في الجملة، مع احتمالها قويا إرادته بالنسبة للحاجبين، فلاحظ و تأمل جيدا.

و من ذلك ظهر لك سقوط ما في الحدائق، و تبعه الفاضل المعاصر في الرياض من اختيار الجمع الأول أي حمل أخبار الجبين على الجبهة مجازا للمجاورة، مؤيدا له بورود لفظ الجبين مفردا، و بأنه بدون ذلك يخلو ما عليه الأصحاب من التخصيص

199

بالجبهة عن المستند، أو يكون نادرا، و بإطلاقه على الجبهة في باب السجود في حسنة عبد الله بن المغيرة (1) و موثقة عمار (2) «لا صلاة لمن لا يصيب أنفه ما يصيب جبينه»

كإطلاق لفظ الوجه عليها فيه أيضا في صحيح أبي بصير (3) «إني أحب أن أضع وجهي موضع قدمي» و حسين بن حماد (4) «جر وجهك على الأرض من غير أن ترفعه»

الحديث. و بالرضوي (5) «و تمسح بها وجهك موضع السجود»

الى آخره.

إذ الذي ألجأهما إلى ذلك- مع أنه لا يتأتى فيما اشتمل على التثنية منها، و لا يجامع ما دل على المسح بالكفين، و فيه ترجيح المتحد على المتعدد، بل الأضعف من وجوه على الأقوى، بل لعله لا تعارض بينها مع ما في الرضوي (6) أيضا «اني أروي إذا أردت التيمم اضرب- الى أن قال- تمسح بأطراف أصابعك وجهك من فوق حاجبيك»

و ما يرسله حجة عندنا مع الانجبار دون ما يذكره، إلى غير ذلك- ظنهما اتفاق الأصحاب على الجبهة في الوجوب دون الجبينين، و هما المكتنفان بها من جانبيها مرتفعا عن الحاجبين، و قد عرفت ما فيه، و كأن الذي غرهما في ذلك التعبير بالجبهة من أكثر المتأخرين، مع جعل جماعة منهم كالمحقق الثاني و غيره القول بإلحاق الجبينين مخالفا له و ان اختاروه، لكنك قد سمعت التحقيق.

نعم لم نعثر على ما يدل على ما ذكره في الفقيه من الحاجبين و ان نفى البأس عنه في الذكرى، بل اختاره في جامع المقاصد ناقلا عن الصدوق أن به رواية مع أنا لم نجد ذلك منه في الفقيه و الهداية و لا حكي عن المقنع أو الأمالي، نعم في ذيل

الرضوي (7)

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب السجود- الحديث 7 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب السجود- الحديث 4 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب السجود- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب السجود- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(5) المستدرك- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(6) المستدرك- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(7) المستدرك- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 1.

200

«روي أنه يمسح على جبينه و حاجبيه»

فلعل ذلك منه شهادة على كون فقه الرضا من كتب الصدوق، و على كل حال فثبوت وجوب ما زاد من الحاجبين على المقدمة بذلك و نحوه نظر بل منع للأصل، و عدم ذكره في شيء من أخبار التيمم البياني و غير ذلك، و ان كان أحوط، خصوصا مع ملاحظة ما عساه يظهر من المنتهى من كون مسحهما من المسلمات، حيث قال بعد أن فرغ من البحث عن مسح الوجه: «فروع، ثالثها لا يجب مسح ما تحت شعر الحاجبين، بل ظاهره كالماء لما بيناه» و ما في شرح المفاتيح بعد أن حكى عن الأمالي أنه قال: مضى على مسح الجبين و ظهر الكفين مشايخنا قال: و أظنه قال: و الحاجبين، لكنه سقط من نسختي، إلا أنه قد يريد الأول ما كان منه من باب المقدمة، أو ما يلي طرف الأنف، و لم يثبت ما ظنه الثاني، بل و لو ثبت لكان متبينا خلافه بالنسبة إلى ذلك.

و المراد بطرف الأنف في كلام الأصحاب الأعلى، و هو ما يلي الجبهة كما صرح به بنو حمزة و إدريس و سعيد و العلامة و الشهيدان و غيرهم، لا الأسفل، بل في السرائر و غيرها الإزراء على من ظن ذلك من المتفقهة، و هو كذلك، لعدم اندراجه في شيء مما في الاخبار من الجبهة و الجبين بعد تنزيل أخبار الوجه عليهما كما عرفت، لكن في المحكي عن الأمالي في معقد المنسوب إلى دين الإمامية «يمسح من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف الأعلى، و إلى الأسفل أولى» إلى آخره و كذا الجعفرية، و عن حاشية الإرشاد و لم نقف على ما يشهد له، كالمحكي عن بعض في المنتهى أنه المارن إلا إطلاق لفظ الطرف في معقد إجماع السيدين و كلام بعضهم، و أنه يسجد عليه كالجبهة للإرغام، لكن يظهر من الجامع هنا أن الذي يرغم به في السجود الطرف الأعلى.

ثم إنه قد يظهر من المتن كما صرح به جماعة وجوب الابتداء في المسح من الأعلى