جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
101

الصيقل (1): «خرج علينا أبو الحسن الرضا (عليه السلام) في يوم خمس و عشرين من ذي القعدة فقال: صموا فإني أصبحت صائما، قلنا: جعلنا فداك أي يوم هو؟ قال: يوم نشرت فيه الرحمة و دحيت فيه الأرض و نصبت فيه الكعبة و هبط فيه آدم»

و عن عبد الله بن عباس (2) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في خلال حديث:

«انزل الله الرحمة لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم كان كصوم ستين سنة»

و عن ابن طاوس بسنده الى عبد الرحمن السلمي (3) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «أول رحمة نزلت من السماء إلى الأرض في خمس و عشرين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم و قام تلك الليلة فله عبادة سنة صام نهارها و قام ليلها»

و عنه انه قال في رواية (4) «خمس و عشرين ليلة من ذي القعدة أنزلت الرحمة من السماء، و انزل تعظيم الكعبة على آدم، فمن صام ذلك اليوم استغفر له كل شيء بين السماء و الأرض»

و في خبر إسحاق بن عبد الله (5) عن أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) في حديث قال: «الأيام التي يصام فيهن أربعة- الى ان قال- و يوم الخامس و العشرين من ذي القعدة فيه دحيت الأرض»

الى غير ذلك من النصوص، و حينئذ فلا إشكال في تأكد صومه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 8 عن عبد الله بن مسعود و فيه

«كان كصوم سبعين سنة»

. (3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 7 و في الأول

«عبادة مائة سنة»

. (4) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 9 و في الأول

«عبادة مائة سنة»

. (5) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 6 هكذا في الوسائل الا ان الصحيح أبو إسحاق بن عبد الله كما تقدم الإشارة إليه في ص 98.

102

نعم في المحكي من حاشية القواعد لثاني الشهيدين دحو الأرض بسطها و المراد هنا بسطها من تحت الكعبة، و هو يقتضي خلق الكعبة قبل بسط الأرض و الموجود في الرواية (1) انه في اليوم الخامس و العشرين من ذي القعدة، و في بعض الروايات (2) دحو الكعبة لا الأرض، و كلها ضعيفة جدا و الحكم بها مشكل لما علم من ان الله تعالى خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ، و ان المراد من اليوم دوران الشمس في فلكها دورة واحدة، و هو يقتضي خلق السموات قبل ذلك، فلا يتم عد الأشهر في تلك المدة، مع ان

ابن بابويه روى (3) ان الكعبة أنزلت يوم التاسع و العشرين من ذلك الشهر،

و إثبات مثل هذه الاحكام المتناقضة بالأخبار الضعيفة بعيد و ان اشتهرت، فرب مشهور لا أصل له، و قد يدفع بأن دحوها غير خلقها، لقوله تعالى (4) «بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا» و اما دحو الكعبة فبمعنى دحو الأرض من تحتها، أو على ظاهره و لا منافاة، فإن الأرض قبل الدحو انما كانت موضع الكعبة، فدحوها هو دحو الأرض بعينه، و أما رواية (5) نزول الكعبة في يوم التاسع و العشرين فالمراد بها الياقوتة أو الدرة التي كانت هناك قبل الطوفان كما ورد في الاخبار (6) و بفهم منها انها الكعبة و القطعة من الأرض موضعها، فالمراد بها في اخبار النزول هي الجوهرة، و في اخبار الدحو موضعها، و الله أعلم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(4) سورة النازعات- الآية 30.

(5) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(6) البحار المجلد 22 ص 14 و 15 من طبعة الكمپاني.

103

[السابع صوم يوم عرفة]

و السابع صوم يوم عرفة و هو اليوم التاسع من ذي الحجة لمن لم يضعفه الصوم عما عزم عليه من الدعاء كما و كيفا و يحقق الهلال على وجه لا يقع في صوم العيد، ل

خبر سليمان الجعفري (1) «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول كان أبي يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، و يأمر بظل مرتفع فيضرب له فيغتسل مما يبلغ منه الحر»

و أرسل الصدوق (2) عن الصادق انه قال:

«صوم يوم التروية كفارة سنة، و صوم يوم عرفة كفارة سنتين»

بل قال:

روي (3) «ان في تسع من ذي الحجة نزلت توبة داود، فمن صام ذلك اليوم كان كفارة تسعين سنة»

و في صحيح ابن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «انه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: أنا أصومه»

و في خبر عبد الرحمن (5) عن أبي الحسن (عليه السلام) «صوم يوم عرفة يعدل السنة»

الى غير ذلك من النصوص التي لا ينافيها وقوع ترك صومه من بعضهم (عليهم السلام) المحتمل كونه للضعف عن الدعاء، و مخافة الوقوع في صوم العيد، و مخافة الناسي به، فيكون واجبا، كما نص عليه

الحسين (عليه السلام) في خبر سالم (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «اوصى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى علي (عليه السلام) وحده، و اوصى علي (عليه السلام) الى الحسن و الحسين (عليهما السلام) جميعا، فكان الحسن امامه، فدخل رجل يوم عرفة على الحسن (عليه السلام) و هو يتغدى و الحسين (عليه السلام) صائم، ثم جاء بعد ما قبض الحسن (عليه السلام) فدخل على الحسين (عليه السلام) يوم عرفة و هو يتغدى و علي بن الحسين (عليه السلام) صائم ثم دخلت عليك و أنت مفطر، فقال: ان الحسن (عليه السلام) كان إماما فأفطر

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 10.

(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 13.

104

لئلا يتخذ صومه سنة و ليتأسى به الناس، فلما قبض كنت أنا الإمام فأردت أن لا يتخذ صومي سنة فيتأسى الناس بي»

و لعله على ذلك ينزل

خبر محمد بن مسلم (1) «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يصم يوم عرفة منذ نزل صيام شهر رمضان»

و على ان المراد لم يصمه بعنوان الوجوب، أو لأنه يضعفه عن الدعاء، فإن الذي يظهر من النصوص ان الدعاء فيه أفضل من صومه

قال محمد بن مسلم (2) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صوم يوم عرفة فقال:

من قوي عليه فحسن ان لم يمنعك من الدعاء فإنه يوم دعاء و مسألة فصمه و ان خشيت ان تضعف عن ذلك فلا تصمه»

و قال سدير (3) «سألته أيضا عن صوم يوم عرفة فقلت: جعلت فداك انهم يزعمون انه يعدل صوم السنة قال: كان أبي لا يصومه، قلت: و لم ذاك جعلت فداك؟ قال: انه يوم دعاء و مسألة، و أتخوف أن يضعفني عن الدعاء و اكره أن أصومه، و أتخوف ان يكون يوم عرفة يوم اضحى و ليس بيوم صوم»

و منه يعلم الوجه في اعتبار تحقق الهلال في استحباب صومه؛ كما انه يمكن ان يكون الترك من بعض أئمتنا (عليهم السلام) لصومه لغلبة كونه عيدا في تلك الأزمنة كما

عن الصادق (عليه السلام) (4) «انه لما قتل الحسين (عليه السلام) أمر الله ملكا ينادي أيتها الأمة الظالمة القاتلة عترة نبيها لا وفقكم الله لصوم و لا فطر»

و في حديث آخر (5) «لا وفقكم الله لفطر و لا اضحى»

بل مقتضاه كالخبر السابق كراهية صومه في الحالين المزبورين المنزل عليهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب الحديث 6.

(4) الفقيه ج 2 ص 54- الرقم 236.

(5) الفقيه ج 2 ص 54- الرقم 237.

105

خبر زرارة (1) عن الصادقين (عليهما السلام) «لا تصم في يوم عاشوراء و لا عرفة بمكة و لا في المدينة و لا في وطنك و لا في مصر من الأمصار»

و الله أعلم.

[الثامن صوم يوم عاشوراء]

و الثامن بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الغنية الإجماع عليه صوم يوم عاشوراء و هو اليوم العاشر من المحرم الذي قتل فيه أبو عبد الله (عليه السلام) لا التاسع كما عن ابن عباس في أحد النقلين عنه، ل

خبر أبي همام (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) «صام رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم عاشوراء»

و خبر عبد الله بن ميمون القداح (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «صيام يوم عاشوراء كفارة سنة»

و خبر مسعدة بن صدقة (4) عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) قال:

صوموا العاشوراء التاسع و العاشر فإنه يكفر ذنوب سنة»

و خبر كثير النواء (5) عن الباقر (عليه السلام) «لزقت السفينة يوم عاشوراء على الجودي فأمر نوح من معه من الجن و الإنس أن يصوموا ذلك اليوم».

لكن قيده المصنف و جماعة بأن يكون على وجه الحزن لمصاب سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام) و ما جرى عليه في ذلك اليوم مما ينبغي لوليه ان يمنع نفسه عن الطعام و الشراب طول عمره فضلا عن ذلك اليوم، لا أن يكون على جهة التبرك و الشكر كما يصنعه بنو أمية و اتباعهم، و بذلك جمع الشيخان و غير هما بين ما سمعت و بين النصوص المتضمنة للنهي عن صومه، ك

صحيح زرارة و محمد بن مسلم (6) «سألا الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم تاسوعاء و عاشوراء من شهر المحرم فقال (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2 و هو خبر أبان عن عبد الملك.

106

تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام) و أصحابه بكربلاء، و اجتمع عليه خيل أهل الشام و أناخوا عليه، و فرح ابن مرجانة و عمر بن سعد بتوافر الخيل و كثرتها و استضعفوا الحسين (عليه السلام) و أصحابه كرم الله وجوههم، و أيقنوا ان لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر و لا يمده أهل العراق، بابي المستضعف الغريب، ثم قال: و اما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين (عليه السلام) صريعا بين أصحابه، و أصحابه صرعى حوله، أ فصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلا و رب البيت الحرام ما هو يوم صوم و ما هو إلا يوم حزن و مصيبة دخلت على أهل السماء و أهل الأرض و جميع المؤمنين، و يوم فرح و سرور لابن مرجانة و آل زياد و أهل الشام غضب الله عليهم و على ذرياتهم، و ذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلاف بقعة الشام، فمن صام أو تبرك به حشره الله تعالى مع آل زياد ممسوخ القلب و مسخوطا عليه، و من اذخر فيه الى منزله ذخيرة أعقبه الله نفاقا في قلبه الى يوم يلقاه، و انتزع البركة عنه و عن أهل بيته و ولده، و شاركه الشيطان في جميع ذلك»

و خبر جعفر بن عيسى (1) «سألت الرضا (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء و ما يقول الناس فيه، فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني، ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (عليه السلام) و هو يوم يتشأم به آل محمد (صلى الله عليه و آله) و يتشأم به أهل الإسلام، و اليوم الذي يتشأم به لا يصام و لا يتبرك به، و يوم الاثنين يوم نحس قبض الله فيه نبيه (صلى الله عليه و آله)، و ما أصيب آل محمد (صلى الله عليه و آله) إلا يوم الاثنين، فتشأمنا منه و تبرك به عدونا، و يوم عاشوراء قتل فيه الحسين (عليه السلام) و تبرك به ابن مرجانة و تشأم به آل محمد (صلى الله عليه و آله) فمن صامهما أو تبرك بهما لقي الله تبارك و تعالى ممسوخ القلب، و كان محشره مع الذين سنوا صومهما و التبرك بهما»

و خبر يزيد النرسي (2) قال: «سمعت عبيد بن زرارة

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4 عن زيد النرسي.

107

يسأل الصادق (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء فقال: من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة و آل زياد، قال: قلت و ما كان حظهم من ذلك قال:

النار أعاذنا الله من النار و من عمل يقرب من النار»

و خبر نجية بن الحرث العطار (1) «سألت الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان، و المتروك بدعة قال: نجية فسألت الصادق (عليه السلام) من بعد أبيه فأجابني بمثل جواب أبيه، ثم قال: أما انه صوم يوم ما نزل به كتاب و لا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين (عليه السلام)»

و منه يعلم ان صومه كان واجبا خلافا لأبي حنيفة، و خبر زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) أيضا «لا تصم في يوم عاشوراء و لا عرفة بمكة»

و قد تقدم، و خبر الحسين بن أبي منذر (3) عن أبيه عن الصادق (عليه السلام) «سألته عن صوم عرفة فقال: عيد من أعياد المسلمين و يوم دعاء و مسألة، قلت: فصوم عاشوراء قال: ذلك يوم قتل فيه الحسين (عليه السلام) فان كنت شامتا فصم، ثم قال: ان آل أمية نذروا انذرا ان قتل الحسين (عليه السلام) ان يتخذوا ذلك عيدا لهم، فيصومون شكرا و يفرحون، فصارت آل سفيان سنة الى اليوم، فلذلك يصومونه و يدخلون على عيالاتهم و أهاليهم الفرح ذلك اليوم، ثم قال ان الصوم لا يكون للمصيبة، و لا يكون إلا شكرا للسلامة، و ان الحسين (عليه السلام) أصيب يوم عاشوراء، فان كنت فيمن أصيب به فلا تصم و ان كنت ممن سره سلامة بني أمية فصم شكرا لله».

بل جزم بعض متأخري المتأخرين بالحرمة ترجيحا لهذه النصوص و حملا لتلك على التقية، و أن صوم رسول الله (صلى الله عليه و آله) انما كان قبل نزول شهر رمضان

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 7 و هو عن الحسين بن أبي غندر عن أبيه.

108

لا على الوجه المزبور الذي قد ينافيه

قول الصادق (عليه السلام) (1) «ان الصوم لا يكون للمصيبة»

الى آخره. لكن فيه- مع انه مناف لظاهر اتفاق الأصحاب و معلومية حصر الحرمة في غيره- ان أقصى ما يستفاد من هذه النصوص الكراهة خصوصا بعد جمعه مع الاثنين و مع يوم عرفة، كمعلومية أن المذموم و المنهي عنه اتخاذه كما يتخذه المخالفون و التبرك به و إظهار الفرح و السرور فيه، لا أن المنهي عنه مطلق صومه و انه كالعيد و أيام التشريق و إلا لم يكن ليخفى مثل ذلك على زرارة و محمد بن مسلم حتى يسألا عنه، ضرورة حينئذ كونه كصوم العيدين، نعم قد يقال بنفي التأكد عنه لمشاركته في الصورة لأعداء الله و ان اختلفت النية، بل لعل ذلك انما يكون إذا لم يتمكن من إفطاره و لو للتقية، فينوي فيه الوجه المزبور لا مطلقا، خصوصا مع ملاحظة

خبر عبد الله بن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «دخلت عليه يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون ظاهر الحزن، و دموعه تنحدر كاللؤلؤ المتساقط، فقلت يا بن رسول الله (صلى الله عليه و آله) مم بكاؤك لا ابكى الله عينيك، فقال لي: أو في غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين (عليه السلام) أصيب في مثل هذا اليوم؟ فقلت يا سيدي فما قولك في صومه؟ قال لي صمه من غير تبييت و أفطره من غير تشميت، و لا تجعله صوم يوم كملا، و ليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنه في ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل الرسول (صلى الله عليه و آله) و انكشف الملحمة عنهم»

و خصوصا بعد ما روي (3) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 7.

(2) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 9.

(3) علل الشرائع- ج- 1- الباب 162- الحديث 3- ص 217 الطبع الحديث.

109

ميثم التمار في حديث طويل مما يدل على كذب ما ذكروا وقوعه فيه من خروج يونس من بطن الحوت، و استواء سفينة نوح على الجودي، و قبول توبة داود و توبة آدم، و يوم فلق الله البحر لبني إسرائيل، و به يظهر ضعف خبر كثير النواء (1) الذي روى ذلك، مضافا الى ما قيل فيه (2) من أنه بتري عامي قد تبرأ الصادق (عليه السلام) منه في الدنيا و الآخرة، و على كل حال فلا ريب في جواز صومه سيما على الوجه الذي ذكره الأصحاب، و ما في المسالك من أن مرادهم بصومه على جهة الحزن الإمساك إلى العصر كما في الخبر المزبور واضح الضعف، بل يمكن القطع بفساده بأدنى ملاحظة، و الله أعلم.

[التاسع صوم يوم المباهلة]

و التاسع صوم يوم المباهلة بأمير المؤمنين (عليه السلام) و زوجته و ولديه (عليهما السلام) و هو اليوم الرابع و العشرين من ذي الحجة، قيل و هو الذي تصدق فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه في ركوعه (3) فنزل قوله تعالى (4) «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» و أظهر الله فيه نبيه (صلى الله عليه و آله) على خصمه (5) كما أنه ظهر فيه قرب سيدنا علي (صلوات الله عليه) من ربه و أنه نفس رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) (6) فهو حينئذ أشرف الأيام الذي ينبغي فيه الصيام

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(2) راجع رجال الكشي في ترجمة كثير النواء.

(3) البحار- ج 35 ص 190 الطبع الحديث.

(4) سورة المائدة- الآية 60.

(5) إرشاد المفيد ص 78 و البحار المجلد 6- الباب 62 ص 639 و المجلد 9 الباب 7 من طبعة الكمپاني و ص 257 من ج 35 الطبع الحديث.

(6) البحار- ج 35 ص 257 الطبع الحديث.

110

شكرا لهذه النعم الجسام و المنن العظام.

[العاشر و الحادي عشر صوم كل خميس و كل جمعة]

و العاشر و الحادي عشر صوم كل خميس لانه اليوم الذي تعرض فيه الاعمال و كل جمعة ل

خبر الزهري (1) عن علي بن الحسين (عليهما السلام) «و أما الصوم الذي يكون صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الخميس و الجمعة و الاثنين»

و قول الرضا (عليه السلام) في المحكي عن العيون (2) بسنده اليه «من صام يوم الجمعة صبرا و احتسابا أعطي ثواب صيام عشرة أيام غرر زهر لا تشاكل أيام الدنيا»

و خبر هشام (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل يريد أن يفعل شيئا من الخير مثل الصدقة و الصوم و نحو هذا قال: يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة، فإن العمل يوم الجمعة يضاعف»

و قال عبد الله بن سنان (4): «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) صائما يوم الجمعة فقلت له: جعلت فداك ان الناس يزعمون انه يوم عيد، فقال:

كلا انه يوم خفض و دعة»

و للمحكي من فعله في خبر محمد بن مروان (5) عن الصادق (عليه السلام) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصوم حتى يقال لا يفطر، و يفطر حتى يقال لا يصوم، ثم صام يوما و أفطر يوما، ثم صام الاثنين و الخميس، و كان (عليه السلام) يقول: ذلك صوم الدهر»

، و في خبر أنس بن مالك (6) المروي في المقنعة عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) «من صام من شهر حرام الخميس و الجمعة و السبت كتب الله له عبادة تسعمائة سنة»

لكن عن ابن الجنيد ان صوم الاثنين و الخميس منسوخ، و صوم السبت منهي عنه عن النبي (صلى الله عليه و آله)، و فيه كما في المختلف و كذا الدروس انه لم يثبت عندنا

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المندوب الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5 مع الاختلاف.

(6) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الصوم المندوب الحديث 4.

111

شيء من ذلك، و لم يذكر المشهورون من علمائنا ذلك، نعم روى جعفر بن عيسى (1) عن الرضا (عليه السلام) ما سمعته سابقا في صوم عاشوراء، فان صح كان صوم الاثنين مكروها لا منسوخا، و إلا فلا، و كذا ما حكي عنه أيضا من انه لا يستحب إفراد يوم الجمعة بصيام، فان تلا به ما قبله أو استفتح جاز، نحو ما رواه

الجمهور عن أبي هريرة الكذاب (2) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا قبله أو بعده»

و روايتهم (3) «انه سأل رجل جابر بن عبد الله و هو يطوف فقال له: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن صيام يوم الجمعة قال: نعم و رب الكعبة»

و في شرح الأصبهاني انه ان صح يمكن حمله على كراهيته لمن يضعفه عن الفرائض و نوافل الجمعة و الأدعية و أداء صلاتها على وجهها و السعي، و هو كما ترى انما يحتمل في الأخير دون الأول الموافق

للمروي (4) عن العيون بسنده الى آدم بن فضة عن الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) «لا تفرد الجمعة بصوم»

كما أن ما في الوسائل- من احتمال الأول النسخ، و التأويل بإرادة نفي الوجوب، و كون الاستثناء منقطعا، أو الكراهة، أو نفي تأكد الاستحباب قال: و هما متقاربان- لا يخفى عليك ما فيه، فليس حينئذ إلا الطرح أو نحوه للقصور، خصوصا بعد اعتضاد الأول بفتوى الأصحاب، أو يحمل على الزيادة في التأكد كما أومأ إليه الشيخ في المصباح، قال: روي الترغيب في صومه إلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(2) صحيح مسلم ج 3 ص 154 «باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردا» 3 من كتاب الصيام.

(3) صحيح مسلم ج 3 ص 154 «باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردا» 1 من كتاب الصيام.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3 عن دارم بن قبيصة.

112

ان الأفضل ان لا ينفرد بصومه الا بصوم يوم مثله قبله، و الأمر سهل.

[الثاني عشر أول ذي الحجة]

و الثاني عشر أول ذي الحجة ل

مرسل سهل (1) عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) «في أول يوم من ذي الحجة ولد إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) فمن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهرا»

و لا ينافيه ما في خبر الوشاء (2) عن الرضا (عليه السلام) المتقدم «ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة ولد فيها إبراهيم (عليه السلام)»

لاحتمال كونه ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و مرسل (3) ابن بابويه و غيره عن موسى بن جعفر (عليه السلام) «من صام أول يوم من ذي الحجة كتب الله له صوم ثمانين شهرا، فان صام التسع كتب الله له صوم الدهر»

بل قال في المحكي عنه في كتاب ثواب الأعمال انه

روي (4) «من صامه كان كفارة تسعين سنة»

كما انه

روي (5) فيه مسندا إلى عائشة «ان شابا كان صاحب سماع و كان إذا أهل هلال ذي الحجة أصبح صائما، فارتفع الحديث الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأرسل إليه فدعاه فقال: ما يحملك على صيام هذه الأيام؟ فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أيام المشاعر و أيام الحج عسى الله أن يشركني في دعائهم، قال: فان لك بكل يوم تصومه عدل عتق مأة رقبة و مأة بدنة و مأة فرس يحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم التروية فلك عدل ألفي رقبة و ألفي بدنة و ألفي فرس يحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم عرفة فلك عدل ألفي رقبة و ألفي بدنة و ألفي فرس يحمل عليها في سبيل الله، و كفارة ستين سنة قبلها و ستين سنة بعدها».

____________

(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصوم المندوب الحديث 3.

(4) لم نجد ذلك في كتاب ثواب الاعمال و انما رواه في الوسائل عن الفقيه في الباب- 18- من أبواب الصوم المندوب الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصوم المندوب الحديث 6.

113

[الثالث عشر و الرابع عشر صوم رجب و كذا شعبان]

و الثالث عشر و الرابع عشر صوم رجب كله أو بعضه و لو يوما منه أولا أو آخرا أو وسطا و كذا شعبان بالضرورة من المذهب أو الدين، بل لا يمكن إحصاء ما ورد في فضل صومهما من سنة سيد المرسلين و عترته الهادين، كما لا يمكن إحصاء ما وعد الله على ذلك إلا لرب العالمين، بل من شدة ما ورد في شعبان منهما ابتدع أبو الخطاب و أصحابه وجوبه، و جعلوا على إفطاره كفارة، و لعله لذا ترك كثير من الأئمة (عليهم السلام) صيامه مظهرين للناس بذلك عدم وجوبه في مقابلة بدعة أبي الخطاب لعنه الله، بل يستفاد مما ورد فيهما أحكام أخر متعلقة بهما كالاستغفار و الصدقة (1) و نحوهما، كما يستفاد من النصوص ثبوت التأكد في غير ذلك أيضا كالنيروز (2) و أول يوم من المحرم و ثالثه و سابعه (3) و التاسع و العشرين من ذي القعدة (4) و ستة أيام بعد العيد (5) لكن في الدروس و فيها بحث ذكرناه في القواعد، و روي صحيحا (6) كراهة صيام ثلاثة بعد الفطر بطريقين، و صوم داود (عليه السلام) يوم و يوم لا (7) و يوم التروية (8) و ثلاثة أيام للحاجة

____________

(1) الوسائل- الباب- 27 و 30- من أبواب الصوم المندوب.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الصوم المندوب.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 1 و 2 و 9 و 10 و في الحديث الأخير

«فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما»

. (4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الصوم المندوب.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الصوم المحرم و المكروه.

(7) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الصوم المندوب.

(8) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 4 و 6.

114

بالمدينة (1) و يوم النصف من جمادى الأولى (2) و غير ذلك لكن قد سمعت ما في الدروس في الستة الأيام بعد الفطر، و الأولى صومها بعد مضي الثلاثة ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر زياد بن أبي الجلال (3): «لا صيام بعد الأضحى ثلاثة أيام و لا بعد الفطر ثلاثة أيام، إنها أيام أكل و شرب»

و سأله (عليه السلام) أيضا عبد الرحمن بن الحجاج (4) عن اليومين بعد الفطر فقال له: «اكره لك ان تصومهما»

كما ان

حريز (5) روى عنهم (عليهم السلام) «إذا أفطرت من رمضان فلا تصومن بعد الفطر تطوعا إلا بعد ثلاثة يمضين»

و ان اقتصر المصنف منه على هذه الأربعة عشر، و الله أعلم.

هذا كله في الصوم المندوب و أما صوم التأديب فقد عرفت فيما تقدم أنه يستحب الإمساك تأديبا و إن لم يكن صوما شرعا، و هو المراد بصوم التأديب كما في خبر الزهري (6) في سبعة مواطن: المسافر إذا قدم أهله أو بلدا يعزم فيه الإقامة عشرا فما زاد بعد الزوال أو قبله و قد أفطر، و كذا المريض إذا بريء بعده أو قبله و قد تناول و تمسك الحائض و النفساء إذا طهرتا في أثناء النهار، و الكافر إذا أسلم، و الصبي إذا بلغ، و المجنون إذا أفاق، و كذا المغمى عليه من غير فرق فيها بين ما قبل الزوال و بعده كما تقدم الكلام فيها مفصلا و لا يجب عندنا صوم النافلة بالدخول فيه إلا في الاعتكاف على

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب المزار من كتاب الحج.

(2) مصباح المتهجد ص 554.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1 عن زياد بن أبي الحلال.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 2 عن أبي الحسن (عليه السلام) على ما في الكافي.

(5) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 23- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

115

قول يأتي للأصل، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح جميل (1) في الذي يقضي شهر رمضان: «إنه بالخيار إلى زوال الشمس، و إن كان تطوعا فإنه إلى الليل بالخيار»

و قوله (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان (2): «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل متى شئت، و صوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك ان تفطر»

إلى غير ذلك من النصوص التي لا أجد خلافا في الفتوى بمضمونها، بل الإجماع بقسميه عليه، فالنهي عن إبطال العمل في الآية (3) يجب تنزيله على غير ذلك بناء على شموله له و حينئذ ف له الإفطار في أي وقت شاء و لكن يكره بعد الزوال ل

خبر مسعدة بن صدقة (4) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه السلام) المحمول على ذلك أو نحوه لقصوره عن معارضة ما دل على الجواز من وجوه لا تخفى، قال: «إن عليا (عليه السلام) قال: الصائم تطوعا بالخيار ما بينه و بين نصف النهار، فإذا انتصف النهار فقد وجب الصوم»

و المناقشة بأنه انما يدل على تأكد الندب بعد التجوز بلفظ الوجوب لا الكراهة يدفعها ان المفهوم الأول يقضي بكون المراد من الوجوب مجازا الراجح الفعل المكروه الترك، على انه قد يحتج لها ب

خبر معمر بن خلاد (5) عن أبي الحسن (عليه السلام) «قلت له: النوافل ليس لي ان أفطر فيها بعد الظهر قال: نعم»

و المناقشة باحتمال كون المراد من «نعم» أن لك أن تفطر نحوها في قوله:

أ ليس الليل يجمع أمر عمرو * * * و إيانا فذاك بنا تداني

نعم و أرى الهلال كما تراه * * * و يعلوه النهار كما علاني

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 9.

(3) سورة محمد (صلى الله عليه و آله) الآية 35.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 11.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب وجوب الصوم الحديث 5.

116

يدفعها انه لا ينافي الظهور الذي يكفي في غيرها من الأحكام فضلا عن الكراهة المبنية على التسامح، نعم ينبغي تقييدها بالإفطار اقتراحا لا الأعم الشامل من دعي إلى طعام، فإنه لا كراهة فيه، بل ربما كره له المضي على الصوم كما ستعرف.

[صوم المكروه]

و أما القسم الثالث من الصوم ف المكروه على حسب كراهة غيره من العبادات، و قد ذكر المصنف منه أربعة:

[الأول صوم عرفة لمن خشي أن يضعفه عن الدعاء]

الأول ما عرفته سابقا من صوم عرفة لمن خشي أن يضعفه عن الدعاء الذي هو أفضل من الصوم و كذا يكره مع الشك في الهلال و لو لوجود غيم و نحوه مما يفيد التخوف أن يكون يوم أضحى، لصحيح محمد بن مسلم (1) و خبر سدير (2) المتقدمين سابقا.

[الثاني صوم النافلة في السفر]

و الثاني ما تقدم سابقا من صوم النافلة في السفر عند المصنف و جماعة عدا ثلاثة أيام بالمدينة للحاجة و قد عرفت تحقيق الحال في ذلك، فلاحظ و تأمل.

[الثالث صوم الضيف نافلة من دون إذن مضيفه]

و الثالث صوم الضيف نافلة من دون إذن مضيفه كما في القواعد و الدروس و المحكي عن سلار، و يقرب منه ما في الغنية من انه يستحب أن لا يصوم إلا باذنه، و نحوه ما في الوسيلة و المنتهى و التذكرة ل

خبر الزهري (3) عن علي بن الحسين (عليهما السلام) «و الضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه، قال

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 4 و في الأول النهي عن الصوم مع خوف الضعف فقط، و أما الخوف عن كونه يوم أضحى فهو في خبر سدير كما تقدم في ص 104.

(2) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 6 و في الأول النهي عن الصوم مع خوف الضعف فقط، و أما الخوف عن كونه يوم أضحى فهو في خبر سدير كما تقدم في ص 104.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1.

117

رسول الله (صلى الله عليه و آله): من نزل على قوم فلا يصوم تطوعا إلا بإذنهم»

المحمول على ذلك، لعدم صلاحيته سندا لتقييد أصالة الجواز و عدم الاشتراط المستفادة من إطلاق الأمر بالصوم الذي هو جنة من النار

كالنهي (1) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) التي أكثرها من ذلك، أو المستحب «يا علي لا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها، و لا يصوم العبد تطوعا إلا بإذن مولاه، و لا يصوم الضيف تطوعا إلا بإذن صاحبه»

خصوصا بعد إشعار «لا ينبغي» مع التعليل في خبر الفضيل بن يسار (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) بها، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، و لا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم لئلا يعملوا الشيء فيفسد عليهم، و لا ينبغي لهم أن يصوموا إلا بإذن الضيف لئلا يحتشمهم، فيشتهي الطعام فيتركه لهم»

بل لعلها تفوح أيضا من

قول الصادق (عليه السلام) في خبر هشام بن الحكم (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه، و من طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوعا إلا باذنه، و من صلاح العبد و طاعته أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و أمره، و من بر الولد أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن أبويه و أمر هما، و إلا كان الضيف جاهلا و كانت المرأة عاصية و كان العبد فاسقا و كان الولد عاقا»

و زاد في المروي (4) عن العلل في الأخير «و لا يحج تطوعا، و لا يصلي تطوعا»

ضرورة كون المقصود منها المبالغة في تحقق الأوصاف المزبورة، لا ان المراد بيان المصداق، فإطلاق الشيخين و جماعة النهي عن الصوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 3.

118

بدون الاذن منزل على ذلك أو محجوج به كالذي في المعتبر و السرائر و النافع و الإرشاد و التلخيص و التبصرة من انه لا يصح، بل و زاد في الثاني يكون مأزورا لا مأجورا بل في الأول الإجماع عليه، و هو مع معارضته بإجماع الغنية الذي يشهد له التتبع و يعضده ما عرفت واضح الضعف بعد مصيره نفسه إلى خلافه هنا، اللهم إلا ان ينزل على النهي فيكون كقوله في المتن و الأظهر انه لا ينعقد مع النهي و هو القول الثالث المفصل بين عدم الاذن فيكره، و بين النهي فلا ينعقد، و فيه ان الأدلة المزبورة قد اعتبرت عدم الاذن الشامل للنهي و عدمه، فلا دليل حينئذ على التفصيل المزبور، اللهم إلا ان يقال بدلالة خبر هشام عليه باعتبار عدم تحقق العقوق و العصيان في الزوجة و العبد إلا بالنهي، و كذا الجهل فان المراد به الجهل بحق المضيف و ما يجب رعايته من جانبه، فان صام بدون إذنه و لا علمه لم يحصل له انكسار قلب إلا إذا قدم ما يتناوله، فيمتنع منه، و هو غير لازم، فلا جهل بالصوم من غير علمه، و انما يكون إذا نهي فلم ينته، و هو كما ترى، فان الجهل لا يتعين ان يكون بالمعنى المذكور، و لو سلم فاقتضاؤه الفساد ممنوع، و أغرب من ذلك الاستدلال عليه بفحوى كراهة استدامة الصوم إذا دعي إلى طعام، فإنها تقتضي مرجوحية الابتداء عند نهي المضيف، و لا تقع العبادة مرجوحة فإنه لا يليق وقوعه من محصل، كما لا يليق بالخريت الماهر المتدبر العارف بأساليب كلامهم (عليهم السلام) و ما يلحنون به من خطاباتهم و يرمزون به فهم غير الكراهة من هذه النصوص القاصرة عن إفادة غيرها سندا و دلالة، كما هو واضح.

و على كل حال فقد قيل: إن الحكم باشتراط الاذن في الصوم صحة أو فضلا ثابت و إن جاء نهارا فلا يتمه إلا بالإذن، لإطلاق النص و الفتوى ما لم تزل الشمس، فان زالت لم يشترط، لإطلاق النص و الفتوى بكراهة الإفطار بعده، و فيه أن بين الإطلاقين تعارض العموم من وجه، و دعوى ظهور الإطلاقات هنا في

119

ابتداء الصوم دون استدامته يمكن معارضتها أولا بظهور ذلك الإطلاق في الاشتراط من حيث الصوم نفسه لا من حيث الضيافة، و ثانيا بأنها منافية لتعميم الاشتراط لما قبل الزوال، و لولا أن الكراهة مما يتسامح بها أمكن القول بعدمها في الفرض للأصل، أما على الحرمة مطلقا أو مع النهي فالمتجه ذلك، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

و كذا يكره صوم الولد و إن نزل في احتمال من غير إذن والده و إن علا كذلك كما في القواعد و كذا المنتهى و التذكرة لعين ما سمعته في الضيف خلافا للنافع و الإرشاد و التلخيص و التبصرة و الدروس و شرح الإرشاد لفخر الإسلام على ما حكي عن بعضها، فلم يصح لخبر هشام (1) المتقدم الدال على اعتبار إذن الوالدين معا، قيل: و يمكن حمل الوالد في كلام الأصحاب على الجنس الشامل للذكر و الأنثى و الواحد و المتعدد، و هو كما ترى، فلا عامل به حينئذ على ظاهره، و هو مضعف آخر للعمل به، مضافا إلى ضعف سنده و غيره مما عرفت سابقا، و من ذلك يظهر لك ضعف القول بعدم الصحة، بل لعله كذلك حتى مع النهي، لعدم ما يدل على وجوب طاعته في ذلك ما لم يستلزم إيذاء بذلك من حيث الشفقة التي لا فرق بين الوالد و الوالدة معها، و هو خارج عن محل البحث، و الله أعلم.

[الرابع الصوم ندبا لمن دعي إلى طعام]

و الرابع الصوم ندبا لمن دعي إلى طعام كما ذكره الفاضل و الشهيد، لكن في المدارك و غيرها انه لم نقف على ما يدل عليها من النصوص، و انما تدل على أفضلية القطع التي حكى الاتفاق عليها في المعتبر، قال

علي بن حديد (2):

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 7 عن علي ابن حديد عن عبد الله بن جندب.

120

«قلت لأبي الحسن الماضي (عليه السلام): أدخل على القوم و هم يأكلون و قد صليت العصر و أنا صائم فيقولون: أفطر فقال: أفطر فإنه أفضل»

و قال الصادق (عليه السلام) في خبر داود (1): «لإفطارك في منزل أخيك المسلم أفضل من الصيام سبعين ضعفا أو تسعين ضعفا»

و الترديد من الراوي، أو تقسيم من الامام (عليه السلام) بحسب تفاوت الاخوة و الأغراض و الدواعي، و قال أبو جعفر (عليه السلام) (2): «من نوى الصوم ثم دخل على أخيه فسأله أن يفطر عنده فليفطر و ليدخل عليه السرور، فإنه يحسب له بذلك اليوم عشرة أيام، و هو قول الله عز و جل (3) مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا»

و قال (عليه السلام) أيضا في صحيح جميل (4): «من دخل على أخيه و هو صائم فأفطر عنده و لم يعلمه بصومه فيمن عليه كتب الله له صوم سنة»

و لعله لذا قيد ابن إدريس الأفضلية بعدم الاعلام، و فيه ان ذلك مستحب في مستحب، و يمكن ان يكون مراده إلى غير ذلك من النصوص التي لا تدل إلا على أفضلية القطع من الصوم، و الاكتفاء بذلك لإثبات الكراهة و إن كانت في العبادة غير واضح.

نعم قد يستدل عليها مضافا إلى فتوى المصنف و غيره بها بما دل على النهي عن معارضة المؤمن و ترك إجابته، بل

قال الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة بن مهران (5): «إذا دخلت إلى منزل أخيك فليس لك معه أمر»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر الحسين بن حماد (6): «إذا قال أخوك: كل و أنت صائم فكل و لا تلجئه إلى ان يقسم عليك»

و كفى بذلك دليلا لمثلها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 6 و في الثالث «قال أبو عبد الله (عليه السلام). إلخ».

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 1 و في الثالث «قال أبو عبد الله (عليه السلام). إلخ».

(3) سورة الأنعام- الآية 161.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 4 و في الثالث «قال أبو عبد الله (عليه السلام). إلخ».

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 14 و في الثالث «قال أبو عبد الله (عليه السلام). إلخ».

(6) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 11 و في الثالث «قال أبو عبد الله (عليه السلام). إلخ».

121

و كيف كان فقد قيل أيضا: إن مقتضى إطلاق النص و الفتوى انه لا فرق بين من هيأ له طعاما و غيره، و بين من يشق عليه المخالفة و غيره، قلت: لكن قد يومي ما في بعضها مما هو كالتعليل لذلك بإدخال السرور و نحوه إلى خلاف ذلك بل في خبر الحسين بن حماد (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أدخل على رجل و أنا صائم فيقول لي: أفطر فقال: إن كان ذلك أحب إليه فأفطر».

و على كل حال فقد نص الفاضلان و غير هما على اشتراط كونه مؤمنا، و لعله لكونه المتبادر من الأخ، و لأنه الذي رعايته أفضل من الصوم.

ثم إن الحكمة في الإفطار ليست من حيث الأكل بل من حيث إجابة دعاء المؤمن و عدم رد قوله، و انما يتحقق الثواب على الإفطار مع قصد الطاعة به لذلك و نحوه من إدخال السرور و غيره لا بمجرده؛ لأنه عبادة يتوقف ثوابها على النية، فتأمل جيدا.

و ظاهر المصنف و غيره عدم الفرق في ذلك بين الصوم المندوب و غيره من الواجب الموسع كالقضاء، لإطلاق النص و التعليل بإدخال السرور، و خبر عبد الله الخثعمي (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينوي الصوم فيلقاه أخوه الذي هو على أمره أ يفطر؟ قال: إن كان تطوعا أجزأه و حسب له، و إن كان قضاء فريضة قضاه»

و الله أعلم.

[أما الصوم المحظور]

و أما الصوم المحظور ف تسعة:

[الأول و الثاني صوم يومي العيدين]

الأول و الثاني صوم يومي العيدين بإجماع علماء الإسلام و النصوص المستفيضة (3) نعم قد استثنى الشيخ من ذلك خصوص القاتل في أشهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب آداب الصائم- الحديث 2 عن صالح بن عبد الله الخثعمي.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصوم المحرم و المكروه.

122

الحرم فإنه يصوم شهرين منها و إن دخل فيهما العيد و أيام التشريق، و قد عرفت ضعفه فيما تقدم.

[الثالث و الرابع و الخامس أيام التشريق]

و الثالث و الرابع و الخامس أيام التشريق لمن كان بمنى و هي الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر من ذي الحجة بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الغنية و المعتبر و التذكرة و المنتهى الإجماع عليه، و في خبر الزهري (1) «و أما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر و يوم الأضحى و ثلاثة أيام من أيام التشريق»

و في خبر زياد بن أبي الجلال (2) عن الصادق (عليه السلام) «لا تصم بعد الأضحى ثلاثة أيام، و لا بعد الفطر ثلاثة أيام إنها أيام أكل و شرب»

و في صحيح أبي أيوب (3) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل كان عليه صوم شهرين متتابعين في ظهار فصام ذا القعدة و دخل عليه ذو الحجة كيف يصنع؟ قال: يصوم ذا الحجة كله إلا أيام التشريق في منى، ثم يقضيها في أول يوم من المحرم حتى يتم ثلاثة أيام»

إلى غير ذلك من النصوص التي هي و إن كانت مطلقة كبعض الفتاوي لكن يجب تنزيلها على من كان بمنى، ل

صحيح معاوية بن عمار (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصيام أيام التشريق فقال: أما بالأمصار فلا بأس، و أما بمنى فلا»

و للإجماع في الروضة على عدم الحرمة لمن لم يكن بمنى، و ربما لحظ المطلق أن جمعها كاف عن تقييد كونها بمنى لأن أقل الجمع ثلاثة، و أيام التشريق لا تكون ثلاثة إلا بمنى،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1 عن زياد بن أبي الحلال.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصوم الواجب- الحديث 8.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1.

123

أما في غيرها فيومان لا غير، إذ لا يجزي التضحية بعد اليومين و لا يستحب أو يجب التكبير إلا فيهما، و حينئذ يرتفع الخلاف في البين، و لا يكون قول المصنف هنا:

على الأشهر إشارة إلى هذا الخلاف و إن كان قد يشهد له ما في المعتبر، بل هو إشارة إلى ما سمعته سابقا من خلاف الشيخ في خصوص القاتل في أشهر الحرم كما يشهد لذلك عبارته في النافع، فلاحظ و تأمل، و قد عرفت ضعفه فيما تقدم كما انك قد عرفت و تعرف إن شاء الله ضعف ما عن ابن الجنيد من جواز صيامها بدل كفارة الهدي، و ما عن غيره من جواز صوم الثالث منها في ذلك، إذ الجميع كما ترى مناف لإطلاق النص و الفتوى، هذا.

و في المسالك انه يمكن أن يعود قيد «على الأشهر» إلى ما دل عليه إطلاق تحريم صوم هذه الأيام لمن كان بمنى، فيكون إشارة إلى خلاف من خص التحريم بالناسك أي بحج أو عمرة، قلت: لكن فيه إنا لم نجده لأحد قبل المصنف، نعم هو للفاضل في القواعد و الإرشاد و إن استشكل فيه في التحرير و التذكرة، و قد رده غير واحد بإطلاق النص و الفتوى، اللهم إلا ان يدعى انسياق ذلك منهما فيبقى إطلاق ما دل على الندب بحاله، لكنه لا يخلو من بحث، و يمكن على تكلف إرجاع القيد إلى جميع ذلك، و الأمر في ذلك كله سهل، هذا، و في كشف الأستاذ أن صومها محرم لمن كان بمنى أو بمكة على الأقوى، منذورة أو لا، قضاء أو لا مبعضة كأن يخرج منها أو يدخلها قبل الزوال أو لا، و أما في غير هما فلا بأس، و لا يخلوا من بحث في البعض، و الله أعلم.

[السادس صوم يوم الثلاثين من شعبان بنية الفرض]

و السادس صوم يوم الثلاثين من شعبان بنية الفرض أي رمضان لورود النهي عنه، و لأنه تشريع، و قد تقدم تفصيل الكلام فيه.

[السابع صوم أيام مطلقة مثلا أو مخصوصة بعنوان الوفاء]

و السابع صوم أيام مطلقة مثلا أو مخصوصة بعنوان الوفاء عن نذر المعصية بفعل محرم أو ترك واجب شكرا أو زجرا عن فعل الواجب أو

124

ترك المحرم لا زجرا عن العكس، فإنه يصح حينئذ، و المائز النية، و لا خلاف أجده في حرمة الصوم، بل نسبه بعضهم إلى قطع الأصحاب، و قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (1): «و صوم نذر المعصية حرام»

كقول النبي (صلى الله عليه و آله) في وصيته (2) لعلي (عليه السلام) فيما رواه الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في خبر حماد بن عمرو و أنس بن محمد عن أبيه جميعا عنه (عليه السلام)، كما انه لا ينبغي الإشكال في حرمة النذر إذا أوقعه بعنوان التقرب به، ضرورة كونه حينئذ تشريعا، و ليس هو كنية المعصية التي يعفو الله عنها إذا لم تقع المعصية كما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين، و ربما كان في قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر أبي حمزة الثمالي (3) إشارة اليه، قال: «من صام شعبان كان طهرا له من كل زلة و وصمة قال: قلت: و ما الوصمة؟ قال: اليمين في المعصية، و النذر في المعصية»

كصحيح محمد بن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «انه سئل عن امرأة جعلت مالها هديا، و كل مملوك لها حرا إن كلمت أختها أبدا، قال: تكلمها و ليس هذا بشيء إنما هذا و شبهه من خطرات الشياطين»

بل ربما ظهر من الأصبهاني و غيره أن مبنى الحرمة في الصوم التي يتبعها الفساد التشريع أيضا، و اليه يرجع ما في المدارك من انه لا ريب في عدم انعقاد هذا النذر و تحريم الصوم على هذا الوجه، لأن الصوم يفتقر إلى القربة، و هذا مما لا يمكن التقرب به، قلت: لا يخفى عليك أن المتجه بناء على ذلك تعميم الحكم لكل صوم نذر لم ينعقد إذا جاء على هذا الوجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الايمان- الحديث 2.

125

من غير فرق بين المعصية و غيرها، و هو مشكل باعتبار كون النهي لأمر خارج عن حقيقة الصوم المأمور به لنفسه قبل النذر، و انما أفاده النذر إلزاما، فيمكن أن يقال بالصحة بعد فرض نية التقرب بالصوم و إن لاحظ مع ذلك حيثية النذر، نعم خرج من ذلك للنص و الفتوى صوم نذر المعصية، و يبقى غيره على الأصل، بل قد يقال بالاقتصار على خصوص الصوم دون الصلاة و نحوها من العبادات، فتأمل جيدا.

[في حرمة صوم الصمت]

و صوم الصمت في شرعنا عند علمائنا أجمع كما في محكي التذكرة و المنتهى و غيرهما، و قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (1): «و صوم الصمت حرام»

كقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيما رواه أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (2): «لا صمت يوما إلى الليل»

كقوله (صلى الله عليه و آله) أيضا (3) في الوصية لعلي (عليه السلام) بالإسناد السابق: «و لا صمت يوما إلى الليل- إلى ان قال-:

و صوم الصمت حرام»

و قال (صلى الله عليه و آله) أيضا في خبر زيد بن علي عن أبيه عن علي (عليهم السلام) المروي عن معاني الأخبار (4) «ليس في أمتي رهبانية و لا سياحة و لا ذم يعني سكوت»

إلى غير ذلك، و انما يحرم بأن ينوي الصوم ساكتا و لو في بعض اليوم، لا الصوم ساكتا و لو في تمام اليوم بدون جعله وصفا للصوم بالنية، فإنه من المباحات، بل لو صمت ناويا بعد الصوم فإنما المحرم التشريع بذلك إن لم يتعلق به غرض صحيح دون الصوم الذي صمت فيه، و أما صوم الصمت بمعنى نية الصوم عن الكلام خاصة فهو غير مراد هنا، ضرورة كون المراد بيان أنواع الصوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 4.

126

بالمعنى المعروف دون هذا المعنى و إن كان هو حراما أيضا إذا لم يتعلق به غرض صحيح يوجبه أو ندبه.

و كيف كان ففي المدارك ظاهر الأصحاب ان الصوم على هذا الوجه يقع فاسدا لمكان النهي، و يحتمل الصحة لصدق الامتثال بالإمساك عن المفطرات مع النية، و توجه النهي إلى الصمت المنوي و نيته، و هو خارج عن حقيقة العبادة، و فيه أنه إن كان مبنى الفساد النص و معقد الإجماع فلا إشكال في ظهورهما في توجه النهي إلى نفس الصوم على هذا الوجه، و إن كان مبناه التشريع فالتحقيق الفساد أيضا مع الإدخال في العمل على وجه التشخيص للمأمور به من حيث تعلق الأمر ضرورة عدم حصول الامتثال حينئذ لعدم أمر كذلك، و الفرض عدم ملاحظة غيره مما هو ثابت، و أما التشريع في أثناء العمل أو في ابتدائه لكن لا على الوجه المزبور بل على ضم الصمت إلى المفطرات فالأصح عدم إبطاله، لعدم الدليل، لأنه أمر خارج عن العبادة، لكن قد ينافي ذلك حينئذ عدم اختصاص صوم الصمت بالحكم المزبور، فلا ينبغي الاقتصار عليه، اللهم إلا أن يكون تبعا للنص، و لأن الثابت في شرع بني إسرائيل الصوم عن الكلام كالصوم عن الطعام، بل ربما فسر به قوله تعالى (1) «فَإِمّٰا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» فلذلك ناسب ذكره بالخصوص.

[في حرمة صوم الوصال]

و كذلك البحث في صوم الوصال الذي قد حكي الإجماع على حرمته أيضا في محكي التذكرة و المنتهى و غيرهما، و قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (2): «و صوم الوصال حرام»

و الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة (3):

____________

(1) سورة مريم (عليها السلام)- الآية 26 و 27.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 1 و فيه الثاني

«لا وصال في صيام»

.

127

«لا صيام في وصال»

و في صحيح منصور بن حازم (1): «لا وصال في صيام»

كقول النبي (صلى الله عليه و آله) في الوصية لعلي (عليه السلام) (2): «لا وصال في صيام» و «كان يواصل و يقول: إني لست كأحدكم، إني أظل عند ربي فيطعمني و يسقيني» (3)

و قال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة (4) المروي عن المستطرفات: «و لا قران بين صومين»

الى غير ذلك من النصوص التي جعل في الوسائل منها من تقدم في بعض أخبار المسألة تقديم الصلاة على الإفطار أنه قد حضرك فرضان فابدأ بأفضلهما، و أفضلهما الصلاة، و إن كان فيه ما فيه، فما عساه يظهر من ابن الجنيد من جواز الوصال لا ريب في فساده، قال: لا يستحب الوصال الدائم في الصيام، لنهي النبي (صلى الله عليه و آله) عن ذلك، و لا بأس بما كان منه يوما و ليلة و يفطر في السحر، و يكره أن يصل الليلة التي من أول الشهر باليوم الذي هو آخر الشهر، مع احتمال إرادته عدم الجواز من نفي الاستحباب بقرينة الاستدلال عليه بالنهي المفيد للحرمة، و ان العبادة لا تكون إلا راجحة، و يكون قوله: «لا بأس» إلى آخره خلافا في المراد بالوصال كما ستعرف، و مرجعه حينئذ إلى كلام ابن إدريس، و يحتمل أيضا إرادته صوم الدهر عدا يومي العيدين من الوصال الدائم، و الكراهة من نفي الاستحباب للنصوص الدالة عليها، و ما في المختلف من احتمال المنع فيه واضح الضعف، و حينئذ فلا يكون في كلامه تعرض للوصال بالمعنى الذي تسمعه من ابن إدريس، و أما قوله: «و يكره» إلى آخره فقد يناسبه في الجملة

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر عمر بن خالد (5): «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصوم شعبان و شهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 12.

(5) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 5.

128

رمضان يصلهما، و ينهى الناس أن يصلوهما»

خصوصا إذا أريد منه العموم لا خصوص ذلك، و كيف كان فخلافه غير محقق أو غير معتد به في تحصيل الإجماع على ذلك كما اعترف به في المختلف.

و انما الكلام في موضوعه، ففي المتن و النافع و الإرشاد و المختلف و غيرها هو أن ينوي صوم يوم و ليلة إلى السحر بل في المدارك نسبته إلى الشيخ في النهاية و أكثر الأصحاب، ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1): «الوصال في الصيام أن يجعل عشاءه سحوره»

و قوله في الصحيح أيضا عن حفص ابن البختري (2): «المواصل في الصيام يصوم يوما و ليلة و يفطر في السحر»

و فيما أرسل (3) عن الصدوق أيضا «الوصال الذي نهي عنه أن يجعل الرجل عشاءه سحوره»

مضافا إلى قوله تعالى (4) «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ».

و قيل و القائل ابن إدريس حاكيا له عن اقتصاد الشيخ و لم نتحققه، و الفاضل في محكي التلخيص هو أن يصوم يومين مع ليلة بينهما ل

خبر محمد بن سليمان عن أبيه (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) سأله «عن صوم شعبان و رمضان لا يفصل بينهما، قال: إذا أفطر من الليل فهو فصل، قال: و انما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

لا وصال في صيام، يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين في غير إفطار، و قد يستحب للعبد أن لا يدع السحور»

و ربما أشعر به خبر المستطرفات (6) أيضا،

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 5.

(4) سورة البقرة- الآية 183.

(5) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 12.

129

بل لعله المفهوم من الوصال، ضرورة كون المنساق منه وصال اليومين بالصوم، و قوله تعالى «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» لا دلالة فيه إلا على عدم وجوب الصيام بعد الليل دون الحرمة، و ظاهر المحكي عن اقتصاد الشيخ في المختلف ان صوم الوصال جعل عشائه سحوره أو طي يومين، و يقرب منه ما في الروضة من انه أن ينوي صوم يومين فصاعدا بحيث لا يفصل بينهما بفطر، أو صوم يومين إلى وقت متراخ عن الغروب، و منه ان يجعل عشاءه سحوره بالنية، و لعله كذلك بناء على أن مبنى الحرمة فيه التشريع، ضرورة اشتراك الجميع فيه على هذا التقدير، نعم تظهر ثمرة الخلاف بناء على كونه محرما لنفسه و إن خلاف عن التشريع، و لعل الأقوى حينئذ ما في الاقتصاد من كونه الأعم من الأمرين جمعا بين النصوص، و على الأول يتجه عدم الحرمة إذا أخر الإفطار بغير النية، أو تركه رأسا ليلا، لعدم التشريع حينئذ، بل يظهر من الفاضل و غيره أنه لا وصال مع عدم النية، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب، قيل: لأن تناول المفطر أمر مباح لا دليل على وجوبه، و لا ظهور للنصوص و لا كلام الأصحاب في الإطلاق، فإن الظاهر منهما ملاحظة النية التي هي معتبرة في مفهوم الصيام شرعا، فبمجرد ترك الإفطار لا يصدق صيام يومين مثلا، و كذا لو نوى ترك الإفطار أو تأخيره في الليل أو في أثناء النهار من غير أن يجعل ذلك في نية الصوم لم يؤثر فيه فسادا و لا حرمة، قلت: لكن في المدارك أن الاحتياط يقتضي اجتناب ذلك، إذ المستفاد من الرواية تحقق الوصال بتأخير الإفطار إلى السحر مطلقا، و ربما يؤيده قوله (عليه السلام) فيما تقدم في مسألة تأخير الإفطار عن الصلاة انه قد حضر فرضان فابدأ بأفضلهما و أفضلهما الصلاة، و ما في المحكي من نكاح المبسوط ان من خصائص النبي (صلى الله عليه و آله) إباحة الوصال، قال: و هو أن يطوي الليل بلا أكل و شرب مع صيام النهار لا أن يكون صائما، لأن الصوم في الليل لا ينعقد، بل إذا دخل الليل صار الصائم مفطرا

130

بلا خلاف، و نحوه عن نكاح التذكرة أيضا، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[الثامن أن تصوم المرأة ندبا بدون إذن زوجها أو مع نهيه لها]

و الثامن أن تصوم المرأة ندبا بدون إذن زوجها أو مع نهيه لها ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): «ليس للمرأة أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها»

و قوله (عليه السلام) في خبره الآخر أيضا (2): «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فسألت ما حق الزوج على المرأة؟ فقال: أن تطيعه و لا تعصيه، و لا تتصدق من بيته إلا باذنه، و لا تصوم تطوعا إلا باذنه، و لا تمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قتب»

و قال الصادق (عليه السلام) في خبر عمرو بن حبيب العرزمي (3): «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟

فقال: هو أكثر من ذلك، فقالت: أخبرني بشيء من ذلك، فقال: ليس لها أن تصوم إلا باذنه»

و في خبر الزهري (4) عن علي بن الحسين (عليهما السلام) «و أما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، و العبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه»

و مرسل قاسم بن عروة (5) «لا يصلح للمرأة ان تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها»

كل ذلك مضافا إلى ما تقدم سابقا من النصوص (6) في الولد و الضيف المشتملة على ذلك و على العبد أيضا، و إلى ما في المعتبر من الإجماع عليه أيضا كالإجماع عليه بالنسبة إلى العبد.

[في عدم صحة صوم المملوك بدون الإذن]

و لذا قال المصنف و كذا المملوك الذي حكى في المدارك الإجماع على

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 1 و الثالث عن عمرو بن جبير العزرمي.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 3 و الثالث عن عمرو بن جبير العزرمي.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصوم المحرم و المكروه الحديث 4 و الثالث عن عمرو بن جبير العزرمي.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المحرم و المكروه.

131

عدم انعقاد صومه بدون الاذن فضلا عن النهي، و إلى ما ذكره غير واحد من الأصحاب من ملك المولى و الزوج من منافعهما ما ينافي الصوم، و لا سيما في المرأة و الأمة، لكن عن علم الهدى و جماعة منهم سلار و ابن حمزة التصريح بالكراهة، و يقرب من ذلك ما عن ابن زهرة من استحباب أن لا يصوما بدون الاذن حاكيا عليه الإجماع، بل لعله هو الذي يعطيه ما عن النهاية في المرأة، قال: «و أما صوم الاذن فلا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها، فان صامت من غير إذن جاز له أن يفطرها و يواقعها» اللهم إلا ان يكون المراد منها ما في السرائر «و أما صوم الاذن فلا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها، فان صامت من غير إذنه فلا ينعقد صومها و لا يكون شرعيا، و له مواقعتها فيه و إلزامها الإفطار، و يجب عليها مطاوعته» فترجع حينئذ إلى ما في محكي المبسوط، و أما التفصيل بين عدم الاذن و النهي فيكره في الأول و يحرم في الثاني فلم أجد به قائلا هنا سوى ما يظهر من الشهيد في اللمعة، كما اني لا أعرف له دليلا سوى ما عرفته سابقا في حكم الضيف و الولد، و سوى ما عساه يقال من حمل جميع ما في هذه النصوص على الكراهة بقرينة «لا يصلح» في المرسل المزبور، و ضمهما مع الولد و الضيف اللذين قد عرفت الحال فيهما، و غير ذلك مما عرفته فيما تقدم، مضافا إلى ضعف سند جملة منهما، و إلى

خبر علي بن جعفر (1) المروي في المحكي من كتابه عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن المرأة تصوم تطوعا بغير إذن زوجها قال: «لا بأس»

و دعوى الملكية للمنفعة على وجه تمنع من الصوم بدون الإذن واضحة المنع، خصوصا بعد تجويز الاستمتاع للزوج و ان الصوم لا يمنعه، و خصوصا بعد تجويز ما لا ينافي منافع السيد من العبادات الشرعية كالذكر و التفكر و نحوهما، بل قد يمنع وجوب طاعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 5.

132

السيد في نحو ذلك لو صرح بالنهي، لإطلاق أدلة شرعيتها الشامل للعبد و الحر، فإنه و إن كان بينه و بين ما دل على وجوب طاعة السيد تعارض العموم من وجه إلا انه قد يمنع تحكيمه، على أن ذلك إن سلم في العبد فلا يسلم في الزوجة المعلوم عدم وجوب طاعتها للزوج في ذلك و نحوه مما لا ينافي الاستمتاع، و مقتضى ذلك صحة الصوم مع النهي فضلا عن عدم الاذن، اللهم إلا ان ينعقد إجماع عليه، فاني لا أجد خلافا فيه، إذ من ذكرنا عنهم الخلاف انما هو منهم في عدم الاذن و احتمال إرادتهم منه ما يشمل النهي بعيد، فيبقى حينئذ هو مظنة الإجماع، أما مع عدمه فلا يخلو القول بالصحة من قوة، لما عرفت، خصوصا مع غيبة الزوج و نشوزه و مرضه و نحو ذلك مما لا معارضة فيه لحقه، و سيما في الطفل و نحوه بل قد يشك في تناول تلك النصوص له، ضرورة ظهورها في كون الزوج ممن له أهلية الاذن، و دعوى الانتقال إلى وليه كما ترى، و من الغريب ما في المدارك هنا لظهوره في أن الحكم بعدم الصحة في الزوجة و العبد من المسائل المفروغ عنها و المسألة الواضحة، خصوصا في العبد حيث انه لم ينقل فيها خلافا و لا ترددا، و قد ظهر لك حقيقة الحال، و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه في ذلك بل في سائر الأفعال المندوبة التي تنافي الاستمتاع في الجملة أو الخدمة، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[التاسع صوم الواجب سفرا عدا ما استثني]

و التاسع صوم الواجب سفرا عدا ما استثني من المنذور سفرا و حضرا و ثلاثة الهدي و الثمانية عشر بدل البدنة كما عرفت الحال فيه مفصلا، و أما صوم الدم (1) فإنه و إن روى الزهري (2) في خبره عن علي بن الحسين (عليهما السلام) حرمته فيه، كالوارد في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) (3) لكن قيل:

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و الصحيح «و أما صوم الدهر».

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 3.

133

إن المراد به مع صوم الأيام المحرمة، أما بدونها فلا، إجماعا على الظاهر إلا من بعض متأخري المتأخرين، و يمكن إرادة الكراهة من الحرمة فيهما كما أفتى بها الشهيد في الدروس، و قال الصادق (عليه السلام) لما سأله زرارة (1) عنه: «لم يزل مكروها»

و في خبر آخر له (2) أيضا «لم نزل نكرهه»

و قال سماعة (3): «سألته عنه فكرهه، و قال: لا بأس بأن يصوم يوما و يفطر يوما»

و احتمال العكس يدفعه ما عرفت من اتفاق الأصحاب على الظاهر، بل ربما أشعر التشبيه به في نصوص (4) بعض الأيام المستحبة بأنه أفضل الأفراد، و في كتاب الملهوف لابن طاوس (5) «ان زين العابدين (عليه السلام) بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره قائما ليله»

و الله أعلم.

[النظر الثالث في اللواحق]

النظر الثالث في اللواحق، و فيه مسائل:

[المسألة الأولى المرض الذي يجب معه الإفطار]

الأولى المرض الذي يجب معه الإفطار ما يخاف منه الزيادة بالصوم، و يبني في ذلك على ما يعلمه في نفسه أو يظنه لامارة كقول عارف بل قد عرفت فيما تقدم الاكتفاء بالخوف الذي يتحقق بالاحتمال المعتد به و إن لم يصل إلى حد الظن كما سمعت تفصيل الكلام في ذلك و فيما لو صام مع تحقق الضرر متكلفا قضى

[المسألة الثانية حكم صوم المسافر]

و في غيره مما يتعلق بهذه المسألة، بل و المسألة الثانية التي هي ان المسافر إذا اجتمعت فيه شرائط القصر وجب عليه ذلك في الصوم و الصلاة و حينئذ ف لو صام عالما بوجوبه أي القصر لم يجزه ذلك و وجب عليه قضاؤه المأمور به في الكتاب و السنة و الفتاوى نعم إن كان جاهلا

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 5 و 8 و 15 و غيرها.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصوم المحرم و المكروه- الحديث 6.

134

بالوجوب أجزأه ذلك و لم يقضه نحو ما سمعته في الصلاة، و لا يلحق به الناسبي كما قدمنا الكلام فيه آنفا، بل و تقدم في كتاب الصلاة ما له نفع في المسألة هنا، فلاحظ و تأمل، و الله أعلم.

[المسألة الثالثة الشرائط المعتبرة في قصر الصلاة معتبرة في الصوم]

المسألة الثالثة لا خلاف أجده في أن الشرائط المعتبرة في قصر الصلاة معتبرة في قصر الصوم للاشتراك في الأدلة، بل و يزيد الصوم على ذلك عند الشيخ و ابني حمزة و البراج و الفاضلين في المعتبر و الكتاب و النافع و التلخيص باعتبار تبييت النية للسفر، فان لم يبيتها أتم صومه، بل في خلاف الأول منهم الإجماع عليه، كما انه في السرائر نفي الخلاف عن الإفطار مع التبييت أي وقت خرج بعد طلوع الفجر، نعم قال في النهاية: «و متى بيت نيته للسفر من الليل و لم يتفق له الخروج إلا بعد الزوال كان عليه أن يمسك بقية النهار، و عليه القضاء» و نحوه عن الاقتصاد و الجمل، و قال في المبسوط: «و من سافر عن بلده في شهر رمضان و كان خروجه قبل الزوال فان كان يبيت نية السفر أفطر و عليه القضاء، و إن كان بعد الزوال لم يفطر، و متى لم ببيت النية للسفر و انما تجددت له أتم ذلك اليوم و لا قضاء عليه» فان أراد من عدم الإفطار الإمساك تعبدا كان نحو ما سمعته من النهاية، و إلا كما عساه يومي اليه التعبير بالإفطار- كان قولا آخر، كما و أظهر منه في ذلك ما في الخلاف من إطلاق حرمة الإفطار على من تلبس بالصوم أول النهار ثم سافر آخره محتجا عليه بالإجماع و بالاستصحاب و بقوله تعالى «أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» ضرورة ظهوره في الاجتزاء بهذا الصوم و إن كان قد بيت النية، كظهور ما في كتابي الأخبار من التخيير للمسافر بعد الزوال بين الصوم و الإفطار، و أفضلية الأول في ذلك أيضا، مع احتمال الجميع إرادة الإمساك، فيتفق ما في كتبه جميعها، و على كل حال فقد اشترط في جميعها على ما حكي عن بعضها التبييت في جواز الإفطار و قيل و القائل المفيد

135

و الإسكافي و أبو الصلاح و الفاضل في أكثر كتبه و الشهيدان و غيرهم لا يعتبر ذلك بل يكفي في جواز إفطاره خروجه قبل الزوال و إن لم يكن مبيتا للسفر إلا أن أبا الصلاح منهم أوجب الإمساك تعبدا مع القضاء لو خرج بعد الزوال و قيل و القائل علي بن بابويه و اختاره في السرائر لا يعتبر ذلك أيضا، بل يجب القصر و لو خرج قبل الغروب و لم يكن مبيتا للسفر، فتكون الأقوال حينئذ ستة أو سبعة.

و الأول منها أشبه عند المصنف و من عرفت، ل

مضمر أبي بصير المرسل (1) «إذا خرجت بعد طلوع الفجر و لم تنو السفر من الليل فأتم الصوم و اعتد به من شهر رمضان»

و بخبر علي بن يقطين (2) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) «في الرجل يسافر في شهر رمضان أ يفطر في منزله؟ قال: إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، و إن لم يحدث نفسه من الليل ثم بدا له في السفر من يومه أتم صومه»

و خبر رفاعة (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح قال: يتم صومه ذلك»

و خبر سليمان بن جعفر الجعفري (4) «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينوي السفر في شهر رمضان فيخرج من أهله بعد ما يصبح قال: إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم إلا ان يدلج دلجة»

و خبر أبي بصير (5) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت الخروج من الليل فان خرجت قبل الفجر أو بعده فأنت مفطر و عليك قضاء ذلك اليوم»

و صحيح صفوان (6) عن الرضا (عليه السلام) في حديث، قال: «و لو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 13.

(6) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 11.

136

و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار، فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك»

و للأمر بالإتمام في الآية (1) الشامل للخارج قبل الزوال خرج منه المبيت بالإجماع، فيبقى ما عداه، و لاستصحاب صحة صومه المعتضد بظاهر قوله تعالى (2) «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» ضرورة انه إذا كان السفر بدون تبييت فهو حاصل بعد انعقاد الصوم، بخلاف ما إذا كان مبيتا، فإنه لم ينو الصوم فلم ينعقد، بل في المعتبر و لو قيل يلزم على ذلك لو لم يخرج ان يقضيه التزمنا ذلك، فإنه صامه من غير نية إلا ان يجدد ذلك قبل الزوال.

إلا ان الجميع كما ترى، إذ النصوص فيه- مع ضعف السند في أكثرها و ضعف الدلالة في بعضها، و مخالفتها لما سمعته من الشيخ من القضاء، و عدم الاعتداد به من شهر رمضان، مع عدم دلالتها على تمام الدعوى، و موافقتها كما في الحدائق للمحكي عن الشافعي و أبي حنيفة و الأوزاعي و أبي ثور و النخعي و مكحول و الزهري- معارضة بما هو أصح منها سندا و أقوى دلالة، ك

صحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) «انه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر و هو صائم، فقال: إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم، و إن خرج بعد الزوال فليتم يومه»

و صحيح محمد بن مسلم (4) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم

____________

(1) سورة البقرة- الآية 183.

(2) سورة محمد (صلى الله عليه و آله)- الآية 35.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

137

و يعتد به من شهر رمضان»

و حسن زرارة أو صحيحه (1) عنه (عليه السلام) أيضا «في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر، قال: إن خرج قبل الزوال فليفطر و إن خرج بعد الزوال فليصم»

و موثقه (2) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتم الصيام، فإذا خرج قبل الزوال أفطر»

و الجمع بينها باعتبار التبييت و الخروج قبل الزوال في الإفطار يقتضي الاعتداد بالصوم و وجوبه مع فقدهما أو أحدهما، و هو خلاف ما سمعته من صريح النهاية و محتمل غيرها، بل لم أتحقق قائلا به ممن اعتبر التبييت أو أنه نادر كما عرفت، على انه فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه و قد أشرنا إلى بعضها، فلا بأس حينئذ بطرح ما لا يقبل التقييد منها بهذه إن كان، و تقييد الباقي بها، كل ذلك مضافا إلى ما في عدم الدلالة في بعضها كخبر الادلاج (3) بل قيل: إنه لم يقل به أحد، ضرورة ظهوره في عدم الاكتفاء بالتبييت، بل لا يبعد ان يكون مبنى هذا الخبر على حرمة السفر في شهر رمضان من بعد الفجر إذا لم تدع حاجة إليه، لاستلزامه إبطال الصوم الواجب، فلذلك كان عليه إتمام الصوم، بخلاف ما إذا أدلج، فإنه لم يقطع صومه و إن لم يضطر إلى السفر، بل قيل: إنه يجوز ان يكون تبييت النية في النصوص المزبورة كناية عن السفر المضطر اليه بناء على الغالب، كما انه قيل:

يحتمل في خبر علي بن يقطين (4) منها عدم السفر أصلا، إلى غير ذلك مما قيل أو يقال فيها على حسب غيرها من النصوص التي ثبت رجحان غيرها عليها، و استصحاب الصوم و الأمر بالإتمام و النهي عن الابطال بناء على شمولها لمثل المقام يجب الخروج عنها بنصوص الزوال.

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3 عن عبيد بن زرارة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 4 عن عبيد بن زرارة.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 10.

138

و دعوى عدم النية مع التبييت مع عدم جريانها في المتردد يدفعها منع المنافاة بين نية الصوم و نية السفر، ضرورة الاكتفاء في تحقق الأولى بأصالة عدم وقوعه منه و إن بيت نيته، إذ ذلك أعم من وقوعه، و ليس السفر من المفطرات كي يجب العزم على عدمه في أصل نية الصوم، و انما هو مناف له بمعنى انه يرتفع وجوب الصوم عند تحققه، فلا يقدح حينئذ العزم عليه في نية الصوم في حال عدم وقوعه الذي هو الموافق للأصل العقلي، و كذا المتردد في وقوعه، و استوضح ذلك في منافيات الصوم القهرية كالحيض و نحوه مع فرض التردد في حصولها أو الظن فإنه لا إشكال في تحقق النية لذويها اعتمادا على ذلك الأصل الشرعي الذي لا يتفاوت جريانه بين الاختياري و الاضطراري، و من هنا يمكن دعوى الإجماع على خلاف ما التزمه المصنف، إذ كلام الشيخ الذي هو الأصل في المذهب المزبور صريح في اعتبار الخروج مع التبييت في الإفطار و وجوب القضاء، و انه لا يكفي الثاني عن الأول، فمن حكى عنه ذلك كان مخطئا بالحكاية، و إن كان أول عبارته في النهاية قد يعطي ذلك، إلا ان آخرها صريح فيما قلناه.

و على كل حال فلا ريب في أن الأقوى ما اختاره المفيد و جماعة لصحة دليله و صراحته، و أما ما ذهب اليه علي بن بابويه فلم نجد له دليلا بعد إطلاق الآية المنزل على التفصيل المزبور، كإطلاق ما دل على التلازم بين القصر و الإفطار سوى

مضمر عبد الأعلى مولى آل سام (1) «في الرجل يريد السفر في شهر رمضان قال:

يفطر و إن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل»

الضعيف سندا بل و دلالة بما قيل من احتمال كون «حرج» فيه بالحاء المهملة، فيكون الظرف فيه متعلقا بقوله:

«يفطر» و المعنى حينئذ ان على المسافر في شهر رمضان أن يتناول مفطرا و لو قبل

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 14.

139

مغيب الشمس و إن كان يعسر عليه ذلك، إجراء للسنة؛ و مخالفة للمنافقين الذين يصومون في السفر، و على كل حال فمثله لا يصلح معارضا لتلك النصوص، كما ان

صحيح رفاعة بن موسى- (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد السفر في شهر رمضان قال: إذا أصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام و إن شاء أفطر»-

كذلك، لعدم قائل بمضمونه، نعم احتمل العلامة في المختلف العمل به فيما بعد الزوال، قال: و انما قيدنا بذلك للجمع بين الأخبار، و في المدارك هذا الحمل بعيد نعم لو قيل بالتخيير مطلقا كما هو ظاهر الرواية لم يكن بعيدا، و بذلك يحصل الجمع بين الأخبار، قلت: بل هو أبعد من ذلك، بل لعل التأمل في النصوص فضلا عن الفتاوى يورث القطع بعدم ذلك، و منه يعلم ضعف ما سمعته من الشيخ من التخيير للمبيت لو خرج بعد الزوال، لعدم دليل معتد به له، كعدم دليل له فيما ذكره هو و غيره من وجوب الإمساك عليه تعبدا، ضرورة بطلان إرادة ذلك من لفظ الصوم في تلك النصوص، خصوصا مع التصريح في بعضها بالاعتداد به من شهر رمضان، و قد بان لك بحمد الله ضعف الجميع، و أن الأقوى التفصيل بين ما قبل الزوال و بعده من غير مدخلية للتبييت و عدمه، و إن كان الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة لا ينبغي تركه، و هو هنا يحصل بالتبييت مع الخروج قبل الزوال دون غيره، لدوران الأمر بين وجوب الصوم و حرمته فيما عداه، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

و كيف كان ف كل سفر يجب قصر الصلاة فيه يجب قصر الصوم فيه و بالعكس اللغوي، أي كل سفر يجب قصر الصوم فيه يجب قصر الصلاة فيه، لا الاصطلاحي الذي هو العكس المستوي بقرينة قوله إلا لصيد التجارة

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 7.

140

على قول ضرورة كون الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، و هو يقضي بكون المستثنى منه موجبة كلية، فلا يكون من المصطلح، على أن ذلك هو مقتضى أدلة المقام من النصوص و غيرها،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن وهب (1): «هما واحد إذا قصرت أفطرت، و إذا أفطرت قصرت»

كخبر سماعة (2) عنه (عليه السلام) «ليس يفترق التقصير و الإفطار، فمن قصر فليفطر»

أي و من أفطر فليقصر مضافا إلى كون المناط فيهما معا السفر، قال في صحيح عمار بن مروان (3): «من سافر قصر و أفطر إلا ان يكون رجلا سفره في الصيد أو في معصية الله أو رسولا لمن يعصي الله أو في طلب شحناء أو سعاية ضرر على قوم من المسلمين»

و قال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر تغلب (4): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): خيار أمتي الذين إذا سافروا أفطروا و قصروا»

الخبر، و قال المرتضى (رحمه الله) في الانتصار:

«لا خلاف بين الأمة في ان كل سفر أسقط فرض الصيام و رخص في الإفطار فهو بعينه موجب لقصر الصلاة» و نحوه في الغنية.

فما عن الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن حمزة- من الفرق بينهما فيما إذا كانت المسافة أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع ليومه بتحتم الصوم و التخيير في الصلاة بين القصر و الإتمام، إلا ابن حمزة اشتراط في التخيير المزبور إرادة الرجوع من الغد- واضح الضعف، خصوصا بعد إطلاق الآية (5) القضاء في الصوم بمطلق

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6 عن أبان بن تغلب.

(5) سورة البقرة- الآية 181.

141

السفر، ك

قول الصادق (عليه السلام) (1): «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافرا أفطر»

و قوله (عليه السلام) في صحيح ليث (2): «إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر»

و كذا ما فرقناه بينهما في كثير السفر إذا أقام في بلده خمسة أيام بالتقصير في صلاة النهار دون الصوم و صلاة الليل، و وافقهما عليه ابن البراج أيضا على ما قيل، و لا ريب في ضعفه، و أضعف من ذلك القول الذي أشار إليه المصنف و إن حكى ابن إدريس الإجماع عليه، إلا أنا لم نتحققه، بل المتحقق خلافه، و هو قول الشيخ في النهاية و المبسوط بالفرق بينهما في صيد التجارة بالإتمام في الصلاة و القصر في الصوم، إذ لا دليل عليه، فضلا عن مخالفته للأدلة، و خبر زرارة (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصيد اليوم و اليومين و الثلاثة أ يقصر الصلاة؟ قال: لا إلا أن يشيع الرجل أخاه في الدين، و ان التصيد مسير باطل لا تقصر الصلاة فيه»

صريح فيما لا يقوله الخصم من كون التصيد مسير باطل فلا ينبغي أن يفطر فيه أيضا، ضرورة عدم كون الصيد للتجارة من ذلك، و إلا لم يكن للإفطار فيه وجه، و هو واضح، ك

خبر عبيد ولده (4) «سألته أيضا عن الرجل يخرج إلى الصيد أ يقصر أو يتم؟ قال: يتم لأنه ليس بمصير حق»

نعم في مرسل عمران بن محمد بن عمران القمي (5) عنه (عليه السلام) «قلت: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يتم أو يقصر؟ فقال: إن خرج لقوته و قوت عياله

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 7 و هو خبر ابن بكير كما تقدم في كتاب الصلاة ج 14 ص 258.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 5.

142

فليفطر و يقصر، و إن خرج لطلب الفضول فلا و لا كرامة»

و في خبر حماد بن عثمان (1) عنه (عليه السلام) في قول الله عز و جل (2) «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ» قال: «الباغي باغي الصيد، و العادي السارق، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصرا في الصلاة»

و فيه أن المراد بالفضول في الأول صيد اللهو لا صيد التجارة الداخل في صيد القوت للعيال، على أن ظاهره القصر فيهما معا لا خصوص الصوم و انه الذي لا تحل له الميتة صائد المعصية لا التجارة التي لو كانت منهما لم يكن وجه للفرق بين الصوم و الصلاة، و يمكن قراءة الأخير بكسر الصاد بمعنى الملوك الصيد المتكبرين، و الباغي منهم الخارج على الامام كما فسر به، و العادي باللص في مرسل البزنطي (3) و غيره، لكن في خبر حماد بن عثمان (4) عنه (عليه السلام) «الباغي طالب الصيد و السارق ليس لهما أن يقصرا من الصلاة و ليس لهما إذا اضطرا إلى الميتة أن يأكلاها، و لا يحل لهما ما يحل للناس»

و في المحكي عن

معاني الأخبار و روي (5) «ان العادي اللص، و الباغي الذي يبغي الصيد لا يجوز لهما التقصير في السفر و لا أكل الميتة في الاضطرار»

إلا أنهما كما ترى ظاهران في صيد اللهو، و لذلك لم يكن محلا للرخصة الشرعية التي منها الإفطار في السفر،

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 2 و فيه

«قال: الباغي الصيد و العادي السارق. إلخ»

. (2) سورة البقرة- الآية 168.

(3) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 5 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

(4) المستدرك- الباب- 6- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 56- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 4 من كتاب الأطعمة و الأشربة.

143

لا صيد التجارة الذي هو محل البحث، كما هو واضح، فبان لك من ذلك كله ضعف القول المزبور و غيره مما فرق فيه بين الصلاة و الصوم، مضافا إلى ما تقدم في كتاب الصلاة مما له نفع في هذه المسائل، و لقد أطنب الفاضل في المختلف في الاستدلال على فساد القول المزبور، لكنه بما لا ينطبق على أصول الإمامية و قواعدها، و لا ينافي ثبوت الحكم للدليل لو كان، فلاحظ و تأمل.

نعم ربما فرق بينهما في الأماكن الأربعة التي يخير فيها في الصلاة بين القصر و الإتمام، بل الإتمام أفضل، بخلاف الصوم، فان الظاهر عدم جوازه فيها، و في المسالك انه يمكن تكلف الغناء عن استثنائها من الكلية في المتن و نحوه بالتزام كون القصر فيها واجبا تخييريا بينه و بين التمام، لأن الواجب و هو الصلاة لا تتأدى إلا بأحدهما، فيكون واحد منهما موصوفا بالوجوب كالجهر و الإخفات في بسملة القراءة الواجبة الإخفاتية، و حينئذ ينطبق على الكلية المزبورة في المتن و غيره، قلت: و يمكن أن يقال إن المراد منها كون السفر الموجب للإفطار موجبا للقصر و ورود أحد الأماكن ليس من السفر في شيء، و أما الفرق بينهما في المسألة السابقة و هي فيما لو سافر بعد الزوال فقد يقال بعدم اندراجه في الكلية، لأنه باعتبار كونه بعد الزوال كالذي قد فرغ منه، فلا يؤثر السفر فيه، كما يومي اليه حكم القادم من السفر، فإنه قبل الزوال يصوم إذا لم يكن قد تناول شيئا، بخلافه بعد الزوال، بل و ناسي النية و نحوه مما يشعر يكون الزوال المنتهى الخطاب بالصوم، فلا يندرج حينئذ في الكلية، أو يلتزم تخصيصها بذلك للأدلة السابقة و الله أعلم.

[المسألة الرابعة في الملازمة بين إتمام الصلاة و الصوم]

و الأمر سهل بعد وضوح الحكم كوضوح الحكم في المسألة الرابعة التي هي أن الذين يلزمهم إتمام الصلاة سفرا يلزمهم الصوم، و هم الذين سفرهم أكثر من حضرهم ما لم يحصل لأحدهم إقامة عشرة أيام في بلده أو غيره بلا خلاف

144

أجده في شيء من ذلك، و لا إشكال كما عرفته في كتاب الصلاة و لكن في المتن هنا قيل: يلزمهم الإتمام مطلقا عدا المكاري و لم نظفر بقائله كما اعترف به في المدارك، و عن بعض شراح النافع و لعل المصنف سمعه من معاصر له في غير كتاب مصنف.

[الخامسة إفطار المسافر بعد تواري الجدران و خفاء الأذان]

و الخامسة أيضا، و هي لا يفطر المسافر حتى يتوارى عنه جدران بلده أو يخفى عليه أذانه بعد الإحاطة بما قدمناه في كتاب الصلاة فيها و في غيرها من الفروع المتعلقة في المقام فلو أفطر قبل ذلك كان عليه مع القضاء الكفارة بلا خلاف و لا إشكال، و انما الكلام في ظهور سقوطها لو استمر على السفر حتى خفي عليه ذلك، و قد قدمنا تحقيق الحال فيها و في نظائرها، و الله أعلم.

[المسألة السادسة الهم و الشيخ و المرأة الكبيرة و ذو العطاش]

المسألة السادسة الهم و الشيخ و المرأة الكبيرة و ذو العطاش بضم العين، و هو داء لا يروى صاحبه ذكر أو أنثى يفطرون في رمضان بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه من غير فرق بين عجزهم عنه و بين كونه شاقا عليهم مشقة لا تتحمل، نعم يتصدقون عن كل يوم بمد من طعام وفاقا للصدوقين و بني أبي عقيل و الجنيد و البراج و سعيد و الشيخ و الفاضل و غيرهم على ما حكي عن بعضهم، ل

صحيح ابن مسلم (1) «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان و يتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، و لا قضاء عليهما، فان لم يقدرا فلا شيء عليهما»

و نحوه

صحيحه الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2 عن أبي عبد الله (عليه السلام).

145

إلا انه قال: «و يتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام»

و جمع بينهما الشيخ في محكي التهذيب و النهاية و المبسوط بالفداء بمدين، فان لم يقدرا فبمد و لا شاهد له، و أولى منه ما في الاستبصار من الجمع بالندب، لأصالة البراءة من الزائد، و لأنه مقتضى التخيير بين الأقل و الأكثر الذي هو مقتضى الأمر بهما في الخبرين، مضافا إلى قصور الخبر المزبور عن تقييد غيره مما تضمن المد من الصحيح الأول و الصحيح الآخر (1) أيضا في قول الله عز و جل (2) «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ» قال: «الشيخ الكبير و الذي يأخذه العطاش»

بناء على أن طعام المسكين» مد، و خبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي (3) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الشيخ الكبير و العجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان فقال: تصدق في كل يوم بمد من حنطة»

و صحيح عبد الله بن سنان (4) أو حسنه «سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان قال:

يتصدق كل يوم بما يجزي من طعام مسكين»

و مرسل ابن بكير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ» قال:

«الذين يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد»

و خبر أبي بصير (6) المروي عن تفسير العياشي سألته عن قول الله عز و جل: «وَ عَلَى الَّذِينَ» إلى آخره، قال: «هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع و المريض»

و خبر رفاعة المروي (7) عنه أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الآية أيضا، قال:

«المرأة تخاف على ولدها و الشيخ الكبير»

و صحيح الحلبي (8) عن أبي عبد الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

(2) سورة البقرة- الآية 180.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 7.

(7) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 8.

(8) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 9.

146

(عليه السلام) سألته «عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان فقال: يتصدق بما يجزي عنه من طعام مسكين لكل يوم مد»

و خبر الكرخي (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه و لا يمكنه الركوع و السجود فقال: ليؤم برأسه- إلى ان قال-: قلت: فالصيام قال: إذا كان في ذلك الحد فقد وضع الله عنه، فان كانت له مقدرة فصدقة مد من طعام بدل كل يوم أحب إلى، و إن لم يكن له يسار فلا شيء عليه»

و خبر أبي بصير (2) المروي عن نوادر ابن عيسى، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أيما رجل كبر لا يستطيع الصيام أو مرض من رمضان إلى رمضان ثم صح فإنما عليه لكل يوم أفطر فيه فدية طعام، و هو مد لكل مسكين»

و خبر الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «قلت له: الشيخ الكبير لا يقدر أن يصوم فقال: يصوم عنه بعض ولده، قلت: فان لم يكن له ولد، قال:

فأدنى قرابته، قلت: فان لم يكن له قرابة، قال: يتصدق بمد في كل يوم، فان لم يكن عنده شيء فليس عليه»

و خبر داود بن فرقد عن أبيه (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «فيمن ترك الصيام قال: إن كان من مرض فإذا بريء فليقضه، و إن كان من كبر أو عطش فبدل كل يوم مد»

و هي- مع اشتمالها جميعا على المد- دالة على أصل الحكم، و ما في الأخير منها- من صيام الولد أو غيره من ذوي القرابة عن الشيخ- لم أجد عاملا بما يظهر منه من وجوب ذلك في زمن حياته، نعم حمله الشيخ كالشهيد في الدروس على الندب، و لا بأس به و إن كان مستغربا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 11.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 1 و فيه «فيمن ترك صوم ثلاثة أيام في كل شهر. إلخ».

147

ثم على كل حال إن أمكن القضاء بعد ذلك وجب كما نص عليه الفاضل و غيره

لعموم «من فاتته»

و لأن بعض أفراد ذي العطاش أو جميعها من المرض الواجب قضاء ما فات به في الآية و الرواية، لكن قد يشكل ذلك فيما لو صام عنه ولده أو ذو قرابته بناء على مشروعيته، فتأمل و إلا سقط و لا ينافي ذلك نفيه في صحيح ابن مسلم (1) السابق بعد انصرافه حتى في ذي العطاش الذي هو كانقلاب المزاج لحرارة في الكبد أو غيره إلى الغالب من عدم التمكن من القضاء، اللهم إلا ان يقال إن نفيه ظاهر في حال التمكن منه لا عدمه، و فيه أنه يمكن ان يكون المراد منه بيان أن حالهما عدم القضاء كالأداء أو بيان عدم القضاء عنهما لو ماتا أو نحو ذلك، فتأمل، بل الظاهر وجوب الفدية أيضا مع ذلك كما نص عليه في الدروس، لإطلاق ما دل عليهما، و ليس ذلك جمعا بين العوضين، إذ يمكن بل لعله الظاهر كون الفدية كفارة عن صورة تعمد إفطار اليوم لا قضائه، فلا ينافيه حينئذ غلبة عدم التمكن من القضاء حتى ينزل إطلاقها عليه، مع أنه لا دليل عليه و لا داعي إليه، فتأمل، اللهم إلا أن يقال إن لفظ الاجزاء في صحيح الحلبي (2) و حسن ابن سنان (3) ظاهر في إرادة الاجزاء عن الصوم و كونه بدلا عنه، و فيه ان مقتضاه الاكتفاء بالصدقة و سقوط القضاء لا العكس الذي هو محل البحث، فتأمل جيدا.

و على كل حال فقد بان لك الدليل على أصل الحكم و فروعه و لكن و مع ذلك قيل و القائل المفيد و علم الهدى و سلار و ابنا زهرة و إدريس و الفاضل في المختلف إن عجز الشيخ و الشيخة سقط التكفير كما يسقط الصوم،

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 5.

148

و إن أطاقاه بمشقة كفرا بل حكى الثاني و الرابع منهم الإجماع عليه للأصل، و مناسبة الفدية لكون المفدي مقدورا عليه في الجملة، و صحيح ابن مسلم (1) المتقدم في تفسير الآية الظاهر في كون الشيخ الكبير و ذوي العطاش يطيقان الصوم و من المعلوم أن منهما من لا يطيقه، فلا بد من حمله على تخصيص الفدية بمن أطاقه منهما دون من لا يطيقه، و ظهور جملة مما دل عليها في المطيق كالمتضمن لفظ «يضعف» و «لا حرج» و نحوهما، إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة انقطاع الأصل ببعض ما عرفت فضلا عن جميعه، و منع المناسبة المزبورة أو عدم صلاحيتها دليلا، و معارضة صحيح ابن مسلم بغيره من الأخبار الواردة في تفسير الآية التي ادعى بعضهم أنها منسوخة، فتخرج حينئذ عما نحن فيه، و عدم انحصار الدليل في الخبر الظاهر في ذلك بعد تسليم ظهوره، و أما الإجماع المحكي فهو موهون بما عرفت، و من الغريب الاستدلال ب

قوله (عليه السلام): «فان لم يقدرا» في صحيح ابن مسلم (2)

و قوله (عليه السلام): «فان كانت له قدرة» في خبر الكرخي (3)

بتخيل كون المراد القدرة على الصوم، و هو كما ترى، إذ لا ريب في ظهورهما أو صراحتهما خصوصا خبر الكرخي في إرادة القدرة على الصدقة، كما هو واضح.

و من هنا قال المصنف و الأول أظهر لكن ظاهره أن القول المزبور انما هو في الشيخين دون ذي العطاش، و ليس كذلك، فان سلار على ما حكي عنه قد نفى الفدية عنه مع اليأس من برئه، و عن ابن حمزة التوقف فيها و إن كانا محجوجين بما عرفت، بل قطع المحقق الشيخ علي بعدم القضاء و الفدية على المأيوس من برئه فاتفق أنه بريء، و اختاره المقداد في التنقيح، كما أن الفاضل في محكي التلخيص نفى الفدية عنه و اقتصر على القضاء في المأيوس الذي بريء، و قطع في

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 10.

149

جملة من كتبه تبعا للمفيد و علم الهدى و ابن إدريس بعدم الفدية عليه إذا كان مرجو الزوال، خلافا لما عن الشيخ و سلار و ابني حمزة و البراج، لأنه مريض، فيجري عليه حكم غيره من المرضى، و مال اليه بعض متأخري المتأخرين، قال:

لأن صحيحي ابن مسلم (1) باشتمالهما على نفي القضاء ظاهران في المأيوس من برئه، و خبري ابن بكير (2) و أبي بصير (3) ضعيفان مع الإرسال و الإضمار، و خبر داود (4) مع ضعفه ربما يظهر منه أيضا عدم التمكن من القضاء، فيبقى حينئذ على حكم المرضى الذي هو القضاء خاصة مع البرء دون الفداء، و منه يعلم ما في كلام المحقق الشيخ علي، فان العطاش مرض، و قد دل النص و الإجماع على أن المريض إذا بريء وجب عليه القضاء من غير مدخلية لليأس و عدمه، و خبرا محمد بن مسلم لا يصلحان لاستثنائه من الأمراض، كما أن خبر داود لا يدل على خروجه عن إطلاق المرض، و في الروضة الأقوى أن حكمه كالشيخين يسقطان عنه مع العجز رأسا، و انما تجب الفدية مع المشقة، و فيه أن إطلاق النصوص المزبورة يدفع ذلك كله، ضرورة اقتضائه وجوب الفدية عليه على كل حال، و أما القضاء فإنه و إن نفي في صحيحي ابن مسلم إلا أنه محمول على ما إذا لم يتمكن رأسا، فلا ينافي ما دل على وجوبه من

عموم «من فاتته»

و «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً» (5) و نحوه بناء على أن العطاش منه، و لا بأس باختصاص هذا المرض من بين الأمراض بوجوب الفداء، و لو قيل بعدم اندراجه في إطلاق المرض كما عساه يشعر به خبر

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1 و 2.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الصوم المندوب- الحديث 1.

(5) سورة البقرة- الآية 180.

150

داود لم يكن إشكال في الحكم أصلا، إذ وجوب الفداء لهذه النصوص، و وجوب القضاء

لعموم «من فاتته»

الذي لا يحكم عليه ما في الصحيحين المتقدمين بعد أن عرفت الحال فيه، فتأمل جيدا.

ثم لا يخفى عليك أن الحكم في المقام و نظائره من العزائم لا الرخص، ضرورة كون المدرك فيه نفي الحرج و نحوه مما يقضي برفع التكليف، مضافا إلى لفظ الوضع و نحوه في خبر الكرخي، فما عساه يظهر من قوله: «لا جناح»

و نحوه من ارتفاع التعيين خاصة لا بد من إرجاعه إلى ما ذكرنا، سيما مع عدم ظهور خلاف فيه من أحد من أصحابنا عدا ما عساه يظهر من المحدث البحراني، فجعل المرتفع التعيين خاصة، تمسكا بظاهر قوله تعالى (1) «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» إلى قوله «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» بعد كون المراد منه الشيخ و ذا العطاش، لكنه كما ترى، إذ الآية- مع فرض كونها غير منسوخة بقوله (2) «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» و قد عرفت ما ورد فيها من النصوص، مضافا إلى ما رواه علي بن إبراهيم (3) في المحكي من تفسيره بسنده إلى الصادق (عليه السلام) من تفسيرها بمن مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء رمضان فعليه أن يقضي و يتصدق لكل يوم بمد من طعام- يمكن حملها على استقلال قوله:

«وَ أَنْ تَصُومُوا» عن الأول، لبيان كون الصوم خيرا من السفر المقتضي للإفطار، أو أن المراد كونه خيرا في نفسه، فلا ينافي وجوبه، أو غير ذلك مما لا ينافي ما ذكرنا، و الله أعلم.

هذا و التحقيق أن المراد بالشيخ و الشيخة من توقف بقاء صحة مزاجهما

____________

(1) سورة البقرة- الآية 180.

(2) سورة البقرة- الآية 181.

(3) تفسير علي بن إبراهيم ص 56.