جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
373 /
201

على حسب الغسل في الوضوء، بل في الكفاية و الحدائق أنه المشهور، و شرح المفاتيح نسبته الى ظاهر الأصحاب، كالمنتهى الى ظاهر عبارة المشايخ، و هو كذلك، بل لعله ظاهر المحكي عن الأمالي منسوبا الى دين الإمامية و ان احتمل فيها كالمتن و بعض العبارات أو جميعها التحديد للممسوح للمنزلة و البدلية المشعرة بالمساواة في الكيفية، سيما بعد

قوله (عليه السلام) (1): «التيمم نصف الوضوء»

و للمنساق الى الذهن من التيممات البيانية للسائل عن الكيفية، بل لا يخطر بالبال غيره قبل التنبيه، سيما مع ملاحظة كيفية الوضوء، فلا يقدح عدم النصوصية في شيء منها على الابتداء بالأعلى حتى يتأسى به، على أنه لو وقع في البيان لذلك السائل ابتداء بغير الأعلى لنقله، لظهور سؤاله بإرادة الاقتداء بخصوص ما وقع من ذلك الفعل المشخص، و انه لم يكتف بإطلاق المسح الواقع في الكتاب و السنة، و لا أنكر عليهم في السؤال له، فيعلم منه عدم كفايته أو يشك، و للاحتياط اللازم المراعاة هنا سيما بعد ما عرفت من فتوى الأصحاب نصا و ظاهرا، و الرضوي (2) «تمسح بهما وجهك موضع السجود من مقام الشعر الى طرف الأنف»

و ان احتمل التحديد للممسوح أيضا، فما عن مجمع البرهان من القول بعدم الوجوب كما عساه يظهر من المدارك للإطلاق لا يخلو من نظر.

ثم انه مر في الوضوء في كيفية الابتداء بالأعلى ما يغني عن الإعادة، لظهور اتحادهما في ذلك بناء على القول به، كاتحادهما أيضا في حكم الجبيرة بلا خلاف أعرفه فيه، كما أنه قد مر في الضرب باليدين، و يأتي في المسح عليهما ما يغني تأمله عن كثير مما ذكر هنا، كالمسح بالكفين في حالتي الاختيار و الاضطرار، و كالنجاسة على الجبهة أو على الماسح متعدية أولا، و نحو ذلك، فلاحظ و تأمل جيدا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 1.

202

[في مسح اليدين]

و (ثالثها) مسح كل من اليدين في الجملة ضرورة من المذهب ان لم يكن من الدين، و الكفين و من الزندين إلى رؤوس الأصابع على المعروف بين الأصحاب، بل في ظاهر الانتصار أو صريحه كصريح الغنية و عن الناصريات الإجماع عليه، كما في المحكي عن الأمالي بعد نسبته للرواية (1) انه مضى عليه مشايخنا، بل عنه أيضا انه من دين الإمامية للتيمم البياني قولا و فعلا في المعتبرة المستفيضة جدا إن لم تكن متواترة، بل في صحيح زرارة (2) منها عن الباقر (عليه السلام) «ثم مسح وجهه و كفيه و لم يمسح الذراعين بشيء»

و هو نص في خلاف ما حكاه المصنف و غيره منسوبا إلى علي بن بابويه من وجوب مسح الذراعين أيضا حتى قال من جهته و الأول أظهر و كان اللائق به القطع بفساده لما عرفت، و للباء في الآية الشريفة المفسرة بالصحيح (3) السابق، و لعدم قدح خلافه بعد معروفية نسبه في تحصيل الإجماع هنا، سيما مع عدم تحققه أيضا بقرينة ما سمعته من ولده في الأمالي هنا و في الوجه، و نصه في الهداية و الفقيه و عن المقنع بخلافه من غير تردد، مع عظم منزلة والده خصوصا عنده.

كما أن اللائق القطع برد ما يشهد له، أو حمله على التقية، مما في خبر ليث المرادي (4) عن الصادق (عليه السلام) في التيمم «و تمسح بهما وجهك و ذراعيك» و مضمر سماعة (5) في الموثق «فمسح بها وجهه و ذراعيه إلى المرفقين»

جواب سؤاله عن كيفية التيمم، و صحيح ابن مسلم (6) عن الصادق (عليه السلام) عن التيمم «ثم ضرب بشماله الأرض، فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع، واحدة على ظهرها، و واحدة على بطنها، ثم ضرب بيمينه الأرض، ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه»

الحديث.

____________

(1) المستدرك- الباب- 9- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 5.

203

عملا بما ورد (1) منهم (عليهم السلام) من العرض على كتاب الله و التمسك بما وافقه، و على مذهب العامة و الأخذ بما خالفه، و احتمال المرفق في الصحيح الزند، و اشتماله على تثليث الضربات، و الطعن في سند الأول و الثاني بالإضمار و غيره، و احتمالهما إرادة بيان الحكم لا الفعل كما عن الشيخ أي كأنه غسل ذراعيه في الوضوء.

فلا وجه بعد ذلك و ما تقدم للجمع بينها و بين ما دل على الأول بالتخيير و إن أمكن أن لا يكون مما بين الأقل و الأكثر، بل لعله خرق الإجماع المركب و البسيط، و ما في المعتبر «إن الحق عندي أن مسح ظاهر الكفين لازم، و لو مسح الذراعين جاز، عملا بالاخبار كلها لأنه أخذ بالمتيقن» لا يريده، بل مراده الاحتياط كما يشعر به تعليله، و هو غير التخيير، و لا بأس به في حقه، لعدم قطعه، أو الاستحباب كما عن المنتهى و المدارك احتماله، بل عن كشف الرموز الحكم به حاكيا له عن الحسن بن عيسى، و إن كان لا يقدح فيه ظهور الخبر في التقية، للتسامح الذي قد يكتفى من جهته بالاحتمال على بعض الوجوه، و عليه بني استحباب الوضوء من بعض أسباب العامة، لكن إعراض الأصحاب عن ذلك هنا يمنع الحكم به.

و ما في الحدائق- ان أصحابنا جمعوا بين هذه الاخبار بالتخيير أو الاستحباب، ثم أخذ بذكر التعجب منهم و ما لا يليق به منه إليهم من غير مقتض- لم أتحققه من أحد منهم، و لو ثبت ما حكاه لكان الحري بالاتباع، إذ بفتاواهم تعرف أسرار الاخبار، و ينكشف عنها الغبار، كما إني لم أتحقق ما حكاه في السرائر عن قوم من أصحابنا أن المسح على الكفين من أصول الأصابع إلى أطرافها، و نسبه في كشف اللثام إلى القيل، و هو محجوج بجميع ما تقدم من الاخبار و محكي الإجماع، بل لعله كسابقه لا يقدح في المحصل منه، و ان جهل نسبه عندنا، لكنه مع عدم اعتبار ذلك في الإجماع عندنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

204

معروف عند ناقله على الظاهر و انه غير الامام، و لذا لم يكترث به.

مع أنه قد يشهد له

مرسل حماد بن عيسى (1) «ان الصادق (عليه السلام) سئل عن التيمم فتلا هذه الآية «وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما» (2) و قال «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ» (3) قال: فامسح على كفيك من حيث موضع القطع، و قال «وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» (4)

مع إمكان حمل روايات الكف عليه.

لكنه مع قصوره عن معارضته ما تقدم بالإرسال و غيره انما يتم لو كان «حيث» مضافا إلى لفظ «موضع القطع» و الفصيح إضافته إلى الجملة، و المعنى من حيث الكف موضع القطع، فكأنه (عليه السلام) استدل على أن المسح على الكفين بأن اليد مع الإطلاق يتبادر منها الكف، و إذا أريد الزائد عليها نص عليه بدليل آيتي السرقة و الوضوء، مع احتماله أيضا الإلزام للعامة، و تعليم الاستدلال عليهم، فيراد حينئذ موضع القطع عندهم، أو غير ذلك، فلا يعارض ما سمعت.

كما أنه لا يعارضه السؤال عن كيفية التيمم في الصحيحين عن الصادق (عليه السلام) بعد أن حكى قصة عمار و قبله «فمسح وجهه و يديه فوق الكف قليلا» و ان ظهر من الفقيه الفتوى بهما في بدل الجنابة خاصة، و لعله لاشتمالهما على قصة عمار، بل مطلقا عن المقنع لإطلاق السؤال فيهما عن كيفية التيمم، لوضوح قصورهما أيضا عن معارضة ما تقدم، و احتمالهما ككلام الصدوق المسح فوقها من باب المقدمة، فلا خلاف منه حينئذ، و ان السائل رآه يمسح فوقها و إن لم يكن مسح إلا عليها، و ان يكون «قليلا» صفة مصدر محذوف، أي مسحا قليلا أي غير مبالغ في إيصال الغبار إلى جميعها، و فوق الكف

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(2) سورة المائدة- الآية 42.

(3) سورة المائدة- الآية 8.

(4) سورة مريم- الآية 65.

205

حينئذ بمعنى على ظهرها، فيكون شاهدا حينئذ على ما ذكره المصنف و غيره من أن محل المسح ظهر الكفين لا المجموع، بل في المدارك و الحدائق أن ظاهرهم الإجماع عليه، و في الانتصار نسبته إلى الإمامية، كما عن كشف الرموز إلى عمل الأصحاب، بل هو بعض معقد المحكي عن الأمالي من النسبة إلى من مضى من مشايخنا.

و يدل عليه مع ذلك ما في صحيح زرارة (1) المروي في مستطرفات السرائر «ثم مسح بكفيه كل واحدة على ظهر الأخرى»

كحسن الكاهلي (2) و لا ينافيها إطلاق الكف في غيرها، لوجوب تنزيلها عليه بعد ما عرفت، سيما و في بعضها (3) «على كفيه».

نعم يجب الاستيعاب كالجبهة من غير خلاف يعرف فيها، بل في المنتهى نسبته إلى علمائنا، لتبادره من النصوص و الفتاوى و إن كان ربما يتأمل في ترك بعض ما لا يخرجه عن مسمى مسحه عرفا، سيما بعد ظهور التيممات البيانية في عدم التدقيق بذلك، و الاجتزاء بالمسح مرة واحدة، و لعله لذا اكتفى في مجمع البرهان بمسح ظهر الكف مرة واحدة مع عدم التهاون و التقصير في الاستيعاب و ان لم يستوعب جميع الظهر بحيث انتفى ما بين الأصابع، سيما ما بين السبابة و الإبهام و بعض الخلل، لكنه لا يخلو من تأمل ان أراد غير ما ذكرنا، بل و ان أراده أيضا، لما عرفت من الإجماع ظاهرا، بل لعله محصل على وجوب الاستيعاب، على أن ذلك الصدق من المسامحات العرفية في نفس الإطلاق، نعم لا يجب استيعاب مسح الممسوح بتمام الماسح كما تقدم في الجبهة، و به صرح جماعة، لصدق الامتثال، خلافا للمحكي عن مجمع البرهان، و ربما توهمه بعض العبارات، و لعله لدعوى التبادر من المسح بالكف، و فيه منع واضح.

نعم يجب المسح بالباطن كالضرب و مسح الجبهة بلا خلاف يعرف فيه للتبادر، كما أنه مع التعذر فبالظاهر، و قد مر البحث فيه في الضرب.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 6.

206

و لو تجدد العذر بعد مسح الوجه و لم يفتقر مسح اليدين إلى ضربة أخرى فالأحوط بل المتعين الاستئناف، لظهور الأدلة في المسح بما يضرب به.

و لو تجدد بعد الضربة الثانية قبل المسح احتمل الاكتفاء بضرب الظهر مرة أخرى، و لو تعذر الظهر احتمل صيرورته كالاقطع، و التولية، و كونه فاقد الطهورين، و الجميع للاحتياط، و لم أعرف من احتمل هنا جواز الضرب له بغير الظهر من الذراع كما احتمل في ما مسح الوضوء، و قد مر هناك ما له نفع هنا، كما أنه قد مر في حكم الجبائر و ما في حكمها منه ما يغني عن التعرض لها. على أنه لم أعرف خلافا فيه هنا أيضا، بل قد ذكرنا هناك ان مطلق الحاجب و ان لم يكن من الجبائر و ما في حكمها ينتقل اليه حكم المحجوب مع تعذر إزالته أو تعسره، و لكن الاحتياط لا يترك، كما أنه قد مر في الجبهة من البحث في الابتداء من الأعلى ما يظهر منه الحكم في الابتداء من الزند هنا، لاتحادهما في أكثر ما ذكر هناك، و من هنا لم يفرق أحد بينهما إلا من ندر من بعض متأخري المتأخرين كأصل الخلاف فيه أيضا.

و كذا مر في الضرب باليدين من البحث عن حكم النجاسة ما يكتفى به هنا، و ذكرنا أن المختار عندنا جواز المسح عليها مطلقا مع تعذر الإزالة، سواء كانت حاجبة أولا، و متعدية أولا ما لم تستلزم نجاسة التراب، بل و معها في احتمال، و في آخر التولية أو السقوط في خصوص ذلك العضو، أو يكون فاقد الطهورين، أو غير ذلك و ان كان تفصيل البحث في هذه الفروع مما يحتاج إلى تطويل و إطناب، خصوصا بالنسبة للنجاسة باعتبار عروضها للماسح فقط مع الاستيعاب و عدمه، و التعدي و عدمه، و الحجب و عدمه، أو للممسوح فقط كذلك، أو للجميع، و بالنسبة إلى صور التعذر أيضا كذلك، لكن التأمل في مطاوي كلماتنا في الضرب و في الجبائر و في ماسح الوضوء و غيرها يظهر منه حكم كثير من ذلك، إلا أن الاحتياط لا بد منه، لعدم وضوح استنباطها

207

بحيث يطمئن إليه الفقيه، إذ لا دليل خاص فيها، و الأصول و قاعدة انتفاء المركب كقاعدة الميسور و غيرها متصادمة، مع عدم التنقيح و التحرير لشيء منها هنا، و الله و رسوله و حججه (صلوات الله عليهم) أعلم.

كما أنه يظهر لك مما تقدم في الوضوء من حكم اليد الزائدة و الأصلية و اللحم المتدلي من غير محل الفرض و النابت فيه و غير ذلك، و كذا حكم الشعر، و ان الأقوى عدم وجوب استبطانه هنا، حتى لو كان التيمم بدل الغسل، و حتى لو كان فيما لا ينبت فيه غالبا كالجبهة، بل يمكن القول بعدم وجوب استبطان شعر الأغم، و هو من كان قصاص شعره على بعض الجبهة أيضا، للعسر و الحرج و غيرهما، فتأمل جيدا.

[في وحدة الضرب و تعدده]

و يجزئ في ما هو بدل الوضوء من التيمم ضربة واحدة بباطن كفيه على حسب ما تقدم لجبهته و ظاهر كفيه، و لا بد فيما هو بدل من الغسل عن جنابة أو حيض و نحوهما من ضربتين واحدة للجبهة، و أخرى لظاهر الكفين و قيل كما عن ظاهر المفيد في الأركان و علي بن بابويه بل عن المنتقى أنه مذهب جماعة من القدماء في الكل ضربتان، و قيل كما في ظاهر الهداية و الغنية و صريح جمل المرتضى كما عن شرح الرسالة له و غرية المفيد و القديمين و المعتبر و الذكرى و ظاهر المقنع و الكليني في الكافي و القاضي في الكل ضربة واحدة، و التفصيل أفضل، و الأول أشهر و أظهر بل هو المشهور نقلا و تحصيلا بين المتقدمين و المتأخرين شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل لعل ظاهر التهذيب كالمحكي عن التبيان و مجمع البيان دعواه، كما عن الأمالي نسبته إلى دين الإمامية الذي يجب الإقرار به، و في الذكرى إلى عمل الأصحاب، و عن كشف الالتباس و شرح الجعفرية إلى المتأخرين.

قلت: و هو كذلك، بل لم يعرف مفت بغيره منهم في سائر كتبهم إلى زمن الأردبيلي و الكاشاني الذين هما أول من فتحا باب المناقشة للأصحاب، مع أن أولهما

208

قال: هو أحوط و أولى، و ما نسب إلى المعتبر و الذكرى من الاجتزاء بالمرة فهو و هم قطعا كما لا يخفى على من لاحظهما، و تبعهما بعض متأخري المتأخرين كالمجلسي في بحاره، و السيد في مداركه، و المحدث البحراني في حدائقه، و الفاضل المعاصر في رياضه، فاجتزوا بالمرة في الجميع، و أعرضوا عما عليه المتأخرون، بل لعله بين القدماء كان كذلك أيضا، كما نسبه في حاشية المدارك إلى أغلبهم، و يشعر به ما سمعته عن الأمالي و غيره، و منه مع تصريحه به في الفقيه الذي قد ذكر في أوله أنه لا يفتي فيه إلا بما يعلمه حجة بينه و بين ربه يقوى عدم إرادته غيره من ظاهر الهداية و المقنع، سيما مع غلبه تعبيره بهما بمتون الاخبار فلاحظ، كشيخه الكليني و ان اقتصر في ذكر صفة التيمم على غير المشتمل على المرتين، إذ لعله كان من الواضحات عنده، و ابن زهرة و ان كان في أول كلامه الاجتزاء بالمرة لكنه قال بعد ذلك: «قد روى أصحابنا ان الجنب يضرب ضربتين، إحداهما للوجه، و الأخرى لليدين، و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك» انتهى.

و لعله يوجبه هنا، كما ان المرتضى في الجمل قال بعد ذكر ما ظاهره الاجتزاء بالمرة:

«و قد روي أن تيممه ان كان من جنابة أو ما أشبهها ثنى ما ذكرناه من الضربة و مسح الوجه و اليدين» و لعل عمله عليها، على انه نقل عنه في المصباح موافقة المشهور، كالمفيد في مقنعته كذلك، و لم يحضرني الغرية و شرح الرسالة ككلام القديمين و القاضي، و ليس النقل كالعيان، مع أني لم أعرف من حكاه عن الأخير إلا سيد الرياض، كما انه لم يحضرني الأركان، و لا كلام والد الصدوق المنسوب إليهما القول بالمرتين، مع أن المحكي من عبارة الأخير وجوب الثلاث، كما حكاه في المعتبر عن قوم منا لنا، لتعبيره بمضمون

صحيح ابن مسلم (1) عن الصادق (عليه السلام) عن التيمم «فضرب بكفيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 5.

209

على الأرض، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع، واحدة على ظهرها، و واحدة على بطنها، ثم ضرب بيمينه الأرض، ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه»

الحديث.

لكنه قد يقال: إنه لا صراحة فيه كالصحيح أيضا بالتثليث، بل هما ضربتان، و ان فرق في آلتهما بالنسبة لليدين، و لذا نسب اليه القول بالمرتين في جملة من الكتب، و يؤيده غلبة اتحاد كلامه مع فقه الرضا (عليه السلام)، و الموجود فيه المرتان، و لعله يجيز هذا التفريق كالشيخ في الاستبصار، حيث حمل الصحيح على ذلك، و قال: إنه لا ينافي القول بالضربتين، و كذا الحر في وسائله، و هو لا يخلو من قوة في خصوص ضربة اليدين ما لم تفت الموالاة، و ان كان المنساق من الأدلة الضرب بهما دفعة، و في المعتبر بعد ذكره الصحيح أيضا «انا لا نمنعه جوازا» انتهى. و ليس ذا محل البحث فيه.

نعم قد يقال: إنه ليس من ذوي الضربتين مطلقا و ان نسب اليه ذلك، لما تقدم عن الأمالي من نسبة المشهور إلى الإمامية، مع ان والده عنده بتلك المكانة، و لظهور تعبيره بمضمون الصحيح السابق في كونه مستنده، و ذيله قد استدل به الشيخ في تهذيبه و استبصاره على القول بالتفصيل، كما عن غيره أيضا ذلك، و كأنه لما فيه بعد ما تقدم بلا فصل «ثم» قال: هذا التيمم على ما كان فيه الغسل، و في الوضوء الوجه و اليدين إلى المرفقين، و ألقي ما كان عليه مسح الرأس و القدمين، فلا يؤمم بالصعيد، و لا ينافيه اشتماله على مسح الذراعين، فقد يكون والد الصدوق (رحمه الله) نظر إلى ما نظر اليه الشيخ في هذا الصحيح، فيكون من المفصلين أيضا.

لكن لا يخفى عدم وضوح المراد بما بعد لفظ الغسل بناء على ما فهم الشيخ من الصحيح إلا بتكلف سمج، إلا أنه لعله لا يقدح في الاستدلال بما قبله، و لو لا اعتراض الواو بل و الإشارة لأمكن بل لتعين أن يكون بفتح الغين من الغسل على معنى أن التيمم

210

على المغسول من الوضوء دون الممسوح، فلا يصلح دليلا للتفصيل حينئذ، و لعل بعض النسخ بدون الواو على ما قيل، بل فيما حضرني من نسخة الوافي ذلك إلا أن الذي وقفت عليه من نسخة التهذيب و الاستبصار و الوسائل بالواو.

و كيف كان فحجة المشهور- بعد قاعدة الشغل فيما هو بدل الغسل، و ظواهر الإجماعات السابقة المؤيدة بتلك الشهرة العظيمة المستقيمة المستمرة في برهة الزمان الطويل، مع غلبة اختلاف أقوال أهله في الكتاب الواحد فضلا عن الكتب المتعددة خصوصا العلامة، و لذا قد يظن معها انقراض الخلاف، كما انه يستبعد معها خفاء مثل هذا الحكم عليهم مع كثرة الاحتياج إلى التيمم، سيما مع قرب العهد من مثل الصدوق (رحمه الله) و نحوه حتى نسبه إلى دين الإمامية، و وقوعه في مثل النهاية و غيرها كما قيل مما هي متون أخبار، و فتوى من لا يعمل إلا بالقطعيات به كابن إدريس و غيره حتى قال في السرائر انه الأظهر في الروايات و العمل، و به أفتي و نسب القول بالمرة إلى الرواية، و شدة بعده عن مذهب العامة المأمور بخلافها، لان الرشد فيه، إذ لم يحك عن أحد منهم القول به دون غيره من الضربة في الجميع، ففي التذكرة أنه قال به الأوزاعي و أحمد و إسحاق و داود بن جرير الطبري و الشافعي في القديم، و في المنتهى انه نقله الجمهور عن علي (ع) و عمار و ابن عباس و عطاء و الشعبي و مكحول و الأوزاعي و مالك و إسحاق و أحمد و في البحار عن الطيبي في شرح المشكاة أنه مذهب علي (عليه السلام) و ابن عباس و عمار و جمع من التابعين، و دون الضربتين في الجميع فعن كثير من فقهائهم بل أكثرهم، و أما القول بالتفصيل فلم نعرف أحدا قال به منهم، و لعل ذلك هو السر في عدم صراحة الاخبار و كثرتها به، إلى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة- انه وجه الجمع بين ما دل على المرة من الأصل في وجه، و إطلاق الآية (1).

____________

(1) سورة المائدة- الآية 9.

211

كبعض

المعتبرة (1) المسؤول فيها عن التيمم، فقال: «تضرب بكفيك الأرض ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و يديك»

و من التيممات البيانية (2) بعد السؤال عنه أيضا كذلك من الأئمة (عليهم السلام) و النبي (صلى الله عليه و آله) لعمار بنقلهم عنه.

خصوصا ما في الصحيح (3) منها في وصف أبي جعفر (عليه السلام) تيمم النبي (صلى الله عليه و آله) لعمار، قال: «فقال له: أ فلا صنعت كذا، ثم أهوى بيديه الأرض فوضعهما على الصعيد ثم مسح جبينه بأصابعه و كفيه، إحداهما بالأخرى، ثم لم يعد ذلك»،

فان في التتمة إشعارا بكون الملحوظ بيانه اتحاد الضرب و تعدده، سيما مع ظهور كونها من الامام (عليه السلام)، لان نقله ذلك للراوي في مقام البيان ظاهر في إرادة بيان عدم الإلزام بذلك ردا على من قال بالتكرير من أكثر العامة.

و ما في الموثق منها (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا عن التيمم «فضرب بيده الأرض، ثم رفعها فنفضها ثم مسح بها جبهته و كفيه مرة واحدة»

كخبر آخر أيضا (5) إذ حمل المرة فيه على المسح دون الضرب بعيد، لعدم كونه محل توهم أو مناقشة من عامة أو خاصة، فنقله خصوصا من مثل زرارة خال عن الفائدة، بخلاف حمله على ذلك، لما فيه من نزاع كثير من العامة به و قولهم بالتعدد، و منه احتاج الرواة سؤال أئمتهم (عليهم السلام) عنه، إلى غير ذلك مما دل عليها كالمروي مرسلا (6) في فقه الرضا (عليه السلام) و نحوه.

و بين ما دل على المرتين ك

صحيح الكندي (7) عن الرضا (عليه السلام) «التيمم ضربة للوجه، و ضربة للكفين» و ليث المرادي (8) عن الصادق (عليه السلام) في التيمم

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 6.

(6) المستدرك- الباب 9- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(8) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 2.

212

قال: «تضرب بكفيك على الأرض مرتين، ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و ذراعيك» و ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن التيمم، فقال: مرتين مرتين للوجه و اليدين»

و غير ذلك، بحمل الاولى على بدل الوضوء، و الثانية على بدل الغسل.

و شاهده- بعد الشهرة العظيمة التي منها مجردة يضعف الظن بشمول أدلة المرة لما كان بدل الغسل و بالعكس، بل هو أولى لندرة القول به جدا، فكيف بعد اعتضادها بظاهر الإجماعات السابقة التي بعضها كالصريح بل صريح، و بما عرفته سابقا مفصلا، و بظاهر صحيح ابن مسلم السابق المشتمل على التثليث ظاهرا بناء على ما فهم الشيخ منه، بل و بما رواه في المنتهى عنه أيضا في الصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) «ان التيمم للوضوء مرة واحدة، و من الجنابة مرتان»

و ان طعن فيه جماعة ممن تأخر عنه بأنه لا وجود له في كتب الحديث، و بأنه توهمه من فذلكة ذكرها الشيخ في تهذيبه، فظن انها رواية، إذ جلالة قدره و حسن تثبته سيما في كتابه هذا يدفع ذلك عنه، و لعله اطلع عليه فيما لا يطلع عليه غيره كما هو مظنته و من أهله، بل و بما سمعته أيضا من المرسل في جمل المرتضى و الغنية سيما بعد نسبة الثاني له إلى رواية أصحابنا، و تقدم ما في السرائر أنه الأظهر في الروايات، كما عن الصيمري في شرح الشرائع نسبة التفصيل إلى روايات، و كذا يفهم من المصنف في المعتبر تعدد الرواية به، بل هذه المراسيل من مثل هؤلاء بعد الانجبار و التأييد بما مر في أعلى مراتب الحجية لا مؤيدات، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي مضت الإشارة إلى بعضها- ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: كيف التيمم؟ قال: هو ضرب واحد للوضوء، و الغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه، و مرة لليدين»

الحديث.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 4.

213

و المناقشة فيه- باحتمال أو ظهور عطفية الغسل على الوضوء، لا الاستيناف بأن يكون جملة خبرية، فيوافق ما في الموثق (1) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن التيمم من الوضوء و الجنابة و من الحيض للنساء سواء، فقال: نعم»

و بظهوره في تعاقب الضربتين ثم المسح بهما على الوجه و اليدين على التعاقب مع تخلل النفضة- يدفعها بعد مخالفة الظاهر من لفظ الضرب خصوصا في باب التيمم، و عدم ملائمة أول الجواب للسؤال حينئذ، و إجمال إرادة السائل من التسوية الأعضاء أو المسح أو غيرهما المورث إجمالا في الجواب، لعدم استقلاله هنا، مع احتمال إرادته اجتماع الوضوء و الجنابة، فيكون القسم الأول من السؤال في الجنابة خاصة، لسقوط الوضوء كما عساه يشعر به عدم عود لفظ «من» في الجنابة، و الإتيان بها في لفظ الحيض، و موافقته

للصحيح (2) حينئذ «سألته عن تيمم الحائض و الجنب سواء إذا لم يجدا ماء قال: نعم»

مع ضعف المناقشة الأخيرة من وجوه الانجبار بما سمعت، لا أقل من أن يكون مرجحا لأحد الاحتمالين على الآخر، على أنهما لا يتأتيان في متنه

المروي في المعتبر، قال: «هو ضربة واحدة للوضوء، و للغسل من الجنابة تضرب بيديك ثم تنفضهما مرة للوجه، و مرة لليدين».

و كذا المناقشة في أصل هذا الجمع أولا بعدم قبول أخبار المرة له، لما في جملة منها نقل وقوع البيان لعمار و قد كان جنبا، سيما مع ما في بعضها «ثم لم يعد ذلك» كما أن في بعض أخبار المرة التصريح بالوحدة المؤيد بما دل على التساوي كما سمعت، و ثانيا بإمكان حمل أخبار المرتين على الندب أو على التخيير، و أولى منهما التقية، لأنه مذهب أكثر العامة كما قيل، بل فيما اشتمل منها على مسح الذراعين إشعار به، كاجمال الوجه و اليدين في آخر، و نحو ذلك، إذ بعد الأعضاء عن إمكان دفعها بما عرفت قد يقال:

إنه لا دلالة فيما اشتمل منها على قصة عمار على الاتحاد، حتى فيما نقل من فعل النبي

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 7.

214

(صلى الله عليه و آله) بيانا له، لظهور سياق الجميع بكون المراد كيفيته لا من حيث اتحاد الضرب و تعدده، بل بيان الممسوح و نحوه ردا على من قال من العامة أنه غير الجبهة أو غير الكفين كما يشعر به ما في بعضها (1) «مسح وجهه و كفيه و لم يمسح الذراعين بشيء» و في آخرين (2) «فمسح فوق الكف قليلا» و في آخر (3) «ثم مسح بجبينيه و كفيه»

إلى غير ذلك مما يدل على كون الملحوظ للراوي الكف أو الجبين لا تعدد الضرب و اتحاده، و يشعر به أيضا الاستدلال من الأئمة (عليهم السلام) بآية السرقة تارة، و بإفادة الباء التبعيض أخرى، و بالاستناد إلى قصة عمار معلمين ذلك شيعتهم و خواصهم.

و من هنا يظهر لك وجه الاختلاف في نقل قصة عمار حتى فيما نقله زرارة منها عن الباقر (عليه السلام) و كأنه لاختلاف المقامات التي يحتاج التمسك بها فيه، فمرة للجبين مثلا، و أخرى للكفين، و هكذا.

و مما يؤيد ذلك كله أنه قد يقطع المتأمل أن هذه الاخبار ليس مما أريد بها ذكر بيان تمام التيمم، و كيف مع أنه ترك فيها أكثر واجباته من الابتداء بالأعلى و الترتيب بين اليدين و غيرهما، فيعلم أن صدور ذلك من الرواة أو الأئمة (عليهم السلام) فيما اتفق تعلق خصوص المقام ببيانه، كما هو واضح و نافع.

و من ذلك كله يظهر أن المراد بقوله (عليه السلام): «لم يعد ذلك» التجاوز لا الإعادة، بل و لو سلم فظاهره بالنسبة للمسح كما ورد نظيره بالنسبة للغسل في الوضوء، إذ قد يتعلق أغراض ببيان ذلك.

و كذا ما ذكره الخصم من أخبار الوحدة فإنها صريحة أو كالصريحة في إرادة المسح لا الضرب، و لو سلم فلا ظهور فيها في بدل الغسل، كما أنه يظهر لك إمكان القدح

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 2 و 4.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 6.

215

لو لا الانجبار بالشهرة و نحوها في دلالة سائر التيممات البيانية على اتحاد الضربة، سيما بعد إجمال مراد السائل عن التيمم الذي قد وقع الجواب في بيانه، أو ظهور كون المراد ما يشترك به الوضوء و الغسل من ماهية التيمم، و احتمال عدم تعلق غرض الراوي بغير ما ذكره و إن بين له غيره، إلى غير ذلك.

و منه ينقدح أن المتجه على حسب ما يقتضيه تعارض الأدلة من إرجاع الضعيف إلى القوي التصرف فيما دل على المرة لا التكرار، لقوة دلالة الثانية من وجوه بالنسبة للأولى، فحمل الخصم لها على الندب و إبقاء تلك على إطلاقها في غير محله، على أن ذلك غير ملائم للسؤال فيها عن كيفية التيمم، بل لم يعرف القول بالاستحباب لأحد من الأصحاب سوى ما حكي عن المرتضى، و استحسنه بعض من تأخر عنه، فلعل القول به خرق للإجماع المركب، كالحمل على التخيير إن لم يكن بين الأقل و الأكثر بل بين الواجب و تركه، و أما حملها على التقية فإنه و ان استجوده المجلسي في بحاره، و تبعه بعض من تأخر عنه لمشهورية القول بالتكرار فيما بينهم، لكن- مع أنه يأباه ما في بعضها من ذكر النفض المنكر عندهم، كآخر الكفين، و المعروف عندهم الذراعان، و ان نقل عن ابن حنبل القول بالكفين، و هو معاصر الرضا (عليه السلام) إلا أنه يرى الضربة الواحدة لا الضربتين- لا موجب له، بل ربما يقال بعدم جوازه، لما عرفت من مشهورية القول بالمرة عندهم أيضا حتى نقلوه عن علي (عليه السلام) و عمار و ابن عباس و غيرهم، فلا تقية فيه منهم، نعم لم ينقل عن أحد منهم القول بالتفصيل، فلا بأس بالتقية من جهته، و لعله لذا لم يكثر التصريح في الاخبار به.

فاتضح لك بحمد الله ضعف القول بالمرة مطلقا جدا، بل لعل إطلاق القول بالمرتين أقوى منه من جهة الأدلة و ان كان نادرا بالنظر للقائلين، و من هنا كان التفصيل هو الأظهر، لكن الاحتياط في التعدد فيما هو بدل الوضوء لأجله لا ينبغي تركه،

216

و أحوط منه الإتيان بتيممين، أحدهما بالوحدة، و آخر بالتعدد مراعاة للموالاة، بل و كذا فيما هو بدل الجنابة أيضا.

كما أنه اتضح لك حينئذ سقوط ما في كتب جماعة من متأخري المتأخرين من الركون للقول بالمرة مطلقا، خصوصا ما في رياض الفاضل المعاصر، فإنه لم يأل جهدا في تزييف القول بالتفصيل حتى ذكر فيه انه كتب رسالة مستقلة في ذلك، و ليتنا عثرنا عليها فرأينا ما ذكر فيها، و نسأل الله أن يوفقنا لكتابة رسالة في مقابلتها تحتوي على ما طوينا ذكره هنا مما يفيد قوة التفصيل، و ان كان فيما سمعته الكفاية إن شاء الله.

ثم انه لا فرق في كيفية التيمم بين أسباب الغسل من الجنابة و الحيض و النفاس و غيرها قولا واحدا، سواء قلنا بالمرة أو التكرار، للتساوي في المبدل عنه، و للصحيح السابق، نعم قد يفرق بينها بوجوب تيمم واحد بدل الوضوء و الغسل كالماء لحدث الجنابة بلا خلاف أجده فيه للبدلية، و ظاهر الآية، و صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) السابق في أدلة التفصيل و غيره، و لا يجب التعرض للاستباحة من الحدث الأصغر حينئذ كالغسل، لكن حكى في جامع المقاصد عن ظاهر الشيخ وجوبه، و لعله لضعف البدل، و هو ضعيف جدا كضعف ما حكاه عن ظاهره أيضا من إيجاب التعيين في الأحداث الصغر لو اجتمعت، بخلاف غير الجنابة فتيممين، أحدهما للغسل، و الآخر للوضوء بناء على إيجابه ذلك و عدم الاجتزاء بالغسل عنه، كما صرح به جماعة منهم الفاضل في جملة من كتبه، و المحقق الثاني في جامعه، و الفاضل الأصبهاني في كشف لثامه، بل قد يشعر الأخير بعدم خلاف فيه لوجوب المبدلين، و عدم إغناء أحدهما عن الآخر، فالبدل أولى لضعفه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 4.

217

و ما في المقنعة من التسوية بين تيمم الجنابة و الحيض و النفاس

كالصحيح (1) الذي استدل به الشيخ له في تهذيبه «سألته عن تيمم الجنب و الحائض سواء إذا لم يجدا ماء فقال: نعم»

منزل على إرادة الكيفية لا الكمية، مثل ما دل (2) على مساواة غسلها لغسله، لكن في الذكرى و تبعه في المدارك ان ظاهر الأصحاب المساواة فيهما حتى انه نسب في الأولى تعدد التيمم في نحو الحائض إلى تخريج بعض الأصحاب ذلك على وجوبه في المبدل، إلا أنه قال: لا بأس به، و في الثانية أن الأظهر الاكتفاء بالتيمم الواحد بناء على ما اخترناه من اتحاد الكيفية، و عدم اعتبار نية البدلية، فيكون جاريا مجرى أسباب الوضوء و الغسل المختلفة، و فيه- مع أنا لم نتحقق ما نسباه إلى ظاهر الأصحاب إن لم يكن قد تحققنا خلافه، و التسوية السابقة قد عرفت ما فيها- انه لا تلازم بين القول باتحاد الكيفية و عدم اشتراط نية البدلية و بين ما نحن فيه بعد فرض التعدد في المبدل، و أصالة عدم التداخل في البدل.

نعم أقصى القول بالاتحاد صلاحية التداخل بالدليل لا انه يكون دليلا، و معه يتجه القول و إن لم نقل بالاتحاد لكن يكون حينئذ من الاسقاط لا التداخل، كما ان التداخل أيضا يرجع عند التأمل إلى ذلك على ما ذكرناه سابقا في باب الوضوء.

و دعوى كونها كأسباب الوضوء حينئذ ممنوعة، كدعوى كونها كأسباب الغسل المختلفة، و ان قلنا بالتداخل فيها بالدليل هناك لا لاتحاد الكيفية.

و احتمال شمول دليل التداخل لما نحن فيه أيضا يدفعه انه ظاهر في اجتماع أسباب متعددة لمسبب متحد في الكيفية أصلا لا بدلا، إذ هو لا يزيد على المبدل عنه، ف

قوله

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الحيض.

218

(عليه السلام) (1): «إذا اجتمعت عليك لله حقوق أجزأك عنها غسل واحد»

يراد به حقوق يوجب كل واحد منها غسلا لا وضوء و غسلا مثلا، فبدل الغسل حينئذ إنما يقوم مقامه فيما أجزأ عنه من الأغسال.

و من هنا يتجه القول بالتداخل حينئذ في التيممات مع تعدد الأسباب على حسب ما ذكرناه في الأغسال، بل قد يجزئ عن الوضوء حيث يجتمع الجنابة مع الحيض مثلا على حسب الغسل، كما انه يجزئ التيمم بدل الجنابة عن غيره لو كان معه و ان لم ينوه إن قلنا به في الغسل، خلافا للمحكي عن ظاهر الشيخ، فاعتبر التعرض لتعيين الحدث هنا، و هو ضعيف، بخلاف العكس فلا يجزئ إلا مع النية بناء على المختار هناك من اعتباره في الغسل، و إلا فبناء على عدم الاعتبار فيه يتجه هنا أيضا ذلك. لكنه احتمل في جامع المقاصد عدم الاجزاء و إن قلنا به في الغسل، قال: لان التيمم طهارة ضعيفة مع انتفاء النص على ذلك و عدم تصريح الأصحاب، فيتعين الوقوف مع اليقين، و هو ضعيف كاحتمال أصل عدم جواز التداخل في التيمم للأصل، و كون التيمم مبيحا لا رافعا، و الشك في تناول البدلية لمثل ذلك، لوضوح منع الجميع بظهور تناول البدلية له، و عدم الفرق بين الإباحة و الرفع هنا، و لذا ثبت التداخل في أغسال المستحاضة و نحوها مما هو مبيح لا رافع، فالأقوى حينئذ جريان التداخل في التيمم لكن على حسب ما تقدم في الغسل من اعتبار النية و غيرها مما يعرف من ملاحظة ذلك المقام، فلاحظ و تأمل، كل ذا للبدلية.

[في الاقتصار على الجبهة لو قطعت كفاه]

و كيف كان ف ان قطعت كفاه بحيث لم يبق منهما من محل الفرض شيء سقط مسحهما قطعا و إجماعا و اقتصر على مسح الجبهة و لا يسقط التيمم عنه بذلك بلا خلاف، بل لعله إجماعي ان لم يكن ضروريا، لقاعدة الميسور و البدلية و عدم سقوط

____________

(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الجنابة- الحديث 1.

219

الصلاة بحال و الاستصحاب، إذ لم يثبت اشتراط الاجتماع في هذا الحال، بل الثابت عدمه، و إلا لسقطت الطهارة مائية أو ترابية مدى العمر بذهاب بعض أجزاء الكف مثلا من إصبع أو بعضه بقرح أو جرح، و الضرورة على خلافه.

فما عن المبسوط إذا كان مقطوع اليدين من الذراعين سقط عنه فرض التيمم، و يستحب أن يمسح ما بقي مما ربما تخيل منه الخلاف لما ذكرنا حتى استدل له بقاعدة انتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه لا يريده قطعا، بل مراده كما صرح به في الخلاف سقوط فرض التيمم عن اليدين خاصة، كما يومي اليه ما نقل عنه من تعليل ذلك بأن ما أمر الله بمسحه قد عدم، فوجب أن يسقط فرضه، بل لعله يومي اليه ما ذكره من الاستحباب أيضا، لظهوره في أن له تيمما صحيحا، و انه يستحب له مسح ما بقي من الذراع، و حمله على إرادة الجبهة- فيكون المعنى أنه يستحب له مسح الجبهة و انه يصلي به حينئذ- بعيد بل ممتنع عند التأمل.

نعم يتجه عليه المطالبة بدليل ما ذكره من الاستحباب لو كان محل القطع فوق الزند، و لعله لما تقدم في الوضوء من الأمر ان قطعت يده من المرفق بغسل ما بقي من عضده، إذ الذراع هنا كالعضد هناك، كما أنه يحتمل إرادته نفس مفصل الكف أي العظم المتصل بمبتدإ الكف الذي هو منتهى الذراع، و لعله الذي يسمى بالرسغ، و فيه أن المتجه حينئذ وجوبه بناء على كونه كالمرفق الأصلي، لدخول مبتدأ الغاية في المغيا و ان لم نقل به فيها، و لما عرفت هناك من الوجوب الأصالي في المرفق عندنا لا المقدمي حتى يسقط و لو سلم كونه منه هنا، و لذا صرح جماعة بعدم وجوب مسحه، بل لم أعرف من صرح بوجوبه و ان احتمل، لعدم الدليل، بخلافه هناك، مع حرمة القياس فلا دليل حينئذ على استحبابه، اللهم إلا أن يكتفى في ثبوته لمكان التسامح فيه بالاحتياط، لاحتمال وجوبه الأصالي، و فحوى خبر العضد (1) و نحو ذلك، فتأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب التيمم- الحديث 2.

220

انما البحث في كيفية تيممه، فهل بتمعيك جبهته بالتراب، أو بضرب ذراعيه ثم المسح بهما مقدما على غيره من أعضائه، لقربها إلى محل الضرب، سيما مع بقاء المفصل و قلنا بأنه منه أصالة، أو مخيرا بينه و بين غيره منها، أو يجزئ كل من التمعيك أو الضرب السابق، أو يتعين عليه التولية؟ وجوه و احتمالات قد ذكرت مفرقة في الذكرى و جامع المقاصد و كشف اللثام، بل قد يظهر من الأول اختيار آخرها مع احتماله الأول، و الأخيرين الأول، كإطلاق بعضهم إجزاءه مع العذر، مع احتمال أولهما الثاني، و ثانيهما الأخير، كما أنه قد يظهر من إطلاق المصنف اختيار الوجه الثالث، لا طلاقه المسح، لكنه ظاهر في نفي الرابع من حيث تبادر المباشرة منه، و لا تعيين في النصوص لشيء منها حتى قاعدة الميسور، لكن لعل ما عدا الأخير أقرب إليها منه، و الثاني أقرب من غيره، و الاحتياط لا يترك.

[لو قطع أحد الكفين أو بعضهما ضرب بالباقية أو الباقي منهما]

نعم لو قطع أحد الكفين أو بعضهما ضرب بالباقية أو الباقي منهما و مسح الجبهة و على ما بقي من اليدين بذلك، إلا أنه يأتي البحث السابق أيضا في كيفية مسح ظهر الكف الباقية على تقدير قطع تمام الثانية، بل في الروضة سقوط مسح اليد هنا، لكنه غريب، بل الظاهر جريان ما تقدم في الجبهة فيه، بل و فيما هو مثل الأقطع أيضا كمربوط اليدين، و ان كان بعض الوجوه السابقة لا تجري فيه، إلا أنه يزيد باحتمال كونه فاقد الطهورين بخلاف الأقطع، فإنك قد عرفت ضعف هذا الاحتمال فيه.

[في وجوب استيعاب مواضع المسح في التيمم]

و قد مر سابقا ما له نفع تام في المقام، كما قد مر عند البحث على الجبهة و اليدين أنه يجب استيعاب مواضع المسح في التيمم منها بلا خلاف، بل في المنتهى و عن غيره الإجماع عليه ظاهرا، لانه المتبادر من النصوص (1) و الفتاوى و معاقد الإجماعات فلو أبقي منها شيئا عمدا أو نسيانا لم يصح لعدم صدق الامتثال إلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم.

221

إذا عاد عليه مراعيا للترتيب و الموالاة، و إلا فيعيد التيمم من رأس، و لعل ما عن المبسوط من إطلاق إعادة التيمم بذلك منزل على ما ذكرنا، و قد مر أيضا أن الأقوى عدم وجوب الاستيعاب بتمام الماسح خصوصا في الجبهة، و ان كان الأحوط ذلك، فلاحظ و تأمل.

[في استحباب نفض اليدين بعد الضرب]

و يستحب نفض اليدين أو بمعناه بعد ضربهما على الأرض لو علق بهما شيء للنصوص المستفيضة (1) و فيها الصحيح و غيره، و ظاهرها الوجوب، لكن في التذكرة الإجماع على عدمه، كما في المنتهى أنه يستحب عند علمائنا، خلافا للجمهور، و في المدارك انه مذهب الأصحاب لا نعلم فيه خلافا، و عن المقاصد العلية يجوز النفض إجماعا، و ربما قيل بوجوبه، و في المختلف ان ابن الجنيد اعتبر وجوب المسح بالتراب المرتفع على اليدين، و باقي أصحابنا استحبوا النفض، و ظاهره كجامع المقاصد و غيره انحصار الخلاف في ذلك بابن الجنيد، لاعتباره المسح بالتراب المرتفع، لكن قال جماعة من متأخري المتأخرين: إنه لا ينافي النفض، لانه لا ينفي التراب رأسا، و هو كما ترى لا يوافق ظاهر المحكي عنه، مضافا إلى ما عرفته سابقا في البحث عن العلوق.

و كيف كان فخلافه غير قادح، بل قد يظهر من المنتهى كما عن غيره بل كاد يكون صريحه الإجماع على خلافه، حيث قال: و لا يجب استعمال التراب في الأعضاء الممسوحة، ذكره علماؤنا، و هو اختيار أبي حنيفة، و قال الشافعي و محمد: يجب المسح به، و لعل ذلك منه و غيره قرينة على عدم إرادته بقوله في القواعد: «و لا بد من نقل التراب، فلو تعرض لمهب الريح لم يكف» ما عساه يظهر منه اعتبار العلوق، سيما مع اكتفائه فيها بمطلق الأرض فيما يتيمم به لا خصوص التراب، و قد مر في العلوق ما فيه الكفاية.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب التيمم- الحديث 3 و 6 و 7.

222

و عن الشيخ في نهايته و ظاهر مبسوطة انه يستحب مع النفض مسح إحداهما بالأخرى، و لعله للاستظهار في تنظيف اليد لفحوى الأمر بالنفض و النفخ، و تحرزا من تشويه الخلقة، أو انه يريد النفض بمسح إحداهما بالأخرى و صفقهما، لكونه المتبادر، لا نفض كل منهما مستقلا، لكن عن المحقق في النكت اني لا أعرف الجمع بين الأمرين، كما في المدارك لا نعلم مستنده، بل عن المنتهى انه لا يستحب مسح إحدى الراحتين بالأخرى، خلافا لبعض الجمهور، إلا أن ظاهره إرادة مسح إحدى الراحتين مع مسح ظاهر الكف لا ما نحن فيه، كما لا يخفى على من لاحظه، و لم يذكر المصنف غير النفض و قصد الربى و العوالي من مستحبات التيمم، و زاد في الذكرى السواك للبدلية، و التسمية لها أيضا، و لعموم البدأة باسم الله أمام كل أمر ذي بال، بل عن الظاهرية وجوبها و تفريح الأصابع عند الضرب مسندا له إلى نص الأصحاب، و أن لا يرفع عن العضو حتى يكمل مسحه، لما فيه من المبالغة في الموالاة، و أن لا يكرر المسح لما فيه من التشويه، و من ثم لم يستحب تجديده لصلاة واحدة و لا بأس به للتسامح و ان كان في البعض نوع تأمل.

[في صحة التيمم لو تيمم و على جسده نجاسة]

و لا يعتبر في صحة التيمم طهارة غير أعضائه من تمام البدن حتى محل النجو للأصل و إطلاق الأدلة من غير معارض، بل و البدلية، ف لو تيمم و على جسده نجاسة صح تيممه و ان كان متمكنا من إزالتها كما لو تطهر بالماء و عليه نجاسة في غير محل الوضوء مثلا

[في لزوم مراعاة ضيق الوقت في التيمم]

لكن في التيمم يراعى ضيق الوقت عنه و عن الصلاة خاصة ان كان التيمم لما يعتبر إزالتها في صحته كالصلاة و قلنا باعتبار الضيق فيه مطلقا أو مع الرجاء و كان متحققا، فلو تيمم حينئذ قبل إزالتها مع سعة الوقت له فسد، لا لان زوالها في نفسه شرط في صحته، بل لوقوعه حينئذ قبل الضيق المعتبر في صحته، إذ المراد به عدم سعة الوقت لغيره و الصلاة، فلا فرق حينئذ بين نجاسة البدن و الثوب و غيرهما مما يشترط في الصلاة، قيل: و لذلك أوجب تقديم الاستنجاء و نحوه عليه في المبسوط و النهاية و المعتبر

223

و ظاهر المقنعة و الكافي و المهذب و الإصباح.

و ربما يشهد له مع ذلك أيضا ما في خبر أبي عبيدة (1) عن الصادق (ع) سأله عن الحائض التي قد طهرت و لم يكن عندها ما يكفيها للغسل، فقال: «إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم و تصلي»

إلى آخره. لكن قد يناقش فيه على هذا التقدير أيضا أولا بأن المراد بضيق الوقت عند من اعتبره هو عدم زيادته عن الصلاة و شرائطها التي من جملتها التيمم و إزالة النجاسة، و إلا فلا دليل على وجوب تأخيره عن سائر شرائط الصلاة من الاستتار و نحوه، و ثانيا بظهور إرادة العادي من الضيق الذي لا ينافيه نحو ذلك في بعض الأحوال، و إلا لم يجز التيمم في موضع يحتاج أن ينتقل عنه إلى مصلاه، بل و لا فعل الأذان و الإقامة و نحوهما مما يقتضي السيرة بخلافه.

نعم قد يقال باشتراط تقدم خصوص الاستنجاء في صحته بناء على اشتراطه في الوضوء للبدلية، لكن قد عرفت ضعفه فيما سبق، كما عرفت عدم اعتبار المضايقة مطلقا في التيمم عندنا، فلا يتوجه البحث حينئذ فيما ذكره المصنف من أصله، و لعل عبارته هنا تشعر باختياره الضيق و إن كان قد تردد فيما مضى.

[الطرف الرابع في أحكامه]

الطرف الرابع في أحكامه و هي عشرة

[الأول من صلى بتيممه الصحيح لا يعيد]

الأول من صلى بتيممه الصحيح لا يعيد ما صلاة خارج الوقت لو وجد الماء فيه للأصل و قاعدة الاجزاء، مع احتياج القضاء إلى أمر جديد و ليس، و البدلية، سيما مع

قول النبي (صلى الله عليه و آله) (2): «يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين»

و الإجماع المنقول في الخلاف و المعتبر و التحرير و التذكرة و المنتهى منا، بل و من غيرنا عدا طاوس، و قد انقرض خلافه، كما عن الصدوق في الأمالي نسبته

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الحيض- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 12.

224

إلى دين الإمامية، و المعتبرة المستفيضة منها ما في حسن زرارة أو صحيحه (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه، و ليتوضأ لما يستقبل» و صحيح يعقوب بن يقطين (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) بعد أن سأل عمن تيمم و صلى فأصاب الماء أ يتوضأ و يعيد أم جازت صلاته؟

قال: «إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ و أعاد، فان مضى الوقت فلا إعادة عليه»

و منها إطلاق الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (3) و صحيح ابن سنان (4) «إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و يصلي، فإذا وجد الماء فليغتسل و قد أجزأته صلاته التي صلى»

كصحيح الحلبي (5) و العيص (6) و محمد بن مسلم (7) عنه (عليه السلام) أيضا مع زيادة ترك الاستفصال فيها، بل في الأخير منها تعليل عدم الإعادة بأن رب الماء رب الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين.

مضافا إلى فحوى ما دل على عدم الإعادة لواجد الماء في الوقت، ك

صحيح زرارة (8) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): فإن أصاب الماء و قد صلى بتيمم و هو في وقت قال: تمت صلاته و لا إعادة عليه» و أبي بصير (9) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تيمم و صلى ثم بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت فقال: ليس عليه إعادة الصلاة»

كالموثق (10) عنه (عليه السلام) أيضا بل و آخرين (11) مع زيادة التعليل بأن رب الماء هو رب الصعيد.

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 16.

(7) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 15.

(8) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 9.

(9) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 11.

(10) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 14.

(11) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 15 و 17.

225

فمنها- مع إطلاق الأولى، سيما مع غلبة إطلاق الإعادة على ما في الوقت، و البدلية، و قاعدة الاجزاء، و إطلاق إجماع التحرير، بل كاد يكون صريحا فيه، بل هو صريح معقد ما عن الأمالي من النسبة إلى دين الإمامية، و إجماع التذكرة- يظهر وجه إطلاق المصنف عدم الإعادة في الوقت و خارجه، كما هو المعروف بين القائلين بالمواسعة، بل لعل القائلين بالمضايقة مطلقا أو مع الرجاء كذلك أيضا لكن بشرط فرض صحة التيمم إما بأن يكون متيمما سابقا، أو لنافلة و جوزنا الدخول به في الفريضة، أو كان مع ظن الضيق، أو غير ذلك، إلا أنهم لم ينقحوا القول فيه بينهم، و ان كان يفهم ذلك من مطاوي كلماتهم، و ان أطلقوا البطلان على المضايقة، لكن عللوه باستلزام الفرض وقوعه في السعة حينئذ، و قد عرفت إمكان التصوير عليه بما ذكرنا، و بعد التسليم فهو خارج عما نحن فيه، لعدم صحة التيمم حينئذ عندهم، لا أنه صحيح و مع ذلك يكلف بالإعادة لوجدان الماء.

فظهر اتفاق الفريقين حينئذ على عدم الإعادة لذلك مع الحكم بالصحة، فما عن ابني الجنيد و أبي عقيل من القول بها في هذا الحال كأنه خرق للإجماع المركب ان لم يكن البسيط، خصوصا إن قلنا إن ذلك منهما على جهة الكشف، بمعنى جواز التيمم في السعة إلا أنه مراعى بعدم وجدان الماء في الوقت، كما هو ظاهر أو محتمل المحكي عن عطاء و طاوس و القاسم بن محمد و مكحول و ابن سيرين و الزهري و ربيعة، حيث جوزوا التيمم في السعة، و أوجبوا الإعادة مع الوجدان في الوقت، كالقديمين منا، مع أنا لم نعرف لهما مستندا سوى أصالة التكليف بالمائية، و هو مع أنه لا يعارض ما تقدم ممنوع هنا، و صحيح ابن يقطين المتقدم (1) و موثق منصور بن حازم (2) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل تيمم و صلى ثم أصاب الماء فقال: أما أنا فإني كنت أتوضأ و أعيد»

و هما

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 10.

226

- مع موافقتهما لما سمعت، و قصورهما عن معارضة ما عرفت من وجوه، و عدم التصريح في الثاني بكون الإصابة في الوقت- محمولان على الندب كما صرح به بعضهم، سيما مع إشعار الثاني به أو بالتقية، فيحملان عليها حينئذ، فظهر حينئذ أنه لا يعيد سواء كان في الوقت أو خارجه.

كما أنه كذلك سواء كان تيممه في سفر أو حضر بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكى عن المرتضى في شرح الرسالة منا، و الشافعي منهم من وجوب الإعادة على الحاضر إذا تيمم لفقد الماء ثم وجده، بل عن التنقيح حكايته عن الشيخ و بعض الأصحاب إلا أنا لم نتحققه، بل في الخلاف التصريح بعدم الإعادة، بل ظاهره أو صريحه الإجماع، كما أن عنه الإجماع على مساواة الحضر و السفر في ذلك، و هو مع إطلاقات الإجماعات السابقة و غيرها حجتنا على المرتضى، سيما لو أراد بالإعادة ما يتناول القضاء، مع أنا لم نعرف له مستندا كما اعترف به غير واحد إلا ما يشعر به خبر السكوني (1) الوارد في الزحام، و ستعرف ما فيه.

و دعوى أصالة التكليف بالمائية، و الترابية إنما تجزئ عن التكليف بها لا عن غيرها، كما أن أخبار عدم الإعادة إنما تنصرف لغيره، لندرة فقد مثله الماء، سيما مع عدم العموم اللغوي في أكثرها، و فيه- مع منع أصله عليه هنا، و انقطاعه بعد التسليم بما تقدم، و منافاته لقاعدة الاجزاء المعلومة عرفا خصوصا في المقام- ان ما دل (2) على تنزيل التراب منزلة الماء، و ان ربهما واحد، و انه أحد الطهورين و نحوها تتناول الجميع، و إلا لشك في أصل تسويغ التيمم له حينئذ لا في الإعادة خاصة، و من الواضح عندنا بطلانه كما تقدم في أول مسوغات التيمم، كما انه قد وضح لك الآن بطلان المحكي عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب التيمم.

227

المرتضى، مع أنه لم يعرف نقله عنه إلا من بعض المتأخرين.

نعم قيل كما عن التهذيب و الاستبصار و النهاية و المبسوط و المهذب و الإصباح و روض الجنان فيمن تعمد الجنابة و خشي على نفسه من استعمال الماء يتيمم و يصلي لعدم سقوط الصلاة بحال، و عموم أو إطلاق الأمر بالتيمم عند الخوف على النفس، بل و خصوص الجنب عند عدم التمكن ثم يعيد لعدم العلم باجزاء الترابية عنها هنا، سيما بعد ما ورد (1) من التشديد عليه بالاغتسال و ان تألم من البرد كما مر سابقا، و للمرسل (2) في الكافي و التهذيب و الاستبصار في أحد طريقيهما، بل و الآخر أيضا، لأنه عن عبد الله بن سنان أو غيره عن الصادق (عليه السلام) «عن رجل أصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف ان اغتسل، قال: يتيمم، فإذا أمن البرد اغتسل و أعاد الصلاة»

نعم هو في الفقيه صحيح، لانه قال: «سأل عبد الله بن سنان أبا عبد الله (عليه السلام)» إلى آخره. و طريقه اليه صحيح، و في السرائر و الجامع نسبته إلى الرواية، لكن ظاهر الأول عدم العمل بها.

و فيه- مع معارضته بما دل (3) على أمر مثله بالاغتسال على كل حال حتى حكى الشيخ في الخلاف الإجماع عليه و ان تقدم سابقا منع ذلك عليه، و منافاته لقاعدة الأجزاء التي هي هنا كادت تكون صريح الأدلة، خصوصا ما دل منها على تنزيل التراب منزلة الماء، و كونه أحد الطهورين، و ان ربهما واحد، بل في خبر السكوني (4) عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال لأبي ذر و قد جامع على غير ماء: يكفيك الصعيد عشر سنين»

بل قد يستظهر من الأخير المطلوب.

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 12.

228

كما أنه يستظهر أيضا مما تقدم من المعتبرة (1) الدالة على عدم الإعادة مطلقا، خصوصا المشتمل منها على عدم إعادة الجنب، إذ هي و ان كانت ظاهرة في فاقد الماء ثم أصابه لا ما نحن فيه، لكن مع إمكان دعوى المساواة بينهما تنزيلا للمنع الشرعي منزلة المنع العقلي، سيما بعد عدم حرمة الجماع عليه كما ذكرناه سابقا قد اشتمل بعضها على التعليل الشامل له، ك

صحيح ابن مسلم (2) «سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد و صلى ثم وجد الماء فقال: لا يعيد، ان رب الماء رب الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين»

و نحوه غيره (3) في ذلك، خصوصا مع اعتضاده بالأصل، و ظهور الأدلة في اتحاد الصلاة المأمور بها و ان اختلفت طهارتها مائية أو ترابية، و احتياج القضاء إلى أمر جديد و ليس، بل و الإعادة هنا أيضا، إذ هو مكلف حينئذ بصلاتين، و بما تقدم سابقا من إطلاق بعض ما حكي من الإجماع على عدم الإعادة على من صلى بالتيمم الصحيح، خصوصا بالنسبة للقضاء، و بالشهرة بين متأخري الأصحاب، بل و لعل غيرهم كذلك، إذ لم ينقل إلا عمن عرفت، مع عدم صراحة الأولين في المحكي عنهما، و لم يحضرني الباقي، و ليس النقل كالعيان، و غير ذلك- أنه لا صراحة بل و لا ظهور في الخبرين في المتعمد، بل قد يظهر منه المحتلم مثلا، مع إرسال الأول، و عدم صراحة الجملة الخبرية بالوجوب، فحمله على الندب متعين، أو التقية لكونه مذهب أبي يوسف و محمد و الشافعي و إحدى الروايتين عن أحمد أو غير ذلك.

و قد مر في السبب الثالث من مسوغات التيمم ماله نفع في المقام، خصوصا ما يتعلق بحل تعمد الجنابة لمثله حتى بعد الوقت، إلا في خصوص ما لو كان متمكنا من الوضوء، ففي المنتهى تحريمه لوجوب الطهارة المائية عليه حينئذ كما تقدم ذلك كله مفصلا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 15.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم.

229

كما أنه قد مر في السبب الأول من المسوغات ضعف القول بوجوب التيمم على من أراق الماء في الوقت ثم الإعادة، و إن ذهب إليه العلامة و غيره، فلا يتم ما قيل هنا أيضا: إن المراد بتعمد الجنابة في نحو المتن قبل الوقت لا بعده، لأنه كإراقة الماء بعده، على انه قياس: مع الفارق عند التأمل إذا لم يجد شيئا من الماء، لكون فرضه حينئذ التراب، فلا يتفاوت بين حدثية الأصغر و الأكبر، فلاحظ و تأمل.

و كذا قيل كما في الوسيلة و الجامع و عن المقنع و النهاية و المبسوط و المهذب فيمن منعه زحام الجمعة عن الخروج حتى خشي فواتها مثل ذلك أي يتيمم و يصلي بلا خلاف أجده فيه هنا حتى من بعض من أنكر جوازه للضيق، و لعله للفرق بينهما من حيث مانعية الزحام هنا لا الضيق مجردا، فيشمله حينئذ عمومات التيمم، ثم يعيد للشك في إجزائها عن المائية هنا، و ل

موثق سماعة (1) عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فأحدث أو ذكر أنه على غير وضوء، و لا يستطيع الخروج عن المسجد من كثرة الزحام قال: يتيمم و يصلي معهم، و يعيد إذا انصرف»

كخبر السكوني (2) بتفاوت لا يقدح في المراد.

و لعل الأقوى فيه عدم الإعادة أيضا وفاقا للفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم من متأخري المتأخرين، بل لعله لا خلاف فيه بينهم، للأصل و قاعدة الاجزاء، و البدلية، و التعليل السابق له باتحاد ربهما و كونه أحد الطهورين، و كثير مما مر آنفا من إطلاق معقد إجماع عدم الإعادة و غيره، فلا شك في الاجزاء حينئذ بعد ذلك، و لا قوة للخبرين على التخصيص و ان كان أحدهما موثقا، و الآخر عن الشيخ في العدة الإجماع على العمل بما يرويه، لكنهما مع ما سمعت ظاهران في إرادة الصلاة مع العامة، سيما و المعروف في ذلك الزمان انعقادها لهم، و اشتمال سؤالهما على عرفة مع ظهور

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب التيمم- الحديث 1.

230

الجواب عن الجمعة خاصة لا ينافي ذلك.

فيتجه حينئذ الإعادة لعدم إجزاء تلك الصلاة في حقه لو كانت بطهارة مائية فضلا عن الترابية، بل تكليفه صلاتها ظهرا، و الفرض انه متمكن من ذلك لاتساع الوقت و ارتفاع الزحام بعد الفراغ من الجمعة، و احتمال إجزائها لعموم أوامر التقية و ان كان متمكنا منها ظهرا ضعيف، فما في كشف اللثام- بعد ذكره الخبرين و هما و ان ضعفا إلا أن في إجزاء هذه الصلاة و هذا التيمم نظرا، فالإعادة أقوى- متجه ان أراد ما ذكرنا و إلا كان محلا للتأمل، بل و المنع لما عرفت، اللهم إلا أن يريد أنه يشك مع عدم تمكنه من المائية في وجوب الصلاة جمعة عليه و ان لم يكن تقية، لأن لها بدلا مع تعذرها، و هو صلاتها ظهرا فلا يكون خوف فواتها حينئذ مسوغا للتيمم.

و لعله لذا قال في المهذب البارع: «لو كان المانع من الطهارة خوف فوات الجمعة مع التمكن من الخروج من الجامع لسهولة الزحام و ضيق الوقت لم يجز التيمم إجماعا» انتهى.

و فيه انه لا وجه للشك في ذلك بعد فرض عينية الجمعة عليه، و ان كان لها بدل اضطراري، على انه ليس بدلا حقيقة، بل هو تكليف آخر يثبت بعد تعذر الأول عليه، و لا تعذر مع إقامة الشارع التراب مقام الماء، و إجماع المهذب- مع أنه ليس مما نحن فيه، لكون المانع هنا الزحام- قد يمنع عليه حيث تكون الجمعة واجبا عينا.

نعم قد يتجه ما ذكر في نحو زمن الغيبة بناء على الوجوب التخييري بينها و بين الظهر، لعدم ثبوت مسوغية فوات أحد فردي الواجب المخير التيمم له، بل يتعين عليه حينئذ الفرد الآخر بالطهارة المائية، و كذا ما نحن فيه من الزحام، فلا يشرع التيمم حينئذ لا انه يشرع و يعيد مع انه للتأمل فيه مجال، لكن الاحتياط لا ينبغي أن يترك بحال، سيما بعد اعتبار الخبرين في الجملة و عمل من عرفت بهما من الأصحاب.

و كذا قيل كما عن النهاية و المبسوط في من كان على ثوبه الذي لا يتمكن

231

من نزعه بل أو جسده لأولويته من الأول و ان اقتصر عليه فيهما نجاسة لا يعفى عنها و لم يكن معه ماء لإزالتها تيمم لعموم أدلته، ثم يعيد بعد التمكن من غسلها،

للموثق (1) عن الصادق (عليه السلام) بعد أن سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب، و لا يحل الصلاة فيه، و ليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: «يتيمم و يصلي، و إذا أصاب ماء يغسله و أعاد الصلاة».

و فيه- مع قصوره عن معارضة غيره من الأصل، و قاعدة الاجزاء، و التعليل السابق، و إطلاق ما دل على عدم الإعادة من الاخبار، و معقد الإجماع، و غيره خصوصا لو أراد الخصم منها ما يشمل القضاء، سيما بعد حصول الاعراض ممن عداه من الأصحاب عنه نصا و ظاهرا، بل منه أيضا في الخلاف، بل ظاهره فيه الإجماع على عدم الإعادة حيث أضافه الى مذهبنا، بل ظاهر المحكي عنه في المبسوط عدم الإعادة أيضا، لكن بالنسبة إلى نجاسة البدن، و سيما مع إطلاق الثوب فيه من غير تقييد بعدم التمكن من نزعه- انه لا صراحة فيه بما نحن فيه، لاحتماله كون ذلك من أحكام النجاسة حتى لو كان متطهرا بالماء، بل في كشف اللثام أنه الظاهر كما أنه استظهر في المنتهى من الشيخ أن الإعادة بمجرد تمكنه من غسلها خاصة و ان لم يتمكن من الطهارة المائية، لتعليقه الإعادة على عدم الغسل، و لأن المؤثر وجودها و قد زالت، و ان اعترضه في جامع المقاصد بأنه لا دلالة في عبارة الشيخ على ما ادعاه، بل ظاهر ذكره لها في باب التيمم- و عدم تعرضه لذلك في أحكام النجاسة، و استدلاله بحديث عمار (2) المتضمن للتيمم المشعر بكون الإعادة للأمرين لا للنجاسة بخصوصها- خلافه لكن قد يمنع ذلك كله عليه.

و من هنا اتضح أن الأظهر عدم الإعادة في جميع ما تقدم، و ان الاحتياط لا ينبغي أن يترك،

[الثاني يجب عليه طلب الماء]

كما أنه قد اتضح سابقا ما ذكره المصنف بقوله الثاني يجب عليه طلب الماء،

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب التيمم- الحديث 1.

232

فإن أخل بالطلب و صلى ثم وجد الماء في رحله أو مع أصحابه تطهر و أعاد الصلاة نعم انما البحث في

[الثالث في حكم فاقد الطهورين]

الثالث و هو من عدم الماء و ما يتيمم به اختيارا و اضطرارا لقيد أو حبس في موضع نجس و قلنا بعدم جواز التيمم به، أو غير ذلك ففي التذكرة و عن القاضي أنه قيل يصلي و يعيد إذا تمكن، لكنا لم نعرف قائله، كما اعترف به بعضهم و ان نسبه الأول إلى اختيار الشيخ في المبسوط و النهاية، إلا أن المحكي عنهما التخيير بين تأخير الصلاة أو الصلاة ثم الإعادة، و هو غير ذلك، كالمحكي عن جد المرتضى من وجوب الأداء دون القضاء، على أنه لم يثبت، و لذا قال في جامع المقاصد: «إن سقوط الأداء ظاهر مذهب أصحابنا» و الروض «ظاهر الأصحاب بحيث لا نعلم فيه مخالفا» و المدارك «أنه مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا صريحا».

قلت: و هو كذلك، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و احتمال اختصاص الشرطية في صورة التمكن خاصة- كسائر شروط الصحة من الساتر و القبلة و غيرهما، بل و الاجزاء لعموم ما دل على وجوب الصلاة، و أنها لا تسقط بحال، و لانه لو انتفى وجوبها بانتفائه لكانت الطهارة مقدمة وجوب لا وجود، و هو باطل- في غاية الضعف بعد ظهور تناول ما دل على الشرطية ك

قوله (عليه السلام) (1): «لا صلاة إلا بطهور»

و نحوه للصورتين، و قياسه على باقي شرائط الصحة- بعد تسليم ذلك في جميعها، و انه ليس لدليل خاص فيها- قد يدفعه- على تأمل فيه بعد الاتفاق إلا من نادر لم يثبت خلافه- الفرق بين ما استفيد منه شرطيتها و بين ما نحن فيه، إذ لعله أمر، و نحوه مما يقيد عقلا و عرفا بالتمكن، لا نحو

قوله (ع): «لا صلاة إلا بطهور»

و شبهه، فلا يعارضه حينئذ ما دل على وجوب الصلاة بعد تناول ما دل على الاشتراط لصورتي التمكن و عدمه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الوضوء- الحديث 1.

233

لظهور كون المراد منها حينئذ بعد تسليم تناولها لفاقد الطهورين لندرته الصلاة المشروط صحتها بذلك مطلقا، و لا تنافي بين كونها شرطا لصحة الواجب و وجوده و بين كون التمكن منها شرطا لوجوبه كما هو واضح.

و لذا اعتبر اتساع الوقت لها و للواجب في ابتداء التكليف به في المجنون الذي أفاق، و الصبي الذي بلغ، و الحائض التي طهرت، و في ثبوت القضاء على الحائض و نحوها إذا جاءها الحيض بعد أن يمضي من الوقت مقدار الطهارة و الصلاة، فتأمل. و خبر عدم السقوط بحال- مع قصوره عن المقاومة هنا و إجماله في الجملة- قد يراد منه ما يعم القضاء.

فظهر من ذلك كله الوجه في سقوط الأداء، و ان كان الأحوط مراعاته، بل عن نهاية الاحكام استحبابه، لحرمة الوقت و الخروج من الخلاف، لكن قد يشكل ذلك كالذي سمعته من المبسوط و النهاية بأنه قد يتجه لو كانت حرمة الصلاة من غير طهور تشريعية محضة، لترتفع للاحتياط، لا إذا كانت أصلية كما هو ظاهر الاخبار (1) الناهية عن ذلك، لأنه الأصل فيه، خصوصا نحو

خبر مسعدة بن صدقة (2) «ان قائلا قال للصادق (عليه السلام): اني أمر بقوم ناصبية و قد أقيمت لهم الصلاة و أنا على غير وضوء، فان لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاؤا أن يقولوا، فأصلي معهم ثم أتوضأ إذا انصرفت و أصلي، فقال (عليه السلام): سبحان الله فما يخاف من يصلي من غير وضوء أن تأخذه الأرض خسفا»

لكن قد يقال: انه لا يتناول محل الفرض، فتأمل.

و قيل كما هو الأشهر بين المتقدمين و المتأخرين بل المشهور كما عن كشف الالتباس يؤخر الصلاة حتى يرتفع العذر بأن يتمكن من أحد الطهورين فان خرج الوقت قضى و هو الأقوى لعموم ما دل عليه من

قوله (عليه السلام) (3): «من فاتته

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الوضوء.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الوضوء- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب قضاء الصلوات الحديث 1 مع اختلاف في اللفظ.

234

فريضة فليقضها كما فاتته»

و غيره (1) و دعوى عدم شموله لمثل هذا الفرد النادر ممنوعة سيما في المقام، لكون الفوات فيه عاما أو كالعام من حيث وقوعه في سياق العموم لا مطلقا، على أنها ندرة وجود لا إطلاق، و كذا دعوى اختصاصه بمن وجب عليه الأداء، لظهور لفظ الفريضة فيه، و لعدم صدق اسم الفوات بدونه، و إلا لوجب على الصبي و المجنون و الحائض و نحوهم، بل و على التارك قبل الوقت، لوضوح إرادة الشأنية في الفريضة لا الفعلية، و كفاية دخول الوقت الذي هو سبب الوجوب في صدق اسم الفوات، و إلا لم يجب القضاء على الساهي و الناسي و النائم، فلا يرد الترك قبله كما لا يرد الحائض و نحوها بعد الخروج بالدليل، على أنه قد يفرق فيه خصوصا في الصبي و المجنون بصحة الطلب هنا، و بقاء المصلحة في الفعل و ان منع من الوجود مانع، بخلافه في ذلك.

و من هنا ظهر لك ضعف ما قيل كما في الجامع و عن المفيد في أحد قوليه انه يسقط الفرض أداء لما عرفت و قضاء للأصل، و تبعيته للأداء، و للتشبيه للحائض بسقوط صلاة كل منهما بحدث لا يمكن إزالته، و لانصراف أدلة القضاء لغيره من الافراد المتعارفة، و ان قال المصنف هو الأشبه و تبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه كالعلامة في جملة من كتبه، و المحقق الثاني و غيرهما، كما انه تردد في النافع و عن غيره لذلك.

لكنك عرفت انقطاع الأصل بما مر، و منع التبعية بهذا المعنى كالتشبيه ان لم يكن قياسا، و كذا الانصراف، على ان ذلك ندرة وجود لا إطلاق، فحينئذ سابقه أشبه لا هو، كما انه أشبه قطعا مما يحكى عن المفيد في رسالته الى ولده و أبي العباس في صلاة موجزه و الصيمري في طهارة كشف الالتباس من وجوب ذكر الله عليه مقدار الصلاة، و الاكتفاء به عن الأداء و القضاء، لعدم الدليل على استحباب ذلك بالخصوص له فضلا عن وجوبه، نعم قد يستأنس له في الجملة بذكر الحائض، و لعله لذا نفى عنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب قضاء الصلوات.

235

البأس في كشف اللثام بعد ان حكى عن المفيد ان عليه ذكر الله مقدار الصلاة، و كأنه فهم منه إرادة الندب، و الأمر سهل.

[الرابع إذا وجد المتيمم الماء قبل دخوله في الصلاة انتقض تيممه و تطهر]

الرابع إذا وجد المتيمم الماء قبل دخوله في الصلاة انتقض تيممه و تطهر به إجماعا في التحرير و المختلف، بل من العلماء إلا ما نقل عن أبي سلمة و الشعبي كما في التذكرة، بل لا استثناء في المعتبر و المنتهى، و هو الحجة، مع النصوص المستفيضة (1) حد الاستفاضة الدالة على انتقاض التيمم بوجدان الماء، و هي و ان كانت مطلقة كمعاقد الإجماعات السابقة عدا التذكرة.

لكن ينبغي القطع بإرادة التمكن من الاستعمال منها مع ذلك، كما هو ظاهر معقد إجماع التذكرة أو صريحه، كصريح معقد إجماع المعتبر و الذكرى، و خبر أبي يوسف (2) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي «إذا رأى الماء و كان يقدر عليه انتقض التيمم»

الحديث. و إلا فوجدانه مع عدم التمكن منه بمنزلة العدم، و لذا ساغ التيمم معه، فكيف يصلح ناقضا له.

كما انه ينبغي القطع أيضا باعتبار التمكن الشرعي كالعقلي، إذ الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، فلا ينتقض حينئذ بوجدانه مع ضيق الوقت عن الاستعمال بناء على ما اخترناه من وجوب الصلاة في تلك الحال، لعدم التمكن حينئذ، فما في المدارك ان إطلاقهم وجوب التطهير هنا مؤيد للقول بعدم مشروعية التيمم للضيق في غير محله بعد ما عرفت من تقييده بذلك قطعا، نعم لو لم نقل بوجوب أداء الصلاة عليه في تلك الحال اتجه حينئذ القول بعدم مشروعية التيمم، فكل على مختاره فيه حينئذ، على ان هذا الإطلاق لم يكن مساقا لبيان ذلك، انما المراد نقضه من حيث السبق على الصلاة أو اللحوق

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم- الحديث 6 لكن رواه عن أبي أيوب كما يأتي في الصحيفة 237.

236

أو الأثناء من دون نظر للسعة أو الضيق كما هو واضح.

و كذا ينبغي القطع بكون المراد بما ذكرناه من ناقضية التمكن من الاستعمال هو التمكن منه تماما، و إلا فالتمكن من بعض الغسل أو الوضوء مثلا بمنزلة عدمه قطعا، فلا بد حينئذ للحكم بناقضيته واقعا من مضي زمان يسع المكلف به و هو متمكن، فلو علم من أول الأمر عدم ذلك، أو ظهر في الأثناء بأن تعذر الماء مثلا لم يعتد به و انكشف بقاء صحة التيمم سابقا، و لا ينافيه الحكم الظاهري سابقا بفساده بناء على ظهور بقاء التمكن، كما لا ينافي احتمال بقاء صحة التيمم واقعا لاحتمال تعذر الماء مثلا بنية الطهارة المائية و الجزم بها، أخذا بذلك الظاهر كسائر العبارات.

فمن العجيب ما في الرياض حيث قال: «و ليس في إطلاق المصنف كغيره اعتبار تمكن الاستعمال بمضي زمان يسعه كما هو أحد القولين و أحوطهما، و قيل باعتباره، لأصالة بقاء الصحة و عدم ما ينافيها في المستفيضة بناء على عدم تبادر عدم إمكان الاستعمال منها، فيقتصر في تخصيصها على القدر المتيقن منها، و هو حسن لو لا معارضة أصالة الصحة في التيمم بأصالة بقاء شغل الذمة بالعبادة، و بعد التعارض تبقى الأوامر بها سليمة» انتهى.

إذ هو- مع أنا لم نعرف أول القولين لأحد من الأصحاب سوى ما عساه يظهر من الفقيه في بادئ النظر، و مال اليه بعض متأخري المتأخرين، بل المصرح به في كلام جماعة منهم الكركي الثاني، و معارضة الاحتياط بمثله في بعض المقامات، و تسليم صلاحية معارضة أصالة الشغل لأصالة الصحة هنا، لحصول الفراغ اليقيني شرعا بها، و لعدم الفرق في حجية الاستصحاب عندنا في قدح العارض، أو عروض القادح- أن المتبادر من المستفيضة بل و عبارة الصدوق أيضا كإطلاق الأصحاب التمكن تمام الاستعمال لغلبته لا ما ذكره، سيما بعد ما سمعته من معقد الإجماعين السابقين و الخبر، فيتجه الاستدلال حينئذ بما يستفاد منها و من غيرها من حصر الناقض للتيمم بالحدث و وجدان الماء بعد

237

أن عرفت انصراف الوجدان لما تقدم، فتأمل جيدا.

[في عدم وجوب التطهر على المتيمم لو وجد الماء بعد الصلاة]

و أما ان وجده أي الماء بعد فراغه من الصلاة لم يجب القضاء قطعا، و لا الإعادة على الأقوى كما مر ذلك مفصلا، نعم ينتقض تيممه بالنسبة إلى غيرها من الصلوات و ان كان قبل الوقت و فقده بعده، لإطلاق النصوص (1) الدالة على انتقاضه بذلك من دون تقييد له بوجدانه في الوقت مع ترك الاستفصال فيها، بل هو صريح

خبر حسين العامري (2) عمن سأله «عن رجل أجنب فلم يقدر على الماء و حضرت الصلاة فتيمم بالصعيد ثم مر بالماء و لم يغتسل و انتظر ماء آخر وراء ذلك فدخل وقت الصلاة الأخرى و لم ينته الى الماء و خاف فوت الصلاة قال: يتيمم و يصلي»

فان تيممه الأول انتقض حين مر بالماء و لم يغتسل، و خبر أبي أيوب (3) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي الى أن قال: «قلت: فإن أصاب الماء و هو في آخر الوقت فقال: قد مضت صلاته، و قال: قلت له: فيصلي بالتيمم صلاة أخرى، قال: إذا رأى و كان يقدر عليه انتقض التيمم»

الى غير ذلك من الاخبار التي كادت تكون صريحة فيه.

فما في كشف اللثام- من انه لو وجده بعد الفراغ من الصلاة و خروج وقتها لم يبطل بالنسبة إليها إجماعا و صحت، و بالنسبة إلى غيرها وجدان قبل الشروع، لكنه قبل وقتها غير متمكن من استعماله فيجري فيه ما يأتي فيمن وجده في الصلاة ثم فقده- لا يخلو من تأمل، لوضوح الفرق بين المسألتين بالمنع الشرعي في تلك و عدمه فيما نحن فيه.

و احتمال القول انه لا يشرع الطهارة للصلاة قبل وقتها حتى التأهب، بناء على أنه الكون على الطهارة في الحقيقة و ان شرع لغيرها، فلا يكون متمكنا حينئذ شرعا، فيتساويان يدفعه بعد التسليم أنه يكفي في النقض التمكن من الطهارة في نفسها و ان لم تكن للصلاة، لما عرفته سابقا من إطلاق النصوص و الفتاوى و صريح الخبرين السابقين،

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم- الحديث 6.

238

بل لا يبعد عدم الاحتياج في النقض بعد مضي الزمان المذكور الى تحقق الخطاب بالطهارة، بل يكفي عدم المنع لو كانت غاية تشرع لها، فلو فرض التمكن من الماء مثلا في حال عدم غاية من غايات الطهارة حتى الكون على الطهارة لمنع السيد أو الوالد انتقض التيمم، إذ ليس مبناه تحقق الخطاب بها، فينافي التيمم كما عساه يوهمه ما في جامع المقاصد و غيره، فتأمل جيدا.

[في وجوب التطهر و عدمه لو وجد الماء في أثناء الصلاة]

و أما إن وجده و هو داخل في الصلاة ف قيل كما في جمل المرتضى و عن مصباحه و شرح رسالته و الإصباح و المقنع و النهاية و الحسن بن عيسى و الجعفي و جماعة من متأخري المتأخرين منهم الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح و العلامة الطباطبائي في المنظومة يرجع ما لم يركع في الركعة الاولى، أما الرجوع قبله فلأصالة الشغل، و إطلاق النقض بإصابة الماء، كاشتراط صحة التيمم بعدم الوجدان، و أولويته من ناسي الأذان و الإقامة، و ثبوت شرطية الطهارة المائية للأجزاء كالجملة، و صحيح زرارة (1) المروي في الكافي و التهذيب مع اختلاف في الطرق، قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن أصاب الماء و قد دخل في الصلاة قال: فلينصرف، فليتوضأ ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض في صلاته، فان التيمم أحد الطهورين» و خبر عبد الله بن عاصم (2) عن الصادق (عليه السلام) المروي في الكافي و التهذيب و مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب «عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم و يقوم في الصلاة فجاء الغلام فقال: هو ذا الماء فقال: إن كان لم يركع فلينصرف و ليتوضأ، و إن كان قد ركع فليمض في صلاته».

و منهما مع جميع ما تسمعه من دليل المشهور الذي أشار إليه المصنف بقوله و قيل يمضي في صلاته و لو تلبس بتكبيرة الإحرام حسب تحصيلا و نقلا في جامع المقاصد

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 2.

239

و الروض و مجمع البرهان، بل في السرائر الإجماع عليه في باب الاستحاضة يستفاد حكم عدم الرجوع بعد الركوع من الأصل براءة، و استصحابا للصحة، و ظهور الأدلة في اشتراط صحة التيمم بعدم الوجدان الى أن يشرع في المقصود، و المنزلة، و كفايته عشر سنين بعد الاقتصار على المتيقن من نقض الإصابة، كتعليل عدم الإعادة لو وجده بعد الفراغ بكونه أحد الطهورين، مع التعليل السابق في صحيح زرارة كصحيحه الآخر مع محمد بن مسلم (1) لكنه بعد صلاة ركعتين، قال فيه: «قلت له: رجل لم يصب الماء و حضرت الصلاة فتيمم و صلى ركعتين، ثم أصاب الماء أ ينقض الركعتين أو يقطعهما و يتوضأ ثم يصلي؟ قال: لا، و لكنه يمضي في صلاته و لا ينقضهما، لمكان أنه دخلها و هو على طهر بتيمم»

الحديث. و النهي كتابا (2) عن إبطال العمل، و سنة (3) عن الانصراف حتى يسمع الصوت و يجد الريح، حتى

خبر محمد بن حمران (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة و قد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة قال: يمضي في الصلاة، و اعلم أنه ليس ينبغي لأحد أن يتيمم إلا في آخر الوقت»

الحديث. بعد تقييده كغيره من الأدلة السابقة بما تقدم مما دل على الرجوع قبل الركوع.

نعم قد يقال: إن ما عدا الخبرين غير صالح للتقييد أصلا، بل هو مقيد بذلك، و أما هما فقاصران عن تقييده أيضا، لاعتضاده مضافا إلى ما سبق من الأصل و المنزلة و التعليل و النهي عن الابطال و غيرها بالشهرة، بل إجماع السرائر و الرضوي (5)

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(2) سورة محمد (صلى الله عليه و آله)- الآية 35.

(3) المستدرك- الباب- 1- من أبواب قواطع الصلاة- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(5) المستدرك- الباب- 16- من أبواب التيمم- الحديث 3.

240

«فإذا كبرت في صلاتك تكبيرة الافتتاح و أتيت بالماء فلا تقطع الصلاة و لا تنقض تيممك و امض في صلاتك» و المرسل في جمل المرتضى قال: «و روي انه إذا كبر تكبيرة الإحرام مضى فيها»

كما عن ابن أبي عقيل ذلك أيضا.

كل ذلك مع إمكان منع صلاحية خبر ابن حمران للتقييد من حيث ظهور سؤاله بما قبل الركوع، فيكون حينئذ معارضا لا مطلقا، و لذا قال في المعتبر بعد ذكره و ذكر خبر ابن عاصم الدال على جواز الرجوع ما لم يركع: «ان الاولى أرجح من وجوه، أحدها أن محمد بن حمران أشهر في العدالة و العلم من عبد الله بن عاصم، و الأعدل مقدم، الثاني انها أخف و أيسر، و اليسر مراد الله، الثالث أنه مع العمل بالأولى يمكن تنزيل الثانية على الاستحباب، بخلافه لو عمل بالثانية، فإنه لا يمكن حينئذ العمل بالأولى» انتهى.

كما انه احتمله أي الاستحباب في الاستبصار، بل عن المبسوط و الإصباح الجزم به، كظاهر المنتهى، بل عن التذكرة و نهاية الاحكام قربه مطلقا أي قبل الركوع و بعده، و زاد في المنتهى احتمال تنزيل الرواية على إرادة الدخول فيما قارب الصلاة من المقدمات كالأذان و الإقامة و نحوهما، و على إرادة الصلاة من الركوع من باب إطلاق اسم الجزء على الكل.

قلت: و لذلك قال المصنف و هو أي القول بعدم الرجوع مطلقا الأظهر من الأول، لكن قد يقوى في النظر القاصر خلافه، لمنع قصور الخبرين عن تقييد ما تقدم سيما الأصل، مع إمكان معارضة إرادة الصحة منه بأصالة الشغل، و سيما إطلاق المنزلة و البدلية لو سلم شمولها لما نحن فيه، للقطع بكون المراد منها انه بمنزلته مع فقده و عدم وجدانه، و سيما التعليل السابق، لظهور صحيح زرارة في كون محله انما هو بعد الركوع لا قبله، فيحمل ذلك في صحيحه الآخر عليه، لاتحاد الراوي و المروي عنه فيهما.

241

و سيما النهي عن إبطال العمل لو سلم كون المراد من الآية ذلك، لظهورها في إرادة النهي عن إبطال الأعمال بالارتداد و الكفر و نحوهما، و من هنا أنكر بعض المتأخرين وجود ما يدل على النهي عن قطع الصلاة في الكتاب و السنة، فليس حينئذ إلا الإجماع إن ثبت، و هو هنا في محل المنع، سيما بعد ما عرفت من الحكم بالاستحباب عند من تقدم ممن قال بالمضي، و ان ذلك منه عجيب بعد استدلاله بالنهي عن الابطال، بل قد يتعجب أيضا حينئذ من جواز إتمام الصلاة بالتيمم مع التمكن من الطهارة المائية التي هي شرط للأبعاض كالجملة، مع كون التيمم طهارة اضطرارية، و لا اضطرار بعد فرض جواز القطع فضلا عن استحبابه، و قد يتعجب أيضا من اجتماع استحباب القطع مع الوجوب إلا على تكلف، هذا. على ان ذلك بعد ثبوته بطلان لا إبطال لعمل صحيح، و كيف و صحته متوقفة على ثبوت عدم ناقضية الماء للتيمم في هذا الحال، و هو محل البحث.

و كذا الكلام فيما دل على النهي عن الانصراف حتى يجد الريح إلى آخره. مع انه مساق لبيان أمر آخر، و هو عدم الالتفات إلى ما يتخيله الإنسان حدثا مما ينفخ الشيطان في دبره.

و أما خبر ابن حمران فهو- مع ما في سنده من اشتراك ابني سماعة و حمران بين الثقة و غيره- محتمل لان يراد بالدخول في الصلاة فيه الدخول بالركوع منها، إذ هو الدخول الكامل، سيما مع ملاحظة ما ورد ان أولها الركوع (1) و ان الصلاة ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود (2) و ان إدراك الركعة بإدراك الركوع (3) إلى غير ذلك.

و منه يعرف ما في دعوى صراحته أو ظهوره بما قبل الركوع، و لو سلم لأمكن حمله على ضيق الوقت عن القطع و الطهارة كما يشعر به ذيله، فيخرج عن محل النزاع

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الركوع- الحديث 6- 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الركوع- الحديث 6- 1 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 45- من أبواب صلاة الجماعة.

242

حينئذ، و لو سلم عدم قبولها لذلك فلا ريب ان خبر زرارة المروي في التهذيب و الكافي بأعلى درجات الصحة، مع ان زرارة لا يقاس بغيره علما و عدالة المعتضد بخبر ابن عاصم المروي فيهما و مستطرفات السرائر أيضا، بل في الأول منهما بغير واحد من الطرق، بل يمكن تصحيحه بأحدها، سيما بعد ما سمعته من المعتبر مما يفيد عدالة عبد الله، و ان ذكر أن غيره أعدل منه، و بما تقدم سابقا من أصالة الشغل، و ما دل (1) على النقض بوجدان الماء، و بما ورد (2) من زيادة التأكد على الطهارة المائية حتى أمر بشراء مائها بأضعاف ثمنه، و ان التيمم طهارة اضطرارية، بل ربما عد انه هلاك الدين، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة أقوى و أرجح قطعا، خصوصا مع موافقة خبر ابن حمران لفتوى كثير من العامة كالشافعي و داود و أحمد في رواية، و أبي ثور و ابن المنذر، بخلاف رواية التفصيل، فإنها لم ينقل عن أحد منهم القول بها، و الرشد في خلافهم.

و من ذلك كله يظهر لك ما في دعوى العكس كما سمعته من المعتبر، لكن قد يعتذر عنه بأنه لم يطلع على صحيحة زرارة، و لذا لم يتعرض لها أصلا، نعم يتجه ذلك على غيره كالمنتهى، و احتمال دفع ذلك كله بالشهرة بل انقراض الخلاف بين عظماء المتأخرين مع الإجماع السابق عن السرائر و الرضوي يدفعه- بعد تسليم صلاحية مثل هذه الشهرة لذلك، لعدم ندرة مقابلها، بل المسلم منها أكثرية المخالف في الجملة- قد يناقش فيها بعدم تحققها أيضا في محل النزاع، و هو ما لو وسع الوقت للقطع و الطهارة، لاحتمال كلام كثير من المخالف هنا ان عدم جواز القطع للبناء منهم على التيمم عند الضيق الذي لا يسع معه ذلك، و إلا فمع السعة له يتعين عندهم ما قلناه، كما صرح به في التهذيب و الاستبصار في وجه كالمختلف، و يعطيه كلام ابن زهرة، بل و السرائر، كما عن الواسطة

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب التيمم.

243

أيضا، بل لعل المتجه حينئذ عندهم جواز القطع و لو تجاوز الركوع، بل الى تمام الصلاة، لأولويته من الإعادة بعد الفراغ لو ظهرت السعة المصرح بها في كلام جماعة منهم، فظهر حينئذ ان حكمهم هنا بعدم جواز الانصراف ان كان مبناه مراعاة الضيق في التيمم لم يكن من محل النزاع في شيء، بل ينحصر حينئذ في القول بجوازه في السعة أو في الضيق، لكنه عرفي لا يقدح فيه مثل ذلك، أو يقال بعدم وجوب الإعادة معه لو اتفق السعة، كما هو أقوى القولين على القول بالتضيق.

و أما إجماع السرائر فهو- مع إمكان منعه عليه، لمعروفية الخلاف في المسألة، بل هو نفسه نقل فيها الأقوال هنا، و لم يقطع بواحد منها، و لا ادعى إجماعا و ان اختار القول بالمضي- محتمل بل ظاهر في غير ما نحن فيه، و ان كان ربما يوهم في بادئ الرأي ظاهر عبارته ذلك، لكنه بعد التأمل يعلم أن مراده عدم جواز قطع الصلاة للتيمم بوجدان الماء في الجملة للإجماع لا للاستصحاب، فلاحظ و تأمل، على انه يحتمل أن يكون ذلك منه بناء على الضيق في التيمم كما هو مختاره، بل ظاهره الإجماع عليه.

و أما الرضوي فمع احتماله ذلك أيضا ليس بحجة عندنا.

فاتضح من ذلك كله بحمد الله أن الأظهر الرجوع قبل الركوع و عدمه بعده و ان كان الاحتياط مع السعة بالإتمام مطلقا ثم الإعادة لا ينبغي تركه، بل و لو كان إصابته للماء بعد الركوع أيضا، خروجا عن شبهة الخلاف المحكي عن ابن الجنيد، قال: «إن وجد الماء بعد دخوله في الصلاة قطع ما لم يركع الركعة الثانية، فإن ركعها مضى في صلاته، فان وجده بعد الركعة الاولى و خاف من ضيق الوقت أن يخرج ان قطع رجوت أن يجزيه ان لا يقطع صلاته، أما قبله فلا بد من قطعها مع وجود الماء» انتهى. و إن لم نعثر على ما يشهد لتمام دعواه حتى صحيح زرارة و ابن مسلم المتقدم سابقا و ان ظن، بل

244

فيه ما يشهد بخلافه، نعم قد يشهد لبعضها

خبر الصيقل (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل تيمم ثم قام يصلي فمر به نهر و قد صلى ركعة قال: فليغتسل و يستقبل الصلاة، فقلت: إنه قد صلى صلاته كلها قال: لا يعيد».

و هو- مع الغض عما في سنده، و عدم نصه على القطع و استقبال الصلاة، و احتماله فعل ما يريده من الصلاة بعد ذلك، و ان المراد بقوله: «ركعة» صلاة، و لا ينافيه قوله ثانيا:

«انه قد صلى صلاته كلها» لجواز كونه تكرارا لسؤاله الأول تصريحا بمراده، و ان المراد صلى صلاته اليومية كلها، و معارضته ب

خبر زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) في خصوص الركعة، قال فيه: «سألته عن رجل صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل و معه قربتان من ماء قال: يقطع الصلاة و يتوضأ ثم يبني على واحدة»

الحديث- قاصر عن معارضة ما تقدم من وجوه، مع انه محتمل الحمل على التقية، لموافقته للمحكي عن الثوري و أبي حنيفة و أحمد في رواية من القول بالرجوع مطلقا، و لعل ذلك أولى من حمله على الاستحباب و ان احتمله في الاستبصار، لقصوره عن إفادته هنا و ان قلنا بالتسامح فيه، لمعارضته لما دل على حرمة القطع التي هي العمدة في الإتمام بالتيمم، و إلا لو جاز القطع لم يثبت الاضطرار الذي هو شرط صحة التيمم ابتداء و استدامة، فتأمل.

و كذا لم نعثر على ما يشهد للمحكي عن سلار انه ينقض التيمم وجود الماء مع التمكن من استعماله إلا أن يجده و قد دخل في صلاة و قراءة، و ان وجه تارة بأنه حينئذ أتى بأكثر الأركان من النية و القيام و التكبير و أكثر الافعال، و هي القراءة، و أخرى باعتبار مسمى الصلاة، لكنه كما ترى.

كالمحكي أيضا في الذكرى عن ابن حمزة في الواسطة من القول بأنه «إذا وجد الماء بعد الشروع و غلب على ظنه عدم ضيق الوقت لو قطع و تطهر وجب عليه ذلك،

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 5.

245

و إن لم يمكنه ذلك لم يقطعها إذا كبر، و قيل: يقطع ما لم يركع، و هو محمول على الاستحباب» انتهى.

و استغربه في الذكرى، و لعله لانه لم يعرف أحدا من أصحابنا قال بجواز القطع مطلقا، بل في نهاية الاحكام الإجماع على إتمام الصلاة لو كان قد وجد الماء بعد ركوع الثانية، و كأنه فهم أن مراد ابن الجنيد فيما تقدم من الركعة الركوع.

قلت: لكن قد يقال: إن ما ذكره في الواسطة مع انه قضية ما في التهذيب و الغنية و غيرهما لازم لكل من أوجب التيمم عند الضيق و الإعادة مع ظهور السعة، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، إذ هو أولى منها حينئذ، على أن مبناها عندهم ظهور فساد التيمم، فلا ينبغي استغرابه.

فتحصل من مجموع ما ذكرنا أن الأقوال خمسة، بل ربما عد ما في الموجز الحاوي- من الفرق بين الصلاة المسقطة للقضاء و غير المسقطة بناء على ثبوتها في بعض الصور السابقة كالمتيمم للزحام أو واجد الماء في سعة الوقت و نحو ذلك، فلا يقطع الاولى بمجرد التلبس، بخلاف الثانية فيقطعها مطلقا، لكونه أولى من الإعادة- سادسا، و استجوده في الذكرى، كما عن الدروس أنه الأقرب.

لكن قد عرفت فيما مضى عدم ثبوت الإعادة أو القضاء في المسائل السابقة عندنا مطلقا، بل يمكن المنع بناء عليه أيضا، للنهي عن إبطال العمل، و منع ظهور بطلانها بذلك، نعم قد يقال بالبطلان في نحو صلاة فاقد الطهورين بناء على وجوب الأداء عليه، للفرق بينها و بين الصلاة بالتيمم في المسائل السابقة و ان اشتركا بوجوب الإعادة أو القضاء مع الوجدان، على أنه لا يخلو من بحث، فتأمل جيدا.

ثم انه بناء على المختار من الإتمام لو كان قد وجد الماء بعد الركوع أو مطلقا على المشهور فهل ينتقض تيممه بالنسبة إلى غيرها من الصلوات لو فقده قبل الفراغ أو بعده

246

قبل التمكن أولا؟ وجهان بل قولان، أقواهما الثاني، وفاقا للمصنف و الشهيد و المحقق الثاني و غيرهم، بل لم أعثر فيه على خلاف صريح إلا ما نقل عن المبسوط و الموجز، مع أن عبارة الثاني كالمحكي من عبارة الأول لا صراحة فيها بذلك، بل لعل ظاهرهما خصوصا الموجز خلافه، نعم نقل عن كشف الالتباس انه حكاه عن فخر الدين و قربه أولا في المختلف ثم توقف فيه بعد ذلك، كما انه قواه في المنتهى، و ربما مال إليه في التذكرة.

و كيف كان فالأصح ما عرفت للأصل، و استصحاب الصحة، و استبعاد اجتماع الصحة و الفساد في طهارة واحدة، كاستبعاد البقاء على الصحة مع وجود الماء و الانتقاض بعده، و لإطلاق ما دل على عدم نقض التيمم إلا بالحدث أو إصابة الماء بعد إرادة التمكن من ذلك الذي هو أعم من الشرعي و العقلي كما تقدم و يأتي، لتحريم قطع الصلاة عليه هنا، و دعوى الاكتفاء في النقض بتحقق القدرة عقلا و ان منع شرعا ممنوعة.

نعم قد يقوى القول بالنقض كما في المنتهى بناء على ما صرح به بعض من قال بالمشهور من جواز القطع، و ان أمكن النظر في جميع ما ذكره مستندا لذلك من أولويته من ناسي الأذان و سورة الجمعة و إدراك الجماعة، و من أنه كمن شرع في صوم الكفارة فوجد الرقبة، بل ربما قيل باستحبابه قبل الركوع خروجا عن شبهة الخلاف، و حملا لدليل الخصم من صحيح زرارة و نحوه عليه، لعدم رجوع شيء منها إلى دليل معتبر يقطع العذر في الخروج عما دل على حرمة إبطال العمل.

و كذا ما في القواعد من أن له العدول إلى النافلة ثم يقطع أو يتم، لأولويته من إدراك الجماعة، مع احتمال أن لا يكون مثله إبطالا، و فيه منع، لكن على كل منهما يتجه القول بنقض التيمم حينئذ لحصول ما ينتقض به من التمكن عقلا و شرعا، و لا ينافيه جواز إتمام خصوص تلك الصلاة به، للأدلة الخارجية الحاكمة على عموم ما دل على ناقضية به، مع احتمال عدم النقض أيضا و ان قلنا به أى جواز القطع أو العدول

247

كما هو قضية ما في الذكرى و جامع المقاصد، تمسكا بما عدا الأخير من الأدلة السابقة.

و من ذلك كله يعلم الحكم فيما لو كان الوجدان في أثناء نافلة بناء على مساواتها للفريضة فيما تقدم من الإتمام مطلقا أو قبل الركوع و عدمه، كما اختاره في المنتهى و التحرير و القواعد و عن المبسوط و معطي البيان و المسالك، لأصالة البراءة، و استصحاب الصحة و ترك الاستفصال في الاخبار السابقة، الى غير ذلك مما مر سابقا في الفريضة.

و يمكن الفرق بينهما، بل قد يقوى، فيتعين القطع فيها دونها بجوازه اختيارا هنا بخلافه في الفريضة، و معه يتحقق شرط النقض، فينقطع الأصل، و ترك الاستفصال انما هو لظهور السؤال في الفريضة، و إلا لم يتم الأمر بالإتمام مطلقا أو بعد الركوع الظاهر في الوجوب، لجواز قطع النافلة اختيارا، و حمله على غير الوجوب مجاز لا قرينة عليه، على أن تخصيص ما دل على نقض الوجدان للتيمم بما عدا الواجد في الأثناء و لو كان نافلة ليس بأولى من تخصيص ما دل على عدم نقض الواجد في الأثناء بغير المتمكن من القطع كالفريضة، لكن ذلك انما يتم على تقدير وجوب الاستمرار في الفريضة كما هو الأقوى، و به صرح بعضهم، بل في المدارك نسبته الى المستفاد من الاخبار و كلام الأصحاب، و إلا فبناء على ما سمعته سابقا من بعضهم من جواز قطعها هنا اختيارا لم يكن فرق بينها و بين النافلة في ذلك.

و مما ذكرنا يظهر لك الحال في الطواف، إذ المتجه فيه انتقاض التيمم أيضا بوجدان الماء في أثنائه من غير فرق بين الواجب منه و المندوب، بناء على حصول التمكن من جهة عدم ثبوت حرمة قطعه، و التشبيه له بالصلاة منصرف الى غيره، و تيمم الميت لفقد الماء مثلا ينتقض بوجدانه قبل الدفن و ان صلي عليه، لعموم ما دل على وجوب غسله مع عدم ما يصلح للمعارضة، و احتمال تنزيل الصلاة عليه أو الشروع فيها منزلة التكبير في الفريضة أو الركوع فلا يجب الغسل كما لا يجب في الفريضة إلا لصلاة أخرى ضعيف جدا

248

و ان استشكل فيه العلامة في التحرير بل و القواعد.

نعم قد يقال بعدم وجوب إعادة الصلاة عليه كما في جامع المقاصد و عن نهاية الاحكام و غيرهما، لاقتضاء الأمر الإجزاء، بل استوجهه في المعتبر حتى لو وجد الماء في أثناء الصلاة، و ان وجب تغسيله بعد ذلك، لكن قد يقوى القول بالوجوب في الأول فضلا عن الثاني كما في الموجز و البيان، و عن الدروس كما عن كشف الالتباس الميل اليه، لاعتبار وقوع الصلاة بعد الغسل و قد أمكن، فلا يجزى ما قبله، و لانكشاف فساد التيمم بالوجدان، و لذا أعيد الغسل، فيكون حينئذ كالصلاة عليه قبل تطهيره، و من المستبعد ان لم يكن ممنوعا هنا احتمال صحة التيمم بالنسبة إليها دون الغسل.

[الخامس المتيمم و لو لغاية خاصة يستبيح جميع ما يستبيحه المتطهر بالماء]

الخامس المتيمم و لو لغاية خاصة يستبيح جميع ما يستبيحه المتطهر بالماء من الغايات التي تشترط الطهارة أو نوع خاص منها كالغسل للبث في المساجد مثلا في جوازها أو كمالها من غير حاجة إلى تجديد تيمم لكل غاية غاية، لعموم المنزلة و البدلية، و انه كالماء لا ينتقض إلا بالحدث أو التمكن من الماء، و هو عين ما عن المبسوط «إذا تيمم جاز أن يفعل جميع ما يحتاج فعله إلى الطهارة، مثل دخول المساجد و سجود التلاوة و مس المصحف و الصلاة على الجنائز و غير ذلك» انتهى. كما ان قضية كلام غيره ذلك أيضا، بل لا أعرف فيه خلافا من أحد من الأصحاب بعد فرض كون الغاية مما تستباح بالتيمم، بل في ظاهر المنتهى أو صريحه الاتفاق عليه.

نعم ربما كان بين الأصحاب بحث في أصل مشروعية التيمم لبعض الغايات كما ستسمعه إن شاء الله، كالبحث الذي قد أشرنا إليه في النية في أنه هل يعتبر فيه نية الاستباحة من الحدث، أو نية ما يشترط في صحته ذلك كالصلاة مثلا، أولا بل يكفي فيه نية ما كان الحدث مانعا عن كماله دون جوازه؟ و قد ذكرنا أن الأقوى عدم اعتبار

249

شيء من ذلك في المائية و الترابية، و كيف كان فهو خارج عما نحن فيه هنا.

نعم ينبغي أن يعلم أن المراد من استباحة جميع ما يستبيحه المتطهر بالماء ما لو كان مسوغ التيمم موجودا بالنسبة الى كل غاية غاية من المرض و عدم الوجدان و نحوهما بحيث يصح وقوع التيمم لكل منهما ابتداء دون ما ليس كذلك، فمن تيمم مثلا لضيق الوقت عن استعمال الماء للفرض مثلا لا يستبيح به مثلا مس كتابة القرآن و نحوها و لو حال الصلاة، لعدم تحقق مسوغ التيمم بالنسبة إليها، و احتمال القول- انه أينما شرع التيمم لاستباحة غاية استبيح به حال بقاء تلك المشروعية سائر الغايات المتوقفة على الطهارة و ان لم يصح وقوع التيمم ابتداء لها تمسكا بإطلاق قولهم: يستبيح المتيمم ما يستبيحه بالمائية، فإن قضيته عدم اشتراط ثبوت مسوغ التيمم لكل غاية غاية، بل يكفي فيه حصوله بالنسبة إلى غاية خاصة نعم يعتبر فيه بقاء ذلك المسوغ لتلك الغاية الخاصة، فلا يجوز مس كتابة القرآن في المثال المفروض بعد فعل الفريضة، لانتهاء مشروعية التيمم حينئذ إما قبله أو في الأثناء- فجائز بعيد عن الصواب، بل مقطوع بفساده من ملاحظة كلام الأصحاب، و إلا لجاز إيقاع الفريضة بالتيمم لنافلة الزوال إذا ضاق وقتها و لا ماء أو علم عدم التمكن منه فيه مع عدوله عن صلاة النافلة و كان ذلك الوقت واسعا للفريضة، فيصليها حينئذ بذلك التيمم المشروع للنافلة بضيق وقتها مثلا و ان علم وجود الماء في الوقت، و هو مقطوع بعدمه.

فالتحقيق حينئذ انه يستباح بالتيمم سائر الغايات إذا كان يشرع وقوعه ابتداء لكل غاية غاية باعتبار وجود المسوغ لها جميعها، و إلا اقتصر في إباحته على خصوص تلك الغاية التي قد ثبت المسوغ لها، و عليه ينزل كلام الأصحاب و لا يأباه، و إلا لثبت مشروعية التيمم في الجملة بغير مسوغة، و هو مناف للنصوص و الفتاوى.

و كيف كان فلازم ما في المتن كالذي سمعته عن المبسوط انه يستباح بالتيمم كل

250

ما يستباح بالمائية، كما في الجامع و التحرير و الإرشاد و المنتهى و القواعد و الموجز و الذكرى و جامع المقاصد و الروض و مجمع البرهان و المدارك و المفاتيح و الحدائق و منظومة الطباطبائي و عن الخلاف و نهاية الاحكام و البيان و الدروس و كشف الالتباس و الجعفرية و شرحها و المسالك و الدلائل و الذخيرة مع اختلاف يسير في التعبير عن ذلك بحيث لا يقدح في المقصود، إذ مراد الجميع على الظاهر من نحو قولهم: يستباح به ما يستباح بالمائية- كما صرح به جماعة منهم الشهيدان و المحقق الثاني و الأردبيلي و غيرهم، بل في الحدائق انه المشهور بين الأصحاب من غير خلاف يعرف فيه كما عن كشف الالتباس إلا من فخر المحققين- ان كل غاية منع الحدث أصغر أو أكبر من استباحتها، بل و لو كمالا و كان الماء مما يرفع ذلك المنع فالتيمم يقوم مقامه عند تعذره، فيجب حينئذ لوجوب تلك الغاية و يندب لندبها حتى الكون على الطهارة.

نعم قد يستثنى من ذلك التأهب للفريضة، كما اقتصر على استثنائه في المفاتيح، و قد تقدم الكلام فيه سابقا عند البحث على عدم جواز التيمم قبل الوقت.

و أما ما عداه فيجوز حتى التجديد كما عن المعتبر و المنتهى و الجامع و النفلية النص عليه، و ان حكي عن نهاية الاحكام و البيان الاشكال فيه، لكن الأول أولى، لاشتراكه مع الوضوء في العلة، و ل

خبر السكوني (1) «لا يتمتع بالتيمم إلا صلاة واحدة و نافلتها» و أبي همام (2) عن الرضا (عليه السلام) «تيمم لكل صلاة حتى يوجد الماء».

بل قد يظهر من المنتهى الإجماع على ما ذكرنا من جوازه لسائر غايات المائية، حيث قال فيه: «يجوز التيمم لكل ما يتطهر له من فريضة و نافلة و مس مصحف و قراءة عزائم و دخول مساجد و غيرها» و لم ينقل فيه خلافا إلا عن أبي محرمة، فلم يجوزه إلا لمكتوبة، و الأوزاعي فكره أن يمس المصحف به، كما أنه قال فيه أيضا: «التيمم

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب التيمم- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب التيمم- الحديث 4.