جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
151

على تعدد الأكل و الشرب في أزمنة متقاربة للاستبانة لا لمزيد الهضم، و لا ريب في منافاته للصوم، بل هما حينئذ كذي العطاش بعد عدم تمكنهما من الأكل دفعة و لو لضعف في الهاضمة، و لا من عدم الأكل مطلقا، و ليس المراد من الشيخ الذي ذكره في القاموس من استبانت فيه السن، أو من خمسين أو إحدى و خمسين إلى آخر عمرة أو إلى الثمانين المعلوم بلوغ أكثر الناس هذا السن مع وجوب الصوم عليهم، بل المراد منه ما ذكرنا كما يعرف ذلك من كلام الأطباء، و به يعرف وجه حكمة الشرع في إفطارهما، بل و إلحاق ذي العطاش بهما، و الله العالم.

[المسألة السابعة حكم الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن]

المسألة السابعة لا خلاف في أن الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن يجوز لهما الإفطار في رمضان مع التضرر بالصوم، لعموم أدلة نفي الحرج و الضرار و إرادة الله تعالى اليسر و سهولة الملة و نحو ذلك، و خصوص

صحيح ابن مسلم (1) «سمعت الباقر (عليه السلام) يقول: الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، لأنهما لا يطيقان الصوم، و عليهما أن يتصدق كل واحد منهما في كل يوم يفطران بمد من طعام، و عليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد»

و غيره مع الإجماع بقسميه و لكن من الصحيح المزبور- مع

عموم «من فاتته»

و غيره مما قيل من أولويته من المرض و إن كان فيه ما فيه- يستفاد أنهما تقضيان وجوبا، مضافا إلى

مكاتبة ابن مهزيار (2) المروية عن المستطرفات، قال: «كتبت إليه أسأله يعني علي بن محمد (عليه السلام) ان امرأة ترضع ولدها و غير ولدها في شهر رمضان فيشتد عليها الصيام و هي ترضع حتى غشي عليها و لا تقدر على الصيام ترضع و تفطر و تقضي صيامها إذا أمكنها أو تدع الرضاع و تصوم، فان كانت ممن لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع؟ فكتب

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

152

إن كان يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها و أتمت صيامها، و إن كان ذلك لا يمكنها أفطرت و أرضعت ولدها و قضت صيامها متى ما أمكنها»

المنجبرة بعمل المعظم، بل في الروضة القطع به.

فما عن علي بن بابويه و سلار- من عدم وجوب القضاء، بل لعله الظاهر من عدم تعرض الصدوق و علم الهدى له أيضا- لا وجه له، بل يجب مع القضاء الصدقة عن كل يوم بمد من طعام إذا كان الخوف على الولد بلا خلاف أجده فيه، للصحيح المتقدم، اما إذا كان الخوف على النفس خاصة فمن ظاهر الأكثر كما في شرح الأصبهاني، و المشهور كما في المسالك و غيرها عدم وجوب الفدية حينئذ، بل في الدروس ما يقضي بكونه ظاهر الأصحاب، قال: لو خافت المرأة على نفسها دون ولدها ففي وجوب الفدية وجهان، و الرواية مطلقة، و لكن الأصحاب قيدوا بالولد، و إن كان قد يناقش فيه بأن المحكي عنه التصريح بذلك فخر الإسلام في شرحي الإرشاد و القواعد و بعض من تأخر عنه، مع ان المحكي عن الصدوقين و ابن حمزة و الفاضلين في المعتبر و التذكرة و المنتهى و التحرير القطع بتساوي الخوفين في وجوب الفدية، كما في ان المصنف هنا و في النافع و عن الشيخ في الخلاف و الفاضل في الإرشاد و التلخيص و التبصرة ذكروا الإطلاق الشامل لهما، و لعله لا يخلو من قوة، لإطلاق الصحيح المزبور، بل قد يشعر قوله فيه:

«لا يطيقان» بكون الخوف على النفس، و دعوى انسياق الخوف عن الولد من قلة اللبن ممنوعة، لإمكان كون ذلك داعيا لشدة ضعفها، مع انها لا تتم في الحامل و مكاتبة ابن مهزيار لا دلالة فيها على نفي الفداء مع كون الخوف على النفس خاصة على وجه يصلح لتقييد الإطلاق المزبور، و إن ظنه بعض متأخري المتأخرين، و عدم الفداء في الذي يخشى على نفسه المرض أو زيادته المندرج فيه ما نحن فيه

153

للأصل، لا لأن ذلك يقتضي عدم الفداء، ضرورة انه إنما يقتضي الإفطار خاصة فلا بأس حينئذ بالفرق بين أفراده في وجوب الفدية مع القضاء و عدمه، و ليس فيه تخلف المعلول عن العلة، كما هو واضح، إذ لا مانع من عدم وجوب الفداء في ذلك- بخلاف ما نحن فيه- عقلا و لا شرعا، و دعوى ان عدمه في الأقوى يقتضي عدم وجوبه في الأدنى الذي هو محل البحث واضحة المنع، ضرورة عدم مجال للعقل في إدراك ذلك هنا بحيث يصلح لرفع اليد عن ظاهر الدليل الشرعي، كدعوى أن الظهور يرفعه إعراض المشهور عنه، لما عرفت من عدم تحقق الشهرة بل لعل المتحقق خلافها، على أنها بنفسها هنا لا تصلح لذلك، فلا ريب حينئذ في أن الأقوى و الأحوط وجوب الفداء مطلقا.

نعم قد يقال باختصاصه فيما إذا كان الخوف على النفس أو الولد للجوع أو العطش أو نحو هما، لا لغير ذلك كمرض الولد و إشرافه على المرض المحوج إلى شرب دواء و نحوه، فإنه و إن وجب الإفطار و القضاء حينئذ، لكن لا فدية للأصل مع عدم شمول الخبر له، لكنه مع ذلك لا يخلو من نظر في الجملة.

و لا فرق في المرتضع بين كونه ولدا من النسب و الرضاع، و لا في المرضعة بين المستأجرة و المتبرعة، لكن في الروضة لو قام غيرها مقامها متبرعا أو أخذ مثلها أو أنقص امتنع الإفطار، و قد تبع في ذلك الدروس قال: لا فرق بين المستأجرة و المتبرعة إلا أن يقوم غيرها مقامها، ثم قال: لو قام غير الأم مقامها روعي صلاح الطفل، فان تم بالأجنبية فالأقرب عدم جواز الإفطار، هذا مع التبرع أو لتساوي الأجرتين، و لو طلبت الأجنبية زيادة لم يجب تسليمة إليها و جاز الإفطار، و هل يجب هذا الإفطار عليها؟ الظاهر نعم مع ظن الضرر بتركه، و انه لا يدفعه إلا ارتضاعها، و مبنى ذلك كله وجوب المقدمة التي لا تقتضي ضررا أو قبحا و المكاتبة المزبورة، بل جزم في الحدائق بوجوب الاستيجار و إن زادت

154

الأجرة على المثل مع الإمكان لإطلاق المكاتبة، و لقائل أن يقول بعدم وجوب الاستيجار مطلقا، بل عدم وجوب إجابة المتبرع، تمسكا بإطلاق الصحيح (1) المزبور الذي تقصر المكاتبة المزبورة عن تقييده سندا و غيره، خصوصا مع اعتضاده بإطلاق الفتوى، و لا استبعاد في الرخصة شرعا لخصوص المرتضعة كائنة ما كانت في ذلك، بل ربما يؤيده تصريح هؤلاء بعدم الفرق بين الأم و المتبرعة، مع أن مقتضى ذلك عدم جواز التبرع لها مع اقتضائه الإفطار حتى الأم إذا كان للولد أب.

و على كل حال فالفدية من مالهما و إن كان لهما زوج و كان الولد له، لأنها بدل إفطارهما و إن كان بسبب الولد، و لأن لذلك هو مقتضى قوله (عليه السلام): «عليهما» في النص كما هو واضح، هذا، و قد ذكرنا سابقا أن هذا الإفطار الذي منشأه الضرر و نحوه عزيمة لا رخصة كما صرح به في الروضة تبعا لما سمعت التصريح به في الدروس.

[المسألة الثامنة من نام في رمضان و استمر نومه]

المسألة الثامنة من نام في رمضان و استمر نومه فان كان نوى الصوم فلا قضاء عليه، و إن لم ينو فعليه القضاء، و المجنون و المغمى عليه لا يجب على أحدهما القضاء سواء عرض ذلك أياما أو بعض يوم، و سواء سبقت منهما نية أو لم تسبق و سواء عولج بما يفطر أو لم يعالج على الأشبه كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا.

[المسألة التاسعة من يسوغ له الإفطار]

المسألة التاسعة قد قطع الأصحاب كما في المدارك بأن من يسوغ له الإفطار كالمريض و المسافر و غيرهما في شهر رمضان يكره له التملي من الطعام و الشراب بل في المسالك نفي الخلاف عنه في غير ذي العطاش احتراما لشهر رمضان، و اقتصارا في الرخصة على مقدار الضرورة،

قال ابن سنان (2):

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 5.

155

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له أفله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال: سبحان الله أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان، ان له في الليل سبحا طويلا، قلت: أ ليس له أن يأكل و يشرب و يقصر؟ فقال:

إن الله تبارك و تعالى قد رخص للمسافر في الإفطار و التقصير رحمة و تخفيفا لموضع التعب و النصب و وعثاء السفر، و لم يرخص له في مجامعته النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، و أوجب عليه قضاء الصوم و لم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة إذا آب من سفره، ثم قال: و السنة لا تقاس، و اني إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت و لا أشرب كل الري»

خلافا للمحكي عن أبي الصلاح من عدم الجواز و لغيره في خصوص ذي العطاش، ل

خبر عجلان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يصيبه العطش حتى يخاف على نفسه قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، و لا يشرب حتى يروى»

المحمول على الكراهة عند الأكثر لإطلاق الرخصة في الإفطار، و ليس هو بحكم الصائم كي يقتصر على مقدار الضرورة التي هي بحكم الإيجار الذي من الواضح الفرق بينه و بين المقام المتحقق فيه الاختيار، فلا فرق حينئذ في الحكم المزبور بين أفراد من يسوغ له الإفطار.

و كذا لا فرق بين الجماع و بين الأكل و الشرب في الجواز؛

قال عمر بن يزيد (2) في الصحيح: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان إله أن يصيب من النساء؟ قال: نعم»

و قال عبد الملك (3) في الصحيح أيضا: «سألت أبا الحسن يعني موسى (عليه السلام) عن الرجل يجامع أهله في

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1 و هو خبر عمار.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

156

السفر و هو في شهر رمضان قال: لا بأس به»

و نحوه خبر سهل بن زياد (1) عن أبيه، و خبر أبي العباس (2) و خبر داود بن الحصين (3) و خبر علي بن الحكم (4) و صحيح محمد بن مسلم (5) و غيرها من النصوص التي لا ينبغي التأمل في حمل ما ظاهره المعارضة لها- كالخبر السابق (6) و صحيح محمد بن مسلم (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا سافر الرجل في شهر رمضان فلا يقرب النساء بالنهار في شهر رمضان فان ذلك محرم عليه»

- على الكراهة باعتبار منافاته لحرمة شهر رمضان كما أومأ إليه

خبر ابن سنان (8) أيضا، قال: «سألته عن رجل أتى جاريته في شهر رمضان بالنهار في السفر فقال: ما عرف هذا حق شهر رمضان ان له في الليل سبحا طويلا».

و حينئذ فما قيل و القائل الشيخ إنه يحرم للمسافر أن يجامع نهارا إلا عند الحاجة، و عن أبي الصلاح انه لا يجوز لمن يسوغ له الإفطار الجماع مختارا ما لم يخف فسادا في الدين واضح الضعف و لا سيما مع أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، كوضوح الضعف فيما حكي عن أبي الصلاح أيضا من انه إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا لظاهر قوله تعالى:

«فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» و قوله تعالى «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» و ل

خبر أبي بصير (9) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخروج في شهر رمضان قال: لا إلا فيما أخبرك به خروج إلى مكة أو غزوة في سبيل الله أو مال تخاف هلاكه أو أخ

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2 عن محمد بن سهل عن أبيه.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 9.

(5) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 10.

(6) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 8.

(8) الوسائل- الباب- 13- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 6.

(9) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3.

157

تريد وداعه»

و لإطلاق ما دل على وجوبه، إلا أن الجميع كما ترى قاصر عن معارضة الأصل، و ظاهر قوله تعالى (1) «وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ» و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عمار بن مروان (2): «من سافر قصر و أفطر»

و صحيح محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيام فقال: لا بأس بأن يسافر و يفطر و لا يصوم»

و نحوه خبر أبان بن عثمان (4) عن الصادق (عليه السلام)، و في الصحيح عن الوشاء عن حماد بن عثمان (5) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل من أصحابي جاءني خبره من الأعراض (الأعوص خ ل) و ذلك في شهر رمضان أتلقاه و أفطر؟ قال: نعم، قلت: أتلقاه و أفطر أو أقيم و أصوم؟ قال: تلقاه و أفطر»

و المرسل (6) عن الصادق (عليه السلام) أيضا «سئل عن الرجل يخرج ليشيع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة فقال: إن كان في شهر رمضان فليفطر، قال: أيهما أفضل يصوم أو يشيعه قال: يشيعه، إن الله عز و جل وضع الصوم عنه إذا شيعه»

و فحوى ما دل (7) على استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) في شهر رمضان المتوقف امتثاله للنائي على السفر، و غير ذلك مما يظهر منه أن السفر كالموانع الاضطرارية، و ان الصوم لا يجب إلا على الحاضر، و انه لا يجب عليه ان يحضر حتى يكون مكلفا، بل هو باق على إباحة السفر له، بل لعل ذلك كذلك في كل صوم قد تعين كقضاء شهر رمضان عند مجيء الأشهر الأخر، و صوم الكفارة لو تعين، و صوم النذر،

____________

(1) سورة البقرة- الآية 181.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب صلاة المسافر- الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 53- من أبواب المزار من كتاب الحج.

158

و لا تجب له الإقامة، فيكون الحاصل من مجموع الأدلة وجوب الصوم على من كان حاضرا و عدمه على المسافر إلا ما خرج بالدليل.

نعم يستفاد من صحيح الحلبي (1)

و خبر أبي بصير (2) أفضلية الإقامة في شهر رمضان، قال في الأول: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل في شهر رمضان و هو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر فسكت، فسألته غير مرة فقال: يقيم أفضل إلا أن يكون له حاجة لا بد من الخروج فيها، أو يتخوف على ماله»

و قال في الثاني أيضا: «جعلت فداك يدخل علي شهر رمضان فأصوم بعضه فتحضرني نية في زيارة قبر أبي عبد الله (عليه السلام) فأزوره و أفطر ذاهبا و جائيا أو أقيم حتى أفطر و أزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين فقال: أقم حتى تفطر، قلت له: جعلت فداك فهو أفضل قال: نعم، أما تقرأ في كتاب الله فمن شهد منكم الشهر فليصمه»

بل في المختلف أن المشهور كراهة السفر إلى أن يمضي ثلاثة و عشرون يوما منه فتزول الكراهة و لعله ل

مرسل ابن أسباط (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط، قال الله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج أو في عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه، و ليس له أن يخرج في إتلاف مال غيره، فإذا مضت ليلة ثلاثة و عشرين فليخرج حيث شاء»

و قد بان لك الحال من ذلك كله، و أن المراد من الآية وجوب صوم الشهر جميعه على من شهده أي كان حاضرا، و أن المراد الكراهة من النهي في خبر أبي بصير القاصر سندا و دلالة، و إطلاق ما دل على وجوبه يقيد بما إذا لم يكن مسافرا كما عرفت، و الله أعلم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 6.

159

[كتاب الاعتكاف]

كتاب الاعتكاف و يقع الكلام في ماهيته و أقسامه و أحكامه

[الكلام في ماهية الاعتكاف]

أما الأول ف الاعتكاف لغة هو الاحتباس، و منه اللبث الطويل الذي هو أحد أفراد لزوم الشيء و حبس النفس عليه برا كان أو غيره، قال الله تعالى (1) «مٰا هٰذِهِ التَّمٰاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهٰا عٰاكِفُونَ» أي لازمون لها و حابسون أنفسكم عليها، نحو قوله (2) «يَعْكُفُونَ عَلىٰ أَصْنٰامٍ لَهُمْ» و شرعا على وجه النقل أو المجاز الشرعي هو اللبث المتطاول للعبادة و في المنتهى «لبث مخصوص للعبادة» و في الدروس «لبث في مسجد جامع مشروط بالصوم ابتداء» إلى غير ذلك من تعريفاتهم التي لا فائدة مهمة في استقصائها و المناقشة في طردها و عكسها و ذكر الشروط و نحوها فيها بعد معلومية كون المراد منها الكشف في الجملة الحاصل بذلك و نحوه، كغيره من الموضوعات الشرعية و المتشرعية التي تعرضوا لها، مع احتمال ملاحظة من ذكر الشروط كونه اسما للصحيح لا الأعم منه و الفاسد، كما أن المراد من قوله: «للعبادة» كون اللبث على وجه التعبد به

____________

(1) سورة الأنبياء- الآية 53.

(2) سورة الأعراف- الآية 134.

160

نفسه، فلا يتوهم شموله اللبث لعبادة خارجية كقراءة قرآن و نحوها، بل لا يتوهم أن المعتبر في الاعتكاف قصد كون اللبث لعبادة خارجة عنه بحيث لا يجزي الاقتصار على قصد التعبد به خاصة، ضرورة ظهور النصوص و الفتاوى في مشروعيته لنفسه من غير اعتبار ضم قصد عبادة أخرى معه، ففي

خبر السكوني (1) بإسناده إلى الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) «اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجتين و عمرتين»

لكن ظاهر ما يأتي من التذكرة اعتبار ذلك، بل جزم به شيخنا الأكبر في رسالته و كشفه.

و على كل حال فالإجماع من المسلمين بقسميه على مشروعيته على وجه الندب و ربما كان في قوله تعالى (2) «طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ» دلالة عليه، كقوله (3) «وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ» و أما النصوص (4) الدالة على مشروعية و لو بتضمنها فعل النبي (صلى الله عليه و آله) فهي متواترة، نعم في المنتهى ان أفضل أوقاته العشر الأواخر من شهر رمضان مستدلا برواية السكوني المتقدمة و هو كما ترى، و لعل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي العباس (5): «اعتكف رسول الله (صلى الله عليه و آله) في شهر رمضان في العشر الأولى، ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثم اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثم لم يزل (صلى الله عليه و آله) يعتكف في العشر الأواخر»

أظهر دلالة، ك

قوله (عليه السلام) في خبر الحلبي (6) في حديث: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الاعتكاف الحديث 3.

(2) سورة البقرة- الآية 119.

(3) سورة البقرة- الآية 183.

(4) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الاعتكاف.

(5) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الاعتكاف الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الاعتكاف الحديث 1.

161

و ضربت له قبة من شعر و شمر المئزر و طوى فراشه»

بل

قوله (عليه السلام) في خبر داود ابن سرحان (1): «لا اعتكاف إلا في العشر الأواخر من شهر رمضان» على ما رواه في التهذيب، و في الكافي «إلا في العشرين»

أظهر منهما، و الأمر في ذلك سهل.

و كيف كان ف لا يصح إلا من مكلف مسلم لما قدمناه سابقا من اشتراط الايمان في صحة العبادة فضلا عن الإسلام، لاعتبار نية القربة فيها المعلوم عدم قابلية غير المؤمن- الذي لا يقربه من ربه شيء بعد فقد الايمان- لها على أنك قد عرفت كون الاعتكاف اللبث المنافي لوجوب خروج الكافر من المسجد بل الظاهر اعتبار ذلك ابتداء و استدامة لما عرفت، فلو ارتد في الأثناء بطل اعتكافه و إن رجع كالصوم، بل أولى هنا للنهي حينئذ عن اللبث في المسجد، خلافا للمحكي عن المبسوط فلا يبطل وفاقا للشافعي، و أما التكليف فلا ريب في اعتباره من حيث العقل، لمعلومية عدم وقوعها من فاقده حتى السكران و لو بالأثناء أما من حيث البلوغ ففيه البحث السابق في عبادة الصبي بالنسبة إلى الشرعية و التمرينية، فمن الغريب جزم المصنف هنا بعدم الصحة مع حكمه بها سابقا، في الصوم اللهم إلا أن يريد بالتكليف ما لا يشمله اتكالا على ما ذكره سابقا، أو يريد نفي الصحة الشرعية هنا و إثبات الصحة التمرينية هناك كما اختاره في المسالك و أومأ إليه في التذكرة، قال: «و يصح اعتكاف الصبي المميز كما يصح صومه، و هل هو مشروع أو تأديب إشكال» أو غير ذلك.

[شرائط الاعتكاف ستة]

و كيف كان ف شرائطه ستة:

[الشرط الأول النية]

الأول النية المعلوم اعتبارها في جميع العبادات التي منها الاعتكاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الاعتكاف- الحديث 5.

162

بلا خلاف، لأصالتها في كل مأمور به، و البحث في حقيقتها و اعتبار الوجه و غير ذلك من مباحثها قد تقدم سابقا و قد ذكرنا هناك أنه انما يجب في نحوه نية القربة خاصة، و حينئذ فلا إشكال هنا من سائر الوجوه كما اعترف به ثاني الشهيدين في المحكي من فوائده على القواعد، قال: «و لو لم يعتبر الوجه كما هو الوجه استرحنا من الإشكالات، و كان معنى وجوب الثالث على القول به ترتب الثواب على فعله و العقاب على تركه بخلاف غيره» و هو كما ترى في غاية الجودة، إلا أن ظاهره اختصاص ذلك في القول بعدم اعتبار الوجه، أما عليه فلا، و هو ظاهر عبارة المتن، و لذا قال المصنف بناء على ما اختاره من اعتبار نية الوجه:

ثم إن كان منذورا مثلا نواه واجبا، و إن كان مندوبا نوى الندب، فان مضى له يومان وجب الثالث على الأظهر و جدد نية الوجوب ضرورة ظهوره في وجوب التجديد، لكن في المدارك بناء على اعتبار الوجه إن كان منذورا نوى الوجوب، و إن كان مندوبا و قلنا إن المندوب لا يجب بالدخول فيه و لو مضى اليومان نوى الندب، و إن قلنا إنه يجب بالشروع أو بمضي اليومين نواه على هذا الوجه، بمعنى أن يكون الجزء الأول منه أو اليومان الأولان على وجه الندب و الباقي على وجه الوجوب، و لا يتوجه عليه ما ذكره الشارح من تقدم النية على محلها، لأن محلها أول الفعل، غاية الأمر ان يقع على وجهين مختلفين، فيجب بنيتهما كذلك، و لو اقتصر على نية اليومين الأولين ندبا ثم جدد نية الثالث على وجه الوجوب كما هو ظاهر عبارة المصنف كان جيدا، و لا يرد عليه ما ذكره بعضهم من أن الثلاثة أقل ما يتحقق به هذه العبادة، و هي متصلة شرعا، و من شأن العبادة المتصلة أن لا يفرق النية على أجزائها بل يقع بنية واحدة، لأنا نقول إنه لا دليل على امتناع التفريق، بل قد اعترف الأصحاب بجوازه في الوضوء و نحوه فليكن هنا كذلك، و أما ما قيل- من أن الاعتكاف لما كان الأصل فيه الندب،

163

و الوجوب لا يتعلق به إلا لأمر عارض جاز أن ينوي فيه أجمع ما هو مقتضى الأصل، و هو الندب- فضعيف جدا، إذ لا معنى لإيقاع الفعل الواجب على وجه الندب، كما هو واضح. قلت: بل هو قوي جدا، ضرورة كون اعتكاف الثلاثة عبادة واحدة، و لا توصف قبل الوقوع إلا بالندب، فهو حينئذ وجهها، و الوجوب الحاصل بعد مضي اليومين أو بالشروع انما هو من أحكام تلك العبادة المندوبة لا من وجوه أمرها، ضرورة كونه بأمر آخر غير الأمر بأصل الاعتكاف لا يعتبر في صحته أصل النية فضلا عن نية الوجه، و من هنا لو أتم المكلف الفعل بالاستدامة على مقتضى الأمر الأول غير عالم بالأمر الثاني صح فعله قطعا، و من ذلك وجوب إتمام النافلة بعد الشروع فيها بناء على حرمة القطع، و لو سلم فالمتجه التجديد كما ذكره المصنف، إذ لا معنى لقصد امتثاله قبل تحقق الخطاب به ضرورة عدم الوجوب إلا بعد مضي اليومين، كما أن المتجه على التجديد وقوع النية عند الغروب من اليوم الثاني على وجه لا تنافي المقارنة عرفا من غير اعتبار التقدم اليسير و التأخر، لكن في الروضة ظاهر الأصحاب أن النية للفعل المستغرق للزمان المعين كالوقوف بعرفة يكون بعد تحققه لا قبله، و ربما نوقش بخلو جزء من الزمان حينئذ من النية، فالأولى تقدمها بما لا ينافي المقارنة عرفا مع فرض تعذر المقارنة حقيقة، و فيه أنه مناف لاعتبار المقارنة المستفادة من الأدلة، و دعوى صدق تحققها عرفا في نحو ما نحن فيه بذلك لا تختص بالتقدم، و من هنا كان التحقيق ما قدمناه، و لعل ذلك كله بناء على أن النية الاخطار، أما على الداعي فالأمر سهل بل يمكن استمراره على وجه تحصل به المقارنة حقيقة، لكن في رسالة شيخنا انه يكفي التبييت هنا على الأقوى، و هو مشكل، كما أن ما فيها من أنه يجوز نيته عن الميت و الأموات دون الأحياء لا يخلو من إشكال أيضا، بل الأقوى جوازه، و لا يقدح ما فيه من النيابة في الصوم التبعي كالصلاة للطواف و نحوها

164

نعم ما فيها- من أنه لا يجوز العدول بالنية عن اعتكاف إلى غيره مع اختلافهما في الوجوب و الندب و اتحادهما، و لا عن نيابة ميت إلى غيره إلا إذا نوى واجبا فبان عدم وجوبه، فإن الأقوى جواز العدول إلى الندب، و لا يخلو من إشكال- جيد جدا، و الله أعلم، و لا يخفى عليك جريان هذا البحث في نية أصل الاعتكاف أيضا، بل في كل عبادة مستغرقة للزمان.

[الشرط الثاني الصوم]

الشرط الثاني الصوم، فلا يصح بدونه بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، ل

قول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (1) و غيره:

«لا اعتكاف إلا بصوم»

و هو المراد من الوجوب في قول علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (2): «و صوم الاعتكاف واجب»

بل النصوص (3) بذلك في غاية الاستفاضة إن لم تكن متواترة، فلا حاجة إلى الاستدلال عليه مضافا إلى ذلك بما في التذكرة من أن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلم يمكن بمجرده قربة كالوقوف بعرفة، فاحتاج إلى اشتراط الصوم، لأنه بمجرده لا يكون عبادة، إذ هو كما ترى، نعم الظاهر أن شرطية الصوم له كشرطية الطهارة للصلاة لا يعتبر فيه الوقوع له، بل يكفي في صحة الاعتكاف وقوعه معه و إن لم يكن له سواء كان الصوم واجبا أو ندبا رمضان كان أو غيره بلا خلاف أجده فيه، بل عن المعتبر أن عليه فتوى علمائنا، و يدل عليه مضافا إلى ذلك في الجملة وقوعه من النبي (صلى الله عليه و آله) في شهر رمضان (4) لكن في التذكرة بعد أن ذكر نحو ذلك قال: و لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام مثلا وجب عليه الصوم بالنذر، لأن ما لا يتم

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الاعتكاف الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الاعتكاف الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من كتاب الاعتكاف.

(4) الوسائل- الباب- 1- من كتاب الاعتكاف.

165

الواجب إلا به يكون واجبا، و أشكل إطلاقه في المدارك بأن النذر المطلق يصح إيقاعه في صوم شهر رمضان أو واجب غيره، فلا يكون نذر الاعتكاف مقتضيا لوجوب الصوم، كما أن من نذر الصلاة فاتفق كونه متطهرا في الوقت الذي تعلق به النذر لم يفتقر إلى طهارة مستأنفة، نعم لو كان الوقت معينا و لم يكن صومه واجبا اتجه وجوب صومه للنذر أيضا، فلو نذر المعتكف صياما و صام تلك الأيام عن النذر أجزأ، و فيه أن المراد بقرينة كلامه سابقا و لاحقا الوجوب و لو تخييرا أو عند توقف الواجب عليه، و لذا قال بعد ذلك:

«لو نذر اعتكافا و أطلق فاعتكف في أيام أراد صومها استحبابا جاز» و هو كالصريح فيما قلناه، لكن جزم في المسالك بالمنع من جعل صوم الاعتكاف المنذور مندوبا، للتنافي بين وجوب المضي على الاعتكاف الواجب و جواز قطع الصوم المندوب، و في المدارك هو جيد إن ثبت وجوب المضي في المطلق الاعتكاف الواجب و إن كان مطلقا، لكنه غير واضح كما ستقف عليه، أما بدون ذلك فيتجه جواز إيقاع المنذور المطلق في الصوم المستحب، أما المعين فلا ريب في امتناع وقوعه كذلك، لما ذكره من التنافي بين وجوب المضي فيه و جواز قطع الصوم، و فيه انه لا منافاة بين الاستحباب الذاتي و الوجوب الغيري، فيتجه حينئذ وقوع المعين فيه فضلا عن المطلق بعد اختلاف الجهة كالفريضة في المسجد و نحوها، و هو واضح.

و على كل حال فقد ظهر لك أن الاعتكاف لا يصح إلا في زمان يصح فيه الصوم ممن يصح منه الصوم فان اعتكف في العيدين مثلا لم يصح، و كذا لو اعتكفت الحائض و النفساء بل و المسافر بناء على عدم مشروعية الصوم منه، لكن في المختلف عن ابن بابويه و الشيخ و ابن إدريس استحباب الاعتكاف في السفر محتجين عليه بأنه عبادة مطلوبة للشارع لا يشترط فيها الحضر، فجاز

166

صومها في السفر، و فيه أنه يكفي في اشتراط الحضر فيه اشتراطه في شرطه، و هو الصوم، فلا وجه للاستدلال بإطلاق مشروعيته على جواز الصوم له سفرا، ضرورة أنه لا يتوقف أحد في اعتبار استفادة ذلك من نحو

قوله (عليه السلام):

«لا اعتكاف إلا بصوم»

و قوله (عليه السلام) (1): «ليس من البر الصيام في السفر»

الذي هو بمعنى قوله: «لا صيام إلا في الحضر» و احتمال العكس بأن يقال لا اعتكاف إلا بصيام، و الاعتكاف للإطلاق مشروع سفرا و حضرا فالصوم له كذلك كما ترى، و لا أقل من أن يكون ذلك من التعارض من وجه، و لا ريب في كون الترجيح لما ذكرنا لوجوه، و الله أعلم.

[الشرط الثالث العدد]

الشرط الثالث العدد لا يصح الاعتكاف إلا ثلاثة أيام بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، و قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2) و موثق عمر بن يزيد (3): «لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام»

كقوله (عليه السلام) في خبر داود بن سرحان (4): «الاعتكاف ثلاثة أيام يعني السنة»

و أبو جعفر (عليه السلام) في خبر أبي عبيدة (5): «من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر، و إن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام»

إلى غير ذلك، و حينئذ فمن نذر مثلا اعتكافا مطلقا وجب عليه أن يأتي بثلاثة لأنها أقل ما يتحقق به المطلق المزبور، و له أن يأتي بالأزيد، و ليس من الأقل المتحقق في ضمن الأكثر الذي لا يتصور امتثاله بالزائد عليه بعد حصوله بالأقل، ضرورة عدم الامتثال في الفرض

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الاعتكاف الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الاعتكاف الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الاعتكاف الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الاعتكاف الحديث 3.

167

بالأقل الذي صار بعد فرض قصد المكلف بالزائد جزءا كاليوم من الثلاثة، و لا ينافيه وجوب القضاء له خاصة لو أفسده، بل قد يحتمل عدم اعتبار القصد أخيرا له بعد القصد الأول، لعدم الدليل على مشروعيته كذلك و كذا إذا وجب عليه قضاء يوم من اعتكاف اعتكف ثلاثة بضم يومين ندبا له ليصح له قضاء ذلك اليوم و إن كان هو مخيرا في جعله أولا أو أخيرا أو وسطا على إشكال في الأخير و الوسط دون الأول، لكن ستعرف دفعه.

و المراد باليوم لغة و عرفا من طلوع الفجر إلى غروب الحمرة المشرقية، فلا تدخل الليلة الأولى في الثلاثة فضلا عن الأخيرة كما بيناه غير مرة، و ربما يشهد له في الجملة قوله تعالى (1) «سَخَّرَهٰا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيٰالٍ وَ ثَمٰانِيَةَ أَيّٰامٍ حُسُوماً» فالنية حينئذ عنده لا عندها، و إن كان الأحوط الجمع بينهما، خلافا للمحكي عن الفاضل و إن كنا لم نتحققه، و لثاني الشهيدين فأدخلا الليلة الأولى فيها، و جعلاها محل النية قياسا على الليلتين في الأثناء، و فيه أن دخولهما لا لكونهما من مسمى اليوم، بل لظهور النص و الفتوى في استمرار حكم الاعتكاف، و انه لا انقطاع فيه، و لذلك دخلا، فهو قياس مع الفارق، و من ذلك يعلم أن الاعتكاف بدونهن يبطل، فلو نذره كذلك كان باطلا، خلافا لما ستعرفه من الشيخ، و أضعف منه القول بدخول الليلة الرابعة التي يشهد اللغة و العرف بخلافها، بل خبر عمر بن يزيد (2) المتقدم في كتاب الصوم صريح في نسبة هذا القول للمغيرية و أنهم كذبوا فيه، نعم له إدخالها في الاعتكاف، لأنه لأحد لأكثره، أما بعضها

____________

(1) سورة الحاقة- الآية 7.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 7 إلا أنه لم يتقدم ذكره.

168

أو بعض اليوم ففي بغية شيخنا الميل فيه إلى العدم، و عليه إبداء الفرق، و هل يجزي التلفيق في صدق الثلاثة؟ وجهان بل قولان، أقواهما نعم كما في غير المقام وفاقا للفاضل في المختلف للصدق عرفا، و خلافا للمحكي عن المبسوط و غيره، و لو نذر اعتكاف شهر معين أو غير معين دخل فيه الليلة الأولى، لأنها من مسماه، و يجزيه ما بين الهلالين، تم أو نقص و يقوى الاجتزاء بالعدد أيضا إن شاء، لصدق الامتثال بكل منهما عرفا، كما انه يجزيه التتابع و التفريق ثلاثة في الشهر المطلق و الأيام للصدق كما في الصوم، إلا أنه لا يخلو من نظر لما تقدم في نذر الصوم، بل صرح شيخنا في بغيته بوجوب التتابع في نذر الشهر، إلا أن ظاهرهم في المقام عدمه، بل في المختلف أن له التفريق يوما فيوما على ان يضم لكل يوم من النذر يومين ندبا، قال: لا يقال: لا يصح الصوم تطوعا ممن عليه صوم واجب لأنا نقول: نمنع أولا ذلك على ما اختاره المرتضى، سلمنا لكن نذر الاعتكاف لا يستلزم نذر الصوم، فجاز ان يعتكف في نهار رمضان فينوي أول نهار من اعتكاف المنذور و باقية ندبا أو بالعكس، اما لو كان نذره اعتكاف شهر معين وجب مراعاة التوالي، لتوقف الصدق عليه، فلو أفطر يوما منه بعد مضي ثلاثة مثلا أثم و أتم ما بقي و قضى ما فات كما ستعرفه عند تعرض المصنف له.

و كذا تعرف الحكم في من ابتدأ اعتكافا مندوبا و أن مختار المصنف و جماعة بل هو المشهور أنه كان بالخيار في المضي فيه و في الرجوع، فان اعتكف يومين وجب الثالث، و كذا لو اعتكف ثلاثة ثم اعتكف يومين بعدها وجب السادس و قد عرفت الحال فيما لو دخل في الاعتكاف قبل العيد بيوم أو يومين أي أنه لم يصح لما تقدم من أنه لا اعتكاف إلا بصوم، و هو محرم في العيد أما لو دخل في اعتكاف خامسة العيد مثلا أو نذره ففي صحة ما عدا العيد و بطلانه

169

وجهان، هذا و قد عرفت الحال فيما لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون لياليها و أنه غير جائز لكن قيل و القائل الشيخ في المحكي عن خلافه:

يصح ذلك، قال: «إذا قال: لله علي ان أعتكف ثلاثة أيام لزمه ذلك، فان قال: متتابعا لزمه بينها ليلتان، و إن لم يشترط المتابعة جاز أن يعتكف نهار ثلاثة أيام بلا لياليهن» و قال في هذا الكتاب أيضا قبل ذلك: «لا يكون الاعتكاف بأقل من ثلاثة أيام و ليلتين» و قال في المحكي عن مبسوطة: «إن نذر أياما بعينها لم يدخل فيها لياليها إلا أن يقول العشر الأواخر و ما يجري مجراه، فيلزمه حينئذ الليالي، لأن الاسم يقع عليه» ثم قال في موضع آخر منه: «و إذا نذر اعتكاف ثلاثة أيام وجب عليه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر من أول يوم إلى بعد الغروب من ذلك اليوم، و كذلك اليوم الثاني و الثالث، هذا إذا أطلقه، و إن شرط التتابع لزمه الثلاثة الأيام بينها ليلتان».

و قيل و القائل المشهور بل لا أجد فيه خلافا إلا ممن عرفت لا يصح لأنه بخروجه عن قيد الاعتكاف في الليل يبطل اعتكاف ذلك اليوم لكونه حينئذ اعتكافا أقل من ثلاثة أيام، قيل: و إلى ذلك يرجع ما في المختلف من الاستدلال على المطلوب بأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام، و مفهوم ذلك دخول الليالي، لكن قد يناقش بأنه لا يتم في الزائد على الثلاثة، فالأولى حمل كلامه على إرادة فهم الاتصال على وجه يدخل فيه الليالي المتوسطة من أمثال هذا التركيب في إقامة العشر و الثلاثة الحيض و غيرهما، كما أن الأولى الاستدلال عليه أيضا بما يأتي من النصوص (1) الدالة على وجوب الكفارة على من جامع ليلا و هو معتكف، ضرورة عدم الداعي إلى حملها على اشتراط التتابع، كل ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الاعتكاف.

170

مضافا إلى إمكان دعوى الإجماع على المطلوب، و الله أعلم.

و كيف كان ف لا يجب التوالي فيما نذره من الزيادة على الثلاثة بل له ذلك و التفريق، لصدق الامتثال بكل منهما؛ و إن كان في التفريق لا بد أن يعتكف ثلاثة ثلاثة فما زاد لما عرفت من أن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة، بل قد سمعت ما في المختلف من التفريق يوما يوما، و إن كان هو خروج عن محل البحث، ضرورة إرادة التفريق في المنذور نفسه من غير ضم غيره معه، و مثله يأتي في نذر الثلاثة كما صرح به شيخنا في بغية الطالب، لعدم تصور الفرق بينها و بين العشرة في ذلك، هذا.

و لا يخفى عليك أنه لا يجب عليه التوالي إلا إذا نذر مثلا على وجه يظهر منه كما إذا اشترط التتابع لفظا بأن قال عشرة أيام متتابعة أو معنى كما لو نذر شهر رجب أو العشرة الأخيرة منه أو من شهر رمضان مثلا و نحو ذلك مما يتوقف صدق الاسم عليه، فإنه حينئذ يجب مراعاته، فلو أخل به لعذر احتمل البناء لما تقدم في الصوم، و احتمل العدم اقتصارا على المتيقن، و إن كان عمدا استأنف على الأقوى، مع احتمال البناء كما تعرف الحال فيه إن شاء الله عند تعرض المصنف له، و الله أعلم.

[الشرط الرابع المكان]

الشرط الرابع المكان، فلا يصح الاعتكاف إلا في مسجد إجماعا بقسميه و نصوصا (1). مستفيضة أو متواترة، إنما الكلام في تعيينه، فعن ابن أبي عقيل أنه كل مسجد، قال: «الاعتكاف عند آل رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يكون إلا في المساجد، و أفضله المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) و مسجد الكوفة، و سائر الأمصار مساجد الجماعات» و عن جماعة أنه لا يكون

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف.

171

إلا في جامع و هو ظاهر في المصنف بل و المفيد و إن عبر بالمسجد الأعظم إلا أن الظاهر إرادة الجامع منه في مقابلة مسجد السوق و القبيلة و نحوهما من المساجد التي لم يجتمع فيها المعظم من أهل البلد، و لا أعدت لذلك، و لو فرض تعدد الجامع في البلد الواحد جاز في كل واحد منها، و ليس له التشريك بينها في الاعتكاف الواحد مع عدم الاتصال، أما معه بالباب مثلا ففي بغية الأستاذ لا تبعد الصحة، و فيه أن ذلك غير مجد بعد فرض ظهور الأدلة في اعتبار الوحدة المفروض عدم تحققها بذلك في المفروض، و قال في محكي المنتهى: «لو فصل الجامع الذي يجوز الاعتكاف فيه بحاجز جاز أن يعتكف بكل منهما، لأنه بعضه، و ليس له أن يخرج عن أحدهما إلا لضرورة أو حاجة من حر أو برد أو غير ذلك، أما لو كان أحد الموضعين ملاصقا للآخر بحيث لا يحتاج إلى المشي في غيرهما جاز أن يخرج من أحدهما إلى الآخر» قلت: المدار على صدق الوحدة عرفا كما لا يخفى، و لو تعذر المكث في محل النية فالأقوى البطلان مع احتمال الاكتفاء بجامع آخر.

و قيل و القائل الأكثر كما في الدروس لا يصح إلا في المساجد الأربعة: مسجد مكة و مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و مسجد الجامع بالكوفة و مسجد البصرة بل في محكي المنتهى أنه المشهور، بل عن المرتضى و الشيخ و ابن زهرة و الطبرسي الإجماع عليه و قائل و هو علي بن بابويه جعل موضعه أي الأخير مسجد المدائن الذي روي (1) ان الحسن (عليه السلام) صلى فيه، و فيه أن المتجه حينئذ ضمه مع الأربعة كما عن المقنع لا إبداله و ذلك لأن ضابطه عندهم كل مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي جماعة و من المعلوم أن الأربعة قد تحقق فيها ذلك، و الخامس على فرض صحة الرواية المزبورة يلحق بها

____________

(1) مرآة العقول ج 3 ص 246.

172

و كذا مسجد براثا، بل منهم كالشيخ في المبسوط و المرتضى في الانتصار على ما قيل من قال باعتبار كون الجماعة في جمعة و لم يتحقق ذلك في غير الأربعة، بل لعل المتحقق خلافه، و ربما قيل: إن هذا فائدة الخلاف في اعتبار الجماعة و الجمعة.

و على كل حال فالأقوى الثاني، ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1): «لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع»

و قوله (عليه السلام) في خبر ابن سنان (2): «لا يصلح العكوف في غيرها يعني مكة إلا ان يكون مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) أو في مسجد من مساجد الجماعة» و قوله عن أبيه (عليهما السلام) في خبر علي ابن غراب (3): «المعتكف يعتكف في المسجد الجامع»

و مثله خبر علي بن عمران (4) و في خبر أبي الصباح (5) عنه (عليه السلام) أيضا «انه سئل عن الاعتكاف في رمضان في العشر الأواخر قال: إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) أو في مسجد جماعة»

و في حسن الحلبي أو صحيحه (6) انه سئل أيضا «عن الاعتكاف فقال: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) أو مسجد الكوفة أو مسجد جماعة، و تصوم ما دمت معتكفا»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر داود بن سرحان (7): «لا أرى الاعتكاف إلا في مسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) أو في مسجد جامع»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر يحيى بن العلاء الرازي (8): «لا يكون اعتكاف إلا في مسجد جماعة»

بل لعله يرجع إلى ذلك

المرسل (9) عن المقنع أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 7.

(7) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 10.

(8) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 6.

(9) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 2.

173

روي «لا اعتكاف إلا في مسجد يصلي فيه الجمعة بإمام و خطبة»

و المرسل (1) عن ابن الجنيد انه «روى ابن سعيد يعني الحسين عن أبي عبد الله (عليه السلام) جواز الاعتكاف في كل مسجد صلى فيه إمام عدل صلاة الجمعة جماعة، و في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة بإمام و خطبة»

ضرورة كونه هو الجامع غالبا، كمعلومية كونه المراد من مسجد الجماعة، إذ لم يقل أحد باعتبارها في الاعتكاف، و هي جميعا كما ترى متفقة على خلاف المحكي عن ابن أبي عقيل، و أما

موثق عمر بن يزيد (2) الذي هو دليل المشهور «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه إمام عدل صلاة جماعة، و لا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة و البصرة و مسجد المدينة و مسجد مكة»

فيمكن إرادة الأعم من المعصوم من الامام العدل فيه، بل لعله على التوصيف ظاهر في غيره، و كان وجه اعتبار صلاة العدل فيه جماعة ان السائل سأل عن مساجد بغداد، و هي ليست مساجد أهل الحق، إلا انه يجري عليها الحكم إذا اتخذها أهل الحق لصلاتهم و جوامع لهم، فيكون المراد انه لا عبرة بمسجد الجماعة لهم إذا لم يصل فيها إمام عدل جماعة على وجه يكون جامعا لهم و لغيرهم، للشك في الاكتفاء بغير ذلك و إن سمي جامعا باعتبار اتخاذ غير أهل الحق كذلك، و على كل حال فهو مع اتحاده و كونه من قسم الموثق و احتماله ما عرفت قاصر عن معارضته لما تقدم، سيما بعد اعتضاده بظاهر الآية (3) بناء على دلالتها على مشروعيته بكل مسجد، و دعوى المرتضى و الشيخ و غيرهما الإجماع لم نتحققها، بل لعل المتحقق خلافه، فلا ريب في ان الأقوى ما قلناه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 14.

(2) الوسائل- الباب- 3- من كتاب الاعتكاف- الحديث 8.

(3) سورة البقرة- الآية 183.

174

و يلحق بالمساجد حيطانها التي من جانبها و آبارها التي فيها و سطوحها و منائرها و منابرها و محاريبها و سراديبها، كبيت الطشت في الكوفة و نحو ذلك مما هو مبني على الدخول ما لم يعلم الخروج، بلا خلاف سنائدها و نحوها مما هو مبني على الخروج ما لم يعلم دخولها، و الإضافات إلى الجوامع حكمها حكمها مع اتخاذها اتخاذها، و قبر مسلم بن عقيل (عليه السلام) و هاني و نحوهما ليس من المسجد على الظاهر، و ما في الدروس من تحقق الخروج عن المسجد بالصعود على السطح لعدم دخوله في مسماه واضح الضعف، نعم لو فرض قصد المعتكف الاعتكاف في الأسفل دونه جاء فيه البحث السابق الذي قد ذكرنا فيه عدم الدليل على وجوب اعتبار ذلك و لو قصده، و لعله لذا قطع في محكي المنتهى بعدم الفرق بين السطوح و غيرها من غير نقل خلاف فيه، بل حكاه عن الفقهاء الأربعة، و استحسنه في المدارك، و هو كذلك، و لو اعتكف فبان عدم المسجدية أو الجامعية بطل اعتكافه، و لا يصلحه لحوقهما.

و لو تعذر إتمام اللبث في المكان الذي اعتكف فيه لخروجه عن قابلية اللبث فيه بأحد الأسباب احتمل الاكتفاء باللبث في غيره، بل ربما قيل به، و هو مشكل و لو زال المانع احتمل البناء، و الأقوى الاستئناف مع فرض الوجوب.

و تعلم الجامعية بالبينة و الشياع و حكم الحاكم و نحو ذلك، بل يمكن الاكتفاء بخبر العدل.

و كيف كان ف يستوي في ذلك الرجل و المرأة بلا خلاف أجده بيننا، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه كما ادعاه في الحدائق، لأصالة الاشتراك، و ظاهر بعض النصوص (1) في وجه، من غير فرق بين المكان الذي أعدته للصلاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1 و 2.

175

في بيتها و غيره عندنا، نعم خالف بعض العامة في ذلك فجوز لها الاعتكاف في مسجد بيتها، و لعله لذلك نبه المصنف على التسوية المزبورة.

و الحضرات المشرفة و إن كانت أفضل من الجوامع لا تلحق بها هنا، و كذا رواقها و إن كان متخذا للعبادة لا لاحكام البناء، و جميع بقاع جامع الاعتكاف على حد سواء للمعتكف، بل لا يبعد عدم اعتبار خصوص بعضها و إن خصصه المعتكف، نعم قد يقال باعتباره لو خصصه الولي كحاكم الشرع على إشكال فيه ينشأ من عموم ولايته على هذا النحو، و الله أعلم.

[الشرط الخامس إذن من له ولاية]

الشرط الخامس إذن من له ولاية على المنع من الاعتكاف كالمولى لعبده مدبرا كان أو أم ولد أو غيرهما و الزوج لزوجته بلا خلاف أجده فيه معللين له بملكية السيد و الزوج منافعهما، فلا يجوز صرفهما لها بغير الاذن، بل في الدروس إضافة الولد و الأجير و الضيف لهم، و لم نعثر هنا على دليل بالخصوص نعم قد تقدم في الصوم المندوب ما له مدخلية في المقام مع فرض الاعتكاف فيه، و إن كان هو أخص من المقام، ضرورة أعمية الاعتكاف من ذلك حتى في الصوم المندوب الذي يفرض حصول الاذن فيه، فليس للمسألة مدرك على الظاهر سوى الملكية المزبورة على الوجه المزبور التي يمكن تسليمها في العبد و في الأجير دون الزوجة و دون الولد، و لذا لم يعتبر اذنه بعض مشايخنا، لكن اعتبر عدم منعه، و كذا الوالدة، و فيه أيضا بحث، و أما الضيف فليس مبنى المنع فيه إلا حيثية الصوم قطعا، فينبغي أن يدور الاعتكاف مدارها، و بالجملة قد تقدم في الصوم ما له نفع في المقام، و منه يعلم الحال في الاعتكاف الواجب المعين و المطلق، و اعتبار الاذن فيه و عدمها.

و على كل حال ف إذا أذن من له ولاية كان له المنع قبل الشروع للأصل السالم عن المعارض و بعده ما لم يمض يومان بناء على وجوبه حينئذ

176

أو يكون واجبا بنذر و شبهه و قلنا بوجوب إتمامه بالشروع، لعدم طاعة المخلوق في معصية الخالق، و لو قلنا بوجوب الاعتكاف بالشروع مطلقا لم يكن له الرجوع معه، و لعله لهذا أطلق الشيخ في المحكي عن مبسوطة و خلافه عدم جواز الرجوع مع الاذن، و إلا كان واضح الفساد.

[فروع]

فرعان بل فروع:

[الأول المملوك المبعض]

الأول المملوك المبعض إذا هاياه مولاه جاز له الاعتكاف في أيامه التي تسع أقل الاعتكاف و إن لم يأذن له مولاه لعدم السلطان له فيها، نعم قيده بعضهم بما إذا لم يضعفه في نوبة السيد، و زاد آخر و لم يكن الاعتكاف في صوم مندوب إن منعنا المبعض من الصوم بغير إذن المولى و هو جيد في الأخير، أما الأول فيمكن المناقشة فيه بإطلاق ما دل على أن له الانتفاع في أيامه، و لذا لم يعتبر في نوبة السيد التقييد بما إذا لم يضعفه في نوبته، فتأمل جيدا.

[الثاني إذا أعتق العبد في أثناء الاعتكاف]

الثاني إذا أعتق العبد في أثناء الاعتكاف الذي لم يؤذن فيه لم يلزمه المضي فيه إلا أن يكون شرع باذن المولى و حصل سبب الوجوب، خلافا للمحكي عن الشيخ فأوجب الإتمام عليه فيه و إن لم يكن أصله مأذونا فيه، و هو غريب.

[الثالث المكاتب الذي لم يتحرر منه شيء]

الثالث المكاتب الذي لم يتحرر منه شيء حكمه حكم القن في عدم جواز الاعتكاف بغير الإذن، للأصل و غيره، نعم لو كان اعتكافه اكتسابا اتجه عدم اعتبار الإذن حينئذ، لأنه مقتضى الكتابة، فما عن الشافعي من عدم اعتبارها مطلقا واضح الضعف، كإطلاق المحكي عن الشيخ من اعتبارها، و المتجه ما ذكرناه.

[الشرط السادس استدامة اللبث]

الشرط السادس استدامة اللبث بنفسه قائما أو جالسا أو مضطجعا أو راكبا مستقرا أو مضطربا في المسجد بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع

177

بقسميه عليه، بل في المدارك و غيرها نسبته إلى العلماء كافة، لأنه معنى الاعتكاف و ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر داود بن سرحان (1) في حديث: «و لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد الجامع إلا لحاجة لا بد منها، ثم لا يجلس حتى يرجع، و المرأة مثل ذلك»

و زاد في صحيح الحلبي (2) «و لا يخرج في شيء إلا لجنازة أو يعود مريضا، و لا يجلس حتى يرجع»

و قال له (عليه السلام) أيضا داود بن سرحان (3) في خبره الآخر: [14091] «كنت بالمدينة في شهر رمضان فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني أريد أن أعتكف فما ذا أقول؟ و ماذا أفرض على نفسي؟ فقال:

لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها، و لا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك»

و قال أيضا في خبر ابن سنان (4): «لا يخرج المعتكف من المسجد إلا في حاجة»

و في صحيحه (5) أيضا «ليس للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا إلى الجمعة أو جنازة أو غائط»

بل

خبر ميمون بن مهران (6) ظاهر في معلومية منافاة الاعتكاف للخروج في ذلك الزمان، قال: «كنت جالسا عند الحسن بن علي (عليهما السلام) فأتاه رجل فقال له: يا بن رسول الله إن فلانا له علي مال و يريد أن يحبسني فقال: و الله ما عندي مال فأقضي عنك، فقال: فكلمه، فلبس (عليه السلام) لعله فقلت له: يا بن رسول الله أنسيت اعتكافك؟ فقال له: لم أنس و لكني سمعت أبي يحدث عن جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) انه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد الله عز و جل تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله»

إلى غير ذلك من النصوص المعتضدة بما سمعت.

و حينئذ فلو خرج لغير الأسباب المبيحة بطل اعتكافه ضرورة ظهور

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 4.

178

جميع ما عرفت في الشرطية التي ينعدم بانعدامها المشروط، بل جزم المصنف هنا و محكي المعتبر بأنه لا فرق في ذلك بين أن يكون طوعا خرج أو كرها مستدلا عليه في الأخير بأن الاعتكاف لبث في المسجد، فيكون الخروج منافيا له لكن قد يناقش بظهور الأدلة في كون المنافي له شرعا الأول، خصوصا بملاحظة ما دل على الرخصة في الخروج فيه للحاجة و نحوها مما هو أسهل من الإكراه بمراتب و لذا قال الفاضل في تذكرته: «انما يبطل بالخروج اختيارا، و أما إذا خرج كرها فلا إلا مع طول الزمان بحيث يخرج عن كونه معتكفا» و نفى عنه البأس في المدارك للأصل و حديث رفع القلم، و عدم توجه النهي إلى هذا الفعل، و في المختلف قال الشيخ في المبسوط: «لو أخرجه السلطان ظلما لم يفسد اعتكافه، و انما يقضي ما يفوته، و إن أخرجه لإقامة حد أو استيفاء دين يقدر على قضائه بطل، لأنه أحوج إليه، فكان مختارا في خروجه» و قال في موضع آخر: «كل من خرج من الاعتكاف لعذر أو غير عذر وجب عليه قضائه، و متى خرج قبل أن يمضي ثلاثة استأنف، و هذا هو الأقرب إن طال الزمان، أما مع عدمه فلا، لنا أن الاعتكاف هو اللبث، و لا يتحقق ماهيته مع الخروج، احتج بأنه عذر فلا ينافي الاعتكاف كاليسير، و الجواب أن اليسير لا عبرة به إذا كان لعذر بخلاف المتطاول» قلت: لا صراحة في كلام الشيخ في المتطاول الماحي للصورة التي لا تفاوت فيه بين العذر و غيره، فيرجع إلى ما ذكرنا، كالمحكي عن المنتهى، و كذا ينساق من الأدلة أن المنافي الخروج بجملته لا بعضو من أعضائه، و به قطع المصنف و الفاضل في محكي المعتبر و المنتهى من غير نقل خلاف مستدلا عليه في الأخير بما رواه

الجمهور (1) عن عائشة «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا اعتكف يدني إلى رأسه

____________

(1) سنن أبي داود ج 1 ص 574 «باب المعتكف يدخل بيته لحاجته» الحديث 1.

179

فأرجله»

و هو مع عدم كونه من طرقنا لا ظهور فيه بخروج رأسه من المسجد، و التحقيق أن المدار على صدق اللبث فيه، فما عن المسالك من منافاة خروج الجزء له كالكل كما ترى، نعم ليس له أن ينوي الاعتكاف ببعض بدنه، و من الاضطرار الكون في الخارج لغبار و نحوه، و الجهل بالحكم ليس عذرا بخلاف الموضوع.

و كيف كان فان لم تمض ثلاثة أيام التي هي أقل الاعتكاف قبل خروجه الاختياري بطل الاعتكاف من أصله و إن مضت فهي صحيحة إلى حين خروجه، و لو كان قد نذر اعتكاف أيام معينة كالعشر الأواخر من شهر رمضان و نحوها ثم خرج قبل إكمالها بطل الجميع إن شرط التتابع و يستأنفها بأن يقضيها متتابعة في وجه، لعدم الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعا و لو بسبب النذر الذي لم يخرج عن عهدته بذلك كما عن المبسوط و الدروس، لكن في المختلف «و لقائل أن يقول: لا يجب الاستيناف و إن وجب عليه التمام متتابعا و كفارة خلف النذر، لأن الأيام التي اعتكفها متتابعة و قعد على الوجه المأمور به، فيخرج بها عن العهدة، و لا يجب عليه استينافها، لأن غيرها لم يتناوله النذر، بخلاف ما إذا أطلق النذر و شرط التتابع فإنه هنا يجب الاستيناف، لأنه أخل بصيغة النذر، فوجب عليه استئنافه من رأس، بخلاف صورة النزاع، و الفرق بينهما بتعين الزمان هناك و إطلاقه هنا لكل صوم متتابع، فأي زمان كان الإطلاق يصح أن يجعله المنذور، و أما مع التعيين فلا يمكنه البدلية» و وافقه ثاني الشهيدين في المحكي عن مسالكه، و فيه أن التتابع في البعض غير كاف في الامتثال بعد أن فرض اعتباره في الجميع في صيغة واحدة، و عدم إمكان استئنافها نفسها باعتبار تعيينها لا ينافي وجوب القضاء، كما إذا لم يأت بها أجمع، و كما إذا نذر صوم يوم بعينه، فالمتجه حينئذ ما ذكره المصنف، نعم ظاهره اعتبار اشتراط التتابع لفظا، و عدم الاكتفاء عن ذلك بتعين الأيام الذي يلزمه التتابع كما هو صريح

180

الدروس، و هو كذلك، ضرورة كون التتابع فيه كالتتابع في صوم شهر رمضان لا يفسد ما سبق، و لا ينافي ما يأتي، و انما يجب قضاؤه نفسه، هذا.

[في جواز الخروج للأمور الضرورية]

و قد ظهر لك من النصوص السابقة مضافا إلى الإجماع بقسميه أنه يجوز له الخروج في الجملة للأمور الضرورية شرعا أو عقلا أو عادة كقضاء الحاجة من بول أو غائط، نعم عن الأصحاب أنهم أوجبوا تحري أقرب الطرق إلى موضع قضاء الحاجة، و نحوه يجري في غيره، و في محكي المنتهى «لو كان إلى جانب المسجد سقاية خرج إليها إلا أن يجد بها غضاضة بأن يكون من أهل الاحتشام، فيجد المشقة بدخولها لأجل الناس، فيعدل عنها حينئذ إلى منزله و إن كان أبعد» بل قال: «و لو بذل له صديق منزله و هو قريب من المسجد لقضاء حاجة لم يلزمه الإجابة، لما فيه من المشقة بالاحتشام، بل يمضي إلى منزله» و ربما ظهر من جماعة الميل اليه، و استشكله في الحدائق بأنه تقييد لإطلاق النص بغير دليل، و ما ذكره من التعليل لا يصلح لتأسيس الأحكام الشرعية مشيرا بذلك إلى الغضاضة و نحوها كما صرح به بعد ذلك، و فيه أن مرجع هذا التعليل و نحوه إلى ما علم من نفي الحرج في الدين و سهولة الملة و سماحتها و نحو ذلك، و لا فرق بين البعيد و القريب ما لم يخرج عن مسمى الاعتكاف.

و منها أيضا الاغتسال من الجنابة و الاستحاضة و نحوهما مما هو فيها واجب، نعم في الحدائق «لا يجوز الخروج للغسل المندوب» و استحسنه في المدارك بعد أن حكاه عن التذكرة، و قد يناقش بعموم ما دل على الحث عليه في الجمعة (1) و نحوها، و إن كان بينهما تعارض العموم من وجه، لكن قد يؤيد ذلك بما دل على الخروج للحاجة المتعلقة به و بغيره، ضرورة إطلاق الأدلة

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة من كتاب الطهارة.

181

جواز الخروج لها، و لا داعي إلى تخصيصها بالغير، بل ظاهر المحكي عن ثاني المحققين عدم الفرق بينهما، و لذا احتمل في عبارة المتن إرادة مطلقها، قال: فيدخل فيه حاجة نفسه و حاجة غيره من المؤمنين، لاستثناء ذلك، بل كما انه لا حاجة إلى إرادة خصوص الغائط و البول منها، و إن جنح إليه في المدارك حتى أنه توقف في جواز الخروج لقضاء حاجة الغير مستدلا عليه بخبر ميمون بن مهران (1) ثم قال: لكنه قاصر من حيث السند، فلا يصلح لتخصيص الأخبار المتضمنة لإطلاق المنع من الخروج، و فيه ما لا يخفى، بل يمكن دعوى الإجماع على خلافه.

و لو أمكن الغسل في المسجد على وجه لا يتعدى إليه النجاسة ففي المدارك قد أطلق جماعة المنع من ذلك، لما فيه من الامتهان المنافي للاحترام، و يحتمل الجواز كما في الوضوء و الغسل المندوب، و فيه انه مستلزم للبث المحرم، و به يفرق بينه و بين الوضوء و الغسل المندوب، على أنه قد ورد النهي عن الوضوء في المسجد من البول و الغائط.

و منها شهادة الجنائز للحمل و الصلاة عليها و دفنها، و في محكي المنتهى قال علماؤنا: يجوز أن يخرج لتشييع الجنازة و عيادة المريض، و قد سمعت ما في صحيح الحلبي (2) و صحيح ابن سنان (3) من غير فرق بين تعين ذلك عليه و عدمه، لإطلاق النص، لكن في التذكرة اعتبار الأول، و فيه ما لا يخفى.

و منها عود المريض بلا خلاف أجده، بل في التذكرة أنه قول علمائنا أجمع، و هو الحجة، مضافا إلى صحيح الحلبي (4) و إمكان اندراجه في الحاجة، و إلى ما دل (5) على استحبابه في نفسه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الاحتضار من كتاب الطهارة.

182

و منها تشييع المؤمن كما ذكره الفاضل و غيره إلا اني لم أعثر على نص فيه بالخصوص.

و كذا قوله و إقامة الشهادة إلا أنهما مندرجان في الحاجة التي قد عرفت إطلاقها، و تقييدها بعدم البد منها يمكن إرادة التي لا يمكن الجمع بينها و بين الاعتكاف، و تفوت بعدم الخروج إليها، أو إرادة ما يشمل ذلك و نحوه، على أن إقامة الشهادة مع تعينها حاجة لا بد منها، بل و تحملها مع التعين كذلك أيضا، مضافا إلى كون التعارض بين ما دل على عدم خروج المعتكف و بين ما دل على وجوب إقامتها تعارض العموم من وجه، و الترجيح للثاني من وجوه، بل لعله كذلك مع عدم التعين، خلافا للفاضل في بعض كتبه، خصوصا مع ملاحظة ما ورد في الجنازة و عود المريض من الرخصة، و لعل هذا هو الوجه في كثير مما ذكره الأصحاب في المقام و عدم النص بالخصوص عليه، و كأنهم فهموا المثال مما ذكر فيها، فلذا لم يقتصروا عليه، و أكثرهم توسعة شيخنا في بغيته، قال:

«و يجوز الخروج للضرورية الشرعية و العقلية و العادية و للأكل و الشرب و الغسل و الإقامة للشهادة و التحمل و لمقدماتها مع التوقف عليها، ورد الضال و إعانة المظلوم و إنقاذ المحترم و عيادة المريض و تشييع المؤمن الحي و جنازة الميت و صلاتها و حضور دفنها و سننه و استقبال المؤمن و غسل النجاسات و القذارات و الاستحمام لشديد الحاجة و لصلاة الجمعة و العيدين بناء على جواز صومه للقائل في أشهر الحرم، بل لمطلق الصلاة في مكة، و خوف ضيق وقتها، و قضاء حاجة المؤمن و إعانة بعض خصوصا المعتكفين على مطالبه، و الخروج معه دفعا لخوف أو ردا لماله الضائع، و الشارد و المسروق، أو قياما بحقه، و انتظاره لدفع خوفه، و فعل ما فيه غضاضة في المسجد، و إخراج الريح خارج المسجد- إلى ان قال-: و ما تعلق بمصالح نفسه من الإتيان بماء أو حطب أو علفا لدابته أو نحو ذلك لا بأس به، و لا يلزم

183

الاستيجار و الاستعانة و إن كان واجدا و مطاعا، و يشكل في واجد المملوك و الأجير، و من الحاجة امتثال أمر المالك و الوالدين و الخادم لمخدومه و المتعلم لمعلمه و المنعم لصاحب نعمته، و معرفة الوقت و التأذين و جهاد العدو و مصاحبة المحرم الامرأة الجميلة أو الخادم المشخص أو الجليلة و القوي للشيخ الضعيف و المريض للاعتماد عليه، و من الحوائج طلب الاحتياط في غسل أو إزالة نجاسة و نحوها ما لم يدخل في الوسواس، فان دخل فسد الاعتكاف، و منها ما لو احتاج إلى مسألة و المجتهد خارج المسجد، أو احتاج الى قرآن و كتاب دعاء أو شيء مما تتوقف عليه العبادة، و لو أضربه الشعر و لم يسعه الحلق في المسجد خرج له، و مثله طلي النورة و الحجامة و الفصادة و نحوها من الأعذار، و مظنة تمام الاعتكاف فتبين خلافه بعد خروجه أو نية فراغه» بل في المختلف عن المبسوط يجوز للمعتكف صعود المنارة و الأذان فيها سواء كان داخل المسجد أو خارجه، لأنه من القربات، و إذا خرج الى دار الوالي و قال: حي على الصلاة أيها الأمير بطل اعتكافه، و فيه أيضا عن الخلاف يجوز للمعتكف ان يخرج فيؤذن في منارة خارج الجامع و ان كان بينه و بين الجامع فضاء و لا يكون في الرحبة، لما روي من الحث على الأذان و لم يفصلوا، و استشكله بأنه مستحب يمكنه فعله في المسجد فيكون الخروج له لا لضرورة، فلا يجوز، على أنه معارض بالحث على الأمر بالصلاة، فكما يبطل الخروج له فكذا هو، و نحوه عن التذكرة و المنتهى، نعم زاد فيهما «اما لو فرض أن يكون هو المؤذن و قد اعتاد الناس صلاته و يبلغ من الاستماع ما لا يبلغ لو أذن في المسجد لم أستبعد قول الشيخ» الى غير ذلك من كلماتهم المتفقة على الزيادة على المنصوص في الجملة، و كان مبناه فهم المثالية مما في النصوص، لكن ينبغي الاقتصار حينئذ على ما علم فيه المماثلة أو ظن ظنا معتبرا شرعا، أو مبناه في جملة منه تعميم لفظ الحاجة له، لأنها أعم مما تتعلق بالنفس أو

184

الغير إلا انه مع عدم شموله لجميع ما ذكر لعدم صدق الحاجة أو الشك قد عرفت تقييدها في النصوص بعدم البد منها الذي يجب حمل المطلق عليه، و لا أقل من الشك في جملة من الأمور أنها، من الحوائج التي لا بد منها أو أن مبناه ما أشرنا إليه من كون التعارض في أكثرها أو جميعها من وجه، و الترجيح لها بفتوى جماعة من الأصحاب بل جميعهم في الجملة، و بأنه كالواجبات في هذا التعارض، فكما يخرج لما يطرأ من الواجبات مع أن التعارض بينها من وجه أيضا فكذا هذه المندوبات، و باشتمال النصوص على بعضها المحتمل أو المظنون أو المعلوم فيه المثالية، و بأن ظاهر استدلال الحسن بن علي (عليهما السلام) ترجيح كل ما كان من هذا القبيل على الاعتكاف، أو غير ذلك.

إلا أنه لا يخفى عليك بعد ذلك كله رجحان الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة في كل ما هو غير منصوص و لم يعلم إلحاقه به، كما انه لا يخفى عليك تقييد ذلك كله بما إذا لم يستلزم محو صورة الاعتكاف، و إلا بطل على كل حال، و لذا وجب خروج المرأة من المسجد لو حاضت في أثناء الاعتكاف، و المريض الذي لا يسعه اللبث، و كذا غيرهما من ذوي الأعذار التي ينمحي صورة الاعتكاف معها، و يجب عليهم حينئذ استئناف الاعتكاف مع وجوبه، و إلا فلا و عليه ينزل إطلاق بعض الأصحاب وجوب العود الى الاعتكاف، كإطلاق

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن الحجاج (1): «إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنه يأتي بيته ثم يعيد إذا بريء و يصوم»

و قوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2): «في المعتكفة إذا طمثت قال: ترجع الى بيتها، فإذا طهرت

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الاعتكاف- الحديث 3.

185

رجعت فقضت ما عليها»

جمعا بين ذلك و بين ما دل على عدم وجوب الاعتكاف بمجرد الشروع، و انه انما يجب بالنذر أو مضي يومين كما ستعرف تفصيل الكلام فيه.

و على كل حال فظاهر الخبرين استئناف الاعتكاف، لكن في المنتهى تردد فيه من ذلك و من حيث حصول العارض المقتضي للضرورة، فكان كالخروج للحاجة، بل قال: الأقرب عدم الاستئناف، و فيه ما لا يخفى بعد فرض محو الصورة حتى في المقيس عليه، فلا ريب حينئذ في وجوب الاستئناف، ثم إن كان الاعتكاف واجبا و لم يمض ثلاثة وجب القضاء من أصله، و إلا فالمتروك خاصة، نعم لو كان المتروك ثالث المندوب مثلا وجب قضاؤه بإضافة يومين اليه، لما عرفت من أن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة.

[في عدم جواز المشي تحت الظلال للمعتكف]

و كيف كان ف إذا خرج المعتكف لشيء من ذلك لم يجز له الجلوس تحت ظلال بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، كما أن صحيح الحلبي (1) و خبري داود بن سرحان (2) دالة عليه، بل لا تقييد في الأول و أحد الأخيرين بكونه تحت الظلال، و لذا أطلق النهي عنه بعضهم، لكن في الحدائق أنهما مقيدان بالخبر الأخير لداود، و من هنا خص الشيخان و الفاضلان و المرتضى و سلار و أبو الصلاح و ابن إدريس و غيرهم تحريمه بذلك، لكن قد يناقش بأن التقييد مبني على حجية مفهوم المكان، و يمكن منعها و أنها كمفهوم اللقب، و قال جماعة منهم الشيخ و المصنف و الفاضل و غيرهم و لا المشي تحت الظلال بل عن المرتضى «ليس للمعتكف إذا خرج عن المسجد أن يستظل

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 7- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1 و 3.

186

بسقف حتى يعود اليه» ثم استدل عليه بالإجماع و طريقة الاحتياط، و لعله الحجة مضافا إلى ما دل (1) عليه في المحرم بناء على أصالة مساواته له في ذلك حتى يعلم الخلاف، و إلى احتمال إلغاء خصوصية الجلوس، و كون المانع منه تحت الظلال، فلا فرق بينه و بين المشي و الوقوف، و في الوسائل أنه قد تقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس و المرور تحت الظل للمعتكف، و إلى قاعدة الشك في الشرط بناء عليها، و إلى غير ذلك، هذا كله مع الاختيار، أما مع الاضطرار فلا بأس كما صرح به غير واحد، و لعله لإطلاق ما دل على الجواز المقتصر في تقييده بما هو المنساق من حال الاختيار.

[في جواز إتيان الصلاة للمعتكف خارج المسجد إلا بمكة]

و كذا لا يجوز للمعتكف الصلاة خارج المسجد الذي اعتكف فيه مع عدم الضرورة، لإطلاق الأدلة السابقة إلا بمكة، فإنه يصلي المعتكف بمسجدها أين شاء من بيوتها بلا خلاف أجده فيه، ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2): «المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء، سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها»

و في صحيح منصور بن حازم (3) «المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء، و المعتكف بغيرها لا يصلي إلا في المسجد الذي سماه»

و قال ابن سنان (4) أيضا: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء، سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها- إلى أن قال-: و لا يصلي المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة، فإنه يعتكف بمكة حيث شاء، لأنها كلها حرم الله»

قال الشيخ: انما يريد بقوله (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل- الباب- 64- من أبواب تروك الإحرام- من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 8- من كتاب الاعتكاف الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 8- من كتاب الاعتكاف الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 8- من كتاب الاعتكاف الحديث 3.

187

«يصلي» صلاة الاعتكاف، كما يقضي به سياق الكلام و النصوص السابقة.

[في عدم بطلان الاعتكاف بالخروج من المسجد سهوا]

و لو خرج أي المعتكف من المسجد ساهيا لم يبطل اعتكافه بلا خلاف للأصل و حديث رفع القلم، و انصراف ما دل على الشرطية إلى غيره و لو لاشتماله على النهي المتوجه إلى غيره، نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يطل حتى انمحت الصورة كما اعترف به غير واحد، ضرورة رجوعه حينئذ إلى انتفاء الحقيقة الذي لا فرق فيه بين العمد و السهو و الاضطرار و غيره، هذا. و قد زاد بعض مشايخنا شرطا آخر للاعتكاف، و هو إباحة اللبث، فلو وجب عليه الخروج لجنابة أو لعارض يخافه على نفسه أو عرضه أو غيره مما يوجب الخروج فمكث فسد اعتكافه، ثم قال بعد ذلك: «كل من حرم عليه اللبث لخوف على نفسه أو عرضه أو أمر يلزمه حفظه فلبث بطل اعتكافه، و هو كذلك، و كأن الأصحاب تركوا التعرض له لوضوحه، و لأنه المنشأ لما ذكروه من الشرط الخامس الذي هو إذن من له ولاية كالزوج و السيد، ضرورة كون ذلك لحرمة اللبث عليهم من دون الاذن، فيعم حينئذ كل من حرم عليه اللبث، على أن من الواضحات عدم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد، نعم ينبغي أن يخص ذلك بما إذا كان محرما في نفسه لا من حيث الضدية لأداء دين و نحوه، فإنه الأقوى حينئذ الصحة لما حققناه في محله من أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص- ثم قال-: و لو غصب مكانا من المسجد أو جلس على فراش مغصوب فالأقوى البطلان، و أما اللباس و المحمول فلا يبعث على الفساد على الأقوى، و لو وضع في المسجد تراب أو فراش مغصوب و لا يمكن نقله فلا مانع من الكون عليه، و لو جلس في المغصوب أو عليه مجبورا أو جاهلا بالغصب فليس عليه شيء- و كأنه أراد بغصب المكان دفع من سبق اليه قهرا أو نحو ذلك كما يومي اليه قوله متصلا بذلك-: و من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى يفارقه أو يطيل المكث غير مشغول حتى يخل بعبادة

188

المتعبدين، و لو فارقه و له فراش أو شيء يعتد به بقي اختصاصه إن كان خروجه لغرض صحيح لا يقتضي البطء المفرط، و وضع الخيط و العود و الخرقة كلا وضع و أما ما يسجد عليه و المسبحة فمما يلحظ في الوضع، و حد الانتظار إلى أن يحصل خلل في نظم الصلاة و نحوها كلزوم الفرج في الجماعة بعد قول: «قد قامت الصلاة» و السابق للحجرة أولى بها في السكنى، و لكن ليس له منع الشريك ما لم يحصل ضرر بخلاف المدرسة، و تجري الوكالة في الاختصاص حيث يجلس الوكيل في مكان الموكل و مالها أعمال خاصة من بقاع المسجد يقدم مريد الأعمال على غيره» انتهى لكن أكثره لا يخلو من نظر حتى الفرق بين اللباس و المحمول و غيرهما في الأول فضلا عما في الأخير من تقدم مريد الأعمال، و عن دعوى جريان حكم الغصب على كل من نافى أولوية السبق، و عن الفرق بين المسبحة و غيرها، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[فروع]

فروع يمكن استفادة حكمها مما تقدم

[الأول إذا نذر اعتكاف شهر معين و لم يشترط التتابع]

الأول إذا نذر اعتكاف شهر معين و لم يشترط التتابع فاعتكف بعضه و أخل بالباقي صح ما فعل إذا كان ثلاثة فصاعدا و قضى ما أهمل، و لو تلفظ فيه بالتتابع استأنف كما عرفته في شرح قول المصنف: «و لو نذر اعتكاف أيام معينة» إلى آخره، و في المدارك بناء على ما سلف له هناك، بل الأصح عدم بطلان ما فعل إذا كان ثلاثة فصاعدا مع التلفظ بالتتابع و بدونه، إذ المفروض تعيين الزمان، و قد عرفت أن التلفظ بالتتابع لا يفيد مع تعيين الزمان إلا مجرد التأكيد لإفادة تعيين التتابع المعنوي و قد بينا ذلك فيما سبق، قلت: قد عرفت ما فيه أيضا سابقا من وضوح الفرق.

[الثاني إذا نذر اعتكاف شهر معين و لم يعلم به حتى خرج]

الثاني إذا نذر اعتكاف شهر معين و لم يعلم به حتى خرج كالمحبوس و الناسي قضاه بلا خلاف، بل في المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب، لكن ربما استشكل بعدم ما يدل على قضائه، و يدفع- مضافا إلى احتمال تناول

189

«من فاتته» له، و إلى أنه مشتمل على الصوم الذي قد ثبت القضاء للواجب منه- بأنه قد ثبت القضاء في الحائض و المريض و غيرهما مما قد اشتملت عليه النصوص و الفتاوى مع عدم القول بالفصل، نعم عن الشهيد أنه لو غمت عليه الشهور توخى و إلا تخير كما في الصوم، و أشكله بعضهم بأنه لا دليل عليه هنا، و القياس محرم، و قد يدفع بأن مبناه في الصوم على القاعدة التي لا تفاوت فيها بين المقامين، و هي أصالة بقاء التكليف، و قبح تكليف ما لا يطاق، فليس حينئذ إلا التوخي، و مع عدمه فالتخيير، لأنهما أقرب طرق الامتثال، على أنه شهر معين قد وجب صومه و لو للاعتكاف، و لا خصوصية لشهر رمضان، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

[الثالث إذا نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل بيوم قضاه]

الثالث إذا نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل بيوم قضاه لكن يفتقر إلى أن يضم اليه آخرين ليصح الإتيان به و المراد بالقضاء الإتيان به ليتناول المنذور المطلق و المعين، ضرورة عدم اختصاص الحكم بالقضاء، بل هو لكل من وجب عليه اعتكاف يوم كما أشار إليه المصنف فيما سبق و فيما يأتي، و الظاهر التخيير بين التقديم و التأخير و التوسيط، لكن عن جماعة من المتأخرين أن الزائد على الواجب إن تأخر عن الواجب لم يقع واجبا، و إن تقدم جاز أن ينوي به الوجوب من باب مقدمة الواجب، و الندب لعدم تعين الزمان له، و في المدارك و ربما يشكل بما إذا كان الواجب يوما واحدا، فان اعتكاف اليومين بنية الندب يوجب الثالث فلا يكون مجزيا عما في ذمته، و بأن الاعتكاف يتضمن الصوم، و هو لا يقع مندوبا ممن في ذمته واجب، و يدفع بأن غاية ما يستفاد من الأدلة الشرعية أن من اعتكف يومين يتعين عليه اعتكاف الثالث، و هو لا ينافي وجوبه من جهة أخرى، و عن الثاني بأن الممتنع انما هو وقوع النافلة ممن في ذمته قضاء رمضان لا مطلق الواجب كما بيناه فيما سبق، قلت: و لو أراد زوال الإشكال الأول من أصله نوى بالأول الندب و جعل ما في ذمته وسطا على انهما هما واجبان من باب المقدمة،

190

فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة، و كيف كان فلو كان المنذور خمسة في المدارك وجب أن يضم اليه سادسا سواء أفرد اليومين أو ضمهما إلى الثلاثة، لما بيناه فيما سبق من أن الأظهر وجوب كل ثالث قلت: ستعرف تحقيق الحال فيه.

[الرابع إذا نذر اعتكاف يوم لا أزيد لم ينعقد]

الرابع إذا نذر اعتكاف يوم لا أزيد لم ينعقد قطعا، لما عرفت من أن أقل الاعتكاف ثلاثة، فلا يكون مشروعا و لو نذره لا بهذا القيد أو نذر اعتكاف ثاني قدوم زيد مثلا صح و يضيف اليه آخرين كما هو واضح.

هذا كله في حقيقته و شرائطه،

[الكلام في أقسام الاعتكاف]

و أما الكلام في أقسامه فإنه ينقسم إلى واجب و ندب ضرورة كونه عبادة، و هي منحصرة فيهما فالواجب ما وجب بنذر و شبهه من العهد و اليمين و الإجارة و أمر السيد و نحوها و المندوب ما تبرع به عن نفسه أو عن غيره فالأول يجب بالشروع بلا خلاف أجده إذا كان معينا، بل هو واجب قبله، اما غيره فهو و إن كان مشهورا فيه كما قيل إلا انه يصعب إقامة الدليل عليه كغيره من الاعتكاف الواجب توسعا، و من هنا قال في المدارك: إنه لو قيل بمساواته للمندوب في عدم وجوب المضي فيه قبل اليومين لم يكن بعيدا، و هو كذلك، و النهي عن إبطال العمل بعد تسليم إرادة الابطال منه بغير الارتداد و نحوه خاص في الصلاة كما يشهد له الاستقراء و غيره، فالوجوب حينئذ بالشروع لا يخلو من نظر، اللهم إلا أن يكون مستنده ما تسمعه من دليل الوجوب بالشروع في المندوب الذي هو أضعف من الواجب بمراتب، فتأمل. و الثاني مع عدم الشرط لا يجب المضي فيه حتى يمضي يومان كاملان إجماعا عن القائلين بهذا القول فيجب الثالث وفاقا للإسكافي و ابن البراج و الشيخ في النهاية و جمع من المتأخرين و متأخريهم،

191

للأصل و صحيح محمد بن مسلم (1) «إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط فله أن يخرج و يفسخ اعتكافه، فإن أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له أن يخرج و يفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام»

و صحيح أبي عبيدة (2) عن الباقر (عليه السلام) «من اعتكف في ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء ازداد أياما أخر، و إن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يستكمل ثلاثة أيام»

بل قد يظهر من الأخير وجوب كل ثالث بعد اليومين، فيجب السادس لمن اعتكف خمسة، و التاسع لمن اعتكف ثمانية، و هكذا، و المناقشة في سندهما بعلي بن الحسن بن فضال يدفعها أنهما في طريق الكافي في أعلى مراتب الصحة، على أنه هو قد ذكر في الخلاصة «و أنا أعتمد على رواية علي بن الحسن بن فضال و إن كان مذهبه فاسدا» فحكى عن النجاشي و الكشي و الشيخ و غيرهم توثيقه و قربه من الإمامية، فلا وجه حينئذ لحملهما على شدة الاستحباب بعد جمعهما لشرائط الحجية و عدم المعارض لهما سوى الأصل الذي يقطعه أقل من ذلك.

و حينئذ فما قيل من أنه لا يجب الثالث أيضا كما هو خيرة المرتضى و ابن إدريس و الفاضلين في المعتبر و المنتهى و المختلف و التذكرة و القواعد واضح الضعف، بل القول بالوجوب بمجرد الشروع كما عن المبسوط و أبي الصلاح أقرب منه، لإمكان الاستدلال له- مضافا إلى النهي عن إبطال العمل؛ و إلى أنه كتعين الكلي بالفرد- بالنصوص (3) الدالة على وجوب الكفارة على المعتكف إذا

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الاعتكاف- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الاعتكاف.

192

أبطل اعتكافه بالجماع، و بخبري محمد بن مسلم (1) و أبي بصير (2) المتقدمين سابقا الدالين على وجوب إعادة المريض و الحائض الاعتكاف بعد البرء و الطهارة، و إن أجيب عن الأولى بأنها مطلقة لا عموم فيها، و تصدق بالجزء و الكل، فيكفي في العمل بها تحققها في بعض الصور، فلا يكون حجة في الوجوب، على أنه لو سلمنا عمومها لم يلزم من ذلك الوجوب، لاختصاصها بجماع المعتكف كما ستقف عليه، و لا امتناع في وجوب الكفارة بذلك في الاعتكاف المستحب، و بنحو ذلك عن الثانية، و إن كان قد يناقش أولا بأن الإطلاق حجة كالعموم، و بأن الكفارة على ما عهد من الشرع انما تجب في مقام الوجوب المستلزم مخالفته للعقوبة، فتكون الكفارة لدفع تلك العقوبة، و هذا لا يعقل في المستحب الذي لا يترتب فيه على تركه عقوبة، و انما غاية ذلك عدم الثواب عليه، و كيف يمكن القول بوجوب الكفارة في الاعتكاف المستحب.

و لكن مع ذلك كله فلا ريب في أن الأول أظهر لصراحة الصحيحين (3) السابقين الحاكمين على غيرهما، و إن كان الأخير أحوط، بل لا يخلو من قوة، و الله أعلم.

هذا كله مع عدم الشرط في الاعتكاف و النذر و أما لو شرط في حال نذره الرجوع إذا شاء و قلنا بصحة هذا الشرط فيه كان له ذلك في

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1 و هو صحيح عبد الرحمن بن الحجاج كما تقدم في ص 184.

(2) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الاعتكاف- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1 و 3.

193

أي وقت شاء عملا ب

قولهم (عليهم السلام) (1): «المؤمنون عند شروطهم»

و لا قضاء للأصل السالم عن المعارض من غير فرق بين المعين و غيره، و بين منذور التتابع و غيره و لو لم يشترط بل كان مطلقا وجب استئناف ما نذره إذا قطعه و كان مشروط التتابع أو لم يمض منه ثلاثة أيام على التفصيل الذي عرفته سابقا، انما الكلام في صحة الشرط المزبور، و لعله موقوف على صحته في الاعتكاف، و ربما يدل عليها فيه- مضافا إلى

عموم «المؤمنون عند شروطهم»

إلى آخره و نحوه-

قول أبي جعفر (عليه السلام) (2): «إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط فله ان يخرج و يفسخ الاعتكاف، و إن أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام»

ضرورة ظهوره في أن له الفسخ مع الشرط بعد اليومين أيضا، و قال أبو ولاد في الصحيح (3): «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة بإذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها فقال: إن كانت خرجت من المسجد قبل ان تمضي ثلاثة أيام و لم يكن اشترطت في اعتكافها فان عليها ما على المظاهر»

و هو ظاهر أيضا في عدم الكفارة عليها مع الشرط، لكن يظهر من الحدائق تبعا للمدارك التوقف في صحة هذا الشرط في عقد النذر، لأن نصوص المقام انما دلت عليه في الاعتكاف دون النذر، و فيه ان جوازه في الاعتكاف يقضي بجوازه في النذر، ضرورة كون مورد النذر حينئذ هذا القسم من الاعتكاف، فيشمله أدلة النذر، فالبحث إن كان حينئذ فهو في جوازه في الاعتكاف

____________

(1) المستدرك- الباب- 5- من أبواب الخيار- الحديث 7 من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 4- من كتاب الاعتكاف- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 6- من كتاب الاعتكاف- الحديث 6.

194

و ربما خص جوازه فيما لو كان الشرط عروض العارض لا مطلقا، بل حكي ذلك عن جماعة من الأصحاب منهم الفاضل في التذكرة، حيث قال: انما يصح اشتراط الرجوع مع العارض، فلو شرط الجماع في اعتكافه أو الفرجة أو التنزه أو البيع و الشراء للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز، و عن ثاني الشهيدين القطع به، نعم ينبغي أن يراد بالعارض ما هو أعم من العذر، كما يدل عليه صحيحة أبي ولاد، إذ حضور الزوج ليس من الأعذار المسوغة للخروج من الاعتكاف، و انما هو من جملة العوارض، فيختص الشرط حينئذ بعروض العارض لا مطلقا، و يؤيده

قول الصادق (عليه السلام) في الموثق (1): «إذا اعتكف العبد فليصم و قال: لا يكون اعتكاف أقل من ثلاثة أيام، و اشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط عند إحرامك أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علة نزلت بك من أمر الله»

و قوله (عليه السلام) في قوى أبي بصير (2): «لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام، و من اعتكف صام، و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما اشترط المحرم».

بل ربما قيل باختصاص الجواز في اشتراط العذر الذي يسوغ معه الفسخ بلا شرط، للموثق الأول، و ان فائدة الشرط مجرد التعبد، و إن كان قد يدفعه ظهور النص و الفتوى بخلافه، بل ظاهر الأكثر أو صريحه جواز الاشتراط مطلقا من غير تخصيص بالعارض كما اعترف به في الحدائق، و ليس في صحيح أبي ولاد

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 2- من كتاب الاعتكاف- الحديث 9 و قطعة منه في الباب 4 منه- الحديث 5 و ذيله في الباب 9 منه- الحديث 2.

(2) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 4- من كتاب الاعتكاف- الحديث 2 و وسطه في الباب 2 منه- الحديث 7 و ذيله في الباب 9 منه- الحديث 1.

195

منافاة لذلك، بل لا يخلو من تأييد، كما انه ليس في الموثق و القوي ذلك أيضا، ضرورة عدم ظهورهما في حصر الجواز بذلك، فلا ينافي المطلق الدال على الجواز حينئذ مما عرفت.

نعم قد يخص الندب بالشرط على حسب شرط المحرم، لأنه المأمور به في الخبرين المزبورين، فالأقوى حينئذ جواز الشرط مطلقا، كما ان الأقوى أن له الرجوع على حسب ما اشترط إن خاصا فخاصا، و إن مطلقا فمطلقا، و لا ينافي ذلك ما نفاه الفاضل من عدم جواز اشتراط الجماع و نحوه، ضرورة كونه من اشتراط منافيات الاعتكاف الذي يبطل به أصل الاعتكاف نحو الشرط الفاسد من (في ظ) العقد على الأصح كما صرح به في الدروس مع قوله بجواز الشرط مطلقا و ليس هو كاشتراط فسخه، كما هو واضح بأدنى تأمل.

و لكن ينبغي أن يعلم أن تفصيل الحال على ما ذكرنا أن الشرط إن كان في النذر و قد اعتكف مشترطا كان له على مقتضى ما شرط من غير فرق بين المعين و غيره و المتتابع و غيره، و لا قضاء عليه و لا إعادة كما سمعته من المصنف، و إن كان الشرط في الاعتكاف دون النذر فلا أثر له مع فرض كونه معينا، و انما حكمه كما إذا لم يشترط، و إن كان غير معين اتجه حينئذ إجراء الشرط فيه على حسب جريانه في المندوب، و يأتي بغير ذلك الفرد مع إبطاله، و مرجع فائدة الشرط حينئذ إلى نفس الاعتكاف دون النذر، فلا يلتزم بمضي اليومين كالشرط في الاعتكاف المندوب، و لا ينافي ذلك قولهم هناك: إنه يجب الاعتكاف بمضي اليومين بعد أن عرفت تنزيله على غير المشروط فيه الرجوع.

و بذلك ظهر انه لا يجدي الاشتراط في الاعتكاف مع فرض الإطلاق في النذر كما صرح به شيخنا في رسالته و غيره، و لو كان واجبا بنذر و شبهه فان أخذ الشرط حين إجراء الصيغة فلا قضاء، و إلا لزم، و في محكي المنتهى

196

«الاشتراط انما يصح في عقد النذر، أما إذا أطلقه من الاشتراط على ربه فلا يصح له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف» و نحوه عن المعتبر، و في الدروس «و لو شرط الرجوع متى شاء اتبع و لم يتقيد بالعارض، و لو جعل الشرط في نذره أو عهده أو يمينه فكذلك، و لو خلى النذر من الشرط فلا عبرة بالشرط عند الشروع في الاعتكاف» إلى غير ذلك من عباراتهم المطابقة لما ذكرنا و للقواعد المعلومة.

فما في الحدائق- من أن محل هذا الاشتراط وقت الدخول في الاعتكاف، و نيته أعم من أن يكون متبرعا به أو منذورا لأن ذلك مدلول نصوص المقام، و ليس في نصوص الباب تعرض للاعتكاف على وجه النذر فضلا عما يدل على إيقاع هذا الشرط فيه، إلى ان قال: و لم أر من تنبه لذلك إلا السيد السند في المدارك حيث قال: لم أقف على رواية تدل على ما ذكروه من مشروعية اشتراط ذلك في عقد النذر، و انما يستفاد من نصوص المقام أن محل ذلك نية الاعتكاف، و لو قيل بجواز اشتراطه في نية الاعتكاف المنذور إذا كان مطلقا لم يكن بعيدا، خصوصا على ما أشرنا إليه سابقا من مساواته المندوب في عدم وجوب المضي فيه إلا بمضي يومين، و لو قلنا إن اشتراط الخروج انما يسوغ عند العارض و فسرناه بالضروري جاز اشتراطه في المنذور المعين أيضا- كما ترى واضح الفساد، ضرورة أنه لا أثر لهذا الشرط في الاعتكاف المنذور مطلقا، و نصوص المقام مساقة لبيان أصل حكم الاشتراط في الاعتكاف من غير مدخلية للنذر الذي هو يلزم ما شرع على حسب ما شرع، فلا حاجة إلى دليل خاص يدل على المشروعية في النذر، بل يكفي فيها ثبوته في الاعتكاف كما هو واضح.

نعم قد يقال بوجوب الاشتراط في الاعتكاف أيضا مع الاشتراط في عقد النذر الذي مرجعه الالتزام بالاعتكاف المشتمل على الشرط، فلا يجري عليه حينئذ حكم الاعتكاف المشروط بدون ذكر الشرط فيه، مع احتماله، اكتفاء بالإتيان به

197

وفاء عن النذر المفروض ذكر الاشتراط فيه، و إن كان الأول أحوط و أولى.

و كيف كان فقد عرفت الحكم في صور الاشتراط في النذر الأربعة، كما أنك قد عرفت الحكم في الأربعة الفاقدة للشرط، لأن مجموع الصور ثمانية، إذ النذر إما أن يقع على معين أو لا، و على التقديرين إما أن يشترط فيه التتابع أو لا، و على الأربعة إما أن يشترط الرجوع متى شاء أو لا، فالصور ثمانية قد علم حكمها مما قدمناه آنفا و سابقا، لكن عن المسالك في حكم صور الشرط أن له الرجوع مع العارض، ثم إن كان الزمان معينا لم يجب قضاء ما فات في زمن العارض سواء اشترط التتابع أم لا، و إن كان مطلقا و لم يشترط التتابع ففي وجوب قضاء ما فات أو الجميع إن نقص ما فعله عن ثلاثة قولان، أجودهما القضاء، وفاقا للمصنف في المعتبر، و لو شرط التتابع فالوجهان، و كذلك اختاره في الروضة، و في الدروس «و إذا خرج للشرط في الاعتكاف المندوب فلا قضاء؛ و إن كان في الواجب المعين فكذلك، و إن كان غير معين ففي القضاء نظر» و قطع في المعتبر بوجوبه، و قال ابن إدريس: «إذا اشترط التتابع و لم يعين الزمان و شرط على ربه فخرج فله البناء و الإتمام دون الاستئناف، و إن لم يشترط استأنف» و لعله أراد به أنه شرط على ربه في التتابع لا في أصل الاعتكاف، و في محكي المنتهى «الخامس لم يعين زمانا لكن شرط المتابعة و اشترط على ربه فعند العارض يخرج ثم يأتي ما بقي عليه عند زواله إن كان قد اعتكف ثلاثة، و إن كان أقل استأنف- إلى أن قال-: السابع لم يعين و اشترط على ربه و لم يشترط التتابع، فإنه يخرج مع العارض ثم يستأنف إن كان قد اعتكف أقل من ثلاثة أيام، و إلا بنى إن كان الواجب أزيد و أتى بالباقي إن كان ثلاثة فما زاد، و إلا فثلاثة» و مثله عن التذكرة إلى غير ذلك من عباراتهم المنافية لما ذكرناه من عدم وجوب القضاء و الاستئناف في صورة الاشتراط.

198

اللهم إلا أن يكون وجه ذلك أن المفروض في هذه العبارات الخروج عند المعارض الذي هو أعم من العذر الشرعي المسوغ للخروج عن المسجد لا عن أصل الاعتكاف و إن خرج عنه في بعض الأحوال المقتضية له بطول المكث و نحوه مما يبطل به أصل الاعتكاف، بخلاف العارض المشترط الخروج عنده هنا، قال:

«فان المراد به اشتراط الخروج عن الاعتكاف معه، فلا ينافي بقاء وجوب الاعتكاف معه الذي هو مقتضى النذر في غير وقت العارض، فيعتكف حينئذ ما بقي إن كان قد اعتكف ثلاثة فصاعدا، أو يأتي بالجميع إن نقص اعتكافه عن ثلاثة كالمطلق الذي لم يشترط فيه» إلا أن الظاهر إتيان البحث السابق في مشروط التتابع، و قد قلنا هناك بقوة وجوب مراعاته، فيأتي حينئذ بعدد متتابع فيه، كما أن المتجه حينئذ في المعين وجوب اعتكاف ما بقي منه بعد زوال العارض، نعم يسقط قضاؤه مع فرض استيفائه (استيعابه ظ) مع احتمال وجوبه أيضا، لأن الشرط انما سوغ الخروج عند العارض، فهو حينئذ كالعذر الطاري المسوغ لقطع الاعتكاف الذي لا ينافي وجوب القضاء، اللهم إلا أن يقال إن مقتضى اشتراطه في عقد النذر وجوب الاعتكاف المتزلزل عليه، فمتى اختار الفسخ لم يكن خطاب عليه، و الفرض استيعاب العارض الوقت، فتأمل جيدا فإن المسألة من المشكلات التي هي غير محررة في كلام الأصحاب.

و كيف كان فقد عرفت أن المختار أن للمعتكف الاشتراط المزبور من غير فرق بين تعليقه على العارض و غيره، و إن لم يعلقه (إلا ظ) على المشيئة، و هو حينئذ كاشتراط الخيار في العقد، و لذا عامله هذه المعاملة شيخنا في رسالته، فقال: يستحب أن يشترط الفسخ متى أراده أو إذا حصل صاد أو مانع، و لو اشترط أمرا مخصوصا و إن لم يكن مانعا أو مانعا لذلك أو في يوم مخصوص أو وقت مخصوص من ليل أو نهار عمل عليه، و يندفع عنه حينئذ قضاء الوجوب

199

و وجوب الإتمام و لو كان واجبا بنذر و نحوه، فإن أخذ الشرط حين إجراء الصيغة فلا قضاء، و إلا لزم، و يعتبر المقارنة في الشرط لعقد النية، فلا أثر للمتقدم و المتأخر المنفصل، و في اعتباره قبل الدخول في الثالث وجه، و الأقوى خلافه، و لو شرط ثم أسقط حكم شرطه فكمن لم يشترط، و لا فرق في المعارض بين الإلهي و غيره إلى غير ذلك من الأحكام التي تعرف جريانها هنا بأدنى ملاحظة لأحكام اشتراط الخيار في العقد، كما انه يعلم أيضا بأدنى نظر انه لا يجوز التعليق في الاعتكاف، فمتى علقه بطل إلا إذا كان شرطا مؤكدا، كقوله: إن كان راجحا أو كان المحل مسجدا و نحو ذلك على حسب ما قيل أو احتمل في العقد أيضا، فتأمل جيدا.

نعم الظاهر انه لا يصح له اشتراط الفسخ في اعتكافه لاعتكاف عبده أو ولده أو اعتكاف آخر له كما صرح به شيخنا أيضا في رسالته، و إن كان ربما يحتمل بناء على جواز مثله في الخيار المشترك معه في أن مدركه

عموم «المؤمنون عند شروطهم»

الذي هو المنشأ في كثير من الأحكام السابقة و غيرها، فتأمل جيدا.

و على كل حال فلا فرق في جواز الرجوع مع الشرط بين اليوم الثالث و غيره لما عرفته من إطلاق النص و الفتوى، خلافا للمحكي عن الشيخ فلم يجوز الرجوع مع الشرط في اليوم الثالث، لأنه واجب من قبل الله، فلا يفيد الشرط جواز الرجوع فيه، و لا ريب في ضعفه، للإطلاق السابق الذي لا ينافيه كون الوجوب من قبل الله بعد أن كان الرجوع به من الله أيضا، كما هو واضح.

[و أما أحكامه فقسمان]

و أما أحكامه فقسمان:

[القسم الأول انما يحرم على المعتكف ستة]

الأول انما يحرم على المعتكف ستة: النساء لمسا بشهوة و تقبيلا كذلك و جماعا في الفرجين إجماعا بقسميه في الأخير

200

و كتابا (1) و سنة (2) مستفيضة أو متواترة على المشهور في الأولين، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما عساه تشعر به عبارة التهذيب فإنه- بعد أن

روى (3) عن الصادق (عليه السلام) في الحسن «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد و ضربت له قبة من شعر و شمر المئزر و طوى فراشه فقال بعضهم: و اعتزل النساء فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أما اعتزال النساء فلا»

- قال: فإنه أراد بذلك مخالطتهن و مجالستهن و محادثتهن دون الجماع، و الذي يحرم على المعتكف من ذلك الجماع دون غيره، مع احتمال إرادته الحصر الإضافي، فلا يشمل اللمس و التقبيل بشهوة، و لعله لذا نسبه في المدارك إلى قطع الأصحاب الذي بملاحظته يقوى إرادة ما يعم ذلك من المباشرة في الآية، كما أنه يقوى حينئذ إرادة الإبطال أيضا من النهي فيها لا التحريم خاصة، و إن اختاره الفاضل في المختلف و غيره، لأنه هو معنى النهي، و لا تنافي بين التحريم و الصحة هنا، لكن فيه أنه و إن لم يكن منافاة عقلا ضرورة كون النهي عن أمر خارج في العبادة لكن الفهم العرفي كاف في ذلك، كالنهي عن التكفير في الصلاة و نحوها على أن تأديتهما مع الجماع الذي لا إشكال في البطلان به بعبارة واحدة أمارة أخرى على أن الجميع من سنخ واحد، كما أن حكمهم بالبطلان به- و ليس في الآية و لا في السنة تصريح به، بل أقصاهما النهي و الكفارة، و هما أعم من البطلان- لا وجه له إلا الفهم العرفي المشترك بين الجميع الحاصل بملاحظة أن الشارع في أمثال ذلك معظم نظره بيان الصحة و الفساد، بل قد لا يكون مقصوده إلا ذلك و إن

____________

(1) سورة البقرة- الآية 183.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الاعتكاف.

(3) الوسائل- الباب- 5- من كتاب الاعتكاف- الحديث 2.