جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
373 /
351

قلت: و مع ذلك كله فالمتجه بناء على تمسكهم بتلك الإطلاقات عدم الفرق في حكمية النجاسة و عينيتها بين ما باشر الميت برطوبة و عدمه، ضرورة عدم تعرض في الأدلة لشيء من ذلك، فالتفصيل بين المباشر بيبوسة فحكمية لا تتعدى إلى غيره، و برطوبة فتتعدى مما لا نعرف له وجها، و لذا كان ظاهر المحكي من عبارة نهاية الأحكام العينية في الجميع، بل نسبه إلى ظاهر الأصحاب، و ظاهر السرائر أو صريحها الحكمية في الجميع، فلا ينجس ما باشر الميت و لو برطوبة غيره و ان كان رطبا، و لعله الظاهر من جنائز القواعد أيضا.

و إذ قد وقع من بعض الأصحاب إنكار استفادة ذلك من عبارة السرائر أحببنا أن ننقلها بنفسها، قال فيها: «و يغتسل الغاسل فرضا واجبا إما في الحال أو فيما بعده، فان مس مائعا قبل اغتساله و خالطه لا يفسده و لا ينجسه، و كذلك إذا لاقى جسد الميت من قبل غسله إناء ثم أفرغ في ذلك الإناء قبل غسله مائع، فإنه لا ينجس ذلك المائع و ان كان الإناء يجب غسله، لأنه لاقى جسد الميت، و ليس كذلك المائع الذي يحصل فيه، لأنه لم يلاق جسد الميت، و حمله على ذلك قياس و تجاوز في الأحكام بغير دليل، و الأصل في الأشياء الطهارة إلى أن يقوم دليل قاطع للعذر، و ان كنا متعبدين بغسل ما لاقى جسد الميت، لأن هذه نجاسات حكمية و ليست عينيات، و أحكام شرعيات، فنثبتها بحسب الأدلة الشرعية، و لا خلاف أيضا بين الأمة كافة ان المساجد يجب أن تنزه و تجنب النجاسات العينيات، و قد أجمعنا بلا خلاف بيننا على ان من غسل ميتا يجلس فيه فضلا عن مروره و جوازه و دخوله إليه، فإن كان نجس العين لما جاز ذلك، و أدي إلى تناقض الأدلة، و أيضا فإن الماء المستعمل في الطهارة على ضربين: ما استعمل في الصغرى، و الأخرى في الكبرى، و الماء المستعمل في الصغرى لا خلاف بيننا في أنه طاهر مطهر، و الماء المستعمل في الطهارة الكبرى الصحيح عند محققي أصحابنا

352

أيضا طاهر مطهر، و من خالف فيه من أصحابنا قال: هو طاهر يزيل النجاسات العينيات و لا يرفع به الحكميات فقد اتفقوا جميعا على أنه طاهر، و من جملة الأغسال و الطهارات الكبار غسل من مس ميتا، فلو نجس ما يلاقيه من المائعات لما كان الماء الذي قد استعمله في غسله و إزالة حدثه طاهرا بالاتفاق و الإجماع الذي أشرنا إليه» انتهى.

و هو صريح فيما حكيناه عنه، نعم لا صراحة فيه في ثبوت ما ذكره من حكمية النجاسة في ملاقي الميت يابسا و ان كان ظاهره ذلك، لكنه لا يخفى عليك انه قد اشتمل على غرائب دعوى و دليلا، خصوصا ما ذكره أخيرا، إذ لا بحث في طهارة ماء غسله بالضم بعد تطهيره من النجاسة الحاصلة بالملاقاة.

بل و ما ذكره أيضا أولا، إذ ليس الحكم بنجاسة المائع الملاقي للإناء للقياس على الإناء بل لما ذكره المصنف في المعتبر في الرد عليه، و لقد أجاد من انه لما اجتمع الأصحاب على نجاسة اليد الملاقية للميت، و أجمعوا على نجاسة المائع إذا وقعت فيه نجاسة لزم من مجموع القولين نجاسة ذلك المائع لا للقياس.

كما أنه أجاد في رده عليه فيه بالنسبة إلى باقي ما ادعاه أيضا، و من هنا رماه بالضعف تارة، و بالخبط أخرى، إلا أنه قال بعد ذلك: اللهم إلا أن يريد أن الميت ليس بنجس، و انما يجب الغسل تعبدا كما هو مذهب الشافعي.

قلت: مع أن كلامه صريح في خلافه قد عرفت فيما مضى حكاية الإجماع من غير واحد، بل و تحصيله على النجاسة، و لقد أطنب المصنف في مناقشته و الإزراء عليه بما لا يسع المقام ذكره مفصلا، بل و لا يحتاج بعد وضوح فساد الدعوى، و لعل صدور مثل ذلك من الحلي كصدور نظيره من العلامة في خصوص المباشر اليابس، و ما سمعته سابقا من الخلاف في النجاسة و عدمها في حال الحرارة.

353

و كذا إطلاق بعضهم حكمية نجاسة الميت، و آخر العينية، و نحو ذلك هو الذي ألجأ الصيمري في كشف الالتباس إلى إساءة الأدب مع الأصحاب الذين بهم تمت الحجة و قامت الشريعة، و إلى ما لا نأمل أن يقع من مثله بالنسبة إليهم، قال فيه: «اعلم أن نجاسة الميت أشكل مسألة في الشرع، و لقد خبط فيها علماء السنة و الشيعة خبط عشواء».

ثم انه أطنب في المقال غاية الاطناب، و ظن أنه جاء بشيء، و الناظر فيه يعلم أنه عن ذاك بمعزل، و ليت شعري ما الذي حداه إلى ذلك هنا، فان كان تعدد أقوال الأصحاب فهو أقل قليل بالنظر إلى غير المقام، و ان كان إجمال الأمر عليه حيث لم يعرف مرادهم بالحكمية و العينية فهو قصور منه لا عيب منهم.

مع انه صرح غير واحد بما يكشف ذلك، فقال: إن الحكمية قد تطلق و يراد بها ما لا جرم له من النجاسات كالبول اليابس و نحوه، و قد تطلق و يراد بها ما يكون المحل الذي قامت به طاهرا لا ينجس الملاقي له، و يحتاج زوال حكمها إلى النية، و قد تطلق و يراد بها ما يقبل التطهير من النجاسات كبدن الميت، و قد تطلق و يراد بها ما حكم الشارع بتطهيرها من غير ان يلحقها حكم غيرها من النجاسات العينية، و تقابلها العينية في الأربعة، فإطلاق الأصحاب حينئذ عليها حكمية تارة، و عينية أخرى انما هو باختلاف الجهتين و الاعتبارين، أو من جهة اختيار أحد القولين السابقين، و ليس ذلك من التناقض في شيء حتى يلتجى له إلى هذا التشنيع الشنيع، و كأنه لم يلحظ إيضاح الفخر أو جامع المقاصد و الروض و فوائد القواعد.

و قد عرفت أن الأقوى عندنا أنها حكمية بمعنى قبولها للتطهير و احتياجها إلى النية، و عينية بمعنى تعدي النجاسة منها إلى ما يلاقيها برطوبة، و كذا ما لاقى ما يلاقيها كذلك، و لو لا مخافة الاطناب لتعرضنا إلى ما يكشف عنه ما توهم من دعوى التناقض في كلمات الأصحاب، كما انه لولاه لكشفنا اللثام عن أمور أخر لها نوع تعلق في المقام، و لعل فيما ذكرنا الكفاية إن شاء الله.

354

[الخامس الدماء]

الخامس الدماء و نجاستها في الجملة إجماعية بين الشيعة بل بين المسلمين، بل هي من ضروريات هذا الدين، كما ان عدمها فيها في الجملة كذلك، و لكن البحث في تعيين كل منهما، ففي المتن لا ينجس منها إلا ما كان من حيوان له عرق و ظاهره كغيره من كثير من عبارات الأصحاب نجاسة مطلق الخارج و ان لم يكن من العرق نفسه، بل من جلد و لحم و نحوهما كما هو قضية معقد النسبة إلى مذهب علمائنا عدا ابن الجنيد في المعتبر على نجاسة الدم كله قليله و كثيرة إلا دم مالا نفس له سائلة، كنفي الخلاف في التذكرة عن نجاسته من ذي النفس السائلة و ان كان مأكولا، و ما يفهم من الذكرى و الروض بعد التدبر في كلامهما من الإجماع أيضا على نجاسته إذا كان من ذي النفس.

لكن قد يوهم خلاف ذلك جملة من كلمات الأصحاب حيث خصوا النجاسة في الدم المسفوح منه، ضرورة أخصيته من مطلق الخارج من ذي النفس، إذ المنساق منه ما انصب من العرق نفسه، بل في الحدائق «ان ذلك معناه لغة، فلا يدخل فيه حينئذ ما كان في اللحم و نحوه» و في المنتهى «ان المراد به ما له عرق يخرج منه بقوة و دفع لا رشحا كالسمك» إلى آخره.

منها ما في الغنية «دم الحيض و الاستحاضة و النفاس نجس بلا خلاف، و كذا الدم المسفوح من غير هذه الثلاثة- من غير هذه الثلاثة- إلى ان قال في الاستدلال على طهارة دم السمك بمفهوم قوله تعالى (1) «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ» إلى آخره-: و دم السمك ليس بمسفوح، و ذلك يقتضي طهارته».

و منها ما في المنتهى «قال علماؤنا: الدم المسفوح من كل حيوان ذي نفس سائلة أي يكون خارجا بدفع من عرق نجس، و هو مذهب علماء الإسلام- ثم قال في الاستدلال

____________

(1) سورة الانعام- الآية 146.

355

على طهارة دم ما لا نفس له-: بأنه ليس بمسفوح، فلا يكون نجسا، و ألحق به الدم المتخلف في اللحم المذكى إذا لم يقذفه الحيوان، لانه ليس بمسفوح- ثم استدل في خصوص دم السمك كالمصنف في المعتبر- بأنه لو كان نجسا لتوقف إباحة أكله على سفحه كالحيوان البري».

و منها ما في كشف اللثام في شرح قول العلامة: «الرابع الدم من ذي النفس السائلة مطلقا» قال: «الرابع الدم الخارج من عرق ذي النفس السائلة من العرق مطلقا مأكولا و غيره بالنصوص و إجماع المسلمين كما في المنتهى» إلى آخره. ثم استدل على طهارة المتخلف في لحم المذبوح و عرقه بخروجه عن الدم المسفوح، كما أنه في جامع المقاصد استدل على المتخلف أيضا بأنه لما كان التحريم و النجاسة معا انما يثبتان في الدم المسفوح، و هو الذي يخرج عند قطع العروق كان ما سواه مما يبقى بعد الذبح و القذف المعتاد طاهرا و حلالا أيضا إذا لم يكن جزءا من محرم، سواء بقي في العروق أم في اللحم أم في البطن، إلى غير ذلك من العبارات التي توهم خلاف ما تقدم.

كاستدلال الحلي في السرائر أيضا على طهارة دم السمك و نحوه بكونه ليس بمسفوح، و بأنه لو كان نجسا لتوقف حلية أكله على سفح دمه، لنجاسته كسائر ما كان كذلك من الحيوان، ثم قال: الدم الطاهر هو دم السمك و البراغيث و ما ليس بمسفوح، و قال: أيضا الدم الطاهر على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من غير خلاف يعرف فيه بينهم دم السمك و البراغيث و البق و ما أشبه ذلك مما ليس بمسفوح.

و كتعليل المختلف طهارة المتخلف في الذبيحة بانتفاء المقتضي للتنجيس، و هو السفح، و قد اعترف في الحدائق بايهام هذا التعليل ذلك كعبارة المنتهى، و قال: إن قضيتهما طهارة غير المسفوح كدم الشوكة و نحوها من ذي النفس مطلقا، إلا أن الظاهر من الأصحاب الاتفاق على نجاسته، و في البحار انه يتوهم من عبارة بعض الأصحاب طهارة غير المسفوح، و ما له كثرة و انصباب من دم ذي النفس، و هو ضعيف، بل

356

ظاهر الأصحاب الاتفاق على نجاسته، كما انه في المعالم اعترف به أيضا من جملة من عبارات العلامة، خصوصا المنتهى.

قلت: لكن الأقوى الأول أي نجاسة مطلق دم ذي النفس السائلة، للإجماع السابق في المعتبر المعتضد بنفي الخلاف في التذكرة الظاهر فيما بين المسلمين، و بصريح الإجماع أو ظاهره في الذكرى و الروض كظاهر البحار و الحدائق المؤيد بإطلاق أكثر الفتاوى، سيما بعد النص على طهارة دم السمك و المتخلف و نحوهما، و عدم ذكر أحد منهم طهارة شيء من دماء ذي النفوس عدا المتخلف، بل يمكن دعوى عدم الخلاف فيه حتى ممن سمعت، لاحتمال إرادتهم مطلق الخارج من المسفوح كما في المدارك أو يقال: إن جميع دماء ذي النفس في عروق و ان كانت دقاقا، أو يقال: إن تقييدهم بالمسفوح لإخراج المتخلف في الذبيحة خاصة لا غيره، خصوصا في عبارات العلامة، و يومي اليه ما حكي عنه في النهاية انه قيد بذلك فيها، و لم يزد عند عده المستثنيات من الدم على ما عند الأصحاب.

و إن أبيت عن ذلك كله فقد عرفت أن الأقوى الأول، لما تقدم، و للمستفاد من المستفيض (1) من الاخبار أو المتواتر من نجاسة مطلق دم الرعاف و ما يسيل من الأنف، بناء على منع لزوم المسفوحية في جميع أفراده.

و خصوصا مفهوم

خبر ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يمس أنفه فيرى دما كيف يصنع؟ أ ينصرف؟ فقال: إن كان يابسا فيرم به و لا بأس»

إذ قد يدعى ظهوره في غير المسفوح.

ك

صحيح علي بن جعفر (3) عن أخيه (عليهما السلام) «سأله عن الرجل يكون به

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الماء المطلق- الحديث 1 و 8 و الباب 21 منها.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 63- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

357

الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول و هو في صلاته؟ أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ فقال: إن لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، و إن تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله».

كسؤاله الآخر له أيضا

المروي (1) في الفقيه «عن الرجل يحرك بعض أسنانه و هو في الصلاة بل ينزعه، فقال: إن كان لا يدميه فلينزعه، و ان كان يدمي فلينصرف».

و أوضح منهما

خبر المثنى بن عبد السلام (2) عن الصادق (عليه السلام) «اني حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: إذا اجتمع قدر الحمصة فاغسله، و إلا فلا»

إذ إرادة المسفوح منه بعيدة أو ممتنعة، و ذيله مع إمكان حمله على إرادة التقدير للعفو في الصلاة لا للنجاسة و الطهارة لا ينافي الاستدلال بسابقه على المطلوب.

و للمستفاد أيضا من المعتبرة (3) المستفيضة جدا من نجاسة دم القروح و الدماميل و نحوها، إذ دعوى المسفوحية بالمعنى السابق في جميع أفرادها كما ترى.

و لأصالة النجاسة في أنواع الدماء و أصنافها المستفادة من إطلاق

قول الصادق (عليه السلام) في موثقتي عمار (4) بعد أن سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب:

«كل شيء من الطير يتوضأ بما يشرب إلا أن ترى في منقاره دما»

و من ترك الاستفصال بعد السؤال عن الدم الذي أصاب الثوب و نحوه فنسي أو لم يعلم به و صلى في الاخبار (5) الكثيرة الخارجة عن حد الإحصاء، كتركه أيضا بعد غير هذا القسم

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب قواطع الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب النجاسات- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب النجاسات.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأسئار- الحديث 2 و 4.

(5) الوسائل- الباب- 41 و 42- من أبواب النجاسات.

358

من السؤال في أخبار عديدة (1) منها ما تقدم في البئر و ماء القليل، و منها غير ذلك.

لكن لم أعثر في شيء من سائر هذه الاخبار على ما كان الغرض الأصلي من السؤال عن نجاسة الدم، لمكان تردد السائل في بعض الافراد حتى يكون ترك الاستفصال يفيد العموم بالنسبة الى ذلك، بل ظاهر أكثرها علم السائل بنجاسته، بل لعله المنساق من إطلاق لفظ الدم، إلا أنه لم يعلم حكم الصلاة به مع الجهل به أو النسيان أو القلة أو الكثرة مع مشقة التحرز عنه أو نحو ذلك.

كما أني لم أعثر على خبر معتبر من طرقنا حكم فيه بالنجاسة أو لازمها مراد به بيان حكمها، و موضوعه لفظ الدم و نحوه مما يستفاد منه حكم الطبائع، فضلا عن عموم لغوي، فاستفادة الأصل المذكور الذي هو العمدة في إثبات النجاسة في كثير من أفراد هذا القسم من مثل ما تقدم حينئذ لا يخلو من نظر و تأمل، و ان كان هو ظاهر الأستاذ في شرح المفاتيح، و العلامة الطباطبائي في المنظومة و غيرهما.

و عليه فالمتجه حينئذ استفادته أيضا بالنسبة الى ما شك في موضوعه، أي لم يعلم أنه من النجس أو الطاهر، إذ كما ترك الاستفصال في تلك الاخبار عن أنواع الدماء و أصنافها و أطلق في خبر عمار فعلم عموم حكم النجاسة كذلك ترك أيضا و أطلق بالنسبة إلى موضوعها، فينبغي أن يعلم ثبوت الحكم بالنجاسة حينئذ حتى ليظهر أنه من الطاهر، و كذا الكلام في موثقة عمار السابقة و غيرها، بل لم أعرف خبرا اختص به الأول عن الثاني.

و دعوى ندرة الطاهرة، فلا اشتباه في الموضوع من جهتها، فلا يقدح ترك الاستفصال عنها حينئذ، بخلاف أنواع الدم ممنوعة، سيما مع معروفية دم البراغيث و البق و السمك و نحوها في ذلك الزمان، بل يمكن دعوى ظهور بعض الاخبار في الحكم

____________

(1) الوسائل- الباب- 8 و 21- من أبواب الماء المطلق.

359

بالنجاسة مع اشتباه الموضوع لترك الاستفصال و غيره، و لذا كان ظاهر الأستاذ في شرح المفاتيح التزام أصالة النجاسة في مشتبه الحكم أو الموضوع.

بل قد يدعى ظهور موثقة عمار السابقة في مشتبه الموضوع، لبعد معرفة حال الدم الذي هو في منقار الطير، ك

خبر ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلي، قال: لا يؤذنه حتى ينصرف»

إلا أنه قد يقال: لعل النهي فيه عن الاعلام لمكان احتمال طهارة الدم، كالأمر بالإتمام في خبر داود بن سرحان (2) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يصلي فأبصر في ثوبه دما، قال: يتم».

نعم قد يستظهر ذلك من

خبر ابن أبي يعفور (3) عن الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر بعد ما صلى أ يعيد صلاته؟ قال: يغسله و لا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم»

الحديث.

مع احتمال كون السؤال فيه انما هو لحكم النسيان، و إلا فنجاسة ذلك معلومة لدى السائل.

و من هنا حكم في المنتهى و الذكرى و الدروس و الموجز و شرحه و المدارك و الحدائق بالطهارة في الثاني أي مشتبه الموضوع كما عن نهاية الاحكام، بل في الأخير انه لا خلاف فيه بين الأصحاب، للأصل في الملاقي و الملاقي بالفتح كما في سائر ما كان من هذا القبيل.

و دعوى خروج الدم من بينها مع ضعف الإطلاقات فيه و قوتها فيها كما ترى، بل قد عرفت التأمل في ثبوت الإطلاقات و العمومات بالنسبة للأول أيضا أي مشتبه الحكم،

____________

(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 44- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

360

و ان استند إليها بعضهم في نجاسة العلقة و الدم في البيضة و نحوهما، و لقد أجاد كشف اللثام في منع دعوى العموم على مدعيها.

اللهم إلا أن يستند في إثباتها إلى معقد إجماع المعتبر السابق المؤيد بما عساه يفهم من

خبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل يعني دم السمك»

من ثبوت البأس في غير ذلك.

و ما عساه يفهم من

مكاتبة ابن الريان (2) الى الرجل «هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ و هل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه؟ و أن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع (عليه السلام) يجوز الصلاة، و الطهر أفضل»

بل قد يظهر منه معروفية النجاسة في سائر الدماء في تلك الأوقات.

و لما رواه في البحار عن

دعائم الإسلام (3) عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) «انهما قالا في الدم يصيب الثوب: يغسل كما تغسل النجاسات، و رخصا (عليهما السلام) في النضح اليسير منه و من سائر النجاسات مثل دم البراغيث و أشباهه، قالا: فإذا تفاحش غسل»

الى آخره. من حيث تعليق الحكم فيه على طبيعة الدم. و بالمروي (4) في كتب الفروع لأصحابنا و إن لم أجده من طرقنا، بل ظني

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب غسل المس- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب غسل المس- الحديث 3.

(3) المستدرك- الباب- 15- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(4) بدائع الصنائع للكاشاني ج 1 ص 60 عن عمار بن ياسر

«كان يغسل ثوبه من النخامة فمر عليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال له: ما تصنع يا عمار؟ فأخبره بذلك فقال (صلى الله عليه و آله) ما نخامتك و دموع عينيك و الماء الذي في ركوتك إلا سواء انما يغسل الثوب من خمس: بول و غائط و قيء و مني و دم»

و رواه في المستدرك في الباب 12 من أبواب النجاسات- الحديث 2 و لكنه ما ذكر لفظ القيء و الدم.

361

أنه عامي، بل ظاهر المنتهى أو صريحه ذلك «انما يغسل الثوب من البول و المني و الدم»

إلى غير ذلك مما يمكن استفادته من الاخبار.

لكن الجميع كما ترى حتى إجماع المعتبر، سيما مع كون مراده منه هنا بقرينة استثناء ابن الجنيد منه انما هو الاتفاق، فلا نقل فيه لقول المعصوم (ع)، و ربما تأمل في حجية مثله، فالأظهر حينئذ الاقتصار في النجاسة على دم ذي النفس خاصة، لوضوح الأدلة فيها من الإجماعات و غيرها، بل ربما يظهر من الآية الشريفة (1) طهارة غير المسفوح منها باعتبار لزومها لإباحة الأكل المستفادة من المفهوم.

لكن قد عرفت الأدلة السابقة على عموم سائر دم ذي النفس مسفوحة و غيره الحاكمة على المفهوم من الاخبار، و الإجماع الذي لا يقدح فيه ما حكي عن ابن الجنيد من طهارة ما كان سعته دون سعة الدرهم الذي سعته كعقد الإبهام من الدم أو من غيره من النجاسات، كما يظهر من عبارته المحكية عنه، لضعفه جدا، بل في الذكرى و غيرها الإجماع على خلافه، كما انه لم يستثنه بعض من حكى الإجماع أيضا، مع احتمال تنزيل كلامه على العفو عنه في خصوص الصلاة، سيما بناء على المعروف من حكاية خلافه في الدم خاصة، فلا يكون حينئذ مخالفا.

و نحوه المحكي عن الصدوق من طهارة مقدار الحمصة، مع احتماله إرادة العفو أيضا، بل لعله الظاهر منه، و كذا ما تقدم عن الشيخ في باب الأسئار من عدم نجاسة غير المستبين من الدم و غيره من النجاسات بالنسبة للماء و غيره في أحد الاحتمالات السابقة هناك، لوضوح ضعفها جميعها و انقراضها، إذ قد استقر المذهب الآن على نجاسة دم ذي النفس مطلقا و ان قل.

نعم قد عرفت عدم عموم في الأدلة السابقة يستفاد منه أصالة النجاسة في الدماء

____________

(1) سورة الانعام- الآية 146.

362

بحيث يشمل غيره، فالعلقة أي الدم المستحيل من النطفة يتجه الحكم حينئذ بطهارتها بناء على منع اندراجها في دم ذي النفس كما في الذكرى و غيرها و ان ادعاه المصنف في المعتبر، و مجرد تكونها فيه لا يقتضيه.

نعم قد يقوى في النظر النجاسة، للإجماع في الخلاف عليها معتضدا بالمحكي من فتوى جماعة من الأصحاب، منهم القاضي و الحلي و المصنف و ابن سعيد و العلامة و الآبي و غيرهم، بل لم أعرف من جزم بالطهارة إلا المحدث في الحدائق، نعم تأمل فيها في الذكرى و كشف اللثام.

لكنه يدفعه دعوى الشيخ الإجماع، و يندرج في معقده على الظاهر علقة البيضة لإطلاقه، و احتمال اختصاصها في المستحيل من نطفة الآدمي كما عساه توهمه عبارة المعتبر ضعيف.

أما ما يوجد في البيضة من الدم مما ليس بعلقة أو لم يعلم فالمتجه بناء على ما ذكرنا الطهارة، للأصل مع عدم وضوح المعارض، كما ان المتجه النجاسة في الأول بناء على أصالتها هنا في مشتبه الحكم من الدم، و فيه مع الثاني إن قلنا بها أيضا في مشتبه الموضوع، اللهم إلا أن يقال بعدم تناول ما دل عليها لمثل هذه الافراد، فلا يستلزم حينئذ الحكم بها القول بالنجاسة هنا.

و كذا البحث في باقي الدماء التي لا ترجع إلى ذي النفس و لم يعلم حكمها بالخصوص من الشارع كالمخلوق آية لموسى بن عمران (عليه السلام)، و المتكون لقتل سيد شباب أهل الجنان (عليه السلام) و نحوهما.

أما ما يوجد في بعض الأشجار و النباتات مما هو بلون الدم فليس من الدم و ان أطلق أهل العرف اشتباها عليه ذلك مع عدم العلم بحاله، و إلا فلو فرض صدق اسم الدم عرفا عليه بعد العلم بحاله احتمل جريان البحث السابق فيه أيضا.

363

نعم هو لا يجري في دم ما لا عرق له من الحيوان بل يكون خروج دمه رشحا كدم السمك و شبهه للإجماع محصلا و منقولا مستفيضا ان لم يكن متواترا على طهارته، خصوصا في السمك، و للأصل، و طهارة الميتة منه، و لخبر السكوني (1) و مكاتبة ابن الريان (2) السابقين، و غيرهما من النصوص المتمم دلالتها على تمام المطلوب بعدم القول بالفصل، كالعسر و الحرج و السيرة المستمرة و فحوى إباحة الأكل للسمك و نحوه.

فما عساه يظهر من المراسم و الوسيلة كما عن المبسوط و الجمل من النجاسة في هذه الدماء إلا أنه لا يجب إزالة قليلها و كثيرها محجوج بجميع ما عرفت أو مؤل.

و في حكم هذا الدم بالطهارة الدم المتخلف في الذبيحة من مأكول اللحم بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به جماعة منهم المجلسي في البحار، و تلميذه في كشف اللثام، بل ظاهرهما كغيرهما دعوى الإجماع عليه، بل في المختلف و كنز العرفان و الحدائق و عن آيات الجواد دعواه صريحا، لكن معقده في الأول المتخلف في عروق الحيوان، و الثاني بل الثالث في تضاعيف اللحم، و الاولى تعميم الحكم لهما عملا بهما معا، كما هو صريح معقد نفي خلاف كشف اللثام و ظاهر سابقه، بل و لغيرهما كالبطن و غيرها عدا الجزء المحرم كالطحال، كما هو معقد ما في شرح الدروس من إجماع الأصحاب ظاهرا على طهارة ذلك كله.

و أما الطحال فقد صرح في جامع المقاصد و الروض بنجاسة دمه، لعموم أدلتها من ذي النفس، و لحرمة أكله، و فيه تأمل، لوجوب الخروج عن الأول بما عساه يظهر بالتأمل في كلمات الأصحاب من الاتفاق على طهارة ما عدا المفسوح من دم الذبيحة، و على أنه لو غسل المذبح أو أنه قطع من أسفل بعد الذبح لم يبق فيها شيء نجس أصلا، و قول بعض الأصحاب المتخلف في اللحم يريد المثال أو ما يشمل الطحال، و إلا فلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

364

ريب في طهارة دم الكبد و نحوه، و حرمة الأكل لا تستلزم النجاسة قطعا.

و دعوى ان العلة في طهارة المتخلف انما هو إباحة الأكل المستلزمة لإباحته ممنوعة، فلا يبعد القول بالطهارة فيه حينئذ كسائر الأجزاء المأكولة، بل الظاهر شمول بعض معاقد الإجماعات السابقة له.

و كيف كان فالحجة على طهارة المتخلف في غير المحرم ما عرفته من الإجماع المعتضد بما سمعت، مضافا إلى المستفاد من مفهوم قوله تعالى (1) «مَسْفُوحاً» من إباحة الأكل اللازمة للطهارة، و العسر و الحرج و السيرة المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار على أكل اللحم مع عدم انفكاكه عن الدم، كفحوى ما دل على إباحة أكل الذبيحة.

و بذلك كله يخص أو يقيد ما دل على نجاسة الدم من ذي النفس، فكان على المصنف استثناؤه منه، و لعله تركه لمعلوميته، بل ينبغي القطع بذلك، فليس إطلاقه حينئذ خلافا، كالمحكي عن أبي علي و انتصار السيد و جمل الشيخ و مبسوطة و مراسم سلار من إطلاقهم نجاسة الدم عدا ما لا نفس له سائلة، أو يقال كما عساه يظهر من جماعة: إن مرادهم من الدم المحكوم بنجاسته من ذي النفس انما هو المفسوح دون غيره، فلا حاجة حينئذ إلى استثنائه.

و من هنا تمسك بعضهم في طهارة المتخلف بالأصل، لكنك قد عرفت سابقا ما فيه، و أن الأدلة عامة لسائر دم ذي النفس، فلا بد حينئذ من استثناء خصوص هذا الدم من تلك العمومات، بل لا بد من الاقتصار على المتيقن منه، و هو المتخلف بعد خروج تمام المعتاد مما يقذفه المذبوح لا مع عدمه، كالمذبوح مثلا في أرض منحدرة و رأسه أعلى فلم يقذف، أو الجاذب بأنفه من الدم المسفوح زيادة على المعتاد فان هذا المتخلف خاصة نجس، لعموم الأدلة السابقة من غير فرق بين تخلفه في البطن أو غيرها،

____________

(1) سورة الانعام الآية- 146.

365

لا غيره من الكائن في اللحم و نحوه مما لم يكن من شأنه أن يقذف، نعم هو يتنجس باختلاطه معه، كما انه يتنجس بمباشرة آلة المسفوح أو يد الذابح قبل غسلهما مثلا.

و المراد بالذبيحة في معقد الإجماعات مطلق المذكاة تذكية شرعية قطعا من غير فرق بين الذبح و النحر و غيرهما، بل لا يبعد إلحاق ما حكم الشارع بتذكيته بذكاة أمه، فيعفى حينئذ عن جميع ما فيه من الدم على إشكال، نعم لو فقد بعض ما يعتبر في التذكية شرعا من إسلام و بلوغ و نحوهما دخلت في الميتة، و نجس سائر دمها، لعموم الأدلة، إذ ليس المدار على مجرد خروج الدم المسفوح، كما هو واضح.

هذا كله فيما يعتاد تذكيته من مأكول اللحم، و نحوه ما لم يعتد منه على الظاهر، أما ما يذكى من غير المأكول ففي البحار و شرح الخوانساري و الحدائق و شرح الأستاذ للمفاتيح أن ظاهر الأصحاب نجاسة دمه مطلقا كما عن الذخيرة و موضعين من الكفاية، و كأنهم أخذوه من إطلاق الأصحاب نجاسة دم ذي النفس مع تنزيل ما استثنوه من دم الذبيحة على المتبادر منها، و هو المأكول، بل مطاوي كلماتهم كالصريحة بذلك، فيبقى حينئذ ما دل على النجاسة لا معارض له.

قلت: إن تم إجماعا كان هو الحجة، و إلا كان للنظر فيه مجال، لظهور مساواة التذكية فيه لها في المأكول بالنسبة إلى سائر أحكامها عدا حرمة الأكل، و لفحوى ما دل على طهارته بالتذكية، بل لعل ذلك شامل لجميع أجزائه التي منها الدم عدا ما خرج، و للعسر و الحرج في التحرز عنه إذا أريد أخذ جلده أو الانتفاع بلحمه في غير الأكل، بل لا يمكن استخلاص اللحم منه القاضي بعدم الفائدة للحكم بطهارته.

و لعله لذا حكى في المعالم انه تردد في حكمه بعض من عاصرناه من مشايخنا، و ان كان ما حكى عنه من منشأ التردد ضعيفا، حيث جعله من إطلاق الأصحاب الحكم بنجاسة دم ذي النفس، و من ظاهر قوله تعالى «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» لاقتضائه حلية

366

غير المسفوح المستلزم للطهارة، إذ هو مبني على جواز أكل دم غير المأكول حتى يستلزم الطهارة، و هو ممنوع.

بل ربما ظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه، و يؤيده استبعاد حرمة أكل اللحم منه مع جواز أكل الدم، بل قد يقال: إن ما دل على حرمة الحيوان شامل لجميع أجزائه التي منها الدم، فالأولى جعل منشأ التردد ما ذكرنا مع زيادة منع ظهور استثناء الأصحاب للمتخلف في المأكول خاصة، سيما من عبر بلفظ المذبوح كالقواعد و الموجز و البيان و غيرها، على أنه لو أريد بالذبيحة في كلامهم خصوص المأكول لكونه المعهود لوجب إرادة خصوص ما تعارف أكله، لا مثل الخيل و الحمير.

و من هنا كان صريح كشف اللثام القول بالطهارة، بل يظهر منه شمول الإطلاق له، كما ان الظاهر من العلامة الطباطبائي في منظومته ذلك أيضا، قال:

و الدم في المأكول بعد قذف ما * * * يقذف طهر قد أحل في الدماء

و الأقرب التطهير فيما يحرم * * * من المذكى، و عليه المعظم

انتهى و الله أعلم.

[السادس و السابع الكلب و الخنزير]

السادس و السابع الكلب و الخنزير البريان و هما نجسان عينا و لعابا لا يقبلان التطهير إلا بالخروج عن مسماهما كما هو الأصل في كل موضوع كان مدار النجاسة فيه مسمى الاسم، للنصوص المستفيضة (1) و فيها الصحيح و غيره، و القسم بالله ان الكلب نجس، و للإجماع المحصل، بل ضرورة المذهب، و المنقول في الخلاف و عن غيره على الكلب، كما انه نفى الخلاف عن نجاسة الثاني فيه أيضا، كالإجماع في الذكرى و المدارك على نجاسة عينهما و لعابهما، و في المنتهى و التذكرة و كشف اللثام على نجاستهما، و في المعتبر على وجوب غسل الثوب

____________

(1) الوسائل- الباب- 12 و 13- من أبواب النجاسات.

367

لاقاهما رطبا، و لقوله تعالى (1) «فَإِنَّهُ رِجْسٌ» سواء جعل الضمير فيه للخنزير أو لحمه، نعم قد يتأمل في استفادة النجاسة من لفظ الرجس، و هو ضعيف هنا، إلى غير ذلك.

و ما عن الصدوق من الاكتفاء برش ما أصابه كلب الصيد برطوبة ليس خلافا فيما نحن فيه، كما أنه لا ينافيه

صحيح علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليهما السلام) قال:

«سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في الصلاة كيف يصنع؟

قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، و ان لم يكن في صلاته فلينضح ما أصاب ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله»

لوجوب حمل الإصابة فيه عليها مع اليبوسة كما يشعر به الاستثناء، فإنه لا يتغير الملاقي حينئذ عن حكمه كما في سائر النجاسات إجماعا فيما عدا ملاقي الميتة في كشف اللثام و عن الذخيرة و الدلائل، للأصل و النصوص، بل قد يشعر الاستثناء في هذا الصحيح بعدم وجوب الغسل في النداوة غير المؤثرة، و هو كذلك في سائر النجاسات أيضا، و به صرح الطباطبائي في منظومته للأصل و غيره، و سيأتي تمام الكلام فيه إن شاء الله.

و أما

قول الصادق (عليه السلام) (3): «نعم»

جواب سؤال ابن مسكان له في الصحيح عن الوضوء بما ولغ الكلب فيه أ يتوضأ منه أو يغتسل؟ فمحمول على الكثير من الماء أو غير ذلك، ك

قوله (4): «لا بأس»

جواب سؤال زرارة له عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقي به، فيراد به بالنسبة إلى سقي البساتين و نحوها، أو يحمل على التقية كما قيل، و لعله أولى، لمنافاة الأول لما دل (5) على عدم استعمال الميتة و الانتفاع بها.

____________

(1) سورة الانعام- الآية 146.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأسئار- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الماء المطلق- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الأطعمة المحرمة.

368

و كلب الماء و خنزيره لا يدخل في إطلاق الكلب نصا و فتوى، كما لا يدخل مضاف الماء في إطلاقه، فأصالة الطهارة و عموماتها لا معارض لها، مع أنها مؤيدة في خصوص الأول بالسيرة على استعمال جلده و شعره، و بما قيل: إنه الخز، بل قطع به بعض المحصلين ممن عاصرناه مستشهدا عليه بصحيح ابن الحجاج (1) و غيره (2) و يأتي تحقيق الحال فيه إن شاء الله.

فما عن ابن إدريس من تفرده بالقول بنجاسة كلب الماء للإطلاق، و ربما يلزمه القول بها في الخنزير ضعيف جدا، حتى لو سلم له انه ليس الخز، و ان لفظ الكلب من المتواطئ كما حكى عن الأكثر في الحدائق و الأشهر في الرياض، و ان كنا لم نتحقق ما حكياه، لظهور انصرافه إلى المعهود المتعارف، أما لو قلنا بالاشتراك اللفظي كما عن المنتهى، أو بكونه مجازا كما في ظاهر التذكرة و عن صريح التحرير و نهاية الاحكام، بل هو الأصح إن أراد ذلك بالنظر إلى إطلاقه لا إضافته كالماء كما سمعت فهو سيما الثاني أشد ضعفا، لتوقفه- بعد تسليم جواز استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه، أو المشترك في معنييه، إذ الفرض معلومية البري، أو كان من باب عموم المجاز و الاشتراك- على القرينة، و ليس، بل هي على خلاف ذلك موجودة، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في الطهارة، فما في البيان من الحكم بها في وجه في غير محله.

و لو نزا كلب أو خنزير على حيوان طاهر أو نجس فأولده روعي في إلحاقه بأحكامه من الولوغ و نزح البئر و نحوهما إطلاق الاسم لتعليقها عليه، فان لم يصدق بأن اندرج في مسمى اسم آخر أو لم يندرج انتفت عنه، و ثبت له أحكام ذلك المسمى، لشمول أدلته له، أو الطهارة مع فرض عدم الاندراج، للأصل و العموم،

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب لباس المصلي.

369

بل و كذا الحكم في المتولد بين الكلبين و الخنزيرين أو الطاهرين، وفاقا لصريح كشفي اللثام و الغطاء و ظاهر المدارك.

و خلافا لجماعة منهم الشهيدان و المحقق الثاني، فحكموا بنجاسة المتولد بين النجسين مطلقا، لكونه جزءا منهما، فهو حقيقة منهما و ان اختلفت صورته.

و فيه مع منافاته الأصول و إطلاق الأدلة انه لا حكم لتلك الجزئية بعد الاستحالة، فهو كغيره من المستحيل من نجس العين، كما انه لا حكم لها و ان تولد من الطاهرين و اندرج تحت اسم النجس مثلا، و دعوى ان ذلك اختلاف في الصورة دون الحقيقة يدفعها فرض المسألة في خلافه كالهرة المتولدة من الكلبين و نحوها، كدعوى الشك في شمول إطلاق اسم غير ما تولدت منه، إذ الفرض أيضا كما عرفت تحقق الصدق و ان ندر الوجود، و ما عداهما أي الكلب و الخنزير فليس بنجس، و في نجاسة خصوص كل من

[في حكم الثعلب و الإرنب و الفأرة و الوزغة]

الثعلب و الأرنب و الفأرة و الوزغة عينا كالكلب و ان لم نقل بها في المسوخ، و طهارته تردد من الأصل و العمومات و صحيح الفضل (1) «سألت الصادق (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب»

إلى آخره. خصوصا إن قلنا بشمول لفظ الوحش للأولين، و ما دل (2) على قبول الأول للتذكية، بل و الثاني أيضا، بناء على انه من السباع، لمعلومية عدم وقوعها على نجس العين. و قول الصادق (عليه السلام) (3): «لا بأس بأكله» جواب سؤال سعيد

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلي من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 1.

370

الأعرج في الصحيح عن الفأرة تقع في السمن و الزيت ثم تخرج منه حيا،

ك

قوله (عليه السلام) أيضا في صحيح إسحاق بن عمار (1): «إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء أن تشرب منه و تتوضأ»

ك

خبر أبي البختري المروي عن قرب الاسناد (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «إن عليا (عليه السلام) قال: لا بأس بسؤر الفأرة أن تشرب منه و تتوضأ». و قول الكاظم (عليه السلام) (3) جواب سؤال أخيه علي في الصحيح «عن العظاية و الحية و الوزغ يقع في الماء فلا تموت أ يتوضأ منها للصلاة؟ قال: لا بأس، و سألته عن فأرة وقعت في حب دهن فأخرجت منه قبل أن تموت أ نبيعه من مسلم؟ قال: نعم و تدهن منه»

إلى غير ذلك من الاخبار، و العسر و الحرج في التجنب عن الأخيرين خصوصا الثالث.

و ما سمعته سابقا مما دل على طهارة ميتة غير ذي النفس و منه الوزغ من الإجماع و غيره، بل قد عرفت هناك ما يشهد للطهارة من غير هذه الجهة، كما انه تقدم في باب الأسئار و البئر ما هو كذلك، فلاحظ و تأمل.

و من

مرسل يونس (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته هل يجوز أن يمس الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا؟ قال: لا يضره و لكن يغسل يده». و صحيح علي بن جعفر (5) عن أخيه (عليهما السلام) «سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أ يصلى فيها؟ قال: اغسل ما رأيت من أثرها،

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأسئار- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأسئار- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأسئار- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 34- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 33- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

371

و ما لم تره فانضحه بالماء»

ك

صحيحه الآخر عنه (عليه السلام) (1) أيضا «عن الفأرة و الكلب إذا أكلا من الخبز أو شماه أ يؤكل؟ قال: يترك ما شماه، و يؤكل ما بقي»

و نحوه خبره الآخر عنه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد (2). و خبر عمار الساباطي (3) عن الصادق (عليه السلام) مع زيادة السؤال في الثاني «عن العظاية تقع في اللبن، قال: إن فيها السم»

ك

قوله (عليه السلام) أيضا في خبر هارون الغنوي (4) بعد أن سأله «عن الفأرة و العقرب و أشباه ذلك يقع في الماء فيخرج هل يشرب من ذلك الإناء و يتوضأ؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، و قليله و كثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه و يتوضأ منه غير الوزغ، فإنه لا ينتفع منه»

إلى غير ذلك كالأمر بنزح ثلاث دلاء للفأرة و الوزغة في خبر معاوية بن عمار (5) و بإهراق ما وقع فيه الوزغ و الفأرة من الماء في الرضوي (6) مضافا إلى الإجماع في الغنية على نجاسة أولي الأربعة.

لكن و مع ذلك فالأشهر و الأظهر الطهارة بل هو الذي استقر عليه المذهب من زمن الحلي إلى يومنا، بل لعل المخالف قبل ذلك أيضا نادر، فان المرتضى و ان حكي عنه في موضع من المصباح ما يقتضي بنجاسة الأرنب لكنه في موضع آخر منه قال: «لا بأس بأسآر جميع حشرات الأرض و سباع ذوات الأربع إلا أن يكون كلبا أو خنزيرا» فقد يكون مراده بالأول حكاية قول غيره أو خصوص الميت منه و لو لعدم قبوله التذكية عنده بقرينة ذكره ذلك في خصوص الجلود.

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 2.

(3) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 36- من أبواب النجاسات- الحديث 2 و ذيله في الباب 46 من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الماء المطلق- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الماء المطلق- الحديث 2.

(6) المستدرك- الباب- 7- من أبواب الأسئار- الحديث 2 و 3.

372

و عن الصدوق و ان حكي عنه في موضع من الفقيه و المقنع الفتوى بمضمون

صحيح علي بن جعفر (عليهما السلام) في الفأرة الرطبة، لكنه في موضع آخر منها قال: «ان وقعت فأرة في حب دهن فأخرجت قبل أن تموت فلا بأس بأن يدهن منه، و يباع من مسلم»

فلعله يريد بالأول الندب أو الوجوب تعبدا في خصوص ذلك لا للنجاسة.

و الشيخ و ان حكي عنه في موضع من المبسوط و النهاية «ان الأربعة كالكلب في وجوب غسل ما مسته برطوبة، و رش ما مسته بيبوسة» لكنه في موضع آخر من الأول «انه يكره ما مات فيه الوزغ و العقرب» و من الثاني «انه لا بأس بما شربت منه فأرة» فقد يريد من الأول حينئذ الندب أو خصوص ذلك تعبدا كما سمعت سابقا في الأسئار القول بوجوب اجتناب سؤر بعض الحيوان و ان كان ذلك الحيوان طاهرا، لكن عن كشف الرموز «أن الشيخ نص في موضع من التهذيب على نجاسة كل ما لا يؤكل لحمه، و استثنى في الاستبصار ما لم يمكن التحرز منه» انتهى. و هو غريب، إلا أني لم أجد ذلك في الكشف، فلعل الناقل عنه اشتبه بكراهة الاستعمال.

و ابن حمزة في الوسيلة و ان قال في موضع منها في خصوص الوزغ نحو ما سمعته من المبسوط و النهاية أولا، بل في آخر عنه استثناؤه من طهارة ميتة غير ذي النفس، لكنه صرح في موضع آخر منها بكراهة استعمال ما باشره.

و لعله لذلك كله نفى الخلاف بيننا في السرائر عن طهارة سؤر الفأرة و السباع و سؤرها، و حكى الإجماع على طهارة ميتة غير ذي النفس، و منه الوزغ المستلزمة لها في حال الحياة بالأولى بعد ان حكى عن بعض أصحابنا في كتاب له ما ينافي ذلك كله، و كأنه أراد ابن حمزة بقرينة ما نقله من العبارة.

قلت: كأنه لم يلاحظ أو لم يعبأ بما في الغنية و عن أبي الصلاح و المقنعة في باب لباس المصلي و مكانه منها من النص على نجاسة الثعلب و الأرنب، بل في الأول الإجماع

373

عليه، كما عن القاضي من إيجاب غسل ما أصابهما و الوزغة، و عن المراسم أن الفأرة و الوزغة كالكلب و الخنزير في رش ما مساه بيبوسة، كالمقنعة مع زيادة و غسل ما مساه برطوبة، مضافا إلى ما تقدم.

لكن لا يخفى عليك ضعف الجميع بعد ظهور مستنده مما سمعت، إذ هو- مع قصور أكثره سندا، و جميعه دلالة، و اقتضاء العمل بظاهر بعضه- خلاف المجمع عليه معارض بما هو أقوى منه مما عرفت من وجوه عديدة، و احتمال ترجيحه بإجماع الغنية بعد موهونيته بمصير المتأخرين إلى خلافه بل و بعض المتقدمين مع عدم الصراحة بالنجاسة في كلام جماعة منهم لا يصغى اليه، فالمتعين حينئذ حمل الأمر فيه على الندب أو التقية في البعض، و النهي على الكراهة، و قد مر في الأسئار و بحث الميتة و غيرهما ما له نفع تام في المقام، و الله أعلم.

إلى هنا تم الجزء الخامس من كتاب جواهر الكلام و قد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه و مقابلته بالنسخة الأصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف (قدس روحه الشريف) و يتلوه الجزء السادس في بقية النجاسات عباس القوچاني