جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
51

كان عليه شهران متتابعان عينا و بين من كانا عليه تخييرا لصدق «عليه» و لو على التخيير، الا انه لا يتعين على الولي ذلك، لعدم نقصان الفرع عن أصله، و حينئذ فله التخيير الذي كان للميت، فان اختار الصيام جاز له حينئذ الصدقة عن شهر و صيام الآخر، و لو كان قد تعين على الميت الصوم لعجز عن غيره لم يتعين على الولي، بل له الخيار بينه و بين غيره، كما لو عجز عن الصوم لمرض فإنه لا يتعين على الولي الفردان الآخران، ضرورة عدم كون العجز معينا للتكليف في أصله كما هو واضح بأدنى تأمل، و الله أعلم.

[المسألة الرابعة عدم حرمة الإفطار قبل الزوال في القضاء]

المسألة الرابعة المشهور بين الأصحاب أن القاضي لشهر رمضان مع سعة الوقت لا يحرم عليه الإفطار قبل الزوال لعذر و غيره بل عن العلامة في المدنيات الأولى الإجماع عليه، للمعتبرة المستفيضة، منها

صحيح ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) «صوم النافلة لك ان تفطر ما بينك و بين الليل متى شئت، و صوم قضاء الفريضة لك ان تفطر الى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر»

و منها

صحيح جميل (2) على ما في التهذيب عنه (عليه السلام) أيضا «في الذي يقضي شهر رمضان انه بالخيار الى زوال الشمس»

و منها

موثق إسحاق بن عمار (3) عنه (عليه السلام) أيضا «الذي يقضي شهر رمضان هو بالخيار في الإفطار ما بينه و بين ان تزول الشمس، و في التطوع ما بينه و بين ان تغيب الشمس»

الى غير ذلك من النصوص التي يقصر عن معارضتها

صحيح ابن الحاج (4) المحمول على الكراهة «سألت عن الرجل يقضي رمضان إله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ قال: إذا كان نوى من الليل و كان من قضاء رمضان فلا يفطر و يتم صومه»

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 10.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 6.

52

و موثق زرارة (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل يقضي من شهر رمضان فأتى النساء قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي أصاب في شهر رمضان لأن ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان»

المقيد بها مع ارادة التشبيه فيه بأصل الكفارة و إن أيدا بعموم (2) «لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» المخصص بها أو المنزل على الصلاة أو على إرادة إبطالها بالكفر و نحوه كما هو مقتضى العموم فيه، و باقتضاء البدلية ذلك كما أومأ إليه أبو جعفر (عليه السلام) (3) و إلا لكان إتمامه مستحبا، فلا يجزي عن الواجب الذي هو كما ترى، ضرورة منع اقتضاء المعنوية منها ذلك بل المسلم اقتضاء إطلاق اللفظية المشاركة في الأحكام المتعارفة للمبدل، و أقصاها حينئذ الإطلاق الذي يقيده بعض ما عرفت فضلا عن جميعه، فما عن ابن ابى عقيل و أبي الصلاح و ابن زهرة من الحرمة واضح الضعف، و أضعف منه دعوى الأخير منهم الإجماع عليه المعارض بإجماع الفاضل الذي يشهد له التتبع.

و حينئذ فالمختار مظنة الإجماع لا دعواه، نعم يحرم عليه الإفطار بعده إجماعا محكيا في الانتصار و الخلاف و الغنية، و نصوصا قد تقدم بعضها، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه أو القطع به، لعدم المخالف فيه سوى ما عساه يظهر مما في التهذيبين من حمل

خبر عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الذي رماه بعضهم بالشذوذ «انه سئل عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان و يريد ان يقضيها متى يريد ان ينوي الصيام قال: هو بالخيار الى ان تزول الشمس

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 3.

(2) سورة محمد (صلى الله عليه و آله)- الآية 35.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 3.

(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 2- من أبواب وجوب الصوم الحديث 10 و ذيله في الباب- 29- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4.

53

فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، و ان كان نوى الإفطار فليفطر سئل فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس قال:

لا، سئل فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس قال: قد أساء و ليس عليه شيء إلا قضاء ما ذلك اليوم الذي أراد ان يقضيه»

على انه ليس عليه شيء من العقاب و ان كان عليه القضاء و الكفارة، بخلاف من أفطر في شهر رمضان فعليه العقاب و القضاء و الكفارة و ربما يؤيده

خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار قال: لا ينبغي له ان يكرهها بعد الزوال»

للتعبير بلفظ «لا ينبغي» المشعر بالكراهة، و فيه ان حمله على التقية أو على إرادة عدم وجوب أكثر من يوم في قضائه أو غير ذلك أولى، ضرورة عدم صلاحيته لمعارضة ما دل على الحرمة من الإجماع و النصوص السابقة و غيرها حتى ما دل منها على الكفارة التي من المعلوم كون الأصل فيها أن تكون عن ذنب، فلا ينافي حينئذ ثبوتها في قتل الخطأ و الصيد خطأ و نحو هما للدليل، كما ان الأصل فيها التكفير للذنب و ان جميع الكفارات من سنخ واحد بالنسبة الى ذلك، و حينئذ فإن أراد الشيخ نفي العقاب عنه قبل التكفير فلا وجه حينئذ للكفارة، و ان أراد بعدها فلا فرق بينه و بين رمضان، و خبر أبي بصير و ان كان مشعرا بذلك لكن يجب حمله على إرادة الحرمة هنا، لقوة المعارض، على انه يمكن بناؤه على جواز الإكراه للزوج و إن كان فرضها الامتناع منه على حسب طاقتها عملا لكل منهما على حكمه، إذ الوجوب عليها لا يقتضي حرمة الوطء عليه، بل لعل مثله يأتي في شهر رمضان حيث يكون الزوج مفطرا لعذر و الزوجة صائمة، و لا يفسد صومها بذلك لكونها مكرهة كالموجر في حلقه الماء، فتأمل جيدا، هذا.

و مع ذلك كله فخبر عمار مناف لما في المتن و غيره من انه تجب معه

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث- 2.

54

أي الإفطار بعد الزوال الكفارة بل في الانتصار و الخلاف و الغنية الإجماع عليه، بل لعله كذلك، إذ لم أجد فيه خلافا إلا من المحكي عن ابن أبي عقيل حيث أطلق نفيها، و مال إليه في المسالك كما ستعرف، للأصل المقطوع بالنصوص و الإجماع و لأنه زمان لا يتعين صومه كقبل الزوال، و هو اجتهاد في مقابلة النص أو قياس مع الفارق، و للخبر المزبور الشاذ القاصر عن معارضة غيره من النصوص المستفيضة التي سمعت و تسمع جملة منها، فلا وجه للجمع بينه و بينها بحمله على خصوص من جدد النية و حملها على من بيتها من الليل الذي لم نجد له شاهدا، بل هو مخالف للنص و الفتوى، كما لا وجه لحمله في المعتبر على كون الإفطار بترك النية التي لا توجب الكفارة في شهر رمضان، فكذا في قضائه الذي لا يوجبها فيه الا ما يوجبها في شهر رمضان، و كأن الذي دعاه الى ذلك انه حذف في رواية الخبر المزبور جملتي جواب و سؤال، قال: و في رواية عمار «سئل ان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس قال: لا قد أساء و ليس عليه شيء»

إلى آخرها، و قد سمعت انه ليس هكذا، فلا يتم فيه الحمل المزبور، على انه يمكن منع عدم ترتب الكفارة بذلك خصوصا في شهر رمضان، ضرورة كون المراد من الإفطار في النصوص إفساد الصوم الواجب الشامل لنحو ذلك كما أشرنا إليه سابقا.

و كيف كان ف هي عنده إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من طعام، فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام ل

خبر بريد العجلي (1) «في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان إن كان اتى أهله قبل الزوال فلا شيء عليه إلا يوم مكان يوم، و ان كان أتى أهله بعد الزوال فعليه ان يتصدق على عشرة مساكين فان لم يقدر صام يوما مكان يوم، و صام ثلاثة أيام كفارة لما صنع»

و صحيح

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث- 1.

55

هشام بن سالم (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل وقع على اهله و هو يقضي شهر رمضان فقال: ان كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شيء عليه، يصوم يوما بدل يوم، و ان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم، و أطعم عشرة مساكين، فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك»

و لا ينافيه اشتماله على نفيها قبل صلاة العصر خصوصا بعد تقييده بغيره، و احتمال ابدال الظهر بالعصر سهوا، و كونه مبنيا على اشتراك الوقت بين الظهرين، فأول وقت العصر حينئذ الزوال، و غير ذلك، كما لا ينافي اشتمال سند الاولى على الحرث بن محمد المجهول بعد الانجبار بما عرفت.

خلافا للصدوقين و ابن البراج على ما عن موضع من المختلف فكفارة رمضان و لأبي الصلاح و ابن زهرة فالاطعام أو الصيام مدعيا ثانيهما الإجماع عليه، و لابن حمزة و المحكي عن أبي الفتح الكراجكي و ابن البراج على ما عن موضع من المختلف فكفارة رمضان إن أفطر استخفافا، كما عن الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار احتماله، و إلا فالاطعام أو الصيام، و لابن إدريس فكفارة يمين، إلا انه يمكن ان يريد بها ما عند المشهور بقرينة اختياره له في موضع آخر نحو ما قال المفيد في باب الكفارات: «كان عليه كفارة يمين إطعام عشرة مساكين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعات» و قال الفاضل في المختلف: «المشهور عند علمائنا ان كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال مختارا كفارة يمين، ذهب اليه الشيخان و سلار و أبو الصلاح و ابن إدريس» و استدل له بما سمعت، بل منه يعلم رجوع ما سمعته من أبي الصلاح و ابن زهرة إلى المشهور أيضا، كما يشهد له ما عرفت من دعوى الثاني منهما الإجماع الذي لا وجه لدعواه إلا على ذلك؛ و في المحكي من النهاية «كان عليه كفارة اليمين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام».

و الظاهر ان مراده من كفارة اليمين إطعام العشرة مؤيدا ذلك كله بأنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث- 2.

56

لم نقف على ما يدل على شيء من هذه الأقوال عدا الأول منها، فإنه يدل عليه خبر زرارة (1) السابق المطعون في سنده بعلي بن فضال، و مرسل حفص بن سوقة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل فقال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان»

الفاقد شرائط الحجية، مع احتمال الأول الصوم قضاء عن رمضان من غير علم بأنه فيه مؤيد بما فيه من التعليل، و الثاني كون القضاء بمعنى الفعل و الاحتياط المقتضي للوجوب ممنوع كمنع البدلية المقتضية للمساواة، بل جواز الإفطار فيه قبل الزوال ينافيها على ان ما عدا رمضان من الأيام متساوية، فافطار بعضها له بدل مساو بخلاف رمضان، فيبعد تساويهما في العقوبة، بل المناسب انحطاط مرتبة عنه بعد الزوال كانحطاطها قبله، كما يومئ اليه استبعادهم (عليهم السلام) مساواة قضاء رمضان له حتى

قالوا (3) «و أنى له بمثله»

فلو كانت كفارته كفارته لساواه، كل ذلك مع ضعف مقاومة الخبرين المزبورين لما عرفت من وجوه، فلا ريب في ان الأقوى الأول و اما ما في المسالك- من جودة احتمال حمل الكفارة هنا على الاستحباب، لاختلاف تقديرها في الروايات و اختلاف تحديد وقت ثبوتها يعني بالزوال و العصر، و الإطلاق، و قصورها من حيث السند عن إفادة الوجوب- فهو واضح الضعف لما عرفت من النص و الإجماع على الوجوب و ليس نحو هذا الاختلاف الغالب وجود نظيره في النصوص امارة الاستحباب، كما هو ظاهر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث- 3.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يمسك عنه الصائم- الحديث- 2.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب ما يمسك عنه الصائم- الحديث- 2.

57

هذا كله في قضاء شهر رمضان، أما غيره من الواجبات المطلقة فقد يشعر ما في المتن و غيره بجواز الإفطار فيها قبل الزوال و بعده، كما صرح به جماعة منهم الفاضل و الشهيد الثاني و غيرهما، للأصل السالم عن المعارض، نعم لو تعين لم يجز الخروج عنه مطلقا قبل الزوال و بعده قضاء رمضان كان أم غيره إلا انه لا كفارة، للأصل السالم عن المعارض، خلافا للمحكي عن بعضهم، فحرم قطع كل واجب معين أو غيره، و لعله الظاهر من المحكي عن أبي الصلاح و ابن زهرة حيث ذكرا في النذر الغير المعين ان كل من أفطر كان مأثوما، و اختاره بعض متأخري المتأخرين عملا بعموم النهي عن إبطال العمل، خرج منه قضاء رمضان بالنص و بقي الباقي، لكنك لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما قدمناه هنا و في باب الصلاة من عدم صلاحية الآية لإثبات ذلك، فلا ريب حينئذ في ضعفه، كضعف المحكي عن علي بن بابويه من مساواة قضاء النذر لقضاء رمضان في الحرمة بعد الزوال و الكفارة، و ان كان قد يشهد للحرمة صحيح ابن سنان (1) السابق و خبر سماعة بن مهران (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الصائم بالخيار الى زوال الشمس قال: ان ذلك في الفريضة، فاما النافلة فله ان يفطر أي ساعة شاء الى غروب الشمس»

إلا انه يمكن دعوى انصراف الفريضة فيهما في عرف الحديث الى الواجب بالأصالة، فلا يشمل المنذور، على ان المراد من خبر سماعة إخراج النافلة، ثم انه لا دلالة فيهما على الكفارة، و الاستدلال لهما بأن الموجب لهما كونه قد أبطل عبادة فعل أكثرها، و هو متحقق هنا، و باقتضاء البدلية عن المنذور و ذلك لا ينطبق على أصول الإمامية.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم- الحديث 8.

58

ثم انه لا يجب عليه المضي في الصوم مع إفساده بعد الزوال كما يعطيه المحكي عن تحرير ابن فهد، بل لعله ظاهر غيره للأصل السالم عن المعارض، و قوله (عليه السلام) في صحيح هشام (1) «صام ذلك اليوم»

يراد منه صوم يوم بدل ذلك اليوم بقرينة ما تقدم، و عدم صدق الصوم حقيقة على هذا الإمساك، على انه ان حمل عليه خلا الخبر عن التعرض للقضاء، و خبر زرارة قد عرفت ندرته و شذوذه، على انه لا يقتضي المساواة في جميع الاحكام التي منها الإمساك تعبدا بناء على وجوبه في شهر رمضان الذي ورد انه لا يساويه غيره أبدا، و من الغريب التمسك بالاستصحاب مع ان حقيقة هذا الإمساك مباينة لحقيقة الصوم شرعا فما في الروضة و محكي الدروس من الوجوب و اضح الضعف، و على تقديره فالظاهر عدم وجوب تكرار الكفارة بتكرر السبب، للأصل السالم عن المعارض أيضا و ان قلنا به في شهر رمضان مطلقا أو مع تخلل التكفير، أو اختلاف الجنس أو الجماع خاصة بعد حرمة القياس عندنا و معلومية الفرق بين شهر رمضان و غيره في عظم الحرمة و غيرها، و قد عرفت ندرة الخبر المزبور و شذوذه و قصوره عن المساواة في ذلك و نحوه، فما في الروضة أيضا من تكررها به كالأصل واضح الضعف أيضا، و الله أعلم.

[المسألة الخامسة إذا نسي غسل الجنابة و مر عليه أيام أو الشهر كله]

المسألة الخامسة إذا نسي غسل الجنابة و مر عليه أيام أو الشهر كله قيل و القائل الأكثر يقضي الصلاة و الصوم ل

صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان قال: عليه ان يقضي الصلاة و الصيام»

و خبره الآخر (3) الذي هو بهذا المضمون أيضا، و خبر إبراهيم بن ميمون (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يجنب

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

59

بالليل في شهر رمضان ثم ينوي أن يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان قال: يقضي الصلاة و الصيام»

بل و مرسل الصدوق (1) «ان من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان ان عليه ان يغتسل و يقضي صلاته و صومه إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فإنه يقضي صلاته و صومه الى ذلك اليوم، و لا يقضي ما بعد ذلك»

فان ما فيه من الاستثناء لا ينافي الاستدلال به على المطلوب، كما هو واضح، نعم هي أخبار آحاد يتجه طرحها عند من لم يعمل بها.

و لذلك قيل و القائل ابن إدريس يقضي الصلاة حسب لعدم ثبوت اشتراط الصوم بالطهارة من الأكبر إلا مع العلم، و من ثم لو نام جنبا أولا فأصبح صح صومه و ان تعمد ترك الغسل طول النهار، فههنا أولى، لكن وافقه عليه هنا من لم يوافقه على الأصل المزبور كالمصنف هنا و النافع حيث قال:

و هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده، بل لعله ظاهر الفاضل في المحكي عن التلخيص، حيث نسب الأولى الى القيل، و في اللمعة الاقتصار على نسبته إلى الأشهر، و لعله لرفع الخطأ و النسيان بناء على ان القضاء من المؤاخذة المرفوعة باعتبار كونها أقرب المجازات بعد نفي الحمل على الحقيقة، و لان الظاهر من إطلاق الفاضل في القواعد و الشهيد في الدروس و اللمعة عدم الفرق عندهم في هذا الحكم بين اليوم و الأيام و جميع الشهر، و اقتصار النصوص المزبورة على الأيام و جميع الشهر تنبيها على الفرد الأخفى، و هو مناف لما ذكر سابقا من عدم قضاء ما نام الجنب فيه حتى أصبح و ان تعمد ترك الغسل طول النهار، فكيف يقضي مع النسيان.

و من هنا قال في المدارك: «ينبغي تقييد ذلك بما إذا عرض النسيان في

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

60

الليلة الأولى و انتبه قبل طلوع الفجر على وجه يمكنه الاغتسال لو كان ذاكرا و أصبح في النومة الثانية، أما إذا حصل بعد طلوع الفجر من اليوم الأول و كان قد أصبح في النومة الأولى فينبغي القطع بسقوط قضاء ذلك اليوم، للأخبار (1) الصحيحة المتضمنة لأن الجنب إذا أصبح في النومة الاولى فلا قضاء عليه، أما ما عدا اليوم الأول فلا ريب في وجوب قضائه عملا بالنص الصحيح (2) السالم عن المعارض» و قد أخذ ذلك من جده في المسالك فإنه بعد ان ذكر الاشكال المزبور قال: «و أجيب بحمل ما هنا على الناسي ليلا بعد الانتباه أو على ما عدا اليوم الأول على تقدير النسيان بعد فوات محل الغسل جمعا بين النصوص- ثم قال-:

و لعل مخالفة المصنف في الحكم هنا لأجل ذلك حيث لم يجد قائلا بالتفصيل، و لم يمكن القول بالقضاء مطلقا، لمنافاته ما مر» و في الروضة بعد أن ذكر الاشكال المزبور قال: و ربما جمع بينهما بحمل هذا على الناسي، و تخصيص ذلك بالنائم عالما عازما فضعف حكمه بالعزم أو بحمله على ما عدا اليوم الأول، و لكن لا يدفع إطلاقهم و انما هو جمع بحكم آخر، و الأول أوفق، بل لا تخصيص لأحد النصين لتصريح ذلك بالنوم عامدا عازما و هذا بالناسي، و يمكن الجمع أيضا بأن مضمون هذه الرواية نسيانه الغسل حتى خرج الشهر، فيفرق بين اليوم و الجميع عملا بمنطوقهما إلا انه يشكل بأن قضاء الجميع يستلزم قضاء الأبعاض، لاشتراكهما في المعنى إن لم يكن أولى، و نسب المصنف القول إلى الشهرة دون القوة و ما في معناها إيذانا بذلك، فقد رده ابن إدريس و المحقق لهذا أو لغيره، إلا ان الجميع كما ترى خصوصا ما سمعته من ابن إدريس المبنى على أصل فاسد قد فرغنا منه في الأصول.

و أضعف منه الاستدلال بحديث الرفع الذي هو إما مقيد بما هنا أو غير

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

61

شامل، لمنع كون القضاء مؤاخذة، بل هو تكليف جديد بعبادة، بل أضعف من ذلك دعوى انحصار القضاء في تعمد البقاء، و قد عرفت وجوبه بالنوم بعد الانتباه و لو مع العزم على الغسل قبل الفجر، و هو ليس من التعمد قطعا، بل لا يخفى عليك ان جملة من الكلمات السابقة كونها اجتهاد في مقابلة النص، و دعوى المنافاة لما دل على عدم قضاء ما نام الجنب فيه حتى أصبح يدفعها ظهور تلك النصوص كما لا يخفى على من لاحظها متدبرا لها في كون العذر النوم خاصة، فلا تشمل ما لو نسي و نام الذي يشبه العامد على البقاء على حالته التي هي جنابة في الواقع، ضرورة انه بعد أن نسي جنابته نام عازما على البقاء على ما هو عليه بزعمه المخالف للواقع، فلا تشمله تلك النصوص الظاهرة في أن المانع من الغسل غلبة النوم دون غيره، فمن أجنب ليلا و نسي ثم نام حتى أصبح وجب عليه القضاء للنصوص الصحيحة و لا يحتاج الى الانتباه قبل طلوع الفجر على وجه يمكنه الاغتسال، نعم لو نام متذكرا فأصبح في نومته و لما أصبح نسي الغسل لم يكن عليه القضاء ذلك اليوم قطعا و النصوص لا تشمله، ضرورة ظهورها في نسيانه في وقت الخطاب به لو كان ذاكرا، بخلاف الفرض الذي لو فرض كونه ذاكرا فيه لم يشترط في صحة صوم ذلك اليوم، كما هو واضح، و دعوى عدم تعلق الفرق بين كون العذر في عدم الغسل النوم و بين كونه النسيان واضحة الفساد، بل هي اجتهاد في مقابلة النص، و لا حاجة الى إبداء الفرق بينهما بالعزم على الغسل في الأولى، فضعف حينئذ حكم الجنابة فلم يكن عليه قضاء، بخلافه في النسيان كي يرد عليه بأن العزم قد يتقدم على النسيان الذي فرض انه كالنوم.

كما انه لا حاجة بعد ما عرفت الى الجمع بين النصين بالفرق بين اليوم و الأيام فيخص ما هنا بالأيام كما هو منطوق نصوصه، و الأول باليوم، مع انه قد يرد عليه ان عذرية النوم قد تكون في أيام أيضا فيما لو أجنب في الليل و نام عازما على

62

الغسل فأصبح و ترك ثم جاء الليلة الثانية و نام عازما على الغسل فأصبح و هكذا و دعوى انه يندرج في الليلة الثانية تحت ذي الانتباهتين الذي قد تقدم الكلام فيه سابقا و قلنا انه يجب بها القضاء و في الثالثة تحت ذي الثلاثة التي تجب بها الكفارة يمكن دفعها بظهور تلك النصوص في ذي الانتباهتين في ليلة واحدة و كذا الثلاثة، و أشكله أيضا في الروضة بأن قضاء الجميع يستلزم قضاء الأبعاض لاشتراكهما في المعنى ان لم يكن أولى، و إن كان فيه ما فيه.

بل لا حاجة أيضا الى ما أطنب به الشهيد في المحكي من شرحه في دفع الاشكال المزبور، قال: «و يمكن حله بأن النائم ليس بناس، و قد أبيح له فعل النوم أول مرة إرفاقا، و ليس النوم مظنة التذكر، و اباحته تستلزم اباحة ما يترتب عليه، بخلاف النائم ثانيا، فإنه قد تخلله التذكر، فترك الغسل عقيبه و الاشتغال بالنوم تفريط محض، أما الناسي فإنه مع يقظته في مظنة التذكر، و عدم تذكره مع طول الزمان لا يكون إلا لتفريطه، فافترقا- قال- فان قلت: ما تقول: لو نام أولا ثم انتبه و نسي النسيان المذكور أ يجب عليه قضاء مع إطلاق الأصحاب ان لا قضاء عليه قلت: ان كان انتباهه ليلا و استمر نسيانه فالأجود وجوب القضاء لعين ما ذكرناه و ان لم ينتبه حتى فات وقت الغسل و استمر نسيانه عذر في ذلك اليوم، و إطلاق الأصحاب محمول عليه، و إطلاق الرواية في قضاء الصوم من غير استثناء اليوم الأول محمول على الذاكر ليلا إما عقيب نومته أو لا عقيبها مع طول زمان التذكر ثم ينسى، فان قلت: يلزمك فيما لو انتبه جنبا و طال الزمان عليه مستيقظا ثم نام فأصبح انه يجب عليه القضاء، قلت، ليس ببعيد، و إطلاق الأصحاب يراد به المعتاد من النوم عقيب الانتباه الذي هو في موضع الضرورة، و لو منع القضاء فالفرق عدم صدق النسيان هنا، و التفريط انما هو بالنسيان في مظنة التذكر أو بالنسيان بعد التذكر، و كلاهما منفيان» إذ لا يخفى عليك ان جميع ذلك تكلف لا حاجة

63

اليه، و كفى بالنصوص المعتبرة دليلا للحكم، و لا معارض لها بعد تنزيل تلك النصوص على ما سمعت.

و الظاهر انه لا فرق في نسيان الجنابة بين وقوعها في شهر رمضان و بين وقوعها سابقا عليه فنسيها فيه أو قبله و استمر نسيانه، كما انه لا فرق على الظاهر بين غسل الجنابة و غسل الحيض و النفاس في الحكم المزبور بناء على أنهما شرط في صحة الصوم، إذ الظاهر اتحاد الجميع في كيفية الشرطية، بل قيل إنهما أقوى لأنه لم يرد فيهما ما ورد فيه مما يوهم أن الشرط انما هو تعمد البقاء، و كذا في حكم صوم رمضان النذر المعين و قضاؤه و غيرهما، لعدم الفرق على الظاهر في أقسام الصوم في الاشتراط بالطهارة، و الله أعلم.

[المسألة السادسة إذا أصبح يوم الثلاثين من شهر رمضان صائما]

المسألة السادسة إذا أصبح يوم الثلاثين من شهر رمضان صائما و ثبتت الرؤية في الماضية قبل الزوال أفطر و صلى العيد بلا إشكال، لبقاء الوقت و إن كان بعد الزوال أفطر فقد فاتت الصلاة و لا قضاء عليه على الأصح و المشهور كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الصلاة، و الله أعلم.

[القول في صوم الكفارات]

و أما القول في صوم الكفارات فتمام البحث فيه في أبوابها و لكن لما كان الغرض هنا استيفاء أقسام الصوم ناسب التعرض له إجمالا، فنقول:

هو اثنى عشر قسما و عن بعض النسخ ثلاثة عشر قسما، و لعله الأصح، لأنه المنطبق على ما ذكره

[و ينقسم أربعة أقسام]

و ينقسم أربعة أقسام.

[القسم الأول ما يجب فيه الصوم مع غيره]

الأول ما يجب فيه الصوم مع غيره، و هو صوم كفارة قتل العمد فان خصالها الثلاث تجب جميعا بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص المستفيضة، منها

صحيحة ابني سنان و بكير (1) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب القصاص في النفس- الحديث- 1 من كتاب القصاص.

64

أبي عبد الله (عليه السلام) «قال: سئل المؤمن يقتل المؤمن متعمدا إله توبة؟ فقال إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، و إن كان قتله لغضب أو سبب من أمر الدنيا فان توبته ان يقاد منه، و إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم، فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستين مسكينا»

و ألحق بذلك من أفطر على محرم في شهر رمضان عامدا على رواية (1) قد تقدم الكلام فيها مفصلا.

[القسم الثاني ما يجب الصوم فيه بعد العجز عن غيره]

الثاني ما يجب الصوم فيه بعد العجز عن غيره، و هو ستة

[أحدها صوم كفارة قتل الخطأ]

أحدها صوم كفارة قتل الخطأ بلا خلاف معتد به للآية (2) التي في معناها أخبار كثيرة (3) قد عمل بها الأصحاب إلا من شذ ممن هو محجوج بذلك كالمحكي عن ظاهر المفد و سلار من أنها مخيرة

[ثانيها كفارة الظهار]

و ثانيها كفارة الظهار التي نص على ترتيبها الكتاب العزيز، قال الله عز و جل (4) «وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ- الى ان قال- فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً»

[ثالثها كفارة الإفطار في قضاء شهر رمضان بعد الزوال]

و ثالثها كفارة الإفطار في قضاء شهر رمضان بعد الزوال الذي قد عرفت البحث فيها آنفا

[رابعها صوم الكفارة في اليمين]

و رابعها صوم ال كفارة في اليمين المعلقة في الكتاب العزيز (5) فضلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب ما يمسك عنه الصائم- الحديث 1.

(2) سورة النساء- الآية- 94.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1 و الباب- 10- من أبواب الكفارات- الحديث 1 من كتاب الإيلاء و الكفارات و الباب- 10- من أبواب القصاص في النفس- الحديث 3.

(4) سورة المجادلة- الآية- 4.

(5) سورة المائدة- الآية 91.

65

عن السنة (1) و الإجماع على عدم الوجدان

[خامسها الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامدا]

و خامسها الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامدا فان الواجب فيها صيام الثمانية عشر يوما بعد العجز عن البدنة،

قال ضريس (2) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عمن أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس قال: عليه بدنة تنحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما»

و يأتي إنشاء الله تمام البحث فيها في الحج

[سادسها الصوم في كفارة جزاء الصيد]

و سادسها الصوم في كفارة جزاء الصيد الذي هو النعامة و البقرة الوحشية و الظبي و ما ألحق بها، لكن في المتن هنا فيه تردد من لفظ «أو» في الآية (3) و من دلالة أكثر الاخبار (4) على الترتيب، ثم قال: «و تنزيلها على الترتيب أظهر و يأتي إنشاء الله تحقيق الحال فيها و ألحق بهذه الكفارة المرتبة كفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده، و كفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى أدمته و نتفها شعر رأسها فيه أيضا ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر سدير (5) «و إذا شق زوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته كفارة حنث يمين، و لا صلاة لهما حتى

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الكفارات من كتاب الإيلاء و الكفارات.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة- الحديث 3 من كتاب الحج.

(3) سورة المائدة- الآية- 96.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب كفارات الصيد و توابعها من كتاب الحج.

(5) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الكفارات- الحديث- 1 من كتاب الإيلاء و الكفارات و هو خبر خالد بن سدير و هو الصحيح كما نقله (قده) في الجواهر كذلك في أحكام الأموات ج 4 ص 368.

66

يكفرا و يتوبا من ذلك، و إذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، و في خدش الوجه إذا أدمت و في النتف كفارة حنث يمين»

الا انه لضعف الرواية بخالد حتى قيل ان كتابه موضوع حملت على الاستحباب، كما هو المحكي عن ابن إدريس و اختاره غيره، و من هنا جعلها المصنف إلحاقا، و يأتي ان شاء الله تحقيق الحال فيها.

[القسم الثالث ما يكون الصائم مخيرا فيه بينه و بين غيره]

القسم الثالث ما يكون الصائم مخيرا فيه بينه و بين غيره، و هو خمسة:

كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان عامدا على الأصح كما تقدم البحث فيه سابقا و كفارة خلف النذر بناء على كونها مثل كفارة شهر رمضان و اما كفارة العهد ففي المدارك المشهور أنها مخيرة أيضا، و قيل انها مرتبة، و قيل انها كفارة يمين، و يأتي تحقيق الحال إن شاء الله و كذا كفارة الاعتكاف الواجب التي هي مثل كفارة شهر رمضان عند الأكثر على ما قيل لخبر سماعة (1) و قيل انها كفارة ظهار، فتكون مرتبة حينئذ لصحيح زرارة (2) و أبي ولاد الخياط (3) و يأتي تحقيق الحال فيها ان شاء الله و كفارة حلق الرأس في حال الإحرام التي نص عليها في الكتاب العزيز بقوله تعالى (4):

«وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» و ألحق بهذه الكفارة المخيرة كفارة جز المرأة شعر رأسها في المصاب للخبر المزبور (5) و ربما قيل إنها

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الاعتكاف- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الاعتكاف- الحديث 6.

(4) سورة البقرة- الآية 192.

(5) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الكفارات- الحديث- 1 من كتاب الإيلاء و الكفارات.

67

مرتبة، و في المدارك الأصح أنها تأثم و لا كفارة، استضعافا للرواية و تمسكا بالأصل، و يأتي تحقيق الحال في ذلك.

[القسم الرابع ما يجب مرتبا على غيره مخيرا بينه و بين غيره]

القسم الرابع ما يجب مرتبا على غيره مخيرا بينه و بين غيره، و هو كفارة الواطئ أمته المحرمة بإذنه لأنها كما ستعرف ان شاء الله بدنة أو بقرة أو شاة فإن عجز عن الأولين فشاة أو صيام ثلاثة أيام، فالصيام فيها مرتب على غيره و هو البدنة و البقرة مخيرا بينه و بين غيره، و هو الشاة كما ستعرفه ان شاء الله في محله

[كل الصوم الواجب يلزم فيه التتابع إلا أربعة]

و كيف كان ف كل الصوم الواجب يلزم فيه التتابع إلا أربعة لأن ما عداها فالتتابع فيه اما لازم لتعيين الزمان كشهر رمضان، أو منصوص عليه في الكتاب و السنة، أو في السنة خاصة، نعم في المدارك «انه يمكن المناقشة في وجوب المتابعة في صيام كفارة قضاء رمضان، و حلق الرأس، و صوم الثمانية عشر في بدل البدنة و بدل الشهرين عند العجز عنهما، لإطلاق الأمر بالصوم فيها، فيحصل الامتثال مع التتابع و بدونه» قلت: يمكن دعوى انصراف التتابع من الإطلاق المزبور و لو بقرينة الفتوى به، و كونه كفارة و الغالب فيها التتابع، خصوصا بملاحظة ما ورد (1) من تعليل التتابع في الشهرين منها بأنه كي لا يهون عليه الأداء فيستخف به، لأنه إذا قضاها متفرقا هان و استخف بالأيمان، مضافا الى ما عرفت من ان الصوم في كفارة قضاء رمضان كالصوم في كفارة اليمين، و لذا نص المفيد و الفاضل على انها كفارة يمين مع التصريح بأن خصالها الإطعام أو الصيام دون الكسوة و التحرير، و أما الحلق ففي ظاهر الغنية أو صريحها الإجماع على وجوب التتابع في صومه، و أما صوم الثمانية عشر بدل الشهرين فالظاهر ان المراد الاقتصار على هذا القدر منهما إرفاقا بالمكلف، فتكون حينئذ متتابعة، مضافا الى ما أرسله المفيد في المقنعة بعد تصريحه بالتتابع و غيره إلى مجيء الآثار عنهم (عليهم السلام) بذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1.

68

بل الظاهر انها هي المجزية في بدل البدنة لمن أفاض من عرفات، و ان كان ظاهر الدروس أو صريحها عدم وجوب التتابع فيه، و ربما يأتي لذلك كله تتمة في محله ان شاء الله، و حينئذ بان أن الكلية المزبورة في محلها في المعظم أو الجميع و لا ينافيها الحصر الإضافي في خبر الجعفري (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) «انما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار و القتل و اليمين»

إذ من المعلوم كون المراد منه بقرينة السؤال بالنسبة إلى قضاء شهر رمضان، كمعلومية أن المراد من

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان (2) «كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين»

عدم التفرقة و لو على بعض الوجوه الآتية أو غير ذلك.

و على كل حال فالكلية المزبورة تامة في الجميع أو المعظم،

انما الكلام في الأربعة المستثنيات،

[الأول صوم النذر المجرد عن التتابع]

الأول صوم النذر المجرد عن التتابع أو ما يستلزمه و ما في معناه من يمين أو عهد حيث لا يضيق وقته بظن الوفاة أو ظن طرو العذر المانع من الصوم أو العلم، و منه ضيق الوقت، و المشهور كما قيل جواز تفريقه للأصل خلافا للمحكي عن أبي الصلاح فيمن نذر صوم شهر و أطلق، فإن ابتدأ بشهر لزمه إكماله، و لابن زهرة و ان لم يشترط الموالاة يعنى من نذر صوم شهر فأفطر مضطرا بنى، و ان كان مختارا في النصف استأنف، و ان كان في النصف الثاني اثم و جاز له البناء، و نحوه المحكي عن ابن البراج، بل و المفيد إلا انه لم يصرح بعدم اشتراط الموالاة فربما يحتمل حمله على ما إذا نذر شهرا متتابعا و كيف كان فحجتهم على ذلك بعد انسياق الاتصال خبرا موسى بن بكير (3) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1 و هو على ما في سند الشيخ (قدس الله سره) موسى بن بكر كما في التهذيب ج 4 ص 285 الرقم 863 و 864.

69

ابى عبد الله (عليه السلام) و الفضيل بن يسار (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) الآتيين لكن قيل إنهما- مع ضعفهما، و احتمال حملهما على شرط التتابع و لو بقرينة أن سائل لا يسأل إلا عن ذلك- انما يدلان على اشتراط قيام النصف و إن كان مضطرا، و لم يقولا به، هذا.

و الانصاف انه يمكن دعوى انصراف الاتصال في جميع من علق نذره على ما ينساق الى الذهن من اللفظ و لم يلحظ المطلق الصادق على المتتابع و غيره كما ذكروه في ثلاثة: الحيض و الاعتكاف و عشرة الإقامة، بل لعله المدرك لهم في اعتبار التتابع في جملة من الكفارات التي ذكروا وجوبه فيها مع عدم دليل غير الإطلاق المزبور، كما في كفارة قضاء شهر رمضان و الثمانية عشر يوما للمفيض و كفارة الحلق و نحو ذلك، فان لم يقم إجماع كان القول به متجها، بل يمكن حمل ما هنا من كلام الأصحاب على مالا ينافيه من نذر مطلق الصوم، أو الصوم المطلق الذي هو لا فرق في صدق الثلاثة أو الشهر على المتتابع منه و عدمه و ان كان المنساق منها الأول، إلا انه لا مانع من كون المقصود المنذور من حيث الصدق دون الانسياق فتأمل جيدا.

[الثاني صوم القضاء]

و الثاني صوم القضاء أي قضاء الصوم الواجب و لو نذرا معينا للأصل السالم عن المعارض بعد أن كان القضاء بأمر جديد خلافا لأبي الصلاح في قضاء شهر رمضان و قد عرفت ضعفه، و الشهيد في الدروس فاستقرب وجوب التتابع في قضاء ما اشترط فيه ذلك، كنذر ثلاثة أيام متتابعة في رجل مثلا، و تردد فيه العلامة في القواعد من ذلك، و من ان القضاء هو الأداء، و انما يتغايران في الوقت، و هو واضح الضعف، و أضعف منه دعوى ان التتابع منذور، فكما يجب تحصيل الصوم يجب تحصيل تتابعه، إذ المنذور إذا فات وقته انحل، و لو لم يكن دليل على القضاء لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1.

70

يجب، و لا دليل على تتابعه، و دعوى ان دليل القضاء و هو «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»

يدل عليه، لكون الفائت متتابعا، يدفعها ظهور كون المراد من التشبيه غير ذلك من الكيفيات التي وضعها الشارع كالقصر و الإتمام و الجهر و الإخفات لا ما يشمل مثل ذلك الذي هو كنذر المكان و الأحوال و نحوها مما هو معلوم عدم الالتزام بمراعاتها في القضاء، و الله أعلم.

[ثالثها صوم جزاء الصيد]

و ثالثها صوم جزاء الصيد و لو كان نعامة، لعدم الدليل سوى ما عرفته من انصراف الاتصال من الإطلاق، خلافا للمفيد و المرتضى و سلار فاوجبوه في جزأيها، بل في المختلف المشهوران فيه شهرين متتابعين، و يأتين تحقيق الحال فيه ان شاء الله.

[الرابع صوم السبعة في بدل الهدي]

و الرابع صوم السبعة في بدل الهدي للإطلاق، و خبر إسحاق بن عمار (1) «قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): اني قدمت الكوفة و لم أصم السبعة الأيام حتى فرغت في حاجة الى بغداد قال: صمها ببغداد قلت: أفرقها قال: نعم»

خلافا لابن أبي عقيل و ابن زهرة و أبي الصلاح فاوجبوه فيها كالثلاثة ل

حسن علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) كما عن المختلف و المنتهى و الصحيح كما عن حج المنتهى و التذكرة قال: «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج و السبعة أ يصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال: يصوم الثلاثة و لا يفرق بينها و السبعة و لا يفرق بينها و لا يجمع السبعة و الثلاثة جميعا»

و خبر الحسين بن يزيد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الذبح- الحديث 1 من أبواب كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الذبح- الحديث 2 من أبواب كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 2 عن الحسين بن زيد.

71

«السبعة الأيام و الثلاثة الأيام في الحج لا تفرق، انما هي بمنزلة الثلاثة الأيام في اليمين»

إلا أنهما- مع ما في سندهما حتى الأول منهما الذي فيه محمد بن أحمد العلوي و لم ينص على توثيقه في كتب الرجال على ما قيل، و ندرة العامل بهما- يمكن ان يكون المراد بهما تجويز المتابعة لا وجوبها الذي من المحتمل كون السؤال عنه و الله أعلم.

[في حكم ما يشترط فيه التتابع]

و كيف كان ف كل ما يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لعذر كحيض و مرض و نحوهما بنى عند زواله لقاعدة أولوية الله عز و جل بالعذر فيما هو يغلب عليه التي قالوا (عليهم السلام) انه ينفتح منها ألف باب، بل أشير إليها في نصوص المقام،

قال رفاعة (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا و مرض، قال: يبني عليه، الله حبسه، قلت امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت و أفطرت أيام حيضها قال: تقضيها قلت: فإنها قضتها ثم يئست من الحيض قال: لا تعيدها أجزأها ذلك»

و نحوه صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام)، و من المعلوم ان المراد بالقضاء البناء بقرينة السؤال الثاني، و قال سليمان بن خالد (3): «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان عليه صيام شهرين من متتابعين فصام خمسة و عشرين يوما ثم مرض فإذا بريء يبني على صومه أم يعيد صومه كله فقال: بل يبني على ما كان صام، ثم قال:

هذا مما غلب الله عز و جل عليه و ليس على ما غلب الله عز و جل عليه شيء»

فما في صحيح جميل و محمد بن حمران (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل الحر يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهرا ثم يمرض قال: يستقبل فان زاد على الشهر الآخر يوما أو يومين بنى على بما بقي»

و خبر أبي بصير (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قطع صوم كفارة اليمين و كفارة الظهار

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 12.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 6.

72

و كفارة الدم فقال: ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشهر الأول كان عليه ان يعيد الصيام، و ان صام الشهر الأول و صام من الشهر الثاني شيئا ثم عرض له ما فيه العذر فإنما عليه ان يقضي»

يجب حمله على الاستحباب أو على كون المرض غير مانع من الصوم، أو على التقية من المحكي عن الشافعي في أحد قوليه من الفرق بين المرض و الحيض، فخص العذر بالثاني دون الأول، أو على عدم المبادرة بعد ارتفاع المانع، أو غير ذلك، ضرورة قصور هما عن معارضة تلك النصوص المعمول بها بين الأصحاب قديما و حديثا، بل لا أجد فيه خلافا بالنسبة إلى الشهرين، بل في شرح الأصبهاني انه مما اتفقت عليه كلمة الأصحاب فيهما و في الشهر، و لعله كذلك إلا ان الشيخ في النهاية بعد ان ذكر هذا الحكم في الشهرين المتتابعين قال: «و من نذر ان يصوم شهرا متتابعا فصام خمسة عشر يوما و عرض له ما يفطر فيه وجب عليه صيام ما بقي من الشهر، و إن كان صومه أقل من خمسة عشر يوما كان عليه الاستئناف» و ظاهره ذلك مع العذر و لعله ل

خبر موسى بن بكير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر فقال: ان كان صام خمسة عشر يوما فله ان يقضي ما بقي، و ان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز حتى يصوم شهرا تاما»

و خبر الفضيل بن يسار (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل جعل على نفسه صوم شهر فصام خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر فقال: جاز له ان يقضي ما بقي عليه، و ان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصوم شهرا

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1 و هو عن موسى بن بكر كما تقدم الإشارة إليه.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1.

73

تاما»

و لانه بدون المتابعة خارج عما تعلق به النذر، فلا يجزي و ان لم يكن عليه اثم للعذر، إلا أنهما- مع ضعفهما، و عدم الجابر لهما بالنسبة الى ذلك، و احتمالهما الأمر الذي لا يؤدي الى الاضطرار، و يكون مما غلب الله عليه- قاصران عن معارضة ما عرفت من النصوص السابقة من وجوه، مضافا الى

خبر علي بن أحمد بن أشيم (1) «كتب الحسين الى الرضا (عليه السلام) جعلت فداك رجل نذر أن يصوم أياما معلومة فصام بعضها ثم اعتل فأفطر أ يبتدئ في صومه أم يحتسب مما مضى، فكتب اليه يحتسب بما مضى»

و دعوى الخروج بذلك مما تعلق به النذر فلا يجزي كأنها اجتهاد في مقابلة النص و الفتوى، مع ما قيل من انها مبنية على كون صوم الشهر عبادة واحدة منذورة و هو ممنوع، بل الظاهر ان صوم كل يوم عبادة فصوم الشهر ثلاثون عبادة منذورة و التتابع منذور آخر، فإذا صام منها شيئا فقد اتى ببعض المنذورات و قد برأت ذمته مما فعله و لا دليل على فعله مرة أخرى و المتابعة سقطت عنه للضرورة، و ان كان لا يخلو من نظر.

و على كل حال فمن ذلك كله يعلم أن ما في المدارك- من قصر الحكم على الشهرين خاصة، لعدم الدليل على غيرهما، فيبقى المكلف تحت العهدة الى ان يتحقق الامتثال بالإتيان بالمأمور به على وجهه الذي هو المتابعة- في غير محله، ضرورة ان ذلك لا يصلح معارضا للمستفاد من النصوص المزبورة من القاعدة المذكورة نعم صرح الشهيد في الدروس و اللمعة بأن كل ثلاثة يجب تتابعها تستأنف بالإخلال به سواء كان لعذر أو لغيره إلا ثلاثة دم المتعة في خصوص الفصل بيوم النحر و أيام التشريق، و لعله ظاهر يحيى بن سعيد من غير استثناء، و في القواعد «من أخل بالمتابعة في كفارة اليمين أو قضاء رمضان أو الاعتكاف أعاد مطلقا» و نحوه في المسالك و محكي الاقتصاد و المبسوط لقاعدة عدم الإتيان بالمأمور به على

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 2.

74

وجهه، و قول الصادق (عليه السلام) (1): «كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين»

و قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر الجعفري (2): «إنما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار و كفارة الدم و كفارة اليمين»

و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): «صيام كفارة اليمين في الظهار شهران متتابعان، و التتابع ان يصوم شهرا و يصوم من الآخر أياما أو شيئا منه فان عرض له شيء يفطر منه أفطر ثم قضى ما بقي عليه، و ان صام شهرا ثم عرض له شيء فأفطر قبل ان يصوم من الآخر شيئا فلم يتابع فليعد الصيام، و قال: صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات و لا يفصل بينهن»

لكن الأخير انما يدل و لو بقرينة السياق على الفرق بين كفارة اليمين في الظهار و اليمين في غيره بالنسبة إلى تجاوز النصف و عدمه، لا على حكم الفصل للعذر، كما ان الحصر في سابقه إضافي بالنسبة إلى قضاء شهر رمضان، ضرورة عدم حصر ذلك في هذه الثلاثة كضرورة تحقق التفرقة في الأولين للعذر الذي يغلب الله عليه، أو ان المراد هذه و ما ماثلها، و المراد بالتفريق المنفي في كفارة اليمين الاختياري بتجاوز النصف لا ما كان للعذر، ترجيحا للمستفاد من النصوص السابقة على ذلك، خصوصا بملاحظة إطلاق معقد إجماع الانتصار و خصوص إجماع الغنية قال في الأول: «و مما يظن انفراد الإمامية به القول بأن من أفطر لمرض في صوم التتابع بنى على ما تقدم و لم يلزمه الاستيناف- ثم قال- دليلنا الإجماع المتردد و أيضا فإن المرض عذر ظاهر لسقوط الفروض، و قد علمنا انه لو أفطر بغير عذر للزمه الاستئناف و لم يجز له البناء فلا يجوز ان

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 3.

(3) ذكر صدره في الوسائل- في الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 9 و ذيله في الباب- 10- منها- الحديث 4 مع الاختلاف في صدره.

75

يكون مثل ذلك حكمه مع العذر، لأن المعذور لا بد أن يخالف حكمه حكم من لا عذر له» و قال في الثاني: «و يجب التتابع في كل ذلك يعني صوم كفارة الحلق و كفارة اليمين، فمن فرق مختارا استأنف، و من فرق مضطرا بنى بدليل ما قدمناه أي الإجماع و الاحتياط» و نص ابن حمزة على البناء مع العذر على ثلاثة دم المتعة و غيرها، و أصرح منه الحلبي في الإشارة، كما انه نص عليه في السرائر في ثلاثة اليمين، كل ذلك مضافا الى إطلاق المصنف في كتبه و الفاضل فيما عدا القواعد.

و من ذلك يعلم ان المشهور البناء مع العذر مطلقا، فلا بأس حينئذ بترجيح المستفاد من النصوص المزبورة من القاعدة التي ينفتح منها ألف باب على ما يظهر منه خلاف ذلك، من غير فرق بين الثلاثة و غيرها حتى ثلاثة الاعتكاف، اللهم إلا ان يقال بأن فيه جهة أخرى غير تتابع الصوم، و هي التتابع من حيث الاعتكاف و لم يثبت البناء فيه من هذه الجهة، مضافا الى ظاهر بعض النصوص التي تسمعها في محلها ان شاء الله.

ثم ان المصنف و غيره أطلق تعليق الحكم على العذر و عدمه، كما ان آخر أطلق تعليق الحكم على الاضطرار و الاختيار من غير تعرض للخصوصيات، و لا إشكال كما لا خلاف نصا و فتوى في اندراج المرض الحاصل منه تعالى بل و كذا الحيض، و ان كان اقتصار الصدوق على المرض قد يشعر بعدمه، لكن لا يبعد ارادة المثال منه، بل في الخلاف ان الحامل و المرضع إذا خافتا على الولد حكمهما حكم المريض عندنا، و اختاره في الدروس خلافا له في المبسوط فقوى قطع التتابع بإفطارهما، لكن ينافيه عموم التعليل المزبور كما انه ينافي ما عن يحيى بن سعيد من النص على وجوب الاستئناف لغير المرض و الحيض، بل لعله ظاهر اقتصار الشيخ عليهما في المحكي من جمله و مبسوطة و اقتصاده، ضرورة ظهور النصوص السابقة في

76

تحقق العذر بكل ما غلب الله عليه من غير فرق بين المرض و الحيض و غيرهما، بل لا يبعد ظهور

قوله (عليه السلام): «الله حبسه»

في تناول السفر و ان لم يكن ضروريا باعتبار كونه محبوسا عن الصوم معه، بل هو حينئذ مما غلب الله عليه باعتبار كون منع الصوم فيه منه، فيكون ذلك كناية عن كل ما ينافي الصوم إذا لم يكن من قبل المكلف، بمعنى انه لا ينافي التتابع إلا التعمد للإفطار، فما في الوسيلة و السرائر و ظاهر الخلاف- من ان السفر قاطع للتتابع، بل صرح في الثاني بعدم الفرق بين المضطر في ذلك و المختار، و لعله لعدم صدق غلبة الله له عليه بعد ان كان باختياره مع حرمة قياسه على المرض و الحيض الذين لم نتعرض لغيرهما، فلا مخرج حينئذ عن أصل وجوب التتابع- فيه انه شريكهما في الضرورة، بل لعله شريكهما في حبس الله و غلبته بعد الاذن فيه، لنفي العسر و الحرج في الذين، و لذا جاز وقوعه في شهر رمضان الذي يجب التتابع فيه، بل قد عرفت ان دقيق النظر يقضي بكون المراد من التعليل بالحبس و الغلبة إخراج تعمد الإفطار، فلا يشمل تعمد سبب ما أمر الشارع بالإفطار منه.

و منه يعلم حينئذ انه لا فرق في المرض و الحيض و غيرهما من الأعذار التي يرتفع خطاب الصوم معها بين ان تكون أسبابها من الله عز و جل و بين ان تكون من العبد، فإنها على كل حال تكون أعذارا و قد حبسه الله تعالى عن الصوم معها و غلبه عليها، كما ان منه يعلم حينئذ عدم الفرق بين السفر الضروري و الاختياري كما هو مقتضى إطلاق الشيخ في النهاية عذرية السفر، و ان استحسن الفرق بينهما المصنف في المعتبر، بل قطع به الفاضل بل و الشهيد في الدروس إذا حدث سببه بعد الشروع في الصوم، و هذا و ان كان هو الأحوط، بل أحوط منه قطع التتابع به مطلقا، الا ان الأقوى ما عرفت، و يندرج فيه ما لو نسي النية حتى فات وقتها أو نام عنها كذلك، فان صوم ذلك اليوم باطل، الا انه لا يقطع التتابع للعذرية

77

و دعوى ان النسيان من الشيطان فلا يكون عذرا كما ترى، بل من العذر أيضا ما لو كان ناذرا مثلا قبل تعلق الكفارة ما ينافي التتابع، كصوم كل خميس فيجزيه حينئذ المتابعة فيما عداه، و لا يجب عليه الانتقال لغير الصوم من خصال الكفارة باعتبار تعذر التتابع، نعم لو كان قد نذر صوم الدهر اتجه ذلك.

و كيف كان فالمراد من البناء مع العذر انه لا يخل بالتتابع شرعا باعتبار غلبة الله تعالى عليه، فهو أولى بالعذر، لا أن المراد سقوط التتابع حينئذ معه في جميع الصوم حتى ما بقي باعتبار انقطاعه في الجملة، و حينئذ لا يمكن حصوله، فما في الدروس من القول بسقوطه فيما بقي لذلك واضح الضعف هذا كله ان أفطر لعذر و ان أفطر لغير عذر استأنف في الشهرين إجماعا بقسميه، بل يمكن دعوى التواتر المحكي منهما، بل لا أجد خلافا بين الأصحاب في غير هما أيضا خصوصا في الشهر المنذور تتابعه، و قد اعترف الأصبهاني بقطع الأصحاب في ذلك إلا اني لم أقف له في السنة على ما يدل عليه في غير الشهرين و الشهر، نعم ذكر غير واحد الاستدلال عليه بأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف، و هو جيد بناء على ان الجميع عبادة واحدة و عمل واحد ضرورة فسادها بالإخلال بالتتابع، إذ هي كالصلاة المركبة من الركعات المعتبر فيها صحة السابق منها بصحة اللاحق إلا انه لا يخفى عليك صعوبة التزام ذلك بعد حصر مفسدات الصوم الشامل لصوم الكفارة و غيره بغير ذلك خصوصا بعد انتهاء اليوم و تمامه المقتضي لاعتبار الكشف عن الفساد لو أخل بالمتابعة المتأخرة كالركعة المتأخرة بالنسبة إلى الركعة السابقة، بل المتجه بناء على ذلك الاجتزاء للجميع بنية واحدة، ضرورة كونه عملا واحدا مركبا، الى غير ذلك مما يصعب التزامه فلا يبعد القول بكون كل الأيام عبادات مستقلة لا ربط لصحة بعضها بالآخر و أوجب الشارع تتابعها في الكفارة حينئذ، فالمتجه حينئذ بناء على ذلك كون المتابعة

78

واجبا تعبديا لا شرطيا، فيأثم بتركها، و الصوم على صحته كالمتابعة في صلاة الجماعة على الأصح، و دعوى كون المتجه على ذلك اعتبار شرطيتها في الكفارة دون الصوم فتكون كالمتابعة الواجبة في القضاء و نحوه بنذر و شبهه يدفعها ان ذلك انما يتم في المتابعة الخارجة عن العمل نفسه، بخلاف ما نحن فيه الذي هو نوع من الصوم، و ليست الكفارية أمرا خارجا عنه، بل لا يتصور القول بصحة الصوم و عدم اجزائه عن الكفارة، ضرورة اقتضاء صحته سقوط الإعادة و دعوى أنه بالإخلال بالمتابعة يبطل كونه صوم كفارة و يصح صوما مطلقا واضحة الفساد، إذ الفرض ان المكلف لم ينوه إلا صوم كفارة، فنقله الى غيرها بلا نية مخالف للضوابط الشرعية، إذ الجنس لا يبقى مع ذهاب الفصل كما هو واضح و أضعف منه دعوى انه صوم كفارة لكنه غير مجز عنها باعتبار فقده للتتابع فيحتاج الى الاستئناف لذلك، إذ عدم اجزائه عنها يقتضي فساده بالنسبة إليها، و الفرض عدم نية غيرها، فلا محيص عن القول بالوجوب التعبدي أو التزام الأمور السابقة من اتحاد العمل و نحوه، كما هو ظاهر وجوب الاستئناف في كلمات الأصحاب و لعله لا بأس بالتزامها بعد مساعدة النص و الفتوى عليها، و ربما فرق بين ما كان دليله نحو «كفارته كذا» و بين ما كان نحو «عليه كذا» فيدخل التتابع في الحقيقة على الأول دون الثاني لكنه كما ترى لا مساعد له من النص و الفتوى بل هما ظاهران في خلافه، هذا و ربما قيل ان المحكي عن فخر الإسلام في شرح الإرشاد ظاهر في كون المتابعة واجبا تعبديا، قال: «الصوم اما ان يجب فيه التتابع أو لا فان لم يجب فلا بحث، و ان وجب فاما ان يكون شرطا في صحته أولا، و الثاني لا يبطل بترك التتابع، و لا يجب الاستئناف و الأول يجب الاستئناف إلا ما استثني» و فيه انه يمكن أن يريد التتابع الواجب في القضاء و نحوه بنذر و شبهه، فإنه لا ريب في عدم اعتباره في صحة الصوم عن القضاء، ضرورة كونه كنذر الموالاة في وضوء

79

مخصوص فلم يفعلها، فإنه يحنث بالنذر، و الوضوء صحيح ضرورة عدم صلاحية النذر لإثبات شرطية و نحوها مما امره راجع الى الشرع، بل أقصاه الوجوب دون الشرطية كما هو محرر في محله فتأمل جيدا فان المقام غير منقح في كلام الاعلام و المتجه الوقوف على ما هو الظاهر منهم من وجوب الاستئناف بتعمد الإخلال فيما وجب فيه التتابع على وجه يدخل في الصوم إلا في ثلاثة مواضع أحدها من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فصام شهرا و من الثاني و لو يوما فإنه إذا كان كذلك بنى، و لو كان قبل ذلك استأنف بلا خلاف و لا إشكال بخلافه في الأول فإنه يبني و ان أخل بالمتابعة عمدا بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما متواتر أو مستفيض، للمعتبرة (1) المتقدم بعضها مضافا الى

خبر سماعة بن مهران (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أ يفرق بين الأيام؟ فقال إذا صام أكثر من شهر فوصله ثم عرض له أمر فأفطر فلا بأس فإن كان أقل من شهر أو شهرا فعليه ان يعيد الصيام»

و خبر منصور بن حازم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان قال: يصوم شهر رمضان و يستأنف الصوم، فان صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته»

الى غير ذلك مما هو موافق لسهولة الملة و سماحتها و نفي الحرج في الدين و ارادة التخفيف و اليسر، و لا حاجة الى تكلف الاستدلال بما هو محل للنظر، و حينئذ فما في النهاية- من ان من وجب عليه شيء من هذا الصيام وجب عليه ان يصومه متتابعا فان لم يتمكن من

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 0 لكن روى الثاني في الوسائل مضمرا الا ان الموجود في التهذيب ج 4 ص 283 الرقم 855 قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام).

». (2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 5 لكن روى الثاني في الوسائل مضمرا الا ان الموجود في التهذيب ج 4 ص 283 الرقم 855 قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام).

». (3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1.

80

صيامه متتابعا صام الشهر الأول و من الشهر الثاني شيئا، ثم فرق ما بقي عليه» مما يعطي وجوب التتابع في الشهرين، و ان متابعة الشهر الثاني بيوم منه للاول انما يكون مع العجز- واضح الضعف، مع انه قال فيها بعد ذلك: «و من وجب عليه صيام شهرين متتابعين في أول شعبان فليتركه الى انقضاء شهر رمضان ثم يصوم شهرين متتابعين، فان صام شعبان و الرمضان لم يجزه إلا ان يكون قد صام مع شعبان شيئا مما تقدم من الأيام فيكون قد زاد على الشهر، فيجوز له البناء عليه و يتمم شهرين» و هو يعطي جواز التفريق إذا صام من الثاني يوما و لعل بمعونته يمكن حمل كلامه الأول على إرادة الإثم بالتفريق بعد الشهر و يوم، كما هو مذهبه فيما حكي عن التبيان و كفارات النهاية و ظهار المبسوط، بل هو خيرة المفيد و السيد و ابني إدريس و زهرة، لا وجوب الاستئناف الذي قد عرفت الإجماع و النص عليه، و ان كان الأقوى في هذا أيضا خلاف ما ذكروه و ان (و ممن خ ل) حكى السيدان الإجماع عليه وفاقا لظاهر المحكي عن ابني الجنيد و أبي عقيل و صريح الفاضل و الدروس، لظهور النصوص السابقة في الاذن في التفريق بعد ذلك فيستعقب عدم الإثم، مضافا الى ظهور

قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1) «و التتابع»

الى آخره في حصول التتابع المأمور به بذلك، و لعله لكون المراد تتابع الشهرين أنفسهما دون أيامهما بناء على صدقه بذلك كما تسمع له تتمة ان شاء الله في المسألة الثانية.

فما عساه يقال ان الثابت الشرطية و التكليفية و سقوط الأولى بذلك لا يقتضي سقوط الثانية واضح الضعف ضرورة كونه بعد الإغضاء عما نحن فيه نفسه غير صالح

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 9.

81

لمعارضة ما عرفت، فتأمل، كالمحكي عن ابن إدريس من الاستدلال بأن التتابع ان يصوم الشهرين، و لقد أجاد في محكي المنتهى في رده بقوله: نحن نمنع ذلك لما ثبت في حديث الحلبي عن الصادق (عليه السلام) «ان حد التتابع»

الى آخره، و حينئذ لا يتوجه الخطاب الى المكلف، و قول الصادق (عليه السلام) أولى بالاتباع من قول ابن إدريس، و هو كما قال إلا ان الاحتياط مع ذلك لا ينبغي تركه، لعدم ثبوت ذلك عن الصادق (عليه السلام) بطريق التواتر، و عدم القطع بكون المراد منه ذلك، نعم هو حجة شرعية للفتوى التي لا تنافي أولوية الاحتياط كما هو واضح، هذا.

و ظاهر الفتاوى بل و معاقد الإجماعات عدم الفرق في الحكم المزبور بين النذر و غيره، لكنه لا يخلو من إشكال باعتبار انسياق غيره من النصوص و شدة مخالفة الحكم فيه للضوابط، خصوصا مع تصريح الناذر بالتتابع ستين يوما بل و مع إطلاقه بناء على ظهوره في ذلك، ضرورة عدم الحقيقة الشرعية لتتابع الشهرين، و كشف النصوص للمراد بالخطابات الشرعية لا تقتضي التعدي إلى الخطابات العرفية التي من المعلوم كون المرجع فيها العرف، و لعله لذا قصر بعض مشايخنا الحكم على غير النذر و نحوه، و هو جيد، اللهم إلا ان يكون الناذر علق مراده بالمراد الشرعي مما وقع فيه ذلك، أو ان الشارع قد كشف كون المراد واقعا بهذا الخطاب ذلك و ان زعم صاحبه خلافه، و الحكم الشرعي يتبع الواقع الذي هو المقصود بالخطاب، و تخيل ذي الخطاب كون الواقع غير ذلك لا مدخلية له بعد ان لم يكن مقصودا له بالخطاب كما حررناه في محله، و حينئذ فيتجه إطلاق الأصحاب، نعم يخرج منه ما لو صرح الناذر بتتابع الأيام، و لعله غير مندرج في كلامهم فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع، و الله اعلم.

82

و الموضع الثاني من وجب عليه صوم شهر متتابع بنذر فصام خمسة عشر يوما ثم أفطر لغير عذر فضلا عنه لم يبطل ما مضى من صومه و بنى عليه، و لو كان قبل ذلك استأنف على المشهور بين الأصحاب، بل في السرائر الإجماع عليه، لخبري موسى بن بكير (1) و الفضيل بن يسار (2) المتقدمين سابقا المنجبرين سندا و دلالة بذلك، و لا حاجة هنا الى تجاوز النصف بيوم كما في الشهرين ضرورة عدم احتمال التتابع هنا غير اتصال الأيام، فليس الاجتزاء بالخمسة عشر إلا للدليل بخلافه في الشهرين، فان من المحتمل فيه إرادة تتابع الشهرين دون الأيام كما أومأت إليه النصوص، و في السرائر بعد أن ذكر الفرق بينهما بذلك قال: و هذا فرق تواترت به الاخبار عن أئمة آل محمد الاطهار (عليهم السلام)، و من ذلك كله يعلم انه لا وجه للمناقشة في هذا الحكم من أصله، كما لا وجه لما في الوسيلة من عدم الفرق بين الشهر و الشهرين في اعتبار مجاوزة النصف في البناء، إذ هو كما ترى خارج عن الأدلة المزبورة و عن مراعاة الضوابط مع فرض عدم العمل بها هنا مضافا الى حرمة القياس و كونه مع الفارق و كذا لا وجه معتد به لما في الغنية من الفرق بين الشهر الذي شرط تتابعه في النذر و الذي أطلق، فحكم بالاستئناف في الأول على كل حال إذا أفطر مختارا و في الثاني بأنه ان كان في النصف الأول استأنف، و إلا فلا، و لعله لعدم تقييد الخبرين بالتتابع، و فيه مضافا الى ترك الاستفصال فيهما انه لا فرق بين ذكر القيد و عدمه إلا بالصراحة و الظهور، بناء على انسياق التتابع من المطلق، و الا خرجا عن موضوع المسألة، و لا ينطبق ما فيهما من الحكم عليه، فالتدبر فيهما يقضي بعدم الفرق بينهما، و منه يعلم ما في إشارة السبق، قال في صوم النذر و العهد:

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1 عن موسى بن بكر كما تقدم الإشارة إليه سابقا.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1.

83

«و متى شرط فيهما التتابع لم يجز التفريق- الى ان قال- و لو اضطر إلى تفرقة صومهما بنى و لم يلزمه استئناف إلا مع الاختيار، و إذا لم يشترط متابعة و لا ألجأت ضرورة إلى غيرها فلا بناء إلا بعد الإتيان بالنصف و ما زاد عليه، و إلا فالاختيار لإفطاره فيه قبل بلوغه يوجب الاستئناف» إذ هو- مع انه فرق بما سمعته من ابن زهرة بل و ابن حمزة، اللهم إلا أن يريد معنى «أو» من قوله «و ما زاد» بقرينة قوله «قبل بلوغه» المعلوم ارادة قبل بلوغ النصف منه- ظاهر في عدم الفرق في ذلك بين الشهر و الشهرين و ما زاد أو نقص، و هو تعد عن الأدلة بلا شاهد بعد حرمة القياس عندنا، و كونه مع الفارق في بعض الصور، فالمتجه الاقتصار على مضمونها بعد مخالفة الحكم للضوابط كما هو واضح، فما عن الشيخ من طرد الحكم في السنة لا يخلو من منع و إن كان هو أعلم بما قال كما في الدروس و الله أعلم و الموضع الثالث التفريق في صوم الثلاثة الأيام عن الهدي المعلوم وجوب التتابع فيها نصا (1) و فتوى بل إجماعا إلا لمن صام يوم التروية و عرفة ثم أفطر يوم النحر فإنه جاز له ان يبني بعد انقضاء أيام التشريق إجماعا محكيا عن المختلف ل

خبر عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «فيمن صام يوم التروية و يوم عرفة قال: يجزيه أن يصوم يوما آخر»

و خبره الآخر (3) أيضا عن أبي الحسن (عليه السلام) «كان أبو جعفر (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 2 و 5.

(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح الحديث- 1 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح الحديث 4 و فيه «كان جعفر (عليه السلام) يقول: ذو الحجة كله من أشهر الحج» و أما ذيله فليس من الخبر و انما هو عبارة الشيخ (قدس الله سره) في التهذيب ج 5 ص 231 المطبوع بالنجف الأشرف.

84

يقول: ذو الحجة كله من أشهر الحرم، و من صام يوم التروية و يوم عرفة فإنه يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق»

و خبر يحيى الأزرق (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) أيضا «سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا و ليس له هدي فصام يوم التروية و يوم عرفة قال: يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق»

لكن في المدارك «أنها إخبار ضعيفة، و في مقابلها أخبار صحيحة السند دالة على خلاف ما تضمنته و سيجيء تحقيق ذلك في كتاب الحج» قلت: و يأتي تحقيق غيره أيضا، و هو ما إذا فاتت الثلاثة قبل النحر فلم يصمها و لا اليومين منها يصومها أيام التشريق كما عن ابن الجنيد،

لخبري إسحاق بن عمار (2) و عبد الله بن ميمون القداح (3) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من فاته صيام الثلاثة الأيام التي في الحج فليصمها أيام التشريق، فان ذلك جائز له»

الشاذين المعارضين بالأصح سندا و الأكثر عددا، مضافا الى العمل،

قال ابن سنان (4) في الصحيح: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع فلم يجد هديا قال: فليصم ثلاثة أيام ليس فيها أيام التشريق»

و نحوه خبر ابن مسكان (5) عنه (عليه السلام) أيضا، نعم في صدر

خبر ابن الحجاج (6) المتقدم عن أبي الحسن (عليه السلام) الذي نص فيه على صوم الثالث منها بعد أيام التشريق قال: «فان فاته ذلك- أي صوم الثلاثة- يصوم صبيحة يوم الحصبة و يومين بعد ذلك»

و في صحيح صفوان (7) عنه (عليه السلام) أيضا قال: «ذكر ابن البراج انه كتب إليه يسألك عن متمتع لم يكن له هدي فأجبته في كتابك يصوم ثلاثة أيام بمنى، فان فاته ذلك صام صبيحة الحصبة و يومين بعد ذلك قال:

أما أيام منى فإنها أيام أكل و شرب لا صيام فيها، و سبعة أيام إذا رجع الى أهله»

____________

(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 2 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 3.

85

فان اقتصاره على إنكار أيام منى ظاهر في الإقرار بالآخر، و هو الصوم صبيحة الحصبة و اليومين بعدها، بل عن الصدوق و والده و الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن إدريس الفتوى بذلك، الا ان الصدوق قال: «تسحر ليلة الحصبة و هي ليلة النفر و أصبح صائما» و في النهاية فسر يوم الحصبة بيوم النفر، و مقتضى ذلك ابتداء الصوم في ثالث أيام التشريق، لانه هو يوم النفر، مع انهم صرحوا بعدم جواز الصوم فيها، اللهم إلا ان يكون المراد عدم جواز تمام الثلاثة فيها، لكنه كما ترى مناف لإطلاق دليل الحرمة فيها، و يمكن ان يكون المراد في الخبرين بصبيحة الحصبة اليوم الذي بعدها، بل قيل انه المتبادر، فهو حينئذ الرابع عشر، و ليس من أيام التشريق، و تكلف ارادة ذلك في كلامهم يأباه تصريح بعضهم، فليس حينئذ إلا الحكم بضعف قولهم، كضعف قول ابن الجنيد و ان الأصح الصوم بعدها، و هذا كله خارج عما نحن فيه، إذ الكلام فيمن صام يومين قبل النحر.

و على كل حال فالتفريق انما هو في هذه الصورة، ف لو كان أقل من ذلك بأن صام يوما استأنف صومه و كذا لو فصل بين اليومين و الثالث بإفطار غير العيد كما لو صام قبل التروية بيوم و يوم التروية و أفطر يوم عرفة استأنف أيضا لإطلاق ما دل على اشتراط التتابع فيها، و لعل إطلاق الشيخ في المحكي من مبسوطة و جمله و اقتصاده جواز البناء إذا صام يومين منزل على ذلك، نعم صرح ابن حمزة بجواز الفصل بيوم عرفة، و نفى البأس عنه في المختلف لمطلوبية التشاغل بالدعاء للشارع، و لا يخفى ما فيه.

بقي شيء و هو ان الظاهر من النص و الفتوى عدم الفرق في ذلك بين علمه بتخلل العيد و عدمه فيكون هذا مستثنى من الكلية الآتية أيضا، لكن في المسالك «يظهر من بعض ان البناء مشروط بما لو ظهر العيد و كان ظنه يقتضي خلافه، و الا استأنف» قلت: صرح به الشيخ على ما في حاشية الكتاب هنا و ان كان المحكي

86

عنه في الحج الأول، و هو الأقوى، للإطلاق الذي أظهر أفراده العلم بالعيد.

ثم ان ظاهر المتن عدم الاستئناف بهذا التفريق و لو تعمد تأخير صوم اليوم عن أيام التشريق بناء على كون هذه المسألة كالمسألتين السابقتين، لكن صرح بعضهم بأن التتابع يسقط في الثالث الى انقضاء أيام التشريق، و في شرح الأصبهاني ان المبادرة بالصوم بعد أيام التشريق و ان لم يصرح به في فتوى و لا خبر عثرنا عليه الا انه المتبادر من كلام الأصحاب و بعض الاخبار، و يدل عليه ان التتابع واجب فيها، و انما اغتفر الفصل بالعيد و أيام التشريق، للعذر بحرمة الصوم فيها و لا عذر فيما بعدها، فلا وجه لاغتفار التأخير بعدها، كما إذا أفطر في النصف الأول من الشهر أو الشهرين لعذر ثم يزول العذر، و مقتضى ذلك أن هذا التفريق للعذر، و هو خلاف ظاهر الاستثناء الذي قد يستدل له بإطلاق البعدية، اللهم إلا ان يقال بانصراف أول إفرادها منه، و لا ريب في انه أحوط، و يأتي ان شاء الله في كتاب الحج له تتمة.

و كيف كان فقد ألحق الشيخ و يحيى بن سعيد و الفاضل فيما عدا المنتهى على ما قيل به أي الشهر المنذور من وجب عليه صوم شهر في كفارة قتل الخطأ أو الظهار لكونه مملوكا و كفارته نصف كفارة الحر، مستدلا عليه في المختلف بأن التنصيف كما يكون في العدد كذا يكون في الوصف، و كما أجزأ تتابع الشهرين بيوم كذا النصف يحصل به التتابع، لان الشهرين في معرض النقصان فلو أوجبنا تتابع ستة عشر يوما لزدنا على حكم الشهرين، فاكتفي بتتابع خمسة عشر يوما التي تزيد على نصف الناقص بنصف يوم، و بأنه لا يزيد على النذر المتتابع، و قد أجزأ فيه تتابع خمسة عشر يوما، فيثبت الحكم في الأضعف بطريق الاولى، و بأن الجعل الذي في الخبرين قد يكون بالنذر و قد يكون بفعل ما يوجب ذلك من إفطار أو ظهار أو نحوهما، و الجميع كما ترى، و من هنا قال

87

المصنف و فيه تردد من ذلك و من وجوب الاقتصار على المتيقن في مخالفة القواعد، و دعوى القطع بالأولوية من المنذور واضحة المنع.

و من ذلك تعلم ان الاولى الجزم بالعدم دون التردد، كما انه يعلم مما قدمنا ان كل من وجب عليه صوم متتابع لا يجوز ان يبتدئ زمانا يعلم انه لا يسلم له التتابع فيه بتخلل عيد أو شهر رمضان أو غير ذلك مما لا يجوز صومها عنه، لتوقف امتثال الأمر على اجتناب ذلك، و حينئذ فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يصوم شعبان إلا أن يصوم قبله و لو يوما و في صحيح منصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: «في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان قال: يصوم شهر رمضان و يستأنف الصوم فان صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته»

إلا انه كما ترى لا يدل على إتمام الكلية، و لذا اقتصر على مضمونه في النهاية و لم أتحقق إجماعا عليها، بل ربما ظهر من بعضهم خلافها، و لعله لانه انقلاب تكليف، فتشمله روايات العذر، و ربما كان في تكليف المرأة بها و عدم انتظار زمان يأسها مع غلبة عدم سلامتها من الحيض شهرا و يوما (عسر و حرج ظ) و الصحيح المزبور معارض بنصوص الثلاثة التي يفصل بينها بالعيد، و قد ظهر من ذلك كله ان هذه الكلية ان لم يتحقق إجماع عليها أمكن المناقشة فيها، خصوصا فيما لو صام و اتفق العذر الشرعي من مرض و نحوه في أيام الفصل التي هي شهر رمضان أو أيام العيد و التشريق و نحو ذلك، بل ينبغي الجزم بالصحة في الفرض مع الغفلة، بل و ان لم يتفق العذر فيها و يكفي كونها عذرا مع الغفلة، لكن في الدروس و لا يعذر بفجأة مثل رمضان أو العيد سواء علم أو لا، بخلاف فجأة الحيض و النفاس، و كيف كان فيستفاد من المثال في المتن ان البدأة بالصوم في أثناء الشهر لا يوجب كونه ثلاثين متصلة، و إلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 1.

88

لم يتم الحكم إلا بتقدير كون شعبان تاما ليسلم له أحد و ثلاثون، و كذا يستفاد انه لا فرق في اليوم الزائد على الشهر بين سبقه عليه و لحوقه به، و لعله كذلك و ان كان الذي ينساق الى الذهن تعقيب الشهر بيوم، الا ان التدبر يقضي بكون المراد صوم شهر و يوم كيفما كان.

و على كل حال لا يجوز لمن كان عليه شهران متتابعان أن يصوم شوالا مع يوم من ذي القعدة و يقتصر على ذلك و كذا الحكم في ذي الحجة مع يوم آخر من المحرم ضرورة نقصان الشهر بالعيد، فلا يحصل المطلوب باليوم، نعم لو صام يومين اتجه الاجزاء، لحصول الشهر و يوم كما هو واضح و قيل و القائل الشيخ و الصدوق في المحكي عن مقنعه و ابن حمزة: ان القاتل في أشهر الحرم يصوم شهرين متتابعين منها و ان دخل فيهما العيد و أيام التشريق لرواية زرارة (1)

عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام قال: و يغلظ عليه الدية، و عليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم، قلت: فإنه يدخل في هذا شيء قال: و ما هو قلت:

يوم العيد و أيام التشريق، قال: يصوم فإنه حق لزمه»

و نحوه حسن زرارة الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا، لكن في المعتبر «و هي نادرة مخالفة لعموم الأحاديث المجمع عليها و مخصصة لها، و لا يقوى الخبر الشاذ على تخصيص العموم المعلوم على انه ليس فيه تصريح بصوم العيد، و الأمر المطلق بالصوم في الأشهر الحرم ليس بصريح في صوم عيدها، و أما أيام التشريق فلعله لم يكن بمنى، و نحن لا نحرمها الا على من كان بمنى» و نحوه في المختلف، بل في التذكرة «ان في طريقه سهل ابن زياد، و هو ضعيف، و مع ذلك فهو مخالف للإجماع» و نحوه عن المنتهى

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 2.

89

و من ذلك يعلم الحال في الحسن عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت له رجل قتل رجلا في الحرم قال: عليه دية و ثلث دية، و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، و يعتق رقبة، و يطعم ستين مسكينا، قال: قلت: يدخل في هذا شيء قال: و ما يدخل؟ قلت: العيدان و أيام التشريق، قال: يصومه فإنه حق لزمه»

بل ارادة صوم الشهرين و انه لا يضر هذا الفصل بالتتابع أظهر من الأول لاتحاد ضمير «يصومه» و المتقدم فيه العيدان، مع انه ليس في هذه الأشهر إلا الأضحى الا ان يريد بالآخر يوم الغدير و ان لم يحرم صومه.

و كيف كان فلا ريب في ان الأول أظهر و أصح لقوة ما دل على تحريم الصوم في هذه الأيام بحيث لا يصلح ذلك لمعارضتها، كما هو واضح.

هذا كله في الواجب

[أما الندب من الصوم]

و أما الندب من الصوم على وجه يشمل المكروه، أو على ارادة ما عداه كالمحرم ف قد لا يختص وقتا كصيام أيام السنة فإنه جنة و سترة من النار لتسبيبه العفو عما يوجبها، و تقدم في أول الصوم ما يعلم منه ذلك و قد يختص وقتا معينا و هو كثير و لكن المؤكد منه أربعة عشر قسما بل أزيد من ذلك،

[الأول صوم ثلاثة أيام من كل شهر]

الأول صوم ثلاثة أيام من كل شهر أول خميس منه و آخر خميس و أول أربعاء في العشر الثاني فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قد صام (2) حتى قيل ما يفطر، ثم أفطر حتى قيل ما يصوم، ثم صام صوم داود يوما و يوما لا، ثم قبض على صيام هذه الثلاثة التي تذهب المواظبة على صومها و جر الصدر و وسوسته، و تعدل صوم الدهر باعتبار عدل كل يوم منها عشرة أيام، لأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، و قد كان من قبلنا من الأمم إذا نزل

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث- 2.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 1.

90

على أحدهم العذاب نزل في هذه الأيام، و الذي يظهر من مجموع ما وصل إلينا من النصوص أن الأفضل ما ذكره المصنف و غيره من الكيفية المزبورة في صومها و ان كان لها كيفيات أخر كصوم الخميسين بينهما أربعاء في العشرات الثلاثة لإطلاق الأمر بذلك في بعض النصوص (1) الذي لا يعارضه المقيد في غيره (2) بعد حمله على شدة الاستحباب كما حرر في محله بالنسبة إلى المندوبات من غير ملاحظة الأول و الأخير، أو ذلك في شهر و أربعاء و خميس و أربعاء في شهر آخر ل

خبر أبي بصير (3) «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر، فقال: في كل عشرة أيام يوم الخميس و أربعاء و خميس، و الشهر الذي يليه أربعاء و خميس و أربعاء»

، أو الأربعاء و الخميس و الجمعة، أو الخميس بين أربعاءين، ل

خبر إسماعيل بن داود (4) قال:

«سألت الرضا (عليه السلام) عن الصيام فقال ثلاثة أيام في الشهر الأربعاء و الخميس و الجمعة فقلت: ان أصحابنا يصومون أربعاء بين خميسين، فقال لا بأس بذلك، و لا بأس بخميس بين أربعاءين»

، أو الاثنين و الأربعاء و الخميس، أو في كل عشرة يوما، ل

خبر أبي بصير (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم السنة فقال:

صيام الثلاثة أيام من كل شهر الخميس و الأربعاء و الخميس، و ان شاء الاثنين و الأربعاء و الخميس و ان شاء في كل عشرة يوما، كان ذلك ثلاثين حسنة، و ان أحب أن يزيد على ذلك فليزد»

بل الظاهر الاكتفاء في أصل الاستحباب بصيام ثلاثة أيام

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 5 و 8 و 14.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 23.

91

من الشهر متوالية أو متفرقة من أوله أو آخره،

قال عمار بن موسى (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه الثلاثة أيام من الشهر هل يصلح له أن يؤخرها أو يصومها في آخر الشهر قال: لا بأس، قلت: يصومها متوالية أو يفرق بينها قال: ما أحب ان شاء متوالية و ان شاء فرق بينها»

و سأل علي بن جعفر (2) أخاه (عليه السلام) «عن صيام الثلاثة أيام في كل شهر تكون على الرجل يصومها متوالية أو يفرق بينها قال: أي ذلك أحب»

و حمل ذلك على خصوص القضاء لا داعي اليه.

و قد يظهر لك من ذلك كيفيات متعددة لصوم الثلاثة و ان كان آكدها ما في المتن، و لا ينافيه

مرسل الفقيه (3) «انه سئل العالم خميسان يتفقان في آخر العشر فقال: صم الأول فلعلك لا تلحق الثاني»

و ان حكي عن ابن أبي عقيل الفتوى به لإمكان حمله على كون الثاني يوم الثلاثين من الشهر، و حينئذ فيستحب صوم الأول، لاحتمال النقص في الشهر، مع ان المحكي عن ابن إدريس ان الخميس الأخير هو المؤكد صومه، فان جاء الشهر ناقصا فلا شيء عليه، و لعله لكثرة ما دل (4) على أفضلية الخميس الأخير في العشر الأخير، و الأول في العشر الأول و علي كل حال فقد اقتصر في الدروس على ذكر بعض الكيفيات، قال: و يتأكد أول خميس في العشر الأول و أول أربعاء في العشر الثاني و آخر خميس في العشر الآخر، و روي خميس بين أربعاءين ثم أربعاء بين خميسين كقول ابن الجنيد، و روي مطلق الخميس و الأربعاء في الأعشار الثلاثة، و الأمر سهل حيث كان الأمر مستحبا و كيف كان فيكره له فيها المجادلة و الجهل و الإسراع إلى الحلف و الايمان بالله، كما انه يستحب له احتمال من يجهل عليه، كل ذلك ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر الفضيل

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب.

92

ابن يسار (1): «إذا صام أحدكم الثلاثة أيام من الشهر فلا يجادلن أحدا، و لا يجهل و لا يسرع الى الحلف و الأيمان بالله، و ان جهل عليه احد فليحتمل».

و المشهور بل لا أجد فيه خلافا ان من أخرها يستحب له القضاء ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن سنان (2) «و لا يقضي شيئا من صوم التطوع إلا الثلاثة الأيام التي كان يصومها من كل شهر، و لا يجعلها بمنزلة الواجب، إلا أني أحب لك ان تدوم على العمل الصالح»

و غيره، الا انه ظاهر في مشروعية قضائها بمطلق الفوات كما أفتى به في الدروس و غيرها، لكن في المدارك «و لو كان الفوات لمرض أو سفر لم يستحب قضاؤها، لما رواه

الكليني في الصحيح عن سعد ابن سعيد الأشعري (3) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر هل فيه قضاء على المسافر؟ قال: لا»

و إذا سقط القضاء على المسافر سقط عن المريض بطريق أولى، لأنه أعذر منه» قلت: يمكن حمله على عدم التأكد أو الوجوب، ل

خبر عذافر (4) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أصوم هذه الثلاثة الأيام في الشهر فربما سافرت و ربما أصابتني علة فيجب علي قضاؤها، فقال لي انما يجب قضاء الفرض و اما غير الفرض فأنت فيه بالخيار في السفر و المرض، قال و قال:

المرض قد وضعه الله عز و جل عنك و السفر ان شئت فاقضه، و ان لم تقضه فلا جناح عليك»

و ضعف سنده غير قادح هنا، و لعل نفيه في المرض محمول على إرادة التأكيد أيضا، ل

خبر داود بن فرقد (5) عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث «فيمن ترك صوم ثلاثة أيام في كل شهر فقال: ان كان من مرض فإذا برأ فليقضه

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب آداب الصائم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 1.

93

و ان كان من كبر أو عطش فبدل كل يوم مد»

هذا، و في الروضة انه ان قضاها في مثلها من الأيام أحرز فضيلتهما أي الأداء و القضاء، و لم أره لغيره، قيل:

و لعله لما عرفت من ان العلة في استحباب صومها عرض الاعمال و هو صائم، أو استدفاع العذاب، لكنه كما ترى لا يصلح قاطعا لأصالة عدم تداخل الأسباب فهو حينئذ مشكل، كالمحكي عن شرح الإرشاد لفخر الإسلام الصائم لرمضان أو النذر المعين إذا كان فيه أحد الأيام الثلاثة التي يستحب ان يصومها من كل شهر و أيام البيض يحصل له ثواب الواجب و المندوب معا، و كفت نية الواجب عن المندوب و دخل المندوب ضمنا، و كذا لو صام قضاء شهر رمضان أو النذر المعين أو الكفارات أو أي صوم كان من الواجبات في الأيام المندوبات، فإنه يحصل له ثواب الصوم الواجب و المندوب معا، و يكفي فيه نية الواجب و المندوب، اللهم إلا ان يقال ان المستفاد من الأدلة رجحان وجود طبيعة الصوم فيها واجبا أو غيره و مثله ليس من التداخل في شيء، لكن الكلام في استفادته، و لعله لما ورد من التعليل في صومها المنطبق على ذلك، فلاحظ و تأمل، و الله أعلم.

و كيف كان فلا خلاف أيضا نصا و فتوى في انه يجوز تأخيرها اختيارا من الصيف الى الشتاء

قال الحسن بن أبي حمزة (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): صوم ثلاثة أيام في الشهر أؤخره في الصيف الى الشتاء فإني أجده أهون علي؟ قال: نعم فاحفظها»

و نحوه غيره، بل قد يستفاد من

خبر الحسن ابن راشد (2) جواز تعجيلها، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أو لأبي الحسن (عليه السلام) الرجل يتعمد الشهر في الأيام القصار يصومه لسنة قال:

لا بأس»

الا اني لم أجد من ذكره، بل في المدارك الاستدلال به على التأخير

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

94

المزبور الذي هو في الحقيقة من القضاء.

و على كل حال ف ان عجز عن صومها لكبر أو نحوه أو شق عليه ذلك و اشتد استحب له ان يتصدق عن كل يوم بدرهم أو مد من طعام كما استفاضت به النصوص (1) بل قد يستفاد منها استحباب هذا الفداء لترك صومها على كل حال، و لذا خير بينه و بين القضاء في الدروس، و هو جيد و إن كان ما في سؤال كثير منها المشقة و الشدة و نحو هما، إلا ان خصوص المورد لا يخصص الوارد، بل

خبر يزيد بن خليفة (2) ظاهر في غير ذلك أيضا، قال: «شكوت الى أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت: إني أصدع إذا صمت هذه الثلاثة الأيام و شق علي قال: فاصنع كما أصنع، فإني إذا سافرت تصدقت عن كل يوم بمد من قوت أهلي الذي أقوتهم به»

كما انه يستفاد من

خبر عمر بن يزيد (3) كراهة ترك الصوم مع القدرة و العدول الى الفداء، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الصوم أشد علي فقال لي: الدرهم تصدق به أفضل من صيام يوم، ثم قال:

و ما أحب ان تدعه»

و لا ينافي ذلك ما استفاض في النصوص (4) ان الصدقة بدرهم أفضل من صيام يوم بعد إمكان إرادة مطلق اليوم منه لا أحد الثلاثة و من ذلك كله يظهر لك شدة الندب في صيام هذه الثلاثة، و انها دون الوجوب بيسير، و الله أعلم.

[الثاني صوم أيام الليالي]

و الثاني صوم أيام الليالي البيض و هي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر عند العلماء كافة كما عن المنتهى و التذكرة للمروي في محكي

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الصوم المندوب.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 5 و 6.

95

العلل بسنده الى ابن مسعود (1) «سمعت النبي (صلى الله عليه و آله) يقول: ان آدم لما عصى ربه ناداه مناد من لدن العرش يا آدم اخرج من جواري، فإنه لا يجاورني أحد عصاني، فبكى و بكت الملائكة، فبعث الله عز و جل جبرئيل فأهبطه إلى الأرض مسودا، فلما رأته الملائكة ضجت و بكت و انتحبت و قالت: يا رب خلقا خلقته و نفخت فيه من روحك و أسجدت له ملائكتك، بذنب واحد حولت بياضه سوادا، فنادى مناد من السماء ان صم لربك اليوم، فصام فوافق يوم صومه يوم ثلاثة عشر من الشهر، فذهب ثلث السواد، ثم نودي يوم الرابع عشر ان صم لربك اليوم فصام فذهب ثلثا السواد، ثم نودي في يوم خمسة عشر بالصيام فصام فأصبح و قد ذهب السواد كله، فسميت أيام البيض للذي رد الله عز و جل فيه على آدم من بياضه، ثم نادى مناد من السماء يا آدم هذه الثلاثة أيام جعلتها لك و لولدك من صامها في كل شهر فكأنما صام الدهر»

الا انه قال الصدوق: هذا الخبر صحيح و لكن الله تبارك و تعالى فوض الى نبيه محمد (صلى الله عليه و آله) أمر دينه فقال عز و جل (2) «مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» فسن رسول الله (صلى الله عليه و آله) مكان أيام البيض خميسا في أول الشهر و أربعاء في وسط الشهر و خميسا في آخر الشهر، و ذلك صوم السنة، من صامها كان كمن صام الدهر، لقول الله عز و جل (3) «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» قال في المدارك و مقتضاه ان صوم هذه الأيام منسوخ بصوم الخميس و الأربعاء، و ربما كان في بعض الروايات (4) المتضمنة صومها اشعار

____________

(1) ذكره في الوسائل مقطعا في الباب- 12- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1 و تمامه مذكور في علل الشرائع ج 2 ص 67 المطبوعة عام 1378.

(2) سورة الحشر- الآية 7.

(3) سورة الأنعام- الآية 161.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب الحديث 16.

96

بذلك، قلت: لكن فيه- مع عدم المنافاة بين استحبابها و استحباب تلك الثلاثة- ان الإجماع بقسميه على خلافه، نعم في الدروس انه يشعر خبر الزهري (1) بعدم تأكدها، و لعله لأنه عدها من المخير ان شاء صام و ان شاء أفطر، و فيه انه لم يذكر فيه الصوم المندوب قسما و المخير فيه قسما آخر حتى يكون فيه اشعار بذلك و انما اقتصر فيه على المخير و عد منه هذه الأيام، فليس المراد منه الا عدم الوجوب و الحرمة، هذا. و قد اعترف الفاضل و غيره بعدم العثور على نص من طرقنا يدل على استحبابها عدا خبر الزهري و الخبر المزبور.

قلت: لكن في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان (2) عن جعفر (عليه السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان ينعت صيام رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: صام رسول الله (صلى الله عليه و آله) الدهر كله ما شاء الله ثم ترك ذلك و صام صيام داود يوما لله و يوما له ما شاء الله ثم ترك ذلك فصام الاثنين و الخميس ما شاء الله ثم ترك ذلك و صام البيض ثلاثة أيام من كل شهر فلم يزل ذلك صيامه حتى قبضه الله اليه»

و في المحكي عن

الدروع الواقية لابن طاوس (3) عن كتاب تحف العقول تأليف عبد الرحمن بن محمد الحلواني عن علي ابن أبي طالب (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أتاني جبرئيل فقال قل لعلي: صم من كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم تصوم عشرة آلاف سنة و الثاني ثلاثون ألف سنة و الثالث مأة ألف سنة، قلت يا رسول الله (صلى الله عليه و آله): لي ذلك خاصة أم للناس عامة؟ فقال: يعطيك الله ذلك و لمن عمل مثل ذلك، فقلت: ما هي يا رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال: الأيام البيض من كل شهر، و هي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر»

و قال أيضا وجدت في تاريخ نيسابور في ترجمة الحسن بن

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2 و الثاني عن الدروع الواقية نقلا من كتاب تحفة المؤمن.

(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3 و الثاني عن الدروع الواقية نقلا من كتاب تحفة المؤمن.

97

جعفر (1) بإسناده الى الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال:

«سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن صوم أيام البيض فقال: صيام مقبول غير مردود»

و دعوى ان المراد بأيام البيض الثلاثة الأيام أي الخميسان بينهما أربعاء للمحكي عن ابن أبي عقيل «فأما السنة من الصيام فصوم شعبان و صيام البيض و هي ثلاثة في كل شهر متفرقة أربعاء بين خميسين: الخميس الأول من العشر الأول و الأربعاء الآخر من العشر الأوسط و خميس من العشر الأخير» كما ترى لا تنطبق على ما جاء في وجه التسمية في اللغة و الخبر و غيرها، و الظاهر الاجتزاء بما كان منها أول أربعاء عنها و عن ثاني الثلاثة، و ليس من التداخل في شيء، بل من اجتماع عنوان الأمرين، و الله أعلم.

[الثالث صوم يوم الغدير]

و الثالث صوم يوم الغدير و هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الذي نصب فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) اماما للناس و علما لهم (2) و قد

قال الصادق (عليه السلام) في خبر الحسن بن راشد (3): «ان صومه يعدل ستين شهرا»

و زاد في آخر (4) «من أشهر الحرم»

بل قال في خبر العبدي (5): «انه يعدل مأة حجة و مأة عمرة مبرورات متقبلات»

و قال أيضا في خبر المفضل ابن عمران (6): «صومه كفارة ستين سنة»

و في خبره الآخر (7): «من صامه كان أفضل من عمل ستين سنة»

الى غير ذلك مما ورد في فضله و في ذكر من صامه من الأنبياء و الأوصياء الذين نصبوا فيه، و في ذكر ما وقع فيه في الأزمنة السابقة مما فيه قوة الدين و كسر شوكة الكافرين و المنافقين، و من أعجب ما اتفق فيه نصب رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) علما للعباد و قد خذلوه الى أن

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الصوم المندوب.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الصوم المندوب الحديث 10.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الصوم المندوب الحديث 8.

(7) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الصوم المندوب الحديث 7.

98

قتل عثمان فيه و بايع الناس أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك اليوم و تمام، التعرض لشرح هذا اليوم ليس هذا محله، فليطلب من مظانه.

[الرابع صوم يوم مولد النبي (صلى الله عليه و آله)]

و الرابع صوم يوم مولد النبي (صلى الله عليه و آله) و هو سابع عشر من شهر ربيع الأول على المشهور ل

خبر إسحاق بن عبد الله (1) عن أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) في حديث «ان الأيام التي يصام فيها اربع: يوم مولد النبي (صلى الله عليه و آله) يوم سابع عشر من شهر ربيع الأول»

و في المصباح (2) روي عنهم (عليهم السلام) «انهم قالوا من صام يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول كتب الله له صيام سنة»

و في خبر العريضي (3) «ركب أبي و عمومتي الى أبي الحسن (عليه السلام) و قد اختلفوا في الأيام التي تصام في السنة و هو مقيم بقرية قبل مسيره إلى سر من رأى فقال لهم: جئتم تسألون عن الأيام التي تصام في السنة فقالوا: ما جئناك إلا لهذا فقال: اليوم السابع عشر من ربيع الأول و هو اليوم الذي ولد فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و اليوم السابع و العشرون من رجب، و هو اليوم الذي بعث فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و اليوم الخامس و العشرون من ذي القعدة، و هو اليوم الذي دحيت فيه الأرض من تحت الكعبة، و اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، و هو يوم الغدير»

و عن المفيد في مسار الشيعة اليوم السابع عشر من ربيع الأول كان مولد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لم يزل الصالحون من آل محمد (صلى الله عليه و آله) على قديم الأوقات يعظمونه و يعرفون حقه

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1 عن إسحاق بن عبد الله أيضا إلا انه سهو فان الموجود في التهذيب ج 4 ص 305 الرقم 922 عن أبي إسحاق بن عبد الله كما هو كذلك في الوسائل في الباب- 14- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3 و الباب- 15- منها الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

99

و يرعون حرمته و يتطوعون بصيامه،

قال: و روي (1) عن أئمة الهدى (عليهم السلام):

انهم قالوا: «من صام يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول و هو مولد سيدنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) كتب الله له صيام سنة»

و قال في المقنعة: «

ورد الخبر (2) عن الصادقين (عليهم السلام) بفضل صيام أربعة أيام في السنة: يوم السابع عشر من ربيع الأول، و هو اليوم الذي ولد فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى ان قال: و يوم السابع و العشرين من رجب، و هو اليوم الذي بعث فيه، فمن صامه كتب الله له صيام ستين سنة، و يوم الخامس و العشرين من ذي القعدة دحيت الأرض، و يوم الغدير نصب رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) اماما»

و في المحكي عن روضة الواعظين

روى (3) «ان يوم السابع عشر من ربيع الأول يوم مولد النبي (صلى الله عليه و آله) فمن صامه كتب الله له صيام ستين سنة»

فما عن الكليني- من انه يوم الثاني عشر منه كما عن المشهور (الجمهور ظ) بل عن حاشية القواعد للشهيد الثاني و لعله اثبت- غير واضح.

[الخامس يوم مبعثه]

و الخامس يوم مبعثه و هو اليوم السابع و العشرين من رجب للخبر السابق (4) و خبر الحسن بن راشد (5) عن الصادق (عليه السلام) «لا تدع صيام سبعة و عشرين من رجب، فإنه هو اليوم الذي أنزلت فيه النبوة على محمد (صلى الله عليه و آله) و ثوابه مثل ستين شهرا لكم»

بل

قال (عليه السلام) في خبر عبد الله بن طلحة (6): «من صام يوم سبعة و عشرين من رجب كتب الله له صيام سبعين سنة»

و قال أيضا في خبر كثير النواء (7) «في اليوم السابع و العشرين منه أي رجب نزلت النبوة

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصوم المندوب الحديث 6 مع الاختلاف في اللفظ.

(3) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصوم المندوب الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.

100

على رسول الله (صلى الله عليه و آله) من صام هذا اليوم كان ثوابه من صام ستين شهرا»

كقول أبي الحسن الأول (عليه السلام) في مرسل سهل بن زياد (1) الى غير ذلك من النصوص التي لا ينافيها ما في خبر الحسن بن بكار الصيقل (2) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «بعث الله محمدا (صلى الله عليه و آله) لثلاث ليال مضين من رجب و صوم ذلك اليوم كصوم سبعين عاما»

بعد ما حكي عن سعد انه قال كان مشايخنا يقولون إن ذلك غلط من الكاتب، و انه لثلاث بقين من رجب.

[السادس يوم دحو الأرض]

و السادس يوم دحو الأرض من تحت الكعبة، و هو اليوم الخامس و العشرين من ذي القعدة الذي في ليلته ولد إبراهيم (عليه السلام) و ولد عيسى (عليه السلام) و في خبر الوشاء (3) «و فيها دحيت الأرض من تحت الكعبة، من صام ذلك اليوم كان كمن صام ستين شهرا»

و أرسل الصدوق (4) عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) انه قال: «في خمس و عشرين من ذي القعدة أنزل الله الكعبة البيت الحرام، فمن صام ذلك اليوم كان كفارة سبعين سنة، و هو أول يوم انزل الله فيه الرحمة من السماء على آدم (عليه السلام)

و في مرسل سهل بن زياد (5) عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) في حديث قال: «و في خمس و عشرين من ذي القعدة وضع البيت، و هو أول رحمة وضعت على وجه الأرض، فجعله الله عز و جل مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ وَ أَمْناً، من صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهرا»

و قال محمد بن عبد الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2 و في النسخة الأصلية «. من رجب و ورد صوم ذلك اليوم بصوم سبعين عاما».

(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.