جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
373 /
251

مشروع لكل ما يشترط فيه الطهارة، و لصلاة الجنازة» و اقتصر على نقل الخلاف عن بعض العامة في صلاة الجنازة، بل في المعتبر دعواه صريحا، حيث قال: «يجوز التيمم لكل من وجب عليه الغسل إذا عدم الماء، و كذا كل من وجب عليه الوضوء، و هو إجماع أهل الإسلام» انتهى.

و عن التذكرة بعد أن نص على الجمع بتيمم واحد بين صلاة و طواف، و صلاتين و طوافين، قال: «لا خلاف انه إذا تيمم للنفل يعني من الصلاة استباح مس المصحف و قراءة القرآن ان كان تيمم من جنابة» و قال أيضا: «و لو تيمم المحدث لمس المصحف أو الجنب لقراءة القرآن استباح ما قصده» كما انه عنه في النهاية النص على جوازه لكل ما يتطهر له من فريضة و نافلة و مس مصحف و قراءة عزائم و دخول مساجد و غيرها، و قد تقدم ما عن المبسوط «إذا تيمم جاز أن يفعل جميع ما يحتاج في فعله إلى الطهارة مثل دخول المسجد و سجود التلاوة و مس المصحف و الصلاة على الجنائز و غير ذلك» إلى غير ذلك من عبارات الأصحاب الظاهرة فيما قلنا.

فاحتمال كون المراد من تلك العبارة أنه يستباح بكل تيمم شرع بدلا من المائية ما يستباح بها- فلا يدل على عموم مشروعيته لكل ما تشرع له المائية- بعيد بل باطل قطعا، كاحتمال كون المراد انه يستباح به ما يستباح بالمائية من صلاة و طواف، حتى يجوز أن يصلى و يطاف بتيمم واحد عدة منهما فرائض و نوافل، خلافا لبعض العامة، و كذا احتمال كون المراد بمعقد إجماع المعتبر المتقدم الذي هو كعبارة الإرشاد «و يجب التيمم لما يجب له الطهارتان» أسباب الطهارتين لا غاياتهما، إذ مع قصور العبارة عن ذلك يستغنى عنها حينئذ بما ذكر من أنه ينقض التيمم كل ما ينقض الطهارة، لاتحادهما معنى حينئذ، على أن ما ذكرنا من قيام التيمم مقام الطهارة المائية مع انه المصرح به في كلمات

252

جملة من الأصحاب- هو الموافق لظاهر الأدلة من قوله سبحانه و تعالى (1) بعد بيان التيمم «وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» و من

خبر السكوني (2) «يكفيك الصعيد عشر سنين»

و في خبر آخر (3) «الصعيد الطيب طهور المسلم ان لم يجد الماء عشر سنين» و في ثالث (4) «التراب طهور المسلم و لو إلى عشر حجج» و قول أبي جعفر (عليه السلام) (5) في الصحيح لزرارة: «التيمم أحد الطهورين» و الصادق (عليه السلام) في صحيح حماد (6): «هو بمنزلة الماء»

و في الصحيح لمحمد بن حمران و جميل (7): «ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا»

أو ل

سماعة (8) فيمن يكون الماء في السفر فيخاف قلته: «يتيمم بالصعيد، و يستبقي الماء، فان الله جعلهما طهورا الماء و الصعيد»

إلى غير ذلك، و في الفقه الرضوي (9) «ان التيمم غسل المضطر و وضوؤه».

فما عساه يظهر من غايات الكتاب و المنتهى و عن التذكرة و نهاية الاحكام من عدم وجوب التيمم إلا للصلاة و الخروج من المسجدين- بل و كذا القواعد و عن التحرير و الإرشاد لكن مع زيادة الطواف فيها فيما يجب له، بل كاد يكون صريح المنتهى ذلك، كالمحكي من عبارة نهاية الشيخ، بل عن الفخر «أن والده لا يجوز التيمم من الحدث الأكبر للطواف و لا مس كتابة القرآن» انتهى. بل نص في المنتهى على عدم مشروعية

____________

(1) سورة المائدة- الآية 9.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب التيمم- الحديث 12.

(3) كنز العمال ج- 5- ص 96- الرقم 2064 و فيه «وضوء» بدل «طهور».

(4) كنز العمال ج- 5- ص 96- الرقم 2074 مع اختلاف في اللفظ.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب التيمم- الحديث 2.

(7) الوسائل- الباب- 23- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(8) الوسائل- الباب- 25- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(9) فقه الرضا (عليه السلام) ص 4.

253

التيمم لصوم الجنب و الحائض و المستحاضة، كما عنه في النهاية الإشكال فيه، كالشهيد في الذكرى بالنسبة إلى صوم الجنب و وطء الحائض بعد انقطاع الحيض، لكن عنه في الألفية الميل إلى العدم في الأول، و في الدورس استقرب التيمم في الثاني لزوال الحرمة أو الكراهة، كما انه احتمله في المنتهى، لكن عنه في النهاية الجزم بجوازه، و لعله ل

قول الصادق (عليه السلام) (1): «نعم» بعد أن سئل عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل يحل لزوجها وطؤها؟ و خبر أبي عبيدة (2) «سأله عنها ترى الطهر في السفر و ليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة، قال (عليه السلام): إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم و تصلي، قال: فيأتيها زوجها في تلك الحال؟

قال: نعم إذا غسلت فرجها و تيممت»

و ربما يظهر منهما عدم الاحتياج إلى تجديد التيمم لكل وطء، كما عن النهاية النص عليه و إن أوجبنا الغسل، قيل: لأن الجنابة لا تمنع الوطء، فلا ينتقض التيمم المبيح له. قلت: لكن قد يشكل بانتقاض التيمم بكل ما ينقض الطهارة و لو حدثا أصغر بالنسبة إلى ما هو بدل الأكبر، و من ذلك يظهر وجه عدم مشروعية التيمم حينئذ له، لعدم تأثيره بسبب انتقاضه بأول مسمى الوطء، لكن قد يمنع في خصوص المقام، إلا أن الأمر عندنا سهل، لعدم اشتراط الوطء بالغسل كما مر في محله هذا كله- لا يخلو من نظر و تأمل مناف لما سمعته من إطلاق الأدلة، بل و لما ذكروه في غايات التيمم، فلاحظ المقامين.

و كذا ما يحكى عن فخر المحققين في الإيضاح من منع مشروعية التيمم للجنب لدخول المسجدين و اللبث في المساجد و مس كتابة القرآن، و قواه الأستاذ في كشف الغطاء، بل في كل ما كان الموجب لرفع الحدث فيه الاحترام من مس أسماء الله تعالى و قراءة العزائم و الوضع في المساجد و نحو ذلك و يجيء على قول الفخر منعه أيضا بالنسبة

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الحيض- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الحيض- الحديث 1.

254

إلى الطواف، لاستلزامه دخول المسجد كما حكي عنه التصريح به في شرح الإرشاد، حيث قال: «يبيح التيمم الصلاة من كل حدث، و الطواف من الأصغر خاصة، و لا يبيح من الأكبر إلا الصلاة و الخروج من المسجدين».

و منه يفهم أيضا تعميمه ذلك بالنسبة إلى حدث الحيض و الاستحاضة و نحوهما، و فيه مع منافاته لما سمعت أنا لم نعرف له دليلا على ذلك مقيدا سوى ما حكي عنهم في قوله تعالى (1) «وَ لا جُنُباً إِلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا» لجعله الغاية الاغتسال، و هو- مع قصوره عن إفادة تمام المدعى إلا بعدم القول بالفصل، و قد يمنع، و ابتنائه على كون المراد بالصلاة في ذلك مواضعها، كما تدل عليه بعض الاخبار (2)- و فيه بحث وارد مورد الغالب، فلا يكون حجة، على انه يجب الخروج عنه بما دل على البدلية من الأدلة السابقة، بل في الآية نفسها، حيث قال فيها بعد ذلك «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً» الى آخره. الظاهر في شموله لتمام ما تقدم، بل قد يشعر فحوى التيمم للخروج من المسجدين بذلك أيضا.

فظهر لك حينئذ ضعفه كضعف ما في المدارك في مبحث الغايات، و قد مر هناك فلاحظ، فالأقوى قيامه مقام كل طهارة مائية بالنسبة الى جميع الغايات عدا ما عرفت من غير فرق بين غاية رفع حدث خاص أو سائر الأحداث، كل ذلك للأدلة السابقة من الاخبار و غيرها، بل قد يظهر من إطلاق بعضها قيامه مقام غير الرافع من المائية أيضا، كوضوء الحائض و الجنب و الأغسال المندوبة، كما نص عليه في مجمع البرهان في البعض كغسل الزيارة و نحوه كظاهر المفاتيح و قربه الأستاذ في كشف الغطاء، لكن قال: إن خلافه أقرب، و عن المبسوط و القواعد النص على بدليته عن غسل الإحرام،

____________

(1) سورة النساء- الآية 46.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الجنابة- الحديث 20.

255

كجامع المقاصد النص عليه في أول كتابه بالنسبة إلى ذكر الحائض، قال فيه: «لا إشكال في استحباب التيمم إذا كان المبدل رافعا أو مبيحا، إنما الإشكال في سوى ذلك، و الحق ان ما ورد به النص أو ذكره من يوثق به من الأصحاب كالتيمم بدلا من وضوء الحائض يصار اليه، و ما عداه فعلى المنع إلا أن يثبت بدليل».

قلت: قد يقال: ان الدليل- بعد التسامح و الأولوية من رفع الحدث و استبعاد سقوط هذه المستحبات أصلا لغير المتمكن و غير ذلك- إطلاق بعض الأدلة السابقة فتأمل.

[السادس إذا اجتمع ميت و محدث]

السادس إذا اجتمع ميت و محدث بالأصغر و لو متعددا و جنب و معهم من الماء ما يكفي أحدهم فإن كان ملكا لأحدهم اختص به و حرم تناول الغير له ان كان للميت و ان وجد وارثه، لخروج ماء الغسل من أصل المال، كما انه يحرم على كل من الأخيرين بذله لغيره مع تحقق الخطاب باستعماله و ضيقه، بل وسعته مع عدم الرجاء لغيره، بل و مع الرجاء ما لم يعلم المكنة في وجه تقدم سابقا، و كذا لا يجب على كل منهما بذله حتى لتغسيل الميت و ان لم يتحقق الخطاب عليهما باستعماله، بناء على ما تقدم سابقا من وجوب مؤن التجهيز في ماله، و انها لا يجب بذلها على أحد مطلقا.

و ان كان الماء ملكا لهم جميعا و كان لا يكفي حصة كل منهم لتمام المطلوب، و لم يعلم المكنة مما يكملها، و قلنا بعدم وجوب الممكن من أغسال الميت، أو يفرض عدم إمكان ذلك و إن أمكن غسل بعض الاجزاء لكن لا عبرة به كما لا عبرة به في غسل الجنابة أو كان الماء مباحا لا مالك له و اشترك فيه المحدث و المجنب بمبادرتهما اليه و إثبات أيديهما عليه دفعة وحدهما أو مع غيرهما، إذ يصير حينئذ و لو بتغلب و قهر للآخر كسابقه أو كان مع مالك يسمح ببذله فالأفضل تخصيص الجنب به أي الماء المبذول أو المشترك بينه و بين المحدث و وارث الميت، و يؤمم الميت و يتيمم المحدث، لعظم حدث الجنابة، و لأن غاية غسله فعل الطاعات كاملة، بخلاف غسل

256

الميت، فان غايته التنظيف، مع انه سنة و غسل الجنابة فريضة، فيقدم عليه، لأنه أهم، و للأمر به كما ستعرف.

و ل

صحيح ابن أبي نجران (1) على ما في الفقيه، فلا يقدح إرساله في التهذيب «سأل أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن ثلاثة نفر كانوا في سفر، أحدهم جنب، و الثاني ميت، و الثالث على غير وضوء و حضرت الصلاة، و معهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء؟ و كيف يصنعون؟ قال: يغتسل الجنب، و يدفن الميت بتيمم، و يتيمم الذي هو على غير وضوء، لان الغسل من الجنابة فريضة، و غسل الميت سنة، و التيمم للآخر جائز». و خبر التفليسي (2) «سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن ميت و جنب اجتمعا و معهما ماء يكفي أحدهما، أيهما يغتسل؟ فقال: إذا اجتمعت سنة و فريضة بدئ بالفرض».

ك

خبر الحسين بن النظر الأرمني (3) المروي عن التهذيب و العلل و العيون قال:

«سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن القوم يكونون في السفر، فيموت منهم ميت و معهم جنب و معهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما، أيهما يبدأ به؟ قال: يغتسل الجنب و يترك الميت، لان هذا فريضة و هذا سنة»

الحديث.

و قيل لكن لم نعرف قائله كما اعترف بذلك بعضهم يختص به الميت لكون غسله خاتمة طهارته، و لان من غايته أيضا نظافة الميت و رفع نجاسة مما لا يقوم التيمم مقامه، و لان الموت جنابة فيقدم على المحدث، و للمرسل (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت له: الميت و الجنب يتفقان في مكان، لا يكون الماء إلا بقدر

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب التيمم- الحديث 5.

257

ما يكفي أحدهما، أيهما أولى أن يجعل الماء له؟ قال: يتيمم الجنب و يغسل الميت بالماء».

و من هنا قال المصنف في ذلك تردد لكن لا ريب في ضعفه، لمعارضة ما ذكر من الاعتبار بمثله، و قصور مرسله بالنسبة للصحيح المتقدم المعتضد بالخبرين، و بما فيه و فيهما من التعليل، و بالشهرة بين الأصحاب قولا، و الرواة رواية، و إمكان تأويل المرسل و إرجاعه للأول، ك

خبر أبي بصير (1) قال: «سألت الصادق (عليه السلام) عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة و ليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب لغسله، يتوضؤون هم هو أفضل، أو يعطون الجنب فيغتسل و هم لا يتوضؤون؟

فقال: يتوضؤون هم و يتيمم الجنب»

إذ يمكن حمله على كون الماء لهم، أو كون حصة كل منهم تكفي لوضوئه، مع أنا لم نعثر على من عمل به بالنسبة الى ذلك، بل ظاهرهم الاتفاق كما قيل على تقديم الجنب عليه، أو الميت لو كان، بل في المحكي عن التنقيح الإجماع على تقديم سائر أنواع الأكبر عليه.

و من ذلك كله يظهر ضعف ما في الخلاف و عن المبسوط، لكن أبدل المحدث بالحائض فيهما من القول بالتخيير معللا في الأول بأنها فروض اجتمعت و ليس بعضها أولى من بعض، فتعين التخيير، لان الروايات اختلفت على وجه لا ترجيح فتحمل عليه، لما عرفت من ظهور الرجحان، و لعل مراد الشيخ نفي الأولوية الإلزامية لا الندبية، فلا يكون حينئذ مخالفا، قال في المعتبر: «و ما ذكره الشيخ ليس موضع البحث، فانا لا نخالف أن لهم الخيرة، لكن البحث في الأولى أولوية لا تبلغ اللزوم» إلى آخره.

و صريحه كصريح بعض من تأخر عنه أن محل النزاع في الأفضلية، بل قد تشعر عبارته بالإجماع على عدم الوجوب، و به يوهن احتمال الأخذ بظاهر الأمر في الاخبار السابقة، و الخروج بذلك عما تقتضيه أصول المذهب من تسلط الناس على أموالهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب التيمم- الحديث 2.

258

و عدم تسلط أحد منهم على أحد في ذلك.

قلت: و هو متجه في المشترك أو المبذول، لأصالة براءة الذمة و غيرها من تعيين ذلك على ملاكه، بل لعل الاخبار لا تشملهما كما ستعرف، أما لو كان الماء مباحا أصليا أو من مالك على جهة الإطلاق من غير تعيين و دار الأمر بين رفع الجنابة و تغسيل الميت مع وجوبهما معا عليه فقد يتأمل حينئذ في جواز تغسيل الميت به و التيمم للجنابة، سيما إذا حازه و ملكه، لظاهر المعتبرة السابقة، و لصدق اسم الواجد، و إيجاب غسل الميت عليه مع ترجيح الشارع رفع الجنابة لا ينافيه، و لعله لذا كان ظاهر الموجز وجوب تقديم الجنب فيه.

كما انه قد يتأمل في إطلاقهم تقديم الجنابة مع أن المتجه وجوب تقدم التغسيل في حال عدم وجوب رفعها، كما لو كان قبل الوقت.

و كذا التأمل فيما يستفاد من عبارة المصنف و نحوها من استحباب تخصيص الجنب بالماء المباح إن أريد بذلك عدم مزاحمة المحدث إلى حيازته، إذ المتجه وجوب المبادرة على كل منهما مقدمة للواجب من الطهارة عليه.

و كذا ينبغي التأمل في المراد من الاستحباب هنا هل هو تكليفي يحتاج إلى مخاطب به و لو الجنب نفسه فلا يثبت في مال الشريك لو كان طفلا و نحوه، أو مالي كاستحباب الحبوة و زكاة مال الطفل؟ ظاهر بعض الأصحاب الأول، و لعل ظاهر الروايات (1) الثاني، و كان منشأ الإجمال و عدم التفصيل في هذه الاخبار، مع ظهور السؤال فيها باشتراك الماء بين الميت و غيره عدم المداقة في أمر الماء، و بنائه على التسامح فيه و على المتعارف في ذلك الزمان من عدم اختصاص كل شخص من المسافرين بماء على حدة بل كان يجمع كل جماعة منهم ما يحتاجون اليه من الماء في مكان واحد، بل لا يقصد

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب التيمم.

259

من حازه الاختصاص به و الملكية له دون أصحابه، و لا يداق بعضهم بعضا بالنسبة إلى كثير الاحتياج اليه و عدمه، و لذا لم تقع الإشارة في شيء من هذه الاخبار إلى تعرض لذلك، بل أمروا فيها باغتسال الجنب مع غلبة تعدد وارث الميت و عدم حضوره و طفوليته.

و لعله لما ذكرنا من الإجمال في تلك الروايات سؤالا و جوابا، بل ربما يخالف ظاهرها أصول المذهب و قواعده أعرض عنها ابن إدريس في سرائره، حيث قال بعد أن نسب ما عليه المشهور إلى الرواية: «و الصحيح أن هذا الماء إن كان مملوكا لأحدهم فهو أحق به، و لا يجب عليه إعطاؤه لغيره، و لا يجوز لغيره أخذه منه بغير اذنه، و ان كان موجودا مباحا لكل من حازه فهو له، فان تعين عليهما تغسيل الميت و لم يتعين أداء الصلاة لخوف فواتها و ضيق وقتها فعليهما أن يغسلاه بالماء الموجود، و ان خافا فوات الصلاة فإنهما يستعملان الماء، فإن أمكن جمعه و لم يخالطه نجاسة عينية فيغسلانه به على ما بيناه من قبل في الماء المستعمل في الطهارة الصغرى على الصحيح من المذهب» انتهى.

لكن في كشف اللثام ان ذلك منه ليس طرحا لاخبار المشهور، بل تنزيل لها على ما لا يبعد عنها و لا يأباه الشرع و الاعتبار، قلت: إلا أن فهم أكثر الأصحاب على خلافه ان لم نقل هي ظاهرة فيه أيضا أو صريحة، نعم ما أشار إليه في آخر كلامه من جمع المستعمل مع إمكانه و تغسيل الميت به مثلا إن أمكن جيد، و قد نص عليه بعض الأصحاب، و خلو الاخبار عن التعرض له لعله لعدم تيسر ذلك غالبا.

فما في الذكرى ان فيها إشارة إلى عدم طهورية المستعمل و إلا لأمر بجمعه يدفعه ما سمعت، هذا.

و كان اقتصار المصنف كبعض الأصحاب على خصوص هذه الصورة من بين صور الجمع و التعارض انما هو لمكان ورود الاخبار بها في الخصوص، و إلا فالصور الحاصلة- من اجتماع المحدث بالأصغر مع أنواع الأكبر من الحيض و المس و غيرهما،

260

بل هي في نفسها أيضا و بالنسبة إلى الميت و إلى مريد إزالة النجاسة عن ثوبه و بدنه ان لم يتم الإجماع المحكي عن المعتبر و المنتهى و التذكرة على تقديم الأخير على رفع الحدث الأصغر و غير ذلك- كثيرة، لكن مدار الترجيح فيها جميعا بعد فرض عدم الدليل بالتخصيص على وجوه لا تخفى، كعظم الحدثية و عدمها، و مشروعية البدل و عدمه، و تعدد الغايات و كثرتها، و كون الوجوب بالفرض و عدمه، و نحو ذلك و ان كان في ثبوت الأولوية و الرجحان بحيث ينصرف اليه الوصايا و النذور و الايمان و البذل و نحوه من بعضها مع كون التعارض من وجه لا يخلو من نظر، و قد تعرض جماعة من الأصحاب لجملة منها.

نعم في المحكي من عبارة التنقيح الإجماع على تقديم الأكبر على الأصغر، و لولاه لأمكن ترجيحه على بعضها بأنه فرض و غيره سنة، بل و على غسل الميت أيضا بذلك، اللهم إلا أن يرجح عليه بما ورد من تعليل غسل الميت على نحو غسل الجنابة بخروج النطفة منه عند الموت، فيكون حينئذ كالجنابة، فيرجح عليه حينئذ، بل و غيره مما يرجح عليه غسل الجنابة، فتأمل.

و قد يظهر من بعضهم الرجوع في جملة من هذه الصور إلى القرعة، و هو لا يخلو من وجه لو علم تعينه في الواقع و اشتبه، لكنه أحوط على كل حال.

[السابع الجنب إذا تيمم لفقد الماء أو غيره بدلا من الغسل ثم أحدث أعاد التيمم]

الحكم السابع الجنب إذا تيمم لفقد الماء أو غيره بدلا من الغسل ثم أحدث أعاد التيمم بدلا من الغسل سواء كان حدثه أصغر أو أكبر فلا يتوضأ حينئذ لو وجد ماء له خاصة على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا، إذ لم أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عن المرتضى في شرح الرسالة من عدم وجوب إعادة المحدث بالأصغر، بل يتوضأ ان وجد الماء له خاصة، و إلا تيمم عنه لا عن الغسل، لارتفاع حدث الجنابة بالتيمم سابقا لها و عدم إيجاب هذا الحدث غير الوضوء، مع أن

261

المحكي عنه في غيره موافقة المشهور أيضا، و تبعه الكاشاني في المفاتيح، و قواه في الحدائق، و رده غير واحد من الأصحاب بالمستفاد من الاخبار و الإجماع المحكي مستفيضا ان لم يكن متواترا منا بل من علماء الإسلام إلا الشاذ على كون التيمم مبيحا لا رافعا، فحيث انتقض بالحدث وجب إعادته للجنابة السابقة و ان تمكن من ماء للوضوء، إذ لا وجه له مع بقاء الجنابة، و بمفهوم

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1):

«و متى أصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا، و الوضوء ان لم تكن جنبا»

حيث شرط الوضوء بعدم الجنابة، و بالمعتبرة المشتملة على أمر الجنب بالتيمم و ان كان عنده من الماء ما يكفيه للوضوء، منها

خبر الحلبي (2) «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب و معه قدر ما يكفيه من الماء لوضوء الصلاة، أ يتوضأ بالماء أو يتيمم؟ قال: لا، بل يتيمم»

الحديث. و نحوه غيره (3).

و قد يناقش في الجميع، أما الأول فباحتمال كون مراد المرتضى رفعه إلى غاية هي التمكن من الماء خاصة لا مطلقا حتى يكون مخالفا للإجماع، إذ القدر المسلم منه ذلك لو قلنا بالفرق بين الاستباحة و الرفع بهذا المعنى، على أنه لو سلم أن التيمم انما يفيد الإباحة بمعنى رفع المنع دون المانع أمكن أن نمنع زوالها أيضا بالحدث للاستصحاب، و ما دل على تنزيل التراب منزلة الماء، و أنه أحد الطهورين من الاخبار الكثيرة (4) و بطلان أثر التيمم بالنسبة إلى رفع منع الأصغر بالحدث المفروض لا يستلزم بطلانه بالنسبة إلى الجنابة من دون تجدد ما يوجبها و ان كان التيمم واحدا، إذ هو حينئذ كالغسل بالنسبة للإباحة، نعم انما يبطل بالنسبة إليها بالتمكن من الماء خاصة، و قياسه على ذلك ليس من

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب التيمم- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب التيمم.

262

مذهبنا، و أما الثاني فبظهوره في غير المتنازع فيه ان لم يكن صريحا، سيما بعد تصريحه أولا بالمفهوم، و كذا الثالث أيضا، لظهور تلك الاخبار في تقدم ذلك الماء على التيمم للجنابة.

و قد يدفع مضافا الى ما تقدم في النية بعدم صحة الرفع إلى غاية لا تصلح لان تكون سببا لعوده، فهو في الحقيقة قد عاد بدون أسبابه الموجبة له في السنة و الإجماع، و بمنع عدم تناول ما دل من السنة و الإجماع على عدم رافعية التيمم لمثل هذا الرفع أيضا، و بمعارضة الاستصحاب المذكور باستصحاب عدم مشروعية الوضوء له قبل التيمم، و بقاء أحكام الجنابة و آثارها، و بمنع اقتضاء المنزلة ذلك أو انصرافها الى مثله، و ببطلان الإباحة السابقة بانتقاض المبيح لها، لإطلاق ما دل من السنة و معاقد الإجماعات و نفي الخلاف على بطلان التيمم بالحدث، و التمكن من استعمال الماء عما كان التيمم بدلا عنه، لتناوله كل حدث أصغر أو أكبر و كل تيمم بدل عن غسل أو وضوء، بل في المحكي عن المختلف لو أحدث المتيمم من الجنابة حدثا أصغر انتقض تيممه إجماعا، و في صحيح زرارة (1) عن الباقر (عليه السلام) و خبر السكوني (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) «لا بأس أن يصلي الرجل صلاة الليل و النهار كلها بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصب ماء»

الحديث.

و بذلك ينقطع الاستصحاب و غيره، إذ لا معنى لانتقاضه خصوصا بعد جعله كإصابة الماء إلا بطلان ما أثره أولا حتى لو قلنا بالرفع المتقدم في كلام الخصم، لصيرورة الحدث حينئذ غاية كالتمكن من الماء، و احتمال القول بأن المؤثر في رفع منع الجنابة ابتداء التيمم لا استمراره، و المنتقض الثاني لا الأول واضح الفساد.

فظهر من ذلك ان التحقيق ما عليه الأصحاب، كما أنه يظهر منه أيضا ان كل

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب التيمم- الحديث 5.

263

تيمم بدل عن الوضوء أو الغسل ينتقض بكل ما ينتقض به أحدهما من غير فرق بين الجنابة و غيرها كالحيض و المس و نحوهما، فلو تيممت الحائض مثلا بعد النقاء تيمما عن الغسل و آخر عن الوضوء ثم أحدثت بالأصغر أو الأكبر و لو غير الحيض بطل التيممان معا، فاحتمال القول ان ناقض كل تيمم انما هو ما ينقض المبدل عنه كما عساه يتوهمه بعض الناس ليس في محله، كاحتمال الفرق بين الجنابة و غيرها في ذلك باتحاد التيمم فيها و تعدده في غيرها، فينتقض الأول و لو بغير الجنابة، بخلاف الثاني فيتبع المبدل عنه، أو الفرق في التيممات بالنسبة للغايات، فكل غاية ينتقض التيمم لها بالحدث المنافي لها دون غيره فلا ينتقض التيمم لصوم الجنب و الحائض بالنوم و غيره من الحدث الأصغر، و لا تيمم الثانية للوطء مثلا بناء على وجوبه بدل الغسل بالوطء، و هكذا، لعدم منافاة النوم للصوم، و لا حدث الجنابة للوطء، كل ذلك لا ينبغي الالتفات اليه بعد ما عرفت.

نعم لا ينتقض تيمم الغسل في مثل الحيض بالتمكن من ماء الوضوء خاصة و ان انتقض به ما كان بدلا عنه كالعكس، إذ ليس ذلك من الأحداث حقيقة بل من الغايات التي يرتفع عندها حكم التيمم و يظهر أثر الحدث الأول، كما هو واضح.

[الثامن إذا تمكن المتيمم من استعمال الماء انتقض تيممه]

الثامن إذا تمكن المتيمم من استعمال الماء لما هو بدل عنه عقلا و شرعا تمكنا لا يشرع معه ابتداء التيمم انتقض تيممه إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا ان لم يكن متواترا منا، بل و من العامة عدا الشاذ، و نصوصا كذلك، منها صحيح زرارة و خبر السكوني المتقدمان معا، ك

صحيحه الآخر (1) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل تيمم قال: يجزؤه ذلك الى أن يجد الماء»

و نحوها غيرها، و هي و ان كانت غير صريحة في اعتبار التمكن بل قد يدعى ظهورها في حصول النقض بمجرد الإصابة

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب التيمم- الحديث 2.

264

و ان لم يتمكن عقلا فضلا عن الشرع، لكن قد عرفت في أول الحكم الرابع ما يعين إرادة التمكن من ذلك اقتصارا في انقطاع الاستصحاب و العمومات على المتيقن، بل المنساق الى الذهن منها، كما أنك قد عرفت كثيرا مما يتعلق بالمقام فيه بل و في آخره أيضا، فلاحظ و تأمل. على أنه من المعلوم ان المراد بناقضية الإصابة هو زوال مسوغ التيمم من الضرورة، فيؤثر الحدث السابق حينئذ أثره، لعدم ارتفاعه بالتيمم كما عرفت، و إلا فليس ذلك من النواقض حقيقة قطعا، و هي لا تزول بمجرد الإصابة.

و على كل حال ف لو فقده أي التمكن أو الماء بعد ذلك و قد مضى زمان يسع الطهارة على الأصح أو مطلقا على غيره كما مر تحقيقه في ذلك البحث أيضا افتقر الى تجديد التيمم لانتقاض السابق به، لكن ينبغي أن يعلم انه انما ينقض التمكن المذكور خصوص التيمم الذي تمكن من ماء المبدل له، و إلا فلا ينتقض التيمم عن غسل الحيض بالتمكن من ماء للوضوء خاصة، و ان انتقض به بدله كالعكس، كما نص عليه غير واحد من الأصحاب، للأصل و العمومات من غير معارض.

و لو تمكن من ماء صالح للوضوء أو الغسل لا لهما ففي انتقاضهما معا بذلك، أو ما يختار المكلف منهما، أو القرعة أوجه، أقواها الأول، لصدق الوجدان في كل منهما و عدم الترجيح، و لأولويته مما تسمعه من المنتهى و ان كان الفرق بينهما واضحا.

و لو كان قد تيمم لأسباب متعددة للغسل كالحيض و المس فوجد ماء لا يصلح لتكرار الغسل به انتقض الجميع قطعا، بناء على التداخل بالغسل، لصدق التمكن منه حينئذ بمشروعية التداخل له، بل وجوبه عليه في مثل الحال عند وجوب المشروط به للمقدمة، و ان كان في الأصل رخصة، نعم يتجه البحث السابق لو قيل بعدم مشروعية التداخل في الغسل.

265

و لو وجد جماعة ماء في المباح لا يكفي إلا أحدهم ففي المنتهى انتقض تيممهم جميعا، لصدق الوجدان على كل واحد، و ينبغي تقييده بما إذا حصل التمكن من استعماله للجميع، أما لو تبادروا إلى حيازته فسبق أحدهم انتقض تيممه خاصة، و ان لم يسبق بل تساووا الجميع لم ينتقض تيمم أحد منهم إلا مع بذل الشركاء نصيبهم لواحد، نعم لو كان معهم جنب و قلنا باختصاصه شرعا بحيث ليس لغيره المزاحمة له اختص النقض به أيضا، فإطلاقه ذلك لا يخلو من تأمل، كإطلاقه فيه أيضا انه لو لم يجد الماء إلا في المسجد و كان جنبا فالأقرب جواز الدخول و الأخذ من الماء و الاغتسال خارجا، بل فيه انه لو لم يكن معه ما يغترف به فالأقرب جواز اغتساله فيه، و ان تبعه في المدارك في الأول، و استحسنه في الثاني، لكن قد عرفت فيما مضى حرمة اللبث في المساجد جلوسا كان أو غيره، نعم لو أمكن ذلك بالاجتياز جاز، لعدم الحرمة فيه.

[في عدم انتقاض التيمم بخروج الوقت]

و لا ينتقض التيمم بخروج الوقت عندنا إجماعا و قولا واحدا، لحصر الناقض بغيره في المعتبرة (1) بل فيها ما هو كالصريح بعدم نقضه به معللة ذلك بأنه بمنزلة الماء، فيصلي حينئذ بتيممه ما شاء من الصلوات فرائض و نوافل، خلافا لبعض الجمهور، فنقضه به قياسا على المستحاضة بجامع اضطرارية الطهارتين، و مقتضاه تعدده للصلوات و ان لم لم يخرج الوقت كما عن الشافعي، و لا ريب في بطلانه عندنا كسابقه.

فما في خبر أبي همام (2) عن الرضا (عليه السلام) «تيمم لكل صلاة حتى يوجد الماء» و السكوني (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) «لا يتمتع بالتيمم إلا صلاة واحدة و نافلتها»

محمول على التقية أو غيرها أو مطرح قطعا.

و كذا لا يبطل عندنا بنزع العمامة أو الخف و لا بغير ذلك ما لم يحدث أو لم يجد

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب التيمم- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب التيمم- الحديث 6.

266

الماء فينتقض حينئذ إجماعا محصلا و منقولا و نصوصا (1) في الثاني على ما عرفت كالأول أيضا، ففي المعتبر «لا ينقض التيمم إلا ما ينقض الطهارة المائية، و وجود الماء مع التمكن من استعماله، و هو مذهب أهل العلم» إلى آخره. و في المنتهى «و يبطل التيمم كل نواقض الطهارة، و يزيد عليه رؤية الماء المقدور استعماله، و لا نعرف فيه خلافا إلا ما نقله الشيخ عن أبي سلمة» إلى آخره. و في التذكرة «ينقض التيمم كلما ينقض الطهارة المائية، و يزيد وجود الماء مع التمكن من استعماله- إلى أن قال- و هو قول العلماء إلا ما نقل عن أبي سلمة» و في الذكرى «يستباح بالتيمم ما لم ينقض بحدث أو وجود الماء عند علمائنا أجمع سواء خرج الوقت أو لا، و سواء كانت الثانية فريضة أو نافلة» و في المدارك في شرح عبارة المصنف «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، و أخبارهم به ناطقة» و في كشف اللثام مازجا لعبارة القواعد «و ينقضه نواقضها، و التمكن من استعمال المائية لما هو بدل منه عقلا و شرعا بالإجماع و النصوص» إلى غير ذلك من عبارات الأصحاب، و ظاهر الجميع ان لم يكن صريحا ما ذكرناه سابقا من انتقاض كل تيمم بدل من الوضوء أو الغسل بكل حدث أصغر أو أكبر كما هو واضح.

[التاسع من كان بعض أعضائه مريضا لا يقدر على غسله بالماء جاز له التيمم]

التاسع من كان بعض أعضائه مريضا لا يقدر على غسله بالماء للوضوء أو الغسل و لا مسحه و لو بوضع جبيرة عليه ان كان من ذوي الجبائر جاز له التيمم كما في المبسوط و الخلاف و القواعد و غيرها، بل لا أعرف فيه خلافا، لصدق عدم الوجدان بعدم التمكن من الاستعمال لتمام الطهارة، و تناول أدلة المرض من الآية (2) و غيرها، و لا طلاق

قول الصادق (عليه السلام) في مرسلي ابن أبي عمير (3) «يتيمم المجدور و الكسير

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب التيمم.

(2) سورة المائدة- الآية 9.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 3 و 4.

267

إذا أصابتهما جنابة»

بعد السؤال في أحدهما عن مجدور أصابته جنابة فغسلوه فمات، ك

مسنده الآخر عن أبي مسكين و غيره (1) عن الصادق (عليه السلام) أيضا قال بعد نحو السؤال المتقدم: «قتلوه. أ لا سألوا، أ لا يمموه، إن شفاء العي السؤال» و الباقر (عليه السلام) في خبر ابن مسلم (2) «في الرجل يكون به القرح و الجرح يجنب قال:

لا بأس بأن لا يغتسل يتيمم»

ك

خبره الآخر (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة قال: يتيمم»

و خبر ابني سرحان (4) و أبي نصر (5) عن الصادق و الرضا (عليهما السلام) «في الرجل تصيبه الجنابة و به جروح أو قروح أو يخاف على نفسه البرد، فقال: لا يغتسل يتيمم»

الحديث.

[في عدم جواز التبعيض في الطهارة]

و لا يجوز ان يتبعض الطهارة بأن يقتصر على غسل الصحيح بلا خلاف أجده فيه بين الأصحاب، بل ظاهر التذكرة كاشعار غيره الإجماع عليه، للأصل، و قاعدة انتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (6):

«ان الوضوء لا يبعض»

و ظاهر الاخبار السابقة، فلا يلتفت إلى قاعدة اليسر سيما بعد إعراض الأصحاب عنها هنا.

و كذا لا يلفقها بالتيمم عن العضو المريض بعد الغسل المذكور للأصل و الاخبار السابقة، و ظهور التقسيم كتابا و سنة في قطع الشركة بينهما، و لعل ما في المبسوط و الخلاف- من الاحتياط بالجمع لغسل الممكن ثم التيمم معللا له في الأول بعدم الضرر عليه في ذلك مع تأدية الصلاة بالإجماع- ليس لاحتمال مشروعية التلفيق، أو لوجود قائل منا بمشروعيته، أو مشروعية التبعيض، نعم قد يكون ذلك لاحتمال الثاني خاصة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 1 و هو عن ابن مسكين.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب التيمم- الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الوضوء- الحديث 2.

268

و قد مر في أول أسباب التيمم ما له نفع في المقام، فلاحظ.

كما انه قد مر في حكم الجبائر من الوضوء ما به يندفع مما عساه يشكل على ظاهر المصنف و غيره هنا، بل و الاخبار السابقة بمنافاته لما تقدم في باب الوضوء من وجوب غسل ما حول الجرح و نحوه مع تعذر مسحه أو مطلقا و عدم الانتقال إلى التيمم، و قد ذكرنا بحمد الله التحقيق هناك بما لا مزيد عليه، و ربما يظهر منه أيضا وجه ما ذكره الشيخ من الاحتياط في خصوص العضو المستوعب مرضا، بل و غير المستوعب أيضا، فلاحظ و تأمل.

[العاشر يجوز التيمم بدل الغسل أو الوضوء لصلاة الجنازة]

الحكم العاشر يجوز التيمم بدل الغسل أو الوضوء لصلاة الجنازة مع وجود مسوغة من عدم وجدان الماء أو المرض و نحوهما حتى خوف الفوات قطعا، بل لا أجد فيه خلافا هنا كما اعترف به في كشف اللثام للبدلية المقتضية قيامه مقامه في سائر الغايات مستحبها و واجبها، و الطهارة للجنازة و ان لم تكن واجبة فيها للأصل و بعض الاخبار و ظاهر الإجماع في التذكرة و صريحه في الخلاف و الذكرى و عن نهاية الاحكام و جامع المقاصد و الروض و المسالك و غيرها لكنها مستحبة فيها إجماعا صريحا عن الخلاف و الغنية، و ظاهرا عن التذكرة، و أخبارا (1) كما سيأتي تحرير ذلك كله إن شاء الله في صلاة الجنائز، فيقوم حينئذ التيمم مقامها مع التعذر، و لخصوص

حسن الحلبي أو صحيحه (2) «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تدركه الجنازة و هو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة عليها، قال: يتيمم و يصلي» و موثق سماعة (3) قال: «سألته عن رجل مر به جنازة و هو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال: يضرب بيده على حائط اللبن يتيمم»

فلعل ذلك مع ظهور اتفاقهم على جوازه هنا مع خوف الفوات شاهد على ما تقدم لنا سابقا من جوازه للفريضة لضيق وقتها، بل لعله أولى منه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

269

و دعوى ان مشروعيته في هذا الحال لا للبدلية عن الوضوء أو الغسل بل لنفسه كوضوء الجنب أو الحائض- و لذا صرح في التذكرة و كشف اللثام و مجمع البرهان بعدم جواز دخوله بمشروط بالطهارة غيرها و ان تعذر الماء، كما انه قد يقتضيه ما في المعتبر أيضا، بل علله في الثاني بأنه ليس تيمما يرفع الحدث أو حكمه، قلت: و لعله لثبوت شرعيته مع وجود الماء، أو لعدم شرطية صلاة الجنازة بالطهارة حتى يكون بدلا عنها- ممنوعة على مدعيها. لاقتضاء الأدلة خلافها كما عرفت من غير معارض، و التعليل السابق مصادرة، كما أن ثبوت شرعيته مع وجود الماء لا يستلزم عدم مشروعية بدليته عن الطهارة مع فقده، و ان سلمنا عدم بدليته عنها مع الوجود، و كذا عدم شرطية الطهارة لصحة الصلاة بعد اشتراط كمالها بها، لثبوت قيام التيمم مقامها فيهما معا.

و لعل من صرح بعدم جواز الدخول به في مشروط بالطهارة ممن عرفت لم يرد ما نحن فيه، بل مراده التيمم لها مع وجود الماء، لما ستسمع من ثبوت شرعيته و ان وجد، فإنه قد يتجه حينئذ ما ذكروه من عدم الجواز المذكور لظهور كون التيمم فيه مستحبا لنفسه لا بدليا، إذ الفرض التمكن من المبدل، فلا يستباح به حينئذ مشروط بالطهارة و ان تعذر الماء بعد ذلك، بل و ان قلنا ببدليته عن الطهارة في هذا الحال أيضا بدعوى عدم اشتراطه في خصوص الجنازة للدليل بفقد الماء، كما عساه يومي اليه كلام من منع مشروعيته مستدلا بما دل على اشتراط التيمم بتعذر الماء على ما ستسمع، إذ من المعلوم ان المشترط بذلك انما هو الذي بدل عن الطهارة المائية لا مطلق التيمم، لكن و مع ذلك لا يستباح به ما اشترط بدليته عن الطهارة بفقده من الغايات كالصلاة و نحوها.

أو مراده إثبات جهتين لاستحباب هذا التيمم لصلاة الجنازة حال فقد الماء، إحداهما عموم البدلية لثبوت مسوغها، و الأخرى استحبابه في نفسه لا للبدلية كاستحبابه مع وجود الماء، فمن تيمم لها بقصد الجهة الأولى صح دخوله به في غيرها من الغايات مع.

270

استمرار المسوغ، بخلاف الثانية فلا يجوز، بل قد يلحق بها أيضا من أطلق في نيته و لم يلاحظ، لعدم تحقق البدلية حينئذ و ان لم نشترط ملاحظتها فيه في غير المقام، لوضوح الفرق بينهما على هذا التقدير.

و كيف كان فلا ينبغي التأمل في مشروعية التيمم في الفرض المذكور من عدم وجود الماء و خوف الفوات و نحوهما، و ان كان قد يعطيه ما في المعتبر، لكنه ضعيف.

بل و مع وجود الماء المتمكن من استعماله أيضا على المشهور نقلا و تحصيلا، بل في الذكرى نسبته إلى الأصحاب، و التذكرة إلى علمائنا، و ظاهره الإجماع، كما عنه في المنتهى ذلك أيضا، بل في الخلاف دعوى الإجماع صريحا، و هو الحجة بعد إطلاق موثقة سماعة المتقدمة (1) و مرسل حريز (2) عن الصادق (عليه السلام) «و الجنب يتيمم و يصلي على الجنازة»

و ما عن

الصدوق أيضا (3) حيث قال: و في خبر آخر «انه يتيمم إن أجنب»

بعد أن

روى بإسناده إلى يونس بن يعقوب (4) انه سأل الصادق (عليه السلام) «عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء، فقال: نعم، انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تكبر و تسبح في بيتك»

و ما في الفقه الرضوي (5) «و ان كنت جنبا و تقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ و صل عليها»

إلى آخره.

خلافا لظاهر المرتضى في الجمل، و الشيخ في التهذيب و عن المبسوط و النهاية و الاقتصاد و أبي علي و سلار و القاضي و الراوندي و الشهيد في الدروس و البيان، فاعتبروا خوف الفوت، و مال إليه في المعتبر و المدارك للطعن بإجماع الشيخ بأنا لا نعلمه كما علمه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 4 و فيه

«يتيمم ان أحب»

و كذا في الفقيه.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 3.

(5) المستدرك- الباب- 20- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1.

271

و بأن غالبه الشهرة، و بأنه ليس نصا على المطلوب فإنه ذكره مع جواز الصلاة بلا طهارة أصلا، فلعله يريد الإجماع على الأخير، و بالاخبار بالضعف و الإرسال و الإضمار في خبر سماعة، مع إمكان استظهار خوف الفوت منه، بل لعل الغالب في الجنائز عدم إمكان الاغتسال و إدراك الصلاة عليها، فيبقى حينئذ ما دل على اضطرارية التيمم و اشتراطه بتعذر الماء على حاله.

و في الكل نظر لحجية الإجماع المنقول و ان لم نعلم به إلا من جهة النقل، و منع أغلبية الشهرة فيه، سيما بعد عدالة حاكيه، كمنع عدم صراحته على المطلوب كما لا يخفى على من لاحظه، و لذا نقله عنه غير واحد من الأصحاب، بل هذا المعترض نفسه في غير المقام، و عدم البأس في الضعف و الإرسال و الإضمار خصوصا من مثل سماعة بعد الانجبار بالشهرة المعتضدة بصريح الإجماع و ظاهره، على أن خبر سماعة من الموثق، و هو حجة عندنا.

و بذلك كله مع التسامح في أدلة السنن يخرج عن العموم المتقدم، مع احتمال عدم معارضته لخصوص المقام بدعوى كون المراد منه فيما كان بدلا عن المائية، و مبيحا لسائر غايتها كاباحتها، لا ما كان من المستحب في نفسه و حد ذاته من دون ملاحظة البدلية، نعم هو متوقف على ما يثبت أصل شرعيته لتوقيفية الاحكام، و فيما ذكرنا الكفاية.

و من هنا يظهر لك ما في احتمال المناقشة أيضا في دعوى كونه من المستحب الذي يتسامح في دليله بأن الحكم باستحبابه هنا يرجع إلى معارضة ما دل على اشتراط أصل المشروعية بتعذر الماء، فلا ينبغي التسامح فيما يحكم على ذلك، لأنك قد عرفت بعد إمكان الثبوت من غير جهة التسامح ما في هذه المعارضة.

و على كل حال فحيث يوقع المكلف هذا التيمم إما مطلقا أو مع تعذر الماء فليوقعه بنية الندب لما تقدم من عدم وجوب هذه الطهارة فيها شرعا و لا شرطا،

272

نعم لو اتفق وجوبها بنذر و نحوه اتجه الوقوع بنية الوجوب، و الأمر سهل بعد عدم اعتبار نية الوجه عندنا.

و على كل حال ف لا يجوز له الدخول به أي هذا التيمم في غير ذلك من أنواع الصلاة كما هو واضح.

و كذا يندب التيمم بدل الطهارة للنوم قطعا مع وجود مسوغة من المرض و عدم الوجدان و نحوهما، لما عرفت من أنه حينئذ يستباح به ما يستباح بالمائية من الغايات واجبها و مندوبها، و قد ثبت استحباب الطهارة المائية للنوم في محله، فمع تعذرها يقوم التيمم مقامها للبدلية، مع ما في المروي عن العلل من

خبر أبي بصير (1) عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) «لا ينام المسلم و هو جنب، و لا ينام إلا على طهور، فان لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد، فان روح المؤمن تروح إلى الله عز و جل، فيلقاها و يبارك عليها، فان كان أجلها قد حضر جعلها في مكنون رحمته، و ان لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع أمنائه من الملائكة، فيردها في جسده»

الحديث.

بل في الحدائق الظاهر انه لا خلاف في استحباب التيمم للنوم و لو مع وجود الماء، قلت: و لعله

للمرسل (2) عن الصادق (عليه السلام) «من تطهر ثم آوى إلى فراشه بات و فراشه كمسجده، فان ذكر انه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائنا ما كان لم يزل في صلاة و ذكر الله»

بل ظاهره الاكتفاء بالتيمم في المرتبة الاضطرارية منه كالغبار و ان تمكن من التراب، و المناقشة فيه بما تقدم- من عدم صلاحية المرسل لإثبات ذلك حتى لو قلنا بالتسامح في أدلة السنن من جهة معارضته لما دل على اشتراط التيمم بالتعذر- مدفوعة بما سمعته، نعم ظاهر المرسل انما هو في التيمم للمحدث بالأصغر و إن أطلق

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الوضوء- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الوضوء- الحديث 2.

273

الطهارة في صدره، كما أن ظاهره في غير المتعمد ترك الوضوء، فالتعميم للأمرين محتاج إلى دليل آخر غيره، و الله أعلم.

[الركن الرابع في النجاسات و أحكامها]

الركن الرابع من كتاب الطهارة في النجاسات و أحكامها و فيه قولان

[القول الأول في النجاسات]

القول الأول في النجاسات، و هي عشرة أنواع كما في الجامع و النافع و القواعد و الذكرى و غيرها.

[الأول و الثاني البول و الغائط]

ف الأول و الثاني مسمى البول و الغائط عرفا، فبعض الحب الخارج من المحل صحيحا غير مستحيل طاهر، لعدم الصدق، و لعله يرجع اليه ما في المنتهى من اشتراط طهارته ببقاء صلابته بحيث لو زرع لنبت دون ما لم يكن كذلك، و إلا كان ممنوعا، إذ المعتبر كما في نحوهما من الألفاظ مسماهما عرفا من كل ما لا يجوز أن يؤكل لحمه من سائر أصناف الحيوان حتى النبي (صلى الله عليه و آله) من الإنسان، إذ لم يثبت أنه أقر أم أيمن على شرب بوله و ان قيل انه

قال (صلى الله عليه و آله) لها (1): «إذن لا تلج النار بطنك»

فما عن الشافعي في قول له بطهارته لذلك غير صحيح.

نعم إذا كان للحيوان نفس سائلة أي دم يخرج من مجمعه في العروق إذا قطع شيء منها بقوة و دفع كما في المدارك و غيرها، أو سيلان كما في الروض، و لعلهما بمعنى، أي لا يخرج رشحا كدم السمك و نحوه، فنجاستهما حينئذ مجمع عليها بين الأصحاب بل و بين غيرهم إلا الشاذ من غيرنا في خصوص ما لا يؤكل من البهائم نقلا مستفيضا ان لم

____________

(1) شرح الشفاء للخفاجي- ج 1- ص 362.

274

يكن متواترا، بل و تحصيلا في غير بول الرضيع قبل أكله اللحم، بل و فيه أيضا، و ان حكى في الذكرى و المختلف و المدارك عن الإسكافي طهارته، لكن في الأخير الطعام بدل اللحم، و سابقه الصبي الذكر من غير البالغ بدل الرضيع، لعدم قدح خلاف مثله فيه، و لذا لم يستثنه من معقد ما حكاه في المعتبر و التذكرة من إجماع علماء الإسلام على نجاسة البول و الغائط مما لا يؤكل لحمه، و المنتهى على بول الآدمي كمعقد نفي الخلاف في الغنية عن نجاسة بول و خرء ما لا يؤكل لحمه، و المحكي من الإجماعات في غيرها، بل في التذكرة و عن المرتضى دعواه عليه بالخصوص، سيما مع ضعف مستنده من الأصل المقطوع بغير واحد من الأدلة، و خبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «ان لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لان لبنها يخرج من مثانة أمها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين»

و المروي في البحار عن

القطب الراوندي (2) بسنده إلى موسى ابن جعفر (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): بال الحسن و الحسين (عليهما السلام) على ثوب رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل أن يطعما فلم يغسل بولهما عن ثوبه».

و هما- مع قصورهما عن معارضة ما تقدم، و عموم و إطلاق ما دل على نجاسته من السنة أيضا مما سيأتي من وجوه، و اشتمال أولهما على غير المختار عندنا من نجاسة لبن الأنثى، كظهور سنده في عاميته، و يؤيده نسبته في فقه الرضا (عليه السلام) إلى الرواية عن علي (عليه السلام) بعد أن ذكر الحكم بخلافه كالفقيه مما عساه يظهر من عادته من أمثال ذلك في هذا الكتاب إيهاما للقول بها للتقية، و معارضة الأول بل و الثاني ب

صحيح الحلبي أو حسنه (3) «سألت الصادق (عليه السلام) عن بول الصبي، قال: تصب عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(2) المستدرك- الباب- 2- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

275

الماء، فان كان قد أكل فاغسله»

و بالمروي في البحار أيضا (1) من كتاب

الملهوف على قتلي الطفوف لابن طاوس بسنده عن أم الفضل زوجة العباس «انها جاءت بالحسين (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فبال على ثوبه فقرضته فبكى، فقال:

مهلا يا أم الفضل فهذا ثوبي يغسل و قد أوجعت ابني»

- محتملان سيما الثاني لإرادة نفي الغسل لا الصب، و لا ينافيه عطفه على اللبن في خبر السكوني، و ان كان لا خلاف عندنا كما قيل في طهارته، لكنهما مشتركان معا في نفي الغسل.

فظهر حينئذ من ذلك كله أنه لا يقدح مثله في المحصل من الإجماع السابق فضلا عن المنقول، نعم ينبغي أن يعلم أن محله في غير الطير من غير المأكول ذي النفس، لظهور القول بطهارة بولها و خرئها من الفقيه كما عن الجعفي و ابن أبي عقيل، بل هو صريح المبسوط في غير الخشاف، و المفاتيح و الحدائق مطلقا كما عن حديقة المجلسي و شرحه على الفقيه و الفخرية و شرحها الرياض الزهرية و كشف الاسرار، بل هو ظاهر كشف اللثام و شرح الدروس، بل لعله ظاهر المنتهى أيضا، لكن في غير الخشاف، بل و فيه أيضا، و في المدارك و البحار و عن الذخيرة و الكفاية الحكم بطهارة الذرق مع التردد في حكم البول من غير فرق بين سائر الطيور، و عن المعالم إيقاف المسألة على الإجماع، و تردد فيه مع استظهاره التسوية بين الخشاف و غيره.

لكن يقوى في النظر القول بالنجاسة مطلقا كما هو خيرة الأكثر نقلا و تحصيلا، بل هو المشهور كذلك شهرة عظيمة تقرب للإجماع ان قلنا بشمول لفظ الغائط في عبارة المصنف و نحوها كالعذرة و الروث في غيرها من عبارات الأصحاب لما نحن فيه، كما قطع به العلامة الطباطبائي في مصابيحه بالنسبة إلى خصوص عباراتهم، و لعله لذا نسب فيها المخالف إلى الشذوذ.

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النجاسات- الحديث 5.

276

بل في السرائر في باب البئر «قد اتفقنا على نجاسة ذرق غير المأكول من سائر الطيور، و قد رويت رواية شاذة لا يعول عليها أن ذرق الطائر طاهر سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكوله، و المعمول عند محققي أصحابنا و المحصلين منهم خلاف هذه الرواية، لأنه هو الذي يقتضيه أخبارهم المجمع عليها».

و في التذكرة «البول و الغائط من كل حيوان ذي نفس سائلة غير مأكول اللحم نجسان بإجماع العلماء كافة، و للنصوص الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) بغسل البول و الغائط عن المحل الذي أصابه، و هو أكثر من أن يحصى، و قول الشيخ في المبسوط بطهارة ذرق ما لا يؤكل لحمه من الطيور لرواية أبي بصير (1) ضعيف، لأن أحدا لم يعمل بها» إلى آخره. و هو كالصريح في إرادته من معقد إجماعه ما يشمل ما نحن فيه، سيما مع ملاحظة عبارته بعد ذلك.

و في الغنية «و النجاسات هي بول ما لا يؤكل لحمه و خرؤه بلا خلاف، و ما يؤكل لحمه إذا كان جلالا بدليل الإجماع» إلى آخره. و لا ريب في شمول لفظ الخرء لرجيع الطير كما ستسمع التعبير به عنه في الحسن (2) فما في كشف اللثام انه ظاهر في غير رجيع الطير في غير محله.

و في الخلاف «كل ما يؤكل لحمه من الطير و البهائم بوله و ذرقه و روثه طاهر لا ينجس به الثوب و لا البدن إلا ذرق الدجاج خاصة فهو ينجس، و ما لا يؤكل لحمه فبوله و ذرقه نجس لا تجوز الصلاة في قليله و لا كثيره، و ما يكره لحمه كالحمر الأهلية و البغال و الدواب فإنه مكروه بوله و روثه و ان لم يكن نجسا- ثم حكى خلاف العامة و قال:- دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم» و عن الجامعية شرح الألفية «فالبول و الغائط أجمع الكل على نجاستهما من كل حيوان محرم أكله إنسانا كان أو طيرا أو غيرهما من

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

277

الحيوانات» و هو صريح أيضا في شمول الغائط لرجيع الطير.

و منه حينئذ ينقدح الاستدلال بما حكي على نجاستهما من الإجماع عن التنقيح و غيره مع عدم التعرض للطير و غيره، بل و بما سمعته سابقا من إجماعي المعتبر و المنتهى لولا انهما لم يصرحا بعد ذلك بالخلاف في خصوص الطير مما يشعر بإرادتهما بالأول غير الطير، بل قد عرفت ميل الثاني إلى الطهارة، فمن العجيب ما في الرياض من الاستدلال على النجاسة بخصوص هذين الإجماعين و تركه غيرهما، و كشف اللثام فلم يذكر إلا إجماع الغنية، و قال: انه ظاهر في غير رجيع الطير، و قد عرفت ما فيه.

و كيف كان فيدل عليه- مضافا إلى ما عرفت و إلى ما حكي أيضا من الإجماعات على نجاسة فضلتي الدجاج الجلال إن قلنا بدخوله تحت اسم الطير، و إلا كان مؤيدا- عموم

قول الصادق (عليه السلام) في حسن ابن سنان (1) أو صحيحه: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه»

ك

خبره الآخر عنه (عليه السلام) (2) أيضا: «اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه»

و مفهوم

صحيح زرارة أو حسنه (3) انهما قالا: «لا تغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه» و موثق عمار (4) عن الصادق (عليه السلام) «كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه»

و نحوهما غيرهما (5) و إطلاق الأمر بغسل الجسد و الثوب من البول في المعتبرة المستفيضة (6) حد الاستفاضة ان لم نقل بانصرافها إلى بول الإنسان أو غير الطير، كالمعتبرة المستفيضة (7) جدا أيضا الدالة على نجاسة العذرة، للأمر فيها بالغسل، و نزح مقدار من البئر لو وقعت فيه، و نحو ذلك بعد السؤال

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النجاسات- الحديث 12.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النجاسات.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب النجاسات.

(7) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الماء المطلق.

278

عنها من غير استفصال، كما استدل بها على ما نحن فيه في المعتبر مدعيا ان الخرء و العذرة مترادفان.

و من العجيب تعجب صاحب المعالم منه بأنا لم نر ما علق فيه الحكم على العذرة حتى يضطر إلى دعوى الترادف، و كأنه لم يعثر على تلك المستفيضة، نعم قد يتجه عليه انصراف العذرة فيها إلى فضلة الإنسان أو غير الطير، اللهم إلا أن يجبرها بالشهرة أو الإجماع، لكنا في غنية عنه بالأخبار الأول بعد إتمامها بالإجماع المركب المحكي في الروض و غيره، كما عن صريح الناصريات أيضا، أو المحصل على عدم الفرق بين البول و غيره.

و المناقشة فيه بعدم البول للطير فلا يتم الإجماع أو بعدم انصراف الأدلة اليه أو بعدم عموم المفهوم مدفوعة بظهور عبارة المخالف و مستنده من الخبر الآتي، كخبر المفضل بن عمر (1) الطويل المشهور الوارد في المعرفة في وجود بول للطير، و بإمكان منع توقف تحقق الإجماع المركب على حصول البول من كل فرد فرد مما لا يؤكل لحمه، و بما في الأولين من العموم اللغوي الذي تتساوى فيه الأفراد النادرة، و بما تحقق في محله من عموم المفهوم، كالمناقشة في أصل الدلالة فيها و في أمثالها على ما نحن فيه، بل و على غيره من بول ما لا يؤكل لحمه بأعمية الأمر بالغسل من النجاسة، مع أنه لا ينحصر وجهه فيها، إذ لعله لانه من الفضلات التي لا تصح الصلاة بها و ان كانت طاهرة أو غير ذلك.

و دعوى انه لا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له، و ان أكثر الأعيان النجسة انما استفيد نجاستها من مثل ذلك ممنوعة، إذ للنجس أحكام كثيرة كعدم جواز شربه و أكله و وجوب تنزيه المصاحف و المساجد و الضرائح عنه إلى غير ذلك، و ان العمدة في إثبات نجاسة تلك الأعيان انما هو الإجماع لا هذه الأوامر، فحيث لا إجماع كما في المقام تبقى على قاعدة الطهارة، لاندفاعها بالفهم العرفي من أمثال هذه الأوامر،

____________

(1) البحار- ج 3 ص 103 من طبعة طهران سنة 1376.

279

سيما إذا كانت لمشروط بالطهارة، و من الأمر بإعادة الصلاة منها، و إهراق الماء القليل الملاقي لها و نحوها الحكم بالنجاسة كما لا يخفى على من لاحظها و لاحظ سؤال الرواة لهم عنها.

بل يمكن دعوى التلازم بين وجوب الغسل تعيينا و النجاسة، إذ ليس في الشرع ما يجب غسله بحيث لا يجزئ غيره إلا النجس، و فضلة ما لا يؤكل لحمه انما يجب إزالتها عن ساتر الصلاة لا غسلها، و لعله لذا أطلق الأمر بالغسل في كثير منها من دون ذكر المشروط به مع القطع بإرادة الوجوب الشرطي منه لا النفسي، و ما ذاك إلا اتكالا على فهم السامع إرادة الوجوب للنجاسة، فتجب حينئذ لما وجبت له.

و يؤيده أيضا أنه لم يقع منهم (عليهم السلام) أمثال هذه الأوامر فيما يراد إزالته لا للنجاسة كفضلات ما لا يؤكل لحمه و نحوها إلى غير ذلك، فلا ينبغي الريب في كون المفهوم من الأمر فيها بذلك النجاسة، بل قد يعد إنكاره مكابرة، و كيف لا و نحن نقطع بأن لا دليل للأصحاب على ما اتفقوا عليه من الحكم بالنجاسة إلا أمثال ذلك، إذ احتمال وجود أدلة أخر عندهم غيرها في سائرها و لم يصل شيء منها إلينا مما ينبغي القطع بعدمه، خصوصا بعد تصريحهم أنفسهم بكونها هي المستند لهم.

نعم أقصى ما يقال: إنه لعل لهم قرائن تدل على إرادة النجاسة من أمثال هذه الأوامر لا لانسياقها منها نفسها، و هو مع انه مستبعد بل مقطوع بعدمه أيضا لا يمنع حينئذ من الاستدلال بها، بل يؤكده و يحققه.

و توهم ان اتفاق الأصحاب هو الحجة حينئذ لا هي يدفعه أنه كشف لنا عن دلالتها، لا أن الحجة الإجماع لا هي أو مركبة منهما، فيتجه حينئذ الاستدلال بالعمومات السابقة على ما نحن فيه و ان لم يكن إجماعا.

كما انه قد يتجه الاستدلال زيادة على ما سمعت بما عساه يستفاد من النصوص (1)

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النجاسات.

280

بل و الفتاوى في المقام و غيره من دوران النجاسة و الطهارة في البول و الغائط على حلية اللحم و حرمته، مضافا إلى المفهومين السابقين و ما ماثلهما، و إلى استقراء موارد ما حكم الشارع بنجاسته بالخصوص كالبول من الإنسان و السنور و الخرء منهما و الكلب و الفأرة و نحوهما، و ما حكم بطهارته أيضا بالخصوص من أبوال البقر و الإبل و الغنم و نحوها، بل كل ما يؤكل لحمه، ما رواه في الوسائل و البحار (1) عن العلامة في المختلف نقلا من كتاب عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) قال: «خرء الخطاف لا بأس به، هو مما يؤكل لحمه، و لكن كره أكله، لأنه استجار بك و آوى إلى منزلك، و كل طير يستجير بك فلا بأس به» و خبر زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أ ليس لحومها حلالا؟ فقال: بلى و لكن ليس مما جعله الله للأكل»

بل فيه إشعار بمعروفية الحكم في ذلك الزمان بين الرواة، و ظاهر الامام (عليه السلام) إقراره عليه، بل كاد يكون استدراكه (عليه السلام) صريحا فيه، إلى غير ذلك مما يستفاد منه دوران الحكم في نجاسة هذين الفضلتين و طهارتهما على مدار هذين الكليتين حتى في الحيوان الواحد لو تعاور عليه الحالتان، كما ستعرفه في الجلال و الموطوء و نحوهما، سيما مع عدم معروفية الخلاف في نجاسة شيء منهما من سائر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان عدا الطير و الرضيع، و كاد الفقيه المتتبع يقطع أن لا مدرك لاتفاقهم على ذلك إلا ما فهموه من إقعاد هذه القاعدة، كما ينبئ عنه أيضا استدلالهم بها في كثير من المقامات مما يشعر بكونها من المسلمات عندهم، و إلا فقد عرفت عدم عموم معتد به في الاخبار يدل على نجاسة الخرء من كل حيوان فلا مانع حينئذ من الاستدلال بها على المختار.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النجاسات- الحديث 20 و فيه «فأجره» بدل «فلا بأس به».

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب النجاسات- الحديث 7.

281

كما انه ربما يمكن الاستدلال أيضا عليه ب

خبر داود الرقي (1) «سأل الصادق (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي و لا أجده، فقال: اغسل ثوبك»

مع التتميم بعدم القول بالفصل من الجميع الذي لا يقدح فيه ما سمعته من المبسوط، لضعفه و عدم موافقة أحد له في ذلك فيما أعلم.

و ما عساه يظهر من المختلف من الإجماع على النجاسة في الخشاف ليس في محله، إلا أن يريد به من القائلين بالنجاسة و الشيخ، و إلا فلم ينقل هو و لا غيره التفصيل عن أحد عداه.

كل ذا مع ضعف مستند القول بالطهارة مطلقا أو في غير الخشاف من الأصل الذي لا يصلح معارضا لبعض ما سمعت،

كعموم (2) «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» و الحسن كالصحيح عن أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: «كل شيء يطير فلا بأس بخرئه و بوله»

المعتضد بما في البحار وجدت بخط

الشيخ محمد بن علي الجعفي نقلا من جامع البزنطي عن أبي بصير (4) عن الصادق (عليه السلام) أيضا قال: «خرء كل شيء يطير و بوله لا بأس به». و خبر غياث (5) عن الباقر (عليه السلام) «لا بأس بدم البراغيث و بول الخشاشيف»

و بما عن

نوادر الراوندي (6) عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن الصلاة في الثوب الذي فيه أبوال الخشاشيف و دماء البراغيث، فقال: لا بأس»

و ترك الاستفصال في صحيح علي بن جعفر (7) عن أخيه موسى (عليهما السلام) «أنه سئل عن الرجل يرى

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(2) المستدرك- الباب- 30- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(4) المستدرك- الباب- 6- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النجاسات- الحديث 5.

(6) المستدرك- الباب- 6- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 27- من أبواب قواطع الصلاة- الحديث 1.

282

في ثوبه خرء الطير أو غيره هل يحكمه و هو في الصلاة، قال: لا بأس»

و لعل مستند تفصيل الشيخ عموم الخبرين الأولين مع ما تقدم من خبر الرقي.

و في الجميع نظر لظهور سؤال الأخير عن منافاة نفس الحك للصلاة باعتبار كونه فعلا كثيرا لا الطهارة و النجاسة، على أنه محتمل إرادة المأكول و المجهول حاله، و إلا فهو كما ينافي المختار من حيث النجاسة ينافي الخصم أيضا من حيث كونه من فضلات ما لا يؤكل لحمه و لا يصلح الصلاة به و ان قلنا بالطهارة، هذا مضافا إلى ما في الرياض «من عدم الملازمة بينها و بين نفي البأس عنه، لعدم السراية مع اليبوسة كما هو ظاهر الحك في الرواية، و ليس نصا في صحة الصلاة، و من ان إطلاق الطير فيه ينصرف إلى المتبادر الغالب، و هو مأكول اللحم، و غيره نادر» انتهى. و ان كان فيما ذكره نظر واضح.

و لعدم الجابر لسابقيه من الخبرين مع معارضتهما بخبر الرقي المتقدم، بل و بإجماع المختلف في وجه، و احتمالهما التقية كما قيل، و احتياج الخصم أيضا إلى تأويل الخبر الثاني باعتبار منافاته للصلاة من حيث كونه من فضلات ما لا يؤكل لحمه.

بل و سابقه أيضا إن أريد بنفي البأس فيه ما يعم ذلك، بل لعله الظاهر باعتبار كون الصلاة معظم ما يراد نفي البأس بالنسبة إليها.

و كذا الكلام في الخبرين الأولين مع قصورهما عن معارضة ما تقدم و ان اعتبر سندهما، سيما مع كون معارضتهما للعموم السابق في البول و القاعدة السابقة فيه و في الخرء بالعموم من وجه، و لا ريب في رجحانهما عليهما بالاعتضاد بالشهرة العظيمة، بل تسالم الأصحاب عليه في بعض الطبقات التي هي أقوى المرجحات نصا و اعتبارا، على انه لو سلم تكافؤ المرجحات باعتبار ترجيح هذا العموم أيضا بالأصل و بأقلية الافراد و نحوهما يبقى ما سمعته من الإجماعات المحكية التي يشهد لها التتبع سالمة عن المعارض، فلا محيص حينئذ عن القول بالنجاسة، و لو لا ذلك لأمكن القول بالطهارة عملا بالمعتبرين السابقين،

283

سيما مع إمكان القول بعدم انصراف ما دل على نجاسة البول إلى بول الطير و ان كان بالعموم اللغوي، أو قلنا بعدم البول للطير و ان تضمناه، لكن يمكن حمله على ما يخرج من بعض الفضلات مجازا، فلا يعارضها حينئذ ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، و كان ذلك و أمثاله مع اختلال الطريقة هو الذي ألجأ متأخري المتأخرين إلى القول بالطهارة، و قد عرفت ضعفه بما لا مزيد عليه.

و أضعف منه ما يظهر من المحكي من عبارة ابن البراج في المهذب من القول بنجاسة الذرق و البول مما لا يؤكل لحمه من الطيور، إلا أنه لا يجب إزالة قليلها و كثيرها، و هو قول غريب لم يعرف نقله عن أحد من الأصحاب، بل و لا عنه أيضا، و لكن لعل مستنده الجمع بين ما دل على النجاسة مما عرفت و بين ما دل على الطهارة، خصوصا مع إشعار الصحيح السابق بعدم منافاته للصلاة، و فيه ما لا يخفى، فقد ظهر لك من ذلك كله بحمد الله الحكم في الطير.

كما انه قد ظهر لك ما يصلح للاستدلال به على أصل نجاسة الفضلتين من سائر ما لا يؤكل لحمه مع قطع النظر عن الإجماعات، فما في الرياض تبعا لشرح المفاتيح أن الدليل منحصر في الإجماع في غير محله، إلا أن يريد أن غيره محتاج في إتمامه على وجه العموم اليه، مع أن فيه نظرا أيضا يعرف مما مر، لكن الأمر سهل و ان تعدد المدرك عندنا و اتحد عندهم بعد الاتفاق منا جميعا على نجاستهما من سائر ما لا يؤكل لحمه.

[في نجاسة بول الجلال و غائطه]

سواء كان جنسه حراما كالأسد و نحوه أو عرض له التحريم ك الحيوان الجلال و الموطوء و نحوهما مما كان محللا بالأصل بلا خلاف أجده فيه، لعموم الأدلة السابقة من الإجماعات و غيرها، بل قد سمعت من الغنية الإجماع عليه بالخصوص في الجلال، كما أنه في التذكرة نفي الخلاف عنه فيه و في الموطوء، بل في المفاتيح الإجماع عليهما معا صريحا، بل و على كل ما حرم بالعارض، و في المختلف و عن التنقيح الإجماع

284

على نجاسة ذرق الدجاج الجلال، هذا إن لم نقل بنجاسة الجلال نفسه، و إلا كان الحكم بنجاستهما حينئذ قطعيا.

كما انه يتجه الحكم بذلك أيضا لو قلنا بنجاسة عرقه، للأمر بالغسل منه بناء على أولويتهما منه، بل يمكن تأييد الحكم بالنجاسة بذلك و ان لم نقل به.

و بذلك كله ينقطع الأصل و ان تعدد، و يقيد إطلاق ما دل على طهارة بوله و خرئه ان كان مثل ما دل على طهارتهما من البعير و البقر و نحوهما الشامل لحالتي الجلل و عدمه، و ان كان التعارض بينها و بين ما دل على النجاسة مما لا يؤكل لحمه تعارض العموم من وجه، بل هي أخص مطلقا بالنسبة إلى إطلاق أخبار البول و العذرة.

كما انه يندفع احتمال إرادة الحلية الأصلية مما اعتبر في الطهارة من مأكولية اللحم، فلا يقدح زوالها في بقائها أو احتمال إرادة الحرمة الأصلية مما اعتبر في النجاسة من عدم مأكولية اللحم، فلا عبرة بالعارضية في ثبوتها، كل ذلك لما عرفته من الإجماعات الخاصة المعتضدة بنفي الخلاف كذلك، و التتبع مع قوة تلك العمومات، و ظهور إرادة الأعم من الحالتين في المأكولية و عدمها، لكن مع دوران كل من الطهارة و النجاسة مدارهما وجودا و عدما لتبادر العلية منهما.

و يلحق بالجلال و نحوه المتغذي بلبن الخنزيرة حتى اشتد بناء على حرمة لحمه، نعم هو لا يسمى جلالا، لانه قد فسره غير واحد من الأصحاب بأنه المتغذي بعذرة الإنسان، فلا يدخل فيه المتغذي بغيرها من النجاسات و المتنجسات و لو بمباشرتها، و ان كان قد قيل انما سمي جلالا لأكله الجلة، و هي البعر، إلا انه قد يدعى اختصاصه عرفا بذلك.

و ربما يؤيده

قول الباقر (عليه السلام) في مرسل النميري (1) في شاة شربت

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

285

بولا ثم ذبحت: «يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به، و كذلك إذا اعتلفت العذرة ما لم تكن جلالة، و الجلالة التي يكون ذلك غذاءها»

بناء على انصراف العذرة فيه إلى عذرة الإنسان، و ان الإشارة بذلك إليها و لتحقيق البحث فيه مقام آخر.

[في نجاسة رجيع ما لا نفس له و بوله و عدمها]

و في رجيع ما لا نفس له و بوله من غير المأكول مما لا يشق التحرز عنه كالذباب و نحوه تردد دون ما يشق، و ان كان ظاهر المصنف هنا و صريحه في المعتبر التردد فيه أيضا، لكنه في غير محله، للأصل و السيرة القاطعة و الحرج، مع عدم شمول ما دل على التنجيس لمثله، إذ هو- مع عدم تحقق البول منه، و انصراف مثل لفظ الخرء و العذرة و نحوهما، بل و البول أيضا لو كان منه إلى غيره- لا يدخل كثير من أفراده فيما لا يؤكل لحمه، لظهوره في ذي اللحم المحرم دون ما لا لحم له، و لذا لم تبطل الصلاة بشيء من فضلاته، فليس للفقيه حينئذ التردد في مثله، بل لعله من الضروريات، نعم هو في محله بالنسبة إلى ذي اللحم غير المأكول و لا مشقة في التحرز عنه، من عموم ما لا يؤكل لحمه و القاعدة السابقة، و من الأصل و ظهور انصراف البول لغيره لو قلنا بتحقق بول منه، مع منع ما يدل على نجاسة غير البول على وجه يشمل مثل رجيعه، و من هنا قال في المدارك: «إني لا أعرف وجها للتردد في رجيعه» إلى آخره. و لطهارة ميتته و دمه، فصارت فضلاته كعصارة النبات، و لإشعار ما دل (1) على نفي البأس عما مات منه في البئر بذلك أيضا، سيما مع شموله لما لو تفسخ فيها بحيث خرج جميع ما في بطنه من فضلاته، و لعدم تحقق خلاف فيه من أحد كما اعترف به في الحدائق و شرح الدروس، و من هنا اختير فيهما الطهارة وفاقا لظاهر من قيد نجاستهما بذي النفس، كالسرائر و أكثر من تأخر عنها، و لصريح المعتبر و المدارك و المنتهى و التذكرة، بل قد يؤذن نسبة الخلاف فيه إلى الشافعي و أبي حنيفة و أبي يوسف خاصة في الأخيرين بعدم خلاف فيه منا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

286

قلت: لكن للنظر في جميع ذلك مجال لانقطاع الأصل بما مر في البحث السابق من القاعدة و العموم اللغوي الممنوع انصرافه إلى غيره، سيما في كثير من الحيوانات البحرية العظيمة الهيكل، و احتمال القول ان اللحم مطلق و لا عموم لغوي فيه، فينصرف إلى المعهود، فلا يشمل مثل الحية و الوزغ و نحوها يدفعه- مع إمكان نقضه ببعض لحوم ذي النفس أيضا، و انه مكابرة واضحة، للقطع بعدم مدخلية النفس و عدمها في العهدية و عدمها، و انا نمنع اعتبار هذا الانصراف- إنه من توابع العموم اللغوي و في سياقه، فحكمه حكمه.

و يؤيده ما يأتي في باب الصلاة من عدم جواز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه و ان لم يكن له نفس، بل و لا شيء من فضلاته بعد ان يكون له لحم يعتد به، و ما ذاك إلا لتناول ما دل على منع الصلاة في شيء مما لا يؤكل لحمه لمثله، و عدم اختصاصه بذي النفس، فدعوى الانصراف هنا إلى ذي النفس و العموم هناك مع اتحاد العبارة بل هي في المقام أصرح في غير محلها، و لظهور عدم التلازم بين طهارة الميتة و الدم و بين ما نحن فيه، و لذا رده في الحدائق و شرح الدروس بأنه قياس لا نقول به، كظهور ضعف إشعار نفي البأس السابق، لانسياقه إلى إرادته من حيث الموت، على ان التحقيق عندنا عدم نجاسة البئر بملاقاة النجاسة، و عدم تحقق الخلاف انما يجدي لو رجع إلى إجماع، و إلا فلا، على انه قد يقال بتحققه هنا، لإطلاق أو تعميم جملة من الأصحاب الحكم بنجاستهما مما لا يؤكل لحمه من غير تقييد بذي النفس، كالمقنعة و الخلاف و جمل الشيخ و الوسيلة و الغنية و إشارة السبق و الدروس، بل و النافع خصوصا مع التقييد بذلك في الميتة و الدم و تركه هنا، فلعل هؤلاء قائلون بالنجاسة، بل يخرج حينئذ إجماع الخلاف و الغنية لإطلاق معقدهما كالمحكي عن غيرهما دليلا عليها أيضا، و لا يعارضه ما حكي من الإجماع على النجاسة من ذي النفس بدعوى ظهور إرادة اختصاص النجاسة به، لانه

287

و ان سلم ظهور القيد بذلك لكن يمنع إرادة الإجماع بالنسبة إلى الطهارة من غير ذي النفس.

مع أنه يمكن القول بكون المراد من القيد ذكر معقد ما اتفق عليه و قطع به لإخراج ما عداه عن القطع و الاتفاق، فلا يكون حينئذ فيه دلالة على الطهارة فضلا عن الإجماع عليها، على انه من المستبعد دعواه عليها، و كيف و قد سمعت التردد من مثل المصنف في الذباب فضلا عن غيرها.

فظهر أن الأحوط الاجتناب، بل الأقوى ان لم ينعقد إجماع على خلافه، اللهم إلا أن يدعى الشك في صدق اسم البول و الخرء و العذرة و الغائط و نحوها من الألفاظ التي علقت النجاسة عليها في المقام بالنسبة إلى ما لا نفس له، و به يفرق حينئذ بينه و بين الصلاة، لكون الحكم معلقا هناك على الفضلة الشاملة لها قطعا بخلافه هنا، لكن للبحث فيه مجال، و الله أعلم.

[في طهارة ذرق الدجاج]

و ليس كذلك البحث في ذرق الدجاج غير الجلال و ان كان ظاهر المصنف مساواته للأول في التردد و في أن الأظهر الطهارة إلا أن الفرق بينهما واضح، لما قد عرفت ان التردد في الأول في محله بخلافه هنا، فإنه ينبغي القطع بالطهارة كما هو المشهور بين القدماء و المتأخرين، بل لا خلاف فيه إلا من الشيخ في الخلاف و عن المفيد في المقنعة و الصدوق، مع انه في الاستبصار الحكم بالطهارة، بل عن كتاب الصيد من الخلاف ذلك أيضا مدعيا عليه الإجماع و على خرء كل ما يؤكل لحمه كالغنية بالنسبة إلى الكلية.

و في السرائر هنا استدل على الطهارة بالإجماع من الطائفة على أن روث و ذرق كل مأكول اللحم من الحيوان طاهر، و في باب البئر منها انه لا ينزح لذرق الدجاج غير الجلال شيء، لأنه طاهر، لان ذرق مأكول اللحم طاهر بغير خلاف بين أصحابنا، ثم قال أيضا بعد أن حكى عن بعض الأصحاب استثناء الدجاج من الحكم بعدم نزح

288

شيء من البئر لو وقع فيها خرء ما يؤكل لحمه: «إن أراد هذا المصنف سواء كان جلالا أو غير جلال فقد قدمنا أن إجماع الصحابة منعقد، و الاخبار به متواترة أن كل مأكول اللحم من سائر الحيوان ذرقه و بوله و روثه طاهر، فلا يلتفت إلى خلاف ذلك إما من رواية شاذة، أو قول مصنف غير معروف، أو فتوى غير محصل- ثم قال أيضا- و ذهب في بعض كتبه شيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) إلى نجاسة ذرق الدجاج مطلقا، إلا انه رجع عنه في استبصاره و مبسوطة، فقال في مبسوطة في آخر كتاب الصيد:

إن رجيع ما يؤكل لحمه ليس بنجس عندنا» إلى آخره.

بل ظاهر الشيخ الإجماع كظاهر العلامة في المنتهى، و أما الصدوق فظاهره في الفقيه أو صريحه الطهارة، كما حكاه عنه و عن المرتضى و سلار و أبي الصلاح و ظاهر ابني أبي عقيل و البراج في المختلف، فانحصر الخلاف حينئذ في المفيد.

و مع ذلك كله فهو الموافق للأصل، للعمومات و المعتبرة المستفيضة (1) الدالة على نفي البأس عن فضلة مأكول اللحم منطوقا و مفهوما، و ما سمعته من الإجماعات المحكية المعتضدة بالتتبع لكلمات الأصحاب أيضا، و خصوص

خبر وهب بن وهب (2) المنجبر بما عرفت عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) انه قال: «لا بأس بخرء الدجاج و الحمام يصيب الثوب»

الى غير ذلك، و رواية فارس (3) قال: «كتب اليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج يجوز فيه الصلاة، فكتب لا»

- مع أنها مكاتبة و مضمرة، و لا ملازمة بين عدم جواز الصلاة و النجاسة، بل كثير من الطاهر منع من الصلاة فيه، و موافقة للمحكي عن أبي حنيفة، و ضعيفة جدا بفارس، لانه على ما قيل المراد به هنا ابن حاتم القزويني،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النجاسات.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

289

و هو كما عن الشيخ غال ملعون، بل في الخلاصة أنه فسد مذهبه، و قتله بعض أصحاب أبي محمد العسكري (ع)، و له كتب كلها تخليط، و عن الفضل بن شاذان انه ذكر ان من الكذابين المشهورين الفاجر فارس بن حاتم القزويني، إلى غير ذلك مما ورد من القدح فيه- محتملة للكراهة أو التقية أو الجلال أو إرادة رفع الإيجاب الكلي المفهوم من السائل أو غير ذلك، فلا وجه للخروج عن قاعدة المأكول الثابتة بما عرفت بمثلها، أو بما عساه يظهر من الخلاف من دعوى الإجماع على النجاسة بعد أن عرفت أن العكس مظنته.

كما انه لا ينبغي الخروج عنها أيضا في مثل أبوال الخيل و البغال و الحمير على ما سيأتي الكلام فيه مفصلا إن شاء الله تعالى.

كما انه قد مضى البحث فيما استثني من قاعدة غير المأكول من بول الصبي و الطير، و ان الحق عدم خروجهما عنها أيضا، نعم قد سمعت تقييد الثانية من غير واحد من الأصحاب بما إذا كانت له نفس سائلة، و قضيته طهارتهما من غير ذي النفس مطلقا، و قد تقدم التأمل فيه بالنسبة إلى ما لا يشق التحرز عنه و كان له لحم.

لكن بقي شيء بناء على اعتبار هذا القيد، و هو أن مجهول الحال من الحيوان الذي لم يدر انه من ذي النفس أو لا يحكم بطهارة فضلتيه حتى يعلم أنه من ذي النفس، للأصل و استصحاب طهارة الملاقي و نحوه، أو يتوقف الحكم بالطهارة على اختباره بالذبح و نحوه، لتوقف امتثال الأمر بالاجتناب عليه، و لأنه كسائر الموضوعات التي علق الشارع عليها أحكاما كالصلاة للوقت و للقبلة و نحوهما، أو يفرق بين الحكم بطهارته و بين عدم تنجسه للغير، فلا يحكم بالأول إلا بعد الاختيار بخلاف الثاني، للاستصحاب فيه من غير معارض، و لأنه حينئذ كما لو أصابه رطوبة مترددة بين البول و الماء؟ وجوه لم أعثر على تنقيح لشيء منها في كلمات الأصحاب.

290

[الثالث المني]

الثالث المني و هو نجس من كل حيوان ذي نفس حل أكله أو حرم إجماعا محصلا و منقولا صريحا في الخلاف و التذكرة و كشف اللثام و عن النهاية و كشف الالتباس، و ظاهرا في المنتهى و غيره، و هو الحجة في التعميم السابق لا النصوص المستفيضة (1) حد الاستفاضة المشتملة على الصحيح و غيره، و ان ذكر لفظ المني فيها معرفا باللام، و عندنا انه لتعريف الماهية التي يلزمها هنا الحكم أينما وجدت، لا لقصورها عن إفادة النجاسة كما ظن، بل لتبادر الإنسان منها، كما اعترف به جماعة من الأعيان حتى ادعى بعضهم انها ظاهرة في ذلك كالعيان بحيث لا يحتاج إلى البيان، و لعله لاشتمالها أو أكثرها على إصابة الثوب و نحوه مما يندر غاية الندرة حصوله من غير الإنسان، مع أنها انما اشتملت على لفظ المني، و عن القاموس انه ماء الرجل و الامرأة، كالصحاح أيضا لكن بحذف المرأة، إلا انه لا يبعد إرادتهما التمثيل، نعم في صحيح ابن مسلم (2) عن الصادق (عليه السلام) «انه ذكر المني و شدده و جعله أشد من البول»

إلى آخره. ما قد يستفاد من فحواه نجاسته من كل ما نجس بوله، بل و ان لم ينجس قضاء لشدته، و لان المراد شدة حقيقة المني بالنسبة إلى حقيقة البول، مع انه قد يناقش باحتمال إرادة الشدة بالنسبة للإزالة من جهة لزاجة المني و ثخانته، و بأنه بعد انصراف المني فيه إلى الإنسان إنما يفيد أشدية مني الإنسان من بوله لا مطلقا، و بغير ذلك.

و أما غير هذا الصحيح من المعتبرة فظاهر في إرادة مني الإنسان، و هو منه لا بحث فيه عندنا، بل لعله من ضروريات مذهبنا، و ربما كان في قوله تعالى (3):

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النجاسات.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(3) سورة السجدة- الآية 7.

291

«ماءٍ مَهِينٍ» دلالة عليه، بل و في قوله تعالى أيضا (1) «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ» لما حكي عن المفسرين أن المراد به أثر الاحتلام، بل في الانتصار «ان الرجز و الرجس و النجس بمعنى واحد» انتهى. بل وافقنا عليه كثير من الناس أيضا.

نعم حكي عن الشافعي القول بطهارته سواء كان من رجل أو امرأة راويا له عن ابن عباس و سعد بن أبي وقاص و عائشة، قيل و به قال من التابعين سعيد بن المسيب و عطاء، و لا ريب في خطائه، و لعل ما في الصحيح و الموثق و الخبر من الاشعار بطهارته في الجملة صدر موافقة له تقية.

ف

في أحدها (2) «سأله عن الرجل يجنب في ثوبه أ يتجفف فيه من غسله؟ فقال:

نعم لا بأس به إلا أن تكون النطفة رطبة، فإن كانت جافة فلا بأس». و في الثاني (3) قلت للصادق (عليه السلام): «يصيبني السماء و علي ثوب فتبله و أنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المني أ فأصلي فيه؟ قال: نعم». و في الثالث (4) «سألت الصادق (عليه السلام) عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل، قال: لا بأس». و في الرابع (5) «سئل الصادق (عليه السلام) و أنا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه، قال: لا أرى بأسا، قال: إنه يعرق حتى لو شاء أن يعصره عصره، فقطب الصادق (عليه السلام) في وجه الرجل إن أبيتم فشيء من ماء فانضحه به»

إلى آخره. أو غير التقية من وجوه قريبة سيما في بعضها، فلا ينبغي الشك حينئذ في هذا الحكم من جهتها بعد ما عرفت.

____________

(1) سورة الأنفال- الآية 11.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب النجاسات- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب النجاسات- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

292

كما انه لا ينبغي الشك بعده أيضا في نجاسته من المأكول ذي النفس من عموم

موثقة عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) «كلما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه»

ك

موثقة ابن بكير (2) «و ان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شيء منه جائز»

لوجوب حملهما على إرادة البول و الغائط كما فهم الأصحاب من الأول، أو على غير المني تحكيما لما تقدم عليهما.

[في طهارة مني ما لا نفس له]

و لكن في مني ما لا نفس له مما لا يشق التحرز عنه تردد كما في المعتبر، ينشأ من إطلاق لفظ المني في النص و كثير من الفتاوى كمعقد إجماع الانتصار و الخلاف و الغنية و عن المسالك الطبرية و كشف الحق و غيرها، مع ما في الثاني كما عن غيره التصريح بتعميمه لكل حيوان كبعض فتاوى الأصحاب أيضا، و من الأصل و العمومات و طهارة ميتته و دمه.

و الطهارة أشبه وفاقا لصريح المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذكرى و غيرها، و ظاهر كل من قيد نجاسته بذي النفس، بل في الرياض انه المشهور، بل كاد يكون إجماعا، كما أنه في مجمع البرهان بعد ذكره ما دل على نجاسة المني قال: و كان تقييدها للإجماع، قلت: و لعله كذلك، إذ لا أعرف فيه مخالفا صريحا، نعم ربما حكي عن ظاهر الأكثر توهما من الإطلاق السابق، و فيه انه لا ينصرف اليه، بل و لا إلى بعض أفراد ذي النفس لو لا الإجماع عليه، سيما إذا كان الإطلاق من غير المعصوم مما لا يحضر في ذهنه كثير من أفراد المطلوب إلا بعد التنبيه، مع ما في إطلاق معقد إجماعي الانتصار و الخلاف بل و الغنية أيضا من ظهور سياقها في مقابلة قول الشافعي و غيره من أقوال العامة.

و أما الاخبار فقد عرفت انها ظاهرة في مني الإنسان خاصة، فضلا عن أن تشمل

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب النجاسات- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.

293

مني غير ذي النفس، كل ذا مع إمكان منع صدق اسم المني عليه، سيما بعد ما سمعته عن القاموس و الصحاح، و إن قلنا إن مرادهما التمثيل، إلا أنه ليس ذا من أمثال ما ذكراه، فلعل التردد فيه حينئذ من المصنف هنا و المعتبر في غير محله.

[في طهارة سائر ما يخرج من الحيوان]

كما انه لا ينبغي الشك في طهارة سائر ما يخرج من الحيوان من المذي و الوذي و الودي و القيح و جميع الرطوبات و غيرها عدا الثلاثة و الدم بلا خلاف معتد به في غير الأول، بل يستفاد من حصر الأصحاب النجاسات في غيرها الإجماع عليه، للأصل المقرر بوجوه، و العمومات، و خصوص الصحيح (1) في بلل الفرج، بل و الأول أيضا لذلك، و للأخبار المستفيضة (2) حد الاستفاضة ان لم تكن متواترة الدالة بأنواع الدلالة من نفي البأس، و انه لا يغسل منه الثوب، و انه لا شيء فيه، و أنه بمنزلة النخامة، إلى غير ذلك، و الإجماع بقسميه.

فما عن ابن الجنيد من نجاسة خصوص الناقض للوضوء عنده أي الخارج عقيب الشهوة ضعيف جدا محجوج بذلك كله، كمستنده من

خبر الحسين بن أبي العلاء (3) عن الصادق (عليه السلام) «عن المذي يصيب الثوب قال: إن عرفت مكانه فاغسله، و ان خفي مكانه عليك فاغسل الثوب كله»

ك

خبره الآخر عنه (عليه السلام) (4) أيضا «عن المذي يصيب الثوب فليتزق قال: يغسله و لا يتوضأ».

إذ هما مع قصورهما عن المقاومة من وجوه محتملان التقية، و اشتباه الراوي في المني، و لما كان طرف الإحليل نجسا، و الندب، سيما و هذا الراوي بعينه

روى (5) عن الصادق (عليه السلام) «انه لا بأس بالمذي يصيب الثوب، لكن قال: فلما رددنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 55- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب نواقض الوضوء.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 17- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

294

عليه قال: ينضحه بالماء»

ك

خبر العلاء (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «عن المذي يصيب الثوب فقال: ينضحه بالماء إن شاء».

[الرابع الميتة]

الرابع الميتة و لا ينجس من الميتات إلا ما له نفس سائلة لا غيره مما لا نفس له كذلك كالجراد و الذباب و الوزغ و نحوها، فان ميتته طاهرة، للأصل المقرر بوجوه، و قول الصادق (عليه السلام) في موثق عمار (2) بعد أن سأله «عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك تموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه، فقال (عليه السلام): كل ما ليس له دم فلا بأس»

كقوله (عليه السلام) في خبر حفص (3)

و مرفوعة ابن يحيى (4): «لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة» و قال (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (5) بعد أن سأله عن الذباب يقع في الدهن و السمن و الطعام: «لا بأس»

و في خبر ابن مسكان (6) «كل شيء يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب و الخنافس و أشباه ذلك فلا بأس»

ك

قول الكاظم (عليه السلام) في خبر أخيه (7) المروي عن قرب الاسناد: «لا بأس به»

في جواب سؤاله عن العقرب و الخنفساء و أشباه ذلك تموت في الجرة و الدن يتوضأ منه للصلاة، إلى غير ذلك من الاخبار.

و قصور بعضها سندا كآخر دلالة منجبر بالشهرة بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا بل عليه الإجماع في الغنية و السرائر و المعتبر و المنتهى و عن صريح الخلاف و ظاهر الناصريات و التذكرة.

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب النجاسات- الحديث 1- و هو عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام).

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 6.

295

فما في الوسيلة و عن المهذب- من استثناء الوزغ و العقرب من هذا الحكم مما يشعر بنجاستهما عنده بعد الموت، كما ان ظاهره قبل ذلك مساواة الوزغ للكلب في وجوب غسل ما باشرهما برطوبة من الثوب أو البدن في حال الحياة لكن قبل ذا صرح بكراهة استعمال ما باشره الوزغ حيا- في غير محله محجوج بما عرفت، كما عن الشيخين في المقنعة و النهاية من الحكم بوجوب غسل ما باشره الوزغ و العقرب برطوبة من الثياب مما عساه يشعر بنجاستهما بعد الموت بالأولى، كاشعار ما عن الصدوق بحرمة اللبن إذا مات فيه العظاية، و ما عن جماعة من الأصحاب منهم من حكى الإجماع هنا على الكلية المذكورة بوجوب النزح في الجملة لموت الوزغ و العقرب و الحية.

إلا أنه قد يقال بل هو الظاهر المناسب للجمع بين كلماتهم: إن وجوب النزح أعم من النجاسة كما في اغتسال الجنب، و لعله هنا لما فيه من السمية و نحو ذلك، كما ان تحريم اللبن لذلك أيضا، بل يحتمله كلام الشيخين أيضا، بل و الوسيلة في وجه، كل ذا لعدم دليل صالح للخروج به عن تلك الكلية.

و

قول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (1) بعد أن سأله عن جرة وجد فيها خنفساء: «ألقه و توضأ، و ان كان عقربا فأرق الماء و توضأ من ماء غيره»

- مع قصور سنده و لا صراحة فيه بالموت- محمول على الندب، كأمر أبي جعفر (عليه السلام) بالإراقة للعقرب في خبر أبي بصير (2) و يشير اليه

خبر هارون بن حمزة الغنوي (3) و ان كان في الحياة «عن الفأرة و العقرب و أشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء و يتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، و قليله و كثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه و يتوضأ» لكن قال فيه: «غير الوزغ فإنه لا ينتفع بماء

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأسئار- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأسئار- الحديث 4.

296

يقع فيه»

إلا أنه أيضا محمول على شدة الكراهة لما فيه من السمية كما تقدم البحث فيه في الأسئار.

و كيف كان فلا ينبغي التأمل في شيء من أفراد تلك الكلية بعد ما عرفت، نعم ربما يتأمل في اندراج الحية فيها و عدمه للتأمل في أنها من ذوات الأنفس السائلة كما هو صريح المعتبر و المنتهى، بل عن بعضهم نسبته الى المعروف بين الأصحاب، و يقتضيه ما عن المبسوط أن الأفاعي إذا قتلت نجست إجماعا، أو أنها ليست منها كما لعله مال إليه في جامع المقاصد و الروضة، بل في المدارك أن المتأخرين استبعدوا وجود النفس لها، قلت: إرجاع الأمر إلى الاختبار هو اللائق، و قبله يجري البحث السابق في الغائط و البول، فلاحظ و تأمل.

و أما ذو النفس السائلة فميتة غير الآدمي منه نجسة إجماعا محصلا و منقولا في الغنية و المعتبر و المنتهى و الذكرى و كشف اللثام و الروض و عن نهاية الاحكام و التذكرة و كشف الالتباس و غيرها، بل في المعتبر و المنتهى أنه إجماع علماء الإسلام، كما ان ظاهر الغنية أو صريحها نفي الخلاف بينهم فيه، و ظاهر الجميع هنا عدم الفرق بين المائي و غيره، و هو كذلك، لإطلاق معاقد الإجماعات أو عمومها كغيرها من الأدلة التي ستسمعها.

فما عن ظاهر الخلاف من طهارة ميتة الحيوان المائي مطلقا ضعيف، مع انه يجوز كما في كشف اللثام و غيره إرادته الغالب من انتفاء النفس عنه، و إلا فعن التذكرة «أن ميتة ذي النفس من المائي نجسة عندنا» انتهى. كما أن مراد الجميع أيضا عدا المنتهى من الميتة ما يشمل الجلد قطعا، بل و المنتهى و ان قال فيه: «إنه حكي عن الزهري عدم نجاسة جلد الميتة» لكنه صرح قبل ذلك بنجاسته عندنا، ثم قال: و هو قول عامة العلماء، كما

297

انه في الخلاف و الانتصار و عن الناصريات و نهاية الاحكام و غيرها الإجماع عليه أيضا، و كيف كان فهو بقسميه الحجة في نجاسة الميتة حتى الجلد.

مضافا إلى ما يمكن دعواه من التواتر معنى الحاصل بملاحظة ما ورد (1) من الأمر بنزح البئر في الاخبار الكثيرة لموت الدابة و الفأرة و الطير و الحمامة و الحمار و الثور و الجمل و السنور و الدجاجة في البئر، قيل: و لا ينافيه طهارة البئر عندنا، لان ذلك انما هو لعدم انفعالها بالنجاسة، لا لعدم نجاسة تلك الأعيان، و إلا فلا خلاف في النجاسة بها مع التغير.

قلت: مع أنه قد يقال: إن الأمر بالنزح دال على نجاسة سببه و ان قلنا باستحبابه باعتبار استقراء أكثر موارد ما أمر به له، و عدم ثبوت مشروعيته حتى من القائلين بنجاسة البئر لشيء من المستقذرات الطاهرة كالصديد و نحوه مما لم يرد فيه نص بالنزح له، و لا ينافيه ورود الأمر به لاغتسال الجنب و موت بعض ما لا نفس له سائلة و نحوها مما علم طهارته، إذ هو بعد تسليم العمل به لا ينافي حصول الظن الناشئ من تلك الغلبة، اللهم إلا أن يمنع حجية مثل هذا الظن.

و ما ورد أيضا من الأمر في الاخبار المعتبرة المستفيضة جدا بإلقاء ما مات فيه الفأرة و نحوها من المرق، و الاستصباح خاصة بالزيت و السمن و نحوهما إذا كان مائعا، و إلا فيلقى الفأرة مثلا و ما يليها، ك

قول الباقر (عليه السلام) في الصحيح (2) أو الحسن:

«إذا وقعت الفأرة في سمن فماتت فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك» و الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (3): «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر

____________

(1) الوسائل- الباب- 15 و 17 و 18 و 19- من أبواب الماء المطلق.

(2) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

298

فأرة، قال: يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل».

و ما ورد (1) من النهي عن الأكل في أواني أهل الذمة إذا كانوا يأكلون فيها الميتة و الدم و لحم الخنزير.

و ما عساه يشعر به أيضا ما ورد (2) مستفيضا في النهي عن مطلق الانتفاع بالميتة حتى المقطوع من الحي معللا بذلك، كاشعار النهي عن خصوص الصلاة بجلد الميتة.

و ما ورد أيضا من المعتبرة المستفيضة جدا في اجتناب الماء القليل إذا مات فيها الفأرة و نحوها، بل و الكثير مع تغير الماء، و قد تقدمت في محلها.

(منها)

صحيح زرارة (3) «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شيء تفسخ أو لم يتفسخ إلا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء». و موثقة عمار (4) عن الصادق (عليه السلام) «في الفأرة التي يجدها في إنائه و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا و غسل ثيابه أو اغتسل و قد كانت الفأرة متسلخة، فقال: إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة»

الحديث.

و (منها)

صحيحة حريز (5) عن الصادق (عليه السلام) «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، و إذا تغير الماء و تغير الطعم فلا تتوضأ و لا تشرب»

إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي لا يسع المقام حصرها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 72- من أبواب النجاسات.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الماء المطلق- الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الماء المطلق- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الماء المطلق- الحديث 1.

299

و (منها) ما سمعته سابقا فيما لا نفس له و تسمعه فيما يأتي إن شاء الله

كالصحيح (1) عن الصادق (عليه السلام) «اللبن و اللبأ و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كل شيء ينفصل من الشاة و الدابة فهو ذكي، و إن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه»

الحديث. و غيره، و هو دال على المطلوب من وجهين.

و احتمال المناقشة في كل واحد من هذه الاخبار بالسند أو الدلالة بعدم العموم فيها للميتة و المائعات، و عدم دلالة النهي عن الأكل و نحوه على النجاسة مما لا ينبغي أن يصغى إليها، خصوصا بعد ما عرفته من اتفاق الأصحاب عليه، بل لعله من ضروريات المذهب بل الدين.

فمن العجيب ما في المدارك حيث قال بعد أن ذكر دليل النجاسة مما في المنتهى بأن تحريم ما ليس بمحرم و لا فيه ضرر كالسم يدل على النجاسة، و قال: إن فيه منعا ظاهرا، و من الاخبار المتضمنة للنهي عن أكل الزيت و نحوه، و قال: إنه لا صراحة فيه بالنجاسة، و الصحيح الذي ذكرناه آخرا، و قال: إن الأمر فيه بالغسل لا يتعين كونه للنجاسة، بل محتمل أن يكون لإزالة الأجزاء المتعلقة من الجلد المانعة من الصلاة فيه، كما يشعر به قوله (ع): «و صل فيه» و بالجملة فالروايات متظافرة بتحريم الصلاة في جلد الميتة، بل الانتفاع به مطلقا، أما نجاسته فلم أقف فيها على نص يعتد به، مع أن

ابن بابويه روى في أوائل الفقيه مرسلا (2) عن الصادق (عليه السلام) «انه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و السمن و الماء ما ترى فيه؟ قال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، و توضأ منه و اشرب، و لكن لا تصل فيه»

و ذكر قبل ذلك من غير فصل يعتد به انه لم يقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب النجاسات- الحديث 5.

300

قال: بل انما قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحته و اعتقد أنه حجة بيني و بين ربي تقدس ذكره و تعالت قدرته، فالمسألة قوية الإشكال، انتهى.

و فيه- مع إمكان المناقشة في جميع ما ذكر حتى ما منعه من المنتهى، و خصوصا ما سمعته منه في الصحيح، بل و أخبار الزيت، مع انه قد اعترف سابقا باستفادة النجاسة من نحو ذلك، بل ليس في أكثر النجاسات دليل صريح- انك قد عرفت أن المسألة من القطعيات بل الضروريات التي لا يدانيها مثل هذه التشكيكات، و لا يقدح فيها خلاف الصدوق ان كان، و لا ما أرسله، على أنه حكى الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح عن جده انه رجع الصدوق عما ذكره في أول كتابه، و لذا ذكر فيه كثيرا مما أفتى بخلافه، و قد يشهد له التتبع لكتابة، مع احتمال إرادته بما ذكره أولا معنى آخر ليس ذا محل ذكره، كما أن مرسلة- مع عدم حجيته في نفسه فضلا عن صلاحيته لمعارضة غيره بل في الذكرى انه شاذ لا يعارض المتواتر- محتمل التقية بإرادة بعد الدبغ، و لإرادة جلد الميتة مما لا نفس له كالضب و نحوه، بل قيل: إنه كان عادة أعراب البوادي جعل جلد الضب عكة للسمن، و لعل في قوله في المرسل: «يجعل» إلى آخره إشعارا بذلك باعتبار ظهور إرادة الاستمرار و الاعتياد منه، و لا رادة ما يقال فيها انها جلود الميتة لا انها كذلك قطعا نحو ما ورد في الكيمخت (1) و جلود البغال و الحمر الأهلية (2) فيكون نفي البأس حينئذ لمكان فعل المسلم و تصرفه المحمول على الصحة، و غير ذلك من الاحتمالات، و لعله لذا لم يعرف حكاية خلاف الصدوق في ذلك، مع أن المحكي عنه في المقنع أصرح منه في الفقيه حيث قال فيه: «و لا بأس أن يتوضأ من الماء إذا كان في زق من جلد الميتة» إلا أنه محتمل أيضا بعض ما تقدم و غيره، بل ربما

____________

(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4.