جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج17

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
410 /
301

لم يستقر الحج في ذمته، لأن نفقة الرجوع لا بد منها في الشرائط، و لكن أشكله في المدارك باحتمال بقاء المال لو سافر، و بأن فوات الاستطاعة بعد الفراغ من أفعال الحج لم يؤثر في سقوطه قطعا، و إلا لوجب اعادة الحج مع تلف المال في الرجوع أو حصول المرض الذي يشق معه السفر، و هو معلوم البطلان، قلت: قد يمنع معلومية بطلانه بناء على اعتبار الاستطاعة ذهابا و إيابا في الوجوب و الكافر يجب عليه الحج عندنا بل الإجماع بقسميه عليه، لشمول خطاب أدلة الفروع له خلافا لأبي حنيفة و لكن لا يصح منه ذلك ما دام كافرا كسائر العبادات و ان اعتقد وجوبه و فعله كما يفعله المسلم، لكون الإسلام شرطا في الصحة، و كذا لا يصح القضاء عنه لو مات، لعدم كونه أهلا للإبراء من ذلك و الإكرام، و عموم الأدلة له ممنوع، فيبقى أصل عدم مشروعية القضاء عنه سالما، نعم لو أسلم وجب عليه الإتيان به إذا استمرت الاستطاعة، و إلا لم يجب أيضا و ان فرض مضي أعوام عليه مستطيعا في الكفر، لأن الإسلام يجب ما قبله، لكن في المدارك يجب عليه ذلك في أظهر الوجهين، ثم قال:

و اعتبر العلامة في التذكرة في وجوب الحج استمرار الاستطاعة إلى زمان الإسلام، و هو غير واضح، قلت: بل الوجوب غير واضح، ضرورة كونه كالقضاء الذي يثبت عليه بفوات الفريضة، فإنه بالإسلام أيضا يسقط عنه، فكذلك وجوب الحج، و مرجعه الى الخطاب به حال كفره على وجه يتحقق به العقاب لو مات عليه، اما لو أسلم سقط عنه، لما عرفته من جب الإسلام ما قبله فإنه قد كان في حال أعظم من ذلك، فإذا غفره الله له غفر له ما دونه، و من ذلك يعلم انه لو فقد الاستطاعة قبل الإسلام أو بعده قبل وقته و مات قبل عودها لم يقض عنه، و لو أحرم لم يعتد بإحرامه حال كفره، كما لا يعتد بغيره من عباداته.

302

فلو أحرم ثم أسلم في الأثناء أعاد الإحرام من الميقات، لفساد الأول، و لو لم يتمكن من العود الى الميقات أحرم من موضعه و لعله الى ذلك يرجع ما عن الخلاف من ان عليه الرجوع الى الميقات و الإحرام منه، فان لم يفعل و أحرم من موضعه و حج تم حجه، لا ان المراد عدم الوجوب، أو تحقق الإثم خاصة بعدم العود اليه مع الإمكان و لو أحرم بالحج كافرا و أدرك الاختياري من الوقوف بالمشعر مسلما لم يجزه إلا ان يستأنف إحراما آخر و لو فيه كما في القواعد و المسالك مع فرض عدم التمكن و في كشف اللثام ان قول المحقق و ان ضاق الوقت أحرم و لو بعرفات كأنه اقتصارا على حال من يدرك جميع الأفعال، و في المسالك كان حق العبارة و لو بالمشعر، لأنه أبعد ما يمكن فرض الإحرام منه، فيحسن دخول «لو» عليه بخلاف عرفة، و ان كان الإحرام منها جائزا، بل اولى به، و في المدارك هو جيد ان ثبت جواز استيناف الإحرام من المشعر، لكنه غير واضح كما سيجيء تحقيقه، قلت: ستعرف وضوحه ان شاء الله.

ثم إن كان الحج إفرادا أو قرانا أتم حجه ثم اعتمر بعده، و إن كان فرضه التمتع و قد قدم عمرته ففي الاجتزاء بها أو العدول إلى الافراد وجهان، و في المدارك و جزم الشارح بالثاني منهما هنا، و قال: إن هذا من مواضع الضرورة المسوغة للعدول من التمتع إلى قسيميه، قلت: لكن ظاهر النصوص الأول، فالمتجه الجزم بالأول منهما كما عرفته في نظير المقام، بل عرفت غير ذلك أيضا مما يأتي هنا، فلاحظ و تأمل.

و لو حج المسلم ثم ارتد بعده ثم تاب لم يعد على الأصح للأصل بعد تحقق الامتثال، و عدم وجوب حج الإسلام في العمر إلا مرة، و قد حصلت، خلافا للمحكي عن الشيخ بناء منه على أن الارتداد يكشف عن عدم

303

الإسلام في السابق، لأن الله لا يضل قوما بعد إذ هداهم، و فيه أنه مخالف للوجدان، و لظواهر الكتاب و السنة، و آية الإحباط (1) انما تدل على عدم قبول عمل الكافر حال كفره لا ما عمله سابقا حال إسلامه، و مع التسليم فهو مشروط بالموافاة على الكفر كما هو مقتضى الجمع بينها و بين الآية (2) الأخرى الدالة على ذلك، هذا كله مضافا إلى

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة (3): «من كان مؤمنا فحج ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب يحسب له كل عمل صالح عمله و لا يبطل منه شيء»

و نحوه غيره.

و لو لم يكن مستطيعا حال إسلامه فصار كذلك في حال ردته و لو عن فطرة بأن استصحبه غيره و حمله إلى مكة و المواقف وجب عليه الحج لاجتماع شرائطه و صح منه حج إسلام إذا تاب و لو كان عن فطرة بناء على قبولها منه، سواء استمرت استطاعته إلى ما بعد التوبة أو لا، إجراء له مجرى المسلم في ذلك لتشرفه بالإسلام أولا، و معرفة أحكامه التي منها الحج، و خبر الجب (4) انما هو في غيره، بل في القواعد «أنه لو مات أي المرتد بعد الاستطاعة أخرج من صلب تركته ما يحج به عنه و إن لم يتب على إشكال» لكن فيه ما عرفت من عدم براءة ذمته من ذلك، و عدم تأهله للإكرام، و دعوى شمول أدلة القضاء له و كون الحج كالدين يمكن منعها أيضا، فلعل الأقوى عدم

____________

(1) سورة المائدة- الآية 7.

(2) سورة البقرة- الآية 214.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 1.

(4) المستدرك- الباب- 15- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 2 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 249.

304

القضاء عنه، بل يقوى ذلك أيضا فيما لو كان مستطيعا قبل الارتداد ثم أهمل ثم ارتد و مات عليه، فتأمل.

و لو أحرم مسلما ثم ارتد ثم تاب لم يبطل إحرامه على الأصح لما عرفته في الحج من الأصل و غيره بعد عدم دخول الزمان في مفهومه كالصوم كي يتجه بطلانه بمضي جزء منه و لو يسيرا، و عدم ثبوت اشتراط الاتصال فيه كالصلاة كي يتجه بطلانه حينئذ بحصول المنافي للارتباط، بل هو أشبه شيء بالوضوء و الغسل و نحوهما مما لا تبطل الردة ما وقع من أجزائهما إذا حصلت في أثنائهما، فإذا عاد إسلامه بنى حينئذ ما لم يحصل مبطل خارجي كالجفاف و نحوه كما تقدم تحقيق ذلك في محله، خلافا للمحكي عن الشيخ هنا أيضا، و قد عرفت ما فيه، بل ألزم هو نفسه هنا بأن المتجه على ذلك عدم لزوم قضاء ما فاته من الصلاة و الصوم مثلا حال الارتداد لو تاب، لكونه حينئذ من الكافر الأصلي، فلا قضاء عليه، لجب الإسلام ما قبله.

هذا كله في الكافر و المرتد و أما المخالف إذا استبصر فالمشهور أنه لا يعيد ما فعله من الحج على وفق مذهبه، للمعتبرة (1) المستفيضة التي قد ذكرنا شطرا منها في قضاء الصلاة؛ و شطرا آخر في الزكاة التي يجب حمل ما ظاهره الوجوب منها على الندب، لضعفها عن المعارضة من وجوه، و حينئذ فما عن ابني الجنيد و البراج من وجوب الإعادة عليه واضح الضعف، نعم في المتن و القواعد و الدروس و محكي المعتبر و المنتهى و التحرير إلا أن يخل بركن منه

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب مقدمة العبادات و الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة و الباب 23 من أبواب وجوب الحج.

305

بل في المدارك نسبته إلى الشيخ و أكثر الأصحاب، و هو متجه إذا كان المراد عندهم، ضرورة عدم الإتيان بالحج الذي هو شرط في سقوط الإعادة، فإن المنساق من النصوص المسقطة لذلك إذا كان قد جاء بالحج على وفق ما عندهم، و أما إذا كان المراد عندنا كما صرح به في الكتب السابقة فمشكل جدا كما اعترف به غير واحد من متأخري المتأخرين، خصوصا بعد عدم كون الحكم في الصلاة كذلك، و الفرق بينهما في غاية الإشكال، مضافا إلى مخالفة ما هنا لإطلاق النصوص الذي به قد خرجنا عن قاعدة الإعادة و إن كان الفعل فاسدا كما تقدم ذلك في قضاء الصلاة.

لكن قد يقال هنا إن المراد بتقييد الركن عندنا الصحة لو أخل بما هو ركن عندهم لا عندنا كالحلق، لا أن المراد وجوب الإعادة بالإخلال بركن عندنا و إن لم يكن ركنا عندهم، إذ الظاهر ركنية كل ما كان ركنا عندنا عندهم كما اعترف به في الذكرى، فلا يمكن حينئذ فرض ذلك، و حينئذ يكون المراد تكثير ما يحكم بصحته من فعلهم لا تقليله كي يتجه عليه الإشكال بأن إطلاق النصوص يقتضي الصحة و إن أخل بالركن عندنا، كما أنه يكون حينئذ لا فرق بينه و بين الصلاة، فإن الظاهر سقوط القضاء إذا جاء بها تاركا فيها لما يفسد تركه عندهم و لا يفسد عندنا إذا فرض وقوعها منه على وجه لا ينافي التقرب و ان فقدت النية المفسد تركها عند الجميع، فيرتفع الإشكال حينئذ من أصله.

و لعل الذي دعاهم إلى هذا التقييد هنا دون الصلاة هو ما عرفته من أن كل ركن عندنا ركن عندهم و لا عكس، بخلاف الصلاة فإن وجوه المخالفة بيننا في التروك و الأفعال متكثرة، و قد أرادوا بذلك بيان سقوط الإعادة هنا عنه إذا كان قد جاء بالفعل و قد ترك ما هو ركن عندهم لا عندنا، و الفرض انه استبصر، لا أن المراد ثبوت الإعادة عليه بتركه ما هو ركن عندنا و ليس ركنا عندهم كي

306

يتجه عليه الإشكال بأن إطلاق النصوص يقتضي الصحة في هذا الفرد، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع.

بل قد ينقدح منه قوة القول بصحة عبادة المستبصر التي قد جاء بها قبل استبصاره على وفق ما عند الشيعة إذا فرض كونها على وجه لا ينافي التقرب، بل يدعى القطع، ضرورة أولويته من سقوط القضاء و الإعادة عنه بالفعل المخالف لهم الذي هو فاسد في الواقع، و التردد الذي وقع من بعضهم انما هو في عبادة المخالف الباقي على خلافه إذا جاء بها على وفق ما عند أهل الحق و فرض كونها على وجه لا ينافي النية منه من كونه مكلفا بالفروع و قد جاء بتكليفه فيتحقق امتثاله و من كون الايمان شرطا فيعتبر في الصحة وقوع ذلك الفعل به لا له أم زمانه (1) فلا تجزيه الإصابة الاتفاقية، و إلا لاستحق الثواب الأخروي على فعله بمقتضى الوعد المعلوم حرمانه منه بالضرورة من المذهب، فتأمل جيدا.

ثم إن هذا السقوط عنه لانكشاف صحة فعله بالايمان المتأخر أو أنه تفضل من الله تعالى، قد أطنب في الحدائق تبعا للمدارك في ترجيح الثاني مستدلين عليه بما دل (2) على بطلان عبادة المخالف، و انها هي الهباء المنثور، و الرماد الذي اشتدت به الريح، و السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، و غير ذلك مما ورد فيهم، و فيه ان القائل بالأول لا يلتزم صحة عباداتهم مع بقائهم على خلافهم إلى الموت، بل المراد صحة خصوص من تعقبه الايمان منهم، فيكون الشرط في الصحة حينئذ حصوله مقارنا أو متأخرا، و لما كان علم الله تعالى بما يكون كعلمه بما كان

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و لعل الصواب «وقوع ذلك الفعل بدلالة إمام زمانه».

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب مقدمة العبادات- الحديث 1 و المستدرك- الباب- 27 منها- الحديث 61 و 64 و تفسير البرهان- سورة النور الآية 39.

307

و قد علم تعقبه للايمان فهو صحيح من أول وقوعه و إن كنا نحن لم نعلم به لجهلنا بحصول الشرط، و يؤيد ذلك ما في نصوص المقام (1) من أنه إذا استبصر يؤجر على عمله الذي عمله حال خلافه، فإن الأجر عليه يقتضي صحته، و لا استبعاد في الحكم بصحته في هذا الحال و إن كان هو على خلاف ما عليه أهل الحق، كالفعل الموافق للتقية، و هو قوي جدا، بل هو المحكي عن الفاضل في المختلف و خيرة الفاضل الطباطبائي.

كما أنه يقوى بملاحظة النصوص و اشتمالها على الناصب و الحرورية و نحوهم من الفرق المحكوم بكفرها لغلوها أو لكونها من الخوارج عدم الفرق في الحكم المزبور بين جميع فرق المسلمين و إن كان بعضهم كافرا بل و إن كان مرتدا عن فطرة، فما عن العلامة من قصر الحكم على من لم يكن كافرا منهم في غير محله، لا لشمول المخالف لهم نصا و فتوى، فإنه قد يقال بكون المنساق منه من حيثية الخلاف لا إذا انضمت اليه حيثية الكفر، بل لما سمعته من النصوص السابقة.

نعم ينبغي قصر الحكم على خصوص هذه الفرق، فلا يلحق بهم المحق الجاهل إذا وقع حجه مثلا على وفق أهل الخلاف ثم بان له بعد ذلك الواقع، و إن تردد فيه في الدروس ظنا منه أن ذلك أولى من صحة عبادة المخالف المخالفة للواقع مع مخالفة اعتقاد الفاعل، لكنه كما ترى قياس لا نقول به، ضرورة عدم وصول العقل إلى هذه الأولوية، و ليس في النصوص إشارة إلى علة يمكن جريانها في الفرض كما هو واضح، فيتجه حينئذ بقاؤها على مقتضى القواعد، و دعوى اقتضائها الصحة لقاعدة الاجزاء قد فرغنا من بيان فسادها في الأصول.

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب مقدمة العبادات و الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة و الباب 23 من أبواب وجوب الحج.

308

و كيف كان ف هل الرجوع إلى كفاية للمعيشة من صناعة أو مال أو حرفة أو ضيعة أو نحو ذلك شرط في وجوب الحج؟ قيل و القائل الشيخان و الحلبيان و ابنا حمزة و سعيد و جماعة نعم يشترط، بل عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه ل لأصل و الحرج و رواية أبي الربيع

الشامي (1) «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ»- الآية- فقال: ما يقول الناس؟ قال: فقيل: الزاد و الراحلة، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا، فقيل له: فما السبيل؟ قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض و يبقى بعضا يقوت به عياله، أ ليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم» و عن بعض النسخ «ينطلق اليه» كما عن المقنعة روايته «هلك الناس إذا كان من له زاد و راحلة لا يملك غيرهما أو مقدار ذلك مما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس فقد وجب عليه أن يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا، فقيل له: فما السبيل عندك؟

فقال: السعة في المال، و هو أن يكون معه ما يحج ببعضه و يبقى بعض يقوت به نفسه و عياله»

و خبر الأعمش (2) عن الصادق (عليه السلام) أيضا في تفسير السبيل «هو الزاد و الراحلة مع صحة البدن، و أن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله و ما يرجع اليه من حجه»

و غيرهما من بعض (3) الأخبار المرسلة.

و قيل و القائل المرتضى و ابن إدريس و ابنا أبي عقيل و الجنيد

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج الحديث 5.

309

و المتأخرون لا يشترط، بل نسبه غير واحد إلى الأكثر، بل الشهرة عملا بعموم الآية و النصوص لصدق اسمهما بدونه لغة و عرفا و هو الأولى و بذلك ينقطع الأصل، كما أن من الواضح عدم الحرج خصوصا بعد ملاحظة ما ضمنه الله من الرزق، و منع الإجماع سيما مع ملاحظة ذهاب من عرفت إلى خلافه، و عدم دلالة الخبر بعد الطعن في سنده، بل لعله على عكس ذلك أدل حتى على زيادة المقنعة، و دعوى ظهور إرادة ذلك من قوت نفسه باعتبار معلومية إرادة ما بعد رجوعه- ك

قوله (عليه السلام): «يرجع فيسأل الناس بكفه»

أو دعوى إرادة ما يستمر تحصيل القوت منه لا مقدار ذهابه و إيابه، بل لعله المراد من كل رواية اشتملت على اعتبار ذلك، أو دعوى ظهور

قوله (عليه السلام): «أ ليس قد فرض الله»

إلى آخره، في اعتبار بقاء شيء زائد على ما يكفيه للحج ذهابا و إيابا، و ليس هو إلا ما عند الخصم للإجماع على عدم غيره- كما ترى، إذ لا دلالة في الأول و الأخير على اعتبار ما ذكروه من مقدار الكفاية الظاهر بعد عدم التقييد بسنة أو بما دونها في إرادة الدوام و الاستمرار عادة بأن تكون له صنعة أو عقار يكفيه نماؤه أو نحو ذلك مما يتخذه الإنسان معاشا، و من المعلوم عدم استفادة ذلك من الخبر المزبور، و تتميمه بالإجماع كما هو مقتضى الدعوى الثالثة ليس بأولى من طرحه، لاشتماله على ما لا يقول به الجميع، ضرورة أن تحميله إرادة مقدار الكفاية بالمعنى المزبور مما فيه مما يكاد يقطع بعدمه، فلا يصلح حينئذ لتقرير الاستدلال به، فتأمل.

و ما عن بعض المراسيل (1) من التنصيص على ذلك لا جابر له، كما أنه لا ظهور في خبر المقام في إرادة الاستمرار مما فيه من اعتبار التقوت و إن كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب وجوب الحج- الحديث 5.

310

هو محتملا، لكن لا يخفى عليك أن مجرد الاحتمال لا يكفي في الاستدلال، خصوصا في مثل المقام المخالف لإطلاق الكتاب و السنة، على أنه من المستبعد جدا عدم وجوب الحج على من يملك جملة وافرة من أعيان الدراهم التي لا يزيد نماؤها على مقدار كفايته، و إن كان لو أراد صرفها عينها تقوم به و بحجه سنين و كذا من عنده عقار كذلك، كما أنه من المستبعد عدم ذكر ذلك في المستثنيات السابقة التي لا ينكر ظهور كلامهم في ذلك المقام في الاقتصار على مستثنيات الدين على إشكال في بعضها، بل من المستبعد أيضا اشتراط الغنى في وجوب الحج الذي هو مقتضى هذا الشرط، بل فيه زيادة على الغنى، مع أن مقتضى النصوص أعم من ذلك، فرب فقير لا يملك قوت سنته يجب عليه الحج، لاستطاعته، و رب غني يملكها لا يجب عليه؛ لعدم استطاعته له إلا بإنفاق ما يجب عليه مما عرفت استثناءه، و لعل هذا هو المراد بخبر أبي الربيع على معنى عدم كفاية نفس الغنى في الوجوب، بل لا بد من اعتبار ما يزيد على ذلك، ضرورة تحققه بملك قوت السنة فعلا أو قوة، و مثل ذلك قد لا يكفي في وجوب الحج، كما هو واضح.

و كيف كان فلا خلاف كما لا إشكال نصا و فتوى في أنه لو اجتمعت الشرائط فحج متسكعا أو حج ماشيا أو حج في نفقة غيره أجزأه عن الفرض بل الإجماع بقسميه عليه، ضرورة صدق الامتثال، و عدم وجوب صرف المال إلا للتوقف عليه، و بذلك يفرق بينه و بين من حج متسكعا قبل حصول الشرائط، لعدم الأمر حينئذ، فلا امتثال، بل هو كالصلاة قبل وقتها.

و على كل حال ف من وجب عليه الحج أو ندب فالمشي للحج خضوعا و خشوعا و طلبا للأحمز من حيث كونه مشيا أفضل له من الركوب من حيث كونه ركوبا، وفاقا للمشهور بين الأصحاب، ل

قول الصادق (عليه السلام) في

311

خبر ابن سنان (1) و غيره: «ما عبد الله بشيء أشد من المشي و لا أفضل»

و المراد إلى بيته، ل

قوله (عليه السلام) في مرسل أبي الربيع (2) المروي عن كتاب ثواب الأعمال: «ما عبد الله بشيء مثل الصمت و المشي إلى بيته»

و مرسل الفقيه (3) «روي انه ما تقرب العبد إلى الله عز و جل بشيء أحب إليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين»

و قد

سئل أبو عبد الله (عليه السلام) (4) «عن فضل المشي فقال:

إن الحسن بن علي (عليهما السلام) قاسم ربه ثلاث مرات حتى نعلا و نعلا و ثوبا و ثوبا و دينارا و دينارا، و حج عشرين حجة ماشيا»

و قال أيضا في خبر أسامة (5): «خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى مكة ماشيا فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الألم، فقال: كلا»

الحديث. و في خبر أبي المنكدر (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال ابن عباس:

ما ندمت على شيء صنعته ندمي على أن لم أحج ماشيا، لأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: من حج بيت الله ماشيا كتب الله له ستة آلاف حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول الله و ما حسنات الحرم؟ قال: حسنة بألف ألف حسنة، و قال: فضل المشاة في الحج كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم، و كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يمشي إلى الحج و دابته تقاد وراءه».

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب وجوب الحج الحديث 6 مرسل الربيع بن محمد المسلمي.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب وجوب الحج الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 32- من أبواب وجوب الحج- الحديث 8 و هو عن أبي أسامة كما في أصول الكافي ج 1 ص 463.

(6) الوسائل- الباب- 32- من أبواب وجوب الحج- الحديث 9 مع الاختلاف فيه.

312

أما المشي لا لذلك بل ليكون أقل لنفقته فلا ريب في ان الركوب أفضل منه مع يساره، ل

قول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): و قد سئل عن المشي أفضل أو الركوب: «إن كان الرجل موسرا فيمشي ليكون أقل لنفقته فالركوب أفضل»

و لعله دفعا للشح و صرفا للمال في طريق الحج و عدم الثواب في المشي في الفرض أصلا، كما انه قد يقترن الركوب بما يترجح به على المشي كالقوة على العبادة و العجلة إليها، أو دفع النقص عنه بتخيل الشح و القلة من الأعداء و الحساد و نحو ذلك، كما أومأ إليه

خبر هشام بن سالم (2) قال: «دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) أنا و عنبسة بن مصعب و بضعة عشر رجلا من أصحابنا فقلت:

جعلني الله فداك أيما أفضل المشي أو الركوب؟ فقال: ما عبد الله بشيء أفضل من المشي، فقلنا: أيما أفضل يركب إلى مكة فيعجل فيقيم بها إلى ان يقدم الماشي أو يمشي؟ فقال: الركوب أفضل»

و خبر عبد الله بن بكير (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا نريد الخروج إلى مكة مشاة فقال: لا تمشوا و اركبوا، فقلت: أصلحك الله بلغنا ان الحسن بن علي (عليهما السلام) حج عشرين حجة ماشيا، فقال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان يمشي و تساق معه محامله و رجاله»

و خبر سيف التمار (4) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا كنا نحج مشاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب وجوب الحج- الحديث 10.

(2) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 32- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2 و ذيله في الباب 33 منها- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب وجوب الحج- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 33- من أبواب وجوب الحج- الحديث 5 مع الاختلاف في اللفظ، و رواه في التهذيب ج 5 ص 478 الرقم 1690 بعين ما ذكر في الجواهر.

313

فبلغنا عنك شيء فما ترى؟ فقال: إن الناس يحجون مشاة و يركبون، قلت:

فليس عن هذا أسألك فقال: فعن أي شيء سألت؟ قلت: أيهما أحب إليك ان نصنع؟ قال: تركبون أحب إلى، فان ذلك أقوى لكم في الدعاء و العبادة».

و إلى هذا الأخير أومأ المصنف بقوله إذا لم يضعفه أي المشي و مع الضعف الركوب أفضل نحو ما سمعته في صوم عرفة، و لا يتوهم من ذلك أفضلية الركوب من حيث كونه ركوبا، و ذلك حكمة له، بل المراد ضم مرجح له، بل لعل ما ورد في جملة من النصوص (1) من أفضليته على المشي معللة له بأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد ركب محمول على ذلك، بمعنى أن من ركب ملاحظا للتأسي برسول الله (صلى الله عليه و آله) قد يترجح ركوبه على مشيه، و بذلك يتضح لك عدم التعارض بين النصوص، و أنه لا حاجة إلى ما أطنبوا به من تعدد صور الجمع، حتى ذهب إلى كل بعض، ضرورة معلومية رجحان المشي من حيث كونه مشيا، بل لعله ضروري، و أن المراد بما دل على رجحان الركوب عليه من النصوص انما هو من حيث اقتران بعض المرجحات به، فهو من باب دوران المستحبات و ترجيح بعضها على بعض، لا أن الركوب من حيث كونه ركوبا أفضل من المشي من حيث كونه مشيا، فان ذلك مقطوع بفساده، بل لا ينبغي للفقيه احتماله، و مثله الكلام في المشي إلى المشاهد، خصوصا (مشهد ظ) سيدي و مولاي أبا عبد الله الحسين (عليه السلام)، و الله العالم.

[مسائل أربع]

مسائل أربع:

[المسألة الأولى إذا استقر الحج في ذمته ثم مات]

الأولى إذا استقر الحج في ذمته ثم لم يفعله- و المراد به ما يعم النسكين و أحدهما، فقد تستقر العمرة وحدها، و قد يستقر الحج وحده و قد يستقران- فعله متى تمكن منه على الفور و لو متسكعا بلا خلاف أجده فيه

____________

(1) الوسائل- الباب- 33- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1 و 2 و 4 و 8.

314

و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص دالة عليه، بل لعله المراد من

خبر أبي بصير (1) الذي سأل الصادق (عليه السلام) فيه عن قول الله عز و جل «وَ لِلّٰهِ»- إلى آخره- فقال: يخرج و يمشي إن لم يكن عنده مال، قال: لا يقدر على المشي قال: يمشي و يركب، قال: لا يقدر على ذلك يعني المشي قال: يخدم القوم و يخرج معهم»

فان لم يفعل حتى مات و لو لعدم تمكنه قضي عنه أي فعل عنه من أصل تركته كسائر الديون لا من الثلث بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه أيضا، خلافا لأبي حنيفة و مالك و الشعبي و النخعي،

قال الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (2): «يقضى عن الرجل حجة الإسلام من جميع ماله»

و سئل (عليه السلام) أيضا في خبر سماعة (3) «عن الرجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و لم يوص أيضا و هو موسر قال: يحج عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك»

فان كان عليه دين و لو خمس أو زكاة مثلا و وقت التركة بالجميع فلا إشكال و إن ضاقت أي التركة قسمت على الدين، و أجرة المثل بالحصص كما تقسم في الديون، لاشتراك الجميع في الثبوت و في التعلق بالمال، لاتفاق النص و الفتوى على كونه دينا أو بمنزلته، فما عن الشافعي- من تقديم الحج في قول، بل عن الجواهر احتماله، و في آخر تقديم الدين- في غير محله و إن مال إلى الأول في الحدائق

للحسن عن معاوية بن عمار (4) «قلت له:

رجل يموت و عليه خمسمائة درهم من الزكاة و عليه حجة الإسلام و ترك ثلاثمائة درهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 21- من أبواب المستحقين للزكاة- الحديث 2 من كتاب الزكاة.

315

و أوصى بحجة الإسلام و أن يقضى عنه دين الزكاة قال: يحج عنه من أقرب ما يكون و يرد الباقي في الزكاة»

قال: و مثلها ما رواه

الشيخ في التهذيب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا «في رجل مات و ترك ثلاثمائة درهم و عليه من الزكاة سبعمائة درهم فأوصى أن يحج عنه قال: يحج عنه من أقرب المواضع و يجعل ما بقي في الزكاة»

و فيه- بعد إعراض الأصحاب عنهما و قصور سند الثاني منهما و اختصاصهما بالزكاة- أنه يمكن كون ما ذكره فيهما مقتضى التوزيع أيضا، فلا إشكال حينئذ.

و لو كان قد استقر عليه كل من النسكين و وسع النصيب خصوص أحدهما صرف فيه، و إن وسع كل منهما تخير للتساوي في الاستقرار، و يحتمل تقديم الحج لكونه أهم في نظر الشارع، و تقديمه ممن عليه الافراد و القران خاصة، و تقديم العمرة ممن عليه التمتع خاصة، و التخيير ممن عليه أحد الأنواع مخيرا، و قد يحتمل سقوطهما عمن عليه التمتع لدخول العمرة في حجه، و إن لم يف النصيب بشيء من النسكين صرف في الدين لا فيما بقي به من الأفعال من طواف و وقوف لعدم التعبد بشيء منها وحدها عدا الطواف، و احتمال إثبات مشروعية ذلك بقاعدة الميسور و «ما لا يدرك» قد بينا فساده في محله، على أن الظاهر قصر الاستدلال بها على ما يعضدها فيه كلام الأصحاب، لقصور سندها و عدم ثبوت كونها قاعدة، و كلام الأصحاب على الظاهر بخلافها هنا، بل لعل ظاهره كون الطواف أيضا كذلك، لإطلاقهم رجوع النصيب ميراثا بمجرد قصوره عن الحج أو العمرة، فلاحظ و تأمل.

و كيف كان فقد ظهر لك ان تعلق الحج بالتركة على نحو تعلق الدين بها

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من كتاب الوصايا- الحديث 1.

316

الذي تعرف البحث فيه إن شاء الله في محله على تقديري الاستيعاب و عدمه، كما انه يأتي أيضا إن شاء الله كيفية تعلق حق الوارث بالتركة، و انه مخالف لقواعد الشركة فيما لو أقر الوارث بوارث آخر، فان النص و الفتوى كما تسمعه إن شاء الله في كتاب الإقرار و غيره متطابقان على دفع الفاضل مما في يده إن كان لمن أقر له، لا انه يشاركه فيما في يده و إن كان مساويا له في الإرث، كما إذا أقر بأخ له و أنكره الآخر و كان الإرث لهما فإنه يدفع له ثلث ما في يده، و هو تكملة حصة المقر له الباقية عند المنكر، اما إذا لم يكن له في يده شيء كما لو أقر الأخ لأم بأخ لأب فلا شيء له، و كذا لو أقر لأخ آخر من الأم فإن لهما الثلث، و ليس في يد المقر إلا السدس، و هو نصيبه مع فرض الموافقة، فليس في يده أزيد من نصيبه كي يدفعه إلى من أقر له، و لا ريب في مخالفة ذلك لقواعد الشركة التي مقتضاها التساوي في الحاصل و التالف لهما و عليهما، كما لو أقر أحد الشريكين في دار مثلا لآخر بالشركة معهما على السوية و أنكر الآخر و قاسم المقر بالنصف كان النصف بينهما بالسوية، تنزيلا للإقرار على الإشاعة، بخلافه في الإقرار بالوارث، و قد تجشمنا وجها للفرق بينهما في غير المقام، إلا ان الانصاف كون الفارق النص و الفتوى.

و نحو ذلك في مخالفة القواعد إقرار الوارث بالدين و إنكار شركائه، فإنه لا يمضي إلا على مقدار حصته و إن استوعبها، كما لو ترك الميت ابنين و بنتا و ألفا مثلا و أقر أحد الولدين بألف دينا فإنه يدفع جميع ما في يده من الألف و هو أربعمائة للمقر له، لأنه لا إرث له باعترافه، اما إذا أقر بخمسمائة فإنه يدفع مما في يده مائتين، لأنه الذي تعلق بنصيبه من الدين الذي هو موزع على ما في يده و يد أخيه و أخته بلا خلاف محقق معتد به أجده في شيء من ذلك عندنا نصا و فتوى، نعم يحكى عن الشافعي وجوب دفع جميع ما في يده في الدين، لأنه

317

لا إرث إلا بعده، و لا ريب في بطلانه، و مثل ذلك يأتي في الحج الذي قد عرفت كونه من الدين أيضا.

لكن ذلك كله في إقرار الوارث بوارث أو دين، أما إذا أقر الديان لآخر بدين و إرثا كان أو غيره و فرض استيعابه للتركة على تقدير موافقة الشريك و كذا لو أقر بحج أيضا فالذي تقتضيه قاعدة تنزيل الإقرار على الإشاعة قسمة الحاصل في يد المقر من دينه على حسب دينهما معا، و ربما يشهد له ما رواه

الصدوق في الفقيه عن محمد بن أبي عمير متصلا بالحكم بن عتيبة (1) قال: «كنا على باب أبي جعفر (عليه السلام) و نحن جماعة ننتظر أن يخرج إذ جاءت امرأة فقالت:

أيكم أبو جعفر؟ فقال لها القوم: ما تريدين منه؟ فقالت: أسأله عن مسألة، فقالوا لها: هذا فقيه أهل العراق فاسأليه، فقالت: إن زوجي مات و ترك ألف درهم و كان لي عليه من صداقي خمسمائة درهم، فأخذت صداقي و أخذت ميراثي ثم جاء رجل فادعى عليه ألف درهم فشهدت له، قال الحكم: فبينما أنا أحسب إذ خرج أبو جعفر (عليه السلام) فقال: ما هذا الذي أراك تحرك به أصابعك يا حكم؟ فقلت:

إن هذه المرأة ذكرت أن زوجها مات و ترك ألف درهم و أن لها عليه من صداقها خمسمائة درهم و أخذت ميراثها ثم جاء رجل فادعى عليه ألف درهم فشهدت له، قال الحكم: فو الله ما أتممت الكلام حتى قال: أقرت بثلثي ما في يدها و لا ميراث لها قال الحكم: فما رأيت و الله أفهم من أبي جعفر (عليه السلام) قط»

قال ابن أبي عمير:

و تفسير ذلك انه لا ميراث لها حتى تقضي الدين، و انما ترك ألف درهم و عليه من الدين ألف و خمسمائة درهم لها و للرجل، فلها ثلث الألف، لأن لها خمسمائة درهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من كتاب الوصايا- الحديث 8 مع الاختلاف في الألفاظ و رواه في الفقيه ج 4 ص 166 الرقم 579 بعين ما ذكر في الجواهر.

318

و للرجل ألف درهم، فله ثلثاها، و هو صريح فيما ذكرناه مما هو موافق للقاعدة المزبورة التي مقتضاها أن تركة الميت نحو مال المفلس في كونها أسوة الغرماء، و كذا رواه الشيخ في بعض نسخ التهذيب، بل مقتضى ذلك عدم الفرق بين كون الدين مستوعبا أم لا، و إن كان له الرجوع فيما قبضته حينئذ إرثا على مقدار ما يخصه من الدين، بخلاف ما قبضته من الدين، فإنه يقسم بين المقر و المقر له على حسب دينهما، لكن رواه في الكافي في كتاب الوصايا و كتاب المواريث «أقرت بثلث ما في يدها» حاكيا في الأول منهما ما سمعته من تفسير ابن أبي عمير و في الثاني منهما أيضا عن الفضل بن شاذان (1) ما نصه «و تفسير ذلك ان الذي على الزوج صار ألفا و خمسمائة درهم، للرجل ألف، و لها خمسمائة، و هو ثلث الدين و انما جاز إقرارها في حصتها، فلها مما ترك الميت الثلث، و للرجل الثلثان، فصار لها مما في يدها الثلث، و يرد الثلثان على الرجل، و الدين استغرق المال كله، فلم يبق شيء يكون لها من ذلك الميراث، و لا يجوز إقرارها في حق غيرها» و هما كما ترى لا يتمان خصوصا الثاني منهما إلا على كون الرواية ثلثي ما في يدها لا ثلث، و من هنا قال في الدروس- بعد أن روى الخبر المزبور كما سمعته من الصدوق (قدس سره) ثم حكى عن الكليني ما سمعته من الفضل:- قلت: «هذا مبني على أن الإقرار يبنى على الإشاعة و ان إقراره لا ينفذ في حق الغير، و الثاني لا نزاع فيه، و اما الأول فظاهر الأصحاب أن الإقرار انما يمضى على قدر ما زاد عن حق المقر بزعمه، كما لو أقر بمن هو مساو له، فإنه يعطيه ما فضل عن نصيبه و لا يقاسمه فحينئذ يكون قد أقرت بثلث ما في يدها، أعني خمسمائة، لأن لها بزعمها و زعمه ثلث الألف الذي هو ثلثا خمسمائة، فيستقر ملكها عليه، و يفضل معها ثلث خمسمائة

____________

(1) الكافي ج 7 ص 168 الطبع الحديث.

319

و إذا كانت أخذت شيئا بالإرث فهو بأسره مردود على المقر له، لأنه بزعمها ملك له، و الذي في التهذيب نقلا عن الفضل «لقد أقرت بثلث ما في يدها» رأيته بخط مصنفه، و كذا في الاستبصار، و هذا موافق لما قلناه، و ذكره

الشيخ (قدس سره) بسند آخر عن غير الفضل و عن غير الحكم متصلا بالفضل بن يسار (1) عنه (عليه السلام) «أقرت بذهاب ثلث مالها، و لا ميراث لها، تأخذ المرأة ثلثي خمسمائة، و ترد عليه ما بقي»

قلت: هو كذلك فيما حضرني من نسخ التهذيب المعتبرة و إن كان كتب في الهامش نسخة الثلث التي ينفيها خبر الفضل بن يسار المصرح بما سمعت مع زيادة، لأن إقرارها على نفسها بمنزلة البينة، لكن قد يقال إن هذا الخبر غير نقي السند بمحمد بن مروان، و الأول مع كون الراوي الحكم الذي هو من العامة في التهذيب عن السعدي عنه، و في الفقيه زكريا ابن يحيى السعدي، و في الكافي زكريا بن يحيى الشعيري، مضافا إلى ما سمعته من اختلاف متنه في الثلث و الثلثين، و ما ذكره الفضل و ابن أبي عمير في تفسيره و لا جابر إلا ما سمعته من النسبة إلى ظاهر الأصحاب التي لم نتحققها، إذ لم أعثر على من تعرض لمفروض المسألة و لا الخبر المزبور عداه (قدس سره)، نعم هو كذلك في الإقرار بوارث أو دين كما سمعت تفصيل الكلام فيه، و دعوى اتحاد الفرض مع ذلك واضحة المنع، فالمتجه حينئذ مراعاة قاعدة تنزيل الإقرار على الإشاعة نحو ما سمعته في إقرار أحد الشريكين، ضرورة اتحاد كيفية تعلق دين كل منهما بالتركة، كما ان الزعم من كل منهما متحد في استحقاق الثلث و الثلثين من الألف في مفروض الخبر، و لكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط، و الله تعالى العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 26- من كتاب الوصايا- الحديث 9 عن الفضيل ابن يسار كما في التهذيب ج 9 ص 169 الرقم 691.

320

[المسألة الثانية يقضى الحج من أقرب الأماكن]

المسألة الثانية يقضى الحج من أقرب الأماكن عند الأكثر، بل المشهور بل عن الغنية الإجماع عليه، و المراد به كما في المدارك «أقرب المواقيت إلى مكة إن أمكن الاستيجار منه، و إلا فمن غيره مراعيا الأقرب فالأقرب، فإن تعذر الاستيجار من احد المواقيت وجب الاستيجار من أقرب ما يمكن الحج منه إلى الميقات» و في القواعد «من أقرب الأماكن إلى الميقات» و مزجها في كشف اللثام قال: «و انما يجب أي الحج عنه من أقرب الأماكن إلى مكة من بلده إلى الميقات فإن أمكن من الميقات لم يجب إلا منه، و إلا فمن الأقرب إليه فالأقرب، و لا يجب من بلد موته أو بلد استقراره عليه» قلت: الظاهر اتحاد المراد، و هو الحج عنه من أقرب الأماكن إلى مبدإ نسك الحج، فلو فرض عدم التمكن من ذلك إلا من بلده وجب، و لا يشكل ذلك بمنافاته لحق الوارث بعد إيجاب الشارع الحج من جميع ماله، و قد فرض توقفه على ذلك فيجب، بل الظاهر تقديمه على ما لو تمكن من الحج عنه من أدنى الحل أو من مكة مثلا أو نحو ذلك من مواقيت الاضطرار بمعنى دوران الأمر بين الحج عنه من بلده و بين مواقيت الاضطرار، فإنه يقدم الأول، كما هو واضح، بل الظاهر مراعاة مزاحمته للدين على هذا الوجه أيضا، إذ الاضطرار بالنسبة إلى الميت قصور ماله، و الفرض سعته، و تكون حينئذ الأجرة خارجة من الأصل على جميع الأقوال، و إلى هذا أومأ في المدارك بقوله:

«فلو اوصى بالحج من البلد فان قلنا بوجوبه كذلك من دون وصية كانت أجرة المثل لذلك خارجة من الأصل، و إن قلنا الواجب الحج من الميقات، كان ما زاد على أجرة ذلك محسوبا من الثلث إن أمكن الاستيجار من الميقات، و إلا وجب الإخراج من حيث يمكن، و كانت أجرة الجميع من الأصل كما هو واضح» فان المراد بقوله: «و إلا» إلى آخره ما أشرنا إليه، فمن الغريب إنكاره عليه في

321

الحدائق و أطنابه في ذلك، و قوله: إني لا أفهم لهذه العبارة معنى صحيحا، فلاحظ و تأمل، نعم لو فرض عدم سعة ماله إلا للحج عنه من أدنى الحل أو من مكة وجب، لإطلاق الأدلة و خصوص

خبر علي بن يزيد صاحب السابري (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات و أوصى بتركته أن أحج بها فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها، فقال (عليه السلام): ما صنعت بها؟ فقال: تصدقت بها، فقال: ضمنت إلا أن لا يكون يبلغ ما يحج به من مكة، فإن كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان»

و الله العالم، و على كل حال فهذا أحد الأقوال في المسألة.

و قيل و القائل الشيخ و ابن إدريس و يحيى بن سعيد و غيرهم يستأجر من بلد الميت، و قيل: إن اتسع المال فمن بلده و إلا فمن حيث أمكن و اختاره في الدروس، قال: «يقضى من أصل تركته من منزله، و لو ضاق المال فمن حيث أمكن و لو من الميقات على الأقوى» بل في المدارك إرجاع القول الأول إليه، قال: الموجود في كلام الأصحاب حتى في كلام المصنف في المعتبر أن في المسألة قولين، و قد جعل المصنف هنا الأقوال ثلاثة، و لا يتحقق الفرق بين القولين الأخيرين إلا على تقدير القول بسقوط الحج مع عدم سعة المال للحج من البلد على القول الثاني، و لا نعرف بذلك قائلا، مع انه مخالف للروايات كلها، و تبعه على ذلك في الحدائق، لكن قد يناقش بإمكان عدم التزام سقوط الحج بل ينتقل إلى الحج من الميقات، و لا يجب الاستيجار من حيث أمكن كما هو مقتضى جملة من الروايات، و بذلك يتحقق الفرق بين القولين، أو يقال بوجوب التكميل من الولي مع القصور أو الحج عنه بنفسه كما يقتضيه إطلاق الوجوب، و كذا

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من كتاب الوصايا- الحديث 2.

322

وجوب اختيار المتبرع بالحج عنه للنيابة حينئذ و إن وجب الحج من الميقات مع التعذر مطلقا.

و كيف كان ف الأول أشبه للأصل و محكي الإجماع و عدم اشتراط الحج بالمسير إلا عقلا، فهو على تقدير وجوبه واجب آخر لا دليل على وجوب قضائه، و لذا لو سار المستطيع في بلده إلى أحد المواقيت لا بنية الحج ثم أراده فأحرم صح و إن أساء بتأخير النية، و كذا لو أفاق المجنون عند الميقات بل لو قلنا بتبعية القضاء للأداء لم يجب هنا، ضرورة أن القول بذلك انما هو لتوهم تحليل الخطاب المتعلق بالأداء إلى إيجاب مطلق الفعل و إيجابه أداء، و من المعلوم أن دليل وجوب المقدمة لا يصلح لذلك، إذ هو انما يعقل في شأن المكلف بالأداء، على أن التبعية المزبورة على تقدير تسليمها انما تقتضي الوجوب من بلد الاستطاعة دون بلد المنزل و الموت، و لا ريب في بطلانه، اللهم إلا أن يقال إن ذلك كذلك إن لم ينتقل إلى ما هو أقرب منه إلى الميقات، و إلا وجب القضاء منه، إلا أن الجميع كما ترى شك في شك، و التحقيق ما عرفت، مضافا إلى إطلاق ما دل من المعتبرة المستفيضة (1) على وجوب القضاء من دون تقييد بناء على عدم انصرافه إلى خصوص البلد، بل قد يؤيد أيضا ب

صحيح حريز (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لا بأس، إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجة»

إذ لو كان الطريق معتبرا لم ينف البأس عن ذلك، فان قوله: «من الكوفة» إن جعل متعلقا بقوله: «يحج عنه» كان من مسألة من استؤجر على طريق فحج على

____________

(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب وجوب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

323

غيره، و ستسمع الخلاف فيها، و مبنى الصحة على عدم اعتبار الطريق في الحج، و إن جعل صفة لرجل كان وجه الاستدلال فيه أنه لو كان الطريق معتبرا لوجب ملاحظة بلد من عليه الحج و إن أطلق في الإجارة، لانصراف ذلك اليه.

بل أيد أيضا ب

صحيح علي بن رئاب (1) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل أوصى أن يحج عنه حجة الإسلام فلم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما قال: يحج عنه من بعض المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه و آله) من قرب»

باعتبار عدم استفصاله عن إمكان الحج بذلك من البلد أو غيره مما هو أبعد من الميقات، و إن كان قد يناقش بإمكان كون ذلك لظهور السؤال في قصور الخمسين عن الأزيد من الميقات و لو باعتبار العرف و العادة، بل لا بد من ارتكاب ذلك فيها، ضرورة كون السؤال في الوصية التي يعترف هذا المؤيد بتنزيلها على البلد، و إلا فمن حيث يمكن كما تسمعه في خبر محمد بن أبي عبد الله (2)، و بخبر زكريا بن آدم (3) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات و أوصى بحجة أ يجزيه أن يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه فقال: ما كان دون الميقات فلا بأس»

و فيه أنه أيضا في الوصية، فيجب حمله على عدم سعة المال الموصى به للحج، ك

خبر عمر بن يزيد (4) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أوصى بحجة فقال: تجزي من دون الميقات»

بقرينة

خبره الآخر (5) قال: «قلت له أيضا: رجل أوصى بحجة فلم تكفه قال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3 عن محمد بن عبد الله كما في الكافي ج 4 ص 308 و هو الصحيح كما يأتي نقله كذلك في ص 327.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 6 مع الاختلاف في لفظهما.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 7 مع الاختلاف في لفظهما.

324

فيقدمها فيحج من دون الميقات»

و خبر أبي سعيد (1) عمن سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن رجل أوصى بعشرين درهما في حجة قال: يحج بها رجل من حيث تبلغه»

بل لعله على ذلك يحمل

خبر محمد بن أبي عبد الله (2) «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل يموت فيوصي بالحج من أين يحج عنه؟ قال: على قدر ماله، إن وسعه ماله فمن منزله، و إن لم يسعه من منزله فمن الكوفة، و إن لم يسعه ماله من الكوفة فمن المدينة»

و صحيح الحلبي (3) عنه (عليه السلام) أيضا «و إن اوصى أن يحج عنه حجة الإسلام و لم يبلغ ماله ذلك فليحج عنه من بعض المواقيت».

لكن في المدارك بعد أن أوردهما دليلا للقائل باعتبار البلد أجاب عنهما بأنهما إنما تضمنا الحج من البلد مع الوصية، و لعل القرائن الحالية كانت دالة على إرادة الحج من البلد كما هو الظاهر من الوصية، عند الإطلاق في زماننا، فلا يلزم مثله مع انتفاء الوصية، و فيه إمكان منع فرق العرف بين قول الموصى: حجوا عني و بين قول الشارع: حجوا عنه في الانصراف إلى البلد و عدمه، فالمتجه الجواب عنهما بأن أخبار الوصية متدافعة على الظاهر، فمنها كخبر زكريا و غيره ما يقتضي الاجتزاء فيها بالحج من الميقات، و منها كهذين الخبرين ما يقتضي الحج

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب وجوب النيابة في الحج- الحديث 3 عن محمد بن عبد الله كما في الكافي ج 4 ص 308 و هو الصحيح كما يأتي نقله كذلك في ص 327.

(3) ذكره الشيخ في التهذيب في ذيل صحيح الحلبي المروي في ج 5 ص 405 الرقم 1410 و الظاهر أنه ليس من الصحيحة بل هو كلام الشيخ (قدس سره) فراجع.

325

من البلد، و إلا فمن حيث يسع المال، و حمل الأخبار السابقة على عدم سعة المال ليس بأولى من حمل هذه الأخبار على الوصية بمال معين للحج، و لا أقل من تساوي الاحتمال، فيبطل الاستدلال بكل من القسمين على شيء من الطرفين، و يرجع إلى القاعدة التي قد عرفت اقتضاءها الحج من الميقات، على انه لو سلم ترجيح الحمل الأول كان مقتضاه ذلك في خصوص الوصية، و لعله تعبد شرعي لا لفهم من العبارة المساوية لعبارة الشارع التي مقتضاها الصدق بالحج من الميقات في الوصية و غيرها، على ان مفهوم صحيح الحلبي لا يدل إلا على عدم وجوب الحج من الميقات مع السعة في المال، بل يمكن حمل الأمر في المنطوق على الندب باعتبار وروده في مظنة الحظر، و بذلك ظهر لك أن الاستدلال بهذه النصوص على ما يقوله الخصم في غير محله، كالاستدلال عليه

بالمروي (1) عن مستطرفات السرائر من كتاب المسائل بسنده عن عدة من أصحابنا، قالوا: «قلنا لأبي الحسن (عليه السلام) يعني علي بن محمد (عليهما السلام): إن رجلا مات في الطريق و أوصى بحجته و ما بقي فهو لك، فاختلف أصحابنا فقال بعضهم: يحج عنه من الوقت، فهو أوفر للشيء ان يبقى، و قال بعضهم: يحج عنه من حيث مات، فقال (عليه السلام):

يحج عنه من حيث مات»

إذ هو- مع انه يأتي فيه ما عرفت أيضا- يمكن فهم ذلك من وصيته بقرينة الحال، إذ الظاهر إرادة موته في طريق الحج، بل لعل الخبر أوصى بحجته أي بإتمام حجته.

و أغرب من ذلك كله الاستدلال عليه بالأخبار (2) السابقة في النيابة عمن لا يستطيع الحج بنفسه باعتبار اشتمالها على الأمر بتجهيز رجل يحج عنه الظاهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج.

326

في إرادة الحج من البلد، إذ هو المناسب للتجهيز، و انه لا فرق بين النواب، و فيه بعد حرمة القياس ما عرفت من حمل تلك الأوامر على الندب، مع انها غير مساقة لبيان مثل ذلك.

و أغرب منه الاستدلال بأنه لما ثبت الوجوب عليه باستطاعته له بزاد و راحلة و غيرهما مما يتوقف عليه وجب القضاء عنه ميتا على الوجه الذي ثبت في ذمته، إذ هو كما ترى، ضرورة كون الوجوب عليه حيا كذلك للمقدمة لا أنه وجه للمأمور به، و هو الحج، و لذا لو وقع على وجه محرم أجزأه، و دعوى تعلق نفقة الطريق من البلد بعد موته بماله كالدين واضحة المنع، بل هي مصادرة، كوضوح فساد الاستدلال على اعتبار الطريق بمجموع هذه النصوص على وجه يبطل ما ذكرناه من القاعدة، فإنه كما ترى.

و من ذلك كله يظهر لك ما أطنب فيه في الحدائق و تعجب مما جاء به من التحقيق، حتى قال بعد الفراغ منه: و عليك بالتأمل الدقيق في هذا التحقيق الرشيق فإنه حقيق بأن يكتب بالتبر على الحداق لا بالحبر على الأوراق، إلا أن الألف بالمشهور سيما إذا زخرفت بالإجماعات شنشنة أخزمية، و طريقة لا تخلو من العصبية، فإنك إذا أحطت خبرا بما ذكرناه تعرف أن ذلك كله عجب بلا عجب، و هزء بلا سبب، نسأل الله تعالى العفو عنا و عنه، كما أنك تعرف فساد ما عن ابن إدريس من دعوى تواتر الأخبار بذلك، و لذا جزم المصنف في المعتبر بأنه غلط، قال: فانا لم نقف بذلك على خبر شاذ فضلا عن المتواتر، كل ذلك مضافا إلى إمكان الطعن في أسانيد النصوص المزبورة عدا صحيح الحلبي منها الذي عرفت الحال في دلالته، بل لو أغضينا عن ذلك كله باعتبار احتمال التأويل في أخبار الطرفين أمكن ترجيح أخبار المشهور بالإجماع المنقول و الأصل و غير ذلك.

و كيف كان فالمراد بالبلد على تقدير اعتباره بلد الاستيطان، لأنه المنساق

327

من النص و الفتوى خصوصا من الإضافة فيهما، سيما خبر محمد بن عبد الله (1) لكن في المدارك الظاهر أن المراد بالبلد الذي يجب عليه الحج منه على القول به محل الموت حيث كان كما صرح به ابن إدريس، و دل عليه دليله، و هو و إن كان يؤيده أنه البلد التي هي منتهى انقطاع الخطاب بالحج عنه، ضرورة كونه مكلفا به من ذلك المكان، فيناب عنه منه، إلا أن ما حكاه عن ابن إدريس لم نتحققه، بل المحكي من عبارته يقتضي بلد الوطن و كذا دليله، بل لم نتحققه لغيره من أصحابنا، نعم ربما حكي عن بعض العامة، بل قد يناقش فيما ذكرناه توجيها بأنه لا تلازم بين خطابه به في ذلك المكان الذي كان من اتفاقيات الخطاب لا أنه ملاحظة في أصل الخطاب و بين قضائه منه، و انما الملاحظ في أصل خطابه بلد استيطانه، و لذا كان عليه مدار الاستطاعة، فالأقوى حينئذ اعتباره لا بلد الموت بل و لا بلد اليسار التي حصل وجوب الحج عليه فيها و ان احتمل أيضا، بل عن بعض العامة القول به.

و لو كان له موطنان كان الواجب من أقربهما كما عن التذكرة التصريح به، للصدق الذي يجمع به بين حق الوارث و الميت مثلا، و الظاهر كون المراد أن بلد الاستيطان أقل المجزي، و إلا فلو استؤجر عنه مما هو أبعد منه أجزأ قطعا نعم في اعتبار المرور عليه إشكال، و لعل صحيح حريز (2) يشهد للعدم، كما انه قد يشهد للاجزاء لو قضي عنه من الميقات بناء على القول بالوجوب من البلد و إن أثم الوارث حينئذ، و احتمال عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه يدفعه منع كونه وجها له بحيث يقتضي عدم الاجزاء عنه، و هل يملك حينئذ الوارث الزائد؟

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

328

وجهان، أقواهما العدم عند بعض الأفاضل، لأنه حق تعلق بالعين بمنزلة الدين، فلا يملكه الوارث، و فيه أن ذلك بمنزلة ما لو تبرع عنه متبرع بالحج أو بوفاء الدين، و من هنا اختاره في محكي الدروس، ثم على تقدير العدم لا تبرأ ذمة الوارث بالقضاء عنه ثانيا، لسقوط حجة الإسلام عنه، و لو لم يكن له مال أو كان و لم يخرج منه فتبرع عنه وليه أو غيره فحج عنه أجزأ بلا خلاف و لا إشكال نصا و فتوى، بل ربما أشعر المحكي عن ابن الجنيد بوجوب ذلك على الولي، لإطلاق الأمر المحمول على الندب قطعا، ضرورة كونه لا يزيد على الدين كما صرح به في بعض النصوص، فيجري حينئذ فيه ما يجري فيه من براءة الذمة لو وقع من الولي أو غيره، و عدم وجوبه على الولي إذا لم يكن للميت مال، و الله العالم.

[المسألة الثالثة من وجب عليه حجة الإسلام لا يحج عن الغير]

المسألة الثالثة من وجب عليه حجة الإسلام و كان متمكنا منها لا يحج عن غيره تبرعا أو ب اجارة بل و لا يحج تطوعا بلا خلاف أجده في الأول منهما، لا لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده على وجه يقتضي الفساد، فان التحقيق خلافه، و لا لكونه موقتا على وجه لا يصح فيه غيره كشهر رمضان، فان التحقيق عدم اقتضاء الفورية أصل التوقيت فضلا عن التوقيت على هذا الوجه، و ما عن المبسوط هنا من انه لو حج ندبا انقلبت حجة إسلام مقطوع بفساده، بل هو ل

خبر سعد بن أبي خلف (1) «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل الصرورة يحج عن الميت قال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه، فان كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزي عنه حتى يحج من ماله، و هي تجزي عن الميت إن كان للصرورة مال أو لم يكن له مال»

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 1.

329

و صحيح سعيد (1) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الصرورة أ يحج عن الميت؟ فقال:

نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به، و إن كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله، و هو يجزي عن الميت كان له مال أو لم يكن له مال»

لكن في المدارك «قد قطع الأصحاب بفساد التطوع و الحج عن الغير مع الاستطاعة و عدم الإتيان بالواجب، و هو انما يتم إذا ورد فيه نهي على الخصوص أو قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، و ربما ظهر من صحيح سعد بن أبي خلف خلاف ذلك، و المسألة محل تردد» و لعله حمل

قوله (عليه السلام): «و هو يجزي»

إلى آخره على إرادة بيان الاجتزاء بنيابة الصرورة مطلقا سواء كان له مال أو لم يكن و إن كان يأثم على الأول الذي قد بينه (عليه السلام) بقوله: «إذا لم يجد» إلى آخره. و فيه أنه خلاف ظاهر قوله (عليه السلام): «لا يجزي عنه» و خلاف قاعدة اقتضاء النهي الفساد، بل هو عند التأمل تفكيك في الخبر، بل يقطع بعدم إرادته، و من هنا احتمل بعض المتأخرين كون المراد بقوله (عليه السلام): «و هو» إلى آخره إرادة بيان الاجتزاء بنيابته بعد الحج عن نفسه بماله، و لا ينافيه إطلاق الصرورة باعتبار ما كان عليه سابقا، و هو و إن تم به الاستدلال على المطلوب على هذا التقدير إلا أنه خلاف الظاهر، و لعل الأولى حمله على إرادة بيان الأحوال الثلاثة للنائب التي ستسمع تعرض الأصحاب لها، و هي عدم جواز النيابة مع خطابه بحجة الإسلام و تمكنه منها، و الجواز مع عدم خطابه أصلا أو مع خطابه و عدم تمكنه منها لتلف ماله مثلا، فالأول هو الذي أشار إليه بقوله (عليه السلام): «فان وجد» إلى آخره، و الثاني و الثالث أشار إليهما بقوله (عليه السلام): «و هو يجزي» إلى آخره، و المراد جواز نيابته و إن كان له مال في السابق و وجب عليه حج الإسلام إلا أنه لم يجده

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب النيابة في الحج- الحديث 3.

330

حال النيابة، أو حمله على إرادة الجزء الأول من الحديث بالضمير دفعا لتوهم الراوي أن نيابته غير جائزة، و عود الضميرين المجرورين في آخر الحديث إلى الميت، يعني سواء كان على الميت حج واجب أو لم يكن، و حج عنه ندبا أو غير ذلك مما لا ينافي دلالته على المطلوب، و هو النهي عن النيابة مع اشتغال الذمة بحجة الإسلام و التمكن منها، و لعل ذلك هو المنشأ لاتفاق الأصحاب ظاهرا على ذلك، بل يمكن استفادة عدم جواز التطوع منه أيضا باعتبار إطلاق النهي عن النيابة التي منها تطوع الحج أيضا، كما لو كان متبرعا، على أن المنع منها يستلزم ذلك، كما أن جواز التطوع يستلزم جوازها، لأن كلما جاز للمكلف فعله جازت النيابة فيه إلا ما خرج بالدليل، فما عن خلاف الشيخ من أنه يأثم و يصح حجه في غير محله، بل قد يستفاد منه و لو بمعونة كلام الأصحاب بناء على إرادة المثال مما فيه عدم الفرق بين حج الإسلام و غيره من أفراد الحج الواجبة فورا بإجارة أو عهد أو يمين أو غيرها، و لذا قال المصنف و كذا من وجب عليه أي الحج بنذر مقتض للفورية أو إفساد و نحوهما مما كان وجوبه على الوجه المزبور، فلا يكون مدركه مسألة الضد التي هي محل خلاف، مع أن المسألة هنا وفاقية على الظاهر، فتأمل جيدا.

[المسألة الرابعة في توقف حج المرأة على المحرم و عدمه]

المسألة الرابعة قد عرفت سابقا أنه لا فرق في وجوب الحج بين الذكر و الأنثى و الخنثى بعد حصول سببه، ف لا يشترط حينئذ في وجوب الحج وجود المحرم في النساء مع عدم الحاجة إليه بل يكفي غلبة ظنها بالسلامة على نفسها و بعضها للرفقة مع ثقات و كونها مأمونة أو غير ذلك بلا خلاف أجده فيه بيننا، لصدق الاستطاعة بعد جواز خروجها مع عدم الخوف نصا و فتوى بدونه،

قال صفوان الجمال (1) لأبي عبد الله (عليه السلام): «قد عرفتني بعملي تأتيني

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

331

المرأة أعرفها بإسلامها و حبها إياكم و ولايتها لكم ليس لها محرم قال: إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها فإن المؤمن محرم المؤمنة، ثم تلا هذه، وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (1)»

و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح سليمان بن خالد (2): «في المرأة تريد الحج ليس معها محرم هل يصلح لها الحج؟ قال: نعم إذا كانت مأمونة»

و سأله معاوية بن عمار (3) أيضا «عن المرأة تحج بغير ولي فقال: لا بأس تخرج مع قوم ثقات»

و في خبره الآخر (4) «لا بأس و إن كان لها زوج أو أخ أو ابن أخ فأبوا أن يحجوا بها و ليس لهم سعة فلا ينبغي لها ان تقعد، و لا ينبغي لهم أن يمنعوها»

إلى غير ذلك من الأخبار.

نعم لو فرض توقف حجها عليه للخوف بدونه اعتبر حينئذ و إن لم يجب عليه الإجابة، و لو اقترح أجرة أو نحوها وجب عليها مع استطاعتها لذلك و إن كان أزيد من أجرة المثل، و إلا لم يجب الحج عليها، ضرورة كونه حينئذ كغيره من المقدمات التي فرض توقف الحج عليها و هل يجب عليها تحصيل أصل المحرم حال توقف الحج عليه فيجب عليها التزويج مثلا؟ إشكال، و لو ادعى الزوج الخوف عليها و أنكرت ذلك ففي الدروس عمل بشاهد الحال أو بالبينة، فإن انتفيا قدم قولها، و الأقرب أنه لا يمين عليها، و قال أيضا: و لو زعم الزوج انها غير مأمونة على نفسها و صدقته فالظاهر الاحتياج إلى المحرم، لأن في رواية أبي بصير (5) و عبد الرحمن (6) «تحج بغير محرم إذا كانت مأمونة»

و إن اكذبته فأقام بينة بذلك أو شهدت به القرائن فكذلك، و إلا فالقول قولها، و هل يملك الزوج محقا منعها باطنا؟ نظر، و تبعه على ذلك كله في المدارك و الحدائق، لكن قد يشكل عدم اليمين عليها

____________

(1) سورة التوبة- الآية 72.

(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 58- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 58- من أبواب وجوب الحج- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 58- من أبواب وجوب الحج- الحديث 6.

332

بعموم

قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر»

و دفعه بعدم الحق له عليها في هذا الحال فلا يمين له عليها يقتضي الإشكال في أصل سماع دعواه في ذلك باعتبار كونها هي المكلفة، و قد رفع الشارع سلطنته عنها مع حصول شرائط استطاعتها عندها، و كذا الإشكال في النظر الأخير بالنسبة إلى عدم جواز منعها باطنا، إذ مقتضى أحد وجهيه عدم جواز ذلك له و إن كان محقا في دعواه واقعا، و ما ذاك إلا لعدم السلطنة له و إن كانت غير مأمونة، و لو فرض الخلل في عرضه من ذلك سار معها حفظا لعرضه لا أنه يمنعها عن أداء تكليفها، على أن العرض مشترك بينه و بين غيره من أرحامها، و ظاهرهم اختصاص الدعوى بين الزوج و زوجته في ذلك، و لعله لأن حق البضع مختص به دون غيره، إلا ان ذلك يقتضي جواز المنع له باطنا، و يقتضي توجه اليمين له عليها، و دعوى كون المراد من ذلك كله إثبات عدم استطاعتها- فليس لها الخروج بدون إذنه، لما ستعرفه من اختصاص سقوط السلطنة بالحج الواجب- يدفعها عدم اختصاص ذلك في المقام، مع أن ظاهرهم ذلك دونه بالنسبة إلى المال و نحوه من شرائط الاستطاعة و إن كان المتجه أن له ذلك باعتبار تعلق حق الاستمتاع و غيره فيها، لكن ينبغي حينئذ جريان حكم باقي الدعاوي عليها من اليمين مع الإنكار و المنع باطنا مع عدم الإثبات و نحو ذلك، كما ان المتجه عدم سماع دعواه لو أراد بها ما يقتضي عدم ائتمانها في نفسها على بعضها مثلا، فان ذلك انما يقتضي سيره معها لا انه يتسلط على منعها من الحج، فتأمل جيدا.

و كيف كان ف لا يصح حجها تطوعا إلا بإذن زوجها إجماعا محكيا عن التذكرة، بل في المدارك نسبته إلى علمائنا أجمع، بل فيها عن المنتهى

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

333

لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم، و هو الحجة، مضافا إلى

موثق إسحاق بن عمار (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن الامرأة الموسرة قد حجت حجة الإسلام تقول لزوجها أحجني مرة أخرى، إله أن يمنعها؟ قال: نعم، يقول لها: حقي عليك أعظم من حقك علي في ذا»

و منه يعلم الوجه في التوقف على الاذن، ضرورة تعلق حقه فيها بالاستمتاع و نحوه، فليس لها فعل ما ينافي حقه من دون إذنه على حسب غيره من الحقوق، و اليه يرجع ما عن بعضهم من الاستدلال على المطلوب بأن حق الزوج واجب، فلا يجوز لها تفويته بما ليس بواجب، فما في المدارك- من المناقشة فيه بأنه انما يقتضي المنع من الحج إذا استلزم تفويت حق الزوج، و المدعى أعم- في غير محلها، ضرورة اقتضاء علقة الزوجية سلطنته على ذلك، كما يومي اليه قوله تعالى (2) «الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ» و الخبر المزبور، بل يومي اليه أيضا حق الإسكان الذي تعيينه إلى الزوج على أن الإحرام و الطواف و صلاته و السعي و نحوها منافية للاستمتاع الذي هو حقه، بل السفر نفسه منقص له و إن صاحبها، بل الظاهر ثبوت حقه في ذلك على وجه له المنع و إن كان ممنوعا من فعل الاستمتاع بمرض أو سفر أو إحرام أو نحو ذلك، و من هنا أطلق المنع في النص و الفتاوى و معقد الإجماع، و هذا، و في كشف اللثام بعد أن حكى عن التذكرة الإجماع على توقف حجها على الاذن قال:

«و لكن توقف سفرها على إذن الزوج يحتمل أن يكون لعلقة الزوجية الموجبة للسلطنة، و ان يكون لحق الإسكان الذي تعيينه إلى الزوج، و أن يكون لحق الاستمتاع، فعلى الأولين له منعها من مصاحبته في السفر، و احتمل على الثالث

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(2) سورة النساء- الآية 38.

334

أيضا، لتطرق النقص إليه في السفر، و عليه دون الثاني له منع المتمتع بها، و على الأول احتمال، قيل: لو سافر للحج ففي منع المتمتع بها ضعف لبقاء التمكين و تحقق بذل العوض، قيل: فهل له منعها عن الإحرام ندبا نظر، فان كان غير محرم فالظاهر له منعها تحصيلا لغرضه، و إن كان محرما فالظاهر لا يتحقق المنع من طرفه و ينسحب في المريض المدنف على ضعف، لإمكان إفاقته، مع تخيل مثل ذلك في المحرم، لإمكان صده أو حصره فيتحلل، و لكن ينبغي أن يحرما معا أو تحرم بعده، و أما الإحلال فيجوز تقدمها قطعا، و الظاهر جواز المقارنة، و هل لها تأخيره بتأخير المحلل أو المعد للتحلل؟ وجهان من فوات حق الزوج، و من ارتفاع حقه باحرامها الصحيح» قلت: قد عرفت التحقيق في ذلك و أن له التسلط على المنع، بل ليس لها الفعل إلا بالإذن مطلقا، لمنافاة نفس الفعل لحقه، و للآية و الخبر و غيرهما مما سمعت، فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكره من التفريع و الترديد.

نعم لها ذلك في الواجب المضيق كيف كان لعدم الطاعة للمخلوق في معصية الخالق، و المعتبرة التي منها

صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن امرأة لها زوج و هي صرورة لا يأذن لها في الحج قال: تحج و إن لم يأذن لها»

بل فيما رواه

الصدوق عن عبد الرحمن (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«تحج و إن رغم أنفه»

و في صحيح معاوية بن وهب (3) «لا طاعة له عليها في حجة الإسلام و لا كرامة، تحج إن شاءت»

و في صحيح محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن امرأة لم تحج و لها زوج و أبى ان يأذن لها في الحج فغاب زوجها هل لها ان تحج؟ فقال: لا طاعة له عليها في حجة الإسلام»

بل

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب وجوب الحج الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 59- من أبواب وجوب الحج الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 59- من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 59- من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

335

ظاهر إطلاق المصنف و غيره و صريح المدارك عدم الفرق في الواجب بين المضيق و الموسع، و إن كان قد يشكل في الأخير بعد ظهور النصوص المزبورة في غيره بعدم الدليل على ترجيح الواجب الموسع على حقه المضيق، بل لعل مقتضى الأدلة خلافه، و من هنا حكى في المدارك عن بعضهم ان له المنع فيه الى محل التضييق، و لكن استضعفه، لأصالة عدم سلطنته عليها في ذلك و فيه انه يكفي فيه إطلاق أدلة وجوب الطاعة و تضييق حق الاستمتاع بها.

و كذا الكلام لو كانت في عدة رجعية في الحج المندوب و الواجب مضيقة و موسعة، لأنها بحكم الزوجة،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (1): «المطلقة ان كانت صرورة حجت في عدتها، و ان كانت حجت فلا تحج حتى تنقضي عدتها»

و عليه يحمل إطلاق

صحيحة معاوية بن عمار (2) عنه (عليه السلام) أيضا «لا تحج المطلقة في عدتها»

و خبره (3) أيضا «المطلقة تحج في عدتها ان طابت نفس زوجها»

نعم في البائنة لها المبادرة في الحج المندوب في عدتها من دون إذنه لانقطاع عصمة الزوجية، فهي حينئذ كالمعتدة من الوفاة التي استفاضت النصوص في جواز حجها في العدة، ففي

موثق داود بن الحصين (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن المتوفى عنها زوجها قال:

تحج و ان كانت في عدتها»

و موثق زرارة (5) عنه (عليه السلام) أيضا سأله «عن التي

____________

(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب العدد- الحديث 2 من كتاب الطلاق.

(4) الوسائل- الباب- 61- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 61- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2 و ليس فيه قوله: «في عدتها» و هو موجود في الفقيه ج 2 ص 269 الرقم 1312.

336

يتوفى عنها زوجها أ تحج في عدتها؟ قال: نعم»

و خبر أبي هلال (1) عنه (عليه السلام) أيضا فيها «تخرج إلى الحج و العمرة و لا تخرج التي تطلق، ان الله تعالى يقول وَ لٰا يَخْرُجْنَ (2)»

فما عن احمد بن حنبل من عدم الجواز للمتوفى عنها زوجها واضح الضعف، كاحتمال عدم جوازه للمطلقة بائنا، لإطلاق النصوص السابقة المحمولة عند الأصحاب على الرجعية، كما عساه يشعر به الخبر الأخير (3) و الله العالم.

[القول الثاني في شرائط ما يجب بالنذر و اليمين و العهد]

القول في شرائط ما يجب بالنذر و اليمين و العهد في الجملة، إذ تفصيل ذلك في محله

[شرائطها اثنان]

و شرائطها اثنان إذ لا يشترط في الواجب بها ما يشترط في حج الإسلام، بل يكفي فيه التمكن منه كما هو واضح.

[الشرط الأول كمال العقل]

الأول كمال العقل في الناذر فلا ينعقد نذر الصبي و لا المجنون بلا خلاف فيه كما في المدارك، لارتفاع القلم عنهما، و سقوط حكم عبارتهما، و لا المغمى عليه و لا الساهي و الغافل و لا النائم بل و لا السكران و إن أخذ بما يجنبه أو يتركه من الواجب بسبب اختياره شرب المسكر، و لا مدخلية هنا لشرعية عبادة الصبي و تمرينيتهما، كما لا فرق بين بلوغه عشرا و عدمه.

[الشرط الثاني الحرية]

الشرط الثاني الحرية، فلا يصح نذر العبد إلا بإذن مولاه لأنه مملوك العين و المنافع، و لذا لا يقدر على شيء، و في صحيح منصور بن حازم (4) عن الصادق (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «لا يمين لولد مع والده، و لا لمملوك مع

____________

(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

(2) سورة الطلاق- الآية 1.

(3) الوسائل- الباب- 60- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 10- من كتاب الايمان- الحديث 2.

337

مولاه، و لا للمرأة مع زوجها»

و في صحيحه الآخر (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «لا رضاع بعد فطام، و لا وصال في صيام، و لا يتم بعد احتلام، و لا صمت يوما إلى الليل، و لا تعرب بعد هجرة، و لا هجرة بعد الفتح، و لا طلاق قبل نكاح، و لا عتق قبل ملك، و لا يمين لولد مع والده، و لا لمملوك مع مولاه، و لا للمرأة مع زوجها، و لا نذر في معصية، و لا يمين في قطيعة رحم»

و خبر عبد الله بن ميمون القداح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يمين للولد مع والده، و لا للمرأة مع زوجها، و لا للملوك مع سيده»

إلا أن مورد هذه النصوص جميعها اليمين لكن الأصحاب جزموا باتحاد حكم الجميع، و هو الظاهر، خصوصا بعد

خبر الحسين بن علوان (3) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا أن يأذن سيده»

بل و خصوصا بعد معلومية اتحاد الثلاثة في المعصية و قطيعة الرحم مع اقتصاره في الأول على النذر، و في الثاني على اليمين، بل يمكن دعوى القطع بكون المنشأ في ذلك الزوجية و الوالدية و السيدية لا كونه يمينا، و حينئذ فالمناقشة في المقام و ما ألحق به من الزوجة و الولد بأن الوارد اليمين فإلحاق النذر و العهد به قياس ممنوع عندنا و إن اشترك الجميع في بعض الأحكام ضعيفة لما عرفت، مؤيدا بإطلاق اليمين على النذر في الخبر المروي (4) عن الكاظم (عليه السلام) لما سئل «عن جارية حلف عليها سيدها أن لا يبيعها فقال: لله علي أن لا أبيعها فقال (عليه السلام): ف لله

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من كتاب الأيمان- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من كتاب الأيمان- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 15- من كتاب النذر و العهد- الحديث 2.

(4) التهذيب ج 8 ص 310 الرقم 1149.

338

بنذرك»

و في موثق سماعة (1) «إنما اليمين الواجبة التي ينبغي لصاحبها أن يفي بها ما جعل الله عليه في الشكر إن هو عافاه من مرضه أو عافاه الله تعالى من أمر يخافه أو رد عليه ماله أو رده من سفره أو رزقه الله رزقا فقال: لله علي كذا و كذا شكرا فهذا الواجب على صاحبه الذي ينبغي له أن يفي به»

بل في الحدائق الاستدلال على ذلك ب

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2): «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق و لا صدقة و لا تدبير و لا هبة و لا نذر في مالها إلا بإذن زوجها إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها»

و إن كان هو كما ترى خصوصا بعد عدم القائل بمضمونه.

و على كل حال ف لو أذن له مولاه في النذر فنذر وجب لعموم أدلته و جاز له المبادرة مع السعة و لو نهاه لكن فيه الاشكال السابق كما اعترف به هنا في كشف اللثام، نعم لا إشكال في ذلك مع الضيق، بل في محكي المنتهى و التحرير يجب عليه الحمولة مع الحاجة، لأنه السبب في شغل ذمته و إن كان لا يخلو من نظر أو منع، بل لعله كذلك أيضا في وجوب تمكينه من تحصيل ما يتوقف عليه الحج الواجب باستئجار على عمل و نحوه، و إن جعله في المدارك وجها قويا، هذا.

و قد ظهر لك مما ذكرنا أنه كذلك الحكم في ذات البعل بلا خلاف أجده فيه لا لما قيل من توقف حجها تطوعا على الاذن من الزوج، فإنه غير الاذن في النذر، بل لما سمعت من النص في اليمين الملحق به النذر و العهد بغير القياس الممنوع فيتوقف حينئذ صحة الثلاثة على الاذن منه، و معها ليس له المنع في

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من كتاب النذر و العهد- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 15- من كتاب النذر و العهد- الحديث 1.

339

الضيق، و في السعة على الاشكال السابق، و لو كانت أمة مزوجة توقف صحة نذرها على إذن المولى و الزوج، ثم إن الاذن المعتبرة يكفي في الصحة لحوقها في وجه قوي.

و يلحق بالزوجة و المملوك الولد على ما ذكره جماعة، لاشتراكه معهما في الأدلة السابقة، لكن في القواعد بعد اعتبار الاذن في الزوجة و العبد قال:

للأب حل يمين الولد، و ظاهره عدم اعتبار الاذن في الصحة، و انما له حلها، بل في الحدائق نسبته إلى المشهور، بل ظاهره أو صريحه كون الشهرة على ذلك في الزوجة و العبد أيضا، و في كشف اللثام يأتي للمصنف استقرابه عدم اشتراط انعقاد نذر أحد من الثلاثة باذن أوليائهم، و انما لهم الحل متى شاءوا، و إذا لم يأذنوا فإن زالت الولاية عنهم قبل الحل استقر المنذور في ذممهم، و فيه أن الفرق بينهما و بين الولد واضح، لمملوكية منافعهما دونه، نعم قد عرفت اتحاد كيفية دلالة الدليل في الجميع، و لعله ظاهر في اعتبار الاذن، بل قد عرفت التصريح به في خبر الحسين بن علوان (1) الذي به يستكشف المراد مما في غيره، مضافا إلى ظهور إرادة نفي الصحة في غيره مما تضمنه باللفظ المزبور، و لعله لذا كان المحكي عن ثاني الشهيدين اعتبار الاذن في الثلاثة، و وافقه عليه بعض من تأخر عنه، و أما المناقشة باختصاص الدليل باليمين و لذا اقتصر عليه بعضهم في كتاب الأيمان و ساوى هنا بينه و بين العهد و نظر في النذر فقد عرفت الجواب عنها، و أن الظاهر اتحاد حكم الجميع و يأتي إن شاء الله تمام الكلام في ذلك في كتاب النذور و الأيمان، كما يأتي تمام الكلام فيما ذكره بعضهم هنا من أنه لو نذر الكافر أو عاهد لم ينعقد، لتعذر نية القربة منه و إن استحب له الوفاء، و لو حلف انعقد على رأي.

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من كتاب النذر و العهد- الحديث 2.

340

[مسائل ثلاث]

مسائل ثلاث:

[الأولى إذا نذر الحج مطلقا فمنعه مانع]

الأولى إذا نذر الحج مطلقا غير مقيد بوقت فمنعه مانع أخره حتى يزول المانع و لا يبطل النذر بذلك ما لم يكن مانعا عنه في جميع الأوقات التي تدخل تحت الإطلاق إلى الموت، فان المعروف بين الأصحاب- حتى نسبه في المدارك إلى قطعهم، و حكى عن جده نفي الخلاف فيه- ان النذر المطلق يجوز تأخيره إلى ظن الوفاة، لكن في كشف اللثام عن التذكرة أن عدم الفورية أقوى، فاحتمل الفورية إما لانصراف المطلق إليها كما قيل في الأوامر المطلقة، أو لأنا إن لم نقل بها لم يتحقق الوجوب لجواز الترك ما دام حيا، أو لضعف ظن الحياة هنا، لأنه إذا لم يأت به في عام لم يمكنه الإتيان به إلا في عام آخر، أو لإطلاق بعض (1) الأخبار الناهية عن تسويف الحج، قلت: و لذلك جعل بعضهم الغاية في الأوامر المطلقة الوصول إلى حد التهاون عرفا، و قد يقال باستحقاقه العقاب بالترك تمام عمره مع التمكن منه في بعضه و إن جاز له التأخير إلى وقت آخر بظن التمكن منه، فان جواز ذلك له بمعنى عدم العقاب عليه لو اتفق حصول التمكن له في الوقت الثاني لا ينافي استحقاق عقابه لو لم يصادف بالترك في أول أزمنة التمكن و تمام تحرير ذلك في غير المقام.

و لعله لذا لو تمكن من أدائه ثم مات قضي عنه من أصل تركته كما هو مقطوع به في كلام أكثر الأصحاب على ما في المدارك، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطعهم و إن قال للنظر فيه مجال، للأصل و افتقار وجوبه إلى أمر جديد تبعا لما في المدارك حيث أنه بعد ان حكى عنهم الاستدلال له بأنه واجب مالي ثابت في الذمة فيجب قضاؤه من أصل المال كحج الإسلام قال: و هو استدلال ضعيف، للأصل بعد احتياج القضاء إلى أمر جديد كما في حجة الإسلام، و لمنع

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب وجوب الحج.

341

كونه واجبا ماليا، فإنه عبارة عن أداء المناسك، و ليس بذل المال داخلا في ماهيته و لا من ضرورياته، و توقفه في بعض الصور كتوقف الصلاة عليه على بعض الوجوه، كما إذا احتاج إلى شراء الماء أو استيجار المكان و الساتر مع القطع بعدم وجوب قضائها من التركة.

و ذهب جمع من الأصحاب إلى وجوب قضاء الحج المنذور من الثلث، و مستنده غير واضح، و بالجملة النذر انما تعلق بفعل الحج مباشرة، و إيجاب قضائه من الأصل أو الثلث يتوقف على الدليل، و تبعه على ذلك أيضا في كشف اللثام، فإنه- بعد أن حكى قضاءه من الأصل عن الفاضلين و ظاهر الشيخين، لأنه دين كحجة الإسلام- قال: و عليه منع ظاهر، ثم حكى عن أبي علي و الشيخ في النهاية و التهذيب و المبسوط و ابني سعيد في المعتبر و الجامع الإخراج من الثلث للأصل و كونه كالمتبرع به و صحيح ضريس (1) سأل أبا جعفر (عليه السلام) «عن رجل عليه حجة الإسلام، و نذر نذرا في شكر ليحجن رجلا إلى مكة فمات الذي نذر قبل أن يحج حجة الإسلام و من قبل أن يفي بنذره مات قال: إن ترك مالا يحج عنه حجة الإسلام من جميع المال، و أخرج من ثلثه ما يحج به رجلا لنذره و قد و في بالنذر، و إن لم يترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الإسلام حج عنه بما ترك، و يحج عنه وليه حجة النذر، انما هو مثل دين عليه»

و صحيح ابن أبي يعفور (2) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام فعافى الله الابن و مات الأب فقال: الحجة على الأب يؤديها عنه بعض ولده، قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه فقال:

هي واجبة على الأب من ثلثه، أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه»

فإن إحجاج

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

342

الغير ليس الا بذل المال لحجة، فهو دين مالي محض بلا شبهة، فإذا لم يجب إلا من الثلث فحج نفسه أولى، قلت: قد يقال بعد الاتفاق ظاهرا على القضاء عنه أن الخطاب بالحج من الخطابات الدينية على معنى ثبوته في الذمة على نحو ثبوت الدين فيها لا أنه مثل خطاب السيد لعبده يراد منه شغل الذمة بإيجاده في الخارج و إن لم يثبت في الذمة ثبوت دين، و من هنا وجب في حج الإسلام إخراج قيمة العمل من أصل التركة، و بهذا المعنى كان واجبا ماليا لا من حيث احتياجه إلى المقدمات المالية التي لم تخرج من أصل التركة ما لم يوص بها على الأصح، بل لعل خطاب النذر الذي هو نحو الخطاب بالإجارة أولى من الخطاب الأصلي بذلك، على أن متعلق النذر الحج على حسب مشروعيته، و قد عرفت أنها على الوجه المزبور، بل

قوله (عليه السلام): «انما هو مثل دين عليه»

رمز إلى ما ذكرنا، بل إيجاب المال في نذر الإحجاج في الصحيحين السابقين من ذلك أيضا، و كذا

الصحيح (1) عن مسمع بن عبد الملك «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كانت لي جارية حبلى فنذرت لله تعالى إن هي ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه فقال: إن رجلا نذر لله في ابن له إن هو أدرك أن يحجه أو يحج عنه فمات الأب و أدرك الغلام بعد فأتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسأله عن ذلك فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يحج عنه مما ترك أبوه».

و بذلك اتجه ما سمعته من الأصحاب من وجوب أصل القضاء و كونه من أصل المال، لأنه واجب ديني بالمعنى الذي عرفت، و من هنا حمل في محكي المختلف الصحيحين السابقين على النذر في مرض الموت، لمخالفتهما للضوابط، ضرورة عدم الوجه لخروجه من الثلث بعد كونه واجبا ماليا، بل و مع فرض كونه واجبا

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من كتاب النذر و العهد- الحديث 1.

343

بدنيا انما يجب من الثلث مع الوصية به لا بمجرد النذر، و دعوى سقوط وجوب النذر بالموت مما اتفق النص (1) و الفتوى على بطلانها، و عن منتقى الجمان حملهما على الندب المؤكد الذي قد يطلق عليه لفظ الوجوب، و لعله لعدم ظهورهما في الموت بعد التمكن من النذر الذي هو مفروض المسألة، بل لعل الأول منهما ظاهر في خلافه، فلا بأس بحملهما حينئذ على ضرب من الندب بعد ما عرفت من التحقيق الذي لا محيص عنه، و منه يعلم ما في الحدائق من الاطناب المشتمل على كمال الاضطراب، و لا ينافي ذلك اعتبار تعذر المباشرة في جواز الاستنابة بعد دلالة الدليل عليه، كما لا ينافيه عموم ما دل (2) على منع التصرف فيما عدا الثلث من مال الميت بعد ما عرفت من كونه من قسم الدين و شبهه، و لا إطلاق ما دل على الإخراج من الثلث فيما عدا حجة الإسلام، ك

صحيح معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن رجل مات و أوصى ان يحج عنه قال: إن كان صرورة حج عنه من وسط المال، و إن كان غير صرورة فمن الثلث»

و حسنه (4) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل توفي و أوصى ان يحج عنه قال: إن كان صرورة فمن جميع المال، إنه بمنزلة الدين الواجب، و إن كان قد حج فمن ثلثه»

بعد انصراف غير المفروض منه، كاختصاص حجة الإسلام بالقضاء من صلب المال في قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح (5): «يقضى عن الرجل حجة الإسلام من جميع ماله».

ثم إنه لو مات و كان عليه حجة الإسلام و النذر فان اتسع المال لاخراجهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 10 و 11- من كتاب الوصايا.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب وجوب الحج الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب وجوب الحج الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

344

فلا إشكال فيه، و لو لم يتسع إلا لأحدهما فبناء على القول بخروج المنذورة من الثلث يتجه تقديم حجة الإسلام و إن تأخر سببها، فإنها كالدين، فلا تعارضها المنذورة المفروض كونها كالوصية، نعم على المختار يتجه التقسيط بناء على تساويهما في الخروج من الأصل، لأنهما معا حقان ماليان، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر خلافا لبعض فأوجب تقديم حجة الإسلام، لأن وجوبها ثابت بأصل الشرع، و لأنه كان تجب المبادرة فيها فيجب الابتداء بإخراجها قضاء، و هما كما ترى، نحو الاستدلال من بعضهم على ذلك بصحيح ضريس (1) الذي فيه إخراج المنذور من الثلث، و هو غير المفروض، لكن ذلك كله إذا فرض قيام القسط بكل منهما، و إلا فالظاهر التخيير مع احتمال تقديم ما تقدم سببه، هذا، و لا يخفى عليك كون الأمر بقضاء الولي عنه في صحيح ضريس للندب، كما يدل عليه الصحيح الآخر (2) فما عن ابن الجنيد من الوجوب واضح الضعف.

و كيف كان ف لا يقضى عنه إذا مات قبل التمكن منه بلا خلاف أجده فيه، للأصل السالم عن معارضة خطاب النذر الذي انكشف عدم تعلقه بعدم التمكن منه، نعم في كشف اللثام بعد شرح ما في القواعد من نحو المتن قال: و يشكل الفرق بينه و بين الصوم المنذور إذا عجز عنه مع حكمه بقضائه في الأيمان، و إن فرق بوجود النص على قضائه إذا اتفق عيدا لزمه القول بقضائه حينئذ، مع أنه يقوى عدمه، و هو ليس إشكالا لأصل الحكم.

هذا كله مع الإطلاق في النذر فان عين الوقت ف ان أخل به مع القدرة قضى عنه وجب عليه الكفارة و القضاء بلا خلاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

345

أجده فيه، بل هو مقطوع به في كلام الأصحاب كما اعترف به في المدارك لما سمعت فان مات و لم يقضه قضي عنه من الأصل على الأصح لما عرفت و إن منعه عنه عارض كمرض أو عدو حتى مات لم يجب قضاؤه عنه إجماعا في المدارك، كما انه لم يجب عليه القضاء بعد الوقت للأصل السالم عن المعارض، لكن عن الفاضل في الأيمان أنه قطع بسقوط القضاء إذا صد، و استشكله إذا تعذر بمرض، و هو كما ترى، و في المدارك بعد حكاية الإجماع المزبور قال: «و لا يخفى أن طرو المانع من فعل المنذور في وقته لا يقتضي بطلانه، لوقوعه صحيحا ابتداء و إن سقط الواجب بالعجز عنه، و هذا بخلاف نذر غير المقدور ابتداء كالطيران و نحوه، فان النذر يقع فاسدا من أصله، كما هو واضح» قلت: لا فرق بينهما إلا بالعلم بفساد الثاني ابتداء بخلاف الأول، فإنه بعد ذلك يعلم، نعم لا مانع من مجيء الدليل بقضائه في بعض الأفراد لوقوع صورة صيغة النذر، و الله العالم.

و لو نذر الحج أو أفسد حجه و هو معضوب حال النذر و الإفساد قيل و القائل الشيخ و أتباعه فيما حكي عنهم يجب أن يستنيب، و هو حسن في الثاني بناء على أن الثانية حجة الإسلام التي قد عرفت سابقا استنابة المعضوب فيها، لأن الحج واجب بدني و مالي، فإذا تعذر الأول تعين الثاني، و أما في النذر فقد يشكل بسقوط الواجب بالعجز عنه، و اختصاص الروايات (1) المتضمنة لوجوب الاستنابة بحج الإسلام، و بأن النذر إذا وقع حال العضب فان كان مقيدا بوقت معين و استمر المانع إلى ذلك الوقت بطل النذر، و إن كان مطلقا توقع المكنة، و مع اليأس يبطل، و لا تجب الاستنابة في الصورتين، نعم لو لاحظ في نذره الاستنابة وجب قولا واحدا، و لو حصل العضب بعد النذر

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب وجوب الحج.

346

و التمكن من الفعل ففي المدارك قد قطع الشارح و غيره بوجوب الاستنابة، و نحن نطالبهم بدليله، و للإشكال المزبور فسر الأصبهاني في كشفه عبارة القواعد التي هي كعبارة المتن بما سمعته من الشارع، قال: و السبب في ذلك ان عبارة المبسوط ليست نصا و لا ظاهرة في الوجوب على من نذر معضوبا، لأنها كذا «المعضوب إذا وجبت عليه حجة بالنذر أو بإفساد وجب عليه أن يحج عن نفسه رجلا، فإذا فعل فقد أجزأه» و على هذا فلا إشكال أصلا، و ما في المدارك من المطالبة بدليله يدفعها ما سمعته سابقا من كون الحج واجبا ماليا بالمعنى المذكور إلا ان الانصاف ظهور عبارة المبسوط في النذر معضوبا، و لعل وجهه فحوى ثبوتها في حجة الإسلام كذلك بتقريب أن مشروعيته على الوجه المزبور، فنذره ملزم به على حسبما هو مشروع، بل قد يقال بانصراف النذر شرعا إلى الاستنابة و إن لم يقصدها، لأصالة الصحة، و إطلاق ما دل على وجوب الوفاء بالنذر، فلا يحكم ببطلانه حينئذ إلا إذا قصد المباشرة فعلا، و الفرض اليأس منها، و لو تكلف المعضوب للسير لحجة الإسلام فشرع فهل ينويها و تجزيه إن أتمها، و يستقر إذا أفسد؟ احتمال قوي، لأنها انما سقطت عنه نظرا له و رخصة، فإذا تكلفها كانت أولى بالإجزاء من فعل النائب، و يحتمل العدم، لأن فرضه الاستنابة، فحجه كحج غير المستطيع، و الله العالم.

[المسألة الثانية إذا نذر الحج]

المسألة الثانية إذا نذر الحج فان نوى حجة الإسلام و كانت واجبة عليه و قلنا بانعقاده لأن أسباب الشرع معرفات، و تظهر الثمرة في الكفارة و غيرها تداخلا أي لم يجب به غيرها قطعا، بل في كشف اللثام اتفاقا، و إن لم يكن حين النذر مستطيعا توقعها، فان كان موقتا و قد أتى وقته و لم يستطع حتى انقضى انحل و إن نوى غيرها لم يتداخلا قطعا و اتفاقا في كشف اللثام أيضا نعم لو كان مستطيعا لها و نذر غيرها في عامه لغى إلا أن يقصد الفعل إن زالت

347

الاستطاعة فزالت، بل في المدارك احتمال الصحة لو خلي عن القصد حملا للنذر على الوجه الصحيح، أما لو أطلق في نذره أو قيده في سنة غير سنة الاستطاعة صح و قدم حجة الإسلام، و لو كان نذره حال عدم الاستطاعة وجب الإتيان بالنذر مع القدرة و إن لم تحصل الاستطاعة الشرعية كما في غيره من الواجبات، إذ هي شروط في وجوب حج الإسلام للدليل دون غيره، لكن في الدروس و الظاهر أن استطاعة النذر شرعية لا عقلية، فلو نذر الحج ثم استطاع صرف ذلك الى النذر، فان أهمل و استمرت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت حجة الإسلام أيضا، و ظاهر الأصحاب تقديم حجة الإسلام مطلقا، و صرف الاستطاعة بعد النذر إليها إلا أن يتعين سنة للنذر، فيصرف الاستطاعة فيها إلى حج النذر و أشكله في المدارك بأن الاستطاعة بهذا المعنى انما ثبت اعتبارها في حج الإسلام و غيره من الواجبات مراعى فيه التمكن من الفعل خاصة، و بأن النذر المطلق موسع و حجة الإسلام مضيقة، و المضيق مقدم على الموسع، و حينئذ فلو اتفق حصول الاستطاعة قبل الإتيان بالحج المنذور قدمت حجة الإسلام إن كان النذر مطلقا أو مقيدا بما يزيد عن تلك السنة أو بمغايرها، لأن وجوبها على الفور بخلاف المنذورة على هذا الوجه، و إلا قدم النذر لعدم تحقق الاستطاعة في تلك السنة، لأن المانع الشرعي كالمانع العقلي، و حينئذ فيراعى في وجوب حج الإسلام بقاء الاستطاعة إلى السنة الثانية، و قد يقال إن مراد الشهيد بقرينة تفريعه عدم وجوب حجة الإسلام بحصول الاستطاعة في عام النذر المطلق، إلا أن تبقى إلى السنة الثانية، لصيرورة الحج بالنذر و إن كان مطلقا كالدين، فيعتبر في وجوب حجة الإسلام حينئذ وفاؤه، و ليس المراد منه عدم وجوب الحج بالنذر إلا بملك الزاد و الراحلة نحو حج الإسلام، ضرورة أنه لا دليل عليه، و من المستبعد جزم الشهيد به.

348

و على كل حال ف ان أطلق في النذر أى لم يعين حجة الإسلام و لا غيرها قيل و القائل الشيخ في محكي النهاية و الاقتصاد و التهذيب: تداخلا و أجزأت حجة واحدة عنهما، ل

صحيح رفاعة (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام هل يجزيه ذلك عن حجة الإسلام؟ قال: نعم»

و نحوه صحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام)، و لعله لذلك كان المحكي عن النهاية أنه إن حج و نوى النذر أجزأ عن حجة الإسلام، و ان نوى حجة الإسلام لم يجز عن النذر مضافا الى ما قيل من أن العام لما كان عام حج الإسلام انصرفت النية اليه و ان نوى النذر، بخلاف حج النذر، فلا دليل على انصراف نية غيره اليه إلا أن يتعين في عامه، و لكن فيه ان الصحيحين انما يدلان على نذر المشي، و هو لا يستلزم نذر حج فيمشي اليه للطواف و الصلاة و غيرهما، فكأنهما سألا أن هذا المشي إذا تعقبه حج الإسلام هل يجزي أم لا بد له من المشي ثانيا و ظاهر أنه يجزى، أو سألا أنه إذا نذر حجة الإسلام فينوي بحجه المنذور دون حجة الإسلام.

و من هنا قيل و القائل المشهور لا تجزي إحداهما عن الأخرى بل عن الناصريات الإجماع عليه و هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها قاعدة تعدد المسبب بتعدد سببه المبني عليها كثير من مسائل الفقه في الكفارات و غيرها و إن قلنا ان أسباب الشرع معرفات، و من الغريب ما وقع من بعض متأخري المتأخرين حتى سيد المدارك من هدم هذه القاعدة، و دعوى صدق الامتثال بواحد في جميع مواردها، لكن يهون الخطب اختلال طريقتهم في كثير من المسائل، و الله العالم و الهادي.

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

349

[المسألة الثالثة إذا نذر الحج ماشيا]

المسألة الثالثة إذا نذر الحج ماشيا وجب في الجملة بلا خلاف أجده فيه، بل لعل الإجماع بقسميه عليه، لعموم دليل وفاء النذر (1) و خصوص

صحيح رفاعة (2) و غيره، لكن في أيمان قواعد الفاضل «لو نذر الحج ماشيا و قلنا المشي أفضل انعقد الوصف، و إلا فلا»

و في محكي إيضاح ولده «انعقد أصل النذر إجماعا، و هل يلزم القيد مع القدرة؟ فيه قولان مبنيان على ان المشي أفضل من الركوب أو العكس» و فيه ان المنذور الحج على هذا الوجه، و لا ريب في رجحانه و إن كان غيره أرجح منه، و ذلك كاف في انعقاده، إذ لا يعتبر في المنذور كونه أفضل من جميع ما عداه، فلا وجه حينئذ لدعوى عدم الانعقاد على هذا التقدير أيضا، كما أن ما في كشف اللثام من حمله على حال أفضلية الركوب من المشي لبعض الأمور السابقة كذلك أيضا، ضرورة عدم اقتضاء ذلك ذلك كما هو واضح، خصوصا بعد ما عرفته من ان اقتران الركوب ببعض الأمور لا يصير سببا لعدم رجحان المشي أصلا، بل أقصاه ترجيحه على المشي على نحو ترجيح قضاء حاجة المؤمن على النافلة أو بالعكس، فهو من ترجيح المندوبات بعضها على بعض، فلا إشكال في المسألة حينئذ، و صحيح الحذاء (3) سأل أبا جعفر (عليه السلام) «عن رجل نذر أن يمشي إلى مكة حافيا فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) خرج حاجا فنظر إلى امرأة تمشي بين الإبل فقال: من هذه؟

فقالوا: أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى مكة حافية، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا عقبة انطلق إلى أختك فمرها فلتركب، فان الله غني عن مشيها و حفاها»

حكاية حال كما عن المعتبر و المنتهى، و لعله (صلى الله عليه و آله) علم منها العجز، كما لعله يومي اليه

____________

(1) سورة الحج- الآية 30.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب وجوب الحج- الحديث 4.

350

مشيها بين الإبل، و يفهم منه حينئذ جواب السائل بأنه قد لا يجب وفاء هذا النذر أو أن المراد عدم الانعقاد من حيث الحفاء الذي من الغالب عسره على وجه يسقط التكليف به، خصوصا في بعض الأزمنة، هذا.

و الظاهر من اللفظ مع قطع النظر عن القرائن أن مبدأ وجوب المشي في نحو الفرض من حين الشروع في أفعال الحج، ضرورة كونه حالا من فاعل «أحج» فيكون وصفا له، و انما يصدق حقيقة بتلبسه به، كما أن منتهاه آخر الأفعال، و هو رمي الجمار،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح جميل (1): «إذا حججت ماشيا و رميت الجمرة فقد انقطع المشي»

و هو الذي حكاه عنه (عليه السلام)

الرضا (عليه السلام) في صحيح إسماعيل بن همام (2) «في الذي عليه المشي في الحج إذا رمى الجمرة زار البيت راكبا و ليس عليه شيء»

فما في المتن في النذور و الدروس من أن آخره طواف النساء بل قيل إنه المشهور في غير محله، كالقول بأن المبدأ من بلد النذر كما في الكتاب و القواعد في كتاب النذور و محكي المبسوط و التحرير و الإرشاد، أو بلد الناذر لأن الحج هو القصد، و قد أريد هنا القصد إلى بيت الله، و ابتداء قصده بالسفر اليه، و لأنه السابق إلى الفهم عرفا من نحو قولهم: حج ماشيا، بل بلد النذر هو بلد الالتزام فهو كبلد الاستطاعة، بل قيل: إن بلد الناذر هو المتبادر، إلا أن الجميع كما ترى، و قيل: من أقرب البلدين إلى الميقات، لأصل البراءة، بل في كشف اللثام يمكن القول بأنه من أي بلد يقصد فيه السفر إلى الحج، لتطابق العرف و اللغة فيه بأنه حج ماشيا، و ذلك كله يقتضي عدم تنقيح العرف في الإطلاق، فالمتجه بقاؤه على حقيقته إلا مع القرائن المقتضية لغيره من بلد النذر أو الناذر أو أقرب البلدين أو غير ذلك، و على ذلك يحمل المفهوم من

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب وجوب الحج- الحديث 3.