جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
251

و فيه أن من المعلوم ضرورة عدم الوجوب بمجرد الاستطاعة العقلية التي تحصل بالخدمة و نحوها كما تضمنه خبر أبي بصير منها، و لا يلتزمه هذا المتوقف، كما أن من المعلوم قصورها عن مقاومة ما عرفت من وجوه، فلا معنى لحمل تلك النصوص من جهتها على إرادة بيان ما لو توقف الحج على الزاد و الراحلة كما هو الغالب، أو على التقية أو غير ذلك، نعم لا بأس بالعكس لذلك، فتحمل هي على كون المراد من هذه النصوص بيان فضل الحج على المندوب و الترغيب فيه، و أنه لا بأس بتحمل هذه المشاق نحو ما ورد في زيارة الحسين (عليه السلام) و غيره من الأئمة (عليهم السلام) و كون ذلك وقع تفسيرا للآية غير مناف بعد أن فسرت النصوص استطاعة الواجب بما عرفت، و استطاعة المندوب بذلك، فيكون المراد من الآية القدر المشترك، أو ان المراد بيان حكم من استقر الوجوب في ذمته سابقا أو غير ذلك، و إن أبيت فليس لها إلا الطرح في مقابلة ما عرفت من الإجماع و النصوص السابقة، بل يمكن دعوى تحصيله، كدعوى ضرورية عدم كفاية مطلق الاستطاعة في الوجوب، و من هنا ظن بعض مشايخنا أن المراد بالاستطاعة المتوقف عليها وجوب الحج معنى شرعي مجمل، فكل ما شك في اعتباره فيها توقف الوجوب عليه، لأن الشك في الشرط شك في المشروط، و إن كان قد يناقش فيه بأنا و إن علمنا عدم كفاية مطلق الاستطاعة في الوجوب إلا ان النصوص كشفت ما اعتبره الشارع فيها، فيبقى غيره على المراد بالاستطاعة، ضرورة كون ذلك من قبيل الشرط الشرعي لها، و حينئذ فما شك في اعتباره فيها زائدا على ما ثبت في الشرع ينفى بأصل العدم نحو غيرها من ألفاظ المعاملة، فليس حينئذ لها حقيقة شرعية، بل و لا مراد شرعي مجمل. كما لا يخفى على من لاحظ النصوص و الفتاوى في المقام، و انما التحقيق ما ذكرناه.

و منه يعلم الوجه فيما ذكره غير واحد من أن هما معتبران فيمن

252

يفتقر الي هما في قطع المسافة و إن قصرت عن مسافة القصر، خلافا للمحكي عن العامة فشرطوا ذلك، لا مثل القريب الذي يمكنه قطع المسافة بالمشي من دون مشقة يعتد بها، بل لا أجد فيه خلافا، بل في المدارك نسبته إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و إن كان الذي وقفنا عليه الشيخ في محكي المبسوط و الفاضل في القواعد و التذكرة و المنتهى، و عن التحرير و المصنف أنه لا يشترط الراحلة للمكي، و لعلهما يريدان أيضا ما يشمل ذلك، فيتفق الجميع حينئذ، لكن في كشف اللثام يقوى عندي اعتبارها أيضا للمكي للمضي إلى عرفات و أدنى الحل و العود، و لذا أطلق الأكثر و منهم الشيخ في غير المبسوط و الفاضل في الإرشاد و التبصرة و التلخيص و المحقق في النافع، قلت: قد يقال إنه ينقدح الشك من ذلك كله في تناول دليل الشرط المزبور لمثل الفرض، فيبقى اعتبار صدق اسم الاستطاعة بالنسبة إليه خاليا عن المعارض، و انما يبقى تقييده بنفي الضرر و الحرج و نحوهما، و يكون حينئذ المدار عليها كما فيما لم يدل دليل على اعتبار أمر شرعي من الاستطاعة بالنسبة إليه لما سمعته من التحقيق السابق.

و كيف كان ف لاتباع ثياب مهنته بالفتح و الكسر أي ما يبتذله من الثياب، لأن المهنة الخدمة و عدم بيعها في حج الإسلام لا أجد فيه خلافا، بل عن المعتبر و المنتهى و التذكرة الإجماع على استثناء ثياب بدنه التي يدخل فيها ثياب التجمل اللائقة بحاله زمانا و مكانا فضلا عن ثياب المهنة، كإطلاق الثياب في الدروس و محكي التحرير، و هو الحجة مضافا إلى ما فيه من العسر و الحرج، و أن الشارع استثناها في دين المخلوقين الذي هو أعظم من دين الخالق، و إلى فحوى ما تسمعه من خبر أبي الربيع الشامي (1) الذي فسر السبيل فيه بالسعة بالمال.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

253

بل و من ذلك كله يعلم أنه لا يباع خادمه و لا دار سكناه للحج أيضا كما صرح به غير واحد، بل عن المعتبر و المنتهى و التذكرة الإجماع عليه، بل في الأخير دعواه على استثناء فرس ركوبه، و إن قال في كشف اللثام:

لا أرى له وجها، فان فرسه إن صلح لركوبه إلى الحج فهو من الراحلة، و إلا فهو في مسيره إلى الحج لا يفتقر اليه، و انما يفتقر إلى غيره، و لا دليل على أنه حينئذ لا يبيعه في نفقة الحج إذا لم يتم إلا بثمنه، لكن لعل وجهه ما عرفت، خصوصا بعد استثنائه في الدين، نعم في الدروس و عن الشيخ إلحاق حلي المرأة بحسب حالها في زمانها و مكانها بالثياب، و هو مشكل لعدم الدليل، كالإشكال في استثناء كتب العلم على الإطلاق، و إن كان هو متجها في التي لا بد له منها فيما يجب عليه تحصيله أو العمل به، لأن الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية، و منه يعلم ما في إطلاق ابن سعيد و التحرير، فعن الأول أنه قال: «لا يعد في الاستطاعة لحج الإسلام و عمرته دار السكنى و الخادم، و يعتبر ما عدا ذلك من ضياع و عقار و كتب و غير ذلك» و الثاني انه أطلق بيع ما عدا المسكن و الخادم و الثياب من ضياع أو عقار أو غيرهما من الذخائر، و من هنا قيد ذلك في محكي المبسوط و المنتهى و التذكرة بما له منه بد، و لعله لنفي الحرج و الضرر و العسر و سهولة الملة و إرادة الله اليسر و غير ذلك، و اليه أومأ في المدارك حيث انه- بعد أن ذكر عن المنتهى إجماع العلماء على استثناء المسكن و الخادم و انه فيه ألحق بذلك فرس الركوب و كتب العلم و أثاث البيت من فراش و بساط و آنية و نحو ذلك- قال: و لا ريب في استثناء جميع ما تدعو الضرورة إليه من ذلك، لما في التكليف ببيعه مع الحاجة الشديدة إليه من الحرج المنفي، و نحوه غيره ممن تأخر عنه، فما في الدروس من التوقف في استثناء ما يضطر اليه من أمتعة المنزل و السلاح و آلات الصنائع لا يخلو من نظر، و لو زادت أعيانها عن قدر الحاجة

254

وجب بيعها قطعا كما في الدروس و غيرها، بل الأقوى وجوب البيع لو غلت و أمكن بيعها و شراء ما يليق به من ذلك بأقل من ثمنها كما صرح به في التذكرة و الدروس و المسالك و غيرها، لما عرفت من ان الوجه في استثنائها الحرج و نحوه مما لا يأتي في الفرض، لا النص المخصوص كي يتمسك بإطلاقه، فما عن الكركي من عدم وجوب الاستبدال إذا كانت لائقة بحاله لا يخلو من نظر مع فرض كون الأدون لائقا أيضا، و ان احتمله في كشف اللثام و محكي التذكرة، لأنه كالكفارة، و لعدم زيادة العين عن الحاجة، و أصالة عدم وجوب الاعتياض و الحرج، و الجميع كما ترى، مع انه قد يفرق بين الكفارة و الحج بأن العتق فيها له بدل بخلاف ما هنا، فتأمل جيدا.

و من لم يكن له هذه المستثنيات استثني له أثمانها كما في الدروس و المسالك و غيرهما، و استجوده في المدارك إذا دعت الضرورة اليه، و هو كذلك، أما مع الاستغناء عنها أو عن بعضها باستئجار و نحوه و وثق بحصوله عادة و لم يكن عليه في ذلك مشقة فمشكل، و إن كان الأقوى عدم وجوب بيعها لو كان يمكنه الاعتياض عنها بالأوقاف العامة و شبهها، بل في الدروس القطع بذلك، ضرورة وضوح الفرق بين المقامين، لكن لو فعل احتمل تحقق الاستطاعة، و الله العالم.

و المراد بالزاد قدر الكفاية من القوت و المشروب له و لمن يتبعه من الناس و الدواب ذهابا و عودا إلى وطنه إن أراده و إن لم يكن له به أهل و لا له فيه مسكن مملوك، خلافا للشافعية فلا عبرة بالإياب مطلقا في قول، و إن لم يملك به مسكنا في آخر، و إن لم يكن له به أهل في ثالث، للحرج بالتكليف بالإقامة في غير وطنه، و استحسنه في المدارك مع تحقق المشقة به، أما مع انتفائها كما إذا كان وحيدا لا تعلق له بوطن أو كان له وطن و لا يريد العود اليه فيحتمل قويا عدم اعتبار كفاية العود في حقه، لإطلاق الأوامر، و المراد بالتمكن

255

منه القدرة عليه بحمل من بلده أو بالشراء له في منازله، قال في المنتهى: «الزاد الذي يشترط القدرة عليه هو ما يحتاج اليه من مأكول و مشروب و كسوة، فإن كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله، و أما الماء و علف البهائم فإن كانت توجد في المنازل التي ينزلها على حسب العادة لم يجب حملها، و إلا وجب مع المكنة و مع فقدها (عدمها خ ل) يسقط الفرض» لكن في الدروس و يجب حمل الزاد و العلف و لو كان طول الطريق، و لم يوجب الشيخ حمل الماء زيادة عن مناهله المعتادة، و لعل الشهيد يريد وجوب الحمل مع الحاجة إليه، كما ان الشيخ يريد عدم الوجوب مع عدم التوقف عليه، لكن عن التذكرة و التصريح بالفرق بين الزاد و الماء، فأوجب حمل الأول إذا لم يجده في كل منزل بخلاف الثاني و علف البهائم، فإنهما إذا فقدا من الموضع المعتاد لهما لم يجب حملهما من بلده و لا من أقرب البلدان إلى مكة من طرف الشام، و يسقط إذا توقف على ذلك، و هو مشكل، و المتجه عدم الفرق في وجوب حمل الجميع مع الإمكان، و سقوطه مع المشقة الشديدة، و يمكن أن يريد الفاضل ذلك كما يومي اليه ما في التذكرة من التعليل بما فيه من عظم المشقة و عدم جريان العادة، و لا يتمكن من حمل الماء لدوابه في جميع الطريق، و نحو ذلك عن موضع من المنتهى أيضا، و لعله لذا اقتصر في الدروس على نسبة الخلاف في ذلك للشيخ خاصة، و إن أبيت عن ذلك كله ففيه ما لا يخفى، و كيف كان فالأمر في ذلك سهل، ضرورة وضوح الحال في حكمه و في المراد منه، كوضوح الحال في وجوب حمل المحتاج اليه من الأواني و الأوعية التي يتوقف عليها حمل المحتاج اليه من ذلك و غيرها من أسباب السفر،

قال علي (عليه السلام) في المروي (1) عنه في الخصال بسنده إليه: «إذا أردتم الحج فتقدموا في

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب وجوب الحج- الحديث 8.

256

شراء ما يقويكم على السفر، فان الله تعالى (1) يقول وَ لَوْ أَرٰادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً».

و أما المراد بالراحلة ف راحلة مثله كما في القواعد، و ظاهرهما اعتبار المثلية في القوة و الضعف و الشرف و الضعة كما عن التذكرة التصريح به، لكن في كشف اللثام الجزم بها في الأولين دون الأخيرين، لعموم الآية و الأخبار، و خصوص

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (2): «من عرض عليه الحج و لو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع»

و نحوه غيره و لأنهم (عليهم السلام) ركبوا الحمير و الزوامل، و اختاره في المدارك لذلك أيضا، بل هو ظاهر الدروس، قال: و المعتبر في الراحلة ما يناسبه و لو محملا إذا عجز عن القتب، و لا يكفي علو منصبه في اعتبار المحمل و الكنيسة فإن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) حجوا على الزوامل، إلا أن الانصاف عدم خلوه عن الاشكال مع النقص في حقه، إذ فيه من العسر و الحرج ما لا يخفى، و حجهم (عليهم السلام) لعله كان في زمان لا نقص فيه في ركوب مثل ذلك، و الأمر في المحمل و الكنيسة كذلك، فعلى الأول يعتبر القدرة عليه ان افتقر اليه لحر أو برد أو ضعف، و لا عبرة به مع الغنى عنه و لو كان امرأة، خلافا لبعض الشافعية فاشترطه لها مطلقا، و لعله للستر، و فيه أنه يحصل بالملحفة و نحوها، و المعتبر القدرة على المحمل بشقيه إن لم يوجد شريك و أمكن الركوب بدونه بوضع شيء يعادله في الشق الآخر، أو شق محمل مع وجود شريك للشق الآخر، أو إمكان حمله على

____________

(1) سورة التوبة- الآية 46.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج- الحديث 7.

257

ظهر المطية وحده، كل ذلك للاستطاعة، فما عن التذكرة- من أنه إن لم يجد شريكا و تمكن من المحمل بتمامه احتمل الوجوب للاستطاعة، و العدم لأن بذل المال خسران لا مقابل له، و ظاهره التوقف- في غير محله، نعم لو تعذر الشريك و تعذر الركوب بدونه سقط الفرض، لعدم الاستطاعة، و إن لم يكفه المحمل اعتبر في حقه الكنيسة كذلك، فان تعذرت سقط الفرض، هذا كله مع مراعاة الحاجة للضعف أو الحر أو البرد أو نحوها، أما الشرف و الضعة ففي اعتبارهما البحث السابق، و الله أعلم.

و كيف كان فلو لم يجد عين الزاد و الراحلة و غيرهما مما يتوقف عليه السفر يجب عليه شراؤهما و لو كثر الثمن مع وجوده لأن الحج و إن كان مشروطا بالاستطاعة إلا أنه بعد حصولها يصير وجوبه مطلقا، فتجب حينئذ مقدماته.

و قيل و القائل الشيخ إن زاد عن ثمن المثل لم يجب للأصل و الضرر و السقوط مع الخوف، و ضعف الفرق بأن العوض هنا على الناس و هناك على الله و الأول أشهر و أصح بل هو المشهور شهرة عظيمة سيما بين المتأخرين، نعم عن التذكرة إن كانت الزيادة تجحف بماله لم يجب الشراء على إشكال كشراء الماء للوضوء، بل عن الشهيد الثاني و المحقق الثاني تقييده أيضا بعدم الإجحاف، و لعل المراد أن وجوب مقدمة الواجب مقيد بما إذا لم يستلزم ضررا لا يتحمل، و قبحا يعسر التكليف به، لأنه أحد الأدلة الذي قد يعارضه غيره و يرجح عليه كما هنا، فان ذلك كما لا يخفى على من لاحظ كلمات الأصحاب في غير المقام ليرجح على الخطابات الأصلية فضلا عن التبعية، و لذا تسقط الصلاة من قيام الى القعود مثلا، و الوضوء الى التيمم، و لا فرق في الضرر الذي لا يتحمل مثله بين المالي منه و البدني، فتأمل جيدا فإنه نافع في غير المقام، و لعل ذلك هو

258

المنشأ في سقوط وجوب المقدمة في الشبهة الغير المحصورة، فالمتجه حينئذ دوران الحكم على ذلك، و هو غير ما ذكره الشيخ، فتأمل جيدا.

و لو كان له دين حال و هو قادر على اقتضائه بنفسه أو وكيله و لو بواسطة حاكم الشرع بل و حاكم الجور مع عدم الضرر في وجه بل و معه في آخر وجب عليه لأنه مستطيع بذلك، و إن كان قد يقوى في النظر عدمها مع التوقف على حاكم الجور، للنهي عن الركون اليه و الاستعانة به و إن حملناه على الكراهة مع التوقف عليه، ترجيحا لما دل على الجواز بالمعنى الشامل للوجوب من دليل المقدمة و غيره، و مثله لا يتحقق به الاستطاعة بعد فرض أن الجواز المزبور كان بعد ملاحظة المعارضة بين ما دل على المنع و ما دل على خلافه من المقدمة و غيرها، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع و مقتضاه حينئذ أن من ترك الاستعانة بالظالم على تحصيل ماله المتوقف استطاعة الحج عليه لم يثبت في ذمته حجة الإسلام.

و كيف كان فان منع منه لغصب أو إعسار أو تأجيل و ليس له سواه سقط الفرض لعدم الاستطاعة، و لا يجب عليه الاستدانة تحصيلا لها، لكن في المدارك و يحتمل قويا الوجوب إذا كان بحيث يمكنه الاقتضاء بعد الحج، كما إذا كان عنده مال لا يمكنه الحج به، و فيه منع صدق اسم الاستطاعة بذلك، و لو كان مؤجلا و بذله المديون قبل الأجل ففي كشف اللثام وجب الأخذ لأنه بثبوته في الذمة و بذل المديون له بمنزلة المأخوذ، و صدق الاستطاعة و وجدان الزاد و الراحلة عرفا بذلك، و فيه أنه يمكن منع ذلك كله، نعم لو أخذ صار به مستطيعا قطعا و لو كان له مال و عليه دين حال بقدره خمس أو زكاة أو كفارة أو نذر أو لآدمي لم يجب الحج لعدم الاستطاعة باعتبار سبق وجوب الوفاء بما عنده على وجوب الحج إلا أن يفضل عن دينه ما يقوم

259

بالحج فيجب حينئذ لصدقها، بل في المنتهى و القواعد و الدروس سواء كان الدين حالا أو مؤجلا معللا له في الأول بأنه غير مستطيع مع الحلول، و الضرر متوجه عليه مع التأجيل، فيسقط الفرض، قلت: و لتعلق الوجوب به قبل وجوب الحج و إن وجب أو جاز التأخير إلى أجله، لكنه لا يخلو من نظر أو منع و لذا حكي عن الشافعية في المؤجل وجه بالوجوب، بل مال إليه في المدارك، بل و في الحال مع عدم المطالبة، قال: و لمانع أن يمنع توجه الضرر في بعض الموارد كما إذا كان الدين مؤجلا أو حالا لكنه غير مطالب به و كان للمديون وجه للوفاء بعد الحج، و متى انتفى الضرر و حصل التمكن من الحج تحققت الاستطاعة المقتضية للوجوب، و قد

روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل عليه دين أ عليه أن يحج؟ قال: نعم إن حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين»

بل لم يعتبر في كشف اللثام وجود وجه للمديون للوفاء، فإنه بعد أن حكى ذلك عن الشافعية قال: «و لا يخلو من قوة سواء كان ما عليه من حقوق الله كالمنذور و شبهه أو من حقوق الناس، لأنه قبل الأجل غير مستحق عليه، و عند حلوله إن كان عنده ما يفي به أداه، و إلا سقط عنه مطلقا أو إلى ميسرة، و كما يحتمل التضييع بالصرف في الحج يحتمل فوت الأمرين جميعا باهماله، خصوصا و الأخبار (2) وردت بأن الحج أقضى للديون، و يؤيده ما مر من صحيح معاوية إن لم يحمل على من استقر عليه الحج سابقا» و هو جيد في المؤجل دون الحال و إن لم يطالب به صاحبه الذي قد خوطب المديون بوفائه قبل الخطاب بالحج، فتأمل.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 50- من أبواب وجوب الحج.

260

و كيف كان ف لا يجب الاقتراض للحج قطعا، بل لو فعل لم يكن حج إسلام إلا أن يكون له مال بقدر ما يحتاج إليه في الحج زيادة عما استثنيناه من الأمور السابقة، فإنه يجب حينئذ الاقتراض عينا إذا كان لا يمكنه صرف ماله في الزاد و الراحلة، و يكون حج إسلام ثم يؤديه من ماله، و إلا وجب تخييرا لصدق الاستطاعة، و قول الصادق (عليه السلام) (1) لجفير: «مالك لا تحج؟

استقرض و حج»

بل قد يستفاد من وجوب الاستدانة عينا إذا تعذر بيع ماله انه لو كان له دين مؤجل يكفي للحج و أمكن اقتراض ما يحج به كان مستطيعا، لصدق التمكن من الحج كما جزم به في المدارك، و من هنا يظهر أن ما ذكره في المنتهى- من أن من كان له مال فباعه قبل وقت الحج مؤجلا إلى بعد فواته سقط عنه الحج، لأنه غير مستطيع- غير جيد على إطلاقه، قال: و هذه حيلة يتصور ثبوتها في إسقاط فرض الحج عن الموسر، و كذا لو كان له مال فوهبه قبل الوقت أو أنفقه فلما جاء وقت الحج كان فقيرا لا يجب عليه، و جرى مجرى من أتلف ماله قبل حلول الأجل، و ينبغي أن يريد بالوقت وقت خروج الوفد الذي يجب الخروج معه، و قد تقدم الكلام فيه، كما أومأ إلى ذلك في الدروس بقوله: و لا ينفع الفرار بهبة المال أو إتلافه أو بيعه مؤجلا إذا كان عند سير الوفد.

و لو كان معه قدر ما يحج به فنازعته نفسه إلى النكاح لم يجز صرفه في النكاح و إن شق عليه تركه كما في القواعد و محكي المبسوط و الخلاف و التحرير و كان عليه الحج لصدق الاستطاعة المقتضية لوجوب الحج الذي

____________

(1) الوسائل- الباب- 50- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3 عن حفية (حقبة) و لكن في التهذيب ج 5 ص 441 و الاستبصار ج 2 ص 329 عقبة.

261

لا يعارضه النكاح المستحب، بل في الثلاثة الأخيرة «و إن خاف العنت» خلافا لبعض العامة في الأخير، بل في محكي التحرير «أما لو حصلت المشقة العظيمة فالوجه عندي تقديم النكاح» و نحوه في الدروس و محكي المنتهى، بل في المدارك عنه تقديمه في المشقة العظيمة التي لا تتحمل مثلها في العادة، و في الخوف من حدوث مرض أو الوقوع في الزنا، و هو جيد، كما هو خيرة السيد المزبور وجده و الكركي و غيرهم على ما قيل، لما تقدم من نفي الضرر و الضرار و الحرج و نحو ذلك، و لا يخفى أن تحريم صرف المال في النكاح انما يتحقق مع توجه الخطاب بالحج و توقفه على المال، فلو صرف فيه قبل سير الوفد الذي يجب الخروج معه أو أمكنه الحج بدونه انتفى التحريم قطعا.

[في وجوب الحج بالبذل]

و كيف كان ف لو بذل له زاد و راحلة و نفقة له بأن استصحب في الحج و أعطي نفقة لعياله إن كانوا، أو قيل له حج و علي نفقتك ذهابا و إيابا و نفقة عيالك، أو لك هذا تحج به و هذا لنفقة عيالك، أو أبذل لك استطاعتك للحج، أو نفقتك للحج و للإياب و لعيالك، أو لك هذا لتحج بما يكفيك منه و تنفق بالباقي على عيالك، و نحو ذلك وجب عليه الحج من حيث الاستطاعة إجماعا محكيا في الخلاف و الغنية و ظاهر التذكرة و المنتهى و غيرهما إن لم يكن محصلا، و هو الحجة بعد النصوص المستفيضة أو المتواترة، ففي

صحيح محمد بن مسلم (1) «قلت لأبي جعفر (عليه السلام)- في حديث-: فان عرض عليه الحج فاستحيى قال: هو ممن يستطيع الحج و لم يستحي و لو على حمار أجدع أبتر، قال:

فان كان يستطيع أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليفعل»

و صحيح معاوية بن عمار (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل لم يكن له مال فحج به رجل من إخوانه

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

262

أ يجزي ذلك عن حجة الإسلام أم هي ناقصة؟ قال: بل هي حجة تامة»

و قال (عليه السلام) أيضا (1) في خبره الآخر: «فان كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى فلم يفعل فإنه لا يسعه إلا أن يخرج و لو على حمار أجدع أبتر»

و في صحيح الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث «قلت له: فان عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أ هو ممن يستطيع اليه سبيلا؟ قال: نعم، ما شأنه يستحيي و لو يحج على حمار أجدع أبتر، فإن كان يستطيع أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليحج»

و خبر أبي بصير (3) سمعته أيضا يقول: «من عرض عليه الحج و لو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحج»

و خبره الآخر (4) قلت له (عليه السلام) أيضا:

«رجل كان له مال فذهب ثم عرض عليه الحج فاستحيى فقال: من عرض عليه الحج فاستحيى و لو على حمار أجدع مقطوع الذنب فهو ممن يستطيع الحج»

إلى غير ذلك من النصوص المروية في الكتب الأربع و غيرها.

و لا ينافي ذلك ما في بعضها من الأمر بمشي بعض و ركوب بعض، خصوصا بعد ما في كشف اللثام من احتمال كون الأمر بذلك بعد ما أستحيي فلم يحج أي لما استطاع بالبذل فلم يقبل و لم يحج استقر عليه، فعليه أن يحج و لو مشيا، فضلا عن مشي بعض و ركوب بعض، و احتمال كون المعنى إن بذل له حمار أجدع أبتر فيستحيي أن يركبه فليمش و ليركبه إذا اضطر إلى ركوبه، و كذا لا ينافيه ما فيها من الحمار الأجدع الأبتر، سيما بعد ابتنائه على عدم اعتبار مناسبة الراحلة شرفا و ضعة كما هو خيرة من عرفت، أو أن ذلك في خصوص البذل، أو تطرح بالنسبة إلى ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج الحديث 8.

263

و كيف كان فظاهرها كمقاعد أكثر الإجماعات تحقق الوجوب بمجرد البذل من غير فرق بين كونه على وجه التمليك أم لا، و لا بين كونه واجبا بنذر و شبهه أم لا، و لا بين كون الباذل موثوقا به أم لا، و لا بين بذل عين الزاد و الراحلة و بين أثمانهما، لكن عن ابن إدريس اعتبار التمليك في الوجوب و مرجعه إلى عدم الوجوب بالبذل بناء على عدم وجوب القبول المقتضي للتمليك، لأنه اكتساب فلا يجب، و من هنا في المختلف بعد أن حكى ذلك عنه قال: «إن فتاوى أصحابنا خالية عنه، و كذا الروايات، بل لو وهب المال لم يجب القبول» قلت: اللهم إلا أن يلتزم وجوب القبول في خصوص المقام، و كذا الكلام فيما ذكره في التذكرة فإنه بعد أن حكى كلامه قال: «التحقيق هنا أن البحث هنا في أمرين: الأول هل يجب على الباذل بالبذل الشيء المبذول له أم لا، فان قلنا بالوجوب أمكن وجوب الحج على المبذول له، لكن في إيجاب المبذول بالبذل إشكال، أقربه عدم الوجوب، و إن قلنا بعدم وجوبه ففي أجاب الحج إشكال، أقربه العدم، لما فيه من تعليق الواجب بغير الواجب» بل هو أوضح في رجوعه إلى عدم الوجوب بالبذل، بل هو غير قابل لما ذكرناه من الاحتمال، و حينئذ يكون مخالفا للنص و الفتوى و معاقد الإجماعات، بل و كذا ما في الدروس، قال: «و يكفي البذل في الوجوب مع التمليك أو الوثوق به، و هل يستقر الوجوب بمجرد البذل من غير قبول؟ إشكال، من ظاهر النقل، و عدم وجوب تحصيل الشرط، و لو حج كذلك أو في نفقة غيره أجزأ بخلاف ما لو تسكع، فإنه لا يجزي عندنا، و فيه دلالة على أن الاجزاء فرع الوجوب، فيقوى الوجوب بمجرد البذل لتحقق الاجزاء، إلا أن يقال الوجوب هنا لقبول البذل، و لو وهبه زاد أو راحلة لم يجب عليه القبول، و في الفرق نظر، و ابن إدريس قال: لا يجب الحج بالبذل حتى يملكه المبذول، و جنح اليه الفاضل» بل في حاشيته في الهامش على قوله:

264

«و هل» إلى آخره كتب في آخرها انها منه «فيه تنبيه على قاعدتين: إحداهما إجزاء حج من حج بمجرد البذل، ثانيتهما عدم إجزاء حج من حج متسكعا، و لا فرق بينهما معقولا سوى أن المتسكع حج لا مع الوجوب، و المبذول له حج مع الوجوب، فيلزم من ذلك أن الاجزاء لا ينفك عن سبق الوجوب، و لما كان الاجزاء حاصلا مع البذل دل على سبق الوجوب الاجزاء، و ذلك يستلزم الوجوب بمجرد البذل، فانتفى الإشكال في الاستقرار بمجرد البذل من غير قبول قولا، إلا أن يقال إشارة إلى جواب هذا الكلام و تقريره صحة المقدمات إلا قولكم:

«و ذلك يستلزم الوجوب بمجرد البذل» و سند منع صحتها أن ضروريات الاجزاء الوجوب على الإطلاق لا الوجوب بمجرد البذل، و نحن نقول: الاجزاء مستند إلى قبول البذل إما قوليا كقبلت، أو فعليا كاستمراره مع البذل على ذلك الممكن، و هذا لا تردد فيه، و لا يلزم منه وجوب القبول الذي فيه النزاع، فالإشكال باق بحاله، و هذا كلام بين لا يدفعه إلا ظاهر الرواية، و ابن إدريس اختار هذا أعني عدم وجوب القبول، و قد أشار إليه الفاضل في التذكرة، و لا بأس به» انتهى.

و هو كالصريح في عدم وجوب القبول نحو ما سمعت من الفاضل الذي قد خالف بذلك النص و الفتوى، بل ما ذكره هو أولا في التذكرة من معقد نسبته إلى علمائنا فضلا عن معقد إجماع غيره، بل و معقد إجماعه في غيرها كالمنتهى، قال فيها: «و لو لم يكن له زاد و راحلة أو كان و لا مئونة له لسفره أو لعياله فبذل له باذل الزاد و الراحلة و مئونته و مئونة عياله مدة غيبته وجب الحج عليه عند علمائنا، سواء كان الباذل قريبا أو بعيدا لأنه مستطيع» و في المنتهى «و لو بذل له زاد و راحلة و نفقة له و لعياله وجب عليه الحج مع استكمال الشروط الباقية

265

و كذا لو حج به بعض إخوانه، ذهب إليه علماؤنا، خلافا للجمهور» و هو كما ترى لا يتم بناء على ما عرفت من عدم وجوب القبول الذي هو واضح الفساد، و كونه منة لا تتحملها النفوس و لم يكلف الشارع معها بشيء من التكاليف يدفعه أن المالك الحقيقي يلحظ ذلك في خصوص الحج الذي يراد به وجه الله تعالى، بل ذلك في الحقيقة كأنه اجتهاد في مقابلة النص، فلا ريب في وضوح فساده، كوضوح فساد ما سمعته من ابن إدريس، بل هو مخالف لظاهر النص و الفتوى، خصوصا في آخر الفصل الآتي، و دعوى أنه لا معنى لتعليق الواجب بغير الواجب يدفعها مع أنها اجتهاد في مقابلة النص أن غاية ذلك عدم استقرار الوجوب، و لا بأس به، ضرورة كونه حينئذ كالمستطيع بنفسه الواجب عليه السير مع احتمال زوال الاستطاعة، و الاكتفاء بالاستصحاب مشترك بينهما، على أن الدعوى المزبورة انما تقتضي وجوب البذل على الباذل للمبذول له بنذر و شبهه لا اعتبار خصوص التملك، و من هنا حكي عن الفاضل ذلك، بل جزم به الكركي، قال فيما حكي عنه في شرح عبارة المتن: هذا انما يستقيم إذا كان البذل على وجه لازم، كما لو نذر له مال ليحج به، أو نذر له ما يكفيه لمئونة الحج، أما لو نذر له لا على هذا الوجه فإنه لا يجب القبول، و لو نذر لمن يحج و أطلق ثم بذل لمعين ففي وجوب الحج نظر، لأنه لا يصير مالكا إلا بالقبض، و لا يجب عليه الاكتساب للحج بالقبض، و كذا لو أوصى بمال لمن يحج فبذل لمعين، و في كشف اللثام بعد أن اختار ما قدمناه قال: و قد يقال بوجوب القبول إذا وجب البذل، و قد يقال بوجوبه إذا وجب عينا لا تخييرا، حتى لو نذر أو أوصى به لمن يحج مطلقا فبذل له لم يجب القبول.

لكن لا يخفى عليك ما في الجميع من مخالفته للنص و الفتوى و معاقد الإجماعات، و أن تعليق الواجب على الجائز لا يقتضي إلا عدم الاستقرار، نعم

266

قد يقال باعتبار الطمأنينة بالوفاء أو بعدم الظن بالكذب حذرا من الضرر و الخطر عليه، و للشك في شمول أدلة الوجوب له إن لم تكن ظاهرة في خلافه، بل لعل ذلك كذلك و إن وجب على الباذل، بل هو في الحقيقة خارج عما نحن فيه، ضرورة أن محل البحث الوجوب من حيث البذل من دون نظر إلى الموانع الخارجية التي قد تنتفي الاستطاعة معها، كما هو واضح، و لا ريب في أن المتجه ما قلنا عملا بإطلاق النص و الفتوى و معاقد الإجماعات، مضافا إلى تحقق الاستطاعة بذلك.

كما أن المتجه لذلك كله أيضا ما صرح به غير واحد من الأصحاب من عدم الفرق في الوجوب بين بذل عين الزاد و الراحلة و بين بذل أثمانهما، خلافا لثاني الشهيدين فلم يوجبه في الثاني، و لعله لأن القبول لها شرط لحصول الاستطاعة التي هي شرط للوجوب، فلا يجب تحصيله، و فيه أنه لا فرق في تحقق الاستطاعة عرفا ببذل كل منهما، فيجب القبول حينئذ و غيره من المقدمات، ضرورة صيرورة الوجوب حينئذ مطلقا، فيجب حينئذ جميع مقدماته من شراء الآلات و نحوها ضرورة عدم كون ذلك من شرائط صدق الاستطاعة، بل فهي مما يتوقف عليها فعل الحج من المستطيع، فصدق الاستطاعة حينئذ حاصل بدونها، و كفى فيه القدرة على شرائطها مثلا، كما هو واضح بأدنى تأمل، كل ذلك مضافا إلى ما في النصوص السابقة مما هو كالصريح في التعميم المزبور، بل ربما ادعي معروفية بذل الأثمان في البذل دون عين الزاد و الراحلة.

و كذا لا فرق في الوجوب بين بذل الجميع للفاقد و بين بذل البعض لمن كان عنده ما يملكه، ضرورة أولويته من الأول في الحكم.

و لا يمنع الدين الوجوب بالبذل و إن منعه في غيره، بل إن لم يقم إجماع على اعتبار بذل مئونة العيال في الوجوب أمكن منعه في المعسر عنها حضرا،

267

للإطلاق المزبور، و ليس المبذول من أملاكه المطلقة له كي يجب عليه إعطاء ما يلزمه منه، و من هنا قلنا لا يمنعه الدين، و من ذلك من وهب له مال اشترط الحج به عليه كما صرح به في الدروس.

ثم لا يخفى ظهور النص و الفتوى أو صراحتهما خصوصا صحيح معاوية ابن عمار (1) المتقدم منه في أن حج المبذول له حج إسلام، فلا يجب عليه حينئذ غيره و إن أيسر بعد ذلك، لما عرفته سابقا من وجوبه في العمر مرة واحدة، خلافا للشيخ فأوجبه في الاستبصار الذي لم يعده للفتوى، ل

خبر الفضل بن عبد الملك (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يكن له مال فحج به أناس من أصحابه أقضى حجة الإسلام قال: نعم، فإن أيسر بعد ذلك فعليه أن يحج، قلت: هل تكون حجته تلك تامة أو ناقصة إذا لم يكن حج من ماله؟

قال: نعم قضي عنه حجة الإسلام و تكون تامة ليست بناقصة، و إن أيسر فليحج و كذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج و إن كان قد حج»

القاصر سندا و دلالة عن معارضة غيره من وجوه، فلا بأس بحمله على الندب كما عن المشهور، بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج- الحديث 6.

و ينتهي خبر الفضل بن عبد الملك

بقوله (عليه السلام): «و إن أيسر فليحج»

على ما في الاستبصار ج 2 ص 143- الرقم 467 و التهذيب ج 5 ص 7- الرقم 18 و له ذيل طويل على ما في الكافي ج 4 ص 274 إلا أنه ليس فيه «و كذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج و إن كان قد حج» و انما هو مذكور في ذيل خبر أبي بصير المروي في التهذيب ج 5 ص 9- الرقم 22 و الكافي ج 4 ص 273 و الفقيه ج 2 ص 260- الرقم 1265 و ذكره في الاستبصار مستقلا ج 2 ص 145- الرقم 474.

268

لعله الظاهر عند التأمل، خصوصا بعد ملاحظة حكم الناصب فيه المعلوم كونه كذلك، و قد يحتمل كما في كشف اللثام أن يحج عن غيره و عدم بذل الاستطاعة فإن الحج به انما يستلزم استصحابه أو إرساله في الحج، و هو أعم، و لا يأبى عنه تسميته حج الإسلام، و لا بأس به و إن كان بعيدا.

هذا كله في البذل المستفاد من

«عرض عليه الحج» (1)

و نحوه في النصوص الظاهر في إباحة أكل الزاد و ركوب الراحلة أو الإباحة المطلقة الشاملة للإذن في التملك ان أراده و نحو ذلك مما لم يعتبر في جواز التصرف فيه الملك كالهبة و بيع المحاباة و نحوهما، ضرورة عدم صدق الاستطاعة بذلك قبل القبول الذي به يتم العقد المسبب للتمليك، فلا إباحة قبله و لا ملك، و من هنا قال المصنف و الفاضل و غيرهما و لو وهب له مال لم يجب عليه قبوله من غير فرق بين الهبة مطلقا و لخصوص الحج، و بين هبة نفس الزاد و الراحلة و أثمانهما، فما في الدروس- من النظر في الفرق بين الهبة و البذل، بل في المدارك و غيرها الجزم بعدم الفرق- واضح الضعف، كوضوح الفرق بينهما بما عرفت، لا لأن البذل يفيد التمليك بلا قبول بخلاف الهبة، إذ هو كما ترى واضح المنع، كوضوح فساد الإيراد عليه بأن الهبة قربة إلى الله تعالى لا يعتبر في تملكها القبول، و انما التحقيق ما سمعت و لا ينافيه ما قدمناه في صور البذل التي لم يدخل فيها ما نحن فيه مما أريد منه التملك بعقد الهبة فصدر منه الإيجاب بقصد الإنشاء الذي لا يؤثر أثرا حتى يتعقبه القبول، و بدونه يكون فاسدا لا يجوز التصرف فيه، فتأمل جيدا.

انما الكلام في وجوب الحج على من أبيح له المال على وجه الإطلاق الشامل للحج و غيره على وجه لو أراد الحج استطاعة بالإباحة المزبورة، فقد يقال به

____________

(1) أي: هذا كله في البذل المستفاد من

قولهم (عليهم السلام): «عرض عليه الحج»

.

269

لصدق الاستطاعة الذي قد استدل به على الوجوب في المبذول له لخصوص الحج و لو بالإباحة المزبورة، و قد يقال بعدمه اقتصارا فيما خالف ما دل على عدم الوجوب في غير الحج من التكاليف كالوضوء و الغسل و لباس الصلاة و مكانها على المتيقن من النصوص المزبورة، بل هو الظاهر منها أو صريحها، و لعله الأقوى، بل قد يقوى أيضا عدم الوجوب على من استطاعة براحلة موقوفة و نحوها و زاد مبذول لا لخصوص الحج، بل إن لم ينعقد إجماع على وجوبه للمبذول لهم الحج على جهة الإطلاق من دون خصوصية كأن يقال بذلت الزاد و الراحلة لكل من يريد الحج مثلا أمكن القول بعدمه، للأصل و غيره، و بالجملة المدار في المسألة أن وجوب الحج على المبذول له لصدق الاستطاعة المتحقق في ذلك و أمثاله، أو أنه لمكان الأدلة المخصوصة، لعدم الاكتفاء بهذه الاستطاعة المشتملة على المنة التي سقط لها و نحوها أكثر التكاليف، و لعل الأخير لا يخلو من قوة، فتأمل جيدا فإنه نافع في المقام.

[في وجوب الحج بالاستئجار للمعونة و سقوط الفرض به]

و لو استؤجر للمعونة على السفر و شرط له الزاد و الراحلة أو بعضه و كان بيده الباقي مع نفقة أهله وجب عليه و أجزأه عن الفرض إذا حج عن نفسه كما في القواعد و غيرها، و هو المراد مما في التذكرة «و لو طلب من فاقد الاستطاعة إيجار نفسه للمساعدة في السفر بما تحصل به الاستطاعة لم يجب القبول، لأن تحصيل شرط الوجوب ليس بواجب، نعم لو آجر نفسه بما تحصل به الاستطاعة أو ببعضه إذا كان مالكا للباقي وجب عليه الحج، و كذا لو قبل مال الهبة، لأنه الآن مالك للاستطاعة، كما أن المراد مما في المتن و غيره الاستيجار بما يقتضي الاستطاعة أو شرطه أو نحو ذلك مما لا إشكال في عدم وجوب القبول عليه فيه، لأنه تحصيل لشرط الوجوب فلا يجب، كما لا إشكال في الوجوب عليه بعد القبول لتحقق الاستطاعة حينئذ.

270

نعم قد يشكل ذلك بأن الوصول إلى مكة و المشاعر قد صار واجبا على الأجير بالإجارة، فكيف يكون مجزيا عن حجة الإسلام، و ما الفرق بينه و بين ناذر الحج في سنة معينة إذا استطاع في تلك السنة لحجة الإسلام، حيث حكموا بعدم تداخل الحجتين، و يدفع بأن الحج الذي هو عبارة عن مجموع الأفعال المخصوصة لم تتعلق به الإجارة، و انما تعلقت بالسفر خاصة، و هو غير داخل في أفعال الحج، و انما الغرض منه مجرد انتقال البدن إلى تلك الأمكنة ليقع الفعل حتى لو تحققت الاستطاعة فانتقل ساهيا أو مكرها أو على وجه محرم ثم أتى بتلك الأفعال صح الحج، و لا يعتبر وقوعه لأجل الحج قطعا، سواء قلنا بوجوب المقدمة أو لا، و هذا بخلاف نذر الحج في السنة المعينة، فإن الحج نفسه يصير واجبا بالنذر، فلا يكون مجزيا عن حجة الإسلام، لاختلاف السببين كما سيجيء بيانه إن شاء الله، و قد

سأل معاوية بن عمار (1) الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يمر مجتازا يريد اليمين أو غيرها من البلدان و طريقه بمكة فيدرك الناس و هم يخرجون إلى الحج فيخرج معهم إلى المشاهد أ يجزيه ذلك عن حجة الإسلام؟ فقال: نعم»

و سأله (عليه السلام) أيضا (2) «عن حجة الجمال تامة هي أو ناقصة؟ فقال: تامة»

و في خبر الفضل بن عبد الملك (3) انه (عليه السلام) سئل «عن الرجل يكون له الإبل يكريها فيصيب عليها فيحج و هو كري يغني عنه حجه أو يكون يحمل التجارة إلى مكة فيحج فيصيب المال في تجارته أو يضع تكون حجته تامة أو ناقصة، أو لا تكون حتى يذهب إلى الحج و لا ينوي غيره أو يكون ينويهما جميعا أ يقضي ذلك حجته؟

قال: نعم حجته تامة»

فظهر لك من ذلك كله أنه لا تنافي بين وقوع حجة الإسلام

____________

(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب وجوب الحج الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب وجوب الحج الحديث 5.

271

و وجوب قطع المسافة عليه بالإجارة مثلا في الفرض، و انه غير مانع من صدق اسم الاستطاعة، ضرورة عدم منافاة وجوب القطع المزبور لها بعد ما عرفت من إمكان الجمع بينهما، كما هو واضح.

[في عدم سقوط حجة الإسلام عمن حج عن غيره]

هذا كله فيمن استطاع بالإجارة على قطع الطريق و أما لو كان عاجزا عن الحج فحج متسكعا أو حج عن غيره لم يجزه عن فرضه قطعا و إن كان قد استطاع بهذه النيابة و كان عليه الحج إن وجد الاستطاعة بعد ذلك و لو باستمرار بقائها إلى السنة القابلة لو فرض حصولها بعوض النيابة بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، مضافا إلى وضوح وجهه، و إلى

قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر آدم بن علي (1) المنجبر بما عرفت: «من حج عن إنسان و لم يكن له مال يحج به أجزأت عنه حتى يرزقه الله تعالى ما يحج به، و يجب عليه الحج»

و قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2): «لو ان رجلا موسرا أحجه رجل كانت له حجة فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج»

بناء على أن المراد من الإحجاج فيه النيابة عن رجل لا البذل، و إلى تناول ما دل على الوجوب له، و إلى غير ذلك مما لا يصلح لمعارضته ما في صحيح جميل (3) عن الصادق (عليه السلام) «في رجل ليس له مال حج عن رجل أو أحجه غيره ثم أصاب مالا هل عليه الحج؟ قال: يجزي عنهما جميعا»

خصوصا بعد احتمال عود الضمير فيه إلى المنوب عنهما فيمن حج عنه تبرعا و من أحجه غيره بقرينة تثنية الضمير في الجواب، و يكون حينئذ غرض السائل السؤال عن إجزاء حج الصرورة نيابة و احتمال عود الضمير إلى النائب و المنوب على معنى الاجزاء عن النائب فيما عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب وجوب الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب وجوب الحج الحديث 6.

272

من النيابة، كقوله (عليه السلام) أيضا في صحيح معاوية بن عمار (1): «حج الصرورة يجزي عنه و عمن حج عنه»

و أما حسنه (2) سأله (عليه السلام) «عن رجل حج عن غيره يجزيه عن حجة الإسلام قال: نعم»

فيحتمل الاجزاء عن المنوب عنه، و كون المراد الحج المندوب في حالة الإعسار دون حال اليسار، و غير ذلك، و كذا

خبر عمرو ابن الياس (3) قال: «حج بي أبي و أنا صرورة فقلت لأبي: إني أجعل حجتي عن أمي فقال: كيف يكون هذا و أنت صرورة و أمك صرورة، قال: فدخل أبي على أبي عبد الله (عليه السلام) و أنا معه فقال: أصلحك الله اني حججت بابني هذا و هو صرورة و ماتت امه و هي صرورة فزعم انه يجعل حجته عن امه فقال: أحسن هي عن امه أفضل، و هي له حجة»

على انه معارض ب

صحيح ابن مهزيار (4) قال:

«كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) ان ابني معي و قد أمرته ان يحج عن أمي يجزي عنها حجة الإسلام؟ فكتب لا و كان ابنه صرورة و كانت امه صرورة»

و لا وجه للجمع بينهما إلا ما قلناه من كون المراد بحج الإسلام في الأول المندوب، و في الثاني الواجب، و إن أبيت فلا بد من الطرح في مقابلة ما عرفت، كما اعترف به في المدارك مع اختلال طريقته و ما هو إلا لأن المسألة من القطعيات التي لا يقبل

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

(3) ذكر ذيله في الوسائل في الباب- 21- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3 و تمامه في التهذيب ج 5 ص 8 الرقم 21.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 4 عن علي بن مهزيار عن بكر بن صالح و هو الصحيح كما في الاستبصار ج 2 ص 321 و التهذيب ج 5 ص 412.

273

فيها أمثال ذلك، فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين كصاحب الذخيرة في الحكم بعد ذلك لهذه النصوص التي لا دلالة معتدا بها في شيء منها إلا صحيح جميل الذي قد عرفت الحال فيه، بل قيل: إنه باعتبار عدم انطباق الجواب فيه إلا عن أول الأمرين في السؤال- مع أن إصابة المال قد ذكرت بعد الثاني- مضطرب و مظنة لعدم الضبط في حكاية الجواب، فيشكل حينئذ لذلك فضلا عن غيره الالتفات إليه في مثل هذا الحكم المخالف للأصل و الفتاوى و غيرها، كما هو واضح

[الشرط الرابع أن يكون له ما يمون به عياله حتى يرجع]

الشرط الرابع أن يكون له ما يمون به عياله حتى يرجع فاضلا عما يحتاج اليه، فلو قصر ماله عن ذلك لم يجب عليه الحج بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من بعضهم الإجماع عليه، للأصل و عدم تحقق الاستطاعة بدونه. خصوصا بعد أن اعتبر الشارع فيها ما هو أسهل منه، ضرورة وجوب الإنفاق عليه، فهو حينئذ سابق على وجوب الحج، فلا استطاعة مع عدمه. و ل

خبر أبي الربيع الشامي (1) الذي رواه المشايخ الثلاثة «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ»- إلى آخره- فقال: ما يقول الناس؟ قال:

فقيل: الزاد و الراحلة، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان لمن كان له زاد و راحلة قدر ما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذا، فقيل له:

فما السبيل؟ فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض و يبقى بعضا يقوت به عياله أ ليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم» بل رواه المفيد في المقنعة أيضا إلا انه زاد بعد قوله: و يستغنون به عن الناس «يجب عليه أن يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا»

ثم ذكر تمام

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

274

الحديث، و قال فيه: «يقوت به نفسه و عياله»

و خبر الأعمش (1) المروي عن الخصال بسنده اليه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين، قال: «و حج البيت واجب على من استطاع اليه سبيلا، و هو الزاد و الراحلة مع صحة البدن، و أن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله و ما يرجع اليه بعد حجه»

بل عن

الطبرسي في مجمع البيان (2) أنه قال في قوله «وَ لِلّٰهِ» إلى آخره المروي عن أئمتنا (عليهم السلام): «إنه الزاد و الراحلة و نفقة من يلزمه نفقته، و الرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة مع صحة في النفس و تخلية الدرب من الموانع و إمكان المسير»

المؤيد ذلك كله ب

خبر عبد الرحيم القصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «سأله حفص الأعور و أنا أسمع عن قول الله عز و جل «وَ لِلّٰهِ»- إلى آخره- فقال: ذلك القوة في المال و اليسار، قال: فان كانوا موسرين فهم ممن يستطيع قال: نعم»

إلى غير ذلك.

لكن في المنتهى و المدارك «أن المراد من وجبت نفقته عليه من العيال و بالمئونة ما يتناول الكسوة و غيرها حيث يحتاجون إليها، أما من يستحب فلا، لأن الحج فرض، فلا يسقط بالنفل» قلت: قد يشكل ذلك بظهور النص فيمن يعول به عرفا، و ليس هو من معارضة المستحب للواجب، بل من توقف حصول الخطاب بالواجب عليه، و فرق واضح بين المقامين، بل الظاهر استثناء ما يحتاج اليه من مئونة أضيافه و مصانعاته و غيرها من مؤنة له، ضرورة كون المراد بالاستطاعة على ما يظهر من هذه النصوص و ما تقدم في المسكن و الخادم و نحوهما وجدان ما يزيد على ما يحتاجه من أمثال ذلك اللازمة له أولا و بالذات أو ثانيا

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

275

و بالعرض، كالحفظ لعرضه و دفع النقص عنه أو ظلم الجائر أو نحو ذلك، و هو الذي رمز إليه

الإمام (عليه السلام) بقوله: «اليسار في المال»

بل قد يندرج التكليف بالحج مع عدم ملاحظة ذلك في الحرج و الضرر و العسر المنفية عقلا و آية و رواية، فهي حينئذ الدليل له كنظائره مما تقدم سابقا في استثناء المسكن و الخادم و نحوهما فلاحظ و تأمل جيدا.

و كيف كان فالحج من الواجبات التي يعتبر فيها المباشرة التي هي الأصل في كل العبادات المطلوب فيها الخضوع و إظهار العبودية و حينئذ فالمستطيع لو حج عنه غيره م من يطيق الحج لم يسقط عنه فرضه، سواء كان النائب واجدا للزاد و الراحلة أو فاقدهما و كذا لو تكلف الحج مع عدم الاستطاعة بلا خلاف أجده بيننا، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه و على عدم الاجزاء لو حج بنفسه غير مستطيع أو أحج نائبا عنه ثم استطاع كما تقدم، لعدم إجزاء المندوب عن الواجب، و لأنه مع قصد الاجتزاء به عنه كالصلاة قبل الوقت و الزكاة قبل الوجوب، إذ الأصل عدم إجزاء المندوب و المتبرع به قبل الوجوب عن الواجب، كأصالة عدم إجزاء فعل الغير عما اعتبر فيه المباشرة المتمكن منها، فما عن العامة من الاجتزاء بتقديم الحج قبل الاستطاعة واضح الفساد، و لا يخفى عليك ما في عبارة المتن من عدم حسن التأدية، و لعلها هي بالبناء للمجهول من دون اتصال الضمير بحرف الجر، بل المجرور فيها به «من» و اشتبه النساخ فيها و الأمر سهل بعد وضوح المطلوب.

و على كل حال ف لا يجب على الولد بذل ماله لوالده في الحج و لا يجوز للوالد فضلا عن أن يجب عليه أخذ ما يستطيع به من مال ولده الصغير و لا يجب عليه الالتهاب من الكبير على الأشهر بل المشهور، للأصل و قول

276

أبي جعفر (عليه السلام) في خبر الثمالي (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للرجل: أنت و مالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): و ما أحب له أن يأخذ من مال ابنه إلا ما يحتاج اليه مما لا بد منه، ان الله عز و جل لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ»

و خبر الحسين بن أبي العلاء أو حسنه (2) على ما رواه في معاني الأخبار سأل الصادق (عليه السلام) «ما يحل للرجل من مال ولده قال: قوته بغير سرف إذا اضطر اليه، قال: فقلت له: فقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال: أنت و مالك لأبيك، فقال:

انما جاء بأبيه إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله هذا أبي قد ظلمني ميراثي من أمي فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه و على نفسه فقال: أنت و مالك لأبيك، و لم يكن عند الرجل شيء، أ فكان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحبس الأب للابن»

و خبر علي بن جعفر (3) سأل أخاه (عليه السلام) «الرجل يأكل من مال ولده قال: لا إلا أن يضطر إليه، فليأكل منه بالمعروف»

و خبر ابن سنان (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ماذا يحل للوالد من مال ولده؟ فقال: أما إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئا، فإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها إلا ان يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه، قال: و يعلن ذلك، قال:

و سأله عن الوالد يرزأ- أي يصيب- من مال ولده قال: نعم، و لا يرزأ الولد من مال والده شيئا إلا بإذنه، فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية فأحب أن يعتقها فليقومها على نفسه قيمة ثم يصنع بها ما شاء، إن شاء وطأ و إن شاء باع»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على عدم الجواز إلا مع الحاجة.

خلافا للمحكي عن النهاية و الخلاف و التهذيب و المهذب، إلا ان في الأولين

____________

(1) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به الحديث 2 من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به الحديث 9 من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به الحديث 6 من كتاب التجارة.

(4) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به الحديث 3 من كتاب التجارة.

277

النص على الوجوب، و في الأخير على الجواز، و أجمل في التهذيب انه يأخذ من مال الولد، و في محكي المبسوط روى أصحابنا انه إذا كان له ولد و له مال وجب عليه أن يأخذ من ماله ما يحج به، و يجب عليه إعطاؤه، و كأنه أشار بذلك الى

صحيح سعيد بن يسار (1) سأل الصادق (عليه السلام) «الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير قال: نعم يحج منه حجة الإسلام قال: و ينفق منه قال: نعم، ثم قال:

إن مال الولد لوالده، إن رجلا اختصم هو و والده إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقضى أن المال و الولد للوالد»

و في محكي الخلاف «روى الأصحاب إذا كان له ولد و له مال وجب عليه أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به، و يجب عليه إعطاؤه، و خالف جميع الفقهاء في ذلك، دليلنا الأخبار المروية في هذا المعنى من جهة الخاصة و قد ذكرناها في الكتاب الكبير، و ليس فيها ما يخالفها، فدل على إجماعهم على ذلك» قلت: لم نعرف من وافقه على ذلك غير المفيد، كما انك عرفت ما يخالف الرواية المزبورة القاصرة بالاعراض و غيره عن إثبات مثل هذا الحكم، و إن أمكن تأييدها بما دل على جواز أكل الأب من مال ولده، و بما في صحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) في كتاب علي (عليه السلام) «ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه، و الوالد له أن يأخذ من مال ابنه ما شاء، و له ان يقع على جارية ابنه إن لم يكن الابن وقع عليها، و ذكر أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك»

و خبر الحسين بن علوان (3) عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 1 من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 67- من كتاب العتق- الحديث 1.

278

السلام) قال: «أتى النبي (صلى الله عليه و آله) رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضر بي، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أنت و مالك من هبة الله تعالى لأبيك أنت سهم من كنانته، يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً، وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ،. وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشٰاءُ عَقِيماً، جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك و بدنك، و ليس لك أن تتناول من ماله و لا من بدنه شيئا إلا باذنه»

و خبر محمد ابن سنان (1) عن الرضا (عليه السلام) المروي عن العيون و العلل انه كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله «و علة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه و ليس ذلك للولد لأن الولد موهوب للوالد في قول الله عز و جل (2) يَهَبُ لِمَنْ»

إلى آخره مع انه المأخوذ بمئونته صغيرا أو كبيرا، و المدعو له لقوله عز و جل (3) «ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ» و ل

قول النبي (صلى الله عليه و آله): «أنت و مالك لأبيك»

و ليس للوالدة مثل ذلك، و لا تأخذ شيئا من ماله إلا بإذنه أو إذن الأب، لأن الوالد مأخوذ بنفقة الولد، و لا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها»

و خبر علي بن جعفر (4) سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يكون لولده الجارية أ يطأها؟ قال: إن أحب، و إن كان لولده مال و أحب أن يأخذ منه فليأخذ، و إن كانت الأم حية فلا أحب أن تأخذ منه شيئا إلا قرضا».

إلا ان العمدة هي، إذ هذه النصوص و إن دلت على جواز تناول الأب لكن يمكن أن يكون ذلك مع الحاجة إليه، كما دل عليه ما تقدم، بل هو المتجه

____________

(1) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 10 من كتاب التجارة.

(2) سورة الشورى- الآية 48.

(3) سورة الأحزاب- الآية 5.

(4) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 11 من كتاب التجارة.

279

جميعا بين الأدلة، على أنه لو سلم الجواز مطلقا فوجوب الحج بذلك محل نظر أو منع يعرف مما قدمنا في الوجوب على من أبيح له المال على جهة الإطلاق، و من هنا لم يذكروا في المقام إلا خبر سعيد المزبور، بل في كشف اللثام كان الشيخ في الخلاف أراد بالأخبار المروية في التهذيب خبر سعيد وحده، لأنه رواه فيه بطرق ثلاثة، في الحج بطريقين: أحدهما طريق موسى بن القسم، و الآخر طريق أحمد ابن محمد بن عيسى، و في المكاسب بطريق ثالث هو طريق الحسين بن سعيد، قلت: و بهذا الاعتبار حينئذ أطلق عليه الأخبار، أو انه يريد ما ذكرناه من النصوص، لكنك قد عرفت ما في الاستناد إليها، بل الصحيح المزبور محتمل للاقتراض كما عن الاستبصار واجبا أو مستحبا كما عن التحرير و التذكرة إذا كان مستطيعا بغيره، و لمساواة نفقته في الحج لها في غيره مع وجوب نفقته على الولد كما في كشف اللثام، و إن كان قد يناقش في وجوب الحج عليه بذلك، و حينئذ فقصور الصحيح المزبور عن إثبات ذلك واضح، فوسوسة الفاضل الخراساني كما قيل في الحكم المزبور لذلك في غير محلها، خصوصا بعد ما في الحدائق من احتمال النصوص السابقة الحمل على التقية، كما يشعر به مزيد التأكيد في خبر الحسين بن علوان الذي جميع رجاله من العامة، على أن العمدة فيها النبوي الذي قد ذكر حاله في خبر ابن أبي العلاء (1) بل و صحيح الثمالي (2) الذي قد ذكر فيه أولا ثم قال: ما يقتضي خلافه مؤميا بذلك إلى عدم صحته، فلاحظ و تأمل، و الله العالم

[الشرط الخامس إمكان المسير]

الشرط الخامس إمكان المسير بلا خلاف أجده فيه، بل في محكي المعتبر و المنتهى اتفاقنا عليه، و هو الحجة، مضافا إلى عدم تحقق الاستطاعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 9 من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

280

بدونه، و إلى نفي الحرج و العسر و الضرر و الضرار، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ذريح (1): «من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا» و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار (2) في قوله «وَ لِلّٰهِ»- إلى آخره- «هذه لمن كان عنده مال و صحة»

كقوله (عليه السلام) في صحيح هشام بن الحكم (3): «إن كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة»

و غير ذلك مما يدل على اعتبار ذلك و لو بالنسبة إلى بعض أفراده، إذ هو يشتمل على اعتبار الصحة و تخلية السرب بفتح السين المهملة و قد تكسر و إسكان الراء الطريق و الاستمساك على الراحلة و سعة الوقت لقطع المسافة و غير ذلك مما يتوقف الإمكان عليه كله فلو كان مريضا بحيث يتضرر بالركوب الذي يتوقف عليه الحج و لو بالمشقة التي لا تتحمل، أو صحيحا يتضرر به كذلك لكبر أو زيادة ضعف أو نحو ذلك لم يجب الحج لما عرفت بلا خلاف أجده فيه، بل عن المنتهى كأنه إجماعي، بل عن المعتبر اتفاق العلماء عليه، نعم لو كان المرض يسيرا لا يشق معه الركوب و لا يضره لم يسقط الحج قطعا، لإطلاق الأدلة السالم عن معارضة ما دل بإطلاقه على اعتبار الصحة في الاستطاعة بعد انصرافه إلى الأول، خصوصا بملاحظة الوصف في صحيح ذريح، و من هنا قال المصنف كغيره:

و لا يسقط الحج باعتبار المرض مع إمكان الركوب بل لا أجد

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب وجوب الحج- الحديث 7.

281

فيه خلافا بينهم، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، و كذا لو تمكن من المشي وجب عليه و إن تضرر بالركوب ما لم يشق عليه مشقة لا تتحمل دون المشقة اليسيرة التي لا ينفك عنها السفر غالبا، و الدواء في حق غير المتضرر مع الحاجة إليه كالزاد، و الطبيب المحتاج الى استصحابه كالخادم، و ليس الأعمى من المريض عرفا، فيجب عليه الحج عندنا، لعموم الأدلة حتى نصوص الصحة التي لا ريب في تناولها له و للأعرج و الأصم و الأخرس و نحوهم، خلافا لأبي حنيفة فلم يوجبه على الأعمى، نعم لو افتقر إلى قائد و تعذر لفقده أو فقد مئونته سقط، و كذلك السفيه سفها موجبا للحجر عليه ليس مريضا، فيجب عليه الحج و إن وجب على الولي إرسال حافظ معه عن التبذير إلا أن يأمنه عليه إلى الإياب أو لا يجد حافظا متبرعا، و يعلم أن أجرته و مئونته تزيد على ما يبذره، و النفقة الزائدة للسفر إلى الإياب في مال المبذر، و أجرة الحافظ جزء من الاستطاعة إن لم يجد متبرعا، كما هو واضح.

و لو منعه عدو عن المسير أو كان معضوبا لضعف أو زمانة لا يستمسك على الراحلة أو عدم المرافق مع اضطراره اليه سقط الفرض بلا خلاف و لا إشكال فيه في الجملة، و لو عجز عن الاستمساك على القتب مثلا و أمكنه الاستمساك في المحمل و تمكن منه وجب، كما هو واضح، و يأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى و انما الكلام الآن في أنه هل تجب الاستنابة مع عروض المانع من مرض أو ضعف و هرم و عدو قبل الاستقرار قيل و القائل الإسكافي و الشيخ و أبو الصلاح و ابن البراج و الحسن في ظاهره و الفاضل في التحرير نعم و مال إليه في المنتهى، بل لعله ظاهر قول المصنف هنا و هو المروي مشيرا بذلك إلى

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح

282

الحلبي أو حسنه (1): «و إن كان مؤسرا حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره الله تعالى فيه فان عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له»

و إلى مضمر ابن حمزة (2) الذي هو نحو ذلك، و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (3): «لو أن رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه»

و صحيح ابن سنان (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر شيخا كبيرا لم يحج قط و لم يطق الحج لكبره أن يجهز رجلا يحج عنه»

و هو الحجة بعد الإجماع المحكي في الخلاف عليه، مضافا إلى معلومية قبوله للنيابة، فتجوز حينئذ، و إذا جازت وجبت هنا للدخول في الاستطاعة الموجبة للحج، إذ ليس في الآية إلا أن على المستطيع الحج، و هو أعم من الحج بنفسه و غيره.

إلا ان الأخير كما ترى، و الإجماع المحكي موهون بمصير ابني إدريس و سعيد و المفيد في ظاهره و الفاضل في القواعد و المختلف و غيرهم إلى خلافه، و هو الذي أشار إليه المصنف بقوله و قيل: لا يجب، و النصوص المزبورة محمولة على من استقر في ذمته الحج ثم عرض المانع الذي لم يرج زواله، فإن الاستنابة حينئذ واجبة قولا واحدا كما في الروضة و عن المسالك، أو على الندب بقرينة

خبر عبد الله ابن ميمون القداح (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) قال لرجل كبير لم يحج قط: إن شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك»

و خبر أبي سلمة

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 7 مضمر ابن أبي حمزة كما يأتي الإشارة إليه في ص 287.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 8 عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) و هو سهو فان الموجود في الكافي ج 4 ص 272 كالجواهر.

283

عن أبي حفص (1) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) «ان رجلا أتى عليا (عليه السلام) و لم يحج قط فقال: إني كنت كثير المال قد فطرت في الحج حتى كبر سني قال:

فتستطيع الحج قال: لا، فقال علي (عليه السلام): إن شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك»

و لا ينافي ذلك ما فيه من لفظ التفريط المقتضي بظاهره الاستقرار، لوجوب حمله على إرادة التفريط من حيث القدرة المالية على معنى الاستطاعة بها منذ سنين مع ترك الحج بنفسي و بغيري، ضرورة عدم انطباق الجواب الظاهر في التخيير إلا على ذلك، و دعوى إرادة الوجوب من هذا التخيير مع أنها تقتضي إخراج الخبر المزبور حينئذ عما نحن فيه كما ترى، فما في الحدائق من تعارف التعبير عن الوجوب بذلك حتى استدل بهذا الخبر و سابقه على الوجوب لا يصغى اليه و في محكي المقنعة عن

الفضل بن عباس (2) قال: «أتت امرأة من خثعم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالت: إن أبي أدركته فريضة الحج و هو شيخ كبير لا يستطيع أن يلبث على دابة فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله): فحجي عن أبيك» ضرورة منافاة أمر الغير كالتخيير الوجوب، على أن المروي في كشف اللثام أن متن الأخير بعد قوله: «دابة» «فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال: نعم، فقالت: هل ينفعني ذلك؟ قال: نعم كما لو كان على أبيك دين فقضيته عنه نفعه»

و هو مع ذلك غير ظاهر في حياة الوالد، على أن الصحيحين (3) الأولين قد

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3 عن سلمة أبي حفص عن أبي عبد الله (عليه السلام) ان رجلا. إلخ. و ما في الجواهر و الوسائل كلاهما سهو فان في التهذيب عن سلمة أبي حفص عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) ان رجلا. إلخ.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2 و 5.

284

اشتملا على منع المرض الذي هو أعم من مرجو الزوال و عدمه، بل لعل الظاهر منه الأول، و قد صرح غير واحد بأن الوجوب على تقدير القول به انما هو فيما لم يرج زواله، أما ما يرجى زواله فلا تجب الاستنابة فيه، بل عن المنتهى الإجماع عليه، و ربما يشهد له التتبع، بل في المدارك «لو حصل له اليأس بعد الاستنابة وجب عليه الإعادة، لأن ما فعله أولا لم يكن واجبا فلا يجزي عن الواجب، و لو اتفق موته قبل حصول اليأس لم يجب القضاء عنه، لعدم حصول شرطه الذي هو استقرار الحج أو اليأس من البرء» و هذا جميعه صريح في عدم الوجوب قبله.

نعم قد يظهر من الدروس الوجوب مطلقا، فإنه قال: «الأقرب ان وجوب الاستنابة فوري إن يئس من البرء، و إلا استحب الفور» و اختاره في الحدائق تمسكا بظاهر الأخبار المزبورة التي كما لم يفرق فيها بين المأيوس منه و غيره في الوجوب و عدمه لم يفرق فيها بينهما في الفورية و عدمها، على ان سيد المدارك قد جزم بظهورها في المأيوس، و قال: إنه لو وجبت الاستنابة مع المرض مطلقا لم يتحقق اعتبار التمكن من المسير في حق أحد من المكلفين، إلا أن يقال باعتبار ذلك في الوجوب البدني خاصة، و إن كان هو كما ترى، و من ذلك يظهر لك قوة القول بالندب، بل الصحيح (1) الأول الذي هو العمدة لهم ظاهر فيه، لمعلومية الإحجاج في مثل هذا الشخص بدل تركه الحج لا أنه نائب عنه، مضافا إلى ما عدم وجوب استنابة الصرورة الذي لا مال له، بل الذي يقوى كون المراد الإحجاج في مثل هذا الشخص بدل تركه الحج لا أنه نائب عنه، مضافا إلى ما عن غير واحد منهم كالشيخين و الحلبي و القاضي و ابن سعيد و الفاضل في التحرير و أبي علي في ظاهره على ما قيل- بل عن ظاهر التذكرة أنه لا خلاف فيه بين علمائنا- من التصريح بالوجوب عليه بعد ذلك مع بقاء الاستطاعة لو بريء من غير

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

285

فرق بين أن يكون الحج عنه مع رجاء الزوال و عدمه، و ما ذاك إلا للأمر الأول الذي لم يقم مقامه الأمر الثاني، لعدم وجوبه، و إلا لاقتضى الاجزاء كما هو مقرر في الأصول، إلا أن يكون هناك دليل على خلافه، فيرجع البحث حينئذ إلى أن الحج يجب بالبدن و المال، فان تعذر الأول وجب في المال خاصة، فإن تمكن منه بعد ذلك ببدنه وجب، لعدم إسقاط الواجب في المال الواجب في البدن لكن لم نعرف ما يدل على ذلك، بل هي دعوى مجردة عن الدليل، بل الدليل يقضي بخلافها، و جميع ذلك شاهد عند التأمل على الندب الذي قد اعترفوا به في غير المأيوس، و أنكر الدليل عليه في الحدائق، و قال: «ليس إلا هذه النصوص الظاهرة في الوجوب مطلقا» قلت: يمكن أن يكون دليله ما دل (1) على استحباب النيابة في الحج للصحيح و المريض و غيرهما، و لا إشكال من هذه الجهة بناء على ما قلناه من الاستحباب مطلقا، فيكون متأكدا في خصوص موضوع المسألة.

لكن و مع ذلك كله فالاحتياط لا ينبغي تركه، و عليه لو لم يجد الممنوع مالا لم يجب عليه الاستنابة قطعا، و لو بذل له لم يجب عليه قبوله، للأصل السالم عن المعارض بعد حرمة القياس على الصحيح، و كذا لو وجد المال و لم يجد من يستأجره، فإنه يسقط فرضه إلى العام المقبل، و لو وجد من يستأجره بأكثر من أجرة المثل وجب مع المكنة على الأقوى، و لا يلحق بحج الإسلام في وجوب النيابة حج النذر و الإفساد، للأصل السالم عن المعارض، خلافا للدروس فجعلهما كحج الإسلام في ذلك، بل أقوى، و هو مشكل، و عليه فلو اجتمع على الممنوع حجتان جاز له استنابة اثنين في عام واحد، لعدم الترتيب بينهما كما في قضاء الصوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب النيابة في الحج.

286

و لو زال عذر الممنوع قبل التلبس بالإحرام انفسخت النيابة فيما قطع به الأصحاب على ما في المدارك، و لو كان بعد الإحرام احتمل الإتمام و التحلل، و على الأول فإن استمر الشفاء حج ثانيا، و إن عاد المرض قبل التمكن فيحتمل الاجزاء، بل في المدارك أنه الأقرب، هذا.

و قد ظهر لك مما قدمناه أنه إن أحج نائبا عنه و استمر المانع فلا قضاء عنه بعد موته قطعا و إن زال المانع و تمكن وجب عليه ببدنه عندهم كما عرفت، لإطلاق ما دل على وجوبه و حينئذ ف لو مات بعد الاستقرار و لم يؤد قضي عنه كغيره ممن هو كذلك، لكن قد عرفت الإشكال في الوجوب عليه بناء على وجوب النيابة، و من هنا حكى في المدارك عن بعض الأصحاب احتمال عدم الوجوب كما لو لم يبرأ، للأصل، و لأنه أدى حج الإسلام بأمر الشارع، فلم يلزمه حج ثاني كما لو حج بنفسه، بل في المدارك ان هذا الاحتمال غير بعيد، إلا ان الأول أقرب، و تبعه عليه في الحدائق و قد عرفت ان التحقيق استحباب النيابة، فيتجه حينئذ الوجوب عليه بعد زوال المانع و بقاء الاستطاعة، و الله العالم.

و لو كان لا يستمسك خلقة قيل سقط الفرض عن نفسه و عن ماله و قيل: يلزمه الاستنابة و اختاره في المدارك و الحدائق و الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، أما على المختار من الندب في العارضي فضلا عنه فواضح، و أما على الوجوب فيه فالمتجه الاقتصار على المنساق من النصوص المزبورة المخالفة للأصل، بل صحيح ابن مسلم (1) منها كالصريح في ذلك، و خبر ابن عباس (2) ظاهر في عدم الاستقرار، بل و عدم الوجوب، بل غير

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

287

ظاهر في حياة الوالد كما عرفت، و دعوى ظهور صحيح الحلبي (1) و خبر ابن أبي حمزة (2) في العموم و كذا صحيح ابن سنان (3) ممنوعة، كدعوى ان القول بعدم الوجوب فيه إحداث قول ثالث، على ان التحقيق عدم البأس في إحداثه إذا لم ينعقد إجماع على خلافه كما حرر في محله، فلا ريب في أن الأشبه الأقوى ما ذكره المصنف و إن كان الأحوط الثاني.

و لو احتاج في سفره إلى حركة عنيفة للالتحاق بالحج لضيق الوقت مثلا أو الفرار من العدو فضعف عنها لمرض أو خلقة أو شقت عليه مشقة لا تتحمل سقط عنه الوجوب في عامه، و توقع المكنة في المستقبل فان حصلت و هو مستطيع حج و لو مات قبل التمكن و الحال هذه لم يقض عنه و الظاهر وجوب الاستنابة عند القائل بها مع انحصار الطريق بحركة عنيفة لا يستطيعها خلقة أو لعارض أيس من برئه، لشمول الأدلة السابقة له.

و على كل حال فلو تكلف هذا و شبهه الحج لم يجز عن حجة الإسلام على الظاهر من إطلاق الأصحاب ذلك، و كذا المريض و الممنوع بالعدو، لعدم تحقق الاستطاعة التي هي شرط الوجوب، فكان كما لو تكلفه الفقير، و به صرح الفاضل في المحكي من تذكرته و غيره، لكن في الدروس- بعد أن ذكر الشرائط و إطلاق الأصحاب عدم الاجزاء لو حج فاقدها- قال: «و عندي لو تكلف المريض المعضوب و الممنوع بالعدو و يضيق الوقت أجزأ، لأن ذلك من باب تحصيل الشرط، فإنه لا يجب، و لو حصله وجب و أجزأ، نعم لو أدى ذلك إلى إضرار بالنفس يحرم إنزاله و قارن بعض المناسك احتمل عدم الاجزاء» و في

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج الحديث 6.

288

كشف اللثام كما في الدروس، و كأنه يشير بذلك إلى أن هذه الشروط تنقسم إلى ما ليس فيه اختيار للعبد كالبلوغ و العقل و الحرية، و هذه لا يمكن تحصيلها و لا يتصور إجزاء الحج بدونها، و إلى ما ليس كذلك كالشرائط الباقية، و هي خمسة، و قد تقدم أن الزاد و الراحلة منها لا يجب تحصيله، و لو حصله وجب الحج و أجزأ، و لا يكفي التسكع عنه، لعدم حصول شرط الوجوب، و في حكم الزاد و الراحلة مئونة عياله، و أما الثلاثة الباقية و هي الصحة من المرض و تخلية السرب من العدو و التمكن من المسير و يعبر عن الثلاثة بإمكان المسير فإطلاق الأصحاب عدم الاجزاء لمن حج غير مستكمل للشرائط يدخل فيه الشرط المزبور، لكن فيه نظر أو منع إذا كان لا يؤدي إلى ارتكاب منهي عنه مضاد للمأمور به، فإنه حينئذ يكون في معنى الزاد و الراحلة يتوقف الوجوب عليهما، و لا يجب تحصيلهما، و لو حصلهما وجب الحج، و اليه أشار بقوله: «لأنه من باب تحصيل الشرط» أي ليس عدم هذه الثلاثة مانعا من صحة الحج إذا تكلفها، فيحمل كلام الأصحاب على أحد أمرين، إما على انه لا يجب تحصيل هذه الشرائط، و إما على ما يؤدي تحصيلها إلى ارتكاب منهي عنه مضاد للمأمور به، و اليه أشار بقوله: «و قارن بعض المناسك» كما لو كان في أثناء الإحرام تحمل المرض أو دافع العدو مع غلبة العطب فان ذلك يرجع إلى قاعدة اجتماع الأمر و النهي، أما مع عدم هذين الأمرين فالاجزاء متحقق مع تكلف تلك المشاق التي لا يجب تكلفها، بل ظاهر قوله: «احتمل عدم الاجزاء» احتمال الإجزاء أيضا، و لعله لأن النهي هنا عن وصف خارج عن المنسك، فلم يتحد متعلق الأمر و النهي، بل ربما قيل: إن في ذلك قوة، و لذلك جعل عدم الاجزاء احتمالا و إن اختاره في كشف اللثام، و جعل الاجزاء احتمالا ضعيفا، و في المدارك بعد أن حكى عن الدروس ما سمعت قال:

289

«و في الفرق نظر، و المتجه أنه إن حصلت الاستطاعة الشرعية قبل التلبس بالإحرام ثبت الوجوب و الاجزاء، لما بيناه من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد و إن حصل التلبس قبل تحقق الاستطاعة انتفى الأمران معا، سواء كان عدم تحقق الاستطاعة بعدم القدرة على تحصيل الزاد و الراحلة، أو بالمرض المقتضي لسقوط الحج، أو لخوف الطريق، أو غير ذلك، لأن ما فعله لم يكن واجبا، فلا يجزي عن الواجب، كما لا يجزي فعل الواجب الموقت قبل دخول وقته» و في الحدائق «أن مرجع ذلك إلى ما اختاره الشهيد، لأنه متى كان الاعتبار بالاستطاعة من الميقات فلو تحمل المشقة و ارتكب الخطر الذي لم يكلف به بل نهي عنه حتى وصل إلى الميقات وجب عليه الحج و أجزأ، و هو خلاف كلام الأصحاب كما صرح به في التذكرة، و هو ظاهر غيره، لما صرحوا به في الزاد و الراحلة، و ما ذكره من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد فإنما هو في صورة ما لو اتفق له الوصول إلى الميقات بأي نحو كان، فإنه لا يشترط في حقه ملك الزاد و الراحلة في بلده كما ذكره الأصحاب، لا بمعنى أن من كان بعيدا لا يمكنه المسير إلا بهذه الشرائط المذكورة فإن استطاعته انما تحصل باعتبار الميقات، فإنه باطل قطعا، بل الاستطاعة في هذه الصورة مشروطة من البلد، فان استطاع بحصول هذه الشروط الخمسة المعدودة وجب عليه الحج و المسير، و إلا فلا، نعم يحصل الشك هنا في أن المتكلف للحج بالمشقة الموضوعة عنه في عدم إمكان المسير هل هو من قبيل المتسكع الذي لم يملك زادا و لا راحلة فلا يجزي عنه كما هو المفهوم من كلام الأصحاب، أو من قبيل تكلف تحصيل الزاد و الراحلة و إن لم يجب عليه تحصيلهما، فحجه يكون صحيحا مجزيا عن حجة الإسلام كما هو ظاهر شيخنا الشهيد؟ إشكال» قلت: الإشكال في محله، و لا يقال إنه بذلك ينكشف كونه مستطيعا و إن لم يكن عالما بذلك، لأنا نقول أولا لا يتم فيمن وقع فيما خاف منه من جرح أو

290

نهب مال أو نيل عرض أو نحو ذلك، و ثانيا أنه ينكشف بذلك سلامته لا استطاعته، و فرق واضح بين المقامين، ضرورة توقف صدق الأولى على إحراز السلامة بالطريق المعتد به شرعا، و لا يكفي فيها عرفا حصول السلامة في الواقع نعم قد يقال بحصول وصف الاستطاعة له لو تكلف المشاق المزبورة ثم ارتفع المانع على وجه كان يتمكن معه من المسير بعد ارتفاعه، و لعله إلى ذلك لمح سيد المدارك فيما ذكره من التفصيل لا ما سمعته من المحدث البحراني الذي لا يرجع إلى حاصل عند التأمل، و الله العالم.

و كيف كان فلا ريب في أنه يسقط فرض الحج لعدم ما يضطر اليه من الآلات كالقرب و أوعية الزاد و غيرها مما يحتاج إليه، ضرورة عدم صدق الاستطاعة بدونه، كما انه لا ريب في وجوب شراء ذلك كله أو استيجاره بالعوض المقدور و إن زاد عن أجرة المثل على حسب ما عرفته سابقا، و لو تعددت الطرق تخيير مع التساوي في الأمن و إدراك النسك و اتساع النفقة، و إلا تعين المختص بذلك، و في كشف اللثام إلا أن يختص الخوف بالمال، و خصوصا غير المجحف، و ستعرف وجهه مما يأتي.

و على كل حال ف لو كان له طريقان فمنع من أحدهما سلك الآخر سواء كان أبعد أو أقرب مع فرض سعة النفقة و الوقت للأبعد، أما لو قصرت أو قصر الوقت عنه سقط الحج إذا انحصر الطريق فيه، كما هو واضح، خلافا للشافعية فلم يوجبوا سلوك الأبعد مطلقا، و هو واضح الفساد، كوضوح فساد ما عن احمد من استقرار الوجوب على واجد الزاد و الراحلة و إن لم يأمن بمعنى وجوب الحج عنه لو مات، و وجوبه عليه متسكعا لو افتقر ثم أمن، لا أنه يجب عليه الحج بنفسه و هو غير آمن، إذ لا يخفى عليك ما فيه من المخالفة للكتاب و السنة و الإجماع، ضرورة توافقها جميعا على اعتبار تخلية السرب في الاستطاعة

291

المعلوم اشتراط وجوب الحج بها، فيسقط الحج حينئذ مع الخوف على النفس قتلا أو جرحا من عدو أو سبع أو غيرهما، أو على البضع، أو على المال جميعه أو ما يتضرر به، للحرج و صدق عدم الاستطاعة و عدم تخلية السرب، و ظاهر الحدائق نفي الخلاف فيه، بل ظاهر التذكرة الإجماع عليه، قال في الأول: «لا خلاف نصا و فتوى في أن أمن الطريق من الخوف على النفس و البضع و المال شرط في وجوب الحج» و قال في الثاني: «لو كان في الطريق عدو يخاف منه على ماله سقط فرض الحج عند علمائنا، و به قال الشافعي و أحمد في إحدى الروايتين: لأن بذل المال تحصيل لشرط الوجوب، و هو غير واجب، فلا يجب ما يتوقف عليه، و في الرواية الأخرى أنه لا يسقط فرض الحج عنه، و يجب أن يستنيب».

قلت: قد عرفت ما في وجوب الاستنابة في المريض و نحوه، فضلا عن ذلك و نظائره ممن لم يخل له السرب، بل ربما ظهر من معقد ظاهر إجماع التذكرة و نفي الخلاف في الحدائق عدم الفرق في المال بين القليل و الكثير و المضر و غيره و إن كان هو مشكلا مع القلة و عدم الضرر، بل في كشف اللثام «لا أعرف للسقوط وجها و إن خاف على كل ما يملكه إذا لم نشترط الرجوع إلى كفاية و لم نبال بزيادة أثمان الزاد و الآلات و أجرة الراحلة و الخادم و نحوهما و لو أضعافا مضاعفة- بل قال-: و على اشتراط الرجوع إلى كفاية و عدم الزيادة على ثمن المثل و أجرة المثل أيضا نقول: إذا تحققت الاستطاعة المالية و أمن في المسير على النفس و العرض أمكن أن لا يسقط خوفه على جميع ما يملكه فضلا عن بعضه، لدخوله بالاستطاعة في العمومات، و خوف التلف غير التلف، و لم أر من نص على اشتراط الأمن على المال قبل المصنف، و غاية ما يلزمه أن يؤخذ ماله فيرجع» و فيه منع صدق اسم الاستطاعة في الفرض عرفا أو شرعا، بل لعله في بعض أحوال الفرض يكون مخاطرا على النفس بالعارض لذهاب راحلته أو زاده أو نحو ذلك

292

مما يخشى مع فقده التلف، نعم لو كان المال قليلا غير مضر و غير مجحف اتجه الوجوب حينئذ، و كان ذلك كزيادة أثمان الآلات على الأقوى.

و من ذلك يظهر لك الحال فيما لو كان في الطريق عدو لا يأخذ المال قهرا إلا أنه لا يندفع إلا بمال ضرورة أولوية عدم السقوط به من الأول، لأن الدفع فيه بصورة الاختيار بخلافه، لكن ينبغي تقييد المال بما عرفت، فما قيل كما عن الشيخ و جماعة من أنه يسقط الحج حينئذ و إن قل المال واضح الضعف، كاستدلاله بصدق عدم تخلية السرب، و بأنه من تحصيل شرط الوجوب فلا يكون واجبا، و بأنه إعانة على الظلم فلا يكون جائزا، و بأنه كأخذ المال قهرا، إذ لا يخفى عليك ما في الأخير بعد ما عرفت الحكم في المشبه به، بل و ما في سابقه، ضرورة عدم كونه إعانة عرفا، بل هو من باب تحمل الظلم لأداء الواجب و مصانعة الظالم لتحصيل الحق، فهو من مقدمات الواجب المطلق كزيادة الأثمان و نحوها، و مع فرض القدرة عليها على وجه لا ضرر فيه و لا قبح يجب، و يكون مخلى السرب كما هو واضح.

و من هنا قال المصنف و لو قيل: يجب التحمل مع المكنة كان حسنا نحو قوله في المعتبر: و الأقرب إن كان المطلوب مجحفا لم يجب، و إن كان يسيرا وجب بذله و كان كأثمان الآلات، بل عن التحرير و المنتهى أنه استحسن نحوه و مما يؤيد ذلك كله استمرار الطريقة في هذه الأزمان على وجه لم يكن فيه شك بين الأعوام و العلماء على وجوب الحج، و قلما ينفك الطريق فيها على نجد و نحوه عن ذلك و نحوه، بل لا ينفك عن بذل المال المجحف المضر، بل عن الأخذ قهرا إن لم يدفع بالاختيار، اللهم إلا أن يكون وجهه التمكن من السير على طريق لم يكن فيه ذلك، و حينئذ ينبغي اعتبار الاستطاعة على غير الطريق المزبور في كونه حج إسلام، مع أن ظاهر السيرة التي ذكرناها احتساب الحج فيه حج إسلام مع

293

الاستطاعة فيه خاصة، كما هو واضح بأدنى ملاحظة، و التحقيق ما ذكرناه من وجوب الدفع للمقدمة ما لم يعارضها ما يقتضي سقوطها من أدلة الحرج و نحوه، كما أومأنا إليه سابقا في أثمان الآلات، و من ذلك يعرف الحال فيما في كشف اللثام من أن المناسب لعدم اشتراط الرجوع إلى كفاية عدم الفرق بين المجحف و غيره إلا الإجحاف الرافع للاستطاعة، إذ لا يخفى عليك وجه الفرق بينهما كما أومأنا إليه سابقا و لاحقا، هذا كله إذا كان قبل الإحرام، و إلا كان من الصد الذي ستعرف البحث فيه إن شاء الله.

و لو بذل له أي العدو باذل فارتفع منعه وجب عليه الحج بلا خلاف و لا إشكال لزوال المانع، نعم لو قال الباذل له اقبل و ادفع أنت للعدو لم يجب القبول للأصل و المنة، و لأنه تكسب و تحصيل لشرط الوجوب، و حمله على بذل الزاد و الراحلة قياس، فما عساه يظهر من الدروس- من التوقف فيه، بل في المدارك لم يستبعد الوجوب لأن الشرط التمكن من الحج، و هو حاصل بمجرد البذل، و لشمول

قوله (عليه السلام) (1): «إن عرض عليه ما يحج به فاستحى فهو مستطيع»

- ليس في محله كما لا يخفى، فالمتجه حينئذ سقوط الحج إذا لم يكن عنده ما يريده العدو، أو قلنا بعدم وجوب الدفع له و إن استطاعة، و لو وجد مجيرا من العدو بأجرة و تمكن منها على وجه لا ضرر فيه و لا قبح وجب، لما عرفته سابقا في المال المبذول للعدو، ضرورة كونه أولى لأنها أجرة بإزاء عمل، فهي كأجرة الخادم و الجمال و الراحلة، فما في القواعد- من أن الأقرب هنا عدم الوجوب مع قوله هناك: «في السقوط نظر» و نحوه عن التذكرة- في غير محله.

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب وجوب الحج.

294

و على كل حال ف طريق البحر كطريق البر في جميع ما ذكرناه و حينئذ فإن غلب ظن السلامة على وجه لم يكن خوف معتد به عند العقلاء وجب الحج و إلا سقط إذا انحصر الطريق فيه، و لو أمكن الوصول بالبر و البحر فان تساويا في غلبة السلامة المعتد بها عند العقلاء كان مخيرا في سلوك أيهما شاء و ان اختص أحدهما و استطاعة تعين، و لو تساويا في رجحان العطب سقط الفرض كما هو واضح، لكن في المدارك «مقتضى العبارة أن طريق البحر انما يجب سلوكه مع غلبة ظن السلامة، فلا يجب مع اشتباه الحال، و لم يعتبر الشارح ذلك بل اكتفى بعدم ترجيح العطب، و هو حسن» قلت: بل عن الشارح أنه بعد أن اختار ذلك قال: «هذا هو الذي يقتضيه ظاهر النص و فتوى الأصحاب» و هو جيد إلا أن الفاضل في القواعد قال: «و لو افتقر أي في السير إلى القتال فالأقرب السقوط مع ظن السلامة» و في محكي الإيضاح «أن المراد بالظن هنا العلم العادي الذي لا يعد العقلاء نقيضه من المخوفات، كإمكان سقوط جدار سليم قعد تحته، لأنه مع الظن بالمعنى المصطلح عليه يسقط إجماعا، و بالسلامة هنا السلامة من القتل و الجرح و المرض و الشين، لأنه مع ظن أحدها بالمعنى المصطلح عليه في لسان أهل الشرع و الأصول يسقط بإجماع المسلمين» و قد يناقش في معقد إجماعه الأول المقتضي بظاهره السقوط مع عدم الظن بالمعنى المزبور بأنه لا وجه له إذا لم يصل الاحتمال إلى حد الخوف المعتد به عند العقلاء، ضرورة تناول الإطلاقات و العمومات له، كما انه قد يناقش فيما في القواعد من السقوط مع الافتقار إلى الفتال مع فرض ظن السلامة بالمعنى المزبور ضرورة صدق الاستطاعة معه، و منع عدم صدق تخلية السرب مع تضمن السير أمرا بمعروف و نهيا عن منكر و إقامة لركن من أركان الإسلام، و لذا حكي عنه القطع بعدم السقوط في المنتهى و التحرير من غير فرق في ذلك بين كون العدو

295

كافرا أو مسلما، و دعوى عدم وجوب قتال الأول إلا للدفع أو الدعاء إلى الإسلام و الثاني إلا للدفع أو النهي عن المنكر، و لم يفعله، و ليس الفرض منه، يدفعها بعد كون الوجوب هنا بالعارض أن ذلك من الدفاع أيضا و من النهي عن المنكر و على كل حال فقد عرفت ان التحقيق كون المدار على الخوف المعتد به عند العقلاء، هذا، و في المدارك انما يسقط الحج مع الخوف إذا حصل في ابتداء السير أو في أثنائه، و الرجوع ليس بمخوف، أما لو تساويا مع المقام في الخوف احتمل ترجيح الذهاب لحصول المرجح فيه بالحج، و السقوط كما لو حصل ابتداء لفقد الشرط، و لعل الأول أقرب، و نحوه في الدروس من غير ترجيح، قلت:

قد يرجح الثاني بصدق عدم تخلية السرب و الخوف و عدم الاستطاعة، و اشتراك الرجوع و المقام معه في ذلك غير مناف، كما انه لا ينافيه ارتفاع الإثم عنه في ذهابه لتساوي الأحوال بالنسبة إليه، فإنه ليس المدار على سقوط الحج عنه بالخوف الذي يكون معه السير معصية، بل يكفي فيه صدق عدم تخلية السرب و الخوف و عدم الاستطاعة، فجواز المسير حينئذ هنا لا يقتضي الوجوب، فلا يكون حينئذ حج إسلام يجب عليه إنفاذه فتأمل جيدا.

و من حج و مات بعد الإحرام و دخول الحرم برئت ذمته بلا خلاف أجده فيه كما في المدارك و الحدائق و غيرهما، بل عن المنتهى الإجماع عليه، ل

صحيح بريد العجلي (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج حاجا و معه جمل و له نفقة و زاد فمات في الطريق، قال: إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام، و إن كان مات و هو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله و زاده و نفقته في حجة الإسلام، و إن فضل من ذلك شيء فهو للورثة

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

296

إن لم يكن عليه دين قلت: أ رأيت إن كانت الحجة تطوعا ثم مات في الطريق قبل ان يحرم لمن يكون جمله و نفقته و ما معه قال: يكون جميع ما معه و ما ترك للورثة إلا ان يكون عليه دين فيقضي، أو يكون قد أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن اوصى له، و يجعل ذلك من ثلثه»

و صحيح ضريس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل خرج حاجا حجة الإسلام فمات في الطريق فقال: إن مات في الحرم فقد أجزأت عن حجة الإسلام، و إن كان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الإسلام».

و قيل و القائل الشيخ و ابن إدريس في المحكي عنهما يجتزى بالإحرام و لا دليل له سوى ما قيل من انه يشعر به مفهوم

قوله (عليه السلام) في صحيح بريد:

«و إن كان مات قبل أن يحرم»

إلى آخره، و هو- مع معارضته بمفهوم الجزء الأول من الخبر و هو

قوله: «إن كان صرورة ثم مات في الحرم»

إلى آخره- معارض بما في صحيح ضريس «و ان كان مات قبل الحرم»

بل و ب

صحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قلت: فان مات و هو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة قال: يحج عنه إن كانت حجة الإسلام و يعتمر، انما هو شيء عليه»

و بالمرسل (3) عن المقنعة عن الصادق (عليه السلام) «إن خرج حاجا فان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، و إن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج و ليقض عنه وليه»

فالمتجه الجمع بكفاية أحدهما في السقوط أو مشروعية القضاء، و به يتم المطلوب.

و من هنا كان الأول أظهر اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج الحديث 4.

297

اليقين، نعم مقتضاهما اعتبار الموت في الحرم، لكن في المدارك و الحدائق «إطلاق كلام المصنف و غيره يقتضي عدم الفرق في ذلك بين أن يموت في الحل أو الحرم محرما و محلا، كما لو مات بين الإحرامين» بل في الثاني «و به قطع المتأخرون، و لا بأس به» قلت: قد صرح بذلك في الدروس أيضا، لكن لا يخفى عليك ما فيه من الاشكال بعد مخالفة الحكم للأصول التي يجب الاقتصار في الخروج عنها على المتيقن، و هو الموت في الحرم، اللهم إلا أن يكون إجماعا كما هو مقتضى نسبته في الحدائق إلى الأصحاب، لكنه كما ترى، و من الغريب نسبته إلى إطلاق الأخبار فيها أيضا، نعم الظاهر عدم الفرق بين حج الافراد و القران و التمتع، و انه يجزي ذلك عن النسكين، بل ظاهر المدارك و الحدائق كون العمرة المفردة كذلك، بل ذلك من معقد نسبته إلى إطلاق المصنف و غيره في الأول، و الأصحاب و الأخبار في الثاني، و لعله لصدق اسم الحج، و لفحوى الاجتزاء به في عمرة التمتع.

ثم إن مقتضى الأمر بالقضاء فيهما كون موردهما من استقر في ذمته الوجوب، فيستفاد منه حينئذ الاجزاء في غيره ممن هو في عام الاستطاعة بالأولى و من هنا قال في المتن و إن كان قبل ذلك أي قبل الإحرام أو دخول الحرم قضيت عنه إن كانت مستقرة، و سقطت إن لم تكن كذلك اللهم إلا ان يقال بوجوب القضاء عليه أيضا، كما عن ظاهر المقنعة و النهاية و المبسوط، فيتجه حينئذ شمولهما لهما، لكن فيه منع واضح، ضرورة انكشاف عدم الاستطاعة بذلك، و ربما قيل بحمل الأمر فيهما على الندب، و لا بأس به، إلا أنه يبقى الاجزاء عمن استقر عليه بلا دليل، اللهم إلا أن يرشد اليه ما تسمعه إن شاء الله في حكم النائب من الاجتزاء بذلك فيه، و لعل الأولى تعميم الصحيحين (1) لهما،

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1 و 2.

298

و استعمال الأمر بالقضاء فيهما في القدر المشترك بين الندب و الوجوب، و من ذلك يعلم حينئذ اتحاد من استقر عليه الوجوب مع غيره في الاجتزاء بذلك عن النسكين أي الحج و العمرة، لظهور النصوص فيه، لكن في كشف اللثام في النفس منه شيء، خصوصا في الافراد و القران، لاحتمال الصحيحين غير المستقر عليه، و غيرهما الاجتزاء عن النسك الذي أحرم به، و التحقيق ما عرفت، بل عن الشهيد القطع به فيه بل و في النائب أيضا، و الله العالم.

و كيف كان فلا خلاف و لا إشكال نصا و فتوى في أنه يستقر الحج في الذمة إذا استكملت الشرائط فأهمل حتى فات، فيحج في زمن حياته و إن ذهبت الشرائط التي لا ينتفي معها أصل القدرة، و يقضى عنه بعد وفاته،

قال محمد بن مسلم (1): «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل مات و لم يحج حجة الإسلام و لم يوص بها تقضى عنه قال: نعم»

و سماعة بن مهران (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و لم يوص بها و هو موسر قال: يحج عنه من صلب ماله، لا يجوز غير ذلك»

إلى غير ذلك.

انما الكلام فيما به يتحقق الاستقرار، فالمشهور نقلا و تحصيلا تحققه بمضي زمان يتمكن فيه الإتيان بجميع أفعال الحج مختارا مستجمعا للشرائط على حسب ما مر في استقرار وجوب الصلاة من غير فرق بين الأركان و غيرها، ضرورة اشتراط صحة التكليف بسعة الوقت لتمام ما كلف به، و إلا كان تكليفا بما لا يطاق، و لا بد من ملاحظة حال الاختيار في ذلك، فلا يجزي مضي وقت يسع فعل المضطر في استقرار الوجوب على المختار، فما عن العلامة من احتمال الاجتزاء فيه بمضي زمان يتمكن فيه من الإحرام و دخول الحرم في غير محله،

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب وجوب الحج- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

299

بل و كذا ما عن الشهيد من احتمال الاجتزاء بمضي زمان تتأدى به الأركان خاصة و هو مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطوافان و السعي و ان حكي عن المهذب اختياره، ضرورة اختصاص ما دل على الاجتزاء بذلك و نحوه بمن تلبس بالفعل و صارت حاله هكذا، لا أن ذلك يكفي في تقدير تحقق الخطاب ابتداء، و قد تقدم في مباحث الطهارة و الصلاة تمام التحقيق في نظير المسألة من الفرق بين ابتداء الخطاب و غيره، و الفرق بين أول الوقت و آخره، و استقرار الخطاب لمن أدرك ركعة من آخره في ابتداء التكليف و عدمه، فلاحظ و تأمل.

و منه يعلم ما في المدارك، فإنه بعد ان ذكر خلو ما وقف عليه من الأخبار عن لفظ الاستقرار فضلا عما يتحقق به قال: «و انما اعتبر الأصحاب ذلك بناء على ان وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، و انما يتحقق وجوبه بمضي زمان يمكن فيه الحج مستجمعا للشرائط، و يشكل بما بيناه مرارا من ان وجوب القضاء ليس تابعا لوجوب الأداء، و بأن المستفاد من كثير من الأخبار ترتيب القضاء على عدم الإتيان بالأداء مع توجه الخطاب به ظاهرا كما في صحيحي بريد و ضريس المتقدمين» إذ لا يخفى عليك ما فيه من عدم بناء ذلك على ذلك، بل للقاعدة العقلية و النقلية، و هي عدم صحة التكليف بفعل يقصر الوقت عن أدائه، و أما تبعية القضاء للأداء فالتحقيق فيها ان القضاء محتاج إلى أمر جديد، و لا يكفي في وجوبه خطاب الأداء كما هو محرر في محله، إلا ان الأصل في موضوع القضاء تدارك ما فات على المكلف بعد ان تحقق سبب وجوبه عليه، كما أومى إليه في موثق أبي بصير (1) المتقدم في كتاب الصوم، قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان فماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها قال: هل برئت

____________

(1) الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 12.

300

من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها، قلت: فإني أشتهي ان أقضي عنها و قد أوصتني بذلك فقال: كيف تقضي شيئا لم يجعله الله عليها».

و خروج قضاء الحائض الصوم و نحوها عن ذلك بدليل خاص لا ينافي القاعدة المقتضية سقوط القضاء هنا عمن مات قبل الإحرام أو قبل دخول الحرم في عام الاستطاعة، ضرورة انكشاف عدم الوجوب عليه، فلا قضاء، و احتمال القول به هنا للخبرين السابقين ممكن لولا اعراض المعظم عنهما بالنسبة الى ذلك و حملهما على الندب، بل لم يحك العمل بمضمونهما إلا عن ظاهر نادر ممن عرفت، بل قيل: إنهما فيمن استقر الحج في ذمته كما دل عليه الحكم بالاجزاء عن حجة الإسلام ان مات في الحرم، و بقضاء الولي عنه ان مات دون الحرم، و من هنا قطع الأصحاب على ما اعترف به في المدارك بأن من حصل له الشرائط و تخلف عن الرفقة ثم مات قبل حج الناس لا يجب القضاء عنه، لتبين عدم استقرار الحج في ذمته بظهور عدم الاستطاعة، لكن في الحدائق «هذا موضع شك، حيث ان ترك الحج لم يقع بعذر شرعي، فيمكن ان يكون بتعمد التأخير مع وجوب ذلك عليه يستقر الحج في ذمته و ان لم يمض الزمان الذي يقع فيه المناسك، كما لو أفطر عمدا في شهر رمضان ثم سافر لإسقاط الكفارة و رفع الإثم، فإنه لا يوجب رفع الإثم و لا سقوط الكفارة» قلت: لا يخفى عليك ما فيه من كون الأمر ظاهريا، لمعلومية انتفاء الأمر في الواقع بانتفاء شرطه، و الإثم انما هو للإقدام على المخالفة، و اما القضاء و الكفارة المترتبان على مخالفة الأمر في الواقع فلا ريب في ان المتجه سقوطهما من هذه الجهة، نعم لو جاء دليل بالخصوص عليهما أو على أحدهما اتجه الحكم بوجوبهما كما هو واضح، و لمراعاة القاعدة المزبورة جزم الفاضل في المحكي من تذكرته بأن من تلف ماله قبل عود الحاج و قبل مضي إمكان عودهم